الفصل السابع

الانتقالات الكمية

كما أوضحنا في الفصل الثاني، يجسد ضوء الشمس ثنائية الموجة والجسيم؛ فهو في نفس الوقت موجة كهرومغناطيسية وتدفق من جسيمات ذات حزم طاقة غير قابلة للانقسام، وهي الفوتونات. ويمكن تقسيم استخدام الطاقة الشمسية إلى فئتين؛ الفئة الأولى: مرتبطة بطبيعتها الموجية ويمكن تفسيرها من خلالها، مثل توليد الحرارة والطلاءات المضادة للانعكاس الخاصة بالخلايا الشمسية. أما الفئة الثانية: فترتبط بالطبيعة الكمية للضوء. فكموم الضوء، أو الفوتونات، تثير الذرات والجزيئات والعناصر الصلبة وتنقلها من حالة الاستقرار لحالة إثارة، ثم تحول جزءًا من الطاقة إلى قدرة كهربية أو طاقة كيميائية، مثل الأنواع المختلفة للخلايا الشمسية والتمثيل الضوئي.

في هذا الفصل، سنعرض للأساس المفاهيمي لتأثير ضوء الشمس باعتباره تدفقًا من الفوتونات؛ أي، ميكانيكا الكم. ونتناول الحالات الكمية للنظم الذرية ومستويات طاقتها ودوالها الموجية والانتقالات الكمية الناتجة عن التفاعل مع الإشعاع.

(١) المفاهيم الأساسية لميكانيكا الكم

ميكانيكا الكم فرع من الفيزياء يتعامل مع الظواهر على المستوى الذري. وهي وصف مفاهيمي ورياضي لكيفية اجتماع الأنوية والإلكترونات معًا لتكوين مادة مكثفة ولكيفية تطور النظام عبر الوقت ولكيفية تفاعل النظام مع الإشعاع. وتكمن الصعوبة الأساسية في تعلم هذا الفرع من الفيزياء في أن مقياس الظواهر الذرية يكون أقل من نانومتر واحد ويختلف كثيرًا عن الظواهر على المقياس العياني. على سبيل المثال، الميكانيكا النيوتنية وصف مفاهيمي ورياضي للظواهر العيانية. وباستخدام تلسكوب، يمكن رصد حركة الأجرام السماوية وقياسها على نحو مباشر للتحقق من الميكانيكا النيوتنية. على الجانب الآخر، باستخدام ميكروسكوبات ضوئية، يمكن رصد أجسام تُقاس بالميكرومتر، مثل الخلايا في علم الأحياء، والتحقق منها وفهمهما على نحو مباشر. ومؤخرًا فقط أصبح بالإمكان الرصد المباشر للظواهر على المستوى الذري، وهي كيانات ميكانيكا الكم، باستخدام «ميكروسكوبات المسح النفقي» و«ميكروسكوبات القوة الذرية».

(١-١) الحالات الكمية: مستويات الطاقة والدوال الموجية

في الميكانيكا النيوتنية، هناك مفاهيم محددة بدقة تصف الظواهر الفيزيائية: الموقع والسرعة المتجهة والتسارع والزخم والزخم الزاوي والكتلة والقوة. إن قوانين نيوتن هي القوانين الطبيعية التي تقف وراء هذه الظواهر. وكانت حركة الكواكب في المجموعة الشمسية وحركة أقمار الكواكب أول الأمثلة — ولا تزالان من أفضلها — التي تبين الميكانيكا النيوتنية.

إن تركيب الذرة مماثل لتركيب مجموعة شمسية مصغرة: بروتون ثقيل وموجب الشحنة محاط بعدد من الإلكترونات الضوئية سالبة الشحنة، لكن الميكانيكا الكلاسيكية غير ملائمة على الإطلاق لوصف النظم الذرية؛ فهي فشلت حتى في تفسير الحقيقة التي تقول إن النظام الذري يمكن أن يوجد ككيان مستقر. وكما أن الميكانيكا النيوتنية تستخدم لوصف الرصد التجريبي لحركات الأجرام السماوية والأجسام العيانية على الأرض، فإن ميكانيكا الكم تُستخدم لوصف حركات الأجسام على المستوى الذري. وبدلًا من مفاهيم الموقع والسرعة المتجهة والتسارع والزخم والزخم الزاوي والكتلة والقوة وهكذا، فإن المفهوم الأساسي لميكانيكا الكم هو «الحالة». وطبقًا لديراك، الحالة الكمية هي إحدى «الحركات الممكنة المتعددة للجسيمات أو الأجسام المتوافقة مع قوانين القوة»، وهي تُمثل من خلال «متجه برا»، ، أو «متجه كيت»، . وبالنسبة للنظم المقيدة، مثل الذرات والجزيئات، تكون الحالات منفصلة ويمكن تسميتها عن طريق أعداد كمية منفصلة مثل:
(7-1)
وتُسمى الحالات الكمية في الفضاء اللامتناهي باستخدام متغيرات متصلة. على سبيل المثال، يمكن تسمية حالة الموجة المستوية باستخدام متجه موجي :
(7-2)
يمكن تمثيل الحالات بمتجه بعناصر مركبة من الرتبة اللامتناهية أو بدالة مركبة من الإحداثيات المكانية ، أو الدالة الموجية. وبالنسبة للمتجه، تكون عناصر أو قيم البرا المرافقات المركبة لعناصر أو قيم الكيت. وبالنسبة للدالة الموجية، يُمثل البرا بالمرافق المركب لذلك الخاص بدالة كيت الموجية، .
الكلمتان «برا» و«كيت» مأخوذتان من كلمة «براكيت» (وهي التمثيل الصوتي لكلمة bracket، أي القوس). ويمثل التعبير عن قوس كامل الجداء الداخلي للمتجه:
(7-3)
بحيث يكون هو المرافق المركب ﻟ أو التكامل المكاني للدوال الموجية:
(7-4)

(١-٢) المتغيرات الديناميكية ومعادلة الحركة

يُعبَّر عن المتغيرات الديناميكية كمؤثرات للحالات؛ فإذا مُثلت حالة بمتجه، إذن فالمؤثر يُمثل بمصفوفة. ومن أجل الوضوح، سنستخدم أسلوب الترميز الذي يميز المؤثر بوضع علامة مد على الحرف. على سبيل المثال، إن
(7-5)

يعني:

(7-6)

وحتى تكون قيم المتغير الديناميكي حقيقية، يجب أن تكون المصفوفة «هرميتية»؛ أي أنها يجب أن تكون لها الخواص:

(7-7)
من ثَم، يجب أن تكون العناصر القطرية للمؤثر حقيقية. فإذا لم يكن أحد المؤثرات هرميتيًّا، فيمكن أن نعرف «مؤثرًا مرافقًا» بحيث يكون:
(7-8)
من السهل إثبات أن كلًّا من و هرميتيان.
طبقًا لمؤسسي علم ميكانيكا الكم (هايزنبرج وشرودنجر وديراك)، فإن هذا العلم صِيغ من الشكل المعياري للميكانيكا الكلاسيكية بإحداثي وزخمه المرافق والدالة الهاملتونية لكل من و ، أي، . وتُبنى الميكانيكا الكمية للنظام باعتبار المتغيرات الديناميكية كمؤثرات تحقق علاقة التبادل التالية:
(7-9)
بحيث هو ثابت ديراك الذي يساوي ثابت بلانك مقسومًا على . على سبيل المثال، في تمثيل الدالة الموجية، الزخم هو:
(7-10)
ومن ثَم يمكن بسهولة التحقق من علاقة التبادل (معادلة 7-9). وتكون أي حالة كمية بوجه عام معتمدة على الزمن، ويتبع تطورها «معادلة الحركة»:
(7-11)
بحيث هو المؤثر الهاملتوني للنظام كدالة من الإحداثي والزخم . وبالنسبة لنظام مغلق، لا يمكن أن يشتمل المؤثر الهاملتوني على زمن على نحو صريح. وفي هذه الحالة، يكون للمعادلة 7-11 سلسلة من «حلول الحالات المستقرة»:
(7-12)
إننا هنا سنستخدم الحرفَ الكبير للإشارة إلى حالة ذات تباين زمني، والحرفَ الصغير للإشارة إلى الجزء المعتمد على الزمن من الحالة. والحالة الكمية المستقرة لأي نظام هي حل معادلة شرودنجر:
(7-13)

(١-٣) الإلكترون المحصور في صندوق أحادي البعد

من المسائل المهمة في ميكانيكا الكم الإلكترون المحصور في صندوق أحادي البعد؛ انظر الشكل ٧-١. إن المؤثر الهاملتوني هو:
(7-14)

بحيث:

(7-15)
fig88
شكل ٧-١: إلكترون في صندوق أحادي البعد. مستويات الطاقة والدوال الموجية لإلكترون في صندوق أحادي البعد.
فيما يتعلَّق بالإحداثي ، تصبح معادلة شرودنجر (معادلة 7-13):
(7-16)
داخل الصندوق، يكون و . وتُختزَل المعادلة 7-16 إلى ما يلي:
(7-17)
عندما تكون صفرًا أو ، يجب أن تتلاشى الدالة الموجية؛ لأن الإلكترون لن يستطيع اختراق حاجز جهد عالٍ على نحو لامتناهٍ، مما يعني ضمنًا وجود شرطين حديين:
(7-18)
(7-19)
إن الحل الذي يحقق الشرط الحدي الأول (المعادلة 7-18) هو:
(7-20)
بحيث ثابت و:
(7-21)
ويتطلَّب الشرط الحدي الثاني (المعادلة 7-19) ما يلي:
(7-22)

مما يعني ضمنًا أن:

(7-23)
بحيث عدد صحيح. من المعادلة 7-21، نحصل على مستويات الطاقة:
(7-24)
يتحدَّد الثابت من خلال «شرط المعايرة»:
(7-25)
لأن متوسط قيمة يساوي 1/2، مما يعني ضمنًا أن:
(7-26)
بإعادة كتابة المعادلة 7-21، نجد أن مستوى الطاقة دالة تربيعية للمتجه الموجي :
(7-27)

إذا كانت الكتلة عاملًا غير معروف، فيمكن الحصول عليها من معامل تلك الدالة التربيعية:

(7-28)

التي تُعد علاقة أساسية في فيزياء أشباه الموصلات لتحديد «الكتلة الفعالة» لأي نطاق من الطاقة.

(١-٤) ذرة الهيدروجين

تُعد ذرة الهيدروجين، التي تُعد مجموعة شمسية مصغرة تتألف من بروتون موجب الشحنة وإلكترون سالب الشحنة، أول حالة اختبارية لميكانيكا الكم. وحاليًّا، ما زالت هي أفضل نظام في الطبيعة يمكن استخدامه لتوضيح وفهم ميكانيكا الكم. وباعتبار البروتون ثابتًا، تكون الحالة الكمية لأي ذرة هيدروجين هي حل المعادلة التالية:

(7-29)
بحيث تساوي ؛ أي، (ارجع للفصل الثاني)، و هي كتلة الإلكترون، و هي المسافة من البروتون إلى الإلكترون. والشكل الرياضي للمؤثر الهاملتوني في ميكانيكا الكم مطابق لشكله في الميكانيكا الكلاسيكية.
من المثير ملاحظة أن باولي حل معادلة الحركة للهيدروجين في شكل مصفوفة في عام 1926 وذلك قبل ابتكار شرودنجر للميكانيكا الموجية في عام 1927؛ انظر الملحق ج. ويُعد حل شرودنجر باستخدام المعادلات التفاضلية أكثر شهرة، ويمكن إيجاده في الكتب التقديمية الخاصة بميكانيكا الكم. ومعالجة باولي أكثر إيجازًا ووضوحًا من الناحية المفاهيمية.
يمكن وصف الحالات الكمية لذرة الهيدروجين من خلال مجموعة من «الأعداد الكمية». وتتضمن مجموعة الأعداد الكمية الأكثر استخدامًا العدد الكمي الرئيسي والعدد الكمي الزاوي والعدد الكمي المغناطيسي . وتعتمد قيمة طاقة ذرة الهيدروجين فقط على العدد الكمي الرئيسي:
(7-30)

بحيث:

(7-31)
إن طاقة حالة الاستقرار هي تساوي جول؛ أي، −13.53eV. في تمثيل إحداثي، تُمثَّل الحالات الكمية من خلال «دوال موجية». على سبيل المثال، إن الدالة الموجية للحالة الكمية ذات أقل مستوى من الطاقة لذرة الهيدروجين هي:
(7-32)
بحيث هو نصف قطر بور:
(7-33)

وعلى الرغم من أن الدالة الموجية عادةً ما تكون دالة مركبة وليست قابلة للرصد على نحو مباشر، فإن احتمالية كثافة الشحنة المتناسبة مع:

(7-34)

تكون قابلة للرصد. في واقع الأمر، يمكن رصد كل من مستوى الطاقة وكثافة الشحنة على نحو مباشر باستخدام مجهر نفقي ماسح. وبالتعريف، تكون الاحتمالية معايرة:

(7-35)
يعرض الشكل ٧-٢ الحالات المستقرة لذرة الهيدروجين. ويوضح الشكل ٧-٢(أ) مستويات الطاقة. ويكون أقل مستوى طاقة لذرة الهيدروجين، أو مستوى الاستقرار، هو 13.53 إلكترون فولت تحت مستوى الفراغ. وتقع سلسلة من مستويات الطاقة بين المستويين السابقين. ويمكن أن تحدث الانتقالات الإشعاعية — أي، الامتصاص أو الانبعاث — فيما بين تلك المستويات. ويوضح الشكل ٧-٢(ب) توزيعات كثافة الشحنة الخاصة بالحالات المستقرة لذرة الهيدروجين.

ومن الممكن استثارة الحالة الكمية للهيدروجين إلى حالة ذات مستوى طاقة أعلى بامتصاص بروتون، أو تقليل استثارتها نحو قيمة طاقة أقل بإطلاق بروتون.

fig89
شكل ٧-٢: الحالات الكمية لذرة الهيدروجين: (أ) مستويات الطاقة الخاصة بالحالات المستقرة لذرة الهيدروجين. ويكون أقل مستوى طاقة لذرة الهيدروجين، أو مستوى الاستقرار، هو 13.53 إلكترون فولت تحت مستوى الفراغ. وتقع سلسلة من مستويات الطاقة بين المستويين السابقين. (ب) توزيعات الاحتمالات للحالات المستقرة لذرة الهيدروجين، التي تحدِّدها الدوال الموجية. والأعداد في كيتات ديراك هي، من اليسار لليمين، العدد الكمي الرئيسي والعدد الكمي الزاوي والعدد الكمي المغناطيسي .

(٢) النظم المتعددة الإلكترونات

بالنسبة للنظم الذرية في الطبيعة، وفيما يتعلَّق بميكانيكا الكم، حفنة فقط منها لها حلول تحليلية: ذرة الهيدروجين بالشكلين النسبي وغير النسبي، والأيون الجزيئي للهيدروجين الذي له أيضًا إلكترون واحد فقط. بالنسبة للنظم المتعددة الإلكترونات، هناك حاجة للتقريب. ولأن الأنوية أثقل بكثير من الإلكترونات، ففي البحث عن حلول لمعادلة شرودنجر بالنسبة لنظام بعدد من الإلكترونات، تُؤخذ إحداثيات الأنوية كقيم ثابتة محددة مسبقًا. وتشتمل أطراف الطاقة الحركية للمؤثر الهاملتوني فقط على إحداثيات الإلكترونات:
(7-36)

وتتضمن طاقة الوضع الأطراف الثلاثة التالية: طاقة الوضع الجاذبة بين الإلكترونات والأنوية:

(7-37)

وطاقة الوضع النافرة بين الإلكترونات:

(7-38)

وطاقة الوضع النافرة بين الأنوية: