توزر

مدينة في جنوبي تونس على مسيرة مائتين وثلاثين ميلًا إلى جنوب الجنوب الغربي من مدينة تونس، وعلى مسيرة مائة وعشرين ميلًا غربي قابس، وهي على خط عرض ٤٨ ٥٤ ٣٣° شمالًا، وعلى خط طول ٨ ٨° شرق جرينتش.
figure
واحة توزر.

وتوزر أهم موضع بالجريد، وهي على المضيق الذي يفصل بين شط الغرس في الشمال وشط الجريد في الجنوب، وهي تلاصق هذا الشط، وهي مدينة وقرى متناثرة في الواحات الممتدة جنوبًا على مساحة مقدارها أربعة أميال مربعة، ومباني المدينة في نظام رتيب، وغالب البيوت مبنية من الآجر المصفف على أشكال هندسية. أما المساكن في الواحات فهي أكواخ مبنية من جذوع الأشجار وسعف النخيل، والأهالي يصنعون البسط والأغطية من الصوف والحرير، بيد أنهم يعتمدون في معاشهم على بساتينهم وأحراج نخيلهم، ويعود الفضل في خصوبة الواحات — وهي أغنى بقاع الجريد — إلى كثير من العيون البالغ عددها أربعًا وتسعين ومائة عين، تتفجر غربي كثبان الرمال، ثم تتحد فتؤلف جدولًا ينحدر نحو الشط، وتوزع المياه للري بوسائل وصفها البكري في مصنفه «مسالك الأبصار»، ولا تزال هذه الوسائل تستعمل إلى اليوم، ويخرج من أشجار النخيل التي يبلغ عددها حوالي ٢٢٨ ألف نخلة، تَمْرٌ مختلف أنواعه، وبخاصة النوع المعروف ﺑ «دقلت نور»، وقد زاد قدر ما تصدره توزر زيادة ملحوظة، بعدما وصلتها سكة الحديد بسفاقس وبقية بلاد المملكة، والسكان بربر مستعربة، وعدد سكان توزر نفسها ١١٠٥٦ نسمة، منهم ١٠٧٢٣ مسلمون، ١٨١ يهوديًّا و١٥٢ من الأوروبيين، وذلك وفق إحصاء ١٩٢٦م.

وتوزر مدينة عتيقة، وأنشأ الرومان بالقرب من موضع بلدة الحدر مدينة وأرباضًا لا تزال أطلالها تشاهد إلى الآن، ومنها قاعدة مئذنة المسجد وبئر وآثار أعمدة وبقايا قصور … إلخ، ثم احتلها الوندال واستعادها الروم، وليس من شك أن الفاتحين الأول من العرب قد نهبوها، ثم سقطت في يدهم آخر الأمر في نهاية القرن السابع الميلادي، وكان على أهل المدينة أن يختاروا بين اثنين؛ إما الإسلام وإما الجلاء، ولعل الذين نزحوا عن المدينة كانوا قلة؛ لأن التجاني يرى أن أهل توزر من نسل الروم الذين كانوا في إفريقية عندما فتحها المسلمون.

ويظهر أن توزر كانت في القرون التالية في رخاء عظيم، ويتفق ابن حوقل — الذي يطلق على هذا الإقليم اسم قسطيلية — والبكري، والإدريسي في ذكر عظم تجارتها وكثرة نخيلها، ويذهب البكري إلى أن ألف حمل من التمر يخرج منها كل يوم.

ولم يخل تاريخ توزر من الحوادث الجسام، فقد خضع أهلها بالاسم لجميع الدول التي حكمت إفريقية، ولكنهم جاهدوا في المحافظة على استقلالهم، وظهرت عداوتهم للفاطميين من مناصرتهم للثائر أبي زيد، وفي أيام بني زيري حكمهم أمراؤهم من آل فرخان ثم من بني وطاس، وقد نهب علي بن غانية مدينتهم في عهد الموحدين، ثم استعادها الخليفة أبو يوسف وتخلصوا من حكم بني جعفر في نهاية القرن الثامن، واعترفوا في القرن الرابع عشر بإمارة ابن يملول، وقد تعذَّر على السلطان أبي العباس التخلص منه عام ١٣٧٩م، وقد امتازوا في عهد خلفائه بالعصيان، وكثيرًا ما أجبروا أمراء تونس على امتشاق الحُسام لردهم إلى طاعتهم، واختل أمن المدينة بما كان ينشب بين الأهلين وقبائل العرب المجاورة من قتال، ولم يتغير حالها في العهد التركي إلا قليلًا، ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، اشترك أهل توزر في عدة فتن، وكان البايات يلاقون مشقة كبيرة في جباية الضرائب، وزادت منازعات «الصف» في تعكير الأمن، وفي القرن التاسع عشر اقتتل اثنان من هؤلاء الصف، هما أولاد هدل والزبدة، واحتل كل منهما حيًّا من المدينة، واستعرت الحرب بينهما حتى نشر الاحتلال الفرنسي عام ١٨٨٢م الأمن والطمأنينة في ربوعها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤