الفصل الأول

البُعْد الزماني

كيف أضحَتِ الأخبارُ جديدةً

«ما الأخبار الجديدة في السوق؟»

(ويليام شكسبير، تاجر البندقية، الفصل الأول، المشهد الثالث)
ما الأخبار؟ ما آخِر الأخبار؟ هل من أخبار؟ أَمَا من أخبار؟ على الأرجح لا يوجد شيء له طبيعة زمانية كالأخبار. كلمة أخبار في حدِّ ذاتها في أغلب اللغات تُشِير إلى طبيعة الأخبار الزمنية: كلمات مثل news في الإنجليزية، وnouvelles في الفرنسية، وnovosti في الروسية وuutinen في اللغة الفنلندية وnyhet في اللغة السويدية، هي جميعها كلمات يعني جذرها «جديد»، والتعريف القاموسي للكلمة بدوره يتضمَّن إشارةً لطبيعة الأخبار الزمانية: «هي أنباء، تقارير أو روايات عن أحداث أو وقائع «مستجدة» (لا سيما المهمة أو الشائقة)، تلتقي أو تتَّحِد معًا كمعلومات «مستحدثة».» ومن أوائل استخدامات كلمة newis ما جاء في نسخة عام ١٣٨٢ من الإنجيل (إنجيل ويكليف، النسخة المنقَّحَة)، بسِفْر يوشع بن سيراخ (بوديلي، ٩٥٩) الإصحاح ٢٤، الآية ٣٥ وترجمتها بالعربية: «هو يفيض الحكمة كفيشون ومثل دجلة في أيام الغلال.»1

تُعَدُّ عبارة «الأخبار هي الجديد» دالة على ذاتها بقدر ما تُعَدُّ عبارةٌ مثل «الوردة هي وردة» كذلك؛ وبالتالي، وهو ما يُعَدُّ مُؤسِفًا أيضًا، كانت طبيعة الأخبار الزمانية إما تتعرَّض للتجاهل وإما يُسلَّم بها في البحث الأكاديمي؛ لأنها كانت تُعتبَر بديهيةً جدًّا. وقد أدَّى بروز عنصر الوقت بالخبر إلى «تطبيعٍ» على أبعاده الزمانية؛ وكنتيجة لذلك، كثيرًا ما يُفهَم الوقت في الخبر على أنه الزمان في سياق عالم الميكانيكا فقط، لا في سياق تركيبته الاجتماعية.

تعتمد تمامًا طبيعةُ الأخبار في كل حقبة تاريخية على التركيبة الاجتماعية للوقت في الخبر؛ فعلى سبيل المثال، صرَّحَ الباحثون في علم الصحافة بأن ثمة ثلاثة أنواع من التوقيتات الزمنية للخبر؛ أولًا: ثمة الأخبار المؤخَّرة (ما يُكشَف عنه مؤخَّرًا). وثانيًا: ثمة الأخبار الفورية (إذاعة الخبر بأدنى قدر من التأخير). وثالثًا: ثمة الأخبار المتداولة (ذات الصلة بالشئون الحالية) (روشكو، ١٩٧٦). غير أن هذه التصنيفات ليست ثابتةً وتتغيَّر مع الزمان والمكان. وحتى إن كانت هذه التصنيفات تساهِم بشكل واضح في تقسيم الزمن، فهي لا تزال تعتبر الزمنَ «هبةً إلهيةً» دون إخضاعه للتحليل أو فهم التغيُّرات التاريخية التي طرأت على الأخبار.

لفهم كيفية عمل البُعْد الزماني للأخبار، نحتاج إلى النظر إلى تعريف الأخبار. وبمجرد النظر إلى التعريف القاموسي الذي عرضناه من قبلُ لهذه الكلمة، نجد أنه من المفترض أن يتكوَّن الخبر من عنصرين: أحداث تقع مؤخرًا، ومعلومات جديدة؛ وهي خطوة في الاتجاه الصحيح تُعرِّف الزمنَ كعنصر من الخبر، لكنها لا تزال غير كافية؛ لأنها تفترض وجودَ علاقة طبيعية بين الأحداث والزمن.

ثمة نهجٌ بديل، هو دراسة البحوث الأكاديمية التي تسعى لفهم طبيعة الأخبار؛ فعلى سبيل المثال، قسَّمَ جانز (١٩٧٩) النظرياتِ التي تدور حول طرق انتقاء بعض القصص لعَرْضِها بالأخبار إلى ثلاث فئات مختلفة: (١) المنهج القائم على الصحفي. (٢) المنهج القائم على المؤسسة الصحفية. (٣) المنهج القائم على الحدث. وتتناول الفئةُ الثالثة الأخبارَ على أنها تتمتَّع «ببنية اجتماعية، مؤكِّدةً على دور العنصر البشري في الخبر، والقواعد غير الرسمية التي يتبنَّاها الصحفيون في معالجة كمٍّ هائلٍ من المعلومات وفرزِها وإعادةِ ترتيبها في صورة النشرة الإخبارية التي سيتقبَّلها الجمهور» (جيتلين، ٢٠٠٣). وتدخل في هذا المنهج أيضًا «فكرةُ الخبر كحكايةٍ وكحقيقةٍ في الأساس، وكمعلومة وكتفاصيل تسرد قصة» (شابر، ١٩٢٩).

يرى جيتلين (٢٠٠٣) أن الفئة الثالثة من هذا التنظير ترتكز على الحدث انطلاقًا من منظورها للخبر ﮐ «مرآة» أو «انعكاس» لطبيعة العالم الفعلية، لكن من جديدٍ تأخذنا حجةُ جيتلين في مسلك مغايِر لاتجاهي؛ فاهتمامي لا ينصبُّ بالدرجة الأولى على وظيفة الخبر كمرآة أو كانعكاس، ولكن على الطرق التي شكَّلته كقصةٍ لها قواعدها الخاصة؛ ومن ثَمَّ، للوصول إلى غايتي بهذا الفصل، لا ينصب اهتمامي بالدرجة الأولى على «موضوعية» الخبر. ويساعدني جانز هنا بطرح توليفة بين ثلاثة مناهج مختلفة بتعريفه للخبر على أنه ««معلومة» تنتقل من «المصادر» إلى الجمهور؛ إذ يُوجِز الصحفيون وينقِّحون ويبدِّلون ما يصل إليهم من المصادر المختلفة لتصبح المعلومةُ مناسِبةً للجمهور» (جانز، ١٩٧٩).

لكن التمييز بين الخبر والمعلومة لا يخلو بالضرورة من الصعوبات كما يفترض هذا التعريف؛ فأنا على العكس أرى أن التمييز بينهما يتمثَّل في البُعْد الزماني للأخبار، الذي لم يُعترَف به كعنصر أساسي في التمييز بين «المعلومات» و«الأخبار». من ثَمَّ، لأغراض هذا الفصل، أعرِّفُ الأخبارَ على أنها نمَطٌ من الكتابة يستخدم مفهومَ الزمان ومفهومَ الحدث لبناء قصة جديدة، ومن المهم ملاحظة أن كلَّ قصة جديدة ليسَتْ بالضرورة قصةً تليق كخبرٍ، والفصل بين الخبر والقصة الجديدة بتسميته «خبرًا» يغدو هنا شديدَ الأهمية.

جرَتِ التقاليدُ في الدراسات الصحفية على الفصل بين كلٍّ من الحدث ومصدر الخبر والخبر (مثال على ذلك: غاتلونج وروج، ١٩٦٥). يقع الحدث بمكان، بمنأًى عن مصدر الخبر، وبمنأًى عن المعنيِّين به في كثير من الأحيان، وطرْحُ مفهومِ المكان في عملية فهم «حداثة» الخبر يضيف بُعْدًا آخَر للمسألة؛ هو المسافة بين كلٍّ من مكان الحدث ومصدر الخبر والخبر؛ إذ يقع الحدث بمكان، من جهة أخرى يستغرق سفر الخبر وقتًا، ويؤثِّر أيُّ تغيُّر في المسافة واجتياز هذه المسافة على حداثة الخبر. على سبيل المثال، كلمة jour بالفرنسية التي تتشكل جذر الكلمات: journalist (صحفي)، وjournalism (صحافة)، وjournal (صحيفة)؛ هي أيضًا جذر كلمة journey (رحلة)، التي كان المعنى الأصلي لها هو يوم من السفر، وامتدَّ معنى الكلمة سريعًا ليشير أيضًا إلى شيء قد يُقاس بعدد الأيام المطلوبة لتمامه (هاريس، ١٩٧٨). وبدأ استخدام كلمة journalist (صحفي) عام ١٦٩٣ لوصف مَن يكتبون عن الأنشطة الاجتماعية «اليومية» للصحافة العامة (هاريس، ١٩٩٠)؛ من ثَمَّ تشكَّلَتْ في مرحلة مبكرةٍ العلاقةُ بين كلٍّ من الخبر والحدث والسفر والوقت من منطلق الأيام.

من المهم كذلك ملاحظة أن القصص الجديدة تسافر عبر المسافات وتسافر عبر الزمن، وتنتقل من جيل إلى جيل عبر ذاكرة الأفراد، وتتحول في هذه العملية من قصص قديمة إلى قصص جديدة؛ لأنها تُعَدُّ خبرًا لمَن لم يسمع بها من قبلُ.

أتحرَّى في هذا الفصل الهياكلَ الزمنية التي تربط بين الحدث وبين المعلومة، وبين مصدر الخبر وبين جمهور القصص الجديدة أو القصص الإخبارية. وأوضح أن التقنيات الجديدة غيَّرَتِ العلاقةَ بين كلِّ هذه الأطراف؛ إذ لم تَعُدْ حداثةُ الخبر تشير إلى علاقة وثيقة بين المصدر والجمهور فحسب، وإنما تشير أيضًا إلى أن الحدث والمعلومة والمصدر والجمهور قد اتَّحدوا جميعًا ليصيروا واحدًا، وهذا هو الموقف الذي غيَّرَ فيه البُعْد الزماني للخبر هيكلَ الخبر تغييرًا جذريًّا.

(١) القصص الجديدة والذاكرة

كتب دارنتون (٢٠٠٠) أن طبيعة «ما يشكِّل الخبر» تتفاوَتُ تفاوتًا كبيرًا بين المجتمعات المختلفة، ويسوق أمثلةً على ذلك من دراسات عن المقاهي في إنجلترا في الحقبة الستيوارتية، والمقاهي في بواكير جمهورية الصين، والأسواق في المغرب المعاصر، وشعر الشارع في روما القرن السابع عشر، وحركات تمرُّد الرقيق في برازيل القرن التاسع عشر، وشبكات المهرِّبين في موجول راج بالهند، وحتى الأماكن الترفيهية في الإمبراطورية الرومانية. غير أنه فيما يتَّصِل بالأخبار الشفهية، يجب أن يحضر الأفرادُ بأنفسهم معًا في المكان نفسه وفي الزمان نفسه لتبادُل القصص الجديدة؛ فعندما تجمَّعت الحشود في الأسواق أو في مدائن الكنائس كان من السهل نشر القصص الجديدة من فرد إلى العديد من الأفراد، ومنهم إلى الكثير من الأفراد الآخرين.

في المجتمعات التي لم تعرف الكتابة، انتقلت المعلومات المهمة أو ذات القدسية في كثيرٍ من الأحيان إلى الأجيال الجديدة في شكل قصة؛ كقصيدة روائية، وفي ذلك كتب بينتيكينين (١٩٨٩):

في ضوء هذه الظروف، عمل القالب الشعري كأداة فنية تعين الذاكرة؛ إذ «يتكرَّر به ذكر تفاصيل بعينها» بدقة أكثر من السرد النثري. ولا يظل الشعر الذي صمد بالرواية الشفهية كما هو بالطبع، لكنه يميل إلى أن تطرأ تغيُّرات عليه، تسهلها مختلف العوامل الثقافية والخاصة؛ فقد تنتقل قصيدةٌ من جيل إلى التالي، لكنَّ كلَّ جيل ينظر إليها وفقَ عالَمِ مفاهيمه.

قد تُروَى القصص وتصمد بالأذهان، لكنها لا تكون بالضرورة قصةً إخبارية، حتى إن كانت قصة جديدة. ضمَّتِ القصص عناصِرَ قصص الأخبار في بنيتها (مثل: «يُحكَى أنه ذات مرة»)، لكن الزمان والمكان لم يكونا بالضرورة الملمحين الأكثر أهمية في بنية القصة؛ كانت بصورة ما قصصًا لا تحوي زمانًا أو مكانًا، فما كان يهم ليس زمان الحدث أو حتى مكان القصة، بل أن أحدًا لم يسمع بالقصة من قبلُ. لم تكمن حداثة القصة فيها، وإنما في جمهورها الذي لم يسمع بها من قبلُ ويريد أن يتذكرها، وقد تميَّزت هذه القصص بملمحَيْن بارزين؛ إذ اعتمدَتْ على الذاكرة والتكرار، فكتب كلانتشي (١٩٩٤) عن العصور الوسطى:

خارج البلاط الملكي والأديرة العظيمة، اختزنَتِ الذاكرةُ الحية عادة حقوق الملكية وغيرها من المعارف عن الماضي. ومتى دعَتِ الحاجةُ إلى المعلومات التاريخية، لم تلجأ المجتمعات المحلية إلى الكتب والأشخاص، بل لجأت إلى المأثورات الشفهية المنقولة عن قادتهم ومؤرخيهم.

من ثَمَّ، لم يكن وجه الاختلاف بين ما يُعَدُّ خبرًا وما لا يُعَدُّ كذلك في العصور الوسطى واضحًا على الدوام. وكما يوضح شابر (١٩٢٩)، جرَتِ العادة قديمًا على ابتكار الأغنيات عن الأحداث العابرة والمعارك والنزاعات والغارات وجرائم القتل والمآسي على الصعيد المحلي، وعلى تذكُّرها، ربما في جميع أنحاء العالم، في صورة قصائد غنائية. فيقول شابر (١٩٢٩):

هذه القصائد الغنائية الزاخرة بالتكرار، والمفعمة غالبًا باللازمة الشعرية، كانت تهبط على الموقف بغتةً، دون وصفٍ لشخصياته، وفي الكثير من الأحيان دون تسميتهم، لتحكي قصة قصيرة سريعة، تخلو من التكرار، تعوزها اللازمة، دون أن تحفل بالتفاصيل أو تستغرق زمنًا طويلًا.

كنتيجةٍ، كانت القصص الجديدة في صورة الشعر أو القصائد الغنائية تصمد لوقت أطول من الأخبار؛ إذ اختزنتها الأذهان، وتكرَّرت، وتغيَّرت جزئيًّا من جيل لآخَر. وقد اتَّسَم هذا الشكل من القصص الجديدة بالفعل بالاستمرارية والتكرار، وكانت هذه القصص في كثيرٍ من الأحيان قصصًا قديمةً تغدو جديدة بالتنقُّل عبر الأزمان والأماكن، لكنها في الوقت نفسه صارَتْ بلا مكان أو فضاء أو زمان خاص بها. وثمة العديد من الأمثلة عن الكيفية التي تنتقل بها قصةٌ ما عبر الزمان والمكان، وتُترجَم وتبرز بمكان آخَر كقصة جديدة (شابر، ١٩٢٩). غير أن هذه القصص الجديدة الشفهية كانت بصدد التغيُّر مع ظهور الكتابة.

(٢) القصص المكتوبة الجديدة

تحدَّدَ الزمان في المجتمعات الزراعية من خلال إيقاع الطبيعة؛ فكتب أونج أنه قبل ظهور الكتابة لم يشعر الناس بأنهم يشغلون في كل نقطة من حياتهم حيِّزًا زمانيًّا محسوبًا مجرَّدًا بأي صورة من الصور، ويبدو أنه من المستبعَد أن أغلب مَن شهدوا العصور الوسطى أو حتى عصر النهضة في أوروبا الغربية كانوا ينتبهون عادةً إلى رقم السنة في تقويمهم، سواء أكان الرقم محسوبًا من ميلاد المسيح، أم من أي نقطة أخرى بالماضي (أونج، ١٩٨٢). فعاشت المجتمعات كما أشار جيدينز (١٩٩٠) حياةً مستقلة بعضها عن بعض، واتَّبَعت تقويمها المحلي الخاص. وقد ارتبط «توقيت الحدث» بوجهٍ عام تقريبًا ﺑ «المكان» أو اقترَنَ بأحداث طبيعية أخرى، وظلَّ الزمان مقترِنًا بالمكان؛ فيرى جورفيتش (١٩٧٢) أن تقويمَ المزارعين كان يعكس تغيُّرَ الزمن بتتبُّع تعاقُب المواسم الزراعية، وما زالت شهورُ العام تعكِس في الكثير من اللغات المهامَّ الزراعية ومهامَّ الشهر المعينة الأخرى؛ على سبيل المثال: شهر مايو في اللغة الفنلندية هو toukokuu ويعني شهر البذر، ويونيو هو kesäkuu أي شهر الصيف، ويوليو heinakuu يعني شهر جز التبن، أما شهر أغسطس elokuu فيعني شهر الحصاد.

لم تكن هناك حاجة لقياس الوقت، وظلَّتْ أدوات قياس الوقت حتى القرن الثالث عشر والرابع عشر أدواتِ رفاهية نادرة، وكان الشكل المألوف للساعات في أوروبا العصور الوسطى هو المزولة أو الساعات الرملية أو الساعات المائية التي تتكوَّن من شمعة أو زيت في مصباح كنسي (جورفيتش، ١٩٧٢). وإن دعَتْ ضرورة كبيرة لمعرفة الوقت في لحظةٍ ما بعدَ مغيبِ الشمس، كان الوقت يُقاس بإضاءة مشعل (جورفيتش، ١٩٧٢). وكان طول الرحلات يقاس بالمدة التي يقضيها المسافرون في البحر أو على الأقدام أو على ظهور الخيل، ولم يطرأ ببالٍ تخيُّلُ رحلةٍ بين نقطتين يقيسها مسافروها بالزمان المجرد. لم يكن الزمان في المجتمعات القديمة غريبًا على الأفراد أو منفصِلًا عن حياتهم وأنشطتهم (جورفيتش، ١٩٧٢)، ويمكن تطبيق المبدأ نفسه على القصص الجديدة التي لم تتضمَّن ذِكرًا لزمنٍ مُقَاس.

كان الزمان — باستثناء المواقيت الزراعية — غير ذي أهمية أو شأن بالنسبة إلى الكنائس، ويميِّز لو جوف (١٩٨٠) بين الزمان وفق تقويم الكنيسة وأحد التقويمات التجارية في العصور الوسطى؛ إذ وَضعَتِ الكنيسة تقويمًا خاصًّا بها كرَّسته للرب وحده، ولم يُسمَح أن يكون مجالًا للتربُّح. وقدَّرَ الرهبان الوقتَ بعدد الصفحات التي قرءوها من الكتاب المقدس، أو بعدد المزامير التي أنشدوها بين فترتين لرصد السماء. أما لعموم الناس فكان ما دلَّ بصفة رئيسية على الوقت هو أجراس الكنائس التي تدعوهم بانتظام للصلاة صباحًا أو غيرها من العبادات؛ ومن ثَمَّ عندما أصبح الزمان الجمعي أكثر أهميةً، كان رجال الكنيسة لا يزالون يسيطرون على تسجيل مرور الزمان (جورفيتش، ١٩٧٢).

لكن طرأ تغيُّر مهم مع ظهور الكتابة؛ إذ فقَدَ تذكُّرُ القصصِ التي تُروَى أهميتَه الكبيرة، حيث صار بالإمكان اختزانها بالكتابة، ولم يَعُدِ التكرارُ ضروريًّا بهذه القصص؛ الأمر الذي ادَّخَر وقتًا وجهدًا. ولم يقتصر الانتقال من الاعتماد على الذاكرة إلى التواصُل الكتابي — الذي شهدته إنجلترا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر — على إنجلترا وحدها، مع أنه يتجلَّى أكثر هناك (كلانتشي، ١٩٩٤). أدَّى هذا إلى إضفاء بُعْد زماني مبكِّر على الأحداث المسجَّلة؛ أيْ إلى التأريخ، وهو سرد تاريخي متواصِل للأحداث وفق ترتيبها الزمني دون تحليل أو تفسير. ويشير كلانتشي إلى أن التأريخ بصورته التقليدية كان بمنزلة مذكرات متراكمة، اضطلع بتسجيلها الرهبان، وتعود أصوله إلى انشغال البينيديكتيين بالتنظيم الدقيق للوقت؛ فكتب يقول:

كان التأريخ بصورته التقليدية «سلسلةً مرتَّبةً تاريخيًّا من الأحداث» المسجَّلة لإرشاد عمل الأديرة، وكان المؤرِّخ يحسب الأعوامَ الميلادية والشهور وبداياتها، ويصف بإيجازٍ أعمالَ الملوك والأمراء في تلك الأوقات، كما يخلد ذكرى الأحداث والبشائر والمعجزات. ومن ثَمَّ خلَتِ المؤرخات من الأسلوب؛ إذ عُنِي بمادتها لا بأسلوب تقديمها، وألحق بها العديدون الإضافات عامًا بعد عام (كلانتشي، ١٩٩٤).

كتب كلانتشي أيضًا أنه بالإمكان التمييز بين الأحداث التي يمكن تذكُّرها وتلك الجديرة بتذكُّرها؛ فالأخيرة وحدها التي تستأهِل حقًّا توثيقها بالذاكرة ينبغي تسجيلها. لم يهدف الكَتَبَة من الرهبان على الإطلاق إلى تشجيع إصدار الأعمال الأدبية والوثائق على نطاق واسع، بل هدفوا إلى تسجيل «نسخة مختارة بعناية» وموضوعة عمدًا من الأحداث للأجيال القادمة (كلانتشي، ١٩٩٤). وسيكون لهذا الفصل بين كلا النوعين بالطبع تبعات مهمة على مفهوم الخبر في المستقبل الذي لا يوثِّق سوى الأحداث الجديرة بأن تكون أخبارًا.

كان على المرء إنْ أرادَ التواصُلَ مع أحد في مكان آخَر أن يبعث رسالةً أو خطابًا؛ كان يمكن أن يكرِّر الرُّسُل الرسائلَ الشفهية كلمةً كلمةً، أما الخطاب فكان لا بد أن يُكتَب. وبسبب الفجوة الكبيرة التي فصلت بين الفرد العادي غير المتعلِّم وبين النخبة المثقَّفة، احتكَرَتِ الكنيسةُ الثقافةَ الفكرية (لو جوف، ١٩٨٠). من هنا انحصرت الكتابة والقراءة في أوساط الكنيسة والطبقات العليا التي أمكن لأصحابها بدورهم كتابة الخطابات. وكانت هذه الخطابات تُكتَب بخط اليد، وتحوي معلوماتٍ عن حدث معيَّن أو سلسلة من الأحداث عدَّها كاتِبُها مهمةً، ورغب في نقلها عبر مسافات طويلة.

حدث دمج بين الخطابات والتواصُل الشفهي؛ فكتب دارنتون (٢٠٠٠) أنه في باريس القرن السابع عشر كان يحتشد مروِّجُو الأخبار تحت شجرة البلوط في قلب باريس في حدائق القصر الملكي، ويتناقلون شفاهةً معلومات عن الأحداث الجارية:

وزعموا معرفة أخبارهم من مصادر خاصة (على سبيل المثال من خطاب، خادم غير كتوم، أو قول تنامَى إلى الأسماع)، لكن كانت ثمة عدة مراكز حيوية أخرى لنقل «لغط العامة»، مع تنامِي شتى الأخبار إلى المسامع، أهمها مقاعِد حديقة تويلري، وحدائق لوكسمبرج، والخطباء غير الرسميين، وكذلك زوايا قصر أوغسطين، وجسر بونت نوف، والمقاهي المعروفة بشائعاتها، والجادات التي صاح فيها باعة الصحف الشعبية المتجوِّلون بنشرات الأخبار أو تغنَّى بها عازفو الأرغن النقال؛ فلمعرفة آخِر الأخبار يمكنك أن تقف فحسب بالشارع وتفتح أذنَيْك (دارنتون، ٢٠٠٠).

بدأت الخطابات بتاريخ ومكان للفصل بين المكان الذي أُرسِلت منه والمكان الذي تُرسَل إليه، وفي الوقت نفسه، سجَّلت الخطابات المكتوبة باليد معلوماتٍ ولم تعتمد على الذاكرة، لكن مساحة الكتابة حدَّدَها حجمُ الورق (جورفيتش، ١٩٧٢). واستُخدِمت الخطابات بالأساس لاستخدام الجميع ولم يقتصر استخدامُها على أفرادٍ بعينهم، وحملَتْ معلوماتٍ كانت جديدة — إن لم يكن يعلم بها متلقُّوها. غير أن التعبير عن الزمان ظلَّ يمثِّل مشكلةً، حتى في الخطابات؛ استخدم الرهبان في مراسلاتهم تعبيرًا عن الوقت متصلًا بالتقويم البابوي أو التقويم الميلادي، أما الوثائق غير الدينية فكان يصعب تحديدُ عامٍ لها؛ فكتب كلانتشي (١٩٩٤) أن الكلَّ كان يعلم أي عام يُقصَد — العام الحالي — وإنْ كان هناك شكٌّ في العام المقصود، كان يُشار إلى حدَثٍ بارِزٍ وقع فيه. وأورد كلانتشي مثالًا على ذلك قائلًا:

العام ١١٨١ من ميلاد المسيح، العام الحادي والعشرون من ترسيم البابا إسكندر الثالث، العام السابع والعشرون من حكم الملك هنري الثاني لإنجلترا، العام الحادي عشر من حكم الملك هنري الابن، العام الثامن عشر من انتقال الأسقف جيلبرت فوليو من هيرفورد إلى لندن، عندما كلف رالف دي ديسيتو — كبير كَهَنَة كاتدرائية سانت بول — بإجراء هذا التحقيق في العام الأول من تولِّيه منصبه (كلانتشي، ١٩٩٤).

وضعت الكنيسة تقويمها الخاص محدِّدةً فيه الأحداثَ الهامة بطباعة روزنامات ونتائج، ثم خرجت نتائج التقويم بعد ذلك من حيِّز روزنامات الكنائس المطبوعة، وحَوَتْ دائمًا سجلًّا بأعياد القديسين، وأضيفت إليها تنبُّؤات الأبراج والطالع، ثم أُدرِجت بها أشغال الشهر (هونيج، ١٩٩٨). وأُطلِق في كثير من الأحيان على النشرات الإعلانية التي ركَّزَتْ على أحداثٍ بعينها اسم «العلاقات»، وفيما بعدُ «كتب الأخبار» (ستيفنز، ١٩٨٨).

كتب ستيفنز (١٩٨٨) أن الأخبار كانت تنتقل سريعًا، غير أن تدوينها جرى ببطء؛ ففي الماضي نقل الرُّسُل الرسائلَ التي سافرَتْ بقدرِ ما أسرعوا بنقلها، واتَّسَم السفر — ولا سيما على الطرق — بأنه بطيء ومرهِق بل خطير أيضًا، وكانت الطرق في أوائل العصور الوسطى أراضيَ مهجورة، وتعرَّضَ المسافرون لخطر اللصوص. وكتب جورفيتش (١٩٧٢) أن أقصى مسافة أمكن قطعها على ظهور الجياد بغضون أربع وعشرين ساعة كانت بضع عشرات الكيلومترات، فيما كان السفر على الأقدام أبطأ على الطرق الرديئة؛ فعلى سبيل المثال، استغرقَتِ الرحلةُ من بولونيا إلى أفينيون ما يصل إلى أسبوعين، واستغرقت رحلات المعارِض التجارية من نيم إلى شامباين اثنين وعشرين يومًا، أما الرحلة من فلورنسا إلى نابولي فاستغرقَتْ أحد عشر يومًا أو اثني عشر يومًا.

على سبيل المثال، بلَغَ خطابٌ كتَبَه البابا جريجوري السابعُ في روما في الثامن من ديسمبر عام ١٠٧٥؛ مدينةَ جوسلار الواقعة بجبال هارتس في الأول من يناير عام ١٠٧٦، وبلغت أنباء وفاة فريدريك بارباروسا في آسيا الصغرى ألمانيا بعدها بأربعة أشهر، واستغرَقَ نبأ وقوع الملك ريتشارد قلب الأسد في الأَسْر بالنمسا أربعة أسابيع ليبلغ إنجلترا، واستغرقت رحلة الرسول من روما إلى كانتربيري مدةً تصل إلى سبعة أسابيع (جورفيتش، ١٩٧٢)؛ من ثَمَّ، واصَلَ الناس عيشَ حياتهم دون العلم ﺑ «الأحداث المهمة» التي وقعت قبل وقت طويل.

اعتُمِد على رُسُلٍ بعينهم لنقل الأنباء، وظهرت المراسلات التجارية بين المدن الهامة بالقرن الثالث عشر. وثمة ما يُستدَلُّ به على إنشاء خدمة منتظمة يُعتمَد عليها لنقل الرسائل بين المراكز التجارية في توسكانا ومعارض شامباين التجارية (سبوفورد، ٢٠٠٢)؛ فقد كتب سبوفورد أن تشغيل خدمة دورية لنقل الرسائل كان عملًا مكلِّفًا:

لم تشتمل كلفة الخدمة على دفع الأجور لمجموعةٍ كافيةِ العدد من الرسل وإعالتهم في كل رحلة فحسب، بل استتبعت أيضًا الحصول على عدد ضخم من الجياد التي تعين إتاحتها للتبديل فيما بينها على فترات ملائمة على طول كافة الطرق (سبوفورد، ٢٠٠٢).

كتب هول أنه ببداية القرن الثاني عشر والثالث عشر «بدأ حدوث شيء ما في أوروبا». فمنذ أكثر من ثمانمائة عام بدأت تساور الناس في بعض مدن أوروبا رغبةٌ عجيبة لم تُعرَف من قبلُ؛ رغبوا في معرفة الوقت (ناووتني، ١٩٩٤)؛ إذ بدأ التقويم الديني، بتعبير لو جوف، يفسح المجال لتقويم التجار والأخبار المكتوبة، وبدأت الأخبار المكتوبة — في صورة الرسائل الإخبارية — في التجلِّي في أوروبا عصر النهضة، مثلما تجلَّت في روما والصين (ستيفنز، ١٩٨٨).

لكن رسائل الأخبار بدورها احتاجَتْ إلى نقلها، وكان هناك بحلول أوائل القرن الخامس عشر العديدُ من الخدمات المنتظمة المهمة لنقل الرسائل. وفي أوائل عشرينيات القرن الخامس عشر، كان المفترض من الرُّسُل الحاملين للرسائل التجارية من فلورنسا بلوغ وسطاء نقل الرسائل في روما التي تقع على بُعْد ثلاثمائة كيلومتر تقريبًا، في غضون خمسة أو ستة أيام، وبلوغ وسطاء نقلها في نابولي التي تقع على بُعْد قرابة ٥٠٠ كيلومتر في أحد عشر يومًا، ووسطاء نقلها في باريس في عشرين إلى اثنين وعشرين يومًا، ووسطاء نقلها في براغ الواقعة على بُعْد ١٤٠٠ كيلومتر تقريبًا في غضون مدة لا تتجاوز خمسة وعشرين يومًا، وبلوغ وسطاء نقلها في إشبيلية التي تقع على بُعْد ألفَيْ كيلومتر تقريبًا في غضون اثنين وثلاثين يومًا (سبوفورد، ٢٠٠٢).

ظهر «حَمَلَة الأخبار» السيَّارون بالأماكن العامة في المدن الكبرى، حيث كان الناس ينتظرون سماعَ الأخبار مقابل المال على جسر ريالتو في صورةٍ تشبه الصحفَ الرسمية. وضمت باريس إبَّان القرن السادس عشر نحو ١٥٠٠٠ راوٍ للأخبار أو حَمَلَة الأخبار السيَّارون، بعضهم عمل في تويلري، والبعض عمل بمدن أخرى على مقربة من الأسواق أو الموانئ (ستانجراب، ١٩٧٣ / ١٩٧٤). كان مروِّجُو الأخبار يحتشدون في لندن خلف كاتدرائية سانت بول، فيما احتشَدَ عادةً كَتَبَة الأخبار بالنصف الأول من القرن السابع عشر بالقرب من وستمنستر (هوير، ٢٠٠٣).

يوضِّح سميث التحسُّن الذي طرأ على خدمات البريد بالقرن السابع عشر؛ فيذكر أنه بحلول النصف الثاني من القرن السابع عشر أمكن تناقُل الرسائل بين أمستردام وباريس في غضون ستة أيام عبر البريد العادي، وأمكن تناقُلها في غضون يومين عبر خدمة أكثر كلفةً. واعتمدت أغلب المراسلات مع لندن على سفن نقل بريد أبحرت مرتين أسبوعيًّا، أما المراسلات السريعة فقد توافرت بدورها بتكلفة كبيرة (سميث، ١٩٨٤). كان مديرو مكاتب البريد في كثير من الأحيان بمنزلة مراسِلين بشبكة تناقُل أخبار تشبه المكاتب الإخبارية الأحدث. منذ عام ١٦٠٠ تقريبًا، جمع مديرو مكاتب البريد الأخبارَ في المدن الأوروبية من مناطق عملهم وأرسلوها إلى مراكز كهامبورج أو باريس أو لندن؛ حيث جرى تحريرها وأُعِيد توزيعها (هارت، ١٩٧٠). كانت مدينة كوبنهاجن مركزًا للأخبار في إسكندنافيا، وكانت المواد الإخبارية ذات الطبيعة الحساسة التي لم يجُزْ نشرُها داخل البلاد تُنشَر أحيانًا خارجها؛ ومن ثَمَّ نُشِرت أخبارُ احتجاجات ستوكهولم في يناير عام ١٧٨٣ بالصحف الفرنسية لا السويدية، مع أن المراسِل الصحفي كان سويديًّا (هوير، ٢٠٠٣).

كتب هوير أنه فيما يخصُّ سرد القصص حول الأحداث المجهولة أو التي لم يُعرَف سوى شطرٍ منها، سبق على ظهور الصحف ظهور النشرات والمطويات والقصائد الغنائية المطبوعة والأغاني، وكذلك المطبوعات السياسية والمنشورات التي تُوزَّع باليد وغيرها من المواد المطبوعة. وشاع تداخُل محتوى الصحف مع محتوى المنشورات الدورية وغيرها من أشكال الدعاية المطبوعة. وبَدَتْ صحف الأخبار في بادئ ظهورها كنُسَخٍ مطابِقةٍ تقريبًا للرسائل الإخبارية المكتوبة باليد؛ فحَوَتِ المعلوماتِ الموجزةَ نفسها والملاحظات والشعر المؤلَّف من بيتَيْن، وتوزَّعت محتوياتها على النحو العشوائي ذاته (هوير، ٢٠٠٣).

(٣) الأخبار المطبوعة

حلَّتْ كُتبُ الأخبار والنشراتُ محلَّ القصائد الغنائية في القرن السابع عشر (ديفيز، ١٩٨٣)، ويشير ديفيز (١٩٨٣) إلى أن الحقائق والأخبار يمكن أن تكونا فئتين متنافيتين. وقد استُخدِمت كلمة أخبار بِحُرية للإشارة إلى الكتابات التي تصف الأحداث الحقيقية أو الخيالية، والأحداث العادية أو الخارقة للعادة، والشئون التي تستجد مؤخرًا أو التي تعود إلى عدة عقود مضَتْ.

فكتب ديفيز (١٩٨٠) أن مؤلِّفي الروايات الإنجليزية في القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر بدءوا دومًا أعمالَهم بمقدمة يؤكِّدون بها أنهم «لا يقدِّمون سردًا خياليًّا بل سردًا واقعيًّا لسلسلة حقيقية من الأحداث.» وحتى في القصائد الغنائية، استُخدِمت كلمة novel (قصة)، وnewes (خبر) وnew (جديد) بالتبادل، وكانت القصائد الغنائية تزعم دومًا حداثتها وبيعت لهذا السبب (ديفيز، ١٩٨٣). كما استُخدِمت كلمة newes لوصف الكتب المكتوبة بأسلوب نثري، التي كانت تُورِد الأخبار الأجنبية والأحداث المهمة. وتكشف عناوين بعض الأعمال مثل «حقيبة زاخرة بالأخبار» (١٥٥٧)، و«أخبار من أنتويرب» (١٥٨٠)، و«أخبار من الجحيم» (١٦٠٦)؛ عن تفاوت في درجة واقعيتها، وتنوُّعها من كتاب هزلي إلى قصيدة غنائية إلى شروح دينية-ساخرة (ديفيز، ١٩٨٠). ويخلص ديفيز (١٩٨٠) إلى أن الروايات والتقارير الإخبارية بالقرنين السادس عشر والسابع عشر لم تُصنَّف على أنها خيالية صرف أو واقعية صرف؛ فبَدَا أن الأعمال الروائية صُنِّفت بطرق لم تقم على الفصل بين الواقع والخيال. بعبارة أخرى، أمكن أن يكون الخبر روايةً، والرواية خبرًا.

يشير ديفيز (١٩٨٣) إلى أنه مع فجر الصحافة، اختصَرَتْ تقنياتُ نشر الأخبار الفوري المسافةَ الزمنية بين القارئ والحدث؛ مما أتاح أن تصير هذه الفجوة أصغر نسبيًّا؛ ويقول هاريس: «بحلول تسعينيات القرن السابع عشر — بالمدن الكبرى على الأقل — أضحَتِ الثقافةُ شديدةَ الهوس بالأهمية التي يشكلها الوعي باللحظة الحاضرة، لدرجة أنه صارت هناك حاجة إلى التسجيل الكتابي الفوري لهذه اللحظات؛ من ثَمَّ الْتَقى الانشغال بالأخبار، بالانشغال بما هو حديث» (هاريس، ١٩٩٠). وبدأت فواصل المسافة في التداعي؛ فبين ستينيات القرن الثامن عشر ونهاية ذلك القرن، اختُصِر زمن الرحلة بين لندن وجلاسكو من فترةٍ تتراوح ما بين عشرة أيام واثني عشر يومًا إلى اثنتين وستين ساعة. وكان نظامُ عربات الجياد التي تنقل البريدَ في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أكثر سرعةً، فاستغرق نقلُ البريد من باريس إلى ستراسبورج ستًّا وثلاثين ساعة عام ١٨٣٣ (هوبسباوم، ١٩٧٥). وقد جعل اختراعُ آلات الطباعة توزيعَ الصحف أكثر انتظامًا، غير أن وصولها اعتمد في كثير من الأحيان على وسائل النقل، سواء أكانت الوسيلة هي السير على الأقدام أم السفن أم ظهور الجياد. ولم تكن الأخبار آنذاك جديدة بالمفهوم الحديث للكلمة، لكنها أضحَتْ منتظمةً ومرتقَبةً؛ أيْ ظلَّتِ الأخبارُ في واقع الحال قديمة؛ تعود أحداثها لأيام أو أسابيع أو حتى شهور مضَتْ، ولا سيما إنْ كانت تَرِدُ من مكان بعيد، غير أنها كانت جديدةً بمعنى أنها لم تكن معروفةً من قبلُ، أيًّا كان قِدَمها، كما كانت في الوقت نفسه جديدة؛ لأنها صُنِّفت كأخبار وطُبِعت في شكلٍ خاص بالأخبار.

نشرت صحيفة ناطقة بالسويدية — هي صحيفة تينينجار أوتيفنه إت سالسكاب آي أوبو، الصادرة من مدينة أوبو بفنلندا في مارس عام ١٧٧٣ — خطابًا مُرسَلًا من لندن في فبراير من ذاك العام، وكانت خطابات المسافرين تلك من أوائل أشكال الأخبار الأجنبية، ثم تزايَدَ نشْرُ الصحف للأخبار الأجنبية «المستعارة» من صحف أخرى. وكانت الصحف السويدية تصل فنلندا بعد يوم أو اثنين — إن لم يكن بعد أسبوع أو اثنين — من صدورها، وتراوَحَ عُمْر الأخبار الأجنبية في صحيفة تينينجار أوتيفنه إت سالسكاب آي أوبو بين ستة أيام (القادمة من سانت بطرسبرج) وأربعة أشهر (القادمة من كيب تاون) (رانتانن، ١٩٨٧).

لم يختلف الوضع كثيرًا في الدول الأوروبية الأخرى؛ فأنباء محصلة معركة ترافلجار التي هزَمَ فيها الأسطولُ البريطاني الأسطولين الفرنسي والإسباني، ولقي الأدميرال نيلسون فيها مصرعه في ١٢ من أكتوبر عام ١٨٠٥؛ لم تبلغ لندن إلا في ٦ من نوفمبر. ولم تبلغ الصحفَ أنباءُ هزيمة نابليون في معركة أوسترليتز في ٢ من ديسمبر، إلا بعد مضي سبعة عشر يومًا، ولم تنشر صحيفة التايمز نبأَ وفاته على جزيرة سانت هيلينا في ٥ من مايو عام ١٨٢١، إلا بعد مرور شهرين في ٤ من يوليو من ذلك العام (هونه، ١٩٧٧).

fig1
شكل ١-١: نموذج تخطيطي لإحدى دورات التواصل (دارنتون، ١٩٩٥).
في بعض الأحيان، لم يكن نقل الرسائل بحرًا أسرع فحسب، بل اتَّسَم فوق ذلك بأنه أسهل وأرخص تكلفةً من النقل البري؛ فيشير هوبسباوم (١٩٧٥) إلى أن جوته، في جولته بإيطاليا في ١٧٨٦–١٧٨٨، استغرَقَ أربعة أيام للإبحار من نابولي إلى صقلية، واستغرَقَ ثلاثة أيام ليقطع المسافةَ نفسها عودةً. كانت إمكانية الوصول إلى ميناء تعني إمكانية الوصول إلى العالم؛ إذ كانت لندن في الواقع أقرب إلى بلايموث منها إلى قرى بريكلاند في مقاطعة نورفولك (هوبسباوم، ١٩٧٥). غير أن النقل بحرًا لم يكن على الدوام يسيرًا. وفي بعض الأحيان كانت البقاع القريبة مكانيًّا تُعتبَر بعيدةً من حيث الزمن المستغرَق لتلقِّي الأخبار، ويتجلَّى هذا في أول خبر أجنبي نشرته عام ١٨٤٧ صحيفةُ سوميتار الناطقة باللغة الفنلندية في هلسنكي، ثم تمَّ نشره بعدها في دوقية فنلندا الكبرى في روسيا الإمبراطورية التي كانت مجاوِرةً أيضًا للسويد، ولا يفصلها عنها إلا بحر البلطيق (رانتانن، ١٩٨٧). جاء في الخبر:

في تركيا، انهمَكَ تمامًا السلطان، المعروف أيضًا بالإمبراطور، في إصلاح أخطاء حكومته ومؤازَرة حركة التنوير. وفي فارس وغيرها جهة الشرق، أزهقَتِ الكوليرا الأرواحَ بلا رحمة. أما في شمال الهند، فقد أخذ الإنجليز في إشاعة الفوضى بين قبائل آسيا المختلفة. فيما لم تَرِدْ أنباءٌ من السويد لتجمُّد ماء البحر؛ ممَّا منع وصول البريد.

كتب هوبسباوم (١٩٧٥) أن العيب الأساسي الذي شابَ النقلَ المائي هو طبيعته المتقطعة؛ فحتى في عام ١٨٢٠ لم تُرسَل شحنات بريد لندن إلى هامبورج وهولندا إلا مرتين أسبوعيًّا، ولم تُرسَل للسويد والبرتغال إلا مرة أسبوعيًّا، ولم تُرسَل إلى أمريكا الشمالية إلا مرة واحدة شهريًّا (هوبسباوم، ١٩٧٥)، وكانت أغلب المعلومات مكتوبةً بخط اليد وتُرسَل بالبريد.

كان هناك أيضًا مزيج من صور التواصُل المختلفة؛ فامتزَجَ التواصل الشفهي بكل صور التواصل الجديدة، سواء المكتوبة والمطبوعة. ويوضح دارنتون امتزاجَ صور التواصل المختلفة في باريس فيما قبل الثورة الفرنسية.

يوضِّح نموذج دارنتون (الشكل ١-١) كيف نشأت صور التواصل المختلفة في الوقت نفسه وأتم بعضها بعضًا. كان هناك العديدُ من دوائر التواصل التي تشابَكَتْ في أجزاء منها، ولكنها افترقت في أجزاء أخرى، وبدأت بانفصال بعضها عن بعض في تشكيل فئات جديدة ومميزة من القصص.

(٤) الأخبار الإلكترونية

بدأت قيود الزمان والمكان تتغيَّر تغيُّرًا جذريًّا مع ظهور التلغراف والكَبْلات البحرية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبدأت الأخبار الإلكترونية تسافر بنفسها بسرعة الكهرباء، ولم تَعُدْ تسافر مع الرُّسُل على الطرق المتعرجة وعبر البحار العاتية، وإنما على خطوط مباشِرة تنتقل عبرها في الحال تقريبًا. ولا شك أنه كان من الممكن أن تنقطع خطوط التلغراف والكَبْلات البحرية؛ مما كان من شأنه أن يعيق بثَّ الرسائل التي لم تكن تبلغ كلَّ ربوع الأرض، غير أنها كانت نَقْلة جذرية بكل المقاييس. ويشير سميث إلى أن التلغراف أتاح إمكانية أن تغطِّي الصحف أحداثَ اليوم؛ فكتب يقول:

لا تتفق تلك الحدود والتصنيفات المفاهيمية والمعرفية المقبولة في مكان آخَر، لكن بدءًا من الآن فصاعدًا ستعمل الصحافة اليومية بصيغة زمنية جديدة، في إطار الحاضر «الآني» (سميث، ١٩٧٨).

أتاحَتِ التلغرافات أيضًا إرسالَ الرسالة نفسها لعدة أماكن في الوقت نفسه، ونسخها لعددٍ لا حصرَ له من المرات؛ وهكذا بدأت صناعة الأخبار العالمية على نطاق واسع مع ظهور التلغراف وتأسيس أولى وكالات الأنباء (التلغراف). لكن المفارقة هي أن هذا جعل نقْلَ الأخبار الإلكترونية أكثر تعقيدًا؛ إذ برز فصلٌ أوضح بين جامِعي الأخبار ومنتجيها ومستهلكيها؛ فكان جامع الأخبار أشبهَ بعامل منجم يجمع المواد الخام (المعلومات) التي تُصنَع منها الأخبار ثم تباع للعملاء، وكانت هذه في الواقع بدايةَ تصنيع الأخبار.

تمَّ مدُّ خطوط التلغراف في أغلب الدول على طول خطوط السكك الحديدية؛ ومن ثَمَّ ارتبطت زيادة سرعة النقل ارتباطًا وثيقًا بزيادة سرعة البث، مع أن كلًّا منهما باتت منفصلة عن الأخرى؛ فأدَّى ظهور السكك الحديدية، وبالتالي التلغراف، إلى زيادة التوحيد القياسي للوقت؛ مما زاد من قيمة الأخبار التي لم تَعُدْ حداثتها تُقَاس بعمرها بالأيام — كما في عصر ما قبل ظهور التلغراف — بل صارت تُقَاس بالساعات والدقائق.

قبل ظهور السكك الحديدية، أدارَتْ كلُّ منطقة (أو إقليم) كافةَ أنشطتها وفق ميقاتها الخاص، بحسب القراءات الشمسية، وأتاح ذيوع الوقت الموحَّد ظهورَ جداول زمنية للسكك الحديدية؛ أما قبل ذلك، فكان يوجد ستون توقيتًا مختلفًا للسكك الحديدية بالولايات المتحدة وحدها (كيرن، ١٩٨٣)، ثم تمَّ تبنِّي توقيت جرينتش عالميًّا عام ١٨٨٧، وأسهم هذا التوقيت العالمي بالدرجة الأولى في إدراك قيمة الزمان في الأخبار من ناحيتين: (١) وضع جدول زمني محدَّد للأخبار. (٢) إكساب الأخبار قيمةً مضافة في المواقيت الزمنية المختلفة.

أمكن بحلول هذا الوقت تحديدُ مكان الأخبار وزمانها لا باليوم فحسب بل بالساعة أيضًا، وأمكن للتلغراف بحلول عام ١٨٦٠ إرسال عشر كلمات بالدقيقة، وأمكنه إرسال ١٥٠ كلمة بحلول عام ١٩٠٠، و٤٠٠ كلمة بحلول عام ١٩٢٠. وبحلول عام ١٩٠٠، أمكن لطلبات شراء وبيع الأسهم في لندن أن تبلغ بورصة نيويورك في غضون ثلاث دقائق (ماكنيل وماكنيل، ٢٠٠٣). واحتدمت المنافسة على الوصول لأحدث الأخبار؛ إذ أصبحت مسألة مَن يصل إلى الأخبار أولًا ويتمكَّن من توصليها بشكل أسرع إلى العميل مسألة ساعات، ثم دقائق، فثوانٍ. كما قورنت وكالات الأنباء بعضها ببعضٍ من حيث قدرتها على نقل آخِر الأخبار وتقديم سيل دائم من الأخبار بلا انقطاع؛ فكان يجب أن تتدفَّقَ الأخبارُ بصفة دائمة وبلا انقطاع، سواء أكان صباحًا أم مساءً، وسواء أكان في أيام العمل أم في العطلات، وصار «انقطاعُ الأخبار» أمرًا محالًا.

معنى التقسيم إلى مناطق زمنية أن الخبر نفسه يمكن أن يُطلَق عليه مجدَّدًا أنه أحدث الأنباء في مناطق زمنية مختلفة. وعندما تغلَّبت الأخبار الإلكترونية على المسافات، وأمكن نقلها آنيًّا لكلِّ أرجاء العالم، اكتسبَتِ الأخبارُ قيمةً مضافة؛ إذ أمكن تكرار بيعها عدة مرات بمناطق زمنية مختلفة، فيُبَاع على سبيل المثال الخبر الذي بات قديمًا بالفعل في لندن على أنه لا يزال جديدًا في نيويورك، ولا شك أن هذا كان ينطبق على الأخبار الجديدة كافةً. وأمكن استخدام المناطق الزمنية بشكل أكبر لجعل الخبر جديدًا عن طريق خلق مفهوم زمان يقاس بمعيار عالمي يربط بين الأفراد في شتى المواقع حول العالم.

في الأيام الأولى من ظهور التلغراف، اقترَنَ النقلُ بحرًا بنقل الرسائل بالتلغراف؛ على سبيل المثال، اغتيل الرئيس لينكولن في ١٤ من أبريل عام ١٨٦٥، واستغرَقَ نقلُ نبأ اغتياله على الباخرة نوفا سكوشا إلى محطة التلغرافات في جرينكاسل بالقرب من لندنديري في شمال أيرلندا؛ اثني عشر يومًا، وفي حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا في ٢٦ من أبريل، وردَتْ رسالةٌ من رويترز — مؤرَّخة ﺑ ١٥ من أبريل في التاسعة صباحًا، نيويورك — وبلغت مكاتب صحف لندن التي نشرته في ٢٧ من أبريل: «أصيب الرئيس لينكولن بطلقات نارية ليلة أمس، وتُوفي هذا الصباح، ووقعت محاولة اغتيالٍ أيضًا للسيد سيوارد، ولا يُتوقَّع أن ينجو منها» (ريد، ١٩٩٩). تشكَّلَ ببراعة مفهوم حداثة الخبر في هذه القصة المؤرخة؛ فلا أهمية لوفاة الرئيس قبل ثلاثة عشر يومًا بما أن الخبر تحدَّثَ عن «ليلة أمس» و«هذا الصباح»، وكان الخبر إلى تلك اللحظة جديدًا في لندن، مع أن الحدث الفعلي وقع قبل وقت طويل، لكن بإعلام القارئ بزمانِ ومكانِ الخبر أصبحَتِ القصةُ الجديدة من آخِر الأنباء.

أدَّى تزايد نقل الأخبار بالتلغراف على نطاق واسع، الذي حلَّ محل نقلها بالسفن البخارية؛ إلى تغيُّرٍ تلقائي في سرعة توصيلها. على سبيل المثال، في ١ من أغسطس عام ١٨٦٦، نقلَتْ رسائلُ التلغراف إلى لندن أولَ نبأ جادٍّ تنقله في نفس يوم وقوعه، وهو استقالة وزير داخلية الولايات المتحدة الأمريكية، وأضحت الاثنا عشر يومًا التي استغرقها وصول نبأ اغتيال لينكولن إلى لندن عام ١٨٦٥ غير مقبولة، وظهر أول نبأ عن إطلاق الرصاص على الرئيس جارفيلد عام ١٨٨١ في صحف لندن في غضون ٢٤ ساعة من وقوعه؛ ومن ثَمَّ كانت الفجيعة على وفاة جارفيلد في بريطانيا أوسع نطاقًا منها حال وفاة لينكولن (ريد، ١٩٩٩).

تؤثِّر المسافات والتغلُّب عليها بمرور الوقت على الأخبار من عدة نواحٍ؛ أولًا: يُعَدُّ الحدث الذي تدور حوله الأخبار جديدًا؛ لأنه وقع مؤخرًا وأُبلِغ عنه بعد وقوعه بوقت قصير. ثانيًا: قد يغدو الخبر نفسه جديدًا حتى إن كان الحدث قديمًا؛ لأن الجمهور لم يكن يعلم به من قبلُ؛ وبناء عليه قد يغدو حدثٌ جديدٌ قديمًا إنْ كان قد أُبلِغ عنه بالفعل، وقد تغدو الأخبار القديمة جديدةً إن لم تكن قد بلغت الجمهور بعدُ. أما الملمح الثالث من زمانية الأخبار فيكمن في استحالة «انقطاع الأخبار» أو «انعدام الجديد»،2 مما يشير إلى تأثير الأخبار الواسع النطاق في المجتمع مؤكدًا على أهمية الأخبار في تشكيل الزمان الاجتماعي.

لم يحظَ الشكلُ الجديد للأخبار المنتجة صناعيًّا في حينها بقبول عالمي؛ فكتَبَ نيرون وبارنهيرست (٢٠٠١) أن هوراس جريلي — محرِّر إحدى الصحف البارزة؛ صحيفة نيويورك تريبيون — كان مَن تنبَّأ في ١٨٤٥ بأن التلغراف سيتفوَّق على عملية جمع الأخبار؛ إذ سيقوم بتعهيدها خارج الصحف ليسمح للصحف بتكريس طاقاتها بدلًا من ذلك للعمل المتأنِّي الخاص بتحليل الأخبار، غير أن جريلي رأى أنه في غضون وقت قصير أجمعَتِ الآراءُ على العكس؛ إذ تحوَّلت الصحف، بفعل رسائل التلغراف وحركات التقدُّم التي شهدها عمل المراسلة الصحفية المحلي، إلى مزيجٍ عابر من الأحداث الغريبة. وفي عام ١٨٨١، ذهب تشارلز دادلي وارنر، أحد معاصري جريلي، إلى أن عامِلِي التلغراف والمراسلين الصحفيين مالوا إلى الكمِّ — لأنهم كانوا يتقاضَون أجورَهم بالقطعة، وهدفوا إلى إنتاج أكبر قدر ممكن من الأخبار — وإلى ما من شأنه أن يثير المشاعر؛ فكتب دادلي: «تمتلئ صحفنا كلَّ يوم بأخبار حوادث ووفيات وجرائم تختص بأشخاص لم نسمع بهم من قبلُ ولن نسمع بهم مجدَّدًا، وقراءة هذه الصحف لا تحمل أدنى قيمة مادية لأحد.» وخلص نيرون وبارنهيرست من ذلك إلى أن الصحف «المصنوعة» — بسبب تركيزها كعادتها على إنتاج الأخبار بالصورة الأكثر روتينيةً — لم تضطلع بتفسير الأخبار، ولم يشجِّع المحرِّرون المراسلين من بعدهم على ذلك (نيرون وبارنهيرست، ٢٠٠١).

(٥) عندما أصبحت الأخبار جديدة

العناصر التي تشكِّل الأخبارَ هي الأحداث والمصادر والمعلومات، وعندما يُصنع الخبر كسلعة يكتسب طبيعةً زمانية ومكانية في القالب السردي لقصة تُعرَف اجتماعيًّا كخبر، ويختلف الشكل السردي للأخبار في نقطة زمنية ما اختلافًا كبيرًا عنه في نقطة أخرى عبر التاريخ وعبر الأماكن.

لا تغدو المعلومة قصةً إخبارية إلا عندما تُوضَع في قالب سردي ويتم تبادلها. يمكن اختزان المعلومة والاحتفاظ بها لأغراض أخرى، لكنها لا تصبح خبرًا إلا إذا تبيَّنَت حداثتها. وقد كانت المعلومات في التواصل الشفهي تختزنها الأذهان والذاكرة، وتبقى محض معلومة إلى أن يجري تبادلها، وعندما يتم تبادلها مع شخص لم يعرف بها من قبلُ ويقر بحداثتها، تغدو قصةً جديدة. ويمكن لأي شخص أن يختزن المعلومات عن العديد من الأشياء، من الأشياء المادية إلى المعنوية، لكن التبادل المنظَّم للقصص الجديدة كتجربة يومية حوَّلَ المعلومات إلى قصص جديدة. ويمكن لأيٍّ كان أيضًا أن يصبح مصدرًا للمعلومة، فعبر التواصل الشفهي يتحدَّث الأفراد بعضهم إلى بعض ويتبادلون القصص الجديدة بحرية. ينصَبُّ الاهتمام في كثير من الأحيان في تبادل القصص الجديدة على الحدث، لكنه ينصَبُّ أيضًا على التعليقات على الحدث أو على التعليقات على التعليقات على الحدث.

عندما كانت القصص الجديدة «قديمة» كما كانت في القصائد الغنائية أو الأغاني، ظلَّتْ مع ذلك «جديدة»؛ لأنها تشكَّلت من معلومات جديدة، من أمر لم يُعرَف من قبلُ، وكان على مصدر الخبر أن يتمتع بدراية كيفية توصيل القصص الجديدة على نحوٍ يجعلها تبدو جديدة. ومع فجر الصحافة المطبوعة، لم يكن هناك في البداية أيُّ تمييز بين القصة الإخبارية و«الرواية»، غير أن هذا التمييز بدأ في الظهور تدريجيًّا عندما فُصِل بين الكتب والوثائق، وفي الوقت نفسه أصبحَتِ الأخبارُ أكثر «واقعيةً»، فيما أصبحت الروايات أكثر «خياليةً». ولم تكن بالضرورة الأخبار التي تنشرها الصحف أخبارًا «جديدة»، غير أن توقيت ظهورها وانتظام صدورها، وزيادة توافرها جعلها أخبارًا «أحدث». ومع هذا يمكن أن يظلَّ الحدث في بعض الأحيان «قديمًا»؛ إذ كانت هناك مسافة مكانية أو زمنية بين الحدث وبين المعلومة، إلا أن نشرها وعرضها في قالب قصصي جعلَا منها معلومة «جديدة»؛ أي خبرًا.

غيَّر ظهور التلغراف بصورة كبيرة مفهومَ الزمن لا على نطاق محلي، بل على نطاق عالمي، ويقر أغلب الباحثين بالدور الذي لعبته تكنولوجيا «الاتصالات» في ذلك، مثل التلغراف، إلا أنهم يولون اهتمامًا أقل للدور الذي لعبه «الوسيط»؛ فقد أصبحت الأخبار في الوقت نفسه سلعة زائلة قصيرة الأجل ولم تَعُدِ الأذهانُ تختزنها كما كانت تختزن القصص الجديدة، بل صار نسيانها سهلًا؛ ومن ثَمَّ يتعيَّن تكرار الأخبار أكثر لأنها فقدت قيمتها مع الوقت. ومع تزايد ورود الأخبار دعَتِ الحاجةُ إلى طباعتها واختزانها؛ إذ بات من المستحيل أن تختزنها الذاكرة. كما جعلت الصحف من القصص الجديدة أخبارًا بالتأسيس للون جديد من الكتابة صُنِّف كأخبار لطبيعته الزمانية.

الوليد الجديد — أي الأخبار الإلكترونية؛ محصلة الجمع بين «خفة» انتقال الخبر بالتلغراف و«كثافة» مادة الخبر من حيث المعلومات — أدَّى إلى إكساب الأخبار طبيعةً عاجلة وزمانية. فبما أنه تعيَّنَ أن يكون الخبر جديدًا — ومن ثَمَّ عاجلًا — اكتسبَتِ الأخبار طبيعة زمانية، الأمر الذي كان سلاحًا ذا حدَّيْن؛ إذ أصبحت سلعة رائجة شهيرة، غير أنها أضحَتْ أيضًا سهلة الزوال؛ فتمتَّعَتِ الأخبارُ الإلكترونية بأجل قصير جدًّا، مثلها كمثل ذبابة مايو، التي تحيا لعدة شهور تحت الماء كيرقة، ثم تبرز منه كحشرة بالغة مجنحة لتعيش حياة قصيرة. كان إنتاج الأخبار الواسع النطاق يعني أن عملية إنتاجها باتَتْ أطول مما كانت، مع أن عملية انتقالها غدَتْ أقصر، وأن المنتج النهائي أقصر عمرًا.

بات المصدر والزمان والمكان محددات لما يجعل الخبر جديدًا؛ فهي تشكِّل معًا الحدثَ الذي تدور حوله الأخبار. وقد بدأت الأخبار بالمثل في تحديد الزمان؛ ففي أوقات محدَّدة كان يتوقَّع الجمهور تلقِّي الأخبار، سواء بقراءة الصحف صباحًا أم بالاستماع لاحقًا إلى الأخبار بالمذياع أم بمشاهدة التلفاز، وتعيَّنَ على الأفراد انتظار الأخبار التي ينتقيها لهم وسيط. كانت الأخبار تذكِّر جمهورها بأن وقت الأخبار قد حان.

تغيَّرَتِ الخصائص الزمانية للخبر تغيُّرًا جذريًّا منذ «ابتكار» الأخبار، فنرى تغيُّرها تدريجيًّا، من الأخبار الشفهية إلى الأخبار الإلكترونية. وقد غيَّرت كل أشكال التقنيات الجديدة شكلَ الأخبار، لكنها في الوقت نفسه وظَّفت بعضًا من ملامحها القديمة. ولم يكن هذا التغيُّر قطُّ نبذًا تامًّا لشكل الخبر القديم؛ فقد استمر شكل الخبر القديم مع الخبر في صورته الأحدث، وأسهَمَا معًا في إكساب الأخبار بُعْدًا زمانيًّا متزايدًا يتضح تأثيره على الأخبار في المجتمعات المعاصرة. غير أن مفهومنا عن الأخبار — كما سنذكر بإسهاب في الفصل السابع — يقوم بالأساس على مفهومنا الراجع إلى القرن التاسع عشر عن الأخبار الإلكترونية.

هوامش

(1) http://dictionary.oed.com/, last visited October 27, 2008.
(2) http://dictionary.oed.com/, last visited October 27, 2008.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠