الفصل التاسع

إنهاء العلاقة والمضي قُدُمًا

كما هو الحال تمامًا في علاقاتنا مع الناس، يمكن أن تتدهور العلاقات بين العلامات التجارية والمستهلكين؛ فالمللُ وعدمُ الرضا وغيابُ التواصل، كلُّها دلائلُ على أن العلاقة تسوء. عندما تتدهور علاقة علامتك التجارية مع المستهلكين، يكون أمامك ثلاثة خيارات: (١) إنقاذ العلاقة مع قاعدة المستهلكين الحالية، (٢) أو تركيز جهودك على تشكيل روابط أقوى مع مجموعة مختلفة من المستهلكين بحيث تواصِلُ العلامةُ التجارية الازدهارَ، (٣) أو اتخاذ القرار الصعب بأن العلامة التجارية لم تَعُدْ مناسبةً وينبغي وَقْفها. ناقشنا الخيار الأول في الفصل الثامن، وسوف نناقش في هذا الفصل الخيارين الآخَرين. واتخاذ القرار بأن العلاقة في مأزق هو الخطوة الأولى لأي مسوِّق؛ ففي كثيرٍ من الأحيان يُسِيء المسوِّقون تفسيرَ العلامات أو الدلائل.

(١) طعم «الليمون» الحامض

لم يغفل داريل كوبين عن العلامات أو الدلائل؛ ففي صيف عام ١٩٩١، كان لدى داريل كوبين — الذي حصل حديثًا على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، وتقلَّد لتوِّه منصبَ مدير مساعد للعلامة التجارية في شركة كوكاكولا — هدفٌ واحد: أن تُسنَد إليه مهمة إدارة العلامة التجارية سبرايت. إذا ألقيتَ نظرةً على مكانة سبرايت في ذلك الوقت، فستسأل نفسك لماذا كان متحمسًا للغاية حيال هذه العلامة التجارية. في ذلك الوقت، كانت سبرايت علامة تجارية لمشروب غازي متوسطة الحجم في فئة اللَّيْمُوناضَة التي تهيمن عليها العلامة التجارية سفن أب، والتي كانت أكبر منها بما يقرب من ثلاث مرات. كانت سبرايت علامة تجارية راكدة، على شفا التدهور، وقد شهدَتْ توقُّفًا للنمو أو نموًّا سلبيًّا على مدار ما يقرب من عقدٍ من الزمان. لم يكن الوضع كما لو أن سبرايت تُسوَّق لمجموعةٍ من الأفراد — مثل الذكور الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية البالغين من العمر سبعة وعشرين عامًا — الذين يرى كوبين أن بإمكانه التواصُل معهم على نحوٍ قوي. ضمَّتْ قاعدةُ مستهلكي سبرايت (لن أسمِّيهم حتى أشخاصًا مؤثرين) ما تطلق عليهم كوكاكولا «فئةَ مدبِّرات المنازل»، التي أُشِيرُ إليها أنا وأنت بلقب «الأمهات»، اللاتي كنَّ يبلغن من العمر أربعةً وثلاثين عامًا أو أكثر. تلقَّتْ فئة مدبرات المنزل الجزءَ الأكبر من اهتمام سبرايت.

لماذا إذن أراد كوبين سبرايت؟ حسنًا، رأى كوبين إعلانًا لسبرايت على قناة بلاك إنترتينمنت تليفيجن مصمَّمًا من أجل «سوق المستهلكين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية»، ظهرَتْ فيه فرقةٌ لموسيقى الهيب هوب كانت تُعرَف باسم «هيفي دي آند ذا بويز»، وهي من أوائل فِرَق هذا النوع من الموسيقى. إضافةً إلى فريق العلامة التجارية الذي وقع عليه الاختيار، كانت لدى كوكاكولا مجموعةُ تسويقٍ منفصلة تطوِّر رسائلَ لمجموعات محددة من المستهلكين — مثل الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية وذوي الأصول اللاتينية، والمستهلكين من الطبقة الكادحة — لبعض العلامات التجارية الرئيسية لدى الشركة. كان منشأ هذه الحملة مجموعة «سوق الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية»، لكن كوبين أدرك أن ذلك كان تخطيًا للحدود بالنسبة إلى شركة محافِظة نسبيًّا مثل كوكاكولا. ربما كان شراءُ المساحات الدعائية لدى سبرايت في سوق المستهلكين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية ببساطة أقلَّ من ٥ بالمائة من الميزانية الكلية، ولكنْ يفسِّر كوبين قائلًا: «قلتُ لنفسي، إذا كانت شركةٌ بهذا الحجم على استعدادٍ لتجربة ذلك، فربما توجد مساحةٌ من الحرية تتصل بهذه العلامة التجارية تفوق مساحةَ الحرية المتاحة فيما يتصل بعلامة كوكاكولا؛ حيث إن مدير العلامة التجارية هو نفسه الرئيس التنفيذي.»1

لا بد أن كوبين أثار إعجاب الإدارة العليا في كوكاكولا؛ لأنهم حقَّقوا له رغبته. وعندما بدأ وظيفته الجديدة في العلامة التجارية سبرايت، اكتشف وجود نوعٍ من الحماس لتطوير هذه العلامة التجارية. كانت ثمة صفقةٌ قد أُبرِمت مع فيلمٍ جديد، والممثلُ البطل فيه من شأنه أن يخلق رابطةً كان يُعتَقَد أنها مثاليةٌ لسبرايت وسَعْيها المستمر لكسب فئة مدبرات المنازل. كان الأمل هو أن تتمكَّن تلك الرابطة من تنشيط العلامة التجارية، وإعادة العلاقة الرومانسية بين سبرايت والأمهات والأسرة إلى مسارها الصحيح.

كان الفيلم الذي علَّقَتْ عليه سبرايت آمالَها في أن يعيد علاقتها مع قاعدة المستهلكين الأساسيين هو «وحدي في المنزل ٢»، وكان الممثل الذي سيستعينون به هو ماكولي كولكين. كان هذا بمثابة خطوة كبيرة جريئة لسبرايت في عام ١٩٩١؛ فقد كانت أول رابطة كبرى من نوعها بالنسبة إلى العلامة التجارية. لم تستخدم سبرايت المشاهير قطُّ من قبلُ؛ فرسائلها ركَّزَتْ على المزايا الوظيفية لمذاق «الليمون» الرائع في سبرايت، الذي مكَّنَ الناس من التعبير عن أنفسهم (ميزة عاطفية) بطرق غير متوقَّعة. كان يُتوقَّع من هذه الرابطة أشياء عظيمة.

للأسف، لم تظهر أشياء عظيمة؛ ظلت العلامة التجارية راكدةً، ولُوحِظ أنها لم تكن تعاني من تدهور، ولكنها لم تكن تنمو النموَّ الذي ينبغي أن تحظى به علامةٌ تجارية يُبذَل عليها مثل هذا الجهد التسويقي الذي يدعمها.

وفي خضم كارثة «وحدي في المنزل ٢»، كان كوبين يفعل ما يفعله معظم مساعدي مديري العلامات التجارية؛ كان يحاول فهم طريقة العمل وتحديد موقعه في مؤسسة كوكاكولا الكبيرة للغاية، وسرعان ما أدرك أن كوكاكولا كانت مؤسسةً تقودها قوةُ البيانات، وأنه من دون دعْمِ استراتيجيةٍ بعينها، فلن يحدث أي تقدُّم. طلب مديره ستيف هورن — الذي كان يرأس تسويق العلامات التجارية للحمضيات في كوكاكولا، بما في ذلك سبرايت وميلو ييلو وفريسكا — من كوبين بحثًا دقيقًا، ومعرفةَ سببِ عدم استجابة العلامة التجارية على نحوٍ أفضل.

عندما أجرى كوبين تحليلًا للبيانات، وجَدَ شيئًا مثيرًا للاهتمام؛ بدايةً، على الرغم من أن سبرايت لم تكن تنمو على المستوى الوطني، فإن كوبين عندما ألقى نظرةً على الرموز البريدية، اكتشف أن العلامة التجارية كانت تنمو فعليًّا في بعض المناطق. المثير للاهتمام أن سبرايت كانت تحقِّق مبيعات جيدة في المناطق التي تتضمَّن نسبةً عالية من المستهلكين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية وذوي الأصول اللاتينية. أيضًا في لوس أنجلوس، التي تُعَدُّ أكبرَ سوق لمُنتَج سفن أب في البلاد (ولكنها سوق تحتوي نسبةً عالية من ذوي الأصول اللاتينية)، كانت سبرايت تنمو. وبمزيدٍ من البحث، أدرك أن النمو كان يقوده الذكورُ من الشباب. يبدو أن هناك شيئًا يربط بين سبرايت والذكور المراهقين في المناطق الحضرية، وأظهرَتْ دراسةُ تتبُّعٍ للمستهلكين على مستوى الشركة أنه بالمقارنة مع نظرائهم القوقازيين، قالت نسبةٌ أعلى من الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية إن سبرايت هي علامتها التجارية المفضَّلة.

لم تكن هذه الظاهرة تحدث مع سبرايت فحسب؛ بل كانت تحدث أيضًا مع جميع منتجات فئة المشروبات الغازية. كانت المجموعات الديموجرافية من الشباب الذكور تقف أيضًا وراء الزيادة في حجم العلامتين التجاريتين الأسرع نموًّا بين المشروبات الغازية؛ ماونتن ديو ودكتور بيبر. وبينما كانت هاتان العلامتان التجاريتان تركِّزان جهودهما على الشباب الذكور، كانت سبرايت تحاول جذْبَ فئةَ مدبرات المنازل، وهي المجموعة التي لم تكن مساهِمةً في هذه الزيادة السريعة في الحجم.

تحليل كوبين قاده إلى استنتاجٍ واحد؛ إذا كان الشباب الذكور يقودون النمو في فئة المشروبات الغازية، وكان الشباب الذكور الملونون هم المجموعة الوحيدة التي كانت تنمو بين مستهلكي العلامة التجارية سبرايت؛ فإن ماكولي كولكين، وفيلم «وحدي في المنزل ٢»، وفئة مدبرات المنازل، لم تكن لتنجح. هناك حاجة إلى علاقةٍ بمستهلك رئيسي جديد.

عرض كوبين استنتاجاته على ستيف هورن، ووجدها هورن مثيرةً للاهتمام، وشجَّعَ فريقَ سبرايت على التحدُّث مع مجموعةٍ متنوعةٍ من المستهلكين، بما في ذلك ذكورٌ وإناثٌ في سن المراهقة، فضلًا عن فئة مدبرات المنازل؛ لمعرفة المزيد عن طبيعة علاقة كل مستهلك بالعلامة التجارية؛ عندئذٍ يمكن مقارَنة هذا بعلاقة هؤلاء المستهلكين بماونتن ديو ودكتور بيبر.

(١-١) سمات سبرايت الخمس

أُجرِي البحث، وكانت النتائج لافتة للنظر. كان لدى جميع أنواع المستهلكين تصوُّرٌ واضح وثابت عن ماونتن ديو ودكتور بيبر. كان مشروب ماونتن ديو يتمحور حول الأدرينالين والكافيين والرياضات العنيفة والشباب، وكان مذاقه حمضيًّا جميلًا. وكان دكتور بيبر يتمحور حول التفرُّد وقبول تميُّزك، وكان مذاقه لاذعًا مميزًا.

في المقابل، كان يُنظَر إلى سبرايت بمجموعة متنوعة من الطرق، وهذا يتوقَّف على الشخص الذي تتحدَّث معه. رأت فئةُ مدبرات المنازل العلامةَ التجارية سبرايت على أنها مشروب لطيف ومنعش وودود، ومذاقُه نقي وطبيعي ورائع. وأشار الذكور والإناث من المراهقين على حدٍّ سواء إلى أنهم لا يفهمون حقًّا ما تتمحور حوله سبرايت، ولكن ما كانوا يرونه لا يحبونه؛ فَهُمْ لم يحبوا إعلانات سبرايت التي صوَّرَتْ شبابًا يخوضون معارك ببنادق الماء، ويلعبون مع القرود في حديقة الحيوان، ويسخرون من شخصٍ ما عندما يوليهم هذا الشخص ظهره. رأى الذكور المراهِقون أن هذا أمر سخيف. ولكن عندما سُئِل المراهقون عن منتج سبرايت نفسه، قالوا بالضبط الأشياءَ نفسها التي قالَتْها فئةُ مدبرات المنازل. كان مشروب سبرايت مُنعِشًا ونقيًّا وقويًّا ورائعًا؛ وكلها صفات إيجابية. خلص كوبين إلى أن «مشروب سبرايت لم يكن يعاني من مشكلته كمُنتَج؛ ولكن كان يعاني من مشكلته كعلامة تجارية.»

وقال مفسِّرًا: «أدركتُ أن الشيء الوحيد الإيجابي الذي كان لدينا هو سمات المنتج الأربع.» (ستضاف سمة الخلوِّ من الكافيين في وقت لاحق.) وأضاف: «لماذا لا نأخذ سمات سبرايت تلك ونحوِّلها إلى مزايا عاطفية تجذب هؤلاء المستهلكين الشباب الذكور؟» كان الذكور المراهقون يقودون النمو في هذه الفئة، وكانت علامتا دكتور بيبر وماونتن ديو قد أدركتا ذلك وكانتا تخاطبانهم. لم تكن سبرايت تفعل ذلك، ولكنها ستبدأ الآن. كانت العلامة التجارية «ستنفصل» عن قاعدة مستهلكيها الساكنة من فئة مدبرات المنازل على الرغم من استقرارها، وستمضي قُدُمًا وتركز جهودها التسويقية بدلًا من ذلك على المستهلكين الذكور المراهقين في أهم المناطق الحضرية.

ولكن كيف يوائمون بين السمات الخمس للعلامة التجارية والتوجُّه الذهني اللازم لجذب الشباب الذكور من الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية وذوي الأصول الإسبانية؟ كان كوبين لديه الجواب. كانت هناك حركةٌ صغيرة ولكنها آخِذة في النمو في المناطق الحضرية الكبيرة، معروفةٌ باسم الهيب هوب، وكان عدد قليل من الفنانين قد حقَّق نجاحًا من خلال بضع أغنيات ناجحة. اعتقد معظم المجتمع أن هذه كانت مجرد بضع أغنيات من «موسيقى الراب» الناجحة، ولكن كوبين كان يعرف ما هو أكثر من ذلك؛ فكونه مولودًا في قلب مدينة ديترويت، جعله مطَّلِعًا على مجريات الأمور في مجتمع الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية في المناطق الحضرية. كان يعرف أن هذه الموسيقى قد خرجت من رحم ثقافة فرعية كاملة، ولم تضم هذه الثقافة مغني الراب فحسب، ولكنْ ضمَّتْ أيضًا فنانين وراقصين ومقدِّمِي الأغاني المسجَّلة (دي جيه). باختصارٍ، كانت الهيب هوب تكتسب داخل مجتمع الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية زخمًا منَحَها القدرةَ على إحداث تأثير ثقافي ضخم. ستمثِّل الهيب هوب الشخصَ المؤثر لدى سبرايت، وسوف يستخدمها كوبين كأساسٍ لتوصيل سمات سبرايت الخمس.

وباستخدام معرفته، وكذلك أفكاره، عن فنَّاني الهيب هوب من الشباب؛ واءَمَ كوبين وفريقُ سبرايت بين سمات سبرايت الخمس والهيب هوب:
  • (١)

    «مميَّز»: تمثِّل هذه السمةَ الملابسُ المميزة التي كانت جزءًا من مشهد الهيب هوب؛ القبعة والقميص والحذاء.

  • (٢)

    «نقي»: إشارة إلى المظهر الكلي. «أنا نقي للغاية وأبدو في صورة جيدة بحيث لا يمكنك المساس بي.»

  • (٣)

    «خالٍ من الكافيين»: خالٍ من الكافيين وأي إضافات صناعية. «أنا جيد بحالتي هذه.»

  • (٤)

    «طبيعي»: مرةً أخرى، دون إضافات صناعية؛ لا توجد أي مرشحات هنا. «أنا على طبيعتي.»

كل هذه السمات تؤدِّي إلى السمة الخامسة «رائع». لم تكن تتمحور بالضرورة حول كَوْن المرء عضوًا في فريق كرة القدم؛ ففي سياق الهيب هوب، رائعٌ تعني واثقًا. فمن وجهة نظر المراهقين الذكور، كانت تعني «فِعْل ما أعتقد أنه مناسب بالنسبة إليَّ، والتحلي بالثقة اللازمة لإدراك أنني سأكون على ما يرام.»

من خلال هذه السمات الخمس، توصَّلَ فريق سبرايت إلى جوهر العلامة التجارية التي ستمثِّل سبرايت في تواصُلها الجديد مع المستهلكين. سيكون أساس علاقة جديدة مع مجموعة جديدة من الأشخاص المؤثرين؛ الشباب الذكور في المناطق الحضرية. سيحلُّ محلَّ مذاق «الليمون» الرائع لسبرايت الذي استهدف فئة مدبرات المنازل؛ فبدلًا من ذلك سوف يُقدَّم المُنتَج على نحوٍ شديد الاختلاف، ليتم التعبير عن جوهر العلامة التجارية في ثلاث كلمات: «سبرايت … أنا كدة».

بدأ الفريق يخطط لكيفية دخول العلامة التجارية إلى هذه السوق. تذكَّرْ أن حجم العلامة التجارية سفن أب كان يفوق حجم العلامة التجارية سبرايت ثلاث مرات. حسنًا، قرَّر مدير المشروبات الحمضية ستيف هورن أن المنافس الرئيسي للعلامة التجارية لا ينبغي أن يكون سفن أب. اعتقد هورن أنه عندما يدخل أحد المراهقين الذكور إلى متجرٍ للحصول على مشروب، فإنه لا يقول: «أعتقد أنني في مزاجٍ ملائم لتناول مشروب غازي بنكهة حمضية، أو أشعر بالرغبة في تناول شيري كولا.» كان هورن يؤمن أن المراهقين يذهبون إلى المتجر بحثًا عن شيء ذي مذاق جيد؛ لذلك أصبح هدفُ الفريق أكبرَ من مجرد سفن أب؛ أصبح هدفهم الاستحواذ على حصةٍ من أي مشروب غازي. ستبدأ سبرايت اللعبَ الهجومي والسعي وراء الاستحواذ على حصة العلامات التجارية الكبرى في هذه الفئة.

توجَّهَ فريق سبرايت إلى إدارة كوكاكولا بتمركزٍ جديد في السوق واستراتيجيةٍ جديدة. كانت مخاطرة كبيرة؛ فلم تكن الفكرة قد اختُبِرت أو ثبت نجاحها بعدُ. كان فريق العلامة التجارية يعتمد على تحليل كوبين الأصلي — تلك الدراسة النوعية التي قارنت بين سبرايت وماونتن ديو ودكتور بيبر — واستراتيجية الدعاية الجديدة؛ ومع ذلك، رأت إدارة كوكاكولا أنها استراتيجية واعدة ووافقَتْ على اختبارها، ولكنهم تعمَّدوا عدمَ منْحِ العلامة التجارية مواردَ أكثر ممَّا حصلَتْ عليها في السنة السابقة. فإذا كان التمركز الجديد في السوق سينجح، فإن نجاحه يتعيَّن أن يكون معتمِدًا على سماته الذاتية؛ ولذا لن يحصل على دعم إضافي من الشركة.

كان هدف سبرايت أن تصبح المشروب الغازي الأسرع نموًّا في مجال صناعة المشروبات الغازية. بالنسبة إلى علامة تجارية لم تشهد نموًّا على مدار ثماني سنوات، كانت هذه مهمة صعبة. ولكن الفريق آمَنَ أنه من خلال تنفيذ استراتيجية مكوَّنة من ثلاثة أجزاء على مدى سنوات متعددة، بمقدوره أن يحقِّق هذا الهدف. كانت الاستراتيجية واضحة:
  • عرض المنتج على نحو مثير للاهتمام والتواصل المقنع.

  • تنفيذ دقيق في متاجر البيع بالتجزئة من خلال علاقة هادفة بالعلامة التجارية.

  • دعاية استهلاكية من شأنها أن ترفع من معدلات الاستهلاك.

لم يكن من الممكن تنفيذ هذه الأمور الثلاثة كلها في السنة الأولى. في الواقع، لم تكن العلامة التجارية تمتلك موارد إلا لتنفيذ البند الأول؛ فقد عُرِض المنتَجُ على المستهلك بطريقةٍ تثير اهتمامه وبرسالةٍ جديدة مُقنِعة.

(١-٢) رسالة «اروِ عطشك»

أخذت وكالة الإعلانات لوي لينتاس فكرة «سبرايت … أنا كدة» وعبَّرت عنها بطريقة تجذب الشباب الذكور في المناطق الحضرية؛ فعادت بشعارٍ هو بمنزلة دعوة للشباب الذكور للدخول في علاقة مع العلامة التجارية. سوف تنصُّ الرسالة النهائية ببساطة على عبارة: «الصورة ليست مهمة، العطش هو المهم. اروِ عطشك.» يقول كوبين: «باختصار، ما كنا نقوله هو: «أنت ذكي، ويمكنك أن تحكم على الأمور بنفسك. لديك حياتك الخاصة التي توجِّهها، ولن يُملِي عليك أحدٌ طريقةَ تصرُّفك. وبالمناسبة، إذا كنتَ شعرتَ بالعطش، فخذْ سبرايت، لكنْ فقط إذا كنتَ ترغب في ذلك.» في عام ١٩٩٤، كانت تلك رسالة مختلفة جذريًّا.»

ربما يكون الإعلان في حد ذاته أيضًا غير مسبوق؛ فسيكون لدعاية سبرايت العامة والسائدة الآن صبغة حضرية؛ ستكون حديثة، وستكون جريئة، وكذلك ستتضمَّن أيضًا مراهقًا أمريكيًّا من أصل أفريقي يروي قصة الإعلان. أشار كوبين إلى أنه على الرغم من أن الأمر بَدَا أحدثَ في تاريخه نسبيًّا، فإنه لا يستطيع أن يتذكَّر أيَّ علامة تجارية سائدة في ذلك الوقت كان لديها مراهِق أمريكي من أصل أفريقي يروي إعلاناتها التجارية. ربما الإعلانات التي قُصِدت إذاعتها على بلاك إنترتينمنت تليفيجن، ولكن بالتأكيد ليست الإعلانات الموجَّهة للسوق العامة.

في الوقت نفسه، حظي شراء المساحات الدعائية في وسائل الإعلام الموجَّهة للأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية بنسبةٍ أكبر بكثير من الميزانية العامة؛ لهذا، أنتجت الوكالة الإعلانية المتعددة الثقافات بوريل — بقيادة ستانلي يوركر وريجنالد جولي — إعلانًا جديدًا للعلامة التجارية، ظهر فيه العديد من فناني الهيب هوب الذين شعرت أنهم يمثلون ثقافة الهيب هوب على أفضل نحوٍ. وبالتأكيد لفت اهتمامَ المراهقين الذكور الذين يعرفون الهيب هوب. كانوا يعرفون الهيب هوب، وكانوا يعلمون أن ما كانت تقوم به سبرايت كان تقدُّميًّا للغاية، وتقريبًا غير مسبوق. وفي الوقت نفسه، كان المراهقون في السوق العامة غير متأكدين بالضبط مما كانت تقوم به سبرايت؛ لأنهم لم يكونوا على معرفة بالهيب هوب، ولكن ما رأوه كان رائعًا. كان النهج الذي كانت سبرايت تستخدمه في التواصل معروفًا باسم التقسيم لطبقات؛ حيث يفهم الأشخاص ذوو المعرفة بالضبط ما تتواصل بشأنه معهم العلامةُ التجارية ويحظى بتقدير منهم، أما الذين لا يعرفون الهيب هوب فكانوا يعتقدون أنه فن رائع، ولكن عليهم بذل الجهد لاكتشاف ما هو الهيب هوب فعليًّا.

ثم حدث شيء أكثر إثارةً للاهتمام؛ تغيَّرَتْ الاستراتيجية الإعلامية على نحوٍ مفاجئ للغاية. بدأ فريق العلامة التجارية تبديل إعلانات السوق العامة وإعلانات الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، بين البرامج الموجَّهة للسوق العامة وتلك الموجَّهة للأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية؛ فأُذِيعت حملة «الصورة ليست مهمة» الموجَّهة للسوق العامة في البرامج الموجَّهة للأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، وأُذِيعت إعلانات «الهيب هوب» من تصميم بوريل في البرامج الموجَّهة للسوق العامة. وبدأ المراهقون في المناطق الحضرية فعليًّا ملاحظة ذلك؛ كانوا يعرفون أن سبرايت تحاوِل متعمِّدةً التواصُلَ معهم. العلامةُ التجارية التي تركوها بوصفها سخيفةً وغبيةً منذ عام واحد فحسب، أخذت تسعى إليهم الآن.

(١-٣) شراكة ذات مغزًى

بنفس ميزانية السنة السابقة بالضبط، وفقط بتغيير تواصل العلامة التجارية، شهدت سبرايت — التي كما أُشِير لم تشهد نموًّا على مدار ثماني سنوات — نموًّا بمعدل قوي بنسبة ٨٫٩ بالمائة في هذا العام. بدأ صدى هوِيَّة سبرايت الجديدة يتردَّد، دعمَتْ إدارةُ شركة كوكاكولا العلامةَ التجارية ومنحت تفويضًا مطلقًا للفريق لمواصلة بناء علاقةٍ مع مجموعة المستهلكين الجديدة تلك.

احتاجت العلامة التجارية دعمًا إضافيًّا في متاجر التجزئة في شكل شاشات عرض في المتاجر وعروض دعائية. كانت الرسالة القوية هي البداية، ولكن لا يمكن أن يتحقَّق نموٌّ تام في حجم المبيعات دون تواجُدٍ قوي في محلات البقالة، ومتاجر البيع الكبيرة، والمتاجر الصغيرة. كان أحد أساليب شركة كوكاكولا الرامية إلى ضمان عرضٍ دعائي إضافي هو الاعتماد على الشراكات وأشكال الرعاية. كانت سبرايت في حاجةٍ لواحد من هذه.

رأى مايكل جوث — زميل كوبين — أن الرابطة الوطنية لكرة السلة قد تكون بمثابة فرصة. كان اللاعبون يأتون إلى الدوري بمظهر هيب هوب مميز؛ من السراويل الفضفاضة القصيرة إلى توجُّهٍ جديد في الشارع. يمكن أن يكون هذا الرابط مثاليًّا؛ فقد كان هذا الدوري يشهد نموًّا كبيرًا في عدد المشاهدين والحضور. كانت المشكلة الوحيدة هي أن العلامة التجارية كوكاكولا كلاسيك كانت تُعَدُّ المشروبَ الرسمي للرابطة الوطنية لكرة السلة، ولكنَّ فريق سبرايت رأى أن الرابطة الوطنية لكرة السلة يمكن أن تُفيد سبرايت أكثر من إفادتها للعلامة التجارية كوكاكولا كلاسيك.

كُلِّف جون كونراد — المدير الجديد للمشروبات الحمضية — بإقناع إدارة كوكاكولا ونظام التعبئة لديها بالشراكة بين سبرايت والرابطة الوطنية لكرة السلة. قدَّم لهم فكرةً واحدة بسيطة. استخدمَتْ شركةُ كوكاكولا حقوقَ الملكية لتعزيز تواجُد علاماتها التجارية وروابطها. طرَحَ كونراد سؤالَيْن: (١) أيهما أكبر؛ كوكاكولا كلاسيك أم الرابطة الوطنية لكرة السلة؟ كان الجواب الواضح هو كوكاكولا كلاسيك. (٢) أيهما أكبر؛ سبرايت أم الرابطة الوطنية لكرة السلة؟ كان الجواب الرابطة الوطنية لكرة السلة. وافقت إدارة الشركة. إذا أرادت كوكاكولا أن تظل متمسِّكةً باستراتيجية حقوق الملكية، فإن الرابطة الوطنية لكرة السلة مناسِبةٌ على نحوٍ أفضل بالنسبة إلى سبرايت.

وكُلِّف ستيف كونين — قائد مجموعة التسويق الرياضي لكوكاكولا — بإقناع رئيس الرابطة الوطنية لكرة السلة ديفيد ستيرن بالفكرة. أخبر كونين ستيرن أن العلامة التجارية كوكاكولا — مع وجود كل شراكاتها المختلفة (الألعاب الأولمبية، واتحاد كرة القدم الأمريكي، ودوري الهوكي الوطني) كانت مضطرَّة لتوزيع جدولِ أعمالها الترويجي بحيث تحظى كلُّ شراكةٍ منها بفترة قصيرة من الوقت تصطفُّ فيه مع كوكاكولا. وطُلِب من ستيرن الاختيار: هل ترغب الرابطةُ الوطنية لكرة السلة في عقد شراكةٍ مع كوكاكولا لمدة ستة أسابيع فحسب، أم عقد شراكةٍ مع سبرايت طوال سنة كاملة؟ وافقَتِ الرابطةُ الوطنية لكرة السلة على أنه ينبغي أن يكون مشروبُ سبرايت هو المشروب الرسمي لها. أصبحت لسبرايت الآن شراكةٌ مناسبة تتَّسِق تمامًا مع العرض الشامل للعلامة التجارية. لقد تحقَّقَ بندان من البنود الثلاثة الأصلية لنجاح سبرايت النهائي.

(١-٤) رفع معدل استهلاك المنتج

على الرغم من البداية القوية مع التمركز الجديد في السوق، عانت العلامة التجارية سبرايت من عدم وجود استهلاك متكرر فيما يتصل بالنسبة المئوية لكبار المستهلكين، الذين يشكِّلون قاعدةَ مستهلكي العلامة التجارية. في الواقع، كانت نسبة سبرايت من المستخدمين المتكررين — هؤلاء الذين يتناولون مشروبَ سبرايت في اليوم الواحد أكثر من مرة — أدنى النِّسَب في هذه الصناعة برمتها؛ كانت نصفَ نسبة بيبسي، وثلثَ نسبة كوكاكولا كلاسيك، وربعَ نسبة دايت كوك. كانت هذه الأرقام ناتجةً جزئيًّا عن حقيقة أن العلامة التجارية قد دخلت للتوِّ فحسب في علاقةٍ مع أكثر المستخدمين تناولًا للمشروبات الغازية؛ الذكور من الشباب. كما عانَتْ أيضًا بسبب أن نظيرتها — سفن أب — كانت تقول للمستهلكين على مدار سنواتٍ إن مشروبات الليمون الحامض الغازية مخصَّصة لتلك المناسبات التي لا ترغب فيها في تناوُل الكولا. حدثني عن الحد من الاستهلاك! درَّبت سفن أب المستهلكين على التفكير في مشروبات الليمون الحامض الغازية بأنها مشروبات «تشربها من حينٍ لآخر». ينبغي لسبرايت الآن إبطال هذا التصوُّر.

احتاجت العلامةُ التجارية التوصُّلَ إلى وسيلة لتشجيع المستخدمين المتكررين على شرب المزيد من سبرايت، واتجهت إلى العروض الترويجية الاستهلاكية لتحقيق هذا الهدف. في ذلك الوقت، ركَّزَتِ العروضُ الترويجية للمشروبات الغازية على الجوائز الكبرى؛ فربما يفوز المستهلكون بجوائز ضخمة مثل رحلات إلى عالم ديزني. كانت احتمالات الفوز منخفضة للغاية، لدرجة أن المستهلكين لم يفوزوا قطُّ ولم يعرفوا قطُّ أيَّ شخصٍ قد فاز. في الواقع، كان أشخاص سبرايت المؤثِّرون يرون أن العروض الترويجية للمشروبات الغازية التي تَعِدُ بجوائز يستحيل نَيْلُها؛ هي الشيء ذاته الذي تنتقده العلامة التجارية في رسالتها «الصورة ليست مهمة، العطش هو المهم.» فإذا تقدَّمَتْ سبرايت بحملةٍ ترويجية كبيرة تَعِدُ بجائزة كبرى، فإنها في أحسن الأحوال سوف يُنظَر إليها على أنها مخادِعة، وفي أسوأ الأحوال يمكن أن تنفِّر جزءًا كبيرًا من الأشخاص المؤثرين. سيصير الأمر معادِلًا لغش المستهلك؛ مع أن العلامة التجارية بحاجةٍ إلى شيءٍ يرفع معدلات الاستهلاك.

الفكرة التي ظهرَتْ من شأنها أن تغيِّر طبيعة العروض الترويجية للمشروبات الغازية. ستقدِّم سبرايت عرضًا ترويجيًّا لا يتضمَّن جائزة كبرى؛ فلا رحلات إلى سوبر بول أو هاواي أو أي مكان آخَر غريب. بدلًا من ذلك، كان المفهوم بسيطًا؛ ستوجد جائزة واحدة: زجاجة سبرايت بحجم عشرين أوقية مجانًا. ستُقدَّم زجاجةُ سبرايت مجانيةٌ بمعدلٍ مذهل؛ سوف تفوز واحدةٌ من كل ست زجاجات. فإذا شربتَ من سبرايت بما فيه الكفاية، فسوف تحصل على زجاجة مجانية. وعاد هذا إلى وضوح المنتج: لا توجد وعودٌ كاذبة في هذا العرض الترويجي؛ فإذا شربت سبرايت، فسوف تفوز.

حقَّقَ العرض الترويجي أمرين؛ أولًا: ساعَدَ على زيادة وتيرة الاستهلاك؛ فقد أضاف لأفكار المستهلكين فكرةَ أن سبرايت يمكن الاستمتاع بها على نحوٍ متكرِّر مثل أي مشروب غازي آخَر. وثانيًا: واصَلَ هذا العرضُ الترويجي تعزيزَ رسالة سبرايت القوية «سبرايت … أنا كدة». وارتفعت مبيعات زجاجات سبرايت التي بحجم عشرين أوقية أكثرَ من ٣٠ بالمائة نتيجةً لهذه المبادرة.

في السنوات التالية، واصلَتِ العلامة التجارية تنفيذَ البنود الثلاثة، بما في ذلك توقيع نجم كرة السلة جرانت هيل، وذلك باستخدام أسلوب التشويق والإغراء في الدعاية، والاستفادة من «فريق الأحلام» كجزء من رعاية كوكاكولا العامة للألعاب الأولمبية. واصلت العلامة التجارية تبنِّي ثقافة الهيب هوب، موضِّحةً للشباب كيف يصقل الفنانون مهاراتهم، ومهَّدَتِ الطريقَ أمام اثنين متنافسين من فناني الهيب هوب من أجل التصالح، وهو ما بعث في نهاية المطاف برسالة حول تجاوُز خلافاتنا واختلافاتنا. وكانت النتائج واضحة؛ يشير كوبين إلى أن سبرايت أصبحت العلامة التجارية المفضَّلة لدى الذكور المراهقين. ليست العلامةَ التجارية للمشروب الغازي الذي يفضِّلونه، ولا العلامةَ التجارية للمشروب العادي المفضَّل لديهم؛ بل أصبحت سبرايت «العلامة التجارية المفضَّلة لديهم في أي فئة». زاد الحجم السنوي للعلامة التجارية البالغ ستمائة مليون صندوق تعبئة في عام ١٩٩٧ إلى الضعف في بداية العقد. كانت المبادرة رائدةً وناجحةً للغاية، لدرجة أنه في عام ٢٠٠٣، اعتبرها ماثيو جريم من مجلة آدفرتايزينج آيدج حملةً من أهم خمس حملات تسويق في الربع الأخير من القرن الماضي.2

(٢) فن التكيُّف

ينبغي أن تكون قصة إعادة تقديم سبرايت إلى السوق مصدرَ إلهامٍ لأي مسوِّق. يمكن للعلامات التجارية البدء من جديد؛ فيمكنها الانفصال عن مجموعة من المستهلكين وبدء علاقة جديدة مع مجموعة مختلفة. إنه أمر صعب ولكنه ليس مستحيلًا. حقَّقَتْ سبرايت النجاح لثلاثة أسباب رئيسية:

«كان فريق العلامة التجارية والشركة كلاهما على استعدادٍ للقيام بمخاطرة محسوبة»: أَتَذْكُر مناقشتنا للمخاطرة الذكية في الفصل السابع؟ تظل المخاطرةُ المحسوبة منطويةً على احتمالية الفشل، ولكنك تخوضها عالِمًا أنك قد فعلتَ كلَّ ما ينبغي لك فعله. خاض فريق سبرايت مخاطَرةً ذكية، لكنها ظلت مخاطرة ضخمة. لا شك في أنه لِخوْضِ هذه المخاطرة كان ينبغي لداريل كوبين إظهار الروعة نفسها التي كانت سائدةً للغاية في رسالة سبرايت.

فكِّرْ فيما كان كوبين داعمًا له؛ كان يطلب من شركة كوكاكولا إذنًا لسبرايت «للانفصال» عن فئة مدبرات المنازل، وبدء علاقة مع مجموعة مختلفة تمامًا من الأشخاص برسالةٍ كانت مختلفةً تمام الاختلاف عمَّا كانت العلامة التجارية تتواصَل بشأنه. لم تكن هذه المخاطرةُ مخاطرةَ كوبين وحده، بل كانت مخاطرةً لشركة كوكاكولا أيضًا. فكِّرْ فيما فعلَتْه كوكاكولا؛ فقد قبلَتْ توصيةً من شأنها إحداث تغييراتٍ كبيرة في ثالث أكبر علاماتها التجارية، طرحها في الأصل مديرُ علامة تجارية في العشرينيات من عمره. كان يمكن للشركة اتِّباع الطريق السهل بحذرٍ وعدم تنفيذ مقترح الفريق، ولكنها كانت تعلم أنه لا أحد يفهم الوضع أفضل من ذلك الفريق، ووضعَتْ ثقتَها فيه للقيام بأفضل ما يحقِّق مصلحةَ هذه العلامة التجارية. لقد وثقت الشركة في حسِّ وذكاءِ فريق سبرايت فيما يتعلَّق بتطوير رسالة سبرايت.

«إذا كنتَ مُقْدِمًا على إحداث تغيير، فَلْيكن تغييرًا كبيرًا»: كان بمقدور فريق سبرايت اتخاذ الطريق الآمِن. كان بإمكانه اختبار هذا الطرح الجديد للعلامة التجارية أولًا؛ إذ كان من السهل للغاية اختبارُ إعلان دعائي في مكانٍ ما ومعرفة هل أحدَثَ تأثيرًا أم لا. لو كانوا فعلوا ذلك، لَضاع الحماس والجهد اللذان مُنِحَا للعلامة التجارية سُدًى. على غرار العلامات التجارية الناجحة الأخرى التي تناولناها، سعى الفريقُ لفهم مستهلك العلامة التجارية؛ فتعرَّفوا عليه على المستوى الشخصي، وتكوَّنَتْ لديهم رؤًى، وطوَّروا استراتيجيةً انبثقَتْ منطقيًّا من تلك الرؤى. لو لم يكن أيٌّ من البنود الرئيسية الثلاثة موجودًا، لَمَا كانت العلامة التجارية لتشهد نجاحًا كبيرًا بهذه الصورة. كان الجهد المبذول في هذا المشروع سيتبدد، وما كانوا ليعرفوا أبدًا الأثرَ الحقيقي الذي يمكن أن تحقِّقه هذه المبادرة. بدلًا من ذلك، طبَّقَ الفريق المبادرةَ بكلِّ جدٍّ وحقَّقوا النجاحَ.

«منحوا الكثير من الحب للمستهلكين الجدد»: كان فريق سبرايت متيَّمًا بالمستهلكين الجدد؛ فقد كان أفراده مهتمين حقًّا برفاهيتهم، ويريدون أن يمثِّلوهم، وأعلموهم بذلك. تعيَّن عليهم إرسال رسالة إلى هؤلاء المستهلكين الجدد مفادها أنهم مهمون بالنسبة إلى هذه العلامة التجارية. أسَرَّ كوبين لي مؤخرًا أنه في مرحلةٍ ما كان قد كتب «رسالة حب» إلى الشباب الذين سعت العلامةُ التجارية لدعمهم وتمثيلهم. أخبَرَني كوبين بما أحَبَّه الفريقُ في المستهلك والعلامة التجارية، مُعِيدًا صياغةَ رسالته بقوله:

أحببنا تسليط الضوء والتركيز على ثقافة شبابية لم تكن تلقى تقديرًا. أحببنا أن نربط علامتنا التجارية بأشياء تبين للشباب أننا نحترمهم. أحببنا ما تسلِّط ثقافةُ الهيب هوب الضوءَ عليه. أحببنا واحترمنا موقعَنا كمنارةٍ تنير الطريق وتُثبِت أن العلامات التجارية الكبرى يمكن تسويقها للشباب بطريقة صادقة، بالتحلي بروح الجرأة والمخاطرة. وبسبب حبنا لهم، كافَئُونا بحبهم؛ فقالوا لنا: «لقد منحتمونا رسالةً يمكننا أن نؤمن بها، ونحن نحب ما تمثِّلونه؛ ولهذا السبب أنتم علامتنا التجارية. نحن معكم.»

من خلال حرص العلامة التجارية فعليًّا على عملائها، اهتمت برفاهيتهم. وذلك أمر لاحَظَه المستهلكون. كانت العلامة التجارية تنضح بالصدق لأنها كانت مهتمةً بالفعل. يؤمن كوبين أن فريق سبرايت خلَقَ نهجًا جديدًا في تسويق المنتج للشباب في هذا البلد؛ لم يكن يتمحور حول إسداء النصح لهؤلاء الشباب، ولم يكن يتمحور حول سمات المنتج نفسه، وإنما كان يتمحور حول فهمهم، والأهمُّ أنه كان يتمحور حول احترامهم. هذا الاحترام أدَّى إلى علامة تجارية تهتم بقاعدة مستهلكيها وتدعمها.

(٣) هل ينبغي أن أبقى أم أرحل؟

التحدي الأكبر الذي لا بد أن يواجهه المسوِّقون حتمًا هو تحديد ما يجب القيام به عندما تتدهور العلاقة بالمستهلك. بعضُ العلاقات تنتهي فجأةً، ولكن عادةً ما تتدهور العلاقات بمرور الوقت. وفي بعض الأحيان يمكن إنقاذ العلاقة، كما رأينا في مثالَيْ سبرايت وجريتول؛ فتتم عملية تبادُل للآراء بين العلامة التجارية والمستهلك؛ ومن هنا يحدث التغيير. في بعض الأحيان يجب أن يتغير المستهلك؛ وفي أحيانٍ أخرى، يجب أن تتغيَّر العلامةُ التجارية؛ أو ربما يتغيَّر كلاهما قليلًا، وتبدأ العلاقة من جديدٍ. لكن في بعض الأحيان تتدهور العلاقة بشدةٍ بحيث يصبح جميع الأطراف أفضل حالًا لو انتهت العلاقة؛ وحينها يتمثَّل مفتاحُ النجاح في تحديد كيفية قَطْع العلاقة.

متى نختار عدم استثمار المزيد من الوقت أو الموارد أو الترويج لعلامة تجارية معينة؟ ربما يكون القرار سهلًا: لدينا أولويات أخرى، أو أن المستهلكين غير مربحين، أو أننا فقدنا ثقة المستهلك في منتجنا. الدلائل الواضحة على أن العلاقة متأزِّمة تشمل تراجُعَ معدل الاستهلاك (على الرغم من الاستثمار المتكرر)، أو عزوفَ المتاجر أو قنوات التوزيع عن المنتج وتركيزها على المنتجات المنافِسة، أو الاضطرارَ إلى زيادة الإنفاق فقط من أجل الحفاظ على ثبات الأرقام. ولكن قَطْع العلاقة أمرٌ صعب في واقع الأمر. هل ينبغي وقف إنتاج العلامة التجارية؟ وهل يجب أن توجد فترةُ وداعٍ، مثل جولة وداعٍ لفرقة موسيقى الروك الكلاسيكية المفضَّلة لديك، أم يُكتفَي بمجرد وقف الاستثمار في هدوء، وترك العلامة التجارية تتلاشى تدريجيًّا إلى أن يطويها النسيان؟ غالبًا ما يكون هذا الموقف صعبًا للغاية.

إن استراتيجية ميدا كونسيومر هيلث كير الناجحة بالاستحواذ على العلامات التجارية المهملة و«إحياء» علاقتها بالمستهلكين؛ تضيف أيضًا تعقيدًا جديدًا إلى تعقيدات هذه المشكلة. ربما يوجد شيء يهمس في رأسك قائلًا إنه إذا دعمتَ هذه العلامة التجارية بما يكفي من موارد أو إذا عُدِّلَت استراتيجيتك، فمن الممكن أن تستمر.

من المثير للاهتمام أن تستخدم ميدا كونسيومر هيلث كير كدليل وتقوم بتحليل الكيفية التي تحدد بها الشركة أي العلامات التجارية التي «لا» تستثمر فيها وسمات تلك العلامات التجارية. يمكن أيضًا استخدام المعايير نفسها لتحديد إنْ كان يمكنك إنقاذ العلامات التجارية الموجودة ضمن محفظة الشركة أو إعادة طرحها. سوف يخبرك جيفري كوهين أن ميدا كونسيومر هيلث كير لن تستحوذ على علامة تجارية أو تدخل في علاقةٍ معها إذا:3
  • «كان الوضع المالي متأزِّمًا ولا يمكن إصلاحه»: إذا كان الحال كذلك، فلا جدوى من محاولة الاستثمار في العلامة التجارية أو السعي لخلق علاقة بينها وبين المستهلك.

  • «كانت العلامة التجارية ضمن فئة منتجات تكون فيها هذه العلامة التجارية غير مؤثِّرة في عملية الاختيار الكلية لدى المستهلك»: بقدر ما نكره — نحن المسوِّقين — أن نعترف بهذا، فإنه توجد فئات تكون فيها المشترياتُ قائمةً تمامًا على المنتج، ولا تعني العلاماتُ التجارية فيها الكثيرَ. فلماذا إذن تستثمر في شيء لا يقدِّم قيمةً مؤثرة في المخطط الكبير للأشياء؟

  • «كانت قيمة العلامة التجارية في تدهور مستمر»: إذا كانت للعلامة التجارية سمعةٌ سلبية يصعب إصلاحها للغاية أو يستحيل تمامًا، فإن تطوير علامة تجارية جديدة قد يكون أكثر منطقيةً من إنقاذ العلامة القديمة أو الاستحواذ عليها. يجب أن تكون العلامة التجارية محاطةً بهالةٍ إيجابية، وأن تتمتَّع باحتمالات نموٍّ لدى المستهلك.

  • «كان الحفاظ على العلاقة يؤدي إلى فقدان التركيز»: بينما تواصِل الشركات إطلاقَ المزيد من العلامات التجارية، تتضاءل الموارد المتاحة لكل علامة تجارية، والمتمثلة في الوقت والأشخاص والمال. وحتمًا، ستُهمَل العلامات التجارية. إذا لم يكن من الممكن مَنْح العلامةِ التجارية الاهتمامَ الداخلي اللازم لإصلاح العلاقة الحالية مع المستهلكين، فقد يكون خيارًا أكثر حكمةً أن تُوقَف العلامة التجارية بحيث يمكن توجيه الموارد نحو تلك الفرص التي تحمل احتمالاتٍ أكبرَ لتحقيق النجاح.

إضافةً إلى ذلك، يجب على المرء أن يكون واثقًا نسبيًّا من أن الاستثمار والتغييرات النهائية التي ستخضع لها العلامة التجارية سوف يغيِّران موقفَ المستهلكين. أحيانًا تكون العلامة التجارية عالقةً تمامًا في مساحة معينة لدرجةٍ يعجز معها أيُّ قدرٍ من الاستثمار والنشاط عن إنقاذها، وأحيانًا يكون من الأفضل البدء من جديد.

إذا أردنا أن نفهم بحقٍّ تحدياتِ إنهاء العلاقة، فلا يوجد مثالٌ أفضل من مثالٍ يتعلَّق بخطأ يعتقد كثيرون أنه أكبر خطأ تسويقي في كل العصور: نيو كوك.

(٤) الخطأ التسويقي الأكبر في القرن

كل مسوِّق يعرف هذه القصة. في الثالث والعشرين من أبريل عام ١٩٨٥، أطلقت شركة كوكاكولا تركيبة جديدة لكوكاكولا لتحلَّ محلَّ التركيبة الحالية. جاء رد الفعل قويًّا للغاية وحادًّا جدًّا لدرجة أنه بعد أقل من ثلاثة أشهر، أعلنَتِ الشركة أنها ستُعِيد التركيبة الأصلية التي أُعِيدَتْ تسميتها كوكاكولا كلاسيك. يفترض معظم الناس أنه عندما عادت كوكاكولا كلاسيك للسوق في منتصف ذاك الصيف، اختفَتْ نيو كوك بسرعةٍ وبهدوء.

لكن هذا لم يحدث؛ فعلى مدى السنوات القليلة التالية، بذلت شركة كوكاكولا جهدًا كبيرًا ودَءُوبًا لتطوير علاقةٍ بين نيو كوك وجزءٍ من قاعدة مستهلكي الكولا. بدأ فريق التسويق في بذل جهود كبيرة في سبيل إنقاذ العلاقة بالمستهلك، ولكن اتُّخِذ بعد ذلك قرارٌ حاسم بإنهائها. هذه هي القصة النادر سماعها حول نيو كوك وما حدث لها بعد عودة كوكاكولا كلاسيك.

من أجل الفهم التام للعلاقة بين نيو كوك والمستهلك، عليك أن تعرف شيئًا عن ظروف إطلاقها. بإيجازٍ، كانت لبيبسي تركيبة ذات مذاق أحلى من كوكاكولا الأصلية، ومن خلال التسويق الجريء والمكثَّف، اقتطعَتْ بيبسي كثيرًا من حصة كوكاكولا ومعايير تفضيلات المستهلك في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. «تحدِّي بيبسي» — الذي بدأ تنفيذه في جميع أنحاء البلاد ابتداءً من عام ١٩٧٥، والذي وصل ذروته في أوائل ثمانينيات القرن العشرين — كان اختبارَ تذوُّق مُعمًّى، يأخذ فيه المستهلكون رشفةً من بيبسي ورشفةً من كوكاكولا ويحدِّدون أيهما يفضِّلون. كان الاختبار مصمَّمًا خصوصًا لبيبسي. بيبسي أكثر حلاوةً و«عذوبةً» من كوكاكولا، وفي اختبارات تناوُل الرشفة، يفوز عمومًا المنتَجُ الذي يكون أحلى وأكثر عذوبةً؛ فربما لا يكون لهذا علاقةٌ بما يفضِّله الشاربُ بعد تناوُل كوبٍ بأكمله.4 على الرغم من أن أحلى وأشد المُنتَجات عذوبةً ربما يكون طعمها أفضل في حالة تناوُل رشفة، فإنك في أغلب الأوقات تجد أن الأفراد سوف يَمَلُّون هذا الطعم بعد تناوُل عبوة بأكملها. لم تكن بيبسي تطلب من الأشخاص شرْبَ عبوةٍ بأكملها، بل كانت تطلب منهم تناوُلَ رشفة. كانت بيبسي تجمع الأرقام من الأسواق في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وكانت تستخدم هذه البيانات في الدعاية والإعلانات لتدَّعِي أنها كانت تفوز في تحدِّي بيبسي.
في الوقت نفسه، كانت بيبسي تسوِّق بقوةٍ العلامةَ التجارية مع دعايةٍ مكثَّفة تضم مايكل جاكسون وغيره من مشاهير هذه الفترة، مستخدِمةً هذه الشراكات في بناء علاقات، خاصةً مع الشباب. كانت بيبسي تطلب من قاعدة مستهلكي كوكاكولا «خيانة» تلك الأيقونة الأمريكية المحبوبة — حتى لمجرد عملية شراء واحدة أو اثنتين — والكثيرُ من مستهلكي كوكاكولا كانوا على استعدادٍ للقيام بذلك. كان يتصاعد الحجمُ والحصةُ السوقية والعديدُ من المقاييس الاستهلاكية الرئيسية بالنسبة إلى شركة بيبسي، ويبدأ في الانخفاض بالنسبة إلى شركة كوكاكولا.5 كان تركيز بيبسي الشديد على الفوز في حروب الكولا قد بدأ يحقِّق نجاحًا، وتعيَّن على كوكاكولا الرد؛ لذلك اتُّخِذ قرارٌ بإطلاق نسخة معدَّلة من كوكاكولا — نيو كوك — تتفوَّق على الدوام على بيبسي في اختبارات التذوُّق المعماة.
خلال الأسابيع القليلة الأولى، نجحت هذه الاستراتيجية؛ فأظهرت أرقامُ المبيعات في المدن التي أُطلِق فيها المنتج أولًا زيادةً قدْرُها ٨ بالمائة مقارَنةً بالفترة ذاتها من العام السابق.6 أشعلت نيو كوك أخبارَ وضجيجَ حروب الكولا، وحظيت بتغطيةٍ صحفية كبيرة وتركت انطباعات واسعة، وهو ما قُدِّرت قيمتُه لاحقًا بنحو مليار دولار تحقَّقَتْ على مراحل.7 وقد لاحظ البعض أنه في وقت إطلاق نيو كوك، كانت تمثِّل أشدَّ علامةٍ تجارية خضوعًا للتجربة في تاريخ المنتجات الاستهلاكية. لكننا جميعًا نعرف ما حدث. على مدى أسابيع، ظهرت ردة فعل كبيرة ونَمَتْ بوتيرة سريعة لدرجةِ أنه بعد مضي سبعة وسبعين يومًا، أُعِيدت كوكاكولا كلاسيك وسطَ ضجة إعلامية كبيرة، مع ارتفاع مبيعاتها وغيرها من المقاييس في نهاية المطاف بنسبةٍ تفوق بكثيرٍ أرقامَها قبل إطلاق نيو كوك. على الرغم من تقبُّل نجاح كوكاكولا كلاسيك بسرورٍ، فإنه ترك معضلةً كبيرة واضحة: ما الذي يجب أن تفعله شركة كوكاكولا بشأن نيو كوك؟

(٤-١) مكان لنيو كوك

كان ستيف هاتشيرسون قد التحق لتوِّه بشركة كوكاكولا، وكان قد تخرَّج لتوِّه من برنامج ماجستير إدارة العلامات التجارية في جامعة جورجيا. كانت مهمتُه الأولى — بينما كان يعمل تحت إدارة مدير العلامة التجارية بول بورول — العلامةَ التجارية نيو كوك. يوضح هاتشيرسون قائلًا: «لقد أسأنا ترتيبَ أدوار كلِّ علامة تجارية على نحوٍ أساسي؛ فمن الناحية الفنية، نيو كوك — عندما أُطلِقت تحت اسم «كوكاكولا» في شهر أبريل — كانت هي العلامة التجارية الأم، وأصبحت كوكاكولا كلاسيك الآن من الناحية الفنية بمثابة التوسُّع في خط الإنتاج. تسبَّبَ هذا في بعض المشكلات الرئيسية؛ وذلك لأن هذا التوسع في خط الإنتاج كان أكبر بكثيرٍ وأكثر شعبيةً من العلامة التجارية الأم.»

لم يكن بإمكان الشركة إبعاد نيو كوك فحسب؛ فحتى بعد عودة كوكاكولا كلاسيك، كانت نيو كوك تستحوذ على نسبة ٢ بالمائة من سوق المشروبات الغازية. قد لا يبدو هذا رقمًا كبيرًا بالنسبة إليك، ولكن في ذلك الوقت، كانت الحصة البالغة ٢ بالمائة تُقدَّر قيمتها بنحو ١٫٥ مليار دولار في مبيعات التجزئة. كانت حصةً كافيةً بحيث إنه كان من المفترض نظريًّا أنه إذا أوقفَتْ شركة كوكاكولا نيو كوك، فإن مستخدميها سيعودون إلى بيبسي؛ وربما سينتهي الأمر بأن تصبح بيبسي، وليس كوكاكولا، رائدةَ المشروبات الغازية في الولايات المتحدة. لم تكن كوكاكولا لتَدَع ذلك يحدث.

تقرَّرَ أن تبقى نيو كوك وتلعب دورًا حيويًّا في حروب الكولا المتصاعدة في هذا الوقت. ستبقى كوكاكولا كلاسيك بعيدًا عن النزاع، ولكن نيو كوك ستدخل الصراع وتتحدَّى بيبسي. وأُسنِدت إلى بورول والفريق مهمةُ تحديد دور واضح وعلاقة سوقية جديدة من أجل نيو كوك. ستكون بمنزلة سلاحٍ تكتيكيٍّ لمهاجمة بيبسي بمهمةٍ محددة، هي تشويه وإبطال سلاح تحدِّي بيبسي. كانت شركة كوكاكولا تعرف أن نيو كوك ستهزم بيبسي في اختبار الطعم؛ فقد أظهرت الأبحاث الداخلية أنه في حين تفوَّقَتْ بيبسي على تركيبة كوكاكولا الأصلية (التي أصبحت الآن كوكاكولا كلاسيك) بهامش ٥٣–٤٧، فإن نيو كوك ستتفوَّق على بيبسي بهامش ٥٥–٤٥.

يوضح هاتشيرسون قائلًا:

ستضع الشركةُ بيبسي في مأزقٍ بهذه الاستراتيجية. يمكننا أن نزعم أن كوكاكولا هزمت بيبسي في اختبار تذوُّقٍ. لن نقول نيو كوك أبدًا، بل كوكاكولا؛ لأن العلامة التجارية من الناحية الفنية كانت «كوكاكولا»، واستُخدِمت فقط كلمة «نيو» (بمعنًى جديد) خلال الفترة الأولى من إطلاقها. سيبدأ هذا على الفور في نشر هذا الزعم ضمن تحدِّي بيبسي للطعم. ظل شاربو كوكاكولا كلاسيك المخلصون بعيدًا عن هذا النزاع، واستمروا في اقتناعهم بريادة كوكاكولا. من ناحية أخرى، لا يمكن أن تقول بيبسي: «لحظة! أنت تتحدَّث عن نيو كوك!» لأنها إذا فعلَتْ ذلك، فإنها تكون قد اعترفَتْ بأن العلامة التجارية الرائدة لديهم قد هُزِمت في اختبار الطعم من قِبَل المنتج الأكثر تعرُّضًا للرفض في تاريخ البشرية!

ضخَّمَتْ كوكاكولا ادِّعاء اختبار الطعم الجديد هذا من خلال حملة إعلانية تستهدف الشباب، قدَّمَتْ خلالها رسوماتٍ مصمَّمةً بالحاسوب بالغةَ البدائية، وشخصيةً تُدعَى ماكس هيدروم تسخر من بيبسي وتؤكد على أن كوكاكولا تمتلك طعمًا أفضل. تركَّزَ جزءٌ كبير من هذا الجهد على السوق المحلية؛ كآلية دفاعية ضد «التحدي»، وكذلك أيضًا لتطوير علاقات أوثق مع المستهلكين المحليين وأهلية أكبر لنيو كوك نفسها. ونتيجةً لذلك، انتهى تحدِّي بيبسي، ومن المفارقة أن نيو كوك هي التي لعبت دورًا مهمًّا في إنهائه.

على الرغم من هذا النجاح التكتيكي، أدرك هاتشيرسون ورئيساه الجديدان — المديران ديفيد كلاب ورون أسبرجر — في عام ١٩٨٦ أنه إذا أرادت نيو كوك البقاء على قيد الحياة ضمن العلامات التجارية التي تشملها مظلة كوكاكولا، فسيتعين عليها تأسيس استراتيجيتها الخاصة وطريقتها الخاصة بالتمركز في السوق، والدخول في علاقة خاصة مع مجموعة جديدة من المستهلكين؛ مع الوضع في الحسبان أن التصوُّر الكلي لهذه العلامة التجارية هو أنها كانت لا تزال كارثةً بكل المقاييس؛ فقليل جدًّا من المستهلكين أرادوا أن تكون لهم علاقة بها، ويمكن القول إن العديد من الذين كانوا يشربونها كانوا يفعلون ذلك عن طريق الخطأ؛ حيث إن الرسومات على العبوة كان مكتوبًا عليها «كوك» فقط؛ لذلك مُنِح كلاب وفريقه في عام ١٩٨٧ تكليفًا عامًّا بإجراء بحثٍ شاملٍ من أجل تحديد إنْ كان هناك أي شيء يمكن القيام به في سبيل إنقاذ نيو كوك وتغيير علاقتها مع المستهلكين، خاصةً بين الذين يشربون بيبسي.

كانت المشكلة الأولى التي واجهها الفريق هي أنهم كلما سألوا المستهلكين عن سبب عدم تناولهم نيو كوك، كانوا يحصلون على إجابة واحدة: إن مذاقها سيئ. كان الفريق يعرف أنه على الرغم من أن الطعم كان مختلفًا على نحوٍ ملحوظ عن كوكاكولا، فإن طعم نيو كوك لم يكن في الواقع سيئًا؛ وهذا ما أثبتَتْه اختبارات الطعم. ولكن لم يرغب المستهلكون في تصديق أن شيئًا لاقى كلَّ هذا الرفض القاطع من السوق «يمكن» أن يكون جيد الطعم؛ لم يكن هذا منطقيًّا. كان يجب على الفريق إيجاد طريقةٍ للوصول إلى سببٍ أعمق وراء كل هذا الرفض لمنتج نيو كوك. أوضح هاتشيرسون قائلًا: «كان علينا أن ننحي مسألةَ الطعم جانبًا؛ لذلك، في مقابلاتنا النوعية مع المستهلكين، أجرينا اختباراتنا غير الرسمية للطعم بين كوكاكولا كلاسيك وبيبسي ونيو كوك. ولكنْ بغضِّ النظر عمَّا كان يختاره المستهلك، كنَّا نخبره أنه قد اختار نيو كوك! كان علينا فعل هذا لكي يتخطَّوْا الجدل القائم حول مشكلة الطعم التي كنَّا نعرف أنْ لا أساس لها. كان علينا أن نتعمَّق أكثر لإيجاد طريقةٍ لمحاربة منطق: «عندما لا أحب علامة تجارية، فلا بد أن طعمها سيئ؛ وإلا فلماذا لا أحبها؟»»

بعد تنحية حجة الطعم الأولية جانبًا في هذا البحث، سُئِل المستهلك مرة أخرى: «لماذا لا تحب نيو كوك؟» تلقَّى الفريق إجابتين مثيرتين للاهتمام، واحدة منهما كانت تنطوي على مبدأ، والأخرى تتصل بالعلاقات. كانت الإجابة التي تنطوي على مبدأ هي أن المستهلكين لا يعرفون لماذا فعلت شركة كوكاكولا ذلك بهم من الأساس: لماذا سلبتهم أو غيَّرَتِ المنتج الأكثر شعبيةً في أمريكا؟ بَدَا الأمر شخصيًّا؛ فالحديث هنا عن الخيانة! كان المستهلكون غاضبين من شركة كوكاكولا، وكانت نيو كوك تتلقَّى نيران هذا الغضب؛ ففي نظر المستهلك، لم تخبره شركة كوكاكولا قطُّ عن سببِ إقدامها على ما فعلَتْ. كانت الإجابةُ الثانية أكثرَ ارتباطًا بالأقران أو العلاقات الاجتماعية. كانت لنيو كوك آثارٌ اجتماعية سلبية؛ فلا أحد ممَّن كانوا يعرفونهم كان يشربها. كانت موضع سخرية. كانوا لا يرغبون أبدًا في أن يراهم الآخَرون يشربونها.

خلص البحث إلى أنه توجد ثلاثة حواجز أمام بيع نيو كوك: (١) الحجة التي تبدو منطقيةً في ظاهرها بأن مذاقها لا بد أن يكون سيئًا. (٢) الغضب والارتباك حيال سبب إنتاج شركة كوكاكولا لنيو كوك في المقام الأول. (٣) الاعتقاد بأنه لا أحد يشربها؛ الاعتقاد بأنها كانت علامة تجارية فاشلة لا يشربها إلا الفاشلون. اعتقد فريق كلاب الذي كلَّفَه هاتشيرسون وبعض من أفضل باحثي التسويق في الشركة (جيري باين وباربرا سيسلا)؛ أنهم إذا استطاعوا معالجة العائِقَيْن الثاني والثالث بنجاحٍ، فمن المنطقي أن يتلاشى عائقُ الطعم أيضًا.

(٤-٢) إعادة تقديم نيو كوك

أخذت كوكاكولا تسلك مسلكًا هجوميًّا من خلال نيو كوك، مع رغبةٍ صريحة لبدء علاقة مع شاربي بيبسي؛ فبالإضافة إلى استمرار اختبار تحدِّي الطعم في مجموعة من الأسواق، طُوِّر نوع بسيط من التواصل؛ فقد أطلقَتْ إعلانًا بعنوان «أومنيبس» (أو الشامل) بدأ بظهور زجاجة خضراء جميلة ومتعرجة ومثلجة من كوكاكولا (كلاسيك)، وقال التعليق الصوتي: «كوكاكولا، الأصلية، الشيء الحقيقي.» ثم تحركت الكاميرا لتكشف عن علبة صفيحية لبيبسي بجوار زجاجة كوكاكولا، وأشار التعليق الصوتي ضمنيًّا إلى أنه بالنسبة إلى بعض الناس، توجد بيبسي، التي تمتلك مذاقًا أحلى من كوكاكولا. ثم تباعدت العلامتان التجاريتان، وتواجدت وراءهما علبة صفيحية من نيو كوك. أوضحت العبارة التالية سبب وجود نيو كوك؛ إذ قال التعليق الصوتي إنه يوجد الآن خيار آخَر يمتلك طعم الكولا الحقيقي لكوكاكولا إضافةً إلى المذاق الحلو لبيبسي. بعبارة أخرى، بالنسبة إلى أولئك الذين يحبون المذاقَ الحلو لبيبسي، قدَّمَتْ كوكاكولا الآن منتجًا مصمَّمًا خصوصًا لهم.

فعل هذا التواصل ثلاثة أشياء:
  • (١)

    عزَّز قوةَ وريادة العلامة التجارية الأم (كوكاكولا كلاسيك مع زجاجتها المتعرجة وشعارها الشهير المكتوب بخط «سبنسيريان» مقابل صورتَي العلبتين الصفيحيتين الأخريَيْن).

  • (٢)

    قدَّم بيبسي على أنها أحلى مذاقًا من كوكاكولا.

  • (٣)

    قدَّم عاملَ مقارَنةٍ جديدًا؛ فأصبحت العلامتان التجاريتان القابلتان للمقارنة الآن هما نيو كوك وبيبسي. كانت نيو كوك تمتلك نفس المذاق الحلو لبيبسي، ولكنها احتفظت بطعم الكولا الحقيقي لكوكاكولا الأصلية.

كان لا يزال أمام كوكاكولا التغلب على العائق الثالث (لا أحد أعرفه يشربها). للقيام بذلك، استخدمت كوكاكولا الاستراتيجية الكلاسيكية التي تقوم على أساس ظهور متحدِّث باسم المنتج، لكنها فعلت ذلك لتعكس القِيَم والتوجُّهات المحلية، من خلال فكرة أن الروابط المحلية يمكنها بناء علاقات مع المستهلك أقوى وأكثر قابليةً للتصديق. في الأسواق الاختبارية في سولت ليك سيتي وميلووكي، استخدمت كوكاكولا أكثر الأشخاص شهرةً ومصداقيةً من لاعبي فريقَيْ يوتا جاز وجرين باي باكرز المحليَّيْن، لإظهار أن هناك أناسًا يشربون ويستمتعون بهذه النسخة الجديدة من كوكاكولا. بالطبع، كان هذا يحدث دائمًا ضمن مقدمة توضيحية حول ماهية العلامة التجارية، وسبب تواجدها، ولمَن صُنِعت. وغُيِّرت طريقة التعبئة لإضافة لمسة من لون بيبسي الأزرق، في محاولة واضحة لجذب مستخدمي بيبسي. ولجعل المستهلكين «يتذوقون العلامة التجارية مرةً أخرى»، والتشجيع على تكرار التجربة، أُنتِجت علبة صفيحية بحجم ١٦ أوقية تحمل رسالة «٤ أوقيات مجانية!»

أُطلِقت الحملة في عشر أسواق اختبارية، وشهدت متوسط معدل نمو ٦٥ بالمائة، جاء تقريبًا بأكمله من العلامة التجارية بيبسي. وحتى نتائج تصوُّرات المستهلكين لنيو كوك، التي كانت سيئةً للغاية قبل إعادة التقديم، تحسَّنَتْ على نحوٍ ملحوظ. أخذت نيو كوك — العلامة التجارية التي كانت ضمن القائمة السوداء لدى المستهلكين في وقتٍ ما — تشهد انتعاشًا في هذه الأسواق المحلية. بالطبع، طرح هذا سؤالًا استراتيجيًّا آخَر: إذا قرَّرَتِ الشركة المضي قُدُمًا في استراتيجية نيو كوك على المستوى الوطني، فكيف يمكنها أن تسوِّق اثنين من مشروبات الكولا المحلَّاة على نحوٍ فعَّال؟

في الوقت نفسه، كانت هناك مشكلة متنامية تتعلَّق بالعلامة المسجلة، وكانت تلك المشكلة بحاجة إلى معالجة. فكما ذُكِر سابقًا، كانت كوكاكولا كلاسيك (كوكاكولا الأصلية) على المستوى الفني توسُّعًا في خط الإنتاج، و«كوك» (نيو كوك) كانت من الناحية الفنية هي العلامة التجارية الأم، وإنْ كانت أصغر بكثير من كوكاكولا كلاسيك التي تمثِّل توسعًا في خط الإنتاج. كانت هناك حاجة إلى انتقال تركيبة كوكاكولا كلاسيك لأن تكون العلامة التجارية الأم، وهذا يتطلَّب أمرين: تغييرًا في اسم تركيبة كوكاكولا الجديدة، وإزالةَ كلمةِ «كلاسيك» تدريجيًّا من التركيبة الأصلية. اختُبِر عددٌ من الأسماء ليحلَّ محلَّ نيو كوك، واختير في نهاية المطاف اسم كوك تو. يقول هاتشيرسون موضحًا: «كانت نتائج اختبارات كوك تو جيدة وتتوافق تمامًا مع الاستراتيجية؛ فكما أشار الإعلان كانت كوك تو تستهدف مَن يشربون بيبسي ويبحثون عن مشروبٍ يحمل العلامة التجارية كوكاكولا ويتميز بالمذاق الحلو لبيبسي وطعم الكولا الحقيقي.» يعزِّز الاسم أيضًا مركزَ الريادة لكوكاكولا كلاسيك، وينقل معركةَ ادِّعاء المذاق الأفضل ضد بيبسي إلى العلامة التجارية الثانية، ويُخرِج على نحوٍ فعَّال قائدةَ الفئة، كوكاكولا كلاسيك، من المعركة.

عاد بول بورول — رئيس هاتشيرسون القديم ومعلمه — إلى الفريق من أجل قيادة حملة تسويقية أضخم لاختبارها تحت العلامة التجارية الجديدة كوك تو؛ حملة تستفيد على نحوٍ كامل من دروس «تذوَّقْها، وافهَمْها، وشاهِدْ أشخاصًا مثلك معها» في الأسواق الاختبارية السابقة. يضيف هاتشيرسون: «سيحدث أحد أمرين: إذا نجحت الحملة، فإنها ستمهِّد الطريقَ لهجومٍ محتملٍ واسعِ النطاق على بيبسي، لدعوةِ جزءٍ كبير من قاعدة مستهلكيها لتناوُلِ كوك تو، مطوِّرةً بذلك علاقاتٍ جديدةً ومتناميةً باستمرار مع المستهلكين. وإذا لم تنجح الحملة، فإنها تكون على الأقل قد مهَّدَتِ الطريقَ أمام العلامة التجارية الأساسية لبدء التقليل من كلمة «كلاسيك» — وحذفها في نهاية المطاف — ومكَّنَتِ الشركةَ من التركيز على علامة تجارية واحدة لمشروبات الكولا المحلَّاة.»

(٤-٣) إعلان الحرب

تذكر أنه في أواخر ثمانينيات القرن العشرين بلغت حروب الكولا ذروتها، وكانت كلتا الشركتين في عراك مستمر من أجل الفوز بحصةٍ في السوق. ولنجاح نيو كوك في الأسواق الاختبارية، كانت الشركةُ واثقةً من أن كوك تو يمكن أن تؤدِّي دورًا محوريًّا في منافستها بيبسي على الحصة السوقية. لكن شركة كوكاكولا كانت لا تزال في حاجةٍ إلى اختبار ذلك من أجل معرفة آثار إطلاق كوك تو على المستوى الوطني. أوصى أحد كبار المسئولين التنفيذيين بإجراء الاختبار في سبوكين بواشنطن. كما يقول هاتشيرسون: «على الرغم من أننا قد نفَّذْنا العملَ الأولي الخاص بنيو كوك هناك، كنا نظن أنها سوق غير ذات أهمية لأنها كانت أصغر حجمًا. لم نتتبَّع حتى منطقة صغيرة كهذه باستخدام نظام تتبُّعِ حصةِ السوق وتحليلها الخاص بشركة نيلسن.» أُعِدَّت حملةٌ تسويقية مكثفة لكوك تو، ثم أُطلِقت في سوق سبوكين في عام ١٩٩٠.

يوضح هاتشيرسون قائلًا: «كنا سنسخِّر كلَّ مواردنا للفوز بمَن يتناولون بيبسي من الشباب، والتأكُّد من أن الحجم كان يضيف إلى كوكاكولا كلاسيك ولا ينتقص منها. طبَّقْنا النوع نفسه من رسالة التواصل المقسَّمة إلى مراحل، والتي حقَّقَتْ نجاحًا ساحقًا مع نيو كوك، وازددنا جرأةً فيما يخص التجديدَ في التعبئة والتسعير. فقدَّمْنا العلبَ الصفيحية بحجم ١٦ أوقية (٤ أوقيات مجانية!) ثم قدَّمْنا مجموعةً مكوَّنة من خمس عشرة علبة بالسعر نفسه مثل الاثنتي عشرة علبة من كوك تو. كان رد الفعل كبيرًا؛ ففي سبوكين، انتقلَتْ كوك تو على الفور من امتلاك حصة تبلغ ٠٫٥ إلى حصةٍ مقدارها يزيد على ٤ نقاط، مع إشارةِ الأبحاث إلى أنها كانت قادمةً على نحوٍ غير متكافئ مع العلامة التجارية بيبسي.»

ما لم ينتبه له بورول وهاتشيرسون وفريق كوك تو هو أن سبوكين كانت من بين الأسواق الأعلى في معدلات استهلاك بيبسي لكل فردٍ في الدولة بأكملها. في سياق حروب الكولا، رأت بيبسي أن هذا بمثابة هجوم متعمَّد في سوق رئيسية، وردَّتْ بنفس الطريقة؛ فأنتجَتْ شركة بيبسي على الفور إعلانًا جديدًا يظهر فيه ثلاثة رجال متقدِّمين في العمر في شرفة يستعرضون صورَ كوك تو الجديدة ويقولون: «لقد غيَّروا كوكاكولا مرةً أخرى.» في محاولةٍ سافرة لإرباك الموقف وإثارة الذكريات البغيضة القديمة لعام ١٩٨٥ عند إطلاق نيو كوك. وضاهت بيبسي أحجام «منتجاتها بالكامل» وأسعارها مع حجم وسعر كوك تو، في واحدةٍ من أقوى أسواقها. كان هدف بيبسي هو أن تجعل كوكاكولا تدفع ثمنَ فعلتها هذه، حتى لو كان ذلك يعني الإضرار بأرباحها على المدى القصير؛ فلم تكن بيبسي تسعى إلى تدمير كوك تو في شرق واشنطن فحسب، بل كانت الشركة تحاول أيضًا تدميرَ العلامة التجارية كوكاكولا بأكملها. كانت حربًا شعواء.

في مقر كوكاكولا، كانت تجري مناقشة جادة بشأن إنْ كان من الممكن أن تستمر هذه الحرب. أدرك فريق العلامة التجارية أن لديهم عرضًا ناجحًا للدخول في علاقة مع مستهلكي بيبسي. ولكنْ بأيِّ ثمن؟ إذا استمر تطبيق الخطط، فإن العديد من الأسواق سيدخل قريبًا في الحرب نفسها. سوف تنفق كوكاكولا إنفاقًا ضخمًا، وسوف تنفق بيبسي إنفاقًا ضخمًا كذلك. وإذا خصَّصَتْ كلتا الشركتين العديدَ من هذه الموارد لخوض المعارك العالية المخاطر في هذه الأسواق الصغيرة والمتوسطة الحجم، فعلى الأرجح سيتقلَّص التسويق الوطني أو استثمارات قسم الأبحاث والتطوير إلى حدٍّ كبير. وربما تعاني كلتا الشركتين عواقبَ وخيمة.

يتمحور السؤال المهم الثاني حول الكيفية التي يمكن أن تنتهي بها معركة حصة السوق الكاملة بين كوكاكولا وبيبسي وكوك تو. يقول هاتشيرسون: «إذا كان منتج كوك تو ناجحًا بما فيه الكفاية، فربما تجد سيناريو يشبه هذا: بين العلامات التجارية المختلفة، ربما تمتلك كوكاكولا حصةً في سوق المشروبات الغازية تبلغ ٢٠، وربما تمتلك العلامة التجارية بيبسي حصة مقدارها ١٧. ولكنْ إذا قُسِّمت حصة كوكاكولا إلى ١٦ لكوكاكولا كلاسيك و٤ لكوك تو، فإن بيبسي ستكون قادرةً على الادِّعاء أنها علامةُ الكولا التجارية رقم واحد. ولا يمكن السماح بحدوث هذا أيضًا.»

في النهاية، قرَّرت كوكاكولا أن الاستمرار في محاولة استخدام كوك تو لتأسيس علاقة رومانسية مع مستهلكي بيبسي لم يكن في مصلحتها، وقرَّرَتْ أن تضع حدًّا للتسويق العدائي لعلاماتها التجارية، وأن تخصِّص الموارد بدلًا من ذلك لتنمية كوكاكولا كلاسيك ودايت كوك. ستُقلَّص كوك تو لكي تصبح علامةً تجارية ذات دعمٍ تسويقي ضئيل (يتجاوز عروض الأسعار المخفضة الترويجية عبر خط الإنتاج بأكمله) في حفنةٍ من أسواق بيبسي القوية؛ لجذب ما يمكنها من المستخدمين. وفي النهاية، ستتوقَّف الشركة عن إنتاج كوك تو بعد بضع سنوات.

ومع ذلك، كانت هناك دروس مستفادة. قال هاتشيرسون: «في النهاية، كنَّا قادرين على جعل العلامة التجارية التي كانت مُحتَقَرةً ومكروهةً سابقًا «نيو كوك/كوك تو» مقبولةً مرةً أخرى لدى مجموعة استهلاكية استراتيجية رئيسية؛ وجعلناها تُباع بالفعل.» فعل الفريق ما يلزم القيام به لحماية العلامة التجارية، ومهَّدَ الطريق للتركيبة الأصلية للعودة إلى كونها العلامةَ التجارية الأم، واستطاعوا مَحْوَ نيو كوك/كوك تو من الوجود مع فقدان نسبة قليلة فقط من حصة السوق لصالح بيبسي. فثمة أوقاتٌ يجب فيها أن تنتهي العلاقة بين العلامة التجارية والمستهلك لتحقيق الصالح العام للمؤسسة التجارية.

(٥) إنهاء العلاقة

من الصعوبة بمكانٍ إنهاءُ علاقةٍ. ونادرًا ما تُقدِم الشركات على إنهاء العلاقة من تلقاء ذاتها؛ فيُتَّخَذ القرار نيابةً عنها من قِبَل شريك من شركاء قنوات التوزيع، أو تتلاشى العلامة التجارية فحسب بهدوء. لا أذكر أبدًا أنني رأيت «حفلَ وداعٍ» لعلامة تجارية. ربما يجب أن يحدث مثل هذا الشيء من حينٍ لآخَر. وتتساءل الإدارة عمَّا سيحدث للحصة السوقية والأرباح التي تدرُّها علامةٌ تجارية تُحتضَر. ينبغي للقلة القليلة المتبقية من المستهلكين المخلصين أن يجدوا علامةً تجارية جديدة ضمن هذه الفئة. ربما يجب أن توجد خطة خلافة مناسبة، وفي كثيرٍ من الأحيان لا توجد خطة.

علاوة على ذلك، أهم ما تسلِّط قصةُ نيو كوك الضوءَ عليه هو مسألة اختيار الطريقة التي تتمركز بها العلامة التجارية في السوق. ينبغي أخذ هذا الأمر في الاعتبار دائمًا؛ إما أن تفعل أنت ذلك، وإما أن يفعله المنافسون لك، أو يفعله المستهلكون في السوق. في حالة نيو كوك، تحدَّثَ المستهلكون أولًا، ثم نجحت كوكاكولا بعد ذلك فقط عندما حاولَتْ بقوةٍ تقديمَ كوك تو على أنها المذاق الحلو لبيبسي بطعم الكولا الحقيقي، لمجموعةٍ محددة للغاية ومهمة من المستهلكين. وبالنسبة إلى علامة تجارية كانت في طريقها للتلاشي، وجدت كوكاكولا فرصةً مناسبة؛ فتواصَلَتْ وبدأت علاقةً متأخرة؛ علاقةً كانت مفقودةً عندما تمَّ إطلاقها.

أخيرًا، يمكننا استخدام العلاقات الميتة كأدوات تعليمية لزيادة تحسين علاقاتنا القائمة. فمن سيناريو نيو كوك الذي دار منذ نحو عشرين عامًا، كانت كوكاكولا قادرةً على تطبيق ما تعلَّمَتْه في إطلاق كوك زيرو؛ فبدلًا من الاستعاضة عن دايت كوك بمنتج آخَر، كانت كوكاكولا زيرو تلبِّي حاجةً معينة. لم تكن لبيبسي هنا علاقة بالأمر، بل كان الهدف الفعلي هو تقديم طعم كوكاكولا حقيقي دون سعرات حرارية.

أخبرتني بذلك بارا فاوجان أحد مديرِيَّ الأوائل في باوريد؛ إذ قالت لي ذات مرة: «إذا كنتَ لا تقع في أخطاء، فإنك لا تدفع نفسك بقوة كافية.» المسوِّقون يخفقون، والعلاقاتُ تتفكَّك؛ هذا جزء من العمل، هذه هي دورة الوجود الطبيعية. ولكنْ إذا أخفقتَ، فَلْيكن إخفاقُك طريقًا للتطوير. لِيَكُنْ إخفاقُك دافعًا لتحسين علاقتك بالمستهلك … ولكن مهما فعلتَ، فلا تُبْقِ الأمورَ على وضعها الراهن. واصِلْ تقديمَ ما لديك للمستهلكين وتعامَلْ معهم بنفس القدر من الإعجاب الذي تكنُّه لهم.

•••

سوف نُنهِي الكتاب من حيث بدأنا، بتعريف العلاقة. العلاقة هي ارتباط أو تواصل، وتضمُّ طرفين يعمل كلٌّ منهما من أجل المنفعة المتبادلة بينهما. تذكَّرْ دائمًا أن تضع مصالحَ المستهلكين في الاعتبار، ولا تتوقَّفْ أبدًا عن التعرُّف عليهم والتواصُل معهم؛ فعن طريق إعطاء مصلحةِ المستهلكين الأولويةَ، ومن خلال إشعارهم بالتميُّز، ترقى العلامات التجارية إلى تحقيق مفهوم العلاقة. وهذه هي الطريقة التي سنُظهِر بها — نحن المسوِّقين — النزاهةَ في مهنتنا، متعامِلِين على النحو الصحيح مع علاماتنا التجارية والمستهلكين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢