الفصل السابع عشر

المراقبة

اندفع ديك بيوري داخل الغرفة التي تجلس فيها أختُه ورانسفورد ليُخبرهما بكمٍّ من الأخبار التي من النادر أن تُصادف مَن هم في السابعة عشرة المحبين للرومانسية. إذ إن التنقيبَ السريَّ والغامض في ساحات المقابر ليلًا، واكتشاف الحِزَم المختومة، التي يمكن فقط تخمينُ محتوياتها، وكلَّ ما لاحظه المراقبون المختبئون؛ هي أشياءُ كان يقرأ عنها في علم الأدب، ولكن لم يكن من المتوقَّع أن يُحالفه الحظُّ ويراها في الحياة الحقيقية. ولأنه موهوبٌ ببعض قدرات التخيُّل والسرد، فقد استطاع توصيل قصته على أفضلِ نحوٍ لاثنين من المستمعين منتبِهَيْن للغاية، كان لكلٍّ منهما أسبابُه للاهتمام الخاصِّ بها.

قالت ماري عندما انتهت قصةُ ديك: «المزيد من الغموض!» ثم أردفت: «يا له من أمرٍ مؤسف أنهم لم يفتَحوا الطرد!» ونظرَت إلى رانسفورد، الذي كان من الواضح أنه في حالةِ تفكير عميق. وقالت: «أعتقد أن كل شيء سينكشف، أليس كذلك؟»

أجاب وهو يلتفتُ إلى ديك: «بكل تأكيد!» ثم أضاف: «أنت تقول إن برايس قد أحضر هاركر العجوز — بعد أن شاهدتَ أنت وبرايس هذه الأحداث لمُدَّة؟ فهل قال لماذا أحضرَه؟»

أجاب ديك: «لم يقُل أيَّ شيء عن أسبابه.» وتابع: «لكنني، اعتقدت، في النهاية، أن برايس أرادني أن ألتزمَ الصمت حيال الأمر، إلا أن هاركر العجوز قال إنه لا داعي لذلك.»

لم يُعلِّق رانسفورد على هذا، أما ديك، فبعد أن استنفدَ مخزونه من الأخبار، ذهب على الفور إلى الفراش.

قال رانسفورد بعد وقتٍ من الصمت: «إن السيد برايس يلعب لعبةً ما! أنا لا أعرف ما هي — لكنني متأكد من ذلك. حسنًا، سنرى!» وتابع بعد فترةٍ أخرى من الصمت: «لقد انزعجتِ كثيرًا من كل هذا ومعرفةُ أنكِ كذلك قد أحزنَتني للغاية! لكن عليكِ فقط أن تتحلَّي بقليل — بقليل جدًّا — من الصبر، وستتضح الأمور — لا أستطيع أن أُفصح عن كلِّ ما في ذهني، حتى لكِ.»

واصلَت ماري عملَها في الحياكة، الذي كانت تقوم به بينما كان يقرأ عليها رانسفورد، كما كان معتادًا في الأمسيات، صحيفةَ «ذا تايمز».

وقالت: «لن أهتمَّ بشيء، فقط لو كان في الإمكان القضاء على تلك الشائعات المنتشرة في المدينة عنك!» وأردفَت: «إنه أمرٌ قاسٍ جدًّا، وحقير للغاية، أن مثل هذه الأشياء …»

طرقع رانسفورد أصابعه ليجذب انتباهها.

وردَّ بازدراء: «أنا لا أهتم بالشائعات!» وتابع: «إنها ستختفي فجأةً مثلما ظهرت فجأةً، وحينها — ربما، سأدع أشخاصًا معيَّنين في رايتشستر يعرفون رأيي فيهم. وبخصوص الشبهات المُثارة ضدي، فأنا أعلم بالفعل أن الأشخاص الوحيدين في المدينة الذين أهتمُّ برأيهم يؤمنون تمامًا بصحةِ ما قلتُه أمام القاضي. أما الآخرون، فلْيتكلَّموا كما يشاءون! وإذا وصل الأمر إلى نقطةٍ يجب معها التدخلُ قبل الوقت المناسب …»

قاطعَته ماري: «أنت تجعلني أعتقد أنك تعرف أكثر — أكثرَ بكثير! — مما قلتَه لي من قبل!»

رد: «هذا صحيح!» وأضاف: «وستُدركين في النهاية لماذا التزمتُ الصمت. بالطبع، إذا تدخَّل الأشخاص الذين لا يعرفون الكثير …»

قاطعه عندئذٍ صوتُ جرس الباب الأمامي، وهو ما جعله هو وماري ينظر كلٌّ منهما إلى الآخر.

قالت ماري: «مَن عساه يكون الطارق؟» وتابعت: «لقد تجاوزت الساعة العاشرة.»

لم يُقدِّم رانسفورد أيَّ اقتراح. وجلس في صمتٍ ينتظر، حتى دخلَت الخادمة.

وقالت: «إن المفتش ميتشينجتون يود مقابلتَك لبضع دقائق، يا سيدي.»

فنهض رانسفورد من كرسيِّه.

وقال: «أدخِلي المفتش ميتشينجتون إلى غرفة المكتب.» وأردف: «هل هو بمفرده؟»

أجابت الفتاة: «كلا يا سيدي، هناك رجل بصحبته.»

أجاب رانسفورد: «حسنًا، سأقابلهما على الفور.» وأضاف: «أدخِليهما إلى هناك وأشعِلي المدفأة.» وتابع عندما انصرفت الخادمة: «عجبًا لأمر الشرطة! إنهم يتمسَّكون بالفكرة الأولى التي تسترعي انتباهَهم، ولا يبحثون عن فكرةٍ أخرى أبدًا، أنتِ لستِ خائفة، أليس كذلك؟»

أجابت ماري: «خائفة؟ كلا! غير مرتاحة؟ أجل!» وأضافت: «ما الذي قد يُريدونه، في هذا الوقت من الليل؟»

أجاب رانسفورد، وهو يُغادر الغرفة: «ربما ليُخبروني بشيء عن قصة ديك الرومانسية هذه.» ثم أردف: «أؤكد لكِ أنه لن يكون الأمر أكثرَ من هذا.»

لكنه لم يكن متأكدًا من ذلك. إذ كان يُدرك جيدًا أن سلطات شرطة رايتشستر لديها اشتباهٌ واضح في أنه مذنِب في قضيتَي برادن وكوليشو، وهو يعلم من التجرِبة أن اشتباه الشرطة أمرٌ يصعب تبديده. وقبل أن يفتح بابَ الغرفة الصغيرة التي اعتاد استخدامها مكتبًا، نبَّه نفسه بأن يتوخَّى الحذرَ والصمت.

وقف الزائران بالقرب من المدفأة، وألقى رانسفورد نظرةً فاحصة عليهما وهو يُغلق الباب خلفه. كان يعرف ميتشينجتون جيدًا؛ ولذا كان مهتمًّا أكثر بالرجل الآخر، الغريب. لقد كان هذا الشخصُ شخصًا هادئ الطباع، وذا مظهر عادي للغاية، وكان من الصعب تخمينُ وظيفته — لكن رانسفورد اعتبره على الفور محقِّقًا. والتفت بعد تفحُّص الرجل نحو المفتش.

وقال على نحوٍ فظٍّ بعض الشيء: «حسنًا.» وأردف: «ما الأمر؟»

أجاب ميتشينجتون: «آسفٌ لإزعاجك في وقتٍ متأخر كهذا، يا دكتور رانسفورد»، وأضاف، مع ابتسامةٍ أرادها أن تكون مطمئنةً: «لكنني سأصبح ممتنًّا للغاية إذا أعطيتنا بعض المعلومات — المطلوبة بشدة، يا دكتور، في ضوء الأحداث الأخيرة.» وتابع: «أنا متأكد من أنك تستطيع — إذا أردت.»

قال رانسفورد، مشيرًا إلى الكراسي: «اجلسا.» ثم جلس ونظر مرةً أخرى إلى الغريب. وسأل: «إلى مَن أتحدَّث، بالإضافة إليك، أيها المفتش؟» وتابع: «أنا لن أتحدَّث مع غرباء.»

قال ميتشينجتون، ببعض الحرج: «أوه، حسنًا.» وأضاف: «بالطبع، يا دكتور، كان علينا الحصولُ على بعض المساعدة المهنية في هاتين القضيتَين الصعبتين. إن هذا هو المحقِّق الرقيب جيتيسون، من نيو سكوتلاند يارد.»

سأل رانسفورد: «ما المعلومات التي تريدها؟»

نظر ميتشينجتون إلى الباب وخَفض صوتَه. ثم قال في تكتُّم: «ربما عليَّ أن أُخبرك أنا بمعلومةٍ أيضًا، يا دكتور، بأنه قد حدث اكتشاف استثنائي للغاية الليلة، له علاقة بقضية برادن. لقد سمعت بالقطع عن عملية السرقة الكبيرة للجواهر التي حدثَت في قصر الدوق ساكسونستيد قبل بضع سنوات، والتي ظلَّت لغزًا حتى يومنا هذا، أليس كذلك؟»

أجاب رانسفورد: «لقد سمعتُ عنها.»

فتابع ميتشينجتون: «رائعٌ جدًّا، في هذه الليلة هذه الجواهر — جميعها — عُثر عليها في بارادايس، حيث دُفنت، في وقت السرقة، من قِبَل اللص.» ثم أضاف: «وقد فُحصت للتو، وهي الآن في حوزةِ الدوق مرةً أخرى — بعد كلِّ هذه السنوات! ويمكن أن أُخبرك أيضًا أننا نعلم الآن أن الهدف من زيارة برادن إلى رايتشستر كان إخبار الدوق بمكان إخفاءِ تلك الجواهر. لقد علم برادن — هو ورجل آخر — بالسِّر، من اللص الحقيقي، الذي مات في أستراليا. يمكنني أن أُخبرك بكل هذا، يا دكتور — لأنه سيُصبح معلومًا للجميع غدًا.»

قال رانسفورد: «حسنًا؟»

تردَّد ميتشينجتون للحظة، وكأنه يبحث عن كلماته التالية. فنظر إلى المحقِّق، الذي ظل ساكنًا، ثم نظر إلى رانسفورد، فلم يشجِّعه رانسفورد.

ثم قال فجأةً: «الآن انتبِهْ لما سأقوله لك، يا دكتور!» وأردف: «لماذا لا تُخبرنا بشيء؟ نحن نعرف الآن مَن كان برادن بالفعل! إنه أمرٌ منتهٍ. هل تفهم ذلك؟»

سأل رانسفورد، بهدوء: «مَن كان، إذن؟»

أجاب ميتشينجتون وهو يُراقب رانسفورد بثباتٍ: «لقد كان جون بريك، المديرَ السابق لفرع أحد البنوك في لندن، الذي، قبل سبعة عشر عامًا، حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات مع الأشغال الشاقةِ بتهمة الاختلاس.» ثم أردف: «هذا أمر مؤكَّد؛ نحن نعرف ذلك! أخبرَنا الرجلُ الذي شاركه هذا السرَّ حول جواهر سكسونستيد بهذا القدْر من المعلومات، اليوم. إنه جون بريك!»

سأله رانسفورد: «لماذا أتيتَ إلى هنا؟»

أجاب ميتشينجتون: «لكي أسألك — بيني وبينك — إذا كان بإمكانك إخبارُنا بأي شيء عن سنوات بريك السابقة؛ ماضيه، الذي يُمكن أن يساعدنا.» وأضاف: «ربما — كما يظنُّ جيتيسون وهو رجل صاحب خبرة كبيرة — سيتَّضح أن بريك — أو برادن كما نُسميه — قد قُتل بسبب حيازته لهذا السر الخاصِّ بالجواهر. لقد أخبرنا مصدرُ معلوماتنا بأن برادن كان لديه بالتأكيد، عندما جاء إلى رايتشستر، نوعٌ من الرسم التخطيطيِّ يوضح الموقعَ الدقيق للمكان الذي أُخفيت فيه الجواهر؛ هذا الرسم التخطيطي لم يُعثر عليه بالتأكيد مع برادن عندما فتَّشنا ملابسه ومتعلقاته. ربما يكون قد انتُزع منه في مقصورة نوافذ الإضاءة العلوية في ذلك الصباح، وربما يكون قد ألقاه مهاجمه، أو مُهاجماه — إذ ربما كان هناك رجلان في هذه المهمة — بعد ذلك من خلال المدخل المفتوح، بعد محاولة خنقِه. وإذا كانت هذه النظرية صحيحة — وأنا شخصيًّا أميلُ إليها تمامًا — فسيُصبح من المفيد جدًّا أن تُخبرنا بما تعرفه عن السنوات السابقة في حياة برادن — أو بريك. هيا، يا دكتور، أنت تعلم جيدًا أن برادن، أو بريك، قد أتى إلى عيادتك في ذلك الصباح وأخبر مساعدك أنه كان يعرف طبيبًا يُدعى رانسفورد في الماضي! لماذا لا تتكلَّم؟»

نظر رانسفورد، بدلًا من الردِّ على مُناشدة ميتشينجتون الصادقة بوضوح، إلى رجل نيو سكوتلاند يارد.

وسأله: «هل هذه نظريتك؟»

أومأ جيتيسون برأسه، بحركةٍ تدل على الاقتناع.

وأجاب: «أجل، يا سيدي!» وأضاف: «بالنظر لجميع ملابسات القضية، التي عُرضت عليَّ منذ أن جئتُ إلى هنا، وبالنظر على نحوٍ خاصٍّ للأمور التي أدَّت إلى العثور على تلك الجواهر، فإن هذه هي نظريتي! بالطبع، لقد غيرَت أحداثُ اليوم كلَّ شيء. ولولا مصدر معلوماتنا …»

استفسر رانسفورد: «مَن هو مصدر معلوماتك؟»

نظر الزائران أحدهما إلى الآخر، ثم أومأ المحققُ برأسه للمفتش.

قال ميتشينجتون: «أوه، حسنًا!» وأضاف: «لا ضرر من إخبارك يا دكتور. إنه رجلٌ يُدعى جلاسديل، كان في السابق مجرمًا مدانًا مع بريك. ويبدو أنهما قد غادرا إنجلترا معًا بعد انتهاء مدة سجنهم، وهاجرا معًا، وازدهرَت أحوالهما المادية، حتى قرَّرا — كلاهما — أن يُعيدا الأموال التي استولَيا عليها، وعادا معًا في النهاية — وبحوزتهما هذا السِّر. وقد جاء بريك خصِّيصى إلى رايتشستر لإخبار الدوق — وكان من المقرَّر أن ينضم جلاسديل إليه في صباح اليوم الذي لاقى فيه بريك حتفَه. وقد جاء جلاسديل إلى المدينة في ذلك الصباح، وبمجرد وصوله إلى هنا، سمِع بالموت الغريب لبريك. فأزعجه ذلك، وغادر المدينة؛ فقط ليعود اليوم، ويذهب إلى ساكسونستيد، ويخبِر الدوق بكل شيء، وكانت النتيجة هي التي أخبرناك بها.»

قال رانسفورد، وهو ينظر بثباتٍ نحو ميتشينجتون: «وهي النتيجة التي يبدو أنها غيَّرَت كلَّ أفكارك عني!»

ضحِك ميتشينجتون ببعض الإحراج.

وقال: «أوه، دعك من هذا، يا دكتور!» وأردف: «في الواقعِ، أنا بصراحةٍ أنا أميل إلى نظرية جيتيسون — في الواقع، أنا متأكد من أن هذه هي الحقيقة.»

تساءل رانسفورد، وهو يلتفتُ إلى المحقق: «لخِّص لي نظريتك في بضع كلمات.»

أجاب جيتيسون: «إن نظريتي — وأنا واثق تمامًا من أنها النظرية الصحيحة — هي ما يلي.» وتابع: «لقد جاء بريك إلى رايتشستر حاملًا سرَّه. ولم تقتصر معرفةُ هذا السر عليه وعلى جلاسديل؛ فإما أنه قد باح به لشخصٍ ما، أو أنه كان معروفًا لشخصٍ ما. وأنا فهمت من المفتش ميتشينجتون أنه في مساء يوم وصوله، خرج بريك من فندق مايتر وغاب لمدة ساعتين. خلال ذلك الوقت، كان في مكانٍ ما؛ مع مَن؟ ربما مع شخصٍ استخلص منه السرَّ أو هو أبلغه به. لأنه، فكِّر معي! وفقًا لجلاسديل، الذي، نحن متأكدون تمامًا من أنه قد قال الحقيقة الدقيقة عن كل شيء، كان بريك يحمل معه قصاصةً من الورق، بها تعليمات، باللغة اللاتينية، للعثورِ على المكان المحدَّد الذي خُبِّئت فيه جواهر ساكسونستيد المفقودة، قبل سنوات، من قِبَل اللص الفعلي — الذي، يُمكنني أن أقول لك، يا سيدي، إنه لم تُتَح له الفرصة قط للعودة كي يستحوذَ عليها مرة أخرى. وبعد وفاة بريك، فحص رجال الشرطة ملابسه وأمتعته — فلم يعثروا على قصاصة الورق هذه قط! وأنا أُفسِّر الأمور بهذه الطريقة. لقد جرى تتبُّع بريك إلى تلك المقصورة — وهو مكانٌ هادئ لا يوجد به أحد — من قِبَل الرجل — أو الرجلَين — الذي يعلم السر، وكان هو، مثلما أخبروني، رجلًا ضعيفَ البِنية، وليس قويًّا جدًّا؛ لذا حُوصر وسُرِقت منه تلك الورقة وأُلقي به لِيَلقى حتفه. وكل هذا يتناسب مع اللغز الثاني الخاص بكوليشو — الذي ربما كان يعرف إذن شيئًا ما، إن لم يكن كل شيء، عن المُلابسات الفعلية لموت بريك، وترك أخبار معرفته بالأمر تصل إلى أذنَيْ قاتلِ بريك — الذي تخلص منه بذكاء. هذه هي نظريتي.» ثم أضاف: «وسأُفاجأ إذا لم تكن نظرية صحيحة!»

قال ميتشينجتون مقاطعًا: «وكما قلت، يا دكتور، ألا يُمكنك أن تُعطيَنا القليل من المعلومات، الآن؟ هل ترى الخطَّ الذي نتتبَّعه؟ والآن، بما أنه من الواضح أنك كنت تعرف برادن، أو بريك …»

قاطعه رانسفورد بحِدَّة: «أنا لم أقل ذلك قط!»

قال ميتشينجتون: «حسنًا، نحن مَن استنتجنا ذلك من الحقيقة التي لا شكَّ فيها أنه قد جاء هنا لمقابلتك.» وأردف: «وإذا …»

قال رانسفورد: «انتظر!» لقد كان يستمع باهتمام شديد إلى نظرية جيتيسون، ثم نهض الآن من كرسيِّه وبدأ في ذرع الغرفة، ويداه في جيبيه، كما لو كان يُفكر تفكيرًا عميقًا. وفجأةً توقَّف ونظر إلى ميتشينجتون. وقال: «هذا يحتاج إلى بعض التفكير. هل لديك ما يكفي من الوقت؟»

أجاب ميتشينجتون، بلا تردُّد: «بكل تأكيد.» ثم أردف: «وقتُنا تحت أمرك، يا سيدي. خذ ما تريده من الوقت.»

دقَّ رانسفورد الجرس لاستدعاء الخادمة وطلب منها إحضارَ الويسكي، والصودا، والسيجار. ومن ثَم قدَّم هذه الأشياءَ للرجلَين، وأشعل سيجارًا، واستمر مدةً طويلة في السير ذَهابًا وإيابًا في جزء الغرفة الذي كان يجلس فيه، وهو يُدخن ويُفكِّر بعمقٍ كما كان من الواضح. ولم يُقاطعه الزائران، لكنهما ظلا يُراقبانه بفضولٍ بين الحين والآخر — إلى أن سحب، بعد مرور عشر دقائق، كرسيًّا فجأةً بالقرب منهما وجلس مرة أخرى.

وقال: «الآن، استمِعا إليَّ!» وأردف: «إذا كشفتُ لكما عما أعرفه، كرجلَي شرطة، هل ستَعِدانني بأنكما لن تستخدما معلوماتي حتى أُعطيَكما الإذن — أو حتى تستشيراني في الأمر أكثر؟ سأثق في وعدكما، تذكَّرا هذا!»

أجاب ميتشينجتون: «أعدك، يا دكتور.»

وقال المحقِّق: «وأنا كذلك، يا سيدي.»

تابع رانسفورد: «جيدٌ للغاية.» وأردف: «إذن ما سأُخبركما به هو سرٌّ بيننا، حتى يحينَ الوقت الذي أقول فيه المزيد عن ذلك. أولًا: لن أقول أيَّ شيء على الإطلاق عن ماضي برادن — في الوقت الحاليِّ! ثانيًا: أنا لستُ متأكدًا من أن نظريتك، يا سيد جيتيسون، صحيحة تمامًا، على الرغم من أنني أعتقد أنها تقترب جدًّا من النظرية الصحيحة — التي من المؤكد أنها ستظهر في وقتٍ قريب. لكن بِناءً على اتفاقنا بالحفاظ على السرِّية في الوقت الحاضر، يمكنني أن أُخبِرَكما بشيءٍ لم يكن من المفترض أن أصبح قادرًا على إخباركما به لولا أحداثُ الليلة، التي جعلَتني أستنتجُ حقائقَ معينة. والآن انتبِها! في البداية، أنا أعرف أين كان برادن على أيِّ حال في وقتٍ ما في مساء اليوم الذي جاء فيه إلى رايتشستر. لقد كان مع الرجل العجوز الذي نعرفه جميعًا باسم سيمبسون هاركر.»

أطلق ميتشينجتون صفيرًا، بينما نظر إليه المحقِّق، الذي لم يكن يعرف شيئًا عن سيمبسون هاركر، كما لو كان يطلب منه معلوماتٍ عنه. لكن ميتشينجتون أومأ برأسه لرانسفورد، فواصل رانسفورد كلامه.

وقال: «سبب معرفتي بذلك هو ما يلي.» وأردف: «أنت تعرف أين يعيش هاركر. وأنا كنتُ أعالج مريضًا يسكن في المنزل المقابل لمنزله مدةَ ساعتين تقريبًا في ذلك المساء — وأمضيت وقتًا طويلًا في النظر من النافذة. ومن ثَم رأيت هاركر يصحب رجلًا إلى منزله، ورأيت الرجل يُغادر المنزل بعد نحوِ ساعة، وتعرَّفت على ذلك الرجل في اليوم التالي باعتباره الرجلَ الذي لقي حتفه عند الكاتدرائية. هذا كلُّ ما يخصُّ هذا الأمر.»

تمتمَ ميتشينجتون قائلًا: «جيد!» وأضاف: «جيد! هذا يوضح الكثير.»

وتابع رانسفورد: «لكن ما يجب أن أُخبركما به الآن هو أكثرُ أهمية — وسريةً بكثير. الآن، هل تعلمان — لكن، بالطبع، أنتما لا تعلمان — أن إجراءاتكما الليلة رُوقبت؟»

صاح ميتشينجتون متعجبًا: «رُوقبت!» وأضاف: «مَن الذي راقبنا؟»

أجاب رانسفورد: «هاركر، من ناحية.» وتابع: «ومن الناحية الأخرى، مساعدي السابق، السيد بيمبرتون برايس.»

فغرَ ميتشينجتون فمَه.

وقال: «يا إلهي!» وتابع: «أنت لا تعني ذلك يا دكتور! عجبًا، كيف …»

قاطعه رانسفورد قائلًا: «انتظر لحظة.» ثم غادر الغرفة، فنظر الزائران كلٌّ منهما إلى الآخَر.

وقال جيتيسون على نحوٍ هامس: «هذا الرجل يعرف أكثرَ مما تعتقد.» وأردف: «وأكثرَ مما يقوله الآن!»

قال ميتشينجتون، الذي فُوجئ كثيرًا بالمعلومة الأخيرة التي قالها رانسفورد: «دَعْنا نحصل على كلِّ ما في وُسعنا، إذن.» وتابع: «لنحصل عليه بينما هو في مِزاجٍ يدعوه للحكي.»

نصحه جيتيسون قائلًا: «دَعْه يأخذْ وقته.» وأضاف: «لكن تذكَّرْ ما قلته لك — إنه يعرف الكثير! وهذا مجرد جزء بسيط.»

عاد رانسفورد ومعه ديك بيوري، الذي كان يرتدي مَنامةً منقوشة بألوان مرحة.

وقال رانسفورد: «والآن، يا ديك.» وأضاف: «أخبِرِ المفتش ميتشينجتون بالضبط بما حدث هذا المساء، بحسب معرفتك.»

لم يتردَّد ديك في سرد قصته للمرة الثانية — خاصةً إلى اثنين من المستمعين المحترفين. وقد رواها بالتفصيل، من لحظةِ لقائه المفاجئ ببرايس إلى تلك التي ترك فيها برايس وهاركر. أدركَ رانسفورد، وهو يُراقب وجهَي الرجلَين، ما في القصة من عناصرَ جذبت انتباهَهما وأثارت اهتمامَها.

سأل ميتشينجتون، عندما انتهى ديك من سرد قصته: «لقد ذهب دكتور برايس على الفور لجلب هاركر، أليس كذلك؟»

أجاب ديك: «على الفور.» وأضاف: «وسرعان ما عاد معه!»

تابع ميتشينجتون: «وقال هاركر إنه لا يُهم إذا كنت ستُخبر أحدًا أم لا؛ لأن الأمر سيُصبح من الأخبار العامة قريبًا جدًّا؟»

قال ديك: «بالضبط.»

نظر ميتشينجتون إلى رانسفورد، فأومأ رانسفورد برأسه إلى رَبيبه.

وقال: «حسنًا، يا ديك.» وأضاف: «هذا يكفي.»

فغادر الفتى مرةً أخرى، وهزَّ ميتشينجتون رأسه.

وقال: «أمرٌ غريب!» وأردف: «الآن ما الذي كان هذان الاثنان يُخطِّطان له؟ — من المؤكد، أنهما كانا يُخططان لشيءٍ ما. هل يمكنك إخبارنا بالمزيد، يا دكتور؟»

أجاب رانسفورد، وهو يجلس على كرسيِّه مرة أخرى: «في ظل الشروط نفسها، أجل.» وتابع: «الحقيقة هي أن الأمور قد وصلت إلى مرحلةٍ حيث أعتبر أنه من واجبي أن أُخبركما بالمزيد. بعضُ ما سأخبركما به هو معلومة غير مؤكَّدة — لكنها معلومة يُمكنكما بسهولة التحقُّقُ منها بنفسَيكما عندما يحينُ الوقت المناسب. أخبرني السيد كامباني، أمين المكتبة، مؤخرًا أن مساعدي السابق، السيد برايس، يبدو أنه يهتمُّ بنحوٍ غيرِ عادي بالأمور الأثرية منذ أن ترك العمل لديَّ — وهو الآن، كما قال كامباني، يفحص دائمًا الوثائق ذات الصلة بالمقابر والآثار القديمة الخاصة بالكاتدرائية ومحيطها.»

صاح ميتشينجتون متعجبًا: «آه، هكذا إذن!» وأضاف: «بلا شك، لقد بدأتُ أفهم!»

وتابع رانسفورد: «وذكر كامباني كذلك، كتعليق طريف، أن برايس كان يقضي أيضًا الكثيرَ من الوقت في البحث حول مقابرنا القديمة. والآن أنتم قمتم بهذا الاكتشاف بالقرب من مقبرة قديمة، حسَبما فهمت، أليس كذلك؟»

قال المفتش موافقًا: «بالقرب بشدةٍ من واحدة — بلى.»

فتابعَ رانسفورد: «دعني إذن أَلفِت انتباهكما إلى حقيقةٍ أو اثنتين من الحقائق الغريبة — التي لا شك فيها.» وأردف: «لقد تُرك برايس وحده مع جثةِ برادن لبضع دقائق، أثناء ذَهاب فارنر لإحضار الشرطة. هذه هي الحقيقة الأولى.»

تمتمَ ميتشينجتون قائلًا: «هذا صحيح.» وتابع: «لقد تُرك هناك — عدةَ دقائق!»

قال رانسفورد: «كان برايس هو مَن اكتشف جثة كوليشو — في بارادايس.» وأضاف: «وهذه هي الحقيقة الثانية. أما الحقيقة الثالثة، فمن الواضح أن برايس كان لديه دافعٌ لجلب هاركر الليلة — لمراقبة عمَلياتكم. فماذا كان دافعه؟ وبتجميع الأمور معًا، ما هي، أو ماذا كانت، تلك الأمور السرِّية التي من الواضح أن برايس وهاركر قد اشتركا فيها؟»

نهض جيتيسون فجأةً، وعقد أزرارَ معطفه الخفيف. وبدا أن هذا يُشير إلى فكرةٍ تشكَّلَت للتو؛ استنتاج محدَّد. فالتفت بحدة إلى ميتشينجتون.

وقال: «هناك شيء واحد مؤكَّد، أيها المفتش.» وتابع: «وهو أنك ستراقب هذين الاثنَين من اليوم! من هذه اللحظة!»

قال ميتشينجتون موافقًا: «سأفعل!» وتابع: «سأُعيِّن من يُراقبهما أينما ذهبا أو كانا، ليلًا أو نهارًا. لطالما كان هاركر غامضًا إلى حدٍّ ما، لكن برايس — أنا متأكد أنه كان يتلاعب بي! من خلال لعبة مزدوجة — لكن، لا يهم. هل لديك المزيد من المعلومات، يا دكتور؟»

أجاب رانسفورد: «ليس بعد.» وأضاف: «وأنا لا أعرف المعنى الحقيقيَّ أو القيمة الحقيقية لما أخبرتُكما به. لكن خلال يومين من الآن، يُمكنني إخبارُكما بالمزيد. وفي غضون ذلك تذكَّرا وعْدَكما!»

ثم ترك زائِرَيه يغادران، وعاد إلى ماري.

وقال: «لن تُضطرِّي إلى الانتظار طويلًا حتى تتَّضحَ الأمور.» وأضاف: «فاللغز على وشك أن ينكشف!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤