أحمس الأول (١٥٨٠–١٥٥٨)

(١) أحمس الأول مؤسس الأسرة الثامنة عشرة

لقد كان «مانيتون» المؤرخ المصري القديم محقًّا عندما جعل «أحمس» الأول فاتحة ملوك الأسرة الثامنة عشرة، على الرغم من أنه من أسرة كانت تسيطر على جزء كبير من البلاد في عهد الأسرة السابعة عشرة؛ إذ الواقع أنه في حكم هذا الفرعون قد طُوِيت صحيفة من تاريخ البلاد سُطِّر عليها عهدُ استعباد الشعب المصري مدةَ قرنٍ ونصف من الزمان، ثم بدأ صحيفة جديدة كان أول ما خُطَّ فيها آيات بينات تحدِّثنا عن استقلال البلاد وطرد الغزاة الغاصبين من أرض الكنانة، ثم الإصلاحات التي قامت في طول البلاد وعرضها، بعد استتباب الأمن في الداخل والخارج على أُسُسٍ متينة هيَّأَتْ لمَن جاء بعده من الفراعنة الشجعان أن يؤسِّسوا دولةً متراميةَ الأطراف، تمتد من الشلال الرابع جنوبًا إلى أعالي نهر دجلة والفرات شمالًا، وتدين لها كل الأمم المجاورة ماديًّا وأدبيًّا، حتى أصبحَتْ في عهد «تحتمس» الثالث — الذي يلقِّبه مؤرخو الغرب «بنابليون» الشرق — الإمبراطوريةَ الأولى في عالم التاريخ القديم؛ وقد كانت المثل الذي احتذَتْه الإمبراطوريات الغربية العظيمة قديمها وحديثها في تأسيسِ ملكها ومدِّ سلطانها.

fig18
شكل ١: تابوت أحمس الأول.

(٢) أعماله الحربية في الخارج والداخل

والواقع أن الحادث الجلل الذي يعلم به حكم «أحمس» الأول الذي خلف أخاه «كامس»، هو متابعة الحروب العظيمة التي نشبت بين المصريين والهكسوس، وهي المعروفة بحروب الاستقلال التي كانت أمجدَ صحيفة في التاريخ المصري، وقد فصَّلنا القول في هذه الحروب الطاحنة في موضعه، ولم تمضِ أربع أو خمس سنوات على بداية هذا النضال العنيف حتى أفلح «أحمس» في طرد الهكسوس من البلاد جملةً، بل سار بجيشه حتى بلاد «زاهي» (فينقيا)، حيث يحدِّثنا «أحمس» عمَّا أحرزه من انتصار، وبعد أن تمَّ له الفوز في هذه الأصقاع الآسيوية عاد ثانيةً موليًا وجهه نحو الحدود الجنوبية؛ حيث كان السود قد اقتنصوا فرصةَ اشتغاله بالحروب في آسيا، وزحفوا شمالًا نحو البلاد المصرية، فلحق بهم وأعمل السيف فيهم في مذبحةٍ عظيمةٍ، كما دُوِّنَ ذلك على جدران قلعة «سمنة» الملك «تحتمس» الثاني.١

على أنه لما قفل راجعًا وجد أن بعض الثورات قد اندلع لهيبها في داخل البلاد، ولا يبعد أن الذين قاموا بتدبيرها أفرادٌ من الذين تخلفوا في البلاد من الهكسوس بعد طردهم، وهذا ليس بالحادث المستغرب؛ لأن طرد قوم بأكملهم استوطنوا البلاد مدة طويلة دفعة واحدة يُعَدُّ من الأمور الصعبة التحقيق، ولا نزاع في أن الثورتين اللتين قام بهما «آتا» ثم «تتاعان»، وكان يجري في عروقهما الدم الهكسوسي، قد هُزِم كلٌّ منهما في ثورته هزيمة منكرة، ومن ثَمَّ لم نسمع بقيام ثورات داخلية بعد ذلك.

والظاهر أنه بعد هذه الحروب لم تصادفنا حوادث خطيرة في حكم هذا الفرعون، بل تدل الأحول على أنه أخذ في تنظيم حكومة البلاد وإصلاح ما تخرَّبَ فيها خلال حرب الاستقلال، ممَّا استنفد الجزءَ الأكبر من مدة حكمه.

(٣) اللوحة التي أقامها في معبد الكرنك تخليدًا لأعماله وأعمال والدته

والواقع أنه ليس لدينا تواريخ بعد السنة الخامسة من حكم هذا الفرعون، وهي السنة التي قضى فيها القضاء المبرم على قوة أعدائه شمالًا وجنوبًا، إلى أن نصل إلى السنة الثانية والعشرين من حكمه، حيث نجد «أحمس» قد أقام لوحة عظيمة بمعبد «الكرنك» تكشف لنا عن نواحٍ عدة من نشاطه، وما قامت به والدته «أعح حتب» من أعمال عظيمة وعلاقتها بجزيرة «كريت» وملكها، وما قام به للآلهة — وبخاصة الإله «آمون» — من جليل الأعمال، ممَّا يكشف لنا عن حالة البلاد المادية والصناعية وقتئذٍ؛ ولذلك لم نَرَ بدًّا من إثبات محتويات هذه اللوحة بأكملها، على الرغم ممَّا فيها من النعوت البليغة التي يصف بها هذا الفرعون نفسه، ثم نعلِّق على ما جاء فيها من حقائق جسيمة قد نوَّهَ عن بعضها الأستاذ «إدورد مير» في مؤلَّفه التاريخ القديم.٢

وهاك النص كما جاء في الأصل المصري القديم مع التعليق عليه.

يبتدئ النص بذِكْر ألقاب الفرعون الخمسة الرسمية٣

وهي (١) حور — عظيم الشكل (٢) العقاب والصل = حسن الولادة (٣) حور القاهر = الضام الأرضين (٤) ملك الوجه القبلي والبحري = رب الأرضين نب بختي رع (٥) ابن الشمس = الذي يحب أحمس عاش مخلدًا (راجع تفسير الألقاب الملكية مصر القديمة جزء أول).

ألقاب أحمس ووصف عظمة ملكه: ابن آمون رع من جسده ومحبوبه ووارثه، ومَن أعطى له عرشه، الإله الطيب حقيقة، قوي الساعد والذي لا يشوبه مين، وإنه أمير يشبه الإله «رع» وتوءم ولدي «جب» (إله الأرض) ووارثه الذي يتمتع بالسرور، وصورة ﻟ «رع» الذي فطره، والمنتقم له الذي جعله على الأرض، والذي يضيء دهورًا، رب الانشراح، ومانح النفس في أنوف السيدات (؟)، والشديد البأس … معطي الحياة، ومقيم العدالة، ملك الملوك على كل أرض، الملك (له الحياة والعافية والصحة) الذي يضم الأرضين، عظيم الاحترام، القوي في الظهور، … من يخضع له، وآلهتهم يحملون له الحياة والسعادة، وهو واحد في السماء، والثاني على الأرض، ومن يخلق من صوته النور، محبوب «آمون»، ومن يثبت الوظائف مثل الإله، حسن الوجه (أي بتاح)، المسيطر على السنين مثل جلالة «رع» (أي يحكم سنين عدة)، ومن يجعله الإله يعرف محرابه، وما يلزم لكل عيد إله، ملك الوجه القبلي في بلدة «بوتو»، والأمير على مصر، وعماد السماء، وسكان الأرض، ومن استولى على ما تحيط به الشمس، ومن قد ثبت على رأسه التاج الأبيض، والتاج الأحمر، ومن نصيب كل من «حور» و«ست» تحت سلطانه (أي مصر كلها)، والمضيء الطلعة في شبابه، ومن قدر لتاجه أعجوبة مزدوجة في كل ساعة، رفيع الريشتين، ومن يكون أمامه الصلان القويان على جبينه مثل ما يكونان على جبين «حور» عندما يسيطر على الأرضين، وهو ملك له الحياة والسعادة، مستولٍ على التيجان في «خمس»٤ وصاحب التاج، حور المغمور بالحب، ومن يأتي له الجنوب والشمال والشرق والغرب، وهو سيد باقٍ، ومن وطد أرضيه (مصر) ومن استولى على إرث من أنجب، ومن تتراجع أمامه الأرضان قاطبة، وقد أعطاه إرثيهما والده الفاخر، وقد سيطر على طبقة «الخنمت»٥ وقبض على طبقة الزخيت٦ (المتعلمين)، وقدم له الخضوع «البعت» (القبلي الخاصة)، وكان كل فرد يقول إنه سيدنا، وسكان بحر إيجة جميعًا يقولون إنه إلهنا، والأراضي تقول نحن أتباعه وأنه ملك قد نصبه «رع» أميرًا، وجعله «آمون» عظيمًا، وقد أعطياه الشواطئ والأراضين دفعة واحدة، وكذلك ما تضيء عليه الشمس، ويقف الأجانب في موكب واحد عند باب قصره، والوجل منه في بلاد «خنت نفر» (قبائل البجة القاطنة ساحل البحر الأحمر والنيل)، وزئيره في أراضي «الفنخو»، والخوف من جلالته في هذه الأرض (مصر) مثل الخوف من الإله «مين» في السنة عندما يأتي (أي في سنة القحط)، وإنهم يحضرون الطرف الغالية عندما يأتون محملين بالهدايا إلى الفرعون، وعندئذٍ يخرج الملك وبصحبته أتباعه مثل القمر في وسط النجوم، يسير في رقة، ويخطو في تؤدة، وبقدم ثابتة، ونعل طائع، يرفرف عليه بهاء «رع» ويحميه «آمون» والده الفاخر، ويفسح له الطريق، والقطران يقولان: حقًّا إنا نراه، وحبه يملأ كل إنسان، وتنبهر العينان برؤية هذا الملك، والقلوب تنبض بحبه، وتلحظه كأنه «رع» عند إشراقه، وهو مثل قرص الشمس عندما يسطع، ومثل شمس الظهيرة عندما تضيء العينين، وأشعته في الوجوه مثل أشعة «آتوم»، وهو في شرق السماء عندما ترقص النعامة في وديان الصحراء (أي في وقت الظهيرة)، ومثل «ياخو» (إله الشمس) عندما يرسل أشعته وسط النهار، وقتما تكون الديدان جميعًا محرورة، وهو الإله الأوحد الذي أرضعه نجم الصباح (إيزيس)، ومن مدحته الإلهة «سشات» (إلهة الرياضة التي علمت الملك)، ومن تكتنفه هيبة الإله «تحوت» (إله العلم) الذي يمنحه معرفة الأشياء، وإنه الذي يهدي الكاتب إلى الدقة، وعظيم في فنون السحر، وإنه مالك للحب أكثر من كل الملوك، وهو «حور» (الملك) الذي يحبه «رع»، والذي يجعل القلوبَ تثني عليه والأفئدةَ تقدِّم له المديح في الأجسام.
طلب الملك إلى رعيته أن يحترموه: أصغوا يا أهل الوجه القبلي، ويا رجال الدين، ويا أهل الوجه البحري، ويا أيها الناس جميعًا، يا مَن يتبعون هذا الملك في خطواته، أعلنوا فخاره للآخرين وتطهَّروا باسمه، وتطهَّروا بحياته (بحلف اليمين)، تأملوا إنه إله على الأرض فقدِّموا له الخضوع مثل «رع»، أثنوا عليه مثل ثنائكم على القمر، فهو ملك الوجه القبلي والوجه البحري «نب بحتي رع» الذي يضع في الأغلال كلَّ أرض أجنبية.
دعوة القوم إلى تبجيل الملكة «أعح حتب» ومديح تلك الأميرة لما لها من سلطان: قدِّموا المديح لسيدة البلاد، وسيدة جزر «بحر إيجة»، فاسمها رفيع الشأن في كل بلد أجنبي، فهي التي تضع الخطة للجماهير، زوج الملك، وأخته الملكية، لها الحياة والسعادة والصحة، وهي أخت ملك، وأم ملك، الفاخرة والحاذقة التي تهتم وتضطلع بشئون مصر، ولقد جمعت جيشها، وحمت هؤلاء، فأعادت الهاربين، وجمعت شتات الذين هاجروا، وهدأت روع الوجه القبلي (أيْ مملكة طبية)، وأخضعت عصاته، الزوجة الملكية، «أعح حتب» العائشة.
الهدايا والمباني التي أمر الفرعون بإقامتها للإله «آمون»: والآن أمر جلالته بصياغة آثار لوالده «آمون رع» تشمل: أكاليل عظيمة من الذهب، وقلائد من حجر اللازورد الحقيقي، وتعاويذ من ذهب، وإبريق ماء عظيمًا من الذهب، وآنية ماء وأباريق من الفضة، وآنية لصبِّ ماء القربان من الذهب، ومائدة قربان من الذهب والفضة، وعقود «منت» من الذهب والفضة يتخلَّلها حبات من اللازورد والفاروز وآنية «تاب إن كا» من الفضة، وقاعدتها من الفضة، وآنية «تاب إن كان» من الفضة، وحافتها من الذهب، وقاعدتها من الذهب والفضة، وآنية «ثني» من الفضة، وآنية ماء من الجرانيت الأحمر مملوءة بالزيت، وآنية «وشمم» كبيرة من الفضة والذهب وحافتها من الذهب … من الفضة، وعودًا من الأبنوس، والذهب والفضة، وتماثيل الهول … من الفضة، وسبت من الذهب.

ثم أمر جلالته أن تنزل السفينة في النهر، واسمها «وسرحات» (تمثال آمون صاحب التمثال النصفي القوي)، وأن تكون من خشب الأرز الجديد من أحسن خشب المدرج (أي جبال لبنان) لتقوم برحلة السنة الجديدة … ولقد أقمت عمد أعلام من خشب الأرز، وكذلك السقف والأرضية، وأعطيت …

(٣-١) أهمية هذا النص من الوجهة التاريخية

هذا النص على ما يحتويه من تفاصيل دقيقة، وإشارات بعيدة إلى أمور جسام في حياة الفرعون «أحمس» الأول؛ يرى فيه المؤرخون أنه عبارات مدح تقليدية تشغل نحو ستة وعشرين سطرًا منه، وستة الأسطر الباقية تعدد إصلاحات هذا الملك التي قام بها لإعادة أثاث معبد «آمون» وأوانيه، وأن الملك لم يُشِرْ إلا إشارة عابرة مبهمة عن حروبه في خلال تلك الجمل المملة المتتابعة، ولكن الواقع أن هذه اللوحة تُعَدُّ على جانب عظيم من الأهمية من الناحية التاريخية والثقافية والأدبية في عهد هذا الفرعون؛ وبخاصة لأنها تشير من طرف خفي إلى علاقة مصر بجيرانها، وتصوِّر لنا حالة البلاد، وعلاقتها بالملك وأمه «أعح حتب»، ثم الدور التي لعبته هذه الملكة في إدارة سكان هذه البلاد؛ وقد كان أول مَن لفت النظر إلى مكانة هذه الملكة في تسيير أمور الدولة في عهد ابنها «أحمس» هو الأستاذ «إدورد مير» مما سنفصله هنا.

تبتدئ اللوحة بذكر ألقاب الفرعون الخمسة التي لا بد أن يحملها كل فرعون بعد تتويجه ملكًا على البلاد، ثم يذكر لنا «أحمس» أنه من نسل الآلهة، وأنه وارث «أوزير» والإله «رع» أول من حكم على الأرض، ونشر فيها العدالة، ثم يذكر لنا هذا الفرعون أنه أصبح ملك الملوك بعد انتصاراته على الغزاة القاهرين، حتى إن آلهتهم يقدِّمون له الحياة والسعادة، ثم يذكر لنا المتن أنه واحد في السماء، والثاني على الأرض، فهل يعني بذلك أن والدته كانت شريكته في ملك مصر؟ وبعد ذلك يقول إنه ملك الوجه القبلي في «بوتو»، و«بوتو» كانت العاصمة الدينية للوجه البحري منذ القِدَم، فهل معنى ذلك أنه بعد أن كان حاكمًا على الوجه القبلي وحده، أصبح يمتد سلطانه حتى «بوت» العاصمة الدينية للوجه البحري بعد طرد الهكسوس؟

ولا نزاع في أن هذا المعنى هو المقصود من المتن؛ إذ بعد هذه الجملة يأتي مباشَرةً أنه حاكم «تميرا»، أيْ أرض مصر كلها، ثم يستمر المتن قائلًا إنه قد استولى على ما تحيط به الشمس، وإن نصيبي «حور» و«ست» وهما الوجه القبلي والوجه البحري قد أصبحَا تحت سلطانه، وإن سكان الجنوب والشمال والشرق والغرب يأتون إليه طائعين، وإن طبقات سكان مصر الثلاث «رخيت» (العامة)، وسكان الوجه القبلي «بعت» (الأغنياء)، وبنو الإنسان (حنممت)؛ لا يعقدون الأيمان إلا باسمه، وإنهم يمدحونه، ويعظِّمونه مثلما يعظمون ويمدحون الشمس والقمر، ثم بعد ذلك تأتي فقرة لم نلحظ مثلها في النقوش الملكية قطُّ، وأعني بها ذلك الأمر الذي دعا به «أحمس» الناس للتعظيم من شأن أمه الملكة «أعح حتب»، وهي التي تحمل لقب سيدة الأرض (أي مصر)، وأميرة شواطئ «حايونبوت»، وكلمة «حايونبوت» كناية عن سكان جزر البحر الأبيض، وهي في هذه الفقرة لا بد يقصد بها جزيرة «كريت» وما جاورها من الجزر. وبعد ذلك تأتي عقود المديح التي صيغت لهذه الملكة فاستمع إليها: «اسمها رفيع الشأن في كل بلد أجنبي، فهي التي تقود الجماهير، زوجة ملك، وأخت ملك، وبنت ملك، وأم ملك، الفاخرة والحاذقة التي تهتم وتضطلع بكل شئون مصر، وهي التي جمعت جيشها، وحمت أولئك الناس، وأعادت الهاربين، وجمعت شمل الذين هاجروا، وهدأت روع الوجه القبلي (أي مملكة طيبة)، وأخضعت عصاته بوصفها الزوجة الملكية «أعح حتب» العائشة.» ففي هذه الكلمات التي فاه بها ابنها، تظهر فيها هذه الملكة بأنها هي التي أنشأت مصر الجديدة، وأنها الروح الذي أقال مصر من عثرتها، وكتب لها النجاح، يُضاف إلى ذلك أنه قد يُستنبَط من هذه الكلمات أنها لا بد كانت قد قامت بنشاط محس في خارج بلادها؛ إذ كان لا يمكنها أن تحمي الهاربين وتجمع شتاتهم إلا في البلاد الأجنبية، وكذلك كان في مقدورها أن تقود هناك جيشها إلى النصر. ومن أجل ذلك يجب أن نسلم أنها بعد وفاة زوجها «تاعا» الشجاع، أخذت في يدها مقاليد الأمور بعزم وحزم، معضدةً ابنها «كامس» المحارب الذي كان على ما يظهر لا يزال حدث السن، على أن مظهرها هذا ليس فيه ما يتناقض مع موقف «كامس». ولما تولى «أحمس»، وقد كان على ما يظهر حدث السن أيضًا، أصبحت هي الوصية الحقيقية على عرش «طيبة»؛ ولكن لا بد أنها كانت في الوقت نفسه قد عقدت أواصر المودة والصداقة بينها وبين ملك «كريت»، ومن المحتمل أنها تزوَّجَتْ منه؛ وذلك لأنه لا يمكننا تفسير عبارة «أميرة شواطئ حايونبوت» على أي وجه آخَر كما يقول «إدورد مير».

وما سبق يتضح — إذا كان التفسير الذي أوردناه مقبولًا — أن الهكسوس قد وقعوا بين مخالب مملكة «طيبة» وجزيرة «كريت» التي أصبحت حليفتها، وبهذا أصبح من السهل حصار «أواريس» والتغلُّب عليها؛ ونجد في هذه الأنشودة الملكية فضلًا عن ذلك ما يُثبِت هذا الزعم، فطبقات الشعب الثلاث تقول: «إنه سيدنا.» ويقول أهل «حايونبوت»: نحن في ركابه. والأراضين تقول: نحن ملكه. وفي استطاعة الإنسان أن يميِّز بوضوح ثلاث طوائف مختلفة؛ الرعية المصرية، وأهل «كريت» حلفاء مصر، وهم الذين يقومون لها بالمساعدة الحربية، ثم سائر العالم (أيْ سوريا وبلاد السودان)، وهي الأراضي التي يظلها سلطان مصر.

وقد كان أثر هذه العلاقة الوثيقة التي توثقت عراها بين مصر «وكريت» على جانب عظيم من الأهمية، وبخاصة في الثقافة والصناعة التي تبودلت بين أهل البلدين منذ زمن بعيد، وقد زادتها هذه الروابط الجديدة قوةً، ممَّا جعلها تنمو وتعظم في الأزمان المقبلة.

fig19
شكل ٢: سلاح بلطة أحمس الأول.
والواقع أن تبادُل الثقافة والصناعة بين البلدين قد ظهر أثره في سلاحين من أسلحة الزينة في نفس العصر الذي نحن بصدده، قد كان يحملها الملك «أحمس»، وكذلك في قطعة أخرى من الحلي باسم «كامس» وُجِدت مع مجوهرات والدته «أعح حتب»، فنجد أنه قد نُقِش على أحد وجهَيْ خنجر «أحمس» المعلَّق في خيط من الذهبِ اسمُ الملك، وكل حرف من حروفه قد غُطِّي بصفيحة من الذهب الجميل الصنع، ثم نجد بعد ذلك أنه قد صيغ على نفس الوجه أسد يقتفي أثرَ ثور، ثم أربع جرادات، ويُرى في صنع هذا الخنجر تأثيرَ الفن الكريتي المحض؛ إذ قد وجد في هذه الجزيرة وفي «مسينا» خناجر مطابقة لخنجر الملك «أحمس»، غير أن الصناعة كانت مصرية، وكذلك نجد نفس التأثير «الكريتي» في (بلطة) «أحمس»٧ (انظر الشكل ٢)، يضاف إلى ما سبق أن الفرعون قد أشار إلى البلاد التي تغلَّبَ عليها كما ذكرنا آنفًا.

أما علاقة هذا الملك بشعبه، وما يحملونه له من رهبة وتجلة في قلوبهم، وما يحيط به نفسه من الأبهة والعظمة عند خروجه على الناس في المحافل الرسمية، فقد جاء وصف كل ذلك في قطعة رائعة ربما تذكِّرنا بعهد ملوك الدولة العباسية، وما كانت تُوصَف به مواكبهم، وكذلك ينطبق على سلاطين المماليك، وما كانوا يحيطون به أنفسهم من مظاهر الملك الرائعة، فاستمع إلى هذه الفقرة التي لم نجد لها مثيلًا في النقوش المصرية التي طبقت هذا العصر، ولم نقرأ ما يشابهها في العصور التي تلت: «ويطلع الملك وحاشيته كأنه القمر في وسط النجوم، ويسير في رفقٍ وبخطًى وئيدة، وبقدم ثابتة، ونعل ينطبع على الثرى أثره، ويرفرف عليه بهاء «رع»، ويحميه «آمون» والده الفاخر، مفسحًا له الطريق، والقطران يقولان: حقًّا إنَّا نراه، وحبه يغمر كل إنسان، وتنبهر العينان لرؤية هذا الملك، والقلوب تخفق له، وتنظر إليه كأنه «رع» عند إشراقه … إلخ.»

(٤) إصلاحات أحمس

ولا عجب في أن نرى «أحمس» يصف نفسه بهذه الأوصاف، ويجعل قومه المدينين له يردِّدونها بصوتٍ عالٍ، فهو جدير بكل مراسيم الاحترام، وآيات الحب والإعظام؛ لأنه هو الذي خلَّصَ البلاد من ربق العبودية الأجنبية.

ثم نرى بعد ذلك «أحمس» يوجِّه عنايته نحو إصلاح ما أفسده الدهر من آثار إلهه العظيم «آمون»، الذي كان بزعمه قد هيَّأَ له النصر على الأعداء، هذا فضلًا عن أنه كان إله الدولة، وحامي حماها، فأمر بصنع أوانٍ جديدة لمعبده «بالكرنك»، معظمها من خالص النضار والفضة، والأحجار الغالية على يد مَهَرَة الصنَّاع، ومن أوصاف تلك الأواني وحدها يمكننا أن نعرف ما وصل إليه الفن المصري من الدقة والإتقان، وحسن الذوق في زمنه، ولا بد من أن الذهب كان يوجد بكثرة في مصر الآن، وبخاصة بعد أن أخضع بلاد النوبة التي كانت أكبر مصدر لهذا المعدن الكريم، وكذلك نجد أن هذا الفرعون قد صنع سفينة الإله «آمون» التي كانت تجري في النيل بين «الكرنك» و«الأقصر»، تحمل تمثالَ الإله في عيد رأس السنة من خشب الأرز الجديد. وفي وصف هذا الخشب بالجديد فوز جديد ﻟ «أحمس» الأول؛ إذ إنه قد أحضره من الجبال الواقعة على شاطئ «لبنان»؛ ممَّا يبرهن على أن هذه الجهات قد أصبحت في قبضة يده، كما يدل على ذلك النص المصري.

(٤-١) مبانيه

والظاهر أن هذا الفرعون كان في الوقت الذي أمر فيه بصنع الأواني والحلي الخاصة بمعبد «آمون»؛ كان قد بدأ يحوِّل عنايته لإعادة بناء المعابد الهامة في عاصمة الملك، على أن بقاء عاصمة البلاد وأهم مركز ديني بدون إصلاح ما خرب منها، لَأكبر دليل على ما كانت تحتاج إليه البلاد من تنمية الثروة الضرورية لنهوض البلاد من كبوتها المادية الطويلة الأمد، قبل أن يهتم مليكها بإنشاء الكماليات، وما تطمح إليه نفسه، وقد كان ذلك يحتاج إلى نهوض جيل جديد يجري في عروقه دم الحرية، تنتعش به البلاد ممَّا حلَّ بها من خراب واضطهاد.

على أن المباني التي أُقِيمت في هذا العهد في «طيبة» و«منف» قد ابتلعتها التغيُّرات التي حدثت في مبانيهما في الأزمان التي تلت، والتخريب الذي لحق بهما على يد الأجانب، ولكن لحسن الحظ قد حفظت لنا الوثائق التي تحدَّثنا عنها في محاجر «طرة» أن «نفربرت» حامل خاتم الفرعون ورفيقه، قد نقش لوحتين مؤرَّختين بالسنة الثانية والعشرين من حكم «أحمس»، وقد سجل عليهما فتح محاجر لقطع الأحجار اللازمة لبناء معبد «بتاح» بمنف ومعبد «آمون» بطيبة، ونجد قبل النص في أعلى اللوحة ألقابَ الملك «أحمس»، ثم ألقاب زوجه «أحمس نفرتاري» بصورة بارزة تفوق ألقاب زوجها، والنص هو:

السنة الثانية والعشرون من حكم الفرعون «أحمس» بن «رع» معطي الحياة. هذه الحجرات الخاصة بقطع الأحجار قد فُتِحت من جديد، واستُخرِج الحجر الجيري الأبيض الجميل من عيان (اسم الإقليم القديم) لبناء معابده التي ستبقى ملايين السنين، وهما معبد «بتاح» في «منف» ومعبد «آمون» في «الأقصر»، ولكل الآثار التي يقيمها جلالته له (أيْ لآمون)، وقد جرت الأحجار بالثيران التي غنمها جلالته في انتصاراته على «الفنخو».

وبعد هذا النص يأتي ذِكْر «نفربرت» الذي قام بهذا العمل، وما يحمله من ألقاب، وقد وصف نفسه بأنه ساهر على إصلاح المباني الأثرية، ويرى تحت هذا النقش رسم ستة ثيران تجرُّ زحافة عليها قطعة كبيرة من الحجر، ويلاحظ أن السائقين الثلاثة الذين يسوقون الثيرانَ أجانبُ كلٌّ منهم له لحية قصيرة، ولا يبعد أنهم كانوا من الأسرى الذين ساقهم «أحمس» معه إلى مصر.٨

(٤-٢) الملكة نفرتاري

ومما يلفت النظر في هذه اللوحة بروز اسم الملكة «أحمس نفرتاري»، ممَّا يدل على الأهمية العظمى التي كانت تمتاز بها الوارثة الملكية في الأسرة الفرعونية في هذا العهد، والواقع أن الأثري «ويجول» قد وجد اسمها منقوشًا وحده في محجر مرمر في وادي أسيوط.٩ وقد كُشِف لها عن عدة تماثيل صغيرة تمثِّلها، مع أنه يُعثَر لزوجها «أحمس» على تمثال واحد حتى الآن، هذا وقد وُجِد لها تمثال ضاع رأسه في «معبد الكرنك».١٠
fig20
شكل ٣: الملكة أحمس نفرتاري.

ومن المدهش أن هذه الملكة كانت تُقدَّس أكثرَ من زوجها، وقد بقي تقديسها على مر السنين أكثرَ من أي ملك آخَر، فقد وُجِدت آثارٌ تدل على ذلك حتى عهد الأسرة الواحدة والعشرين.

والواقع أنها كانت تُعَدُّ في نظر المصريين إلهةً مثل آلهة طيبة العظام، وكان لها طائفة خاصة من الكهنة تقوم على خدمتها، كما كان لها محراب مقدَّس يُوضَع على سفينة مقدَّسة، يُحمَل على الأكتاف في الاحتفال بالأعياد العظيمة، وقد كان القوم يدعونها بصيغة القربان المعروفة،١١ وتُلقَّب على الآثار بالابنة الملكية، والأخت الملكية، والزوجة الملكية العظيمة، والأم الملكية، والحاكمة العظيمة، وسيدة الأرضين؛ فهي بذلك تضارع الملكة «أعح حتب» أم «أحمس» الأول في نفوذها؛ إذ كانت وصية عليه أيام حداثته كما أسلفنا.
والظاهر أنها عاشت مدة طويلة بعد وفاة زوجها الذي مات في سن الأربعين، وقبرها مجهول مكانه حتى الآن، ولكن وُجِد تابوتها في خبيئة الدير البحري، وهو موجود الآن بالمتحف المصري، ويبلغ طوله أكثر من عشرة أقدام، وقد عمل الغطاء على هيئة صور الملكة، وتلبس التاج والريشتين الطويلتين، المميزتين للمليكة أو الإلهة، وذراعاها مثنيتان، وفي كل يدٍ من يدَيْها رمزُ الحياة، وقد وُجِد في تابوتها موميتان: إحداهما حقيرة في منظرها، والثانية التي كانت موضوعة في تابوت ثانٍ محفوظة حفظًا جيدًا ومحنطة تحنيطًا متقنًا؛ والظاهر أن أصحاب الشأن في المتحف المصري، قد ظنوا أن الجسم الذي كان في التابوت هو جسم «أحمس نفرتاري»، وأن الجسم الثاني كان دخيلًا وضعه الكهنة عندما كانوا ينقلون الجثث الملكية في مخدعهم الأخير؛ ولذلك حُفِظ في مكان خاص، غير أنه تأثَّرَ في هذا المكان بالرطوبة، فتصاعدت منه رائحة كريهة، فدُفِن في الحال في حديقة المتحف؛ ولكن أخذ الشك يخامر «مسبرو»١٢ بعدُ في أن الجسم الذي دُفِن في الحديقة هو جسم الملكة «نفرتاري»؛ ولذلك أخذ الأثريون يندبون النهاية المحزنة التي لاقتها جثة الملكة «أحمس نفرتاري»، غير أن «مسبرو» على ما يظهر أكَّدَ لنا أن الجسم لم يُفقَد قط، وأنه الآن في مكانه بالمتحف المصري، ولكن الدكتور «إليت سمت» عندما أخذ يفحص الأجسام التي وُجِدت في خبيئة الدير البحري أكَّد بأن واحدًا من الجسمين يُحتمَل أنه جسم الملكة؛ لأنه كان جسم امرأة قد حُفِظت على الطريقة التي كانت متَّبَعة في عهد باكورة الأسرة الثامنة عشرة، وتدل نواجز فكها الأعلى البارزة التي كانت من مميزات الأسرة على أنها «نفرتاري»، فإذا كان هذا هو الواقع، فإن جسمها هو الذي يحمل رقم ٦١٠٥٥١٣ في متحف القاهرة.

ويمكن الإنسان أن يقول: إنها عند مماتها كانت امرأة طاعنة في السن هزيلة الجسم تكاد تكون صلعاء، وقد غطَّتْ هذا الصلع بجدائل من الشعر المستعار، ولا بد أن نلفت النظر هنا إلى أنها كانت أكبر من أخيها «أحمس» بسنين عدة، وقد لفظت النفس الأخير في عهد ابنها «أمنحوتب الأول».

(٤-٣) اللوحة التي أقامها في العرابة للملكة تيتي شري

ومن الآثار القليلة الهامة التي بقيت لنا من عهد هذا الفرعون لوحةٌ عُثِر عليها في «العرابة المدفونة»،١٤ ولا بد أنها نُقِشت في أواخر حكمه، وألفاظها تنمُّ على أنها ليست من الطراز التقليدي في عبارتها، بل يجد الإنسان فيها التعبير عن الأحاسيس بالبر البنوي نحو الوالدة؛ إذ الواقع أن «أحمس الأول» وزوجه «نفرتاري» قد أظهرَا في نقوش اللوحة فضْلَ جدتهما عليهما، وحبهما لإحياء ذكرياتها بتوسيع قبرها الرمزي المقام في «العرابة المدفونة»، وهاك النص:

والآن اتفق أن جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «سنب بحتي رع» ابن الشمس «أحمس» كان جالسًا في قاعة الاستقبال (في القصر)، في حين كانت الأميرة الوراثية صاحبة الحظوة العظيمة والرقة الفائقة، بنت الملك، وأخت الملك، والزوجة المقدسة، والزوجة العظيمة «أحمس نفرتاري»؛ كانت مع جلالته، وكان الأول يتكلَّم للأخرى باحثين عمَّا فيه صلاح أولئك الذين هنالك (الأموات)، ويتكلمان عن تقديم القربان، وتقريب الضحايا على المذبح، وتزيين اللوحة الجنازية التي سيشرع في عملها في عيد أول يوم من كل فصل، وفي العيد الشهري لأول الشهر، وفي عيد خروج الكاهن «سم»، وعيد ليلة التضحية، اليوم الخامس من الشهر، وفي عيد اليوم السادس من الشهر، وفي عيد «حكرو»، وفي عيد «واج» (عيد الخمر)، وفي عيد الإله «تحوت»، وفي عيد بداية كل فصل في السماء والأرض؛ وعندئذٍ قالت له أخته إجابةً على ما قال: لماذا قد ذكرتَ هذه الأشياء؟ فقال لها الملك نفسه: إني قد كنتُ أفكِّر في والدة والدتي بنفسي (وهي التي كانت كذلك) والدة والدي، الزوجة الملكية العظيمة، والدة الملك الراحلة «تيتي شري».

وعلى الرغم من أن قبرها وضريحها موجودان في هذا الوقت على أرض طيبة والعرابة على التولي، فإني مع ذلك قلتُ لك ذلك لأن جلالتي يرغب في إقامة هرم لها ومحراب في جبانة «العرابة المدفونة» بمثابة أثرٍ لها من جلالتي، فبحيرته المقدسة ستكرى، وتُغرَس الأشجار حولها، ويُؤسَّس قربانه، ويمد بالرجال الذين تحبس عليهم الأراضي المجهزة بالماشية، وسيكون له كهنة جنازيون ومرتلون، كلُّ واحد منهم يعرف واجباته، وعلى إثر نُطْقِ جلالته بهذه الكلمات أُقِيمت هذه المباني على وجه السرعة، وقد فعل ذلك جلالته لأنه كان يحبها أكثر من أي شيء، على أنه لم يفعل ملوك سبقوه مثل ذلك لأمهاتهم، وعندما تمَّتِ المباني جاء جلالته ومدَّ ذراعه، وحنى رأسه (إجلالًا)، ونطق لها بصيغة دعاء القربان الملكي، وقدَّمَ قربانًا للإله «جب» (إله الأرض) ولتاسوع الآلهة العظام، ولتاسوع الآلهة الصغار، وللإله «أنوبيس» في محرابه المقدس، ومقدمًا آلافًا من القربان من الخبز والجعة والثيران، والإوز والماشية إلى روحها … (بقية النقش قد فُقِد.)

(٤-٤) الكشف عن الآثار التي ذُكِرت على هذه اللوحة

وقد كشف كل ما تبقَّى من هذه المباني الأثرية «كارلي» (Abydos III) في الصحراء، على بُعْد بضعة أميال جنوبي «العرابة المدفونة»؛ إذ بنى لها «أحمس» الهرم على مسافة قريبة من الحقول، وعلى مسافة ميل في الصحراء أقام معبدًا مدرجًا على جانب التل، وبين هاتين النقطتين أقام محرابًا، وعلى مسافةٍ منه بنى الضريح الوهمي، وكان المحراب يحتوي على سلسلة من الحجرات الصغيرة أُقِيمت أمامه اللوحة التي ترجمناها الآن. أما الضريح أو القبر فيشتمل على عدة حجرات وممرات محفورة في أصل الصخر الذي تحت رمال الصحراء، وقد كان الوصول إليها من حجر صغير حقير قُطِع في الصخر الذي تغطيه الرمال، حتى إنَّ كشْفَه كان يُعَدُّ من المعجزات، ومع ذلك فإن هذه الحجرات السفلية قد نُهِبت في الأزمان القديمة، ولم يجد الحفَّارون المحدثون إلا بعض قطع صغيرة من ورق الذهب؛ مما يدل على أن حجرة الدفن كانت هناك أيضًا، وقد كان الرأي السائد أن القبر والمعبد اللذين في جانب التل هما للملك «أحمس» نفسه، ولكن من المحتمل جدًّا أن القبر والمحراب هما الضريح الأصلي للملكة «تيتي شري» المشار إليه في النقوش، وأن الهرم والمعبد المدرج هما اللذان أُشِير إليهما في النقش بأن «أحمس» قد أقامهما لجدته العظيمة.
ونجد لهذا الفرعون بعض الآثار تدل على أنه أقام بعض المباني في معبد «العرابة»؛ إذ عُثِر فعلًا على نقش غائر يمثِّل رأسَ «أحمس» الأول.١٥

(٥) أسرة أحمس الأول

وقد كانت أسرة الفرعون «أحمس» الأول كثيرة العدد، ومما يسترعي النظر هنا أن زوجته وأولاده كثيرًا ما كانوا يضعون أسماءهم في طغراء ملكية، وقد كان هذا الاستعمال شاذًّا في هذه الأسرة، ممَّا لم يوجد مثيله في أي عهد آخَر بهذه الصورة، وأكبر مميز عرفنا به أفراد هذه الأسرة هو أنهم كانوا يُعبَدون بعد مماتهم، وقد وُجِدت أسماؤهم منقوشة في مقبرة «أنحور خوري» (L. D. III. Pl. 2d)، وفي مقبرة «خع بخت»، ويشاهد كل منهما يتعبد إليهم (Ibid).
ومعظم أولاد هذا الفرعون من زوجه «نفرتاري»، ونخص بالذكر منهم «مريت آمون»، وهي أكبر أولاد الملكة «نفرتاري» وقد تُوفيت صغيرة، ثم الأميرة «سات آمون»، وهي ثاني بناتها وتُوفيت وهي طفلة، والأمير «سابا إير» وهو أكبر أولادها الذكور وتوفي صغيرًا، ثم «سا آمون» ومات كذلك صغيرًا، والملكة «أعح حتب» وهي ثالثة بناتها، ثم «أمنحتب» وهو ثالث أولاد «نفرتاري» الذكور، وقد أصبح فيما بعدُ ملكًا، وأخيرًا «سات كامس» وهي رابعة بناتها وتُوفيت في سن الثلاثين، وقد كانت تحمل الألقابَ التالية «بنت الملك»، وأخت الملك، وزوج الملك؛١٦ ولذلك يقول عنها «ويجول» إنها كانت ابنة الملك «كامس»، وإنها تزوَّجت من «أحمس» الأول، وبذلك لا تكون ابنته كما ذكر «بتري»،١٧ وقد وُجِدت موميتها مع الموميات الملكية الأخرى المحفوظة بالمتحف المصري،١٨ ويدل جسمها على أنها كانت قوية البنية تكاد تشبه الرجال في تركيب جسمها، ويبلغ طولها ما بين خمس وست أقدام، وكانت ما بين الثلاثين والخامسة والثلاثين عند وفاتها؛ لأن شعرها الأسود لم يعبث به المشيب.
مربية الملكة نفرتاري: ومن مشهورات نساء هذا العهد مربية الملكة «نفرتاري» التي تُدعَى «ري»، وقد حُفِظ جسمها بين الموميات الملكية (رقم ٦١٠٥٤)، ويدل على أنها كانت رشيقة القوام، جميلة الطلعة، ماتَتْ وهي في مقتبل العمر، وكانت ذات شعر غزير مصفوف في ضفائر عدة، وكانت صغيرة القدمين واليدين جدًّا، ويدل بروز أسنان فكها الأعلى على أنها من الأسرة المالكة.
ومن بين زوجات «أحمس الأول» الثانويات «سنسنب»، وهي التي وضعت لهذا الفرعون ولدًا اسمه «تحتمس»، وهو الذي أصبح فيما بعدُ «تحتمس الأول»، ولما كان من غير زوجته الأولى أصبح لا يستحق وراثة الملك، بل تولَّى العرشَ بعد وفاة «أحمس» ابنُه «أمنحت» الأول كما يقول «بتري»، غير أن ذلك غير محقق.١٩

(٦) بعض آثار هذا الفرعون

ولا يفوتنا أن نذكر هنا أنه وُجِد لهذا الفرعون بعض آثار أخرى، منها آنية من المرمر محفوظة بالمتحف المصري، ومنقوش عليها اسمه،٢٠ وآنية للزينة على شكل صقر من الخزف الأزرق،٢١ وقد رُسِم على أحد جوانب قاعدته صورة ثلاثة أسرى؛ سوداني، وسوري، ولوبي، على أن ما يلفت النظر في هذا النقش هو وجود لوبي بين أولئك الأسرى؛ ممَّا يدل على أن هذا الفرعون قد حارَبَ اللوبيين، اللهم إلا إذا كان هذا الرسم تقليديًّا وحسب، فإنه لا يدل على قيام أية حرب بينه وبين اللوبيين.
ووجد «شفرييه» حديثًا قطعة من الحجر يستدل منها على أنها جزء من جدار معبد له، وجدها في حشو «البوابة» الثالثة، في أثناء٢٢ العمل في معبد «الكرنك».
ووجد له كذلك عدة جعارين محفوظة في كثير من متاحف أوروبا، وبخاصة المتحف البريطاني، و«متحف اللوفر»، ومتحف «ليدن»، ومتحف «تورين».٢٣
وله كذلك تمثال مجاوب في المتحف البريطاني من الجرانيت المحبب،٢٤ وتمثال صغير من الحجر الجيري الأبيض في متحف «تورين».٢٥

(٧) مومية أحمس الأول

وتدل مومية هذا الفرعون الذي تدين له مصر بتحريرها النهائي من ربق عبودية الهكسوس، وبتأسيس أسرة تُعَدُّ من أشهر أسر العالم إن لم تكن أعظمها، مما جعله من أعظم ملوك التاريخ المصري، على أنه مات في ربيع العمر بين الأربعين والخمسين، وكذلك نستنبط من موميته التي وُجِدت بين الموميات التي عُثِر عليها في خبيئة الدير البحري، أنها لرجل قوي الجسم عظيم المنكبين عريضهما، طوله نحو خمسة أقدام، وست بوصات، أسود الشهر مجعده، له ثنايا بارزة بعض الشيء، وتلك من مميزات الأسرة، وقد طوَّق جيده إكليل من الأزهار.

fig21
شكل ٤: مومية أحمس الأول.

(٨) الأميرة أحمس حنت تمحو والدة حتشبسوت

وبالإضافة إلى زوجته الأولى تزوَّج من نساء عدة، نذكر منهن غير ما ذكرناه آنفًا الأميرة «أنحابي» التي وضعت له ابنةً أطلق عليها الأميرة «أحمس حنت تمحو»، وهي التي يقال إنها أنجبت له من «تحتمس» الأول حتشبسوت الذائعة الصيت، ومن ثَمَّ نرى أن «أحمس الأول» لم يكن مؤسس الأسرة الثامنة عشرة فقط، بل كان له نصيب وافر في أنه أنجب لهذه الأسرة بعض أفرادها المشهورين.

(٩) عبادة أحمس الأوَّل

والظاهر أن عبادة «أحمس الأول» كانت منتشرة في البلاد، وبخاصة في العرابة المدفونة حيث أُقِيم له ضريح وهمي وشعائر دينية، وقد ظلت عبادته حتى عهد الأسرة التاسعة عشرة؛ وبخاصة لأن تمثاله كان يقوم بالفصل في المخاصمات التي كانت تقوم بين أفراد الشعب، ولا أدل على ذلك ممَّا جاء على اللوحة التي عُثِر عليها في «العرابة المدفونة»، وهي محفوظة الآن بالمتحف المصري (راجع: A. S. XVI. p. 161).

وهذه اللوحة أقامها كاهن مطهر للإله «أوزير» ويُدعَى «موسى»، ويُشاهَد في أعلاها صورة السفينة المقدسة يحملها ثمانية من الكهنة، وفي وسطها محراب للإله «أحمس الأول»، وأمامه صورة الملكة «نفرتيتي» تلوح بكلتا يديها صاجتين، ويرى أمام السفينة الكاهن «موسى» يتضرع للإله «أحمس» ليحكم في صالح ابنه «باسر».

ويتلخص ما جاء من النقوش على هذه اللوحة فيما يأتي:

كان «باسر» بن «موس» يملك حقلًا ادَّعى بعض الأهالي ملكيته (على ما يظهر)، وقد كان يظن أن «باسر» لا بد أن يرفع للإله أوزير وكهنته ظلامته؛ إذ إنه هو الإله الأعظم في تلك المنطقة، غير أنه رفعها إلى الملك «أحمس الأول» الذي كان على ما يظهر على جانب عظيم من القداسة بوصفه مؤسس الأسرة الثامنة عشرة، والظاهر أن الحكم في هذه القضية قد صدر بحركةٍ قام بها حامل المركب المقدسة التي كانت تحتوي محراب تمثال الإله؛ وهذه الحركة كانت إما بلفته نحو صاحب الحق، وإما بإشارة من التمثال نفسه، وفي كلتا الحالتين كان هذا من عمل الكهنة أنفسهم؛ وهذا هو نفس ما نشاهده اليوم عندما يحمل جثمان أحد المشايخ، فإننا نشاهد الحملة يُحدِثون مثل هذه الحركات المصطنعة، فيقفون طويلًا أو يلتفتون نحو مكان خاص، ويفسرون ذلك بأنه كان مرتاد الشيخ، ومن الأماكن المحببة إليه، وأظن أن مثل هذه الحركات تأتي من إيحاء نفسي يصوِّره الخيال والشعور بالرهبة والخوف، فيتمثَّل حقيقةً في أذهان الحملة، وقد يكون ذلك كله محض تمويه واختلاق يدفع إليه الرشوة أو المحاباة.

(١٠) رجال الدولة والحياة الاجتماعية في عهد أحمس الأول

(١٠-١) مقدمة

عندما يفحص المؤرخ تاريخَ مصر في أي عصر من عصورها القديمة، تعترضه صعوبةً لا يمكن التغلُّب عليها إلا بعد بحوث طويلة قد لا تُجدِي في النهاية، وبخاصة عندما يريد إبراز شخصية فرعون من آثاره التي تركها لنا؛ حقًّا يمكننا أن نعرف طراز الفرعون الخاص، أما إبراز شخصيته وبيان الناحية التي ظهر فيها فذًّا ممتازًا، فذلك لا يتسنى لنا إلا في حالات قليلة جدًّا؛ لأنَّا نرى كل فرعون يحدِّثنا في آثاره عن فتوحه في الخارج، وما قام به من مبانٍ وأعمال ضخمة في داخل مملكته، في جمل وعبارات ومناظر تقليدية ثابتة تناقلتها الملوك منذ فجر ظهور الوثائق المدوَّنة، مثل منظر ضرب الفرعون المظفر أعداءه بصولجانه، وقد وجدناه للمرة الأولى على لوحة «نعرمر»، وقد بقي هذا المنظر ينتحله كل ملك بعده حتى العهد الروماني، وهذه التقاليد ثابتة في المناظر الملكية. هذا ونجد مثل ذلك في النقوش التي من هذا الصنف، فكانت متبعة عن قصد؛ لأن كل فرعون يرغب في أن يظهر أمام العالم بأنه هو الملك المؤله التقليدي، وكان لذلك تأثيره السيئ على فهمنا تاريخ أولئك الملوك. ولما كانت العادات تحتم أن يُوصَف الفرعون أو يُمثَّل وهو يقوم بعمل خاص، فإن كل فرعون كان يرغب في اتِّبَاع هذا التقليد دون مراعاةٍ للصدق في القول أو العمل؛ ففي عهد الأسرة الثامنة عشر مثلًا كان من مفاخر الملوك أن يسيروا على رأس جيوشهم، ويقهروا بلاد آسيا ويعودوا منها بالغنائم، وقد ذكر لنا «أمنحتب الثالث» وكذلك «توت عنخ آمون» أنهما ذهبا إلى بلاد آسيا وقهرَا الأعداء، والواقع أنهما لم يذهَبَا قطُّ إلى هذه الجهات للغزو والفتح كما تحدِّثنا الآثار صراحةً عن ذلك كما سيأتي بعدُ.

وكذلك نعلم أن «تحتمس الرابع» قد سار على رأس جيشه وهزم السوريين، وخلَّدَ انتصاراته برسم إحدى المواقع على ظهر عربته التي عُثِر عليهما في قبره، وقد أراد «توت عنخ آمون» أن يظهر هو من ناحيته بدور الفاتح، فترك لنا رسمَ موقعةٍ حربيةٍ على جدران أحد الصناديق التي وُجِدت في قبره، وهو كما نعلم لم يذهب قطُّ إلى ساحة القتال؛ كل ذلك يجعلنا نشك كثيرًا في القيمة التاريخية للمناظر التي تركها لنا أولئك الملوك.

حقًّا في استطاعتنا أن نستخلص بعض حقائق تاريخية من النقوش الملكية في كثيرٍ من الأحوال، على الرغم ممَّا فيها من مبالغات، ولكن إذا أردنا أن نعلم شيئًا عن الحالات الاجتماعية المعاصرة لكل فرعون، أو نختلس نظرات سانحة عن شخصيات أولئك الفراعنة وشعوبهم؛ فعلينا أن نوجه عنايتنا وكل اهتمامنا إلى النقوش التي تركها لنا كبار رجال الدولة الذين كانوا يقومون بالأعمال الحكومية في عهد كل ملك، ويتعاملون مع أفراد الشعب من كل الطبقات؛ فالواقع أن الموظف المصري منذ عهد الدولة القديمة كان شخصًا مغرمًا بالتحدُّث عن نفسه؛ إذ كان دائمًا حريصًا على أن يذكر لخلفه كلَّ ما قام به من أعمال جليلة، وما ناله من شرف وفخار على يد سيده الفرعون مدة خدمته له، ولا شك في أننا مدينون لمثل أولئك الأفراد وما دوَّنوه على جدران مقابرهم، بجزء كبير من تاريخ البلاد الحقيقي، أيْ تاريخ البلاد الاجتماعي؛ فإن الموظف عندما كان يعدِّد لنا ما ناله من مِنَح وشرف على يد مليكه، يذكر لنا لمحات هامة عن أعمال سيده وعلاقته بشعبه، بل أحيانًا تسعدنا المقادير فنجد بعض المناظر في قبور علية القوم، يظهر فيها الفرعون وأفراد أسرته؛ فمثلًا يدين التاريخ لما دُوِّن على مقابر رجال عهد «أخناتون» في معرفة عصر الانقلاب الديني الذي قام في عهده، وأكثر من ذلك النقوش التي تركها لنا كلٌّ من «أحمس بن أبانا» و«أحمس بننخبت» اللذين عاصَرا أوائل ملوك الأسرة الثامنة عشرة، فهي تُعَدُّ حتى الآن مصدرنا الوحيد عن الحروب التي شنَّها «أحمس الأول»، ومن بعده «أمنحتب الأول» و«تحتمس الأول» لطرد الهكسوس من مصر؛ هذا فضلًا عن أن المقابر التي بقيت محفوظةً بعض الشيء من عهد الأسرة الثامنة عشرة، قد وُجِد على جدرانها مناظر عدَّة تكشف لنا الغطاءَ عن حياة القوم الاجتماعية والدينية والسياسية معًا.

ومُمَّا يُؤسَف له جد الأسف أن عهد باكورة الأسرة الثامنة عشرة كان فقيرًا في المقابر الشعبية المؤرَّخة التي تحتوي على مناظر ونقوش، ممَّا نحتاج إليه في كشف النقاب عن أحوال البلاد الداخلية وأحوال معيشة أهلها وعاداتهم، وبخاصة أخلاقهم.

على أننا مع ذلك عندما نفحص تاريخ موظفي هذا العصر وألقابهم الرسمية، نرى بعض الضوء على كثير من النقط الغامضة في تاريخ البلاد، وبخاصة من الوجهة الإدارية والدينية.

فمنذ عهد «أحمس الأول» نجد أن الألقاب الدينية المحضة قد أخذت تفسح الطريق لغيرها من الألقاب الحربية والإدارية الجديدة، على أننا نجد مع ذلك أن الفرد الواحد كان يشغل عدة وظائف في آنٍ واحد، ولا بد من أن نشير هنا إلى أن الأفراد الذين كانوا يحملون هذه الألقاب معظمهم من عامة الشعب، الذين كوَّنوا أنفسهم بأنفسهم في تلك الفترة التي اختفى فيها كلُّ الأمراء الوراثيين الذين قد قُضِي عليهم منذ نهاية الأسرة الثامنة عشرة.

وقد كان من أول نتائج توسيعِ رقعة البلاد ومدِّ حدودها في الجنوب، أنْ عيَّنَ الفرعون نائبًا له في السودان كما فصَّلنا القول في ذلك، وكذلك كان من جرَّاء ظهور «طيبة» واتخاذها عاصمةً للملك بوصفها مقرَّ الإله «آمون»، أنْ عُيِّن لها حاكم خاص أُطلِق عليه لقب «عمدة المدينة الجنوبية»، كما أصبح للإله «آمون» أملاك خاصة وموظفون مختصون بإدارة شئون أملاكه التي كانت وقفًا عليه في آسيا وبلاد النوبة، وقد أصبح اسمه يُقرَن بهذه الوظائف مثل «مدير مخازن غلال الإله آمون»، كما كان يُقرَن اسم الفرعون باسم كل إدارة من إدارات مملكته.

ولا شك في أن ذلك يدلنا على كيفية زيادة ثروة الإله «آمون» بما كان يقدِّمه له الفرعون من أموال وأملاك، حتى انتهى الأمر إلى أن أصبحت أملاكه ورجاله إدارته يمثِّلون حكومةً في قلب حكومة الدولة؛ هذا فضلًا عن عظم سلطانه الديني في البلاد، فنجد مثلًا أن نائب بلاد «كوش» المسمَّى «سني»، الذي بدأ حياته الحكومية في عهد «أحمس الأول»، وبقي في خدمة الحكومة حتى عهد «تحتمس الثاني»؛ قد بدأ يصعد إلى قمة المجد بوظيفة «مدير مخازن غلال الإله آمون» و«مدير الأعمال في الكرنك» (راجع: Urk, IV. p. 40). وعلى الرغم من أن هذه الألقاب كانت موجودةً في وظائف الدولة منذ عهد الدولة القديمة، إلا أنها بدأت تأخذ معاني جديدة وسلطانًا أعظم في عهد الدولة الحديثة؛ فمثلًا وظيفة «مدير أعمال الفرعون في الكرنك» كانت تدل على بداية قيام مبانٍ ضخمة جدًّا في هذه البقعة، ممَّا جعل «طيبة» إحدى عجائب العالم، وأعطى حامل اللقب مكانًا عليًّا لم يكن يحلم بمثله ندُّه في عهد الدولة القديمة أو الدولة الوسطى، ومن التجديدات الهامة التي تسترعي الأنظارَ في الدولة الحديثةِ الوظائفُ والألقاب التي اكتسبتها المرأة في هذه الفترة.

والواقع أن المرأة المصرية، لم تكن محجوبة عن الأنظار كما هي العادة في التقاليد الشرقية، بل كانت الملكة والفلاحة على السواء تظهر كلتاهما في المجتمع منذ الدولة القديمة، ولكن ظهور المرأة في المجتمع الراقي قد ازداد زيادة محسة في عهد الدولة الحديثة، وبخاصة لتمسُّك القوم بتقاليد وراثة الملك، وما كان للمرأة من نصيب في حكم البلاد، فكان للملكة حاشيتها الخاصة وأملاكها وموظفوها، وقد عظم سلطان الملكات حتى كُنَّ يعيِّنَّ أصحابَ الحظوة عندهن في أعلى مناصب الدولة، وكذلك أخذ الفراعنة يتخذون لأنفسهم وصيفات وخليلات ومربيات ومرضعات لأولادهن، وقد نتج عن ذلك أن كلَّ مَن اتصل بأولئك النسوة عن طريق النسب أو المصاهرة، يمنح أعظم الوظائف في الدولة كما سنشرح ذلك في حينه.

ولما جُلِبت الخيلُ إلى مصر في تلك الفترة، وأُنشِئ أسطول بحري للبلاد، خُلِقت وظائف جديدة لم تكن معروفةً من قبلُ بطبيعة الحال، هذا فضلًا عن أن علاقات مصر بما جاورها من البلاد قد أوجَدَ في البلاط الفرعوني جوًّا جديدًا وحياة جديدة، دعَتْ إلى إنشاء وظائف عدة لم يُسمَع بمثلها في عهد الدولة المصرية السابقة.

والآن سنحاول هنا فحص ألقاب أهم الموظفين في عهد الأسرة الثامنة عشرة، وما تركه كلٌّ منهم من آثار هامة يمكن أن تكشف لنا عن بعض نواحي حياة القوم في خلال هذه الأسرة، وسنتناول فحص آثار كل موظف وتاريخ حياته الحكومية في عهد الملك أو الملوك الذين عاصَرَهم، وبخاصة من الناحية الاجتماعية بقدر ما تسمح به الأحوال.

(١٠-٢) أحمس بن أبانا

كان «أحمس بن أبانا» في نظر المؤرخين المحدثين أهمَّ شخصية بين موظفي عهد «أحمس الأول»، وقد كان يحمل الألقاب التالية: (١) رئيس بحارة الفرعون. (٢) ورئيس بحارة ملك الوجه القبلي والوجه البحري الملك «زسر كارع» (أمنحوتب الأول). (٣) وحاجب الملك. على أن ألقابه لا يمكن أن نستخلص منها كثيرًا عن حياته، ولكنه ترك لنا على جدرانَ قبرِه في «الكاب» ترجمةَ حياته التي يحدِّثنا فيها عن شجاعته، وما ناله من فخار وترف، ولحسن الحظ قد قصَّ علينا فيها تاريخ الحروب التي شنَّها الفرعون «أحمس» على الهكسوس، وكانت نتيجتها طردهم من البلاد، وهذه الوثيقة تُعَدُّ مصدرنا الهام عن حرب الخلاص كما سبق شرحه؛ والمناظرُ التي تركها لنا على جدران قبره قليلةٌ فقد حُطم معظمها، وما بقي منها يقدِّم لنا معلوماتٍ ضئيلةً عن أسرته، فنرى من بينهم أحدَ أحفاده المسمَّى «جر إري»، الذي كان يحمل لقب «رسام آمون»، وقد مثل واقفًا أمام والده، كما نشاهد حفيدًا آخَر يُدعَى «باحري» ويشغل وظيفة «رسام آمون»، وقد نُقِش منظره واقفًا أمام جده «أحمس بن أبانا» وزوجه يرتل صيغة القربان.

وقد مثل «أحمس أبانا» وزوجه جالسين معًا، وتحت كرسيهما قرد أليف يأكل من سلة فاكهة، وقد كان يقلد في ذلك «أحمس» الذي كان يمدُّ يده ليأخذ بعض الطعام من مائدة قربان أمامه، غير أن هذه المائدة لم تُصوَّر على الجدار، ولكن النقوش تدل على وجودها، وهذا يعني أن المفتن لم يتم رسم المنظر.

(١٠-٣) أحمس بِننخبت

وكذلك ظهر في بلدة «الكاب» جندي آخر في هذه الآونة يُسمَّى «أحمس بننخبت»، وكان يحمل لقب «محارب الفرعون»، ولقب «حامل الخاتم»، و«حامل خاتم الوجه البحري»، وهذا اللقب الأخير يرجع تاريخ استعماله إلى الدولة القديمة. هذا، إلى أنه كان يحمل ألقاب الشرف القديمة الآتية: «الأمير الوراثي والحاكم والسمير الوحيد»، وقد كانت في الأزمان القديمة ألقابًا تحمل معناه الحقيقي، غير أنها أصبحت في ذلك العهد تُمنَح مثل ألقاب الشرف والأوسمة الحالية. وقد لعب «أحمس بننخبت» مثل «أحمس بن أبانا» دورًا هامًّا في حروب الهكسوس، وقد ترك لنا تاريخ حياته على جدران قبره في «الكاب»، وقد بلغ من العمر أرذله؛ إذ امتَدَّ به الأجل حتى عهد «تحتمس الثالث» والملكة «حتشبسوت»، وقد كانت آخِر وظيفة شغلها هي (مربي الأميرة «نفرو رع» ابنة «حتشبسوت») كما ذكرنا ذلك.

(١٠-٤) «سني»

أما «سني» الذي تحدَّثنا عنه فيما سبق، فقد بدأ حياته في عهد «أحمس الأول» حتى عهد «تحتمس الثاني»، وقد كانت دائرة عمله في الأصل بلدة «طيبة»؛ حيث كان يشغل وظيفة «أمير» أو «عمدة المدينة الجنوبية»، و«المشرف على مخازن غلال آمون»، و«مدير أعمال معبد الكرنك»، وقد عُيِّن فيما بعدُ «نائب الملك صاحب كوش» ولُقِّب ﺑ «ابن الملك» و«المشرف على الأراضي الجنوبية» (راجع: Urk. IV. p. 40, 142).

(١٠-٥) نفر برت

ومن رجال هذا العصر «نفر برت» الذي كان يُلقَّب «مدير الخزانة» إلخ كما أسلفنا.

(١٠-٦) عاباو

وكان من أهم الأسلاب التي يستولي عليها الفرعون من البلاد الأجنبية الماشية؛ ولذلك كان المشرف على ماشية الفرعون يُعَدُّ من الموظفين الذين لهم أهمية، ومن بين هؤلاء «عاباو» الذي كان يُلقَّب بالمشرف على ثيران الفرعون «أحمس الأول»، وقد عُثِر له على لوحة في حفرة شجرة من التي غُرِست في معبد «سيتي الأول» في العرابة (راجع في J. E. A. Vol. XIX & XXII, 2).

(١٠-٧) باكا

وتدل النقوش على وجود مشرف آخَر على الماشية في عصر هذا الفرعون أيضًا، ويُدعَى «باكا»، وقبره في «طيبة» الغربية بذراع أبو النجا (Gauthier, Dra Abu’l’Naga p. 49).

(١٠-٨) إيوف

ذكرنا فيما سلف أن الملكات العظيمات اللاتي عشن في باكورة الأسرة الثامنة عشرة كنَّ يحتفظن بموظفين يقومون على خدمتهن الخاصة، ومن بين هؤلاء الموظفين الذين تركوا لنا شيئًا عن أعمالهم «إيوف»، الذي يقصُّ علينا خبرَ المِنَح التي نالها من اثنتين من هؤلاء الملكات على لوحةٍ عُثِر عليها في «إدفو»، فيقول لنا إنه بدأ خدمته في عهد الملكة «أعح حتب» والدة «أحمس الأول»، وظل في الخدمة حتى عهد الملكة «أحمس» زوج «تحتمس الأول» ووالدة الملكة «حتشبسوت»، والمتن الذي على هذه اللوحة هو:
قربان يقدِّمه الفرعون «لحور إدفو» و«أوزير» و«أزيس»؛ ليقدِّموا خبزًا وجعة وثيرانًا وإوزًّا وكلَّ شيء طريف وطاهر، لروح الزوجة الملكية العظيمة وأم الفرعون «أعح حتب» المنتصرة، ولابنها «أحمس الأول» المنتصر. ولقد نصبني كاهنًا ثانيًا للقيام على أوقاف مائدة القربان، وحارسًا لباب المعبد، وكاهنًا مطهرًا. «أيوف بن أريت ست» يقول: «لقد أصلحتُ قبرَ بنت الملكة «سبك أم ساف» بعد أن وجدته آيلًا للخراب.» ثم يقول هذا الكاهن: «أنتم يا مَن تمرون بهذه اللوحة سأخبركم وسأجعلكم تسمعون عن حظوتي لدى الزوجة الملكية العظيمة «أعح حتب». لقد نصبتني لأقدم لها القربان، وكذلك وكَّلَتْ إليَّ أمر تمثال جلالتها، ومنحتني مائة رغيف «بنت» وعشرة رغفان «برسن»، وقدحين من الجعة، وقطعة لحم من كل ثور، وكذلك أعطيت أرضًا عالية وأرضًا منخفضة (للزرع)، وكذلك وهبتني كرة أخرى منحة، فقد أعطتني كل متاعها في إدفو لأديره لجلالتها، وكذلك أغدقت عليَّ الزوجة الملكية العظيمة «أحمس» التي يعزها «تحتمس الأول» المنتصر فضلًا آخَر، فقد نصبتني كاتبًا لحامل الخاتم الإلهي، وقد وكَّلَتْ إليَّ رعاية تمثال جلالتها، وأعطتني مائة رغيف وإناءين من الجعة وقطعةَ لحمٍ من كل ثور، وكذلك منحت أرضًا عالية وأرضًا منخفضة» (راجع: Breasted, A. R. Vol. II. Par. III. ff).

(١٠-٩) حري

وفي جبانة «ذراع أبو النجا» في «طيبة الغربية» يوجد قبر موظف يدعى «حري» كان يحمل لقب المشرف على مخازن غلال زوج الملك وأم الملك «أعح حتب» (راجع: Gardiner and Weigall, Catalogue No. 12).

غير أننا لا نعرف عن هذا الموظف غير لقبه هذا، ولم يَبْقَ لنا من رسوم قبره إلا منظر وليمة، وقد بقي يشغل وظيفته هذه حتى عهد «أمنحتوب الأول».

(١٠-١٠) تتي كي

ومن كبار الموظفين في عهد «أحمس الأول» عمدة المدينة الجنوبية «طيبة» المسمَّى «تتي كي»، وكان يُلقَّب كذلك «ابن الملك»، غير أن هذا اللقب هنا لا يعني أنه كان نائب الفرعون في بلاد كوش، كما لا يعني أنه هو ابن الفرعون نسبًا؛ لأن والده كان مجرد موظف يُلقَّب «بالمشرف على متنزه الفرعون»، وكانت أمه تُدعَى «ربة البيت»، وهو لقب يطلق على كل زوجة عادية، وعلى ذلك فهذا اللقب كان مجرد لقب فخري أعطيه «تتي كي» وحسب.

أهمية مناظر قبر تتي كي

وتشمل مقبرة «تتي كي» هذا سلسلةَ مناظر قيِّمة على الرغم مما أصابها من تكسير ومحو، والواقع أنها تُعَدُّ مثالًا من أمثلة الآثار القليلة التي عُثِر عليها في هذا العهد في «طيبة» وغيرها؛ فبوساطتها أمكننا أن نأخذ فكرة عامة عن الحياة الاجتماعية في أوائل الأسرة الثامنة عشرة؛ فهذه المناظر بغض الطرف عن أنها تُعَدُّ مثالًا عن عهد الانتقال بين الدولة الوسطى والدولة الحديثة، تمدنا ببعض نقط هامة ورسوم جديدة، كما نجد فيها المناظر القديمة التي يرجع عهدها إلى عهد الدولة القديمة (راجع: J. E. A. Vol. XI. p. 10, ff; Pl. II)؛ فنجد على الجزء العلوي من الجدار الشرقي من المزار منظرًا مزدوجًا، مُثِّل فيه عبادة البقرة المقدسة «حتحور» العزيزة سيدة «دندرة»، وهنا نشاهد الملكة «أحمس نفرتاري» تحرق البخور وتصب الماء على قربان محروق وُضِع أمام البقرة المقدسة، التي يشبه لون جلدها لون البقرة التي على توابيت ملكات الفرعون «منتوحتب» (راجع ج٣). والظاهر أن هذا أول منظر من هذا النوع نشاهده في مقبرة خاصة، على أن طراز الرسم هنا يذكرنا بطراز الدولة الوسطى.
  • منظر الوليمة: أما الجزء الأعلى من الجدار الغربي فنشاهد فيه «تتي كي» يقدِّم قربانًا، ويحرق بخورًا للإله «أوزير»، وخلفه شخصٌ يُدعَى «سورس» يُلقَّب بالمحارب يضحِّي بغزالة، وفي أسفل يُشاهَد والدا «تتي كي» وهو يقدِّم لهما قربانًا (Ibid, Pl. III)، وعلى الجدار الشمالي نرى منظر وليمة، وقد جلس فيها «تتي كي» وزوجه «سنب» في مقصورة ترتكز على عمد على هيئة سيقان البشنين، وتحت مقعدهما جلس كلبهما المسمى «عزا»، وأمامهما الضيفان نساء وعذارى؛ ويلحظ أن أحد الضيفان قد غالى في التمتع بالوليمة أكثر مما يجب، وأفرط في معاقرة الشراب حتى غلب عليه القيء، فنراه في هذه الحالة وإحدى السيدات تقدِّم له بشفقة إناء يفرغ فيه ما زاد على جوفه (Ibid, Pl. IV)، على أن منظر القيء الذي كان يحدث لأولئك الذين يفرطون في المأكل والمشرب في الولائم يُرى هنا للمرة الأولى في عهد الدولة الحديثة على ما يُظن، ولم يكن هذا يقتصر على الرجال، بل تعدَّاهم إلى السيدات، فنراهن وقد أخذت منهن الخمر المصرية اللذيذة كلَّ مأخذ يَقِئْنَ من شدة الإفراط.
  • الإشراف على الحصاد: ومن المناظر الطريفة التي أخذت تظهر منذ هذا العهد، المنظرُ الذي مُثِّل فيه «تتي كي» وزوجه وهما جالسان تحت شجرة يشرفان على آخِر مرحلة للحصاد في حقلهما، فنرى أمام «تتي كي» رجالًا وبناتًا يذرون الحبوب التي كانت تُوضَع بعد ذلك في حقائب، وتُحمَل على ظهور الحمير، وقد خارت قوى حمار ناء بحمله، وبعد ذلك تُجمَع الحبوب حتى تصير كومة كبيرة حيث تُكال ويدون مقدارها كاتب جلس فوق كومة القمح، وهذه المناظر كانت مستعملة في الرسوم بطبيعة الحال منذ الدولة القديمة، ولا تزال تُشاهد حتى الآن في ريف مصر وصعيدها.
  • الاحتفال بالجنازة: أما الجدار الجنوبي فقد خُصِّص لمناظر الاحتفالات الجنازية، وقد كان معظمها يُستعمَل منذ عهد الدولة الوسطى، وكذلك في عهد الدولة القديمة (Ibid. Pl. V)، ففي الجزء الأعلى نشاهد تابوتَ المتوفى تحت عرش، وقد وضع على زحافة يجرها ثوران وثلاثة رجال، ونشاهد مثل هذا المنظر في مقبرة «نب كاوحر» التي كشفنا عنها في سقارة (A. S. Vol. XXXVIII. Pl. XCVII)، وكذلك نشاهده في مقبرة «سنفرو آني مرتف» في دهشور (De Morgan, “Fouilles à Dahchour” Pl. XXII)، غير أنه في كلٍّ من هذين المثالين يُرَى أن التابوت قد وُضِع على قارب صغير بدلًا من الزحافة، وأنه كان يُجَر برجال فقط، وقد ظهرت الثيران والزحافات في عهد الدولة الوسطى في مقبرة «أنتف أقر» (Davies and Gardiner, The Tomb of Antefoker, Pl. XIX, XXI)، ونلحظ في هذا المنظر أنه يتقدم نحو الجنازة راقصون يسمون «موو» يرقصون رقصة جنازية خاصة، ويرجع تاريخ هذه الرقصة وممثليها إلى عهد الدولة القديمة، وقد عُثِر عليها أول مرة في مقبرة «نب كاوحر» في سقارة.

    ومن المناظر الهامة كذلك هنا المنظر الذي نشاهد فيه مومية المتوفى موضوعة في محراب على تلٍّ من الرمال وأمامها كاهن يحرق البخور، وهذا المنظر جزء من الاحتفال بفتح الفم الذي نقرأ عنه في متون الأهرام، ونشاهده كذلك في مقابر الدولة القديمة، وسنتكلم عنه في ترجمة الوزير «رخ مي رع».

  • شعيرة تكنو: وفي مناظر مقبرة «تتي كي» نشاهد كذلك منظر إقامة الشعيرة الغامضة المسماة إحضار «تكنو»، فيشاهد رجل ملفوف في عباءة إلا رأسه، على أن صفة هذه الشعيرة الحقيقية غير معروفة، والظاهر أنها تمثِّل تضحية إنسان، ويحتمل أنها تمثِّل شعيرة قديمة تنحصر في ذبح خدم ليكونوا مع سيدهم في عالم الآخرة (راجع: Gardiner, The Tomb of Amenemhet, p. 51. & 52).
  • مركز المرضعة الملكية: وفي المنظر الذي مثلت فيه «أحمس نفرتاري» تتعبد للبقرة «حتحور» صورة امرأة واقفة خلف الملكة مباشرة، وقد كُتِب عليها مرضعتها «تتي حمت»، والظاهر أن هذه المرأة هي إحدى أقارب صاحب المقبرة «تتي كي»، ولا غرابة في أن نرى رسمها هنا؛ لأن مركز المرضعة الملكية على وجه عام كان له أهمية كبرى وتأثير عظيم كما سنرى بعدُ، فقد كان زوج المرضعة الملكية وأولادها يشغلون في كثيرٍ من الأحوال مناصبَ عظيمة في الدولة.

(١٠-١١) رعي

وقد حفظت لنا الآثار اسم مرضعة أو مربية أخرى للملكة «أحمس نفرتاري»، وتُلقَّب: مرضعة زوج الإله «أحمس نفرتاري» المرحومة، وهي السيدة «رعي»، وموميتها من أحسن الموميات التي بقيت سليمة بين موميات خبيئة الدير البحري (Elliot Smith, “The Royal Mummies”, Pls. VI).

(١٠-١٢) تحوتي

ومن الموظفين الذين عاصروا «أحمس الأول» الكاهن الأكبر للإله «آمون رع» المسمى «تحوتي»، وكان يحمل كذلك لقبَ المشرف على حاملي الأختام.

ومن المدهش أنه لم يُعثَر له للآن على آثار غير مخروط واحد في جبانة شيخ عبد القرنة (راجع: Legrain, “Repertoire”, p. 9. No. 14)، مع عظم مكانته بين موظفي الدولة.
١  راجع: L. D. III. Pl. 47c.
٢  راجع: Meyer, “Gesch.” II, 1. p. 54-55.
٣  لم تذكر ألقاب هذا الفرعون الخمسة كلها على أثر واحد خلافًا لهذه اللوحة (راجع: Gauthier L. R. Vol. II. p. 177. (V)).
٤  كوم الخبيزة الحالية في شمال الدلتا، وهي التي وُلِد فيها حور أو أهل الشمس أو بنو الإنسان كما يقول جاردنر (Onomastica Vol. I. p. 112).
٥  الحنممت قد يُقصَد منها رجال الدين كما يقول «إدورد مير».
٦  رخيت هم المواطنون سكان الدلتا.
٧  راجع: Furtwangler, Die Antiken Gemmen III, 20; Fimmen, “Die Kretische-Mykenische Kultur”, p. 204. ff.
٨  راجع: L. D. III, Pl. 3; Petrie, “History”, II, p. 37.
٩  راجع: A. S, XI, p. 176.
١٠  راجع: Wiedemann, “Gesch”. p. 316.
١١  راجع: Petrie, “History”, II, p. 37. ff.
١٢  راجع: Maspero, “Guide” No, 1173. bis.
١٣  راجع: Catalogue of Cairo Museum, No. 61. 55.
١٤  راجع: Ayrton, Currelly, Weigall, “Abydos”, III, Pl. LII.
١٥  راجع: Petrie. “Abydos”, II, XXXII.
١٦  راجع: Maspero, “Momies Royales”, p. 541.
١٧  راجع: Petrie, “History”, Vol. II. p. 43.
١٨  راجع: Cat. Cairo Mus No. 61063.
١٩  راجع: Petrie, “History”, II, p. 43.
٢٠  راجع: Mariette, “Catalogue de Boulaq”, 6me. Ed. 536.
٢١  راجع: Mariette, “Monuments”, p. 52.
٢٢  راجع: A. S, Vol. XXXVI. (1936) p. 137.
٢٣  راجع: Gauthier, L. R. Vol. II. p. 179-80.
٢٤  راجع: Budge, “History” Vol. III. p. 185.
٢٥  راجع: Orgurti, “Catalogo Illustrato dei Monumenti Egizii del R. Museo di Torino”. II. p. 72. & No. 39et. Regio museo de Turino I. p. 412. No. 3032.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤