الفصل الثاني

اللغة والتاريخ

(١) النحاة واللغويون

رأينا كيف قامت بمصر مدارس دينية خالصة، استمرت منذ الفتح في نشاط ودأب، ولم نر في القرن الأول أثرًا لهذه الدراسات الأدبية واللغوية التي كَلِف بها العراقيون وغير العراقيين من الشعوب الإسلامية، ولكنا نجد تطورًا في القرن الثاني الهجري؛ إذ قامت بمصر دراسات أدبية ونحوية ولغوية، واطرد نمو هذه الدراسات حتى غمرت مصر وفاضت على غيرها من بلدان المغرب، ونبغ عدد كبير من علماء المصريين، وكثرت المؤلفات العلمية التي أفادت المصريين كما استفاد منها غير المصريين.

فمن النحاة الذين كان لهم أثر محمود في مصر بنو ولَّاد، وأشهرهم الوليد بن محمد التميمي النحوي المشهور بولَّاد. كان الوليد نحويًّا مجودًا، روى عن القنبي وأبي زرعة المؤذن كُتُب اللغة والنحو، وأصله من البصرة، ونشأ بمصر، ودخل العراق، ولم يكن بمصر شيء من كتب النحو واللغة قبله، وأخذ عن المهلبي تلميذ الخليل بالمدينة، ثم عن الخليل نفسه،١ وتُوفِّي سنة ثلاث وستين ومائتين من الهجرة، ومحمد بن ولَّاد التميمي الذي أخذ عن الدينوري النحو والأدب، ثم رحل إلى العراق، وأخذ عن المبرد وثعلب، وكان يؤدب ابن صاحب خراج بغداد،٢ ولكنه عاد إلى مصر يعلِّم الناس، ووضع كتابه «المنمق في النحو» تُوفِّي سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين من الهجرة وقد بلغ الخمسين من عمره، ثم رحل ولده أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد إلى العراق، وأخذ النحو عن الزجاج، وعاد إلى مصر وألَّف كتابه «المقصور والممدود» بها، وكان الزجاج يعرف فضل أحمد هذا، ويُثْنِي عليه عند كلِّ مَن قدم مصر إلى بغداد، فكان يقول لهم: لي عندكم تلميذ من صفته كذا وكذا. فيُقال له: أبو جعفر النحاس. فيقول: بل أبو العباس بن ولَّاد.٣ وتُوفِّي سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة وأبو العباس هذا أستاذ أبي عبد الله الرباحي النحوي الأندلسي.

وكتاب المقصور والممدود هو الكتاب الذي نقده المتنبي في مصر، كما عرض لنقده المهلبي اللغوي النحوي على نحو ما سنذكر في حديثنا عن المتنبي، وقد طُبع هذا الكتاب لأول مرة في مصر سنة ١٩٠٨، وقد بدأه ابن ولَّاد بحرف الألف مخالفًا في ذلك مذهب الخليل بن أحمد، وقد قال ابن ولَّاد في مقدمة هذا الكتاب من ذلك: «ولعل بعض من يقرأ كتابنا هذا يُنْكِر ابتداءنا فيه بالألف على سائر حروف المعجم؛ لأنها حرف معتل، ولأن الخليل ترك الابتداء بها في كتابه كتاب العين، وليس غرضنا في هذا الكتاب فيما التمسناه بهذا النوع من التأليف كفرض الخليل في كتاب العين؛ لأن كتاب العين لا يُمكِّن طالب الحرف منه أن يعلم موضعه من الكتاب من غير أن يقرأه إلا أن يكون قد نظر في التصريف وعرف الزائد والأصلي من المعتل والصحيح، والثلاثي والرباعي والخماسي ومراتب الحروف من الحلق واللسان والشفة وتصريف الكلمة على ما يمكن من وجوه تصريفها في اللفظ على وجوه الحركات وإلحاقها ما تحتمل من الزوائد بعد تصريفها بلا زيادة، ويحتاج مع هذا إلى أن يعلم الطريق التي وصل الخليل منها إلى حظر كلام العرب، فإذا علم هذه الأشياء عرف ما يطلب من كتاب العين، والذي نذهب إليه في هذا الكتاب غير هذا المذهب؛ لأنا نقصد إلى أن نقرِّب على طالب الحرف فيه ما يطلبه، وأن يستوي في العلم بموضعه منه العالم والمتعلم، فلم نراع أن يكون في أول الكلمة حرف أصلي دون أن يكون زائدًا أو زائد دون أن يكون أصليًّا أو صحيح دون أن يكون معتلًّا أو معتل دون أن يكون صحيحًا. فنكلِّف الطالبَ للحرف أن يعرف أولًا جميع ما ذكرناه؛ فلذلك بدأنا بالباب الذي يكون أول ما فيه من حروف المعجم الألف.»

ثم أخذ ابن ولاد يفصل بين المقصور والممدود، ويعدد أنواعهما على مذهب الكوفيين والبصريين، هذا كله في مقدمة كتابه ثم يتبع المقدمة بالمقصور والممدود من الألفاظ العربية مُرتَّبة حسب الحروف الأبجدية، فكان يأتي بالكلمة ويشرح غريبها مستشهدًا بالأشعار القديمة حينًا وبالآيات القرآنية حينًا آخر، وقد يأتي باشتقاق اللفظ مما يدل على سعة علم ابن ولاد بالعلوم العربية الخالصة وحفظه للأدب القديم واللغة العربية. وقد ختم كتابه ببحث طويل اشتمل على كثير من قواعد الصرف، والذي ألاحظه على هذا الكتاب سلاسة أسلوبه، وخلوَّه من التعقيد الذي نراه في كتب اللغة والصرف التي أُلِّفت في العصور المتأخرة.

ووضع أحمد بن جعفر الدينوري بمصر كتابه «المهذب في النحو»، وصدَّره بالكلام عن الخلاف بين البصريين والكوفيين، وعزى كل مسألة إلى صاحبها،٤ ولم يكن نحويًّا فقط بل كان أديبًا يدرِّس هذا النوع من العلم، فقرأ كتب ابن قتيبة كلها على المصريين، وقد استفاد الأندلسيون من هذا الرجل، كما استفاد منه المصريون، فقد روى السيوطي أن محمد بن موسى بن هاشم المعروف بالأفشين القرطبي رحل إلى المشرق، ولقي بمصر أبا جعفر الدينوري، وأخذ عنه كتاب سيبويه رواية،٥ وكان الدينوري قد أخذ كتاب سيبويه بالبصرة عن المازني وتتلمذ للمبرد،٦ وتُوفِّي سنة تسع وثمانين ومائتين.
أما أبو جعفر النحاس أحمد بن محمد بن إسماعيل فقد نبغ في النحو واللغة، وحذق القرآن وما يتعلق به، وألف في ذلك كتبًا كثيرة، نذكر منها كتاب «معاني القرآن ومنسوخه»، كما ألف في النحو واللغة والأدب نذكر من ذلك كتبه «المبتهج في اختلاف البصريين والكوفيين»، و«أدب الكتاب»، و«شرح المعلقات السبع»، وكتاب «طبقات الشعراء». ويروي ابن خلكان أن أبا جعفر النحاس فسَّر عشرة دواوين وأملاها على تلاميذه بمصر.٧ وكان في مصر محمد بن حسان النحوي الذي روى النحو عن أبي زرعة المؤذن وروى عن عبد الملك بن هشام مغازي ابن إسحاق، ومات سنة اثنتين وسبعين ومائتين.٨
وكذلك نسمع عن محمد بن إسحاق بن أسباط الكندي أبي النضر المصري النحوي، أخذ عن الزجاج وله كتاب في النحو سماه «العيون والنكت» وقال ياقوت: إنه نزل أنطاكية ثم صار إلى مصر، وكان شيخ أهل الأدب بها، وله تقدم في المنطق وعلوم الأوائل وله «المغني في النحو».٩ وكذلك محمد بن عبد الله بن محمد بن سلم وهو المعروف بالملطي، وكان نحويًّا يعلِّم أولاد الملوك النحو، ومات سنة ثلاث وثلاثمائة.١٠
وبجانب هؤلاء الأدباء والعلماء المصريين الذين رحلوا في طلب العلوم العربية، نجد علماء العراق وغير العراق يزورون مصر ويروون بها علومهم، وكان من أثر ذلك أن وُجدَت في مصر نهضة أدبية علمية جعلت لها مركز الزعامة في القرون التالية، فقد جاء مصرَ أبو محمد عبد الملك بن هشام صاحب السيرة وتُوفِّي بمصر سنة ٢١٨ﻫ، ونراه قد تأثر بمصر، فقد روى عن علمائها أمثال ابن وهب وابن لهيعة، وكان ابن هشام إمامًا في اللغة والنحو، وقد اجتمع به الشافعي حين ورد مصر وتناشدا كثيرًا من أشعار العرب،١١ ووفد عليها أبو العباس الناشئ الأكبر «وكان نحويًّا متملكًا متبحرًا في عدة علوم من جملتها المنطق، وكان بقوة علم الكلام قد نقض علل النحاة، وأدخل على قواعد العروض شبهًا، ومثَّلها بغير أمثلة الخليل.»١٢ وتكسب بعلومه هذه في مصر كما سنرى في حديثنا عنه شاعرًا.
وجاء مصر محمد بن موسى الواسطي، وكان من أهل العلم باللغة وتفسير القرآن، ومات بمصر سنة ٣٢٠ﻫ،١٣ ويموت بن المزرع قدم مصر مرارًا كان آخرها سنة ثلاث وثلاثمائة،١٤ ولعله في إحدى زياراته أو في هذه الزيارات كلها روى بمصر كتب خاله أبي عثمان الجاحظ.
وكذلك زار مصر محمد بن زيد بن يضحتويه بن الهيثم البردعي، وروى عنه بمصر ابن يونس المؤرخ وأبو القاسم الطبراني «وأصله من أزربيجان، نزل مصر فاستوطنها، وكان كثير العلم متفننًا في الأدب واللغة والشعر وكان ثقة أمينا.»١٥
ويحدثنا ياقوت أن المصريين ما كانوا يعرفون شيئًا من شعر الطرماح بن حكيم، فلما قدم ابن جرير الطبري مصر سأله علي بن سراج المصري أن يُمْلِي شعر الطرماح، فجلس ابن جرير عند بيت المال يمليه ويفسر غريبه.١٦
وفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة جاء مصر أحمد بن عبد الله بن مسلمة بن قتيبة، فدخل عليه أصحاب الحديث يسألونه أن يحدثهم، فقال: ما معي إلا كتب أبي وأنا أحفظها، فإن شئتم سردتها عليكم. فلما عرف الناس ذلك قصدوه، فصار مجلسه غاصًّا بفنون الناس ممن يطلب العلوم والآداب، وقصده أبو جعفر النحاس وابن ولَّاد وأبو مخاصم المظفر بن أحمد ووجوه البلد.١٧
كذلك وفد على مصر محمد بن أحمد بن علي من ولد المهلب بن أبي صفرة المعروف بالمهلبي النحوي، قال عنه الزبيدي: إنه كان عالمًا نحويًّا لغويًّا ثقة،١٨ ومات بمصر سنة ٣٤٩ﻫ.

(٢) المؤرخون

ظهر في مصر عقب الفتح لون من الدراسات الإسلامية وإن شئت فهو من العلوم العربية، وهو القصص، فظهر القصص الديني بمصر سنة تسع وثلاثين هجرية، وكان أول من قصَّ بمصر هو سليم بن عتر التجيبي الذي تولى القضاء بمصر مدة طويلة،١٩ كان هذا القصص سببًا في موضوع آخر هو التاريخ، وقد عُنِي المسلمون منذ الفتح بأمر تاريخ مصر؛ لأنها ذُكرَت كثيرًا في القرآن الكريم، كما رُوِي عن النبي أحاديث كثيرة عن مصر وأهلها، والمسلمون يعلمون أن إحدى زوجات النبي كانت مصرية، وأن بعض الأنبياء والرسل كان لهم شأن في مصر، عرف المسلمون هذا كله، ورأوا بعد الفتح أشياء لم يروا مثلها كالهرم والمقابر الأخرى التي عُرِفَت بمصر باسم «البرابي»، وكان عند العرب هذا القصص الذي يحدثهم عن القدماء فشُغِفوا بالتاريخ وروايته، وزخرفوا أقوالهم بشيء كثير من القصص الخيالية التي تُثِير الضحك أحيانًا، ووضعوا من عندهم أخبارًا بعيدة كل البعد عن الصحة، وكانت هذه الأخبار كلها أساسًا لكتب التاريخ التي ظهرت بمصر، وغذَّى هذه الحركة بمصر وجود عدد من الأخباريين وأصحاب المغازي مثل محمد بن إسحاق صاحب السيرة، وعبد الملك ابن هشام راويها ومحمد بن أبي الليث الذي كان وراقًا على باب الواقدي،٢٠ ثم وفد عليها ابن جرير الطبري مرتين، والمسعودي، وعن مؤرخي مصر نقل ابن جرير كثيرًا في كتابه وابن هشام في السيرة، وغيرهما من المؤرخين، ووضعوا عن مصر كتبًا عديدة.

ولعل أكثر الكتب القديمة تضليلًا وتخبطًا هو كتاب «فتوح مصر» الذي يسنده بعض المؤرخين إلى ابن إسحاق الأموي، ويسنده بعضهم الآخر إلى الواقدي، وإن كنت أرجح أن للواقدي كتابًا غير الكتاب الذي يُنسَب إلى ابن إسحاق، ويتجلَّى ذلك في الاختلاف الذي بين الكتابين.

كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم

وهناك كتاب آخر لمؤلِّفٍ مصري له قيمته وأثره؛ إذ لا أكاد أعرف مؤرخًا كتب عن مصر دون أن يَذْكُر هذا الكتاب، أو يأخذ عنه؛ لهذا كان كتاب «فتوح مصر» مصدرًا هامًّا من مصادر تاريخ مصر منذ الفتح، كما أنه يمثل لنا ناحية أخرى من نواحي التأليف العلمي بمصر في هذا العصر، فقد رأينا الحركة العلمية والنشاط الفكري كانا متجهين إلى العلوم الدينية في أول الأمر، ثم أُضِيف إليهما العلوم العربية الخالصة، كما اتجه المصريون إلى القصص والعلوم التاريخية، ولقد لعبت يد الخيال في هذه الأخبار التاريخية، فأخرجتها عن جادَّة الحق، ولكنها تمثل لنا عقلية العرب الذين كانوا يأخذون كلَّ ما يُروَى لهم دون أن يحاولوا تحقيقه.

هذا النوع من العلوم كان عربيًّا خالصًا، اهتم به الجاهليون والمسلمون، وأخذه بعضهم عن بعض حتى دُوِّن في القرن الثالث الهجري، ومن أوائل المدوِّنين للتاريخ ابن عبد الحكم المصري صاحب «فتوح مصر» وأحد أفراد بني عبد الحكم.

بنو عبد الحكم

نحن مضطرون إلى الوقوف عند هذه الأسرة التي كان لها أثر كبير في الحياة العقلية والاجتماعية والسياسية بمصر في القرنين الثاني والثالث من الهجرة.

نحن لا نعرف شيئًا عن أولية أسرة بني عبد الحكم، ولكن ياقوت في معجم البلدان يقول: إنهم يُنسَبون إلى الحقل بلدة بالقرب من أيلة [العقبة] وأول شخص في هذه الأسرة ذكره لنا المؤرخون هو أبو عثمان عبد الحكم بن أعين بن الليث بن رافع المُتوفَّى سنة إحدى وسبعين ومائة، وقيل إن له عدة مسائل عن الإمام مالك.٢١

أما نشأته وحياته فلم يصلنا عنها شيء، كذلك لا نعرف إذا كان مصريًّا أو غير مصري، وصاحب الديباج يقول عن عبد الله بن عبد الحكم أنه مولى امرأة من موالي عثمان بن عفان، ويقال بل هو مولى نافع مولى عثمان، ولا ندري أيضًا أي لون من ألوان الولاء كان ولاؤه.

وأول شخصية لها قيمتها في هذه الأسرة هو عبد الله بن عبد الحكم بن أعين، ولد بالإسكندرية، وقيل بمصر سنة خمس وخمسين ومائة، وأخذ الفقه عن مالك وعن إمام مصر الليث بن سعد وسمع الحديث من عبد الله بن لهيعة، ولما مات أشهب بن عبد العزيز رئيس المالكية بمصر سنة أربع ومائتين، تولَّى عبد الله رياسة مذهب مالك، ونستطيع بسهولة أن ندرك خطر هذا المركز إذا علمنا أن المسلمين في مصر كانوا جميعًا يدينون بهذا المذهب.

وكان العلماء في مصر لا يدرسون غير هذا المذهب، واجتمع حوله المصريون والوافدون من الأندلس والمغرب يأخذون عنه مذهب مالك، وتُجْمِع المصادر التي تحدَّثتْ عنه أنه كان صالحًا متحققًا بمذهب مالك، وأجمعت أيضًا على علوِّ شأنه في الفقه، ووَضَع عدة كتب منها المختصر الكبير جمع فيه ثماني عشرة ألف مسألة، والمختصر الأوسط وفيه أربعة آلاف مسألة، والمختصر الصغير وفيه ألف ومائتا مسألة، وقصر هذا الكتاب الأخير على ما في الموطأ، وله أيضًا كتاب الأهوال، وكتاب القضاء في البنيان، وكتاب المناسك، وكتاب في سيرة عمر بن عبد العزيز.

هذا من الناحية العلمية، ومن ناحية أخرى نرى المؤرخين يجمعون على أن عبد الله كان ثريًّا جدًّا وله جاه عظيم بين المصريين، ونحن لا نعرف كيف أتتْه هذه الثروة.

وبلغ من ثراه أن الشافعي لما وفد على مصر سنة تسع وتسعين ومائة تلقاه عبد الله بن عبد الحكم، وأنزله في داره وبالغ في برِّه، وأعطاه من ماله الخاص ألف دينار، واستطاع بنفوذه أن يجمع له من بعض المصريين ألف دينار أخرى، وأخذ له من بن عسامة التاجر المصري ألفًا ثالثة؛ ليتمكن الشافعي من أن يعيش بمصر عيشة راضية فقد جهل المصريون قدر الشافعي في أول الأمر وكان يود الرحيل من مصر لولا وجود بني عبد الحكم.

ويروي المؤرخون أن عبد الله كان له تأثير كبير في تولية الشهود، فكان يزكيهم ويجرحهم، وكان بعض الولاة يستشيرون عبد الله في تصريف أمور الدولة، ويحدثنا الكندي أن الوالي عبد الله بن طاهر كان يقرِّب عبد الله بن عبد الحكم ويستشيره في بعض أموره، كما كان ابن عبد الحكم واسطة الصلح بين عبيد بن السري الثائر وبين ابن طاهر، كما كان ابن عبد الحكم أحد الفقهاء الذين جمعهم الوالي ابن طاهر لاختيار قاضٍ لمصر فرشح كل واحد من الفقهاء قاضيًا، ولكن الوالي عيَّن من رشحه ابن عبد الحكم، بل ذهب ابن عبد الحكم إلى أبعد من ذلك فقد طلب من الوالي أن يزيد مرتب القاضي ففعل الوالي وحفظ القاضي، وهو عيسى بن المنكدر، يد ابن الحكم فجعله على مسائله وهنا ظهر ما يدلنا على خلق ابن الحكم، فقد جرت العادة أن يكون الشهود من طبقة خاصة ممن لهم جاه، فلما تولى ابن الحكم على مسائل القاضي أدخل بين الشهود بعض الناس ممن لا جاه لهم ولا قدر، فلما عوتب على ذلك قال: «إن هذا الأمر دين وإنما فعلت ما يجب علي.» فهذا الخبر يدلنا على أن ابن الحكم كان قويًّا في خلقه وأنه لم يحاب وجوه المصريين لجاههم، وقيل إن الرعيني الفقيه لما سمع كلام ابن الحكم قال له: «أسأل الله أن لا يرفعك بالشهادة أنت ولا واحدًا من ولدك.» فكان الأمر على ذلك، فقد بلغ ابن عبد الحكم هو وولده بالبلد ما لم يبلغه أحد؛ ما قبلت لأحد منهم شهادة قط [هكذا روى الكندي عن ابن قديد] وهذه هي الدعوة التي قال عنها ابن خلكان: إن ابن عبد الحكم لم يشهد ولا أحد من ولده لدعوة سَبَقَتْ فيه.

واستمر عبد الله بن عبد الحكم رئيسًا لمذهب المالكية وعلى مسائل القاضي حتى جاء الخبر بولاية المعتصم على مصر سنة أربع عشرة ومائتين ٢١٤، وذهبت جماعة الصوفية إلى القاضي يطلبون منه أن يكتب إلى المأمون بأن المصريين لا يقبلون ولاية المعتصم عليهم، ولكن ابن عبد الحكم أشار على القاضي بأن لا يستمع لأقوال الصوفية وأن لا يكتب إلى الخليفة، فأبى القاضي وكتب إلى المأمون، فدفع المأمون كتابه إلى المعتصم، فلما جاء المعتصم مصر عزل القاضي وحبسه كما حبس عبد الله بن عبد الحكم، فأقام ابن عبد الحكم في السجن أيامًا ثم مرض ومات في رمضان سنة أربع عشرة ومائتين، ودُفِن بجوار الشافعي في منزل بني عبد الحكم.

ترك عبد الله بن عبد الحكم أربعة أولاد: عبد الحكم بن عبد الله، وعبد الرحمن بن عبد الله، وسعد بن عبد الله، ومحمد بن عبد الله.

أما عبد الحكم وهو أكبر أولاده فكان فقيهًا أيضًا على مذهب مالك كأبيه، وأخذ الفقه عن أصحاب مالك من المصريين أمثال أبيه وعبد الله بن وهب، وقيل إنه لم يكن في أصحاب ابن وهب أتقى ولا أفقه منه بل ذهب صاحب الديباج إلى أن عبد الحكم أفقه إخوته كما عُرِف أيضًا بجودة خطه، ولم يصلنا عن هذا الفقيه شيء إلا ما قيل عن محنته التي تُوفِّي بسببها بل محنة بني عبد الحكم التي لم يقم لهم قائمة بعدها.

بدأت محنة بني عبد الحكم بمسألة خلق القرآن، فقد طلب إليهم القاضي محمد بن أبي الليث أن يعترفوا بخلق القرآن، فامتنعوا؛ فعذبهم القاضي وحمل عبد الحكم إلى العراق للإقرار هناك، فامتنع أيضًا فضُرِبَ بالسياط، وقيل إنه سجن ودخن عليه بالكبريت حتى مات في سجنه بسبب خلق القرآن، ولكن موت عبد الحكم لم يكن لهذا السبب بل كانت بسبب أموال الجروي الثائر بمصر والذي انتهت ثورته حوالي سنة ٢١٢ﻫ، وفي سنة ٢١٥ﻫ أتى الأفشين مصر وطالب علي بن عبد العزيز الجروي بالأموال التي عنده، فلم يدفع إليه شيئًا؛ فقتله الأفشين واستمر الولاة يبحثون عن أموال الجروي حتى سنة ٢٢٧ فقدم مصر يزيد التركي أحد قواد المتوكل العباسي في طلب هذه الأموال بعد أن علم الخليفة في بغداد أن بعضها عند بني عبد الحكم، وحكم القاضي ابن أبي الليث على بني عبد الحكم بألف ألف دينار وأربعمائة ألف وأربعة آلاف دينار، كما حكم على غيرهم أيضًا ونادى منادي الوالي بأن من كتم الأموال ضُرِب خمسمائة سوط وهُدِّمت داره، فأقر عبد الحكم بمالٍ عنده فبعث به إلى منزله فلم يخرج شيئًا ورُدَّ إلى يزيد التركي فعذبه حتى تُوفِّي لأربع بَقِينَ من جمادي الأولى سنة ٢٣٧ﻫ.

أما سعد بن عبد الله بن عبد الحكم فلم يصل إلينا شيء عنه إلا ما رواه صاحب نفح الطيب أنه كان أستاذًا لعدد من فقهاء الأندلس الذين رحلوا في طلب العلم إلى مصر، وذكر منهم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الباجي الإشبيلي ومحمد بن عيسى ومحمد بن عمر بن لبابة وغيرهم كما كان أحد الذين روى عنهم أخوه عبد الرحمن بن عبد الله في كتابه فتوح مصر.

نتحدث بعد ذلك عن أشهر أولاد عبد الله بن عبد الحكم وهو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وُلِد محمد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وأخذ فقه مالك عن أبيه وأشهب وروى عن عبد الله بن وهب، ولما وفد الشافعي على مصر ونزل ضيفًا على بني عبد الحكم آخى محمدًا هذا، وكثيرًا ما سمع الشافعي يقول: «ما يُقِيمني بمصر غيره.» وعُدَّ محمد بن عبد الله من أشد تلاميذ الشافعي صلة به، وروى المزني: كنا نأتي الشافعي نسمع منه فنجلس على باب داره، ويأتي محمد بن عبد الحكم فيصعد ويطيل المكث وربما تغدَّى مع الشافعي، ثم ينزل الشافعي فيقرأ علينا فإذا فرغ من قراءته قرَّب إلى محمد دابته فركبها وأتبعه الشافعي بصره فإذا غاب شخصه قال الشافعي لمن معه: وودت أن لي ولدًا مثله وعليَّ ألف دينار لا أجد لها قضاء. وروى محمد بن عبد الحكم أنه كان يتردد إلى الشافعي فاجتمع قوم من أصحاب مذهب مالك إلى عبد الله بن عبد الحكم وقالوا: يا أبا محمد، إن محمدًا ينقطع إلى هذا الرجل ويتردد إليه فيرى الناس أن هذا رغبة عن مذهب أصحابه، فجعل عبد الله يلاطفهم ويقول: هو صغير ويحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك، ويقول لابنه محمد في السر: يا بني، الزم هذا الرجل. وكان الشافعي معجبًا بمحمد لفرط ذكائه وحرصه على الدرس والتحصيل حتى ظنَّ الناس من صدق مودتهما أن الشافعي يفوِّض أمر حلقته بعد وفاته إلى محمد بن عبد الحكم، وكان محمد نفسه يتطلع لرياسة مذهب الشافعية بعد الإمام الشافعي، ولكن الشافعي في مرض موته رشَّح البويطي لرياسة مذهبه، فغضب محمد بن عبد الحكم وترك الشافعية وتحوَّل إلى مذهب المالكية، وجعل لنفسه حلقة يدرس فيها مذهب مالك، وبعد موت أبيه اختاره المصريون لرياسة مذهب مالك، وذاعت شهرته في الأقطار الإسلامية حتى صارت إليه الرحلة لأخذ مذهب مالك، وروى السبكي عن الصدفي أنه قال: رأيت أهل مصر لا يعدلون به أحدًا، ويصفونه بالعلم والفضل والتواضع، وروي عن ابن خزيمة أن محمد بن عبد الحكم أعلم من رأيت على أَدِيم الأرض بمذهب مالك، وذكر صاحب نفح الطيب عددًا كبيرًا من علماء الأندلس الذين أخذوا عن محمد بن عبد الحكم.

ولما أُصِيبَت مصر بمحنة خَلْق القرآن سنة سبع وعشرين ومائتين مُنِعَ الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المسجد، واضْطُهد الفقهاء والعلماء وهرب أكثرهم من القاضي ابن أبي الليث، أما محمد بن عبد الله فقد أُهِين وعذِّب وأطافه القاضي ينادي بخلق القرآن حتى مرَّ بحلقة ابن صبيح المعتزلي بمصر فقال له ابن الصبيح: الحمد لله الذي هداك يا أبا عبد الله. يشير إلى أن محمد بن عبد الحكم أقرَّ بخلق القرآن، وفي ذلك يقول الشاعر الحسين بن عبد السلام المعروف بالجمل الأكبر يمدح القاضي بن أبي الليث:

ومحمد الحكمي أنت أطفته
وأخوه ينعق بالصياح الأجهر
كلٌّ ينادي بالقُرَان وخلقه
فشهرتَهُم بمقالة لم تشهر
ويقول أبو المحاسن: إنه حُمِل إلى بغداد وإنه ثبت على السنة، فأعيد إلى مصر.٢٢ ظل محمد بن عبد الحكم رئيسًا لمذهب المالكية بمصر، ولكن بعض القضاة كانوا يضطهدونه ولا أدري سبب ذلك، فمثلًا الحارث بن مسكين الذي وَلِي قضاء مصر سنة ٢٣٧ﻫ كان يجرح محمد بن عبد الحكم دائمًا ولم يقبل شهادته حتى قال لرجل طلب أن يستشهد بمحمد بن عبد الحكم: قل له إن كان رجلًا فليأت فليشهد.

وفي أيام أحمد بن طولون كان محمد بن عبد الحكم من جلسائه وممن أجرى عليه ابن طولون الأرزاق، ويروي المقريزي قصةً مُلَخَّصها أن ابن طولون لما حفر بئره بخطة معافر (عند القرافة) بلغه أن جماعة من الفقهاء لا يستحلون شرب مائها، فبينما محمد بن عبد الحكم في داره ليلًا إذ أتاه أحد خدام ابن طولون وقال له: إن الأمير يدعوك، فركب ابن عبد الحكم مرعوبًا مذعورًا، وعدل الغلام به عن الطريق فسأله ابن عبد الحكم فقال: إلى الصحراء والأمير فيها؟ فأيقن ابن عبد الحكم بالهلاك، فقال للخادم: الله الله فيَّ فإني شيخ كبير ضعيف مسن فتدري ما يراد مني فارحمني، فقال له الغلام: احذر أن يكون لك في السقاية قول. قال ابن عبد الحكم: فسِرْت معه وإذا بالمشاعل في الصحراء وأحمد بن طولون راكب على باب السقاية، فنزلت وسلمت عليه فلم يرد علي، فقلت: أيها الأمير، إن الرسول أعنتني وكدَّني وقد عطشت، فيأذن لي الأمير في الشرب؟ فأراد الغلمان أن يسقوني، فقلت: أنا آخذ لنفسي، فاستقيت وهو يراني، وشربت وازددت في الشرب حتى كدت أنشق، ثم قلت: أيها الأمير، أسقاك الله من أنهار الجنة، فلقد أرويت وأغنيت ولا أدري ما أصف، أطيب الماء في حلاوته وبرده وصفائه أم طيب ريح السقاية؟ فنظر ابن طولون إليه وقال: أريدك لأمر وليس هذا وقته فاصرفوه.

ويروي السيوطي أن كنيز خادم الخليفة المنتصر خرج إلى مصر وتفقه على مذهب الشافعي، وكان يأتي حلقة محمد بن عبد الحكم ويناظره، فسعى به إلى أحمد بن طولون بأنه جاسوس؛ فحبسه ابن طولون سبع سنين، وظل ابن عبد الحكم في رياسة مذهب مالك حتى تُوفِّي سنة ٢٦٨ﻫ.

أما عبد الرحمن بن عبد الله صاحب كتاب «فتوح مصر» فكان من أهل الحديث والرواية وشُغِف بالقصص والأخبار وكَلِف بالتاريخ وكان من أثر ذلك أنه وضع كتابه «فتوح مصر»، وقد أصاب عبد الرحمن ما أصاب إخوته في محنة خلق القرآن وأموال الجروي، وتُوفِّي عبد الرحمن سنة ٢٥٧ﻫ.

يعد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم من أقدم مؤرخي الإسلام في مصر الذين وصلت إلينا كتبهم، كان كَلِفًا برواية الأخبار من ثقات المصريين أمثال والده عبد الله، ويحيى بن بكير، وعثمان بن صالح كاتب الليث بن سعد، وغيرهم، وعنه أخذ القاسم بن حبيش وأبو سلمة التجيبي، وابن قديد وغيرهم، وإذا عرفنا أن ابن قديد أحد رواة ابن عبد الحكم كان من أهم المصادر الذين استقى عنهم الكندي كتابيه: «الولاة» و«القضاة» أدركنا بسهولة السبب الذي من أجله نرى في كتاب الكندي بعض أخبار مذكورة في «فتوح مصر» مع أننا نعلم أن الكندي كان يحاول أخذ الأخبار من نفس المصادر التي استقى منها عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، ومع ذلك فالكندي اتخذ كتاب فتوح مصر أساسًا لكتابيه، ولا سيما في الفصل الذي عقده ابن عبد الحكم عن القضاة في مصر.

كان عبد الرحمن معاصرًا لمؤرخين من أشهر وأقدم مؤرخي الإسلام، ولكنا نرى ابن عبد الحكم يمتاز عن معاصريه بأنه أوجد فنًّا جديدًا في التاريخ الإسلامي هو فن «الخطط والأخائذ»، وهذا النوع من التاريخ لم يكتب فيه أحد قبل المصريين، ولا نعرف أحدًا كتب فيه قبل ابن عبد الحكم، ولم يُوفَّق المقريزي في قوله: «إن أول من رتَّب خطط مصر وآثارها، وذكر أسبابها في ديوانٍ جمعه هو أبو عمر محمد بن يوسف الكندي، ثم كتب بعده القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي كتابه المنعوت «بالمختار في ذكر الخطط والآثار ومات في سنة سبع وخمسين وأربعمائة قبل سني الشدة، فدثر أكثر ما ذكر».٢٣ لم يُوفَّق المقريزي في هذا القول؛ لأن ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر سبق الكندي في الحديث عن الخطط.
ولعل أول ما يلفت النظر إلى كتاب ابن عبد الحكم أنه مقسم حسب الموضوعات، فقد جعله، المؤلف، سبعة أبواب، وأدرج تحت كل باب ما قيل في الموضوع الذي خص له، فاختلف بذلك عن الطبري والمبرد والجاحظ وغيرهم من الأدباء والمؤرخين؛ فهؤلاء لم يحاولوا أن يقسِّموا كتبهم إلى فصول أو أبواب بل خلطوا كتبهم، وجمعوا فيها كل شاردة وواردة؛ زعمًا منهم أن الأديب عليه أن يأخذ من كل شيء بطرف، فأودعوا كتبهم كل شيء دون أن يحاولوا ترتيب هذه الموضوعات، وقد غلب هذا النوع من التأليف على علماء العراق، حتى كان ابن قتيبة فابتدأ بترتيب كتبه، أما في مصر فكان المؤلفون يقسمون كتبهم، ويرتبون موضوعاتها حتى إن الفارابي عندما دخل مصر ومعه كتابه «المدينة الفاضلة» سأله بعض الناس أن يجعل له فصولًا تدل على قسمة معانيه، فعمل هذه الفصول بمصر سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.٢٤ ليس لنا أن نتحدث عما في كتاب «فتوح مصر» من أخطاء تاريخية كان مصدرها جهل العرب والمصريين بتاريخ مصر القديم، ورغبه بعض الرواة في وضع أخبار عن مصر من المحقق أنها بعيدة عن الصواب، وقد يطول بنا الأمر لو ناقشنا هذا كله، ويكفي أن أقول إن أكثر هذه الخرافات في القسم الأول من الكتاب، وهو القسم الذي ذكر فيه فضائل مصر وتاريخها من أول أمرها إلى أن فتحها العرب، وأقول خرافات؛ لأن علم الدراسات المصرية القديمة أثبت ما يخالف ما جاء في هذا الكتاب، ثم لهذه المبالغات التي لا يكاد يتصورها عقل، كوجود أشعار عربية قالها قدماء المصريين وحفروها على آثارهم!

أما القسم الثاني من الكتاب، فهو يتحدث عن فتح العرب لمصر فذكر المؤلف شيئًا عن علاقة مصر ببعض أفراد من العرب قبل الإسلام وعن كتاب النبي إلى المقوقس، وجواب هذا إلى النبي عليه السلام، ثم ذكر الفتح العربي، وتحدَّث عن مسألة اختلف فيها المسلمون منذ القرن الأول الهجري، وهي: هل فُتِحَت مصر عَنْوَة أم صلحًا؟ فبسط روايات الطرفين، دون أن يذكر رأيه، فقد كان راويًا كغيره من المحدِّثين والمؤرخين، وفي الباب الثالث يذكر الخطط والأخائذ والقطائع، وهو الفن الذي لم يسبقه غيره إليه، وفي الرابع يتحدث عن الإدارة في عهد عمرو وابن أبي سرح وعن الفيوم وبرقة وطرابلس، وفي الخامس يذكر غزو شمال أفريقيا والأندلس، وفي السادس يسرد أسماء قضاة مصر حتى سنة ٢٤٦ﻫ؛ أي قبل وفاة المؤلف بعشر سنين، وفي السابع يروي الأحاديث التي حفظها الصحابة الذين جاءوا مصر، وقد بلغ عددهم اثنين وخمسين، فيروي لكل منهم أحاديثه التي سمعها من النبي وكان ابن عبد الحكم يعتمد على طريقة الرواية فإن تعاليمه كانت دينية كباقي أسرته، ولكنه اتجه إلى التاريخ والحديث مخالفًا في ذلك باقي أسرته الذين مالوا إلى الفقه.

ومما يحسن الإشارة إليه أن قبر بني عبد الحكم، الذي دُفِنَت فيه هذه الأسرة العلمية بجوار قبر الإمام الشافعي، فقبة ضريح الشافعي تجمع قبر الشافعي وقبر بني عبد الحكم، وهكذا كان الشافعي صديقًا لهم في حياته، فأصبح جارهم في مماته.

ابن الداية وكتاب المكافأة

كنت أودُّ أن أعرض لغير ابن عبد الحكم من المؤرخين المصريين أمثال عمار بن وسيمة المصري المتوفَّى سنة تسع وثمانين ومائتين صاحب التاريخ على السنين، وأحد تلاميذ مدرسة الليث بن سعد،٢٥ وابن يونس صاحب تاريخ مصر،٢٦ والكندي المؤرخ المعروف، وغيرهم كالذين ذكرهم المسعودي في مقدمة كتابه «مروج الذهب» والذين روى عنهم ابن جرير الطبري في تاريخه وتفسيره، ولكني أترك ذلك كله لمن يتوسع في دراسة الحياة العقلية في هذا العصر.

ولكن أرى أن أتحدث عن مؤرخ مصري آخر، عاش في هذا العصر واتصل ببعض الأمراء المصريين، وبمختلف طبقات الشعب، ووضع كتابًا عن هؤلاء الأمراء، ثم تحدث في كتب أخرى عن هذا الشعب وحاله، ذلك هو الكاتب المعروف بابن الداية، وإذا تحدثنا عن ابن الداية فسنتحدث عن كتابه «المكافأة»؛ لأنه مصدر من مصادر التاريخ والأدب، ونستطيع منه أن نعرف حالة سكان مصر في هذا العصر واتجاه عقولهم.

جَمَع الكتاب عدة قصص خلقية، ولكنها لم تكن خيالية، بل هي حوادث واقعية حدثت للمؤلف، أو لوالده، أو لغيرهما من المعاصرين، ويتحدث في كل واقعة من هذه على مكافأة قُدِّمت نظير عمل أو معروف، فالكتاب من هذه الناحية يستحق التقدير والبحث.

ومؤلف الكتاب هو أحمد بن أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم المعروف ﺑ «ابن الداية» فإن والده يوسف بن إبراهيم كان ولد ظِئر إبراهيم بن المهدي، وأخًا للخليفة العباسي المعتصم٢٧ بالرضاعة، فهو لم يكن مصري الأصل، ولا أدري تمامًا إذا كان عربي الأصل أم أعجميًّا.
نشأ يوسف بن إبراهيم في دار الخلافة ببغداد، وصار مع إبراهيم بن المهدي طول حياته، وتولَّى كتابة إقطاعاته، تُوفِّي إبراهيم في أواخر سنة ٢٢٤ﻫ في خلافة المعتصم، وأخذ قواد الخليفة من الأتراك يُضيِّقون الخناق على العرب ومواليهم، لم يستطع يوسف البقاء في سُرَّ مَن رأى، فتركها إلى دمشق سنة خمس وعشرين ومائتين، وهناك نزل على عيسى بن حكم الطبيب النسطوري،٢٨ ولكنه لم يشأ أن يبقى في الشام طويلًا، بل وفد على مصر، ولما علم المصريون بوجوده أقبلوا عليه؛ لأنهم سمعوا عن علمه وأدبه، وصادقوه فعاش بينهم ولُقِّب بيوسف بن إبراهيم المصري، وكان بينه وبين أحمد بن المدبر في العراق عهد صداقة ومودة، ولكن لما تولَّى بن المدبر أمْرَ خَرْجِ مصر، ورأى حسن ظاهر يوسف ظنَّ أن ذلك عن أموال جمة لديه، فطالبه ببعض بقايا عقود انكسرت عليه، فحبسه طويلًا حتى أنقذه أبو الفوارس مزاحم بن خاقان، وكانت أم زوج يوسف قد تولَّت تربية مزاحم.٢٩
كان يوسف فيما يُروَى عنه يحب العلم والعلماء، ويحرص على اقتناء المؤلفات المختلفة، كما أنه وضع عدة كتب منها: كتاب أخبار إبراهيم بن المهدي، و«كتاب الطبيخ».٣٠ ويحدثنا ابنه أحمد أن الأمير أحمد بن طولون حبس يوسف بن إبراهيم، ولا ندري سببًا لذلك، ثم يقول: إن بعض وجوه المصريين كلَّموا الأمير في أمر يوسف فأفرج عنه،٣١ ولعل هذه القصة تدلنا على ما كان ليوسف من المكانة في نفوس المصريين، كذلك كان يوسف على سَعة من الرزق، فقد كان يُجْرِي بعض المال على بعض الأشراف المقيمين في مصر.٣٢
أما مؤلف الكتاب أحمد بن يوسف، فقد عُرِفَ عنه شغفه بالعلم، وكَلَفه بالأدب، ويروي ياقوت عن ابن زولاق: «كان أبو جعفر — رحمه الله — في غاية الافتتان، أحد وجوه الكتاب الفصحاء، والحساب، والمنجمين، مجسطي، إقليدسي، حسن المجالسة، حسن الشعر.»٣٣ لذلك كان أحد خواص بني طولون حتى عُرِف بكاتبهم، وقد ألَّف هذا الرجل جملة كتب في التاريخ والأدب نذكر منها كتاب «سيرة أحمد بن طولون» وسيرة ابنه «أبي الجيش»، ويقول ابن زولاق: «وكان أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم الكاتب قد عمل سيرة أحمد بن طولون أمير مصر، وسيرة ابنه أبي الجيش، وأُنْشِدا في الناس، وقرأتُهما عليه، وحدَّثت بهما عنه، مع غيرهما من مصنفاته، ثم عملت أنا ما فاته من سيرتهما.»٣٤ وله كتاب أخبار غلمان بني طولون وكتاب «حسن العقبى» وكتاب «أخبار الأطباء» و«كتاب المكافأة»، ولعلك تدرك من أسماء هذه الكتب أن جُلَّها كتب تاريخ وأخبار، ولم تكن ككتاب ابن عبد الحكم، بل هي مجموعة أخبار وقصص تمثل الحياة التي يتحدث عنها أصدق تمثيل.

لم يكن ابن الداية كاتبًا فحسب، بل كان شاعرًا أيضًا، وروى عن نفسه فقال: «كان أبو الفياض سوار بن شراعة الشاعر صديقًا لي، ومائلًا إلي، فلما اعتزم على الرجوع إلى العراق سألني أن أكتب له شيئًا من شعري، فكتبت له مقدار خمسين ورقة، وكان يستحسنه ويُعجَب به، فصار إلى بغداد، وعرضه على جماعة الأحرار، وأحسن وصفي لهم بسلامة مذهبه وطهارة نيته، ودخل محمد بن سليمان مصر وقد ردَّ البريد بها إلى أبي عبيد الله أحمد بن صالح، فسأل عند دخوله إياها عن أحمد بن يوسف، فأُحْضِر أحمد بن يوسف — وكان كاتبًا لأحمد بن وصيف ثم لابن الجصاص التاجرين — فقال له: تعرف أبا الفياض؟ قال: لا. فقال لهم: ليس هذا الرجل الذي طلبت. فأُحْضِرتُ، فلما رآني استشرف إليَّ وقال: تعرف أبا الفياض؟ فقلت: ذكرك الله وإياه بكل صالحة نعم أعرفه، وكان خلًّا لي. فقال: هل أنشدك من شعره؟

ظللنا بها نستنزل الدن صفوه
فينزل أقباسًا بغير لهيب
قلت: لا يا سيدي، ولكني أنشدته إياه من شعري، فضحك وقال: «والله، لقد اشتقت إلى الدخول إلى مصر من أجلك.» ثم يقول ابن الداية: «وكان والله أفضل عون لي على أموري.»٣٥
كذلك كان شعر ابن الداية سببًا في قيام بعض القيسية على خدمته وخفره دون مقابل.٣٦

نستطيع — كما قدمت — أن نقول إن كتاب المكافأة هذا كتاب أدبي؛ لما فيه من طرائف ومكاتبات وأشعار، ونستطيع أن نتخذه كتاب قصص؛ لما فيه من حوادث واقعية، وأن نتخذه كتابًا في الأخلاق؛ لما فيه من موعظة حسنة، ومكافأة قُدِّمَت نظير عمل الخير، ونرى مؤلفه يقسمه إلى أبواب وفصول؛ فجعل قسمًا للمكافأة على الحسن، أو مكافأة على معروف صنعه، وختم هذا القسم بنُبَذ عن أفلاطون، أما القسم الثاني فهو الجزاء على ما يبدر من الإساءة، ثم أردف ذلك بفصل عمن ابْتُلي فصبر، فكان ثمرة صبره حسن العقبى، وختم هذا الفصل بطائفة من كلمات مأثورة لبعض الحكماء من الفرس واليونان، مما يدل على أن ابن الداية كان يلم ببعض الآداب الفارسية واليونانية، ويحفظ كثيرًا من كلمات الفرس واليونان ويستعمل ألفاظًا غير عربية في كتاباته كقوله: «إن ديوانيان خالد» بمعنى كتاب الديوان، ولفظ «تليس» بمعنى الحقيبة، وهو في هذا يشارك غيره من الكتاب والأدباء، فقد نقلت الكتب اليونانية والفارسية إلى العربية، واستطاع المسلمون أن يعرفوا شيئًا من الآداب والعلوم الأجنبية، ويمزجوا بين هذه الآداب والعلوم الدخيلة والآداب والعلوم العربية، فكان كتَّاب المسلمين يزينون كتاباتهم باقتباس حكم الفرس واليونان، وهذا ما نراه واضحًا في الكتب العربية أمثال كتب الجاحظ وابن قتيبة وابن الداية وغيرهم.

نرى ابن الداية يبدأ كتابه بالدعاء فيقول: «سدد الله فكرك، وأحسن أمرك، وكفاك مهمك.» وإذا رجعنا قليلًا إلى كتب الجاحظ في «البيان والتبيين» و«الحيوان» وغيرهما وجدناه يتبع هذه الطريقة في ابتداء الكتب، وهي أيضًا الطريقة الشائعة عند كتَّاب العراق في ذلك العصر، ولعلها نقلت إلى مصر فعرفها المصريون كغيرها من الفنون التي أخذها المصريون عن العراقيين، ولكن كان ابن الداية يختلف عن معاصريه من الكتاب، فإنه لم يتعمد السجع، ومع ذلك فقد كان يتفنن في الكتابة، حتى جاءت بعض جمله مثالًا للأسلوب العربي كقوله: «إني سر من أسرار والدي كتمه عن سائر الناس، أفضى به إليك، ورآك أهلًا لستره عليه، فلا تخفر ظنه فيك.»٣٧ وبجانب هذه الجمل المتينة التركيب نجد جملًا ضعيفة غامضة لا تستقيم كتابتها مع قواعد النحو، مثل قوله: «وكانت أشفق النساء وأضبطهم وأحسنهم تدبيرًا فيما تتولاه.»٣٨ بدلًا من «وأضبطهن وأحسنهن»، وقوله: «جزاء ما قدمتيه ما تسمعيه مني.»٣٩ بدلًا من «جزاء ما قدمتِه ما تسمعينه مني.» على أننا لا نقطع بأن هذا الخطأ وقع من الكاتب نفسه، وقد يكون من خطأ النسَّاخ.

ومع هذا فالكتاب هو البقية الباقية من الكتب الأدبية التي أُلِّفت في هذا العصر؛ إذ لم نعثر على كتاب كامل غير هذا الكتاب.

•••

نستطيع أن نقول إن الحياة العلمية بمصر نُقِلَت إليها من العراق، وعاشت مصر على ما أنتجه العراقيون أو ما أخرجه المصريون تلاميذ العراقيين، كما كان للكتب التي تُنقَل من العراق إلى مصر قيمة خاصة، يحدثنا ابن الداية أنه عقب وفاة والده يوسف بن إبراهيم أرسل أحمد بن طولون من يهاجم داره، ويحضر كل صناديقه عساه يجد شيئًا من كتب العراق.٤٠
ومع أن مصر كانت موطن العلم والعلماء قبل الإسلام، وفيها اجتمعت ثقافات البلاد المختلفة، فإنا نجد مصر في هذا العصر الذي نؤرخه لا تُعنَى بشيء سوى هذه العلوم الدينية الإسلامية، ثم هذه العلوم العربية الخالصة، من نحو وصرف ورواية الأشعار، ولم تساهم مصر في العلوم الدخيلة بالقدر الذي ساهم به العراقيون مثلًا، ولم تنشط في مصر حركة الترجمة كما نشطت في الأقطار الأخرى، وربما كان للمصريين نصيب في حركة الترجمة وعلى الأخص كتب الطب والكيمياء، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك فيما قبل، كما تُرجِم في مصر التوراة إلى اللغة العربية، فقد روى المرحوم جورجي زيدان أن نزاعًا نشب في مصر بين طائفتين من طوائف الدين الإسرائيلي؛ هما طائفة الربانية وطائفة القرائين، فأفادت هذه المجالات اللغة العربية؛ إذ نرى رجلًا من كبار رجال الدين والعلم اليهودي هو سعيد الفيومي الإسرائيلي ينقل من العبرية إلى العربية كتب موسى الخمس وسِفْرَي أشعيا وأيوب.٤١ أما الكتب الفلسفية والمنطقية وغيرها، وعلوم الفرس والهند فلم ينشط لها المصريون في هذا العصر بالقدر الذي وُجِد في العراق، ولكنها وصلت إليهم بعد أن نُقِلَت إلى العربية في الأقطار الشرقية، فتقبلها المصريون بعد ذلك وساعدتهم في العصور التي تلي عصرنا هذا، على أن ينبغ بينهم عدد كبير من الكتاب والمفكرين.

هوامش

(١) بغية الوعاة: ص٤٠٥.
(٢) شرحه: ص١١٢.
(٣) شرحه: ص١٦٩.
(٤) معجم الأدباء: ج١، ص٣٨٢.
(٥) بغية الوعاة للسيوطي: ص١٠٨.
(٦) شرحه: ص١٣٠.
(٧) ج١، ص٢٩.
(٨) بغية الوعاة: ص٣٨٧.
(٩) بغية الوعاة: ص٢١.
(١٠) شرحه: ص٦٠.
(١١) حسن المحاضرة: ج١، ص٣٦.
(١٢) ابن خلكان: ج١، ص٢٦٣.
(١٣) بغية الوعاة: ص١٠٩.
(١٤) الأنساب للسمعاني: ص٢١.
(١٥) بغية الوعاة: ص٤٣.
(١٦) معجم الأدباء: ج٦، ص٤٣٢.
(١٧) رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر (نسخة خطية رقم ١٠٥ بدار الكتب المصرية).
(١٨) بغية الوعاة: ص١٤.
(١٩) الولاة والقضاة للكندي: ص٣٠٧.
(٢٠) الكندي: ص٤٤٩.
(٢١) الديباج: ص١٦٦.
(٢٢) النجوم الزاهرة: ج٣، ص٤٤.
(٢٣) الخطط: ج١، ص٦.
(٢٤) عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة: ج٢، ص١٢٨– ص١٣٩.
(٢٥) حسن المحاضرة: ج١، ص٣١٩، ومروج الذهب: ج١، ص٤.
(٢٦) حسن المحاضرة: ج١، ص٣١٩، وغيرها وتاريخ الطبري في مواضع متعددة.
(٢٧) المكافأة: ص١١٥.
(٢٨) عيون الأنباء: ج١، ص١٢١.
(٢٩) المكافأة: ص١٠٧.
(٣٠) المكافأة: ص١١٥.
(٣١) شرحه: ص٢٥.
(٣٢) شرحه: ص٤٨.
(٣٣) معجم الأدباء: ج٢، ص١٥٧.
(٣٤) المغرب: ص٤.
(٣٥) المكافأة: ص٤٤-٤٥.
(٣٦) المكافأة: ص٢٠.
(٣٧) المكافأة: ص٥١.
(٣٨) شرحه: ص٥٢.
(٣٩) المكافأة: ص٥٢.
(٤٠) المكافأة لابن الداية: ص٤٨.
(٤١) تاريخ التمدن الإسلامي: ج٢، ص٧٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١