تحتمس الثالث – انفراده بالحكم

مقدمة

لقد كان موضوع الخلافة على عرش مصر في أسرة التحامسة مصدرَ نقاشٍ عنيف ومجادلات طويلة بين علماء الآثار؛ وذلك لصمت الوثائق الأثرية عن الإدلاء بتصريح واضحٍ شافٍ في هذه المسألة، فقد تناوَلَ الأستاذ «زيته» هذا الموضوعَ مرتين، وعارَضَه في رأيه علماء آخرون، وبقيت الآراء والاستنباطات لحل هذا الموضوع متضاربةً متناقضةً إلى أن كتب أخيرًا الأستاذ «إجرتون» بحْثَه المشهور بعد دراسة عميقة ردًّا على الأستاذ «زيته» عن مقاله الذي عنوانه «مسألة حتشبسوت مرة أخرى» تحت عنوان «خلافة التحامسة».١

وقد أدلى بحجج قوية تجعلنا نعتقد أن الموضوع قد حلَّ على وجه تقريبي إلى أن تطالعنا الآثار بما يدحضه أو يؤيده؛ ولذلك أصبح الرأي السائد كما ذكرتُ من قبلُ أن «تحتمس الأول» أعقبه على عرش مصر ابنه «تحتمس الثاني»، الذي تزوَّجَ من أخته من أبيه المسماة «حتشبسوت»، وبعد وفاته خلفه ابنه «تحتمس الثالث» الذي رزقه من زوجة ثانوية تُدعَى «إزيس»، وقد أصبح ملك مصر رسميًّا وهو لا يزال طفلًا لم يبلغ الحلم بعدُ، وقد نصبت «حتشبسوت» نفسها وصية عليه وعلى ابنتها «نفرو رع» التي كانت كذلك لا تزال قاصرةً، غير أنها لم تلبث أن أعلنت نفسها ملكةً شرعية على البلاد كما فصلنا فيما سبق، وقد بقي «تحتمس الثالث» منزويًا بعيدًا عن الحكم إلى أن ماتت «حتشبسوت»، ولا نعلم إذا كانت هذه الملكة العظيمة قد ماتت حتف أنفها أو من جرَّاء ثورة قام بها حزبٌ كان يناصِر الفرعون الفتى؛ ليقضي على تلك المرأة التي كانت شوكةً في جنب والده وشجًا في حلقه. وعلى أية حال فإن «تحتمس الثالث» عندما اختفت هذه المرأة من مسرح الحياة المصرية، قبض على مقاليد الأمور وأخذ ينكل بأعدائه، وهم أولئك الذين كانوا في ركاب «حتشبسوت» أو عاملين في بلاطها، ثم أخذ بعد ذلك في القضاء على كل آثارها بصورة مروعة يشهد بشناعتها وعنفها ما أحدثه من التدمير والتهشيم في الدير البحري، وبخاصة في تماثيلها وطغراءاتها، هذا فضلًا عمَّا ألحَقَه بسائر آثارها في كل أنحاء البلاد.

fig31
شكل ١: إزيس والدة تحتمس الثالث.

ولم يعترف «تحتمس الثالث» بحكم هذه الملكة، بل جعل تواريخه التي تُدوَّن بها آثاره تبتدئ بالسنة الأولى التي نُصب فيها فرعونًا لمصر عندما أعلنه الإله «رع» ووالده «تحتمس الثاني» ملكًا شرعيًّا على عرش مصر (١٥٠٤–١٤٥٠ق.م).

(١) قصة تتويج تحتمس الثالث

وقد نقش «تحتمس الثالث» منظرَ تتويجه على جدران معبد الكرنك في حفلٍ رائعٍ مثل بوصف تمثيلي تتضاءل أمامه تلك القصص الخيالية التي نقرؤها أو نشاهدها على الشاشة البيضاء. وقبل أن نتكلم عن أعمال هذا الملك الفذِّ، سنضع أمام القارئ ترجمةَ تلك النقوش العجيبة التي برَّرَ بها «تحتمس الثالث» وراثته لعرش الملك أمام شعبه الذي كان يقدِّسه.

وهذه النقوش ما تزال موجودةً حتى الآن على الجدار الجنوبي الخارجي من المباني، التي أقامها في معبد الإله «آمون» بالكرنك قبالة سلسلة الحجرات الجنوبية، التي كانت تقام فيها الشعائر الدينية «لتحتمس الثالث» و«أمنحتب الأول»، ويُحتمَل أنه نقشها في العام الثاني والأربعين من حكمه بعد أن عاد مظفرًا من آخِر حملة سار على رأسها إلى بلاد آسيا،٢ وهاك ترجمة النص على ما فيه من تهشيم:
السنة الثانية والأربعون، عقد الملك جلسة … حضر السمار … أمر ملكي لأصدقاء الفرعون … إنه الإله «آمون» والدي وأنا ابنه حينما كنت لا أزال فرخًا في عشه، ولقد أحبني حقًّا من لبه (وخصني بالملك)، وليس في ذلك مبالغة ولا مين، وكنت وقتئذٍ صبيًّا؛ إذ كنتُ لا أزال طفلًا حدثًا في معبده، ولم أكن قد أصبحتُ بعدُ كاهنًا … في جانب جلالتي، وكنتُ في هيئة الكاهن الذي يلقب عمود أمه، أيْ كنت مثل الإله «حور» الطفل في بلدة «خميس» (وتقع «خميس» في المكان المعروف الآن «كوم الخبيزة» في شمال الدلتا)، وقد كنتُ واقفًا في القاعة ذات العمد البردية الشكل الواقعة في الجهة الشمالية من المعبد (وهذه القاعة قد بناها «تحتمس الأول» بين البوابتين الرابعة والخامسة)، وعندئذٍ خرج الإله «آمون» من بهاء أفقه٣ مثل إله الشمس، وكانت السماء والأرض في عيدٍ لجمال طلعته، وعندئذٍ أتى بمعجزة عظيمة، فقد كانت أشعته في أعين الشعب كأنه «حور» إله الشمس عندما يشرق في الأفق، وعندئذٍ أخذ الشعب يبتهل إليه بالدعاء رافعين أيديهم … ثم قرب له جلالته (يقصد الملك الحاكم وقتئذٍ) البخور على النار، وقدَّمَ له قربانًا عظيمة من الثيران الكبيرة والصغيرة ومن صيد الصحراء … ثم طاف حول القاعة ذات العمد البردية الشكل مارًّا بكلا جانبيها، ولم يكن يدور في خلد الناس الذين شاهدوا عمل الإله هذا أنه يبحث عن جلالتي في كل مكان في القاعة، ولكنه عرفني عندما كنت واقفًا … وعندئذٍ انبطحت على بطني ساجدًا أمامه، فعرفني ثانيةً وأنا على الأرض، ثم انحنيت أمامه … فوقفني أمام جلالته ثم جعلني أقف في مكان السيد (وهو مكان خاص في المعبد لا يدخله إلا الملك) … وتعجَّبَ مني … وإن ما أقوله ليس ببهتان، وكان ذلك … على مرأًى من الناس، وقد حفظ سرًّا في قلوب الآلهة الذين يعرفون هذه … ولم يكن هناك ما يدل عليها … وفتح لي أبواب السماء، وفتح لي بوابات الأفق (السماء والأفق يدلان على مسكن الإله في المعبد، وهو قدس الأقداس الذي لا يدخله أحد إلا الملك)، وطرت إلى السماء بوصفي صقرًا إلهيًّا لأطَّلِع على سره الذي في السماء، ودعوت لجلالته … ورأيت المخلوقات سكان الأفق في طريقهم السري في السماء، وأجلسني «رع» نفسه وزينت بتيجانه التي كانت على رأسه وصله الفريد الذي كان على جبينه … ثم حليت بكل فضائله، وأعانني كل علية الآلهة ثم … «حور» عندما يقدم بشخصه نحو معبد والده «آمون رع».

وكذلك حليت بشرف الآلهة … وألبسني تيجاني، ونقش لي ألقابي، وثبت صقري على البوابة (شعار الملك)، وصيَّرني مظفرًا مثل الثور المنتصر، وجعلني أشرق في طيبة بوصفي «حور الثور المظفر» الذي يضيء في «طيبة»، وجعلني أتوج بتاج السيدتين (العقاب والصل، وهما رمزا الوجه القبلي والبحري)، وبارك مملكتي بوصفها مملكة «رع» في السماء وباسمي هذا صاحب السيدتين (أي: مملكة مباركة مثل «رع» في السماء)، وقد صورني صقرًا من الذهب ومنحني قوته وشدة بأسه، وكنتُ بهيًّا بتيجاني هذه وباسمي هذا «حور الذهبي» (أي: القوي صاحب البأس الفخم التيجان)، وقد جعلني أشرق بوصفي ملكًا على الوجه القبلي والوجه البحري (منخبرع)، وإني ابنه الذي خرج كريم الولادة مثل الإله صاحب «حسوت» (أي: «تحوت» إله العلم)، وإنه يضمُّ كل صوري، بوصفي ابن الشمس «تحتمس سما خبر» له الحياة أبد الآبدين، وقد جعل كل الأراضي الأجنبية تأتي خاضعةً لقوة جلالتي؛ لأن الفزع مني كان في قلوب قبائل الأقواس التسعة، وكل البلاد وُضِعت تحت موطئ قدمي، وكذلك جعل النصر في ساعدي، وبذلك أمد حدود مصر.

وقد فعل ذلك والدي «آمون»؛ لأن حبي كان عظيمًا من لدنه، وكذلك فرح بي كثيرًا أعظم من فرحه بأي ملك آخَر وُجِد على الأرض منذ خلقت، وإني ابنه محبوب جلالته وما ترغب فيه نفسي يُنفَّذ.

ومما سبق نعلم أن «تحتمس الثالث» أراد أن يقابل أقصوصة تولي حتشبسوت عرش الملك بمثلها، ويثبت للعالم أن الإله ووالده هما اللذان وضعاه على عرش مصر، وأن ما فعلته «حتشبسوت» كان اغتصابًا.

(٢) الملك الذي كان يحكم عند تولية تحتمس الثالث عرش الملك

على أن العقدة التي لم تُحَلَّ بعدُ في هذا المتن هي أننا لم نقف بعدُ على شخصية الملك الذي كان يحكم البلاد وقتئذٍ، هذا فضلًا على أننا لم نعرف ماذا وقع من الأحداث بعد هذا المنظر؛ لأن النقوش مع الأسف وُجِدت مهشمة عند اسم الملك الذي حضر هذا الحفل؛ لأن «تحتمس الثالث» لا بد كان قد ذكر اسمه وهو يقصُّ علينا قصته الخارقة للعادة، من أجل ذلك سنضطر هنا إلى الاستنباط ممَّا بقي لنا من الآثار، فعلى حسب نقوش «إنني» نعلم أن «تحتمس الثالث» تولى العرش بعد وفاة «تحتمس الثاني»، غير أن بعض المؤرخين يعزو تولية «تحتمس الثالث» إلى مؤامرةٍ قام بها كهنة معبد «آمون»، وعلى رأسهم الكاهن الأعظم، على أن وقائع الأحوال وتقاليد وراثة العرش في تلك الفترة لا تُشعِر بأية مؤامرة ظاهرة؛ إذ نقرأ في النقوش سردَ حوادث الاحتفال الرسمي الذي انتُخِب فيه الفرعون الذي كان على عرش الملك في «طيبة» وقتئذٍ وإرثه من بعده، ولكن بصورة تمثيلية تدعو إلى العجب ممَّا جعلها من المعجزات، وهذا الفرعون الذي انتُخِب هو «تحتمس الثالث»، حقًّا إن تدخُّل الإله آمون المباشِر في انتخاب الفرعون قد يكون فيه ما يشوِّش فكرَ القارئ، ويجعله يظن أن ذلك كله كان حديث خرافة؛ لأنه خارق للمألوف، ولكن لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الدهشة أو العجب عند المصري القديم، بل قد لا يكون فيه غرابة للقارئ الحديث إذا وقف على الدور الهام الذي كان يلعبه الإله، أو بعبارة أخرى الكهنة، في حكم البلاد في تلك الفترة؛ أليس هو الإله الذي كان يُعتبَر والد الفرعون، وإن هذا الادِّعاء كان يُعلن ويُعرف في كل العالم أجمع، ولدينا قصة تولية «حتشبسوت» التي دوَّنتها على جدران معبدها بالدير البحري شاهد عدل، ولقد قلَّدها في ذلك فيما بعدُ «تحتمس الثالث» في معبد الأقصر، ثم «الإسكندر الأكبر»، ثم يوليوس قيصر.

وفي كثير من الأحوال عندما كانت تحتم الظروف، كان لا بد قبل التتويج من عمل انتخابٍ للملك من بين أعضاء الأسرة المختلفين، إذا لم يعقب الفرعون ولدًا يخلفه على العرش من دم ملكي طاهر، وليس لدينا معلومات أكيدة عن كيفية الاحتفال بهذا الانتخاب إلا من عصور متأخرة.

(٣) وصف الاحتفال بتتويج تحتمس

إن نقوش تولية «تحتمس الثالث» تضع أمامنا لأول مرة المناظر التي كانت متَّبَعة بعد التتويج في «طيبة»، في خلال النصف الأول من عهد الأسرة الثامنة عشرة؛ ولما كانت النقوش التي سردناها هنا ليست واضحة، فقد آثرنا أن نستعرضها هنا بصورة جلية؛ ذلك أنه كان يُحدَّد يومٌ لتتويج الفرعون مقدمًا، وعند حلول هذا اليوم كان الكهنة يضعون الفرد الذي سيقع عليه اختيار الإله الأعظم «آمون» في قاعة المعبد العظمى، ثم يخرج بعد ذلك الإله من محرابه في موكبٍ محمولًا على الأعناق في سفينته الإلهية، ثم يتقبَّل التضحية المقدسة التي كانت تُعَدُّ لمثل هذا الاحتفال العظيم، ثم يُحمَل بعد ذلك الإله على الأعناق ويطوف في أركان القاعة باحثًا عن ابنه الذي سيوليه العرش، وعندما يصل إلى المكان الذي يقف فيه هذا المحظوظ يوحي إليه، فيقدِّمه له الملك الجالس على العرش فعلًا، وفي العادة يكون أباه، ثم يملي عليه الإله ألقابَ التتويج الرسمية التي سيحملها مدةَ حكمِه، وهذا هو ما حدث بالضبط عند تتويج «تحتمس الثالث»، والواقع أن نغمة هذه النقوش كانت لا تُشعِر بأي شيء مستغرب في نظر المصري، بل كان كل شيء فيها يجري عاديًّا.

وعلى أية حال لم نفهم منها أن هناك روح ثورة، بل كان كل ما حدث لا يخرج عن حد التقاليد التي كان يرتكز عليها نظام الحكم في مصر، وأعني بذلك تدخُّل الإله المباشِر في كل ما يتصل بالحياة السياسية في البلاد، وبخاصة في كل أطوار الفرعون، وكان لزامًا على سلف «تحتمس الثالث» أن يشترك في توليته على العرش، كما فعل «تحتمس الأول» عندما ولَّى «حتشبسوت» أريكةَ ملكه، إذا صدَّقنا ما نقشَتْه في أقصوصتها العريضة، وكما فعل «رعمسيس الثاني» مع ابنه «ستي الأول» كما سيأتي بعدُ.

(٤) سن تحتمس الثالث عند توليه العرش وتربيته الأولى

غير أنه في موضوع تولية «تحتمس الثالث» يعترضنا سؤال جوهري لا بد من الإجابة عليه، وهو كم كان عمر «تحتمس الثالث» عندما وقع اختيار الإله «آمون» عليه، وعندما انتزعه من أحضان الكهنة في المعبد لتوليته عرش الملك؟ وقد ظنَّ بعض المؤرخين أن «تحتمس الثالث» كان قبل هذا الحادث قد تزوَّجَ من أخته «نفرو رع» بنت «حتشبسوت» وأخته من أبيه، بَيْدَ أن الوثائق التاريخية لم تحدِّثنا عن هذا الزواج، والألفاظ التي استُعمِلت في المتون المصرية في وصف «تحتمس الثالث» في هذه الآونة تقطع بأنه كان لا يزال صبيًّا لم يبلغ الحلم بعد أن كان يُطلَق عليه في اللغة المصرية لفظة «أنوب»، ومعناها الصبي الذي لا يزال قاصرًا، هذا فضلًا من أن والده كان قد وضعه بين أيدي رجال الدين في معبد «آمون»؛ لتنشئته وتربيته بين أحضان العلم والدين، وليحبب إليه الكهنة الذين كان في أيديهم مقدار عظيم من السلطة والقوة، هذا فضلًا عن أن والده كان يشعر بأنه هو الذي سيخلفه على عرش الملك، وكان «تحتمس» وقت توليته العرش لم يبلغ سن الرجال بين رجال الدين، بل كما ذكرنا كان يشغل وظيفة «الطفل حور» أو «عمود أمه»؛ ومن ذلك نعلم أنه كان طفلًا حدثًا أوحى إليه تمثال الإله «آمون» بأنه هو الذي سيتربع على سدة الملك، وتدل كل الشواهد على أنه لم يكن يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وكان هذا الاختيار بطبيعة الحال آتيًا عن طيب خاطر من الفرعون الذي كان في قبضته مقاليد الأمور في البلاد وقتئذٍ.

والآن بقي علينا أن نُثبِت على وجه التأكيد اسم الفرعون الذي كان قد أُقِيم هذا الحفل في حضرته، وقد جاء في نقوش «إنني» أنه عندما صعد «تحتمس الثاني» إلى السماء ولحق بالآلهة، تولَّى مكانه ابنه «تحتمس الثالث» بوصفه ملكًا على الأرضين، وحكم على عرش من أنجبه، وأخذت أخته «حتشبسوت» (أخت تحتمس الثاني) في يدها إدارة حكومة البلاد، ومن ثَمَّ نعلم أن «تحتمس الثالث» بدأ حكمه تحت وصاية «حتشبسوت» مدة، ثم استأثرت هي بالملك فيما بعدُ كما شرحنا ذلك من قبلُ، إلى أن ماتت وخلا له الجو، فنراه يتسلَّم مقاليدَ الأمور في يده، وكان أول عمل قام به أن طار بجيشه العظيم إلى ربوع آسيا.

(٥) تحتمس الثالث يعلن الحرب على بقايا الهكسوس في آسيا

وتدل شواهد الأحول على أن «تحتمس الثالث» لم يتوانَ طويلًا في مصر بعد اعتلاء أريكة العرش، فقد كان الخلاف القائم في مصر على تولية عرش البلاد، والجفاء بين «تحتمس الثالث» و«حتشبسوت» معروفًا في الأقطار الآسيوية العامرة بالجمِّ الغفير من الهكسوس، الذين شتَّت شملهم أسلاف «تحتمس الثالث» وطردوهم من مصر جملةً، والذين ما زال حب الانتقام والأخذ بالثأر يأكل صدروهم، وبخاصة أنهم أصبحوا هم المحكومين، ويدينون لمصر بالطاعة؛ ولذلك لما تولَّتْ «حتشبسوت» اتخذوا على ما يظهر هذا الحادث ذريعةً لإعلان الثورة؛ ليتحرَّروا من ربق الاستعباد المصري.

وقد أعلنت «سوريا» كلها العصيان على مصر في تلك الفترة، وقامت بثورة محبوكة الأطراف، حتى أصبح لزامًا على هذا الفرعون الفتي الجسور أن يقابل حلفًا قويًّا مؤلَّفًا من قبائل آسيا والولايات التي وطدت العزم على خلع النير المصري الذي أثقل عاتقهم به «تحتمس الأول» وسلفه من قبله، منذ خمسين سنة مضَتْ، ولا شك في أن أكثرهم تحمُّسًا كان أولئك الأقوام الذين طُرِدوا من مصر من غير رجعة، وكان كل أولئك قد ألفوا حلفًا بقيادة ملك «قادش»، وهي بلدة على نهر الأرنت (نهر العاصي) على مسيرة مائة ميل تقريبًا شمالي دمشق، وقد زحف الفرعون لمقابلة أولئك العصاة، يحدوه غرض معين وهو منازلة ملك «قادش» والقضاء عليه، فإذا تمَّ له ذلك، كان كل شيء عداه سهلًا ميسورًا نسبيًّا؛ وذلك لأن سوريا لم تكن وقتئذٍ مملكة واحدة متحدة الكلمة بطبيعتها، بل كانت مقسَّمةً ولاياتٍ صغيرةً يحكم كلًّا منها أميرٌ أو ملك، كما كان لها «بعل» أو إله خاص بها، وكانت أقوى هذه الممالك الصغيرة وأغناها مملكة «قادش»، وقد أفلح ملكها في أن يضمَّ مؤقتًا الولايات الأخرى تحت قيادته، فإذا كان في الاستطاعة هزيمته، فإن الحلف لا يفتأ أن تنحلَّ عراه، وتعود كل دويلة سيرتها الأولى من الاستقلال الذاتي؛ ولذلك يصبح من السهل على «تحتمس» الاستيلاء على ولايات هذا الحلف الواحدة تلو الأخرى، والظاهر أن «تحتمس» قد صمَّم على الزحف بسرعة خاطفة إلى «قادش» مباشَرةً ليضرب ضربته الحاسمة هناك.

(٥-١) موقعة مجدو

تُعَدُّ موقعة «مجدو» التي قابَلَ فيها «تحتمس الثالث» جيوشَ الحلف السوري بإمرة حاكم «قادش»؛ أول معركة حربية في تاريخ العالم القديم قد بقي عنها تفصيلات تُذكَر؛ ويرجع الفضل في ذلك إلى اليوميات التي خلفها «تحتمس الثالث» على أحد جدران معبد الكرنك، فقد جرَتِ العادة على ما يظهر في الجيش المصري في عهد الإمبراطورية أن تُدوَّن يوميات عن سير القتال في أثناء الحملات التي كان يقوم بها الفرعون، وقد كان المكلَّف بهذه المهمة العظيمة رئيس كتاب الجيش،٤ وقد كانت تُحفَظ نُسَخٌ من هذه اليوميات في معبد الإله «آمون رع» «بطبية»، ولم تصل إلينا منها إلا اليوميات التي أمر «تحتمس الثالث» بأن تُنقَش مقتطفاتٌ منها على جدران معبد الكرنك،٥ ومن حسن الصدف أنه قد وصلتنا تفاصيلُ عن أول انتصار له في بلاد آسيا، وهو ذلك الفوز العظيم الذي أحرزه في موقعة «مجدو»، وما وصلنا من تفصيل هذه الموقعة يُعتبَر أوسع تفصيل عرفناه عن غزواته في هذه الأصقاع، وبهذه المعلومات أصبح في مقدرونا أن نتتبَّع بوضوحٍ سير الحملة بصورة جلية أكثر ممَّا كان يُنتظَر في مثل هذا العصر القديم.

طريق جيش تحتمس إلى مجدو

وسنكتفي هنا بتلخيص حركات جيش «تحتمس الثالث» الأولى التي قام بها لتنفيذ خطته التي رسمها لنفسه من بادئ الأمر، فقد سار بجيشه من قلعة «سيلة» (وهي القنطرة الحالية) في اليوم الخامس والعشرين، من الشهر الرابع، من فصل الشتاء، في السنة الثانية والعشرين من حكمه، وهذا التاريخ على حسب قول الدكتور «نلسن» يوافق ١٩ أبريل سنة ١٤٧٩ق.م، مخترقًا الصحراء التي تقع على الحدود الشرقية والحدود الجنوبية لفلسطين، فوصل «غزة» بعد مسيرة عشرة أيام قطع فيها نحو مائة وخمسة وعشرين ميلًا، وكان قد حطَّ رحاله فيها في اليوم الرابع من الشهر الأول من فصل الصيف، في السنة الثانية والعشرين من حكمه، ممَّا يدل على أن الجيش كان يقطع في سيره يوميًّا نحو اثني عشر ميلًا ونصف ميل، وهي سرعة حسنة في بقاعٍ معظمُ طرقِها صحراوية قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع، وبخاصة إذا عرفنا أن عددًا عظيمًا من جيشه كانوا مشاة. ولم يمكث «تحتمس» في بلدة «غزة» إلا سواد ليله؛ وفي الصباح المبكر سار على رأس جيشه ميممًا شطر «يحم» (يُحتمَل أن تكون يما الحالية) (انظر: المصور ٢)، وتقع على مسافة ثمانين ميلًا من «غزة»، وعلى الرغم من أن النقوش التي في متناولنا قد أغفلت ذِكْر يوم وصوله إليها، نستطيع أن نستنبط أنه ألقى فيها عصا تسياره في اليوم الحادي عشر من نفس الشهر؛ وذلك إذا فرضنا أنه كان يسير يوميًّا بنفس السرعة التي كان يزحف بها في ذهابه إلى «غزة».

الجيش يعسكر في بلدة «يحم» ويعقد فيها تحتمس مجلسًا حربيًّا

والظاهر أن الجيش قد ضرب خيامه فيها بضعة أيام، استطاع في خلالها «تحتمس» أن يطلق عيونه ليقفوا على مواقع العدو ومكانه، وفي اليوم السادس عشر من نفس الشهر عقد الفرعون مجلسه الحربي؛ ليتشاور مع ضباطه في أحسن الطرق التي يجب أن يقتحمها الجيش إلى «مجدو»، وسنترك المؤرخ المصري عند هذه النقطة يقصُّ علينا سير الحوادث (راجع: Urk. IV. p. 648 ff):
السنة الثالثة٦ والعشرون، الشهر الأول من فصل الصيف، اليوم السادس عشر في بلدة «يحم»، لقد أمر جلالته أن يعقد مجلس حربي ليتشاور فيه مع رجال جيشه قائلًا: إن ذلك العدو الخاسئ صاحب «قادش» قد جاء بجيشه ونصب خيامه فيها، وهو مقيم بها في تلك الآونة، وقد ضمَّ إليه كل أمراء الأقاليم الذين كانوا يدينون بخضوعهم لمصر حتى نهر الفرات … ومعه السوريون وقوم «قودة» بخيلهم وجنودهم وعشيرتهم، وأنه يقول على حسب ما وصل إلى مسامعنا: سأقف هنا لمحاربة جلالته في بلدة «مجدو»، فحدِّثوني ما يدور بخلدكم في هذا الخطب. فأجابوا جلالته قائلين: كيف يتسنَّى للمرء أن يسير في هذا المضيق، وقد وصلتنا الأخبار بأن العدو على تمام الاستعداد هناك في خارج المدينة، وأن عددهم قد أمسى هائلًا؟ وهل يكون السير مستطاعًا إلا إذا سار الجواد إثر الجواد، والجندي إثر الجندي أيضًا؟ وهل ستكون مقدمة الجيش بهذه الطريقة في ساحة القتال، في حين أن المؤخرة تكون لا تزال واقفةً هنا في «عرونة» عاجزة عن محاربة العدو؟ على أنه يوجد طريقان أخريان؛ واحدة منهما تؤدِّي إلى «تاعناخ»، والأخرى تقع في الجهة الشمالية من بلدة «زفتى» مؤدِّية إلى شمال «مجدو»، وبذلك لا نضطر إلى سلوك هذا المضيق الوعر.

وفي هذه الأثناء جيء بمعلومات عن ذلكم العدو الخاسئ، وبذلك استقرَّ النقاش في موضوع الخطة التي كانوا يتحدَّثون عنها فيما قبلُ.

ما قيل في الخيمة الملكية: فأجاب الملك قائلًا: إني ما دمتُ حيًّا، وما دام الإله «رع» يحبني، وما دام والدي «آمون» يرعاني، وما دام نفس الحياة ينعشني بالحياة والقوة؛ فلن أسلك إلا هذه الطريق المؤدية إلى «عرونة»، وليذهب منكم مَن يشاء في إحدى هاتين الطريقين الأخريين اللتين تحدثتم عنهما، وليتبعني منكم مَن يريد أن يسلك الطريق التي سيتخذها جلالتي؛ لأن الأعداء الذين يمقتهم الإله «رع» سيقولون: هل سلك جلالته طريقًا آخر؛ لأنه يخاف بأسنا وبطشنا؟ وعندئذٍ أجابوا جلالته قائلين: ليت الإله «آمون» والدك رب تيجان الأرضين وساكن الكرنك يرعى شعبك ويتعهَّده، تأمَّلْ! إنَّا سنكون في ركاب جلالتك أينما توجَّهت؛ لأنه من واجب الخادم أن يتبع سيده دائمًا. وعندئذٍ أمر جلالته بإصدار منشور لكل الجيش جاء فيه: إن سيدكم المظفر سيكون في طليعتكم لاقتحام ذلك المسلك الوعر الضيق. تأملوا، لقد أقسم جلالته يمينًا قائلًا: إني لن أسمح لجيشي المظفر أن يشقَّ طريقه إلا في هذا المكان؛ لأن جلالته عقد العزم على أن يتقدَّم طليعة جيشه بنفسه، وقد وزعت التعليمات على كل جندي بالأمر بالزحف، على أن يكون الجواد في إثر الجواد، في حين أن جلالته كان يسير في مقدمة جيشه.

الجيش يعسكر في عرونا

وفي السنة الثالثة والعشرين من الشهر الأول من فصل الصيف، اليوم التاسع عشر، استيقظ الفرعون في السرادق الملكي الذي كان قد ضُرِب له في بلدة «عرونا»، ثم سار جلالته موليًا وجهه شطر الشمال في رعاية الإله «آمون» رب تيجان الأرضين ليفتح الطريق أمامه … وكان الإله «آمون رع» يشدُّ ساعِدَ جلالتي … وزحف جلالته على رأس جيشه المنظم فرقًا (ولم يجد للعدو أثرًا)، بل كان قد عسكر جناحه الأيسر عند بلدة «تاعناخ»، في الوقت الذي كان جناحه الأيمن قد ضرب خيامه في المنحنى الجنوبي من وادي مجرى «قنا» (؟).

وقد نادى جلالته أن سيروا في هذه الطريق، فالتقى بالعدو فكسره، وولى ذلك العدو الخاسئ الأدبار … فيا أيها الجند مجدوا المليك وتغنوا بشجاعة جلالته؛ لأن ساعِدَه أشد بأسًا من أي ملك، وأنه هو الذي سيحمي مؤخرة جيش جلالته في «عرونا».

وقد كانت مؤخرة جيش جلالته المظفر لا تزال في بلدة «عرونا»، في حين أن مقدمته قد برزت في وادي مجرى «قنا»، حتى ملئوا فم هذا الوادي.

وعندئذٍ قال رجال الجيش لجلالته: حقًّا إن جلالته قد ظهر بجيشه المنتصر وملأ جنودُه الواديَ، فَلْيصغِ جلالته لقولنا هذه المرة، فيحمي لنا سيدنا مؤخرة جيشه وقومه الذين معه، وعندما تتصل بنا المؤخرة نحارب أولئك الأجانب؛ إذ لا نكون في شغل شاغل من جرَّاء مؤخرة جيشنا، وعلى إثر ذلك اتخذ جلالته مكانه عند فم الوادي حاميًا مؤخرة جيشه المظفر، وعندما تم خروج الفرقة الأمامية على هذه الطريقة كان الظل قد مال (أي: عند الظهيرة).

الجيش يعسكر عند مجدو ويستعِدُّ للموقعة

ووصل جلالته جنوبي «مجدو» على شاطئ مجرى نهر «قنا» في مدة سبع ساعات بعد ميل الشمس، وقد ضربت خيام معسكر جلالته هناك، ثم أصدر أمرًا لكل رجال الجيش وهاك نصه: «استعدوا أيها الجنود وانتضوا سيوفكم؛ لأن الفرعون سيخوض غمار حرب مع ذلك العدوِّ الخاسئ عند الصباح الباكر؛ لأنه …» ثم ذهب الفرعون ليستريح في السرادق الملكي، وقد أمدَّ الضباط بما يحتاجون، ووُزِّعت الجرايات على الجنود، واتخذ كلُّ حارسٍ مكانَه بعد أن تلقَّى التنبيهات بأن يكون ثابتًا في مكانه شجاعًا.

الجيش يهاجم الأعداء ويهزمهم

السنة الثالثة والعشرون، الشهر الأول من الفصل الأول، اليوم الحادي والعشرون، وهو اليوم الذي أعلن فيه الضباط عيد الهلال الجديد، وفيه ظهر الفرعون في الصباح وقد أعطى كلَّ رجال الجيش الأوامر للاستعداد للمعركة (؟) … وبعد ذلك انطلق جلالته في عربته المصوغة من الذهب النضار مدججًا بدرعه وزرده مثل الإله «حور» القوي الساعد رب البأس، ومثل الإله «منتو» إله طيبة (وهو إله الحرب)، وكذلك كان والده آمون يشد ساعده.

وكان جناح جيش جلالته الأيسر يقف على ربوة جنوبي «… قنا»، أما الجناح الأيمن فكان معسكرًا في الشمال الغربي من «مجدو»، وكان جلالته في وسطهما يحميه الإله «آمون» في حومة الوغى. وكانت قوة بأس الإله «ست» (إله الحرب) تدبُّ في أعضائه، ففاز جلالته فوزًا مبينًا وهو على رأس جيشه، وقد رأوا (أي: الأعداء) جلالته والنصر حليفه؛ ولذلك ولَّوا الأدبار نحو «مجدو» بوجوهٍ يغمرها الذعر، تاركين خيلهم وعرباتهم المصوغة من الذهب والفضة، وتسلَّقوا أسوار هذه المدينة بملابسهم (أي: مستعملين ملابسهم ليتسلَّقوا بها)؛ وذلك لأن أهل المدينة قد غلقوا أبوابها في وجوههم، ولكنهم مع ذلك دلوا ملابسهم ليجروهم بها إلى داخل المدينة؛ ولو أن جنود جلالتي لم يتهالكوا على نهب متاع العدو، لَكان في استطاعتهم الاستيلاء على «مجدو» وقتئذٍ عندما كان عدو «قادش» الخاسئ وعدو هذه المدينة يجرون متسلِّقين الأسوار ليدخلوا المدينة هربًا؛ لأن الخوف من جلالته كان قد سرى في أجسامهم وضعفت أسلحتهم؛ لأن صله (الذي على جبينه) قد طغى عليهم وهزمهم، واستولى جلالته على خيلهم وعرباتهم المصوغة من الذهب والفضة غنيمة باردة؛ أما صفوف جنودهم فكانوا قد طرحوا أرضًا مثل السمك في حبائل شبكه، وجيش جلالته المنتصر كان يحسب متاعهم؛ لأن سرادق هذا العدو الخاسئ الذي كان محلًّى بالفضة … وقد أخذ كل الجيش بأسباب الفرح مقدمًا الثناء لآمون؛ لما وهبه من نصر لابنه في هذا اليوم، وكذلك قدَّموا الشكر لجلالته مادحين انتصاره، ثم أحضروا الغنيمة التي استولوا عليها حتى الأيدي والأسرى والخيل والعربات المصوغة من الذهب والفضة والكتان الجميل.

وصف حركات الجيش في هذه المعركة

هذه هي رواية الكاتب المصري بنصها، وهي أول وصف لمعركة حربية في العالم، ويمكن تلخيص حركات الجيش الذي كان يقوده ذلك القائد المبتكر فيما يأتي: لما عقد «تحتمس الثالث» مجلسه في «يحم» في اليوم السادس عشر من الشهر، صمَّم هذا الفرعون على اختراق الطريق من «عرونا» إلى «مجدو»، فأمضى اليوم السابع عشر في الاستعداد للزحف، وفي اليوم الثامن عشر زحف الجيش نحو «عرونا»؛ حيث قضى فيها ليلة، وفي اليوم التاسع عشر استؤنف الزحف نحو «مجدو»، وكان الفرعون نفسه يغلظ الأيمان أن يسير في مقدمة طليعة جيشه في المعبر الضيق، فسار على رأس الجيش مخترقًا هذه الطريق الوعرة، ولم يحدث في خلال اجتيازها حوادث تستحق الذكر، اللهم إلا بعض مناوشات صغيرة، وسرعان ما تخطَّتْ مقدمةُ الجيش التلالَ، حتى عسكر «تحتمس الثالث» بعد مشاورة ضباطه عند فم الممر؛ ليكون في مأمن من هجمات العدو على جناح كتائبه الممتدة في طول المعبر وهم يسيرون متعثرين نحو العراء، وقد تمَّ خروج الجيش من هذا المعبر عند الساعة السابعة بعد الظهر، ومن ثَمَّ عسكر الجيش المصري في وادي قنا، وفي هذه الأثناء كانت قوة السوريين بلا نزاع قد ضربت خيامها في نفس الوادي بالقرب من «مجدو»، وكانت لهم قوة أخرى قد عسكرت عند «تاعنخ»، وكانت مهمتها منع زحف المصريين وإعاقة تقدُّمهم من كلتا الطريقين، ومن المحتمل أنه كان للسوريين قوة أخرى تؤازرهم قد عسكرت وسط هذين المكانين، غير أن هذه القوة التي كانت عند «قنا» قد أخفقت في مهاجمة الجيش المصري الزاحف لجهلهم بموقعهم، وكان السوريون على ما يظهر قد حشدوا كل جيوشهم في وادي «قنا» لصد الجيش المصري، غير أن المصريين هنا قد خدعوهم أيضًا، ففي الساعة الأولى من اليوم العشرين انتشر الجيش المصري عبر وادي نهر «قنا» إلى الشمال الغربي من «مجدو»، ثم إلى الجنوب الشرقي من تل هناك، مهدِّدين بقطع مواصلات العدو ببلدة «مجدو»، ثم هاجمهم المصريون ثانيةً على غرة.

وعندما كشف السوريون حركةَ الجيش المصري وقد ضرب عليهم الحصار في وادي «قنا»، حاولوا على ما يظهر أن يقوموا بهجوم مضاد، ولكن الجيش المصري لم يعطهم الفرصة لتنفيذ خطتهم، ولم يكد المصريون يهاجمونهم حتى هُزِموا وولوا هاربين، ولما رأى سكان بلدة «مجدو» ما حدث لجيوشهم غلقوا أبواب مدينتهم في الحال، وأخذوا يجرون الفارين على جدران المدينة بحبالٍ صُنِعت ارتجالًا من الملابس التي كان يرتديها أولئك الفارون، وقد هيَّأَتْ عوامل الرعب والفزع والذعر التي انتشرت بين رجال الجيش السوري فرصةً سانحةً للجيش المصري للاستيلاء على المدينة، بالهجوم أثناء الاضطراب الذي أحدَثَه فرار جيش السوريين، غير أن جنود الجيش المصري لم يكن في استطاعتهم أن يقاوموا حب السلب الذي دبَّ في نفوسهم، عندما رأوا أسلاب العدو أمامهم مكدَّسة، وبخاصة معسكر السوريين الذي كان يفيض بالخيرات والذخائر المغرية؛ ولذلك ضاعت عليهم فرصة الاستيلاء على «مجدو»، ممَّا جعل ضرب الحصار عليها أمرًا لا مفرَّ منه، وقد امتدَّ زمنُ حصارها سبعةَ أشهر، استسلمت بعدها المدينة صاغرةً، غير أن ملك «قادش» الذي كان رئيس العصاة وحامل لواء الثورة على «تحتمس» قد فرَّ من المدينة، لا لينجو بنفسه، بل ليستعِدَّ لاستئناف الحرب من جديدٍ على مصر، وليكون سببًا في مضايقة الفرعون سنين عدة.

fig32
شكل ٢: خريطة موقعة مجدو.

أهمية هذه الموقعة في تاريخ الحروب

وأهمية سرد حوادث هذه الموقعة لا ينحصر في وصفها وحسب؛ بل كذلك لأننا نقرأ في وثيقة تاريخية لأول مرة في تاريخ العالم أن قائدًا حربيًّا لم تقتصر مواهبه على أنه جندي شجاع وقائد قدير ماهر فقط، بل لأنه كانت لديه الشجاعة كذلك ليخوض غمار مخاطرة قد كان يعرف عواقبها من قبلُ ليصل إلى غرضه بسرعة خاطفة، بل قد أظهر فضلًا عن ذلك مهارةً حربيةً في وجه العدو الذي جعله يتأرجح في يده كاللعبة في يد الصبي.

ولا يبعد أن كان لهذا الحادث العظيم في تاريخ الحروب في الشرق القديم منذ أربعة آلاف وخمسمائة سنة أثره في تدبير سير الحملة، التي قام بها القائد الإنجليزي «ألني» عام ١٩١٨ على الترك، عندما هزمهم في نفس المكان؛ إذ كان قد ألقى بخيالته في ممر «عرونا» خلف الأتراك المنهزمين، وقد يتساءل المرء الآن في استغراب عمَّا إذا كان الضابط «لورنس» — بما كان له من المعلومات في التاريخ القديم — قد أوحى إلى «ألنبي» بالفكرة التي جعلته يقوم بهذه الحركة الجريئة الماهرة، التي كان قد سبقه إليها «تحتمس الثالث»، الذي يلقِّبه مؤرخو الغرب بحق «نابليون الشرق القديم».

وصف حصار مجدو

بعد انتصار «تحتمس» على جموع العدو الذي احتمى داخل أسوار مجدو نفسها، حشد «تحتمس» جيشه الذي كان منهمكًا في السلب والنهب، وحاصَرَ المدينة، فأقام المتاريس حولها من الأشجار الخضراء ومن كل أشجار فاكهتها، ثم أخذ الفرعون مكانه في الجانب الشرقي من المدينة، بعد أن خصَّصَ جنودًا ليحموا سرادق جلالته، ثم أصدر أوامره لجيشه قائلًا: لا تجعلوا واحدًا منهم يخرج خلف المتاريس إلا إذا كان آتيًا ليسلم باب هذه الحصون (أي: يُلقِي سلاحه)، والظاهر كما ذكرنا أن ملك «قادش» قد تسلَّلَ من المدينة قبل أن تُسلَّم؛ إذ لم يُعثَر له على أثر. وقد استمر الحصار سبعة أشهر أتى بعدها الأمراء خاضعين مسلِّمين متاعهم ومقدِّمين طاعتهم لاسم جلالته «طالبين النفس لأنوفهم».

وفي مكان آخر تحدِّثنا النقوش أن أولئك الآسيويين الذين كانوا في «مجدو» الخاسئة قد خرجوا … قائلين: «هيِّئ لنا الفرصةَ لنسلِّم لجلالتك الغرامة …»

وقد تعطَّفَ الفرعون وأمر بأن يُوهبوا نفس الحياة؛ وذلك لأن المصريين كما يقول الأثري «ويجول»٧ كانوا أعظم شعوب العالم القديم رحمةً وإنسانيةً. ولكن كان ضمن شروط الهدنة على ما يظهر أن يرسل كل أمير وارثه إلى مصر ليتعلَّم طرائق الحياة المصرية، وبعد ذلك أتى هؤلاء الأمراء حاملين عطاياهم من الذهب والفضة واللازورد والفيروزج، ومعم كذلك برنقي وخمر وماشية كبيرة وصغيرة ومؤن للجيش … وبعد ذلك عين الأمراء من جديد، أي إنه صفح عنهم وأعادهم إلى ولاياتهم التي كانوا يحكمونها بوصفهم تابعين له. أما ملك قادش الفار، فإن المصريين قد أخذوا أسرته رهينةً عندهم؛ إذ يقول في ذلك «تحتمس»: «تأمَّلْ، إن جلالتي قد أسر زوجات الخاسئ ملك قادش وأولاده، وكذلك زوجات الأمراء الذين كانوا هناك.»٨

ولما عاد «تحتمس» إلى مصر كان يفخر بقوله: «إن الإله «آمون» قد سلَّطه على كلِّ الممالك المتحالفة في أرض زاهي، فحاصرها جميعًا في بلدة واحدة … وقد حاصرتهم في مدينة واحدة، وبنيت حولهم سورًا جداره كثيف، وقد أطلق على هذا الجدار «تحتمس صياد الآسيويين».»

وصف حملة تحتمس الأولى كما جاءت في لوحة جبل بركال

هذا وقد وصف لنا فيما بعدُ «تحتمس الثالث» بنفسه حملتَه الأولى على بلاد «رتنو» (سوريا)، في نصِّ اللوحة العظيمة التي أقامها في جبل «بركال» على مقربة من الشلال الرابع في معبد «آمون» في السنة السابعة والأربعين من حكمه، وربما كان سبب إقامتها هناك ليظهر عظمته وجبروته لأهل هذه الأقاليم النائية لتكون عظةً وعبرةً، فلا يقومون بثورات أو يحرضون على فتن، وهاك ما جاء فيها:

والآن أقصُّ عليكم أعمالًا أخرى عظيمة فاسمعوا أيها القوم: لقد منحني الإله كلَّ أراضي «رتنو» الأجنبية في الحملة الأولى، عندما هبوا بثورة لمحاربة جلالتي بملايين الرجال ومئات الألوف من عظماء كل الأراضي الأجنبية، وقد اصطفوا في عرباتهم، وكان عددهم ثلاثمائة وثلاثين أميرًا، وكان على كل رأسٍ جيشُه.

وكانوا إذ ذاك في وادي «قنا» معسكرين بخيامهم كأنهم في الواقع في فخ، وكان النصر حليفي عليهم؛ إذ هاجمتهم ففروا في الحال وسقط منهم على الأرض أكداس من القتلى، ثم دخلوا «مجدو» فحاصرتها سبعة أشهر إلى أن اضطروا إلى الخروج منها متضرعين لجلالتي قائلين: أعطنا نفسك يا سيدنا؛ لأن أجانب «رتنو» لن يعودوا قط مرة أخرى للعصيان، وبعد ذلك أرسل الخاسئ (أمير قادش) ومَن معه من الأمراء إلى جلالتي كلَّ قومهم حاملين هدايا كثيرة من الذهب والفضة، وكل جيادهم وما يتبعها من معدات، هذا إلى عرباتهم الفخمة المصفحة بالذهب والفضة، وكل دروعهم وقسيهم ونشاشيبهم وكل آلات الحرب، وكانوا قد حضروا بكل هذه الأمتعة من أماكن قاصية لمحاربة جلالتي، وها هم أولاء قد أحضروها الآن هدايا لجلالتي، وكانوا في ذلك الوقت واقفين على جدرانهم (وقت الحصار) مقدِّمين الخضوع لجلالتي، راجين أن يمنحوا نفس الحياة، وعندئذٍ جعلتهم يحلفون يمينًا قائلين: لن نقوم قط بأي عمل عدائي كرَّةً أخرى على «منخبر رع» (تحتمس الثالث) أمدَّ الله في عمره أبديًّا، وهو سيدنا ما دمنا أحياء؛ لأننا شهدنا عظمته، فَلْيمنحنا نفس الحياة كما يجب؛ لأن والده «آمون رع» هو الذي أكسبه النصرَ في الواقع لا قوة الإنسان، وعلى إثر ذلك سمح لهم بالسير إلى بلادهم، فعادوا جميعًا ممتطين حميرًا؛ لأني كنت استوليت على خيل عرباتهم وأخذت مواطنيهم معي غنيمةً لمصر، وكذلك استوليت على ماشيتها.

الغنائم التي استولى عليها الفرعون تكشف عن ثروة هذه البلاد

والواقع أن قائمة الغنائم التي غنمها «تحتمس الثالث» في هذه الموقعة، كما جاء ذكرها في نقوش الكرنك تكشف لنا عن ثروة هذه البلاد المفتوحة، وما كان يتمتع به أمراء سوريا من نعيم العيش والأبهة، هذا فضلًا عن أنها تعطينا فكرةً عن مقدار ما كانت عليه تلك الولايات من التقدُّم في الصناعات والحِرَف وفنون الحياة ممَّا لم يكن في الحسبان، وسنذكر هنا بالتفصيل قائمة هذه الأسلاب التي استولى عليها جيش «تحتمس الثالث» من «مجدو»؛ لنضع أمامنا فكرةً عامةً عن مقدار ثراء القوم، واستعداداتهم الحربية التي كان لا بد للفرعون أن يقف أمامها وجهًا لوجه:

«فاستولى على ثلاثمائة وأربعين أسيرًا، وثلاثة وثمانين يدًا (كان الجندي تُقطَع يده بعد قتله)، وألفين وواحد وأربعين فرسًا، ومائة وتسعين مهرًا، وستة جياد … وعربة مغشاة بالذهب وقضبانها من الذهب من متاع العدو، وعربة جميلة مصفحة بالذهب ملك أمير مجدو، وثمانمائة واثنين وتسعين من عربات جيشه المخذول مجموعها تسعمائة وأربع وعشرون عربة (لا بد أنه قد ذكر ثلاثين عربة في الأماكن المهشمة من النقش)، ودرع جميل من البرنز ملك الأعداء، ودرع آخر من البرنز لأمير «مجدو» … وعلى مائتي درع من دروع الجيش الخاسئ، وعلى خمسمائة قوس وسبعة قضبان من خشب المرو مصفحة بالفضة، وهي من قضبان سرادق العدو.»

أسلاب الحيوان: واستولى جلالته على الحيوانات الآتية من هذه المدينة: «… ثلاثمائة وخمسة وثمانين … وألف وتسعمائة وتسعة وعشرين من الحيوانات الكبيرة، وألفين من الحيوانات الصغيرة، وعشرين ألفًا وخمسمائة من حيوانات بيضاء صغيرة.»
ثم استولى فيما بعدُ من أمير قادش على غنائم أخرى: «قائمة بما استولى عليه الفرعون فيما بعدُ من متاع هذا العدو الذي كان في مدينة «ينعم»٩ وفي «نجس»١٠ وفي «حر نكر» (بالقرب من البلدين الآخرين في رتنو العليا)، هذا بالإضافة إلى كل السلع التي هي ملك تلك المدن التي خضعت وأحضرت لجلالتي، وهي: أربعمائة وسبع وأربعون من نسائهم والأمراء الذين كانوا معهن، وثمانٍ وثلاثون سيدة من سيداتهم، وسبعة وثمانون طفلًا من أطفال هذا العدو ومن الأمراء الذين كانوا معه، وخمسة من أشرافهم، وألف وستمائة وستة وتسعون من الذكور والإناث من العبيد والإماء والأطفال، هذا غير المحاربين الذين استسلموا بسبب الجوع الذي لاقوه، ومائة وثلاثة رجال فيكون مجموعهم ألفين وخمسمائة واثنين (والعدد المدوَّن فعلًا هو ألفان وتسعة وعشرون، فلا بد أن يكون العدد الناقص وهو أربعمائة وأربعة وسبعون قد جاء ذكره في الأماكن المهشمة من المتن).

هذا خلاف الأطباق من الأحجار الغالية والذهب وأوانٍ أخرى … وإناء ذي مقبضين من صنع خارو (البلاد الآسيوية)، وأوانٍ وأطباق مفرطحة، وأقداح للشرب مختلفة، وغلايات وسكاكين يبلغ وزنها سبعمائة وأربعة وثمانين دبنًا (أي: إن الأدوات السالفة الذكر يبلغ وزنها ١٩١ رطلًا من الذهب).

هذا إلى خواتم من الذهب كانت في يد الصناع، وفضة مصنوعة خواتم عدة تبلغ زنتها نحو تسعمائة وستين دبنًا (أي: ما يقابل ٢٣٥٫٤٦ رطلًا من الذهب)، وتمثال من الفضة مصنوع … ورأسه من الذهب، وعصًا بأوجه بشرية، وستة كراسي للعدو من العاج والأبنوس وخشب الخروب كلها مغشاة بالذهب، وستة مساند للأقدام من متاع العدو، وست موائد من العاج وخشب الخروب، وعصًا من خشب الخروب مغشاة بالذهب، ومرصعة بالأحجار الثمينة في هيئة صولجان من متاع هذا العدو أيضًا، وكلها مصفَّحة بالذهب، وتمثال لهذا العدو من الأبنوس مصفحة بالذهب، ورأسه مرصع باللازورد، وأوانٍ من الشبه، وملابس كثيرة لهذا العدو.»١١

وهذه المدن الثلاثة التي استولى منها الفرعون على الأسلاب الأخيرة تقع بعضها قريبة من بعض في الطرف الشمالي من لبنان، وقد هاجمها «تحتمس الثالث» عن قصدٍ لغرض معين؛ وذلك لأنه فكَّرَ أولًا في إيجاد وسيلة لمنع ملك «قادش» من الوصول إليها، وقد كان لم يُقهَر بعدُ، فزحف جنوبًا وثانيًا ليجعل الطريق الشمالي الواقع بين جبال لبنان في قبضة يده لأهميته العظمى لحركاته الحربية؛ ولذلك سار بجيشه شمالًا واستولى على هذه المدن، وممَّا يؤيِّد صحة ذلك أنه بنى هناك قلعة «تحتمس قاهر الأجانب».

وبعد أن تم لتحتمس النصر على هذه الصورة، وجَّهَ عنايته لتنظيم الأقاليم التي فتحها، فقد أصبحت فلسطين ولبنان خاضعتين لسلطانه، وكذلك الجزء الأعظم من بلاد فينيقيا.

(٥-٢) سياسة تحتمس في حكم الأقاليم المقهورة

غير أن «تحتمس الثالث» لم يكن قد كسر شوكة ملك «قادش» بعدُ؛ لأن شمالي سوريا كان لا يزال خارجًا عن سلطانه؛ إذ كان ملك المتني (النهرين) في ذلك الوقت المسمَّى «ساو ششتار» قد توغَّلَ في هذه الجهة، واستولى على مملكة «حلب» التي كانت إلى هذه اللحظة خاضعةً لحكم الخيتا؛١٢ ولذلك نجد أن «تحتمس الثالث» قد اكتفى في هذه الحملة بما فتحه من أقاليم ونصب أمراء جددًا غير الذين ثاروا عليه، وقد اتبع مع هؤلاء الأمراء الجدد طريقةً تدل على بُعْد النظر في الاستعمار السلمي؛ إذ قد تركهم مدةً طويلةً يحكمون كما شاءوا ما داموا يدفعون الجزية السنوية بانتظام، بَيْدَ أنه ضمانًا لحُسْن نياتهم والوفاء بعهودهم صحب معه إلى مصر بكر ولد كلٍّ منهم، وأسكنهم في ناحية خاصة فخمة في «طيبة» في مكانٍ يُدعَى «القصر في طيبة»، وكان ينشئهم ويربيهم تنشئةً خاصةً تجعلهم يميلون كلَّ الميل بأرواحهم وأجسامهم إلى مصر والتفاني في خدمتها، وكان كلما خلا مكان أمير أو مات أحد الأمراء في تلك الجهات الآسيوية نصب «تحتمس» ابنه الذي تربَّى في مصر خلفًا له، وهذه هي نفس السياسة التي سار على منوالها الإنجليز في تربية أمراء الهنود في الكليات الإنجليزية، التي أُسِّست عن قصدٍ لتنفيذ هذا النظام، ونخصُّ بالذكر منها كليتي «أجمير» و«لاهور».

غير أن سياسة «تحتمس» ومن بعدها سياسة الإنجليز الذين اقتفوا أثرَه، لم تأتِ بالغرض المطلوب منها؛ لأن كلًّا منهما قد نسي أن التعليم يفتق الأذهان، وأن أول ما يستفيد منه الشخص هو حب الحرية والاستقلال، وهذا بعينه ما رأيناه بعد وفاة «تحتمس» ومَن اتبع هذه السياسة، فإن أولئك الأبناء الذين عادوا من مصر إلى بلادهم قد شقوا عصا الطاعة على مَن استعمر وطنهم، وهو نفس ما نجده اليوم مع الإنجليز وأولئك الأمراء الهنود، الذين يحاربون حتى النهاية لنيل استقلالهم في بلادهم ورفع النير الإنجليزي عنهم.

وبعد أن تمَّ «لتحتمس الثالث» النصر على هذا الوجه، عاد إلى مصر بعد ستة أشهر من مغادرته لها، وهذه مدة قصيرة جدًّا إذا قيست بما أحاطها من المصاعب في تلك الأزمان السحيقة، بل تُعَدُّ سرعته في الواقع أعجوبةً؛ إذ ممَّا لا شك فيه أنه حتى في عصرنا هذا تُعَدُّ سرعةُ غزو بلادٍ كهذه والعودة منها بعد تنظيمها، من الأمور العظيمة، ولا بد أن المصريين قد شعروا أن «تحتمس الثالث» عندما عاد إلى مصر محمَّلًا بكل تلك الغنائم الهائلة، قد انتقَمَ لقومه انتقامًا أثلج صدورهم التي كانت تحترق غيظًا بسبب ما حاق بهم من الذل والخذلان في أيام سيادة الهكسوس، الذين ارتدوا بين أولئك الأمم الذين دحرهم «تحتمس»، وجعل بلاده الأولى بين دول العالم. ولا نزاع في أن الجملة المألوفة التي كان يستعملها كل فرعون لما قام به من جليل الأعمال، كانت جديرةً بأن تقال بحق عن أعمال «تحتمس الثالث» في غزوته الأولى هذه المنقطعة النظائر في تاريخ الحروب، وهي: «إذ لم يحدث مثلها قط في عهد الآلهة الذين سلفوا منذ الأزل.»

(٥-٣) تحتمس يقيم لنفسه معبدًا جنازيًّا

وقد كان مثل «تحتمس الثالث» كمثل كل فراعنة مصر، نسب كلَّ انتصاراته العظيمة لإرشاد ومساعدة والده العظيم الإله «آمون رع»، وغيره من الآلهة الذين يسكنون ربوع طيبة، فأراد أن يخلد ذكرى هذه الانتصارات بإقامة بعض المباني الضخمة، غير أنه على ما يظهر قبل أن يبدأ في مثل هذا العمل قد أخذ في بناية معبده الجنازي العظيم على حافة صحراء «طيبة» في الجهة الغربية من النيل، على مسافة قريبة من معبد «الرمسيوم» الحالي، وأمام هذا المعبد — أيْ في الجهة الشرقية — تقع الحقول، وفي الجهة الغربية على مسافة ثلاثة أرباع ميل بعيدًا عنه تشرف الصخور، التي كان معبد الدير البحري العظيم الذي أقامته «حتشبسوت» ملاصقًا لواجهتها؛ وهذا المعبد الذي بدأ إقامته «تحتمس الثالث» أطلق عليه اسم «منحة الحياة»، وكان يتألَّف من ثلاث ردهات، الأولى يصل إليها الإنسان من «بوابتين» عظيمتين أُقِيمتَا من اللبن، وربما كانتا مكسوَّتين بالحجارة التي لم يَبْقَ منها شيء، والردهة الثانية بُنِيت في مستوًى أعلى بقليل من الردهة الأولى، وكانت مكسوَّة بالحجر الجيري الأبيض، وتوصل إلى الردهة الثالثة بطريق منحدر، وكانت هذه كذلك مكسوَّة بالحجر الجيري، أما جدران المعبد فكانت من الحجر الرملي والحجر الجيري، وجدرانه محلَّاة بنقوش جميلة ملوَّنة بألوان زاهية. والظاهر أن العمل في هذا المعبد لم يتخذ شكلًا جديًّا إلا بعد وفاة الملكة «حتشبسوت» مباشَرةً، أو قبل موتها ببضعة أشهر؛ وذلك لأن المعبد قد تمَّ بناؤه بعد عودة «تحتمس» من حملته الأولى بستة أشهر، على أنه يمكن القول بأنه قد تمَّ بناؤه بعد وفاة الملكة؛ لأننا لم نجد اسمها مذكورًا على جدرانه قطُّ،١٣ هذا فضلًا على أننا لم نقرأ في قائمة الأعمال التي قام بها «ثوتي» ما يشير إلى ذلك.
وقد جاء ذكر هذا المعبد على تمثال موظف يُدعَى١٤ «دودي»؛ إذ يقول إنه كان رئيس الأعمال في معابد عدة، منها هذا المعبد ومعبد الدير البحري، ولكن لما كان هذا الموظف قد ذكر أن مليكه وقتئذٍ كان «تحتمس الثالث» ولم يذكر «حتشبسوت»، وكذلك لما كان «تحتمس الثالث» قد قام ببعض أعمال الدير البحري بعد وفاة هذه الملكة صاحبته، فإنه من المحتمل جدًّا أن «دودي» هذا قد نقش تمثاله هذا عندما كان «تحتمس الثالث» يحكم البلاد منفردًا، ومن المحتمل إذن أن هذا المعبد قد شرع في إقامته بعد وفاة «حتشبسوت».

(٥-٤) إقامة معبد للإله بتاح

وقد شرع هذا الفرعون في إقامة معبد صغير شمالي معبد الإله «آمون» في الكرنك (غير معبده الجنازي)، وأهداه للإله «بتاح» إله منف ولزوجه «الإلهة حتحور»؛ إذ يقول: «لقد وجد جلالتي هذا المعبد مبنيًّا باللبن، وأعمدته من الخشب.»١٥ غير أننا نعلم أن «حتشبسوت» قد أقامت «بوابتين» من الحجر لهذا البناء القديم،١٦ وأن الملك «تحتمس الثالث» قد أكمل البناء بإقامة محراب صغير من الحجر الرملي، بدلًا من الذي كان مقامًا من اللبن والخشب، ثم أضاف له «بوابة» ثالثة.

(٥-٥) إقامة لوحة بها انتصارات تحتمس بالقرب من وادي حلفا

وقد كان من أول أعماله عندما وصل مظفرًا إلى عاصمة ملكه أن أرسل رسولًا إلى حاكم «كوش» الملقَّب «بابن الملك»، الذي كان معسكرًا بقوة عظيمة في بلاد النوبة السفلية، يخبره بانتصاراته، ومن المحتمل كذلك أنه أمر بإذاعة ذلك بين الجنود وأهالي السودان، وأن يُنقَش ذلك الخبر على معبد «بوهن» (وادي حلفا)، وقد تمَّ ذلك في الحال، وما بقي من هذا النقش يُشعِر بأنه قد وضع في قالب يجعل القارئ يحسُّ أن هذا الفرعون كان في بأس الإله وقوته، وقد أُرِّخ هذا النقش بالسنة الثالثة والعشرين، وقد جاء فيه بعد عباراتٍ تَصِفُ الفرعونَ بأوصاف طنانة مبالَغ فيها، ما يأتي:
لقد قاد الفرعون بنفسه جيشه، وقد كان ذا بأس على رأس الجيش، وكان الفرعون كلهيب من النار يعمل بسيفه، وقد انقضَّ على العدو، ولم يكن أحدٌ مثله يذبح المتوحشين (السودانيين)، ويتغلَّب على الآسيويين، وقد أحضر معهم أمراءهم أسرى أحياء، وعرباتهم المصفحة بالذهب تجرها جيادها، وكذلك خضعت له قبائل اللوبيين متذللين تذلُّل الكلاب؛ رجاء أن يُمنَحوا نفس الحياة.١٧

ولا نزاع في أن عودة الفرعون مظفرًا كانت من الحوادث التي لا يمكن أن تُنسَى قط في تاريخ البلاد؛ لأن هذه كانت المرة الأولى التي نشاهد فيها فرعونًا على رأس جيش مصري اشتبَكَ في ساحة القتال، في موقعة حاسمة، في أرض أجنبية، مع ملك يسيطر على مملكة آسيوية كبيرة يؤازره جيش آسيوي جبار، وقد شتَّتَ الفرعونُ شملَه بعد هزيمة نكراء. على أن هذا الحادث كان في الوقع يُعَدُّ مسابقةً حربيةً في مضمار كانت مصر فيه هي الفائزة فوزًا حاسمًا، ولا بد من أن هذا النصر قد غيَّرَ نظرةَ الأمة المصرية إلى العالم الذي حولها وعلاقتها الخارجية به.

ويحدِّثنا الفرعون بقوله: «إن جلالتي قد أسَّس للإله «آمون» عيدَ نصر، وقد احتفل به لأول مرة عندما حلَّ جلالتي بأرض «طيبة»، من حملته الأولى المظفرة في السنة الثالثة والعشرين، بعد أن هزمت السوريين الخاسئين ووسَّعت حدودَ مصر.»

(٥-٦) تحتمس يقيم الأعياد لانتصاراته

والواقع أن «تحتمس الثالث» أقام ثلاثة أعياد ابتهاجًا بانتصاراته في عاصمة ملكه، وقد أصبحت هذه الأعيان سُنَّةً متَّبَعة تقام فيما بعدُ كلَّ عام، وهذه الأعياد هي: العيد الأول للإله آمون، وعيد إحضار الإله، أما العيد الثالث فلم يُعرَف اسمه، وإنما نعرف أنه كان يُقام في معبد «منحة الحياة»، وهو كما ذكرنا اسم معبد «تحتمس الثالث» الجنازي، وكل هذه الأعياد كانت تُعرَف باسم أعياد النصر.١٨

(٥-٧) تحتمس يفرِّق الهدايا على معبد آمون

وقد كان من نتائج هذا الثراء الذي كان يتدفَّق على مصر منذ غزوته الأولى هذه، أن أصبحت موائد قربان الإله «آمون» مفعمة بالضحايا، وتضاعفت ثروة معابد الكرنك وعَمَّها الخير، وفضلًا عن ذلك تحدِّثنا الوثائق أن الفرعون أخذ في بناء محاريب جديدة في الكرنك، وأن كل الأواني التي أُعِدَّتْ لها كانت من السام والذهب وكل حجر ثمين من الأسلاب التي غنمها جلالته في حملته الأولى المظفرة، ويقول الفرعون: «إن جلالتي قد ساق معه كلَّ زوجات ملك قادش الخاسئ وأولاده، وأزواج الأمراء الذين كانوا هناك ومعهم أولادهم، ووضع جلالتي هؤلاء النسوة …» (هنا بكل أسف هشم النقش ولم يُذكَر أين أسكنهن، وذكر فقط اسم اثنتين أو ثلاث منهن) «وقد أهدي كل ما خسروه لمعبد والدي «آمون»، بمثابة جزء من الجزية التي فُرِضت على سوريا، أما مجوهرات زوجات ملك قادش الخاسئ، فقد أُخِذت واستعملها جلالتي لتجميل السفينة المقدسة لعيد بداية الفيضان.» (المعروف الآن بفتح الخليج) وهذا العيد كان يُعقد في الشهر الأول من الفصل الثالث.

(٥-٨) العيد السنوي للإله آمون

أما ثاني حادث نقرأ عنه في النقوش فهو احتفال الفرعون بالعيد السنوي الكبير للإله «آمون» بالأقصر، وهو الذي كان يحمل فيه تمثالَ الإله في سفينة من الكرنك إلى الأقصر والعودة به ثانيةً، والنقوش التي عُثِر عليها في «الكرنك» عن هذا العيد مؤرَّخة في السنة الرابعة والعشرين، في اليوم الرابع عشر من الشهر الثاني من الفصل الأول، وفي هذا اليوم يحدِّثنا الفرعون قائلًا: «إن جلالة هذا الإله الفخم سار في احتفالٍ ليقوم برحلته إلى مقره الشمالي (الأقصر)، وإن جلالتي قد أسَّس له قربانًا عظيمة لهذا اليوم عند المدخل المؤدِّي إلى الأقصر، وتحتوي خبزًا وعجولًا وثيرانًا وطيورًا وبخورًا وخمرًا، وكل هذه تؤلف جزءًا من غنائم أول الانتصارات التي منحتي إياها «آمون»، وقد أهديته … لأجل أن أملأ مخازنه فلاحين ليصنعوا له أنواعًا مختلفة من الكتان، وفلاحين لحرث الأرض حتى تُجنَى محاصيل تملأ مخازن والدي «آمون».» ثم استمر يقول إنه أهدى لهذا الإله ثلاثَ مدن، وهي «ينعم» و«نجس» و«حرنكر»، وهي التي سلمت له في سوريا جزءًا من ضياعه المقدسة.١٩
وتدل الأحوال والنقوش التي لدينا على أن خبر انتصار مصر قد وصل إلى بلاد «آشور»، التي كانت وقتئذٍ قد بدأت تظهر في الأفق الدولي، والظاهر أن ملك هذه البلاد قد رأى بثاقب فكره أنه من الخير لبلاده أن يربط أواصر الصداقة والمهادنة بينه وبين مصر، التي ظهرت على الملوك والدول المجاورة له؛ لذلك أرسل هدايا للفرعون في السنة الرابعة والعشرين من حكم «تحتمس»، وقد حرص الفرعون على أن يدوِّنها في يوميات تاريخ فتوحه الحربية؛ إذ كانت هذه الهدايا في الواقع دليلًا على قوة سلطانه وشهرته، وإن كانت في الواقع لم تخضع له بلاد «آشور»، وهناك قائمة بهذه الهدايا (راجع: Urkunden IV. p. 668).
  • جزية أمراء آشور: «قطعة من اللازورد الحقيقي تزن عشرين دبنًا وتسع قدات، وكذلك قطعتان أخريان من اللازورد (المجموع ثلاث قِطَع)، وقِطَع وزنها ثلاثون دبنًا، فيكون مجموعها خمسين دبنًا وتسع قدات (أي: ما يعادل ١٢ رطلًا من اللازورد)، وكذلك لازورد جميل من بابل، وأوانٍ من آشور من حجر حرت الملوَّن …»
  • جزية سوريا: وفي الوقت نفسه وصل إلى الفرعون رسل من سوريا يحملون الجزية والهدايا من بينها: «بنت الأمير ومعها حليها ولازورد من بلاده، ومعها كذلك ثلاثون من العبيد، هذا إلى خمسة وستين من العبيد والإماء، ومائة وثلاثة من الجياد، وخمس عربات مصفحة بالذهب وقضبانها كذلك من النضار، وخمس عربات مغشاة بالسام وقضبانها من «العجت»، فيكون المجموع عشر عربات؛ هذا إلى خمس وأربعين ثورًا وعجلًا، وسبعمائة وتسعة وأربعين ثورًا، وخمسة آلاف وسبعمائة وثلاثة رءوس من الماشية، وأطباق مفرطحة من الذهب … لا يمكن وزنها، وأطباق مفرطحة من الفضة، وقِطَع «زنتها» مائة وأربعة دبنات وخمس قدات، هذا إلى بوق من الذهب مرصع باللازورد وزرد من البرنز مطعم بالذهب ومحلى بحجر «نخن» الحقيقي … وثمانمائة وثمانية وعشرين إناءً من البخور، وألف وسبعمائة وثمانٍ وعشرين زجاجة من النبيذ الحلو، هذا إلى خشب «عجت»، وخشب «عجت» ذي الألوان المختلفة، وعاج وخشب خروب، وخشب مرو وخشب «بسجو»، وحِزَم عدة من خشب الحريق، وكل طرائف هذه البلاد.»
  • أثر هذه الجزية في الحياة المصرية: ولسنا في حاجةٍ هنا إلى لفت نظر القارئ إلى ما كانت عليه هذه البلاد من الثراء والغنى والتفنُّن في الصناعة، والتأنُّق في إخراج قِطَعٍ تُعَدُّ في عصرنا من قِطَع الفن الرفيع والذوق السليم، كما يُلاحَظ أن الأمراء السوريين أخذوا يرسلون بناتهم ليكنَّ في القصر في خدمة الفرعون بين وصيفاته وهن مجهَّزات بحليهن وخَدَمهن وحشمهن، ويُلاحَظ من الآن أن كل هذه الخيرات التي كانت تُجبَى من سوريا ومن كل الفتوحات الأخرى، كان للإله نصيب وافر منها، ولم يَفُتِ الفرعون ذِكْر كل ذلك في نقوشه الدينية التي دوَّنها على المعابد التي كان يقيمها للآلهة المحليين في طول البلاد وعرضها، فنراه مثلًا يقصُّ علينا ما قدَّمه للإله «بتاح» في المعبد الذي أقامه له في الكرنك في هذه الفترة؛ إذ يقول على اللوحة التذكارية التي أقمها في هذا المعبد ما يأتي: «لقد ملأت معبد «بتاح» بكلِّ شيء طريف٢٠ من ثيران وإوز وبخور وخمر وقربان، ومن كل أنواع الفاكهة عندما عاد جلالتي من سوريا بعد حملته الأولى المظفرة التي منحني إياها والدي «آمون»، عندما سلَّطني على كل بلاد زاهي المتحالفة، وهم محصورون في مدينة واحدة «مجدو» … لأني احتبلتهم في هذه المدينة، وأقمتُ حولهم حصارًا يتألَّف من متاريس سميكة.»

    وكذلك يحدِّثنا: «أنه أقام لهذا المعبد أبوابًا من خشب الأرز الجديد من أحسن أخشاب منحدرات لبنان وصفحتها بنحاس آسيوي وجعلته (بتاح) ثريًّا، وجعلته أعظم ممَّا كان عليه من قبلُ، فقد صفحت عرشه العظيم بالسام من أحسن ما تنتجه البلاد، وكذلك أصبحت كلُّ أواني المعبد من الذهب والفضة وكل حجر ثمينٍ غالٍ، وقدمت نسيجًا من الكتان الجميل والكتان الأبيض والعطور المصنوعة من عناصر قدسية، وكذلك لتكون إقامة شعائره سارَّةً.»

    ثم تحدِّثنا اللوحة بعد ذلك عن احتفالات ثلاثة كان لا بد لإقامتها من قرابين خاصة، وأول هذه الاحتفالات هو عيد الإلهة «موت حتحور» التي كانت تُعتبَر زوج الإله «بتاح»، وكان يُعقد في آخِر يوم من السنة، والعيد الثاني كان يُعقد في اليوم السادس والعشرين من الشهر الأول من الفصل الأول، والعيد الثالث هو كما ذكرنا من قبلُ، وهو عيد زيارة الإله «آمون» لمعبد الأقصر، وكان الإله «آمون» في عيده هذا يزور وهو سائر في موكبه معبدَ الإله «بتاح»، الذي كان في طريقه، وهكذا كان اهتمام الفرعون بأولئك الآلهة الذين قدروا له النصر في ساحة القتال.

(٥-٩) موت أحمس بننخبت ومآثره

وفي هذه الفترة من حكم «تحتمس الثالث» مات رجل من أعظم رجالات مصر الذين خدموا بلادهم، وخلدوا ذكراهم بأعمالهم لا بمَحْتِدهم وشرف أرومتهم، ذلكم هو «أحمس بننخبت» الذي عاصَرَ ستة فراعين من ملوك مصر وخدم خمسة منهم، وقد ذكرنا ما قام به من عظيم الأعمال فيما سبق؛ فقد انخرط في سلك الجيش في عهد «أحمس»، وهو في الخامسة عشرة من عمره، واشترك معه في حملته على سوريا في السنة الحادية والعشرين من حكمه، ثم يقصُّ علينا في نقوشِ تاريخِ حياته أنه خدم في عهد أخلافه «أمنحتب الأول» و«تحتمس الأول والثاني»، وعاش حتى عهد «تحتمس الثالث»، وعندئذٍ يقول لنا إنه «بلغ من الكبر عتيًّا، وكنت موضع رعاية جلالتهم، وكنت محبوبًا في البلاط.» ثم يستمر قائلًا: «إن الزوجة المقدسة والزوجة الملكية العظيمة «ماعت كارع» المرحومة كانت قد أغدقت عليَّ الإنعامات ثانيةً، وكنتُ قد ربيتُ أكبر بناتها، وهي الابنة الملكية «نفروع رع» المرحمة عندما كانت طفلةً رضيعةً.»

ومما يُؤسَف له أن سائر نقوش تاريخ حياته قد هشمت ولم يَبْقَ منها شيء، ومما سبق نعلم أن هذا الجندي العظيم قد عاش بعد موت «حتشبسوت»، وأن «نفرو رع» كانت قد توفيت على ما يظهر منذ زمن بعيد، والمعلومات التي نستنتجها من تاريخ حياته لها أهمية عظمى، فنعلم أولًا: أنه بعد ممات «حتشبسوت» بعامين كان لا يُشار لاسمها بوصفها ملكة حكمت البلاد، وعلى الرغم من أن اللقب الذي كانت تحمله وهو «ماعت كارع» بوصفها ملكة فعلية، فإن «أحمس بننخبت» لم يذكرها هنا بلقب الملكة، بل «بالزوجة الإلهية» و«أرملة تحتمس الثاني».

كما نعلم ثانيًا أن «تحتمس الثالث» لم يعجل بمحو اسمها من الآثار بعد اعتلائه عرش الملك، بل انتظر مدة كما ذكرنا. وثالثًا: نعلم أن «أحمس بننخبت» كان مربي الأميرة «نفرو رع» قبل أن يقوم على تنشئتها «سنموت»، اللهم إلا إذا كان لقب مربي الأميرة لقبًا فخريًّا يمنحه المصريون في البلاط أحيانًا. ورابعًا: نفهم من الحملة التي قام بها «أحمس الأول» على بلاد سوريا أنها كانت قد حدثت في أواخر أيامه لا في أوائل حكمه كما هو المفهوم؛ لأنه لو صحَّ ذلك لكان «أحمس بننخبت» قد بلغ سنًّا أرفع من التي وصل إليها؛ إذ كان قد تخطَّى المائة عندما لاقى حتفه على فراش الشيخوخة.

(٥-١٠) تحتمس يقيم معبدًا خاصًّا للإله آمون في الكرنك

والظاهر أن «تحتمس الثالث» عندما عاد من حملته الأولى المظفرة التي جنى منها الخيرات الكثيرة والمال الوافر، أراد أن يقيم للإله آمون معبدًا يناهض في عظمته وبهائه وضخامته معبدَ الدير البحري الذي أقامته «حتشبسوت» للإله آمون ولنفسها، غير أنه أراد أن يقيم معبدًا للإله «آمون» وحده بالقرب من معبده بالكرنك، والظاهر أنه بدأ في إقامته على إثر عودته في الحال كما تحدِّثنا عن ذلك اللوحةُ التي تركها لنا في معبد الكرنك، وهي لوحة عظيمة مصنوعة من حجر الجرانيت، وقد احتفل بعيدِ وَضْع أساس هذا المعبد في السنة الرابعة والعشرين، اليوم الثلاثين من الشهر الثاني من الفصل الثاني، وقد كان هذا الاحتفال يوافق أول يوم في الشهر القمري (Mariette, “Karnak” p. 12).

وهذه اللوحة مهشمة ولم يَبْقَ منها إلا الأسطر الافتتاحية، غير أننا نفهم منها أن «تحتمس الثالث» قد أقام قائمتي العمد والمحراب اللتين يتكوَّن منهما الجزء الشرقي من امتداد معبد الكرنك، وقد كان هذا المعبد شاسع المسافة، حتى إن «تحتمس الثالث» أمر بإزالة معبد قديم للإله «نون»، ووضعه في أقصى الشرق ليفسح المكان لمعبده، على أن السبب الجوهري على ما يظهر لإقامة «تحتمس الثالث» هذا المبنى العظيم شرقي معبد الكرنك، يرجع إلى أن قائمة العمد التي أقامها «تحتمس الأول» بين «بوابتيه» الرابعة والخامسة، تكون المدخل لمعبد الكرنك، وكانت وقتئذٍ أكبر قاعة في المعبد، والوحيدة التي كان يمكن عقد احتفالات للإله فيها، مثل الاحتفال الذي أُقِيم عند تولية «تحتمس» العرش على يد الإله «آمون» ووالده، غير أن هذه القاعة كانت قد أصبحت غير صالحة لإقامة الاحتفالات؛ إذ كانت «حتشبسوت» قد نصبت مسلتها فيها، وبذلك أصبحت بدون سقف، وكان فيها طائفة من العمد عددها ستة في الجهة الشمالية؛ منها أربعة كان قد صنعها «تحتمس الأول» من خشب الأرز، وهي التي جدَّدها «تحتمس الثالث» ودوَّنَ عمله هذا على أحد هذه الأعمدة إذ قال: «لقد أقامها (أي: تحتمس الثالث) أثرًا لوالده «آمون رع»، وذلك بإقامة أربعة عمد من الحجر الرملي أُقِيمت في قاعة العمد تجديدًا للتي أقامها الإله الطيب رب القربان (تحتمس الأول) من خشب الأرز، وقد أضاف جلالتي أربعة عمد زيادة على العمودين اللذين في الجانب الشمالي، ومجموعها ستة مغشاة ﺑ … ومؤسسة … والذي أحضر بسبب اسم جلالتي، وهي جزية كل البلاد التي منحني إياها والدي الإله «آمون» مصنوعة من الحجر الرملي، وارتفاع كل منها ثلاثون ذراعًا على كل جانبي «البوابة» السامية العظيمة … وكانت تضيء الكرنك … من الحجر الرملي نقش بالألوان صور والدي «آمون»، وكذلك صور جلالتي، وكذلك صور والدي الطيب «تحتمس الأول».

تأمَّلْ! لقد أقمتُ ما كان متداعيًا فيها بالحجر الرملي؛ لكي يصبح هذا المعبد مؤسسًا … مثل السماء مرتكزة على عمدها الأربعة بوصفها آثارًا ممتازة مفيدة لوالد الأبدية من الجرانيت والعاج والحجر الرملي … والفضة «لجميل الوجه» (لقب يطلق على الإله بتاح)، وإني أقسم بقدر ما يحبني الإله «رع» وبقدر ما يحبني الإله «آمون»، بأني أقمتها من جديد في الجهة الجنوبية، بالإضافة إلى ما كان قد أضافه والدي.»

وعلى ذلك نجد أن الجزء الشمالي من القاعة — وهو المكان الذي كان قد وقف فيه «تحتمس الثالث» عندما تُوِّج ملكًا على البلاد — قد أصلحه هو، ولكن الجزء الجنوبي كان لا يزال بدون عمد وسقف، وكانت قاعدة مسلة «حتشبسوت» التي أُقِيمت فيه قد شغلت مكان ثمانية أعمدة؛ أيْ ما يقرب من ثلث قاعة العمد كلها، وعلى ذلك أصبحت القاعة غير صالحة لإقامة المحافل فيها لوجود المسلة في وسطها، ممَّا عاق في الوقت نفسه وضع سقف لها، ولهذا أقام «تحتمس الثالث» بناء حول كلٍّ من المسلتين ليكسو نقوش «حتشبسوت» التي كان يكره ذكراها، هذا إلى أنه توقَّف عن عمل أي إصلاح في القاعة التي تُوِّج فيها.

fig33
شكل ٣: قاعة الأعياد بالكرنك.
قاعة الأعياد: ولما كانت مثل هذه الحجرة لا غنًى عنها لإقامة المحافل العظيمة، فإنه بنى في الجهة الشرقية من المعبد قاعةَ الأعياد التي نحن بصددها، وقد كلَّفَ مهندس مباني «منخبر رع سنب» الإشراف على هذا المبنى، وكان هذا المهندس يحمل كذلك لقبَ الكاهن الأول للإله «آمون»، وقد ذكر لنا في نقوش مقبرته علاقته بهذا المعبد الجديد،٢١ أما النقش الذي على اللوحة التي دُوِّنت عن بناء هذا المعبد فهو:
الوحي: … لقد أمر الملك نفسه بتدوينها على حسب ما ذكر الوحي لتنفيذ آثاره أمام الذين على الأرض، لقد رغب جلالتي في إقامة هذا الأثر لوالدي «آمون رع» في الكرنك، وهو إقامة مسكن يجمل الأفق ويزين «خافت حرنبس»، وهو المكان المختار لوالدي منذ الأزل (أحد ربوع طيبة) «آمون رع» رب طيبة، ولقد أقمته له على هذه الكتلة من الحجر الصلب، رافعًا اسمه ومعظمًا له بدرجة عظيمة منذ … ماء محراب «نون» عندما يصل في مواعيده.
إزالة المباني القديمة: لقد أقمته له على حسب رغبته وأرضيته بما فعلته له؛ لأني أقمتُ أولًا محرابًا في الجهة الشرقية من هذا المعبد. تأمَّلْ! لقد وجد جلالتي الجدارَ المحيط من اللبن، وقد أزلت الجدار المبني من اللبن لأجل أن أمدَّ بناء هذا المعبد فنظَّفْتُه، وأزلتُ الأجزاء المخربة منه، وأزلت السور الذي كان بجانبه، وهو الذي امتدَّ حتى المعبد، وقد أقمت هذا المكان حيث كان السور لأُقِيم عليه هذا الأثر … الكرنك، فأقمته من جديد ونفذت ما كان قد أمر به، ولم أستحل لنفسي آثارَ غيري، وإن جلالتي ينطق صدقًا ليعلمه كل واحد؛ لأني أمقت الكذب والمين. حقًّا إني أعلم أنه مسرور بذلك.
محافل التأسيس: وقد أمر جلالتي أن يُعَدَّ الحفل لوضع الحجر الأساسي عند حلول يوم العيد بالقمر الجديد، وأن يُمَدَّ حبلُ المقياس على هذا الأثر في السنة الرابعة والعشرين، الشهر الثاني من الفصل الثاني، اليوم الأخير من الشهر، وهو يوم العيد العاشر للإله «آمون» في … وقد جلس الإله على عرشه العظيم، وبعد ذلك سرت وراء والدي «آمون»، وقد بدأ الإله في ذهابه للاحتفال بعيده هذا الجميل، وقد تعجَّبَ هذا الإله … وقد اتخذ هذا الإله مكانه لمدِّ حبل القياس لوضع الأساس، وقد وضع جلالته أمامه هذا الأثر الذي حدَّده لجلالته، وقد سُرَّ جلالة هذا الإله بهذا الأثر … ثم تقدَّمَ جلالة هذا الإله واحتفَلَ بهذا العيد الجميل لسيده.

ويلحظ هنا أن الجزء الأخير من هذا النقش مهشم، ولا يمكن فهم شيء منه على وجه التأكيد.

هندسة المعبد

وهذا المعبد العظيم الذي سردنا ذكره ممَّا بقي في اللوحة التي نقشت عنه، لا يزال قائمًا حتى الآن، ويحتوي على قاعة رئيسة فسيحة الأرجاء يرتكز سقفها على صفين من العمد، يشتمل كلٌّ منهما على عشرة عمد ذات تيجان غريبة تمثِّل في الواقع عشرة محاور ارتكازية لسرادق؛ ولذلك يجد المتأمِّل في القاعة أنها تمثِّل خيمة عظيمة، وتحقيقًا لهذه الفكرة أُقِيم دهليز منخفض السقف حول جوانب القاعة مماثِل للهدب المرفوعة على جوانب الخيمة، ومن المحتمل جدًّا أن هذا الطراز الفذ من المباني كان يقصد به «تحتمس الثالث» أن يُبرِز به في صراحة صفات الفرعون الحربية، وأن يُبرِز اعتقادَه بأن الإله «آمون» إله حرب من جهة أخرى، وأنه إنما يأوي إلى معسكر في سرادق مثل هذا لا إلى بيت أو محراب على غرار الآلهة الآخرين. وفي جوانب هذه القاعة وخلفها أُقِيمت حجرات عدة كما أُقِيمت أمام المعبد في الجهة الغربية ردهة مكشوفة تفصل بين هذا المعبد ومعبد الإله آمون الأصلي،٢٢ وهذا المعبد يُعرَف بقاعة الأعياد، ويُعَدُّ بحقٍّ من أجمل المباني في طيبة، ويبلغ طول القاعة العظمى التي وصفناها نحو ١٤٠ قدمًا، وخلفها يقع المحراب أو قدس الأقداس.
حجرة الأجداد: أما الحجرة التي حولها فيبلغ عددها نحو خمسين حجرة، ومن بينها الحجرة التي تُعرَف «بحجرة الأجداد»، وتقع في الجهة الجنوبية، وهي التي أمر «تحتمس الثالث» بأن تُنقَش فيها نخبةٌ من أسماء أجداده ملوك مصر، وأن يزاد في قربانهم، وأن تُصنَع لهم تماثيل، وهذه الأسماء الملكية من المصادر التي يُعتمَد عليها في تاريخ ملوك مصر كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وقد انتزع «بريس دافن» أحجارَ هذه الحجرة برمتها ونقلها إلى باريس حيث بُنِيت من جديدٍ بمتحف اللوفر بالقسم المصري، ومن غريب الصدف أن بعض التماثيل، التي أمر بنحتها الفرعون لهذه الحجرة، عُثِر عليها في خبيئة الكرنك مع غيرها من التماثيل التي كان منصوبةً في هذا المعبد.

(٥-١١) الحملة الثانية

لم تحدِّثنا الآثار عن أي عمل حربي قام به هذا الفرعون في حملته الثانية إلى بلاد رتنو؛ لأن النقوش هنا مع الأسف مهشمة حتى عند الجزية التي كان يحملها له أمراء الممالك المختلفة، وهاك ما بقي لنا من النص:

السنة الرابعة والعشرون: قائمة بالجزية التي أُحضِرت إلى عظمة جلالته من بلاد رتنو.

  • (١)

    جزية بلاد آشور: قطعة عظيمة واحدة من اللازورد الحقيقي …

  • (٢)

    جزية بلاد رتنو: … جلود الحيوان «مخاو» لتجليد عربة صُنِعت من أحسن الأخشاب، ومائة واثنتان وتسعون عربة، وثلاثمائة وثلاث وأربعون قطعة من خشب «نحب»، وخمسون قطعة من خشب الخروب، ومائة وتسعون قطعة من خشب «مرو»، ومائتان وست قِطَع من خشب «نبي» وخشب «كانك» وأخشاب زيتون …

ومن ذلك نرجح أن هذه الحملة قد قام بها «تحتمس الثالث»؛ لتفقُّد أحوال البلاد التي فتحها من قبلُ، وما كان عليه الأمراء من الولاء له، ولإحضار مقدار عظيم من الخشب التي كانت البلاد المصرية تفتقر إليه، والظاهر أن ملك آشور لم يَفُتْه إظهارُ ولائه، فبعث لجلالته بهدايا كثيرة أخرى.

(٥-١٢) الأشجار والحيوانات التي جلبها الفرعون من بلاد سوريا

وفي السنة الخامسة والعشرين (المتن هنا مهشم)، والظاهر أن الفرعون قد حارب بعض الولايات هناك، وأنه أشعل النار في بعض مدن واستولى على أسلاب من العدو، وفي هذه الحملة أحضر الفرعون مجموعةً من الأزهار انتخبها لتُغرَس في مصر، وقد غُرِست في «طيبة» وأزهرت إزهارًا يانعًا، ونشاهد أنه لما تمَّ بناء المعبد فيما بعدُ نُقِشت أنواع هذه الأشجار على جدران إحدى حجراته، ويمكننا أن نشاهد ما تبقَّى منها إلى يومنا هذا، ونستطيع أن نعرف الأزهار العدة التي كانت تزيِّن حديقة معبد «آمون». وتحدِّثنا النقوش في السنة الخامسة والعشرين أن هذه الأزهار هي التي أحضرها جلالته في هذه السنة، والظاهر أنه كان قد أحضر مع مجموعة الأزهار هذه عدةَ طيور وحيوانات استُؤنِست في طيبة كما يظهر من المجموعة التي على جدران إحدى حجرات هذا المعبد، ويُطلَق على مجموعة الأزهار هذه جنينة النباتات، وعلى الرغم من أن الجزء الأعلى من الجدران التي رُسِمت عليها هذه الأزهر والنباتات قد زال من عالم الوجود، فإن ما تبقَّى منها يعطينا فكرةً عمَّا كانت تشتمل عليه تلك الحديقة.

ونجد عليها كلَّ النباتات التي وجدها جلالته في أرض «رتنو» (بلاد سوريا)؛ إذ يقول المتن: «إن كل النباتات التي كانت تنمو، وكل الأزهار التي في أرض الإله التي كشفها جلالته هناك، قد أحضرها عندما ذهب ليُخضِع كلَّ الممالك على حسب أوامر والده آمون، وهو الذي ألقاهم تحت موطئ نعلَيْه.»

وقد بقي على الجدران حتى الآن رسم ١٧٥ نباتًا أو أجزاء من نباتات، وقد درسها العالم الألماني «شفينفورت» فوصل إلى النتائج الآتية: ظهر أن رسم بعض النباتات كان رسمًا علميًّا صحيحًا متقنًا، وأن بعضها كان رسمًا تقريبيًّا قد اعتمد فيه على ذكريات مبهمة ممَّا رآه المفتن، كما أن بعضها كان خياليًّا محضًا، والواقع أن المفتن الذي رسمها كان يقوم برسم نباتات غريبة عنه، ولما لم يكن لديه وثائق يرجع إليها فإنه كان يعتمد على الخيال.

وقد عرف «شفينفورت» بعضَ النباتات من بين هذه التي وُجِدت على الجدران، منها الرمان الذي كانت زراعته قد أُدخِلت في مصر في تلك الفترة مباشَرةً، وكذلك عرف Arum italicum، وDracunculus Vulgaris وCalenchoe والإيرس (زنبق)، غير أننا لسنا متحققين من وجود نبات Dipsacus، وChrysanthemum، ونبات Convolvulus. ومع أننا وجدنا بعض النباتات قد رُسِمت بدقة، فإنه مع ذلك لم يمكن معرفتها، وقد أمر «تحتمس الثالث» بأن تُرسَم كل هذه النباتات ليضعها أمام والده آمون في معبده العظيم، حتى يذكر اسمه إلى الأبد (راجع: Capart, “Thebes” P 176-7; Breasted, A. R. II, § 193).
ولم يأتِ ذِكْر السنة الخامسة والعشرين في النقوش الأخرى إلا على لوحة صغيرة نُقِشت في الصخر في «سرابة الخادم» في شبه جزيرة سينا،٢٣ ذكر لنا فيها رئيس المالية المسمَّى «ري» أنه جاء على رأس حملة في هذه السنة إلى تلك الجهة للحصول على الفيروز.

ولم يصلنا شيء عن حملته الرابعة، ويُحتمَل أن نقوشها قد فُقِدت، وربما كانت لتثبيت سلطانه في الممتلكات التي فتحها؛ ولذلك لا نعلم شيئًا عن حروبه في السنة السادسة والعشرين.

وفي السنة السابعة والعشرين لم نعرف له أثرًا يُذكَر، اللهم إلا لوحة نُقِشت على صخور «سرابة الخادم»، وكذلك في السنة الثامنة والعشرين لم يصلنا عنها شيءٌ مباشَرةً، ولكن لدينا نقوش قبر هامة ذُكِر فيها هذا التاريخ، وهي لمدير بيت الوزير «وسر» المسمَّى «أمنمحات»، وكان قد جمع ثروةً طائلةً، وأقام لنفسه مقبرةً فخمةً في طيبة،٢٤ وفي نقوش مقبرة «أمنمحات» هذا معلوماتٌ هامةٌ تُلقِي بعضَ الضوء على حياة القوم، وبخاصة الطبقة العليا منهم؛ مما جعلنا نقتطف منها ما يأتي، يقول أمنمحات عن نفسه:
حالة البلاد الاجتماعية والدينية من نقوش أمنمحات: لقد كنتُ خادمًا خدم سيده، ورجلًا قديرًا عمل ما قال، وقد وضع رئيس الوزراء كل ضياعه تحت إدارتي، وكل خاتم له تحت تصرُّفي، وكان رئيس الوزراء يفعل كلَّ ما يرضي الفرعون يوميًّا، وجعل الحق يذهب لسيده الذي يحبه جلالته في كل الأوقات، وقد فعل كلَّ ما يحبه الإله في تأدية الأوامر وتنفيذ الأنظمة … وذلك بعمل الحقِّ الذي يحبونه مراعيًا الفقير كما يراعى الغني، وحاميًا الأرملة التي لا أقارب لها، ومسريًا عن روح المسن والشيخ، ومنصبًا الأولاد في الوظائف التي كان يشغلها آباؤهم، وجاعلًا كلَّ إنسان سعيدًا. والآن صاغ رئيس الوزراء مجوهرات عدة من الذهب والفضة واللازورد والفيروزج، وكل أنواع الأحجار الكريمة، وصاغ أواني من ذهب وفضة ونحاس وبرنز، وصنع أثاثًا من العاج والأبنوس وخشب الأتل (السنط)، وكنت أنا الذي أشرفت على هذا. وكذلك نحت عدة تماثيل للقصر نفسه لتُوضَع في محاريب الآلهة، وكنتُ أنا الذي أشرف على هذا العمل أيضًا، وغرس لنفسه حديقةً غنَّاء كبيرة جدًّا في غرب المدينة الجنوبية (طيبة)، فيها كل أنواع الأشجار الجميلة، ومزيَّنة بكل أنواع أشجار الفاكهة، وقد قمتُ أنا بهذا العمل، وكذلك أقام لنفسه قصرًا كريمًا، جدرانه من اللبن وأبوابه من الحجر، وقد كُلِّفت بهذا العمل أيضًا.
ولا نزاع في أن هذا المتن يُلقِي بعض الضوء على علاقة الملك بوزيره، وعلاقة الوزير بمدير بيته وحاسب غلاله، كما يكشف لنا عن الثراء الذي كان يتدفَّق على البلاد في ذلك الوقت، وما كان يتمتع به الأغنياء وأصحاب الجاه في هذه الحياة الدنيا من قصور فاخرة تُبنَى باللبن، وحدائق غنَّاء تُزرَع فيها أشجار الفاكهة ممَّا لذَّ وطاب، ولقد كان هذا الثراء والنعيم هو نفس ما يتطلبه المتوفى في الآخرة؛ ولذلك نجد المصري يتضرع للآلهة أن يوهب روحه أو قرينه مثل ذلك، فاستمع إلى أهل «أمنمحات» وهم يتوسلون إليه:

يا «أمنمحات» ليت ذكراك تبقى في بيتك، وتماثيلك في محاريبك، وروحك حي، وجسمك محفوظ في قبرك بالجبانة، ويبقى اسمك في فم أطفالك إلى الأبد، يا أمنمحات! إن الصخرة تمدُّ إليك ذراعَيْها، وأرض الغرب تبتهج بصلاحك وتنحني إجلالًا لك بعد تلك السنين من عمرك الطويل المحترم، وتفسح لك مكانًا بين أتباعها الذين يعيشون فيها إلى الأبد يا أمنمحات! ليتك تدخل وتخرج من الجبل الغربي كما تريد، وتسير داخل (بوابات) العالم السفلي لتعبد إله الشمس عندما يطلع من الجبال، وتنحني له عندما يغرب في الأفق، ليتك تتسلَّم القربان وتشبع بالأكلات على مائدة «أوزير» رب الأبدية! وليتك تتنزه كما ترغب على شاطئ بحيرة حديقتك! وليت قلبك ينعم بأزهار حديقتك، وليتك تروح عن نفسك تحت ظلال أشجارك! وليت ظمأك يطفأ من ماء البئر التي حفرتها أبد الآبدين! وليتك تخترق جبال الجبانة وتخرج لترى بيتك في أرض الأحياء، وتسمع صوت الغناء والموسيقى التي على الأرض، وتكون روحًا حارسًا لأولادك إلى الأبد!

ويرى القارئ من هذا النص أن المصري كان متعلِّقًا بعالم الدنيا، ولا يرغب إلا في العودة إليه ليتمتع بنعيمه ولذائذه بعد الموت، حتى إنه كان يتمنَّى أن يخترق جبال الجبانة، ويخرج إلى عالم الحياة الدنيا، ويتمتع بالغناء والموسيقى في قاعة بيته التي طالما تقلَّبَ في أعطاف النعيم فيها.

(٥-١٣) تحتمس الثالث يستولي على مواني ساحل فينيقية لتكون قاعدة لجيوشه

وتدل ظواهر الأحوال وما يُستنتَج من النقوش على أن «تحتمس الثالث»، بعد أن وطَّدَ أركان السلام في الربوع التي فتحها أخيرًا، رأى أنه لا يمكنه أن يسير في طريق الغزو شمالًا بين جبال لبنان ليقضي على مملكة قادش، دون أن يستولي على مدن فينيقيا الساحلية التي قد تصبح خطرًا يهدِّده دائمًا من خلفه؛ وكذلك رأى أنه من العسير عليه أن يهاجم بلاد النهرين (مملكة المتني) دون أن يستولي على مملكة «قادش» الواقعة على نهر العاصي، وكانت لا تزال خارجةً عن سلطانه؛ ولذلك بنى «تحتمس الثالث» أسطولًا عظيمًا وجهَّزَه بكل ما يلزم من عتاد ليتمكَّنَ بمساعدته من النزول في شمال ساحل فينيقية، وبخطته هذه يمكنه أن يتخذ الساحل قاعدةً حربيةً لمهاجمة قادش وما حولها من البلاد المعادية، حتى إذا ما استولى عليها استطاع أن يسير بجيشه من الساحل موغلًا في الداخل نحو بلاد المتني وكل إقليم بلاد النهرين، ولا نزاع في أن هذه الخطة المبتكرة تدل على نبوغٍ في الخطط الحربية لم يصل أحدٌ إليه ولم يسبقه بها، يضاف إلى ذلك أنه نفَّذَها بنشاط ومثابرة لا تعرف الملل، وعزم لا يعرف الكلل، وقد قال أحد المؤرخين المحدثين: لو كانت هذه الخطط بعينها استُخدِمت في الحرب العالمية الأولى في الحملة على الأتراك، لَانتهت الحملة في العام الأول.

(٥-١٤) الحملة الخامسة

قام «تحتمس الثالث» بجيشه زاحفًا نحو «سوريا» في حملته الخامسة؛ ليطفئ نار ثورة محلية في مكانٍ لم يُعرَف اسمه، وربما كان «وارثت» على ساحل فينيقية، فإنه يقصُّ علينا دون مقدمات أنه استولى على المدينة، ولا بد أنها كانت ذات شهرة عظيمة وثراء جم؛ إذ استولى منها على مغانم كثيرة، وقد كان فيها معبد للإله آمون بناه أحد آبائه، وبعد أن استولى على تلك المدينة المجهولة أقلع بأسطوله وسار شمالًا محاذيًا للشاطئ حتى وصل إلى مدينة «أرواد» العظيمة، فحاصرها (انظر مصور رتنو العليا)، ولم يمضِ طويل زمن حتى سلمت، وبسقوطها استولى المصريون على مقدار عظيم من ثروة فينيقية، واتفق أن الاستيلاء عليها كان في فصل الخريف، وقد كانت الحدائق والخمائل محمَّلة بالفاكهة، والخمر يجري كالغيث، وحبوبها تنحدر على جوانب الرمال أكثر من رمال الشاطئ، وقد غنم رجال الجيش مغانم عظيمة بالسلب والنهب حتى إن «تحتمس» لم يكن في مقدروه في مثل هذه الأحوال أن يحفظ النظام بين رجال جيشه. والواقع أن رجال جيشه في الأيام الأولى كانوا ثملين ومعطرين بالزيوت الزكية الرائحة، كأنهم يحتفلون بعيد في مصر.

وعلى إثر هذه الهزيمة جاء أمراء الساحل حاملين جزيتهم مقدِّمين خضوعهم، وبذلك ضمن «تحتمس» لنفسه منفذًا بل منافذ على سواحل البحر في الشمال؛ ليربط بينه وبين مصر من جهة، وبينه وبين جيوشه الموغلة في الداخل من جهة أخرى، ومن ذلك الوقت أصبحَتْ مدنُ هذا الساحل قاعدةً لأعماله الحربية في داخل هذه البلاد؛ تنفيذًا لخطته التي كان قد وضعها لمهاجمة ملك «قادش».

وقبل أن ننتقل إلى حروبه مع ملك قادش نورد النص المصري القديم عن هذه الحملة؛ ليقف القارئ على مقدار الأسلاب التي استولى عليها الفرعون خلالها:
السنة التاسعة والعشرون: تأمَّلْ! كان جلالته في أرض «زاهي» ليخضع البلاد الأجنبية الثائرة عليه في حملته الخامسة. تأمَّلْ! إن جلالته استولى على «وارثت» … وهلَّلَ هذا الجيش لجلالته كما قدم ثناءه للإله آمون لما وهبه من نصر لابنه، وقد كان ذلك سارًّا لقلب جلالته أكثر من أي شيء، وعلى إثر ذلك اتجه جلالته نحو مخازن القربان ليقدم القرب للإلهين «آمون» و«حواراختي»، من ثيران وعجول وطيور لأجل فلاح وعافية «منخبرع» (تحتمس الثالث) العائش مخلدًا.
الغنائم التي استولى عليها من هذه المدينة: قائمة الأسلاب التي استولى عليها رجاله من العدو صاحب مدينة «تونب»: أمير المدينة، ثلاثمائة وتسعة وعشرون محاربًا، ومائة دبن من الفضة، ومائة دبن من الذهب، هذا إلى لازورد وفيروزج وأوانٍ من البرنز والجمشت.
الاستيلاء على سفينتين من العدو في أثناء عودة الفرعون إلى وطنه: تأمَّلْ! إنه استولى على سفينتين مجهَّزتين ببحارتهما ومحمَّلتين بكل شيء، من عبيد وإماء ونحاس وقصدير واستفياذج (صنفرة)، وكل ما طاب.

وبعد ذلك سار جلالته إلى مصر إلى والده «آمون رع» بقلب فَرِح.

نهب أرواد: تأمَّلْ! إن جلالته نهب مدينة «أرواد» بما فيها من حبوبٍ، كما قطع كلَّ أشجارها الجميلة.
خيرات بلاد زاهي: تأمَّلْ! لقد وجد كل منتجات بلاد زاهي؛ فكانت حدائقها محمَّلة بالفاكهة، وقد بقي نبيذها في معاصرها يسيل كالماء، كما كانت حبوبها مكدَّسة في أجرانها أكثر من رمال الشاطئ، وقد غمر رجال الجيش بأنصبتهم.
قائمة الجزية التي جلبها جلالته من هذه الحملة: أحضر واحدًا وخمسين من العبيد والإماء، واثنين وثلاثين جوادًا، وعشرة أطباق من الفضة، وكذلك أحضر أربعمائة وسبعين إناءً من الشهد، وستة آلاف وأربعمائة وثمانية وعشرين إناءً من الخمر، ونحاسًا وقصديرًا ولازوردًا، وفلسبارًا أخضر، ونحو ستمائة وثماني عشرة من الماشية الكبيرة، وثلاثة آلاف وستمائة وستة وثلاثين رأسًا من الماشية الصغيرة، ورغفانًا مختلفة أنواعها، وقمحًا نقيًّا، وحبوبًا مطحونة … وكل فاكهة جميلة من هذه البلاد. تأمَّلْ! إن جنود جلالته كانوا ثَمِلين ومعطرين بالزيت كلَّ يوم كأنهم في عيد في مصر.
أثر الغنائم في المصريين: والواقع أن هذه المغانم (إذا كانت الأرقام التي تدل عليها صحيحةً) تُشعِر ببداية إدخال الترف والنعيم على قوم مصر بصورة مزعجة مما لم يُسمَع به من قبلُ في تاريخ البلاد؛ ولذلك لا ندهش إذا كنَّا نرى أن هذا اليسار والثروة الطائلة كان الخطوة الأولى في انحلال الأخلاق، وفساد العناصر الطيبة في البلاد، ممَّا أدَّى بعد زمنٍ غير طويل إلى الانحطاط الخلقي والعسكري معًا. وسنرى أن الدم المصري أخذ يلتحم بالدم الأجنبي ويمتزج به من جرَّاء ما كان يرد على البلاد من أجنبيات فاتنات لا ينقطع معينهن.

(٥-١٥) الحملة السادسة في السنة الثلاثين

وفي السنة الثلاثين قام الفرعون بحملته السادسة، وكان غرضه على ما يظهر الاستيلاء على بلدة «قادش» (تل بني مند)، فأقلع من مصر ونزل بجيشه عند «سميرا» شمالي «أرواد»، وتقدَّمَ نحو «قادش» الواقعة على الجانب الأيمن لنهر العاصي في أقصى شمال الوادي العالي الواقع بين جبلي لبنان، وكانت المدينة وقتئذٍ محصَّنة من جميع الجهات، بنهر العاصي وفرع منه، ثم بقناة حُفِرت لتوصل بينهما، هذا إلى وجود تحصينات أخرى خلف هذه التحصينات الطبعية لتحمي المدينة؛ ولذلك كان الاستيلاء عليها يُعَدُّ من الأعمال الحربية العسيرة المنال.

حصار قادش والاستيلاء عليها

وقد حاصَرَها «تحتمس» مدة طويلة، انتهزت في خلالها بعضُ المدن الساحلية هذه الفرصةَ وشقَّ أهلها عصا الطاعة على الفرعون، من بينها مدينة «أرواد» التي قامت بثورة للتخلُّص من الجزية التي كانت تدفعها للفرعون سنويًّا، ولكن على إثر سقوط «قادش» طار «تحتمس» على جناح السرعة إلى «سميرا»، وأنزل جيشه في الأسطول الذي كان في انتظاره، وأقلع به إلى مدينة «أرواد» وأوقع بأهلها عقابًا صارمًا، وقد كان هذا العصيان من جانب «أرواد» درسًا عمليًّا «لتحتمس الثالث» ألَّا يسير في خطته لغزو بلاد «النهرين» قبل أن تدين لسلطانه كلُّ بلاد الساحل؛ ولذلك نجده قد أمضى صيف السنة الواحدة والثلاثين من حكمه وهي الحملة السابعة في القضاء على أي ثورة، وكبح جماح أي عصيان في هذه الجهات.

وهاك النص المصري الذي دوَّنه عن الحملة السادسة في السنة الثلاثين:
السنة الثلاثون: تأمَّلْ! كان جلالته في بلاد «رتنو» في حملته المظفرة السادسة.
الاستيلاء على قادش: وصل جلالته إلى مدينة «قادش» فاستولى عليها، واجتثَّ أشجارَ خمائلها، وحصد غلَّاتها، ثم سار إلى إقليم «سشريت»، ومن ثَمَّ وصل إلى بلدة «سميرا»، ثم وصل إلى بلدة «أرواد» وفعل فيها بالمثل.
جزية رتنو: قائمة بالجزية التي أحضرتها قوة جلالته من أمراء رتنو في هذه السنة. تأمَّلْ! إن أولاد الأمراء وإخوتهم سيقوا إلى المعاقل المصرية. تأمَّلْ! إنَّ كل مَن مات من بين هؤلاء الأمراء كان جلالته ينصب ابنه مكانه.
قائمة بأولاد الأمراء الذين أُحضِروا هذا العام: ستة وثلاثون رجلًا، ومائة وواحد وثمانون من العبيد والإماء، ومن الخيل مائة وثمانية وثمانون، وأربعون عربة مصفحة بالذهب والفضة المطلية بالألوان.

ونعلم من هذا النص فضلًا عن الغنائم التي استولى عليها الفرعون، أنه كان يستولي على أبناء الأمراء، ويُنشِئهم في مصر تنشئةً مصريةً، ثم يضعهم مكان آبائهم بعد موتهم كما سبق شرح ذلك.

(٥-١٦) الحملة السابعة والغرض منها

وقد كان الغرض الأول من هذه الحملة هو إخضاع بلدة عاصية تُدعَى «انراثو» (ألاوزا)، وتقع على الساحل بالقرب من «سميرا»، وقد كانت في حلف مع بلدة «تونب»، وقد كان في مقدور الفرعون وقتئذٍ أن يحشد قوة كبيرة في أسطوله، ويسير بها مباشَرةً لإخضاع هذه البلدة، وقد تمَّ له ما أراد؛ إذ زحف بجيشه وأخضعها في سرعة خاطفة، وهاك النص المصري عن هذه الحملة:
السنة الواحدة والثلاثون: مجموع الأسلاب التي استولى عليها جلالته في مدينة «انراثو» (أولازا) الواقعة على ساحل «نهر الكلب» (إليوتيرس) أربعمائة واثنان وتسعون أسيرًا أحياء … ابن العدو صاحب «تونب» … ورئيس … الذين كان فيها والمجموع أربعمائة وأربعة وتسعون رجلًا، وستة وعشرون جوادًا، وثلاث عشرة عربة، وكل معداتها من آلات الحرب، وقد استولى جلالته على هذه المدينة في مدة قصيرة، وكل متاعها كان غنيمة له.
الجزية من بلاد رتنو: جزية أمراء «رتنو» الذين أتوا ليقبلوا الأرض من أجل قوة جلالته في هذه السنة … عبيدًا وإماءً … ذهبًا، واثنين وسبعين طبقًا من الفضة من صنع هذه البلاد، وسبعمائة وواحدًا وستين دبنًا، وقدتين من الفضة، وتسع عشرة عربة مصفحة بالذهب، ومعدات من كل الآلات الحربية، ومائة وأربعة ثيران وعجول، ومائة واثنين وسبعين بقرة، فيكون المجموع مائتين وستة وستين، وكذلك أربع آلاف وستمائة واثنين وعشرين من الماشية الصغيرة، وأربعين قالبًا من نحاس البلاد، وقصديرًا … وإحدى وأربعين سوارًا من الذهب المحلَّى بالصور، وكذلك كل محصولها، وكل الأخشاب ذات الرائحة العطرة في هذه البلاد.
تموين الثغور: تأمَّلْ! إنَّ كل ثغر وصل إليه جلالتي كان قد مُدَّ بالخبز الجميل وبالرغفان المتنوعة، وبالزيت وبالبخور والنبيذ والشهد وكل الفاكهة الجميلة من هذه البلاد … وكانت كثيرة يخطئها العد، وأكثر ممَّا عرفها جيش جلالتي من قبلُ، وهذا ليس بكذب فقد دونت في المذكرات اليومية في القصر (أي: الفرعون له الحياة والفلاح والصحة)، وقائمتها لم تدون في هذه النقوش بعدًا عن كثرة الكلام، ولأجل أن نورد مناسبتها في هذا المكان (وكذلك فيما يخص محصول بلاد رتنو)، فإنه لم يُدوَّن هنا لنفس السبب السالف الذكر، بل دُوِّن في إدارة بيت المال.

وكذلك لم يعلن محصول بلاد «رتنو»، ويحتوي على كثير من البر النقي، وعلى قمح في سنابله وشعير وبخور وزيت أخضر، ونبيذ وفاكهة وكل شيء حلو من البلاد، وستسلم للخزانة مثل محصول بلاد كوش.

جزية بلاد آسيوية أخرى:٢٥ جزية أمير … بلاد … في هذا العام … وثلاثة وثلاثون قدحًا للشراب، وكذلك جلود وكل حجر ثمين من هذه البلاد، وكذلك أحجار أخرى عدة مرصعة بكل الأحجار الثمينة التي في هذه البلاد.
وفي هذه السنة وصلت بعثة من بلاد بنت إلى مصر يحمل رجالها إلى الفرعون جزية هذه البلاد من العطور والفاكهة.٢٦

وكذلك وصل إلى الفرعون من بلاد «كوش» وبلاد «واوات» الجزية السنوية التي كانت تؤدِّيها هذه البلاد لجلالة الفرعون، وهي تلك المحاصيل التي اشتهرت بها هذه الأصقاع، وهاك النص:

جزية بلاد كوش الخاسئة في هذا العام: … دبنًا من الذهب، وعبيدًا وإماء من الزنوج س + ٦ وأسرى من الذكران السود بصفة تابعين، ويبلغ عددهم عشرًا؛ هذا إلى مائة وثلاثة عشر من البقر والعجول، ومائتين وثلاثين من الثيران مجموعها ثلاثمائة وثلاثة وأربعون؛ هذا إلى سفن محمَّلة بالعاج والأبنوس وجلود الفهود، ومن كل المحصولات الجميلة من هذه البلاد، يُضاف إلى ذلك حصاد الإقليم.
جزية بلاد واوات: جزية واوات … دبنًا من الذهب، وعبيدًا وإماء من سود واوات، وواحدة وثلاثين بقرة، وواحدًا وستين ثورًا، فيكون المجموع اثنين وتسعين؛ هذا عدا سفن محمَّلة بكلِّ ما لذَّ وطاب من هذا الإقليم، وكذلك حصاد واوات.

ويُلحَظ في محصول هذه الجهات السودانية أنها كلها كانت مواد أولية وحيوانات، هذا على عكس ما نشاهده من المنتجات الفنية العظيمة التي كانت ترد من بلاد آسيا، ممَّا يضع أمامنا الفرق بين البلدين المحتلين من حيث التقدُّم والحضارة.

(٥-١٧) الحملة الثامنة وتُعَدُّ أعظم غزواته

ظلَّ تحتمس الثالث في مصر عامين بعد حملته السابعة، ثم قام بحملته الثامنة في السنة الثانية والثلاثين، وتُعَدُّ أعظمَ غزوة قام بها في كل حروبه بعد الغزوة الأولى؛ إذ تمَّ «لتحتمس الثالث» في نهايتها كلُّ ما كانت تصبو إليه نفسه وتتطلع إليه آماله، وهو الوصول إلى نهر الفرات وإخضاع كل البلاد المجاورة له. وقد دوَّنَ لنا انتصاراته في هذه الحملة في النقوش التي على جدران معبد الكرنك، وكذلك في لوحة جبل «بركال»، وسنفصل القول أولًا في هذه الحملة، ثم نورد المتنين اللذين وصلَا إلينا، وكذلك نشير إلى ما جاء عن حملته هذه في حياة «أمنمحات» الذي كان يرافقه في كل حملاته في بلاد آسيا.

في السنة الثالثة والثلاثين من سني حكمه شرع «تحتمس الثالث» في القيام بحملته الثامنة، وهي التي وصل فيها إلى قمة مجده الحربي؛ إذ في غضونها عبر نهر الفرات غازيًا بلاد النهرين (المتني)، وقد كانت أول حركة قام بها هي غزو أقاليم «قطنة» (وهي بلدة المشرفة الحالية على مسيرة ثمانية عشر كيلومترًا شمالي شرقي حمص).٢٧
وتدل الأحوال على أنه كانت قد قامت اضطرابات في بلدة «نجب» الواقعة جنوبي فلسطين؛ ولذلك أرسل الفرعون قوة من جنوده لإخضاعها وإخمادها بسرعة، وقد كان «أمنمحات» ضمن فرقة الحرس المختارة الذين يُطلَق عليهم الشجعان، وكان هو بالذات ضمن حرس الفرعون الذين ذهبوا في حملة «نجب» هذه، وقد استولى فيها على ثلاثة أسرى، ولدينا من الأسباب ما يؤكِّد لنا أن الفرعون «تحتمس الثالث» لم يشترك في حملة «نجب» هذه بالذات؛ لأن نقوش التواريخ التي على جدران معبد الكرنك لم تأتِ بذكره، بل ذكرت أنه هو الذي بدأ الحملة في «قطنة» بسوريا، ويظهر٢٨ أن «أمنمحات» قد سافَرَ شمالًا لينضمَّ إلى سيده في سوريا في الوقت المناسب، ليشترك معه في الواقعة التي دارت رحاها بالقرب من حلب، مستصحبًا معه الأسرى الثلاثة، الذين استولى عليهم في «نجب» ليقدِّمهم إلى الفرعون.
وقد زحف الجيش المصري نحو الشمال، واشتبك مع العدو في موقعة عند مرتفع «وعن» الواقعة غربي «حلب»، حيث يذكر لنا «أمنمحاب» أنه استولى على ثلاثة عشر أسيرًا وعلى سبعين حمارًا، وعلى عددٍ من الأسلحة المصنوعة من البرنز.٢٩

كيفية الاستيلاء على قرقميش

أما الحادث الذي تلا هذه الموقعة فهو نشوب موقعة في «قرقميش»، وقد كان الاستيلاء على هذه المدينة معناه فتح الباب لأحسن طريق ممكن لعبور نهر الفرات، وقد تمَّ للفرعون عبور هذا النهر بقوارب بناها على مقربة من «ببلوص» (جبيل) بأخشاب من غابات لبنان، ثم نُقِلت بطريق البر إلى «قرقميش» على عربات تجرها ثيران، والمفروض في هذه الحالة أن هذه القوارب كانت قد حُمِلت أجزاء منفصلة على هذه العربات، ثم رُكِّب بعضها مع بعض في «قرقميش»؛ وذلك لأنه يكاد يكون من ضروب المستحيل نقل القوارب برمتها غير مفككة الأجزاء مسافة طويلة مثل هذه برًّا، في ممرات وعرة كانت تستخدم طرقًا وقتئذٍ، وهذا أول استعمال لعربات النقل المصرية التي تسير على عجلات؛ إذ كانت قبل ذلك تنقل الأشياء على زحافات مثل الأحجار وغيرها، وهذا النوع من العربات مميَّز عن عربة الركوب التي كان يجرها الجياد، وهي العربة ذات العجلتين، وهذا التجديد في وسائل النقل مثال آخَر يضاف إلى الأمثلة الكثيرة التي تدلُّ على عبقرية «تحتمس» في الفنون الحربية. والواقع أن هذه العربات كانت جديدة على المصريين لدرجة أنهم أطلقوا عليها اسمًا جديدًا «وررت» ومعناها «العظيمة»، يضاف إلى ذلك أن موضوع نقل الجنود الغزاة في قوارب يعبرون بها النهر يُعَدُّ المثال الأول في تاريخ العالم.

أما الحرب التي حدثت بين الفريقين بعد اقتحام المصريين نهر الفرات، فلا نعرف منها إلا الشيء القليل، اللهم إلا أن الحرب انتهت كالعادة بانتصار المصريين، ولدينا فقرة مهشمة في تاريخ تحتمس تقدِّم لنا بعضَ التفاصيل: «وقد اقتفى أثرهم بمسافة نحو «إتر» (مقياس طول غير محدَّد يتراوح بين كيلومترين وعشرة كيلومترات ونصف) في النهر، ولم يفلت واحد منهم خلفهم، بل فروا مثل قطعان الصيد؛ لأن الخيل كانت تعدو (؟) …»

ومن ذلك يظهر أن الجيش المصري بعد أن عبر نهر الفرات، سار مع مجراه منحدرًا مع التيار مسافة قصيرة ليشتبك مع العدو الذي أَبَى الوقوف لمنازلة الجيش المصري.

غنائم هذه الموقعة

وممَّا يلفت النظر أن المصريين لم يقع لديهم في الأسر إلا ثمانون أسيرًا، أما باقي الأسرى الذين سلَّموا أنفسهم، فهم ثلاثة أمراء مع أولادهم ونسائهم وعبيدهم، ويبلغ عددهم جميعًا ستمائة وستة وثلاثين نسمة، وقد ولى ملك المتني الأدبار إلى بلاد أخرى وهي بلاد بعيدة، وقد وصفت بلاده بأنها بلاد نهرين التي تركها سيدها خوفًا، في حين أن «تحتمس» استولى على مهل على الأراضي الواقعة شرقي نهر الفرات مباشَرةً، قبل أن يعود لنصب لوحته التذكارية على الشاطئ الأيمن من النهر بجوار لوحة «تحتمس الأول»، والظاهر أن «تحتمس الثالث» لم يوغل في داخل أراضي المتني إلى مسافة بعيدة، ولم يصل إلى عاصمتها «واش شوجاني»، ولو كان وصلها لما فاته قط أن يدوِّن مثل هذا العمل العظيم على نقوش لوحته التذكارية، ومن الجائز أن الأرض الأخرى التي هرب إليها ملك المتني ليست إقليمًا بعيدًا عن دولته، وذلك أنه كما يشير الأستاذ «جاردنر»٣٠ كانت أرض «المتني» عبارة عن اتحاد من البلدان، وأنه يُحتمَل أن نهرين لم تكن إلا إقليمًا من هذه الدولة.

علاقة المتني بمصر

وعلى الرغم من أن «تحتمس الثالث» أعلن بإقامة لوحته على جزء من بلاد المتني، أن هذه البلاد كانت تُعَدُّ تحت الحماية المصرية ومن رعاياها، فإنها في الواقع بقيت محافظة على سيادتها القومية، ولم تُمَسَّ ماديًّا بأي سوء، وبقيت تُعتبَر إحدى الدول العظمى في ذلك الوقت. وبعد مضي حكم فرعونين من فراعنة مصر على هذا الحادث، نجد أن «تحتمس الرابع» قد تزوَّجَ من بنت ملك المتني الذي كان على عرش هذه البلاد في عهده، والواقع أنه لم يكن في مقدور مصر أن تسيطر على الإقليم الذي على الضفة الأخرى من نهر الفرات، ولا شك في أن «تحتمس الثالث» نفسه كان يعلم ذلك في قرارة نفسه.

نتائج الحملة

ومن نتائج هذه الحملة المظفرة أن ملك الخيتا (ختي العظيم) أرسل للمرة الأولى سفيرًا إلى الفرعون يحمل هدايا غالية؛٣١ لأنه قد رأى من الخير أن يطلب ود دولة فاتحة كانت قاب قوسين أو أدنى من حدود بلاده، ولا يبعد أن بلاد «بابل» قد حذت حذوه، أما بلاد آشور فقد طلبت ودَّ مصر منذ السنة الرابعة والعشرين من حكم هذا الفرعون،٣٢ ويُحتمَل أنها عادت إلى طلب مهادنتها ثانيةً الآن.٣٣

(٥-١٨) العودة إلى مصر

ولما فرغ «تحتمس الثالث» من الوصول إلى مطامعه العظيمة، وهي غزو «نهرين»، أخذ في العودة إلى وطنه، غير أن رحلته إلى أرض الوطن لم تكن خاليةً من الحوادث؛ فقد حاوَلَ بعض أمراء سوريا عرقلةَ طريقه في عودته، ويقصُّ علينا «أمنمحات» أنه حدثت معارك في «سنجار»،٣٤ ويُحتمَل أن هذه هي قلعة «سنجار» على نهر العاصي بعد بلدة «حماة»٣٥ بالقرب من «قادش»،٣٦ وفي أرض «تخسي» التي لم تبعد كثيرًا عن «قادش» يقصًّ علينا «أمنموسى» أن ثلاثين مدينة قد نُهِبت.٣٧ والظاهر أن «تحتمس» بعد أن هدأت الأحوال في «تخسي» سار شمالًا ثانيةً؛ إذ كان على ما يظهر يشكُّ في إخلاص الولايات الصغيرة التي تركها خلفه، غير أنه ليست لدينا وثائق تُثبِت وقوعَ حروب في هذه الجهات.

(٥-١٩) تحتمس الثالث يخرج لصيد الفِيَلَة

ولما فرغ الفرعون من أعماله الحربية أراد أن يرفه عن نفسه ببعض الرياضة بالصيد والقنص، مقتفيًا في ذلك أثر جده، فضرب سرادقه عند بلدة «ني» (يُحتمَل أنها «قلعة الموضيق» الواقعة على مسافة ٤٠كم شمالي غربي حماة) لصيد الفيلة،٣٨ ولقد أظهر «أمنمحات» شجاعة في هذا الطراد، عندما قطع خرطوم الفيل الذي التفت نحو سيده ليقتله، وبعد هذا الصيد استأنف «تحتمس» سيره نحو الوطن دون وقوع أي حادث آخَر، اللهم إلا إذا كان الهجوم الثاني على «قادش» قد حدث في هذه الفترة، ولكن لأسباب ذكرناها من قبلُ يظهر أن هذا الاحتمال ليس له مبرر.٣٩

(٥-٢٠) عبقرية تحتمس الثالث في تنظيم هذه الحملة وأثرها في توطيد ملكه

وهكذا أتمَّ هذا القائد أعظم فتوحه خطرًا وأبعدها أثرًا وأعظمها شأنًا، فلم تكن حملاته المُقبِلة موجَّهةً إلا لتدبير أحوال الإمبراطورية التي كسبها بحدِّ السيف ولتوطيد الأمن فيها، ولقد أظهر «تحتمس» ثانيًا في هذه الحملة عبقريته الحربية التي كانت لا تنحصر في الوصول بنجاح باهر إلى هدفه البعيد المرمى فحسب، بل ظهرت بصورة بارزة في بنائه السفن على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ثم نقلها بطريق البر حتى مكان الموقعة على عربات نقل، وهذا في الواقع يُعَدُّ عملًا جبَّارًا، وبخاصة عندما يعلم الإنسان أن جيشه كان يبلغ عدة آلاف من المحاربين، غير الخيل والعربات التي كان لا بد من نقلها بعد تجميعها عبر الفرات، مضافًا إلى ذلك جيش مشاته.

(٥-٢١) القائد تحتمس الثالث والقائد مونتجمري

وعندما نقرن الأشياء الصغيرة بالأمور العظيمة، نرى أن هذا العمل المبتكر الذي قام به «تحتمس الثالث» بحد السلاح والذكاء، وبما لديه من وسائل ساذجة، يذكِّرنا بما قام به القائد «مونتجمري»، عندما عبر نهر الرين على سفن عبور جيء بها برًّا من الساحل بسرعة خاطفة، ونجد أن الأول قد ابتكَرَ هذا الحل منذ ثلاثة آلاف وأربعمائة سنة تقريبًا، وعمل به الثاني في عصر الابتكار والمخترعات الفذة، ومع ذلك فلا بد من الاعتراف بأن الفضل للمتقدم.

والآن نورد المتونَ الخاصة بهذه الحملة من المصادر المصرية:
الحملة الثامنة عام ثلاثة وثلاثين من حكم «تحتمس الثالث»: السنة الثالثة والثلاثون. تأمَّلْ! كان جلالته في بلاد رتنو، ثم وصل إلى إقليم «قدنا» في حملته الثامنة المظفرة.
عبور نهر الفرات والتغلُّب على الأراضي الواقعة على تلك الضفة: سار جلالته إلى بلاد «نهرين» في مقدمة جيشه شرقي هذا النهر وأقام لوحةً أخرى بجوار اللوحة التي نصبها والده «عا خبر كارع» (تحتمس الأول) ملك الوجه القبلي والوجه البحري. تأمَّلْ! إن جلالته سار شمالًا متغلِّبًا على البلاد ومخرِّبًا أقاليم «نهرين» التابعة للعدو الخاسئ.
الحروب المظفرة على نهر الفرات: … وبعد ذلك انحدر شمالًا مقتفيًا أثرهم مسافة «إتر»، فلم يلتفت واحدٌ منهم خلفه، ولكنهم أرخوا لسيقانهم العنان كأنهم قطيع بقر الوحش. تأمَّلْ! إن خيلهم هربت.
غنائم هذه المدينة: قائمة الأسلاب التي غنمها كل الجيش: ثلاثة أمراء ونساؤهم وعددهن ثلاثون، كما أخذ ثمانين أسيرًا، ومن العبيد والإماء ستمائة وستة ومعهم أولادهم، أما الذين سلموا خاضعين ومعهم زوجاتهم وأولادهم …
تحطيم مؤسساتهم: … وحصد غلالهم.
عودة الفرعون إلى بلدة «ني» حيث اصطاد فيلة: ثم وصل جلالته إلى مدينة «ني» في سيره جنوبًا، وعندما عاد جلالته نصب لوحة تذكارية في حدود نهرين، فمدَّ بذلك حدود مصر …
جزية بلاد «رتنو»: قائمة الجزية التي أحضرها أمراء رتنو: خمسمائة وثلاثة عشر من العبيد والإماء، ومائتان وستون جوادًا، وخمسة وأربعون دبنًا، وتسع قدات من الذهب (أي: نحو أحد عشر رطلًا)، وأطباق من الذهب من صنع بلاد «زاهي» … وعربات مصفحة بالذهب وكل معداتها الحربية، وكذلك ثمانية وعشرون ثورًا وعجلًا صغيرًا وعجولًا كبيرة، وخمسمائة وأربعة وستون فحلًا، وخمسة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وعشرون من الماشية الصغيرة، وثمانمائة وثمانية وعشرون إناءً من البخور وزيت أخضر … وألف من كل شيء طريف من هذه البلاد، هذا إلى مقادير عظيمة من كل أنواع الفاكهة.
إمداد المواني – جزية لبنان – حصار بلاد زاهي: تأمَّلْ! كانت هذه المواني تُمَدُّ بكل شيء مما يُجبَى لها على حسب ما فرض سنويًّا على أمراء لبنان سنويًّا.
جزية بلد آسيوي آخر (اسمه مهشم): جزية أمير … وأربعة طيور من هذا البلد. تأمَّلْ! إنها في عيد كل يوم (؟).
جزية بلاد سنجار (بابل): جزية أمير بلاد «سنجار» س + ٤ دبنات من اللازورد الحقيقي، وأربعة وعشرون دبنًا من اللازورد الصناعي، ولازورد بابلي …
جزية بلاد آشور (؟): جزية أمير آشور رأس كبش من اللازورد الحقيقي، ولازورد زنته خمس عشرة قدة، وكذلك أوانٍ …
جزية بلاد «خيتا» العظيمة: جزية بلاد «خيتا» هذا العام ثماني حلقات من الفضة زنتها أربعمائة وواحد دبن (أي: ٩٧٫٧٤ رطلًا)، هذا إلى قطعتين كبيرتين من حجر أبيض ثمين وخشب «ثاجو».
العودة إلى مصر: عاد جلالته إلى مصر في سلام بعد مجيئه من بلاد نهرين بعد أن وسَّعَ حدود مصر.
أسلاب غزوة إلى بلاد بنت: أحضرت إلى جلالته هذا العام طرائف؛ ألف وستمائة وخمس وثمانون «حقت» من البخور المجفَّف (عنتي) (نبات عطري) … دبنًا من ذهب بلاد عامو (وهي بلاد مشهورة بالذهب على ساحر البحر الأحمر) …
جزية بلاد كوش: جزية بلاد كوش الخاسئة هذا العام وهي ١٥٥ دبنًا وقدتان من الذهب، ومائة وأربعة وثلاثون من الإماء، ومائة وأربعة عشر ثورًا وعجلًا، وثلاثمائة وخمسة وعشرون فحل بقر، مجموعها أربعمائة وتسعة عشر من الماشية، هذا عدا سفن محمَّلة بالعاج والأبنوس وجلود الفهود، وكل شيء طريف من هذه البلاد.
جزية بلاد واوات: جزية بلاد «واوات» هذا العام … دبنًا من الذهب، وثمانية من العبيد والإماء، واثنا عشر عبدًا مجموعها عشرون نسمة، هذا إلى أربعة وأربعين ثورًا وعجلًا، وستين فحلًا من الأبقار مجموعها مائة وأربعة رءوس من الماشية، يضاف إلى هذه سفن محمَّلة بكل طريف من هذه البلاد، ومن حصاد هذا الإقليم أيضًا.٤٠
أما المصدر الثاني الذي جاء فيه ذكر هذه الحملة فهو ما دُوِّن على «لوحة بركال»، وقد وصف «تحتمس الثالث» هذه الحملة بما يأتي:

والآن سار جلالتي إلى شمال حدود بلاد آسيا، وقد أمرت ببناء سفن نقل من خشب الأرز في «جبيل» ممَّا تنبته تلالها، وهي أرض الإله الواقعة على مقربة من «صيدا»، ثم حُمِلت على عربات ذات عجل وجُرَّت بالثيران، وقد أرسلت قبل جلالتي لتُستعمَل في عبور ذلك النهر العظيم الذي يجري في هذه الأرض الأجنبية وهي «نهرين».

التعليق على هذه المتن

فمن هذه المتون نعلم خلافًا لما ذكرناه أن الفرعون قد أرسل حملة في هذه الفترة إلى بلاد «بنت»، عادت محمَّلة بخيرات هذه البلاد المعروفة وهي البخور والذهب، هذا فضلًا عن أنه عندما عاد إلى مصر، كانت بلاد «كوش» وبلاد «واوات» قد أرسلت جزيتها السنوية المعتادة، ممَّا يدل على أنها كانت على ولائها للفرعون. ومما يُلحَظ هنا أن «تحتمس الثالث» قد عدَّ الهدايا التي قدَّمها له كلٌّ من ملك «بابل» وملك «خيتا» بمثابة جزية كالجزية التي كانت تدفعها البلاد الخاضعة لحكمه، وإنْ عدَّ ذلك مخالفًا للواقع.

أما قضية صيد الفِيَلة عند «ني» فقد جاء ذِكْرها في ترجمة الجندي «أمنمحاب»، كما جاءت كذلك في لوحة «بركال»، وقد قصَّها علينا الفرعون نفسه، وذلك أنه عندما كان الفرعون يستجمُّ في بلدة «ني»، قام بنزهة للصيد والقنص، وبخاصة صيد الفيلة في هذه الجهة، ممَّا يدل على أن هذا الحيوان كان لا يزال يوجد على شاطئ نهر الفرات في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. ويقصُّ علينا «أمنمحاب» حادثةً مثيرةً خَطِرة وقعت للفرعون، وهي أن قطيعًا من الفِيَلة شُوِهد واقفًا على شاطئ النهر، وقد كان الصائد في استطاعته أن يكون على مقربة منه دون أن يرى إذا اختبأ خلف الصخور، غير أن أكبر هذه الفِيَلة لمح الفرعون وهاجَمَه على حين غفلة، وعلى ذلك يقول «أمنمحاب»: بينما كنتُ واقفًا في الماء بين صخرتين، ضربت يد الفيل (خرطومه) وهو حي أمام جلالته، وقد كافأني جلالته على ذلك بالذهب، وخلع عليَّ ثلاث حلل. والظاهر أن هذه الهدية كانت بدلًا من الملابس التي كانت لا بد قد مُزِّقت خلال هجومه على الفيل.

ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن بطلنا «أمنمحاب» هذا كان على ما يظهر مغرمًا بسرد القصص العريضة النسج؛ إذ قصَّ علينا كذلك مخاطرة أخرى حدثَتْ له مع ضبعٍ هاجمه في الصحراء في وقت كانت عصاه كلَّ ما يحمله من سلاح، وعندما دوَّن هذه القصة على جدران قبره أوعز إلى المفتن أن يمثِّل الضبع في حجم جواد ضخم ذي عينين متَّقدتين، مكشرًا عن أنياب حادة كأنه يريد أن يلتهم من أمامه التهامًا.

قصة صيد الفيلة كما جاءت على لوحة بركال: أما تحتمس الثالث فقد ذكر لنا قصة صيد الفيلة على لوحة «بركال»:

والآن أقصُّ مغامرةً أخرى هيَّأ لي الإله «رع» فيها النصرَ، فقد أظهر على يدي فيها عملًا عظيمًا من أعمال الشجاعة عند مورد ماء في بلدة «ني»، فقد هيَّأ لي أن ألتقي بقطيع من الفيلة، وحارَبَ جلالتي سربًا عدده مائة وعشرون فيلًا لم يسبقني إليه ملك منذ عهد الآلهة من الذين توجوا قبلي بالتاج الأبيض، والظاهر أن الفرعون قد نسي أن يسر «أمنمحاب» بطل هذه القصة، فيذكر لنا مخاطرته ونجدته القيِّمة لمليكه، اللهم إلا إذا كانت قصته من نفس نسيج قصة الضبع.

(٥-٢٢) الحملة التاسعة في السنة الرابعة والثلاثين والغرض منها

وفي السنة الرابعة والثلاثين قام تحتمس الثالث بحملته التاسعة المظفرة إلى بلاد زاهي، والظاهر أنه بعد عودته من إقليم الفرات لم يكن الأمن قد استتب فيه تمامًا، هذا إلى أن «لبنان» قد شقَّتْ عصا الطاعة على الفرعون في تلك الآونة؛ ولهذا اضطر إلى القيام بحملته هذه للاستيلاء على ثلاث مدن منها، وقد غنم مغانم كثيرة، وفي نفس العام نشاهد الفرعون قد وسع سلطانه في الجنوب؛ إذ أسر أولاد أمير «أرم» المجاورة لبلاد كوش، وأخذهم رهينةً عنده لعصيان والدهم.

المتن المصري

مقدمة: قهر إقليم نجس السنة الرابعة والثلاثون. تأمَّلْ! لقد سار جلالته إلى أرض «زاهي» في حملته التاسعة المظفرة، وقد استولى جلالته على بلدة «نجس»، وأهالي بلاد أخرى كانت في إقليمها، وقد أخضعهم جلالته جميعًا.
قائمة بالبلاد التي قُهِرت هذا العام: بلدان، وثلاثة بلدان خضعت في إقليم «نجس» فيكون المجموع ثلاثة أماكن (؟).
أسلاب الحرب: الأسرى الذين أحضرهم جلالته من هذه البلاد … أما الرجال الذين ساقهم أسرى فعددهم تسعون، وهم الذين سلموا ومعهم نساؤهم وأولادهم … ثم أربعون جوادًا، وخمس عشرة عربة مغشاة بالفضة والذهب، وأواني ذهب وحلقات من الذهب وزنها خمسون دبنًا، وتسع قدات، وآنية من الفضة من هذه البلاد، هذا إلى حلقات من الفضة زنتها مائة وثلاثة وخمسون دبنًا، ونحاس غفل وقصدير وجمشت وأسلحة من كل أنواع الخشب المختلف، وثلاثمائة وستة وعشرون ثورًا وأربعون ماشية صغيرة بيضاء، وما يربي على أربعين ماشية صغيرة أخرى وسبعين حمارًا، وخشب كثير من خشب «ثاجو»، وكراسي عدة من الخشب الأسود وخشب الخروب، هذا إلى عمد سرادق منمَّقة بالجمشت ومرصَّعة بالأحجار الثمينة، وكذلك كل نوع جميل من خشب هذه البلاد.
جزية بلاد رتنو: جزية أمراء رتنو هذا العام (ثلاثون + س) من الجياد، وعربات مصفحة بالذهب والفضة وملوَّنة عددها تسعون، هذا إلى سبعمائة واثنين من العبيد والإماء، وخمسة وخمسين دبنًا وست قدات من الذهب، وأواني فضة مختلفة من صنع البلاد زنتها … دبنًا وست قدات، وذهب وفضة ولازورد وحجر «منو» الثمين، وأوانٍ من كل نوع، وثمانين قالبًا من نحاس بلاده (أي: مستخرج من هذه البلاد)، وأحد عشر قالبًا من القصدير، ومائة دبن من الألوان وبخور جاف وأخضر وجلد؟ … وثلاثة عشر من الثيران والعجول، وخمسمائة وثلاثين فحل بقر، وأربعة وثمانين حمارًا، وأسلحة كثيرة مرصَّعة بالجمشت؟ وأوانٍ كثيرة من النحاس، وستمائة وثلاث وتسعين آنية بخور، وزيت حلو أخضر، وألفين وثمانين آنية، وستمائة وثماني زجاجات خمر، وعربات من خشب «ثاجو»، وكل نوع ثمين من خشب هذه البلاد.
تموين الثغور: تأمَّلْ! لقد كانت كل مواني جلالته مموَّنة بكل شيء طريف مما أخذه جلالته من بلاد زاهي، ويشمل ذلك سفنًا من «كفتيو»، وسفنًا من «جبيل»، وسفنَ «سكتو» المصنوعة من خشب الأرز، محمَّلة قضبانًا وساريات، هذا إلى أشجار عظيمة لنجارة جلالته.
جزية بلاد قبرص: جزية أمير قبرص في هذه السنة مائة وثمانية قوالب من النحاس النقي، وسبيكة من النحاس زنتها ألفان وأربعون دبنًا، وكذلك خمسة قوارب قصدير، وألف ومائتا قطعة من القصدير، وعشرة ومائة دبن من اللازورد وسن فيل واحد، وقطعتان من خشب «ثاجو».
جزية بلاد كوش: جزية بلاد كوش الخاسئة، وهي (٣٠٠ + س) دبن من الذهب، وستون من العبيد والقيان السود، وأولاد أمير «أرم» … فيكون المجموع أربعًا وستين نسمة، هذا إلى ثيران وعجول فيبلغ عددها مائة وخمسة، وفحول بقر عددها مائة وسبعون فيكون المجموع الكلي مائتين وخمسة وسبعين، هذا عدا سفن محمَّلة بالعاج والأبنوس وكل منتجات هذه البلاد، وكذلك غلة «كوش».
جزية واوات: خراج بلاد واوات هو ألفان وخمسمائة وأربعة وخمسون دبنًا من الذهب، وعشرة من العبيد والإماء، وثيران … ثيرانًا وعجولًا … وفحولًا … مجموعها … هذا فضلًا عن سفن محمَّلة بكل طريف من هذه البلاد، وغلة واوات أيضًا.

تعليق على هذا المتن

مما سبق يتضح أنه فضلًا عن الجزية التي كانت تأتي إلى مصر من جهات آسيا المختلفة، قد أخذت قبرص كذلك ترسل جزيتها، وربما كانت ضمن البلاد الخاضعة لمصر وقتئذٍ، هذا ونشاهد أن «تحتمس الثالث» قد فرض على أمراء لبنان وغيرهم أن يمدوا المواني الفينيقية بالمؤن اللازمة لحملاته، كما فرض عليهم بناء السفن نفسها، وبذلك أصبح في مقدوره أن ينزل في أي ميناء، ويسير بجيشه في داخل البلاد، ويقبض على كل ثورة في حينها، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن قوة «تحتمس» الحربية ونظامها كانت الأولى من نوعها في العالم المعروف وقتئذٍ، ولا أدل على ذلك من أن ملك قبرص بما له من سفن كان يخشى بأس هذا الفرعون، وأصبح خاضعًا لإرادته، هذا إلى أن الأسطول المصري جعل جزر الشمال تخشى بأس الفرعون، وأصبح سلطانه ممتدًّا على شرقي البحر الأبيض المتوسط حتى بحر إيجة، مما جعل قائده «تحوتي» يعدُّ الجزرَ التي في وسط البحر (بحر إيجة) من الممتلكات التي تحت سلطانه؛ إذ كان يُلقَّب حاكم الأقطار الشمالية.

(٥-٢٣) الحملة العاشرة

والظاهر أن أمراء بلاد «نهرين» الذين غاب عنهم «تحتمس الثالث» مدة عامين بعد حملته القاسية، أخذوا يتألبون عليه وكوَّنوا حلفًا قويًّا على رأسه أمير نعته «تحتمس الثالث» بقوله: «ذلك العدو الخاسئ صاحب نهرين»؛ ومن المحتمل أنه يقصد به ملك «المتني» أو أحد الأمراء الذين كان ضلعهم مع الهكسوس، والذين كانوا لا يزالون يأوون إلى هذه الجهات؛ ولكن «تحتمس الثالث» كان دائمًا على أهبة الاستعداد لمنازلة عدوه في آية لحظة كانت، ويرجع الفضل في ذلك لاستعداد أسطوله بكل المؤن والذخائر لنقل جيشه وسيره في محاذاته أينما حلَّ؛ ولذلك لما دعا داعي الحرب سار «تحتمس» في الحال بجيشه إلى سهول بلاد نهرين في السنة الخامسة والثلاثين على رأس حملته العاشرة المظفرة، فقابل العدو في مكانٍ يُدعَى «إرينا»، ويحتمل أنه في أسفل بلاد نهر العاصي، وانتصر عليهم جلالته وسقط الأعداء الواحد فوق الآخَر أمام جلالته، وبذلك انقصم عرى اتحاد بلاد نهرين وشتَّت شملهم جملة، واستولى على كل ما كان لهم من عدة وعتاد، حتى أصبحوا عاجزين عن أي مقاومة أخرى، بل ظلوا خاضعين تمام الخضوع لهذا الفرعون الجبَّار مدةً طويلةً.

نص المتن المصري

الحملة العاشرة سنة خمس وثلاثين من حكم تحتمس الثالث: ٤١ السنة الخامسة والثلاثون تأمَّلْ! كان جلالته في «زاهي» في حملته العاشرة المظفرة.
الانتصار على أمراء «نهرين» وحليفتهم أرينا: ولما وصل جلالته إلى بلدة «أرينا» تأمَّلْ؛ إن هذا العدو الخاسئ صاحب نهرينا قد جمع خيله ورجله … من أطراف الأرض، وكانوا أكثر عددًا من رمال الشاطئ، وكانوا على استعداد لمحاربة جلالته، ومن ثَمَّ زحف جلالته لمنازلتهم، وقام جيش جلالته بهجمة فجدل العدو واستولى عليه وانتصر جلالته على هؤلاء الأجانب بقوة والده «آمون الذي منحه الشجاعة والنصر» … نهرينا، وولوا الأدبار مجدلين على الأرض بعضهم فوق بعض أمام جلالته.
الأسلاب الحربية التي استولى عليها الفرعون: قائمة الأسلاب التي استولى عليها الملك نفسه من هؤلاء الأجانب أمراء «نهرين» … دروع من الجلد المُطعَّم بالجمشت، وقبعة من النحاس المُطعَّم بالجمشت.
الأسلاب التي استولى عليها الجيش: قائمة بأسلاب جيش جلالته من هؤلاء الأجانب الخاسئين: عشرة أسرى، ومائة وثمانون جوادًا، وستون عربة … خمسة عشر زردًا مرصَّعة بحجر الجمشت … وخمس قبعات من النحاس المرصَّع بالجمشت، وخمس أقواس من صنع بلاد خارو.
جزية بلاد رتنو: جزية أمراء رتنو في هذا العام وهي: مائتان وستة وعشرون جوادًا، وعربة واحدة مصفحة بالذهب، وعشر عربات + س مصفحة بالذهب والفضة، وأوانٍ من الذهب … وأربعة وثمانون إبريقًا من البخور، وتسعمائة وتسعة وثمانون إبريقًا من الزيت الحلو، وثلاثة آلاف وتسعمائة وتسع وتسعون زجاجة من الخمر.
تموين الثغور وخراج بلاد لبنان – حصاد بلاد زاهي: تأمَّلْ! كانت كل الثغور مموَّنة بكل شيء طريف حسب جزيتها التي كانت تُدفَع سنويًّا، هذا إلى جزية «لبنان» وحصاد «زاهي» من حبوب وبخور وزيت أخضر ونبيذ …
جزية بلاد آسيوية أخرى: (المتن هنا مهشم ولكن يحتمل أنه قياسًا على ما سبق يشير إلى قبرص وبلاد الخيتا) «… آنية من الذهب … خشب ثاجو وكل الخضر الجميلة من هذه البلاد.»
جزية كوش وبلاد واوات: … وسفن محمَّلة بكل شيء طريف (المتن هنا مهشم، ولم يَبْقَ منه إلا الجملة السابقة).

ومما يلحظ في أسلاب هذه الحملة والجزية التي يدفعها الأهلون أن الزيت والخمر وحصاد البلاد أخذ يتدفَّق على مصر بكثرة، كما أن الذهب كان يأتي إلى مصر في هيئة حلقات، ولا بد أنه كان يُستعمَل في الصناعة، كما نلحظ أن الزرد والدروع والأقواس كانت تأتي إلى مصر جزية أو أسلاب حرب، وأهم من ذلك كله أن «تحتمس الثالث» لم ينسَ قطُّ في أي حملة من حملاته التي ذكرناها أن يجعل المواني دائمًا على استعدادٍ تامٍّ، وذلك بفرض ضريبة خاصة لتموينها وإعدادها؛ إذ كانت في الواقع قوام المحافظة على جيشه أثناء إيغاله في الجهات النائية داخل آسيا، وكذلك نلحظ أن البلاد التي كانت ترسل ما فُرِض عليها من جزية كان لا ينقص عددها، بل ظلَّ آخِذًا في الازدياد.

(٥-٢٤) الحملتان الحادية عشرة والثانية عشرة

(٣٦، ٣٧ من سني حكم هذا الفرعون) لم تمدنا الآثار المكشوفة حتى الآن عن الحملة الحادية عشرة بأية معلومات قط،٤٢ أما الحملة الثانية عشرة فلم يَبْقَ لنا منها إلا بعض أجزاء تحدِّثنا عن الجزية التي كانت تُدفَع لمصر سنويًّا، وقد ضاع الجزء الأول وبخاصة اسم الحملة والسنة التي سارت فيها، وكذلك جزية «رتنو» وتموين المواني الساحلية، وخراج «لبنان» وحصاد بلاد «زاهي»، ثم يذكر لنا متن مهشم جزية بلاد لم تُسَمَّ باسمها، ولم يَبْقَ فيها إلا بعض كلمات وهي: «معدن شاكر من إلفنتين، وكحل … وحيوانات صغيرة، وخشب للإحراق.»
  • جزية بلاد كوش الخاسئة: «سبعون دبنًا من الذهب وقدات وس + ١٠ عبيد وإماء سود، س + ٢ من الثيران وعجول وس بقرات مجموعها … هذا عدا السفن المحمَّلة بالأبنوس والعاج، وكل الأشياء الطريفة من هذه الأرض، يضاف إلى ذلك حصاد هذه الأرض من البر.»
  • جزية واوات: «… دبنًا من الذهب، وأربعة وثلاثون من العبيد والإماء، وأربعة وتسعون من الثيران الكبيرة والعجول والفحول، هذا عد السفن المحمَّلة بكل طريف وحصاد «واوات» أيضًا.»

(٥-٢٥) الحملة الثالثة عشرة: السنة الثامنة والثلاثون

والظاهر أن تحتمس الثالث سار بجيشه إلى بلدة «يونجس» من أعمال سوريا؛ إذ على ما يظهر قد قامت ثورة بجوارها، وهذه البلدة هي إحدى المدن الثلاث الواقعة جنوبي «لبنان»، والتي أعطى كهنة «آمون» خراجها، وقد أخمدت نار الفتنة بسهولة، واستولى جيش الفرعون على خمسين أسيرًا، وكذلك استولى على أسلاب كثيرة كما سنرى في المتن.

المتن المصري

السنة الثامنة والثلاثون: تأمَّلْ! سار جلالته إلى بلاد «زاهي» في حملته الثالثة عشرة المظفرة، قد أخضع جلالته بلدة … هذا إلى البلاد التي في إقليم نجس.
أسلاب الجيش من هذا الإقليم: قائمة الغنائم التي أحضرها جيش جلالتي من «نجس»: خمسون أسيرًا … وخيلًا … وعربات مصفحة بالذهب والفضة ومجهَّزة بأسلحتها، هذا إلى الذين استسلموا في إقليم «نجس» مع زوجاتهم وأولادهم.
جزية بلاد رتنو: قائمة الجزية التي أُحضِرت بقوة جلالتي في هذه السنة: «٣٢٨ جوادًا، وخمسمائة واثنان وعشرون عبدًا وقينة، وتسع عربات مصفحة بالذهب والفضة، و٦١ عربة ملوَّنة، فيكون المجموع ٧٠ عربة، هذا إلى قلائد من اللازورد الحقيقي … وأواني «إكنا» ذات مقبضين، وثلاثة أطباق مفرطحة ورءوس ماعز، ورأس أسد، كلها من صناعة «زاهي» … وألفان وثمانمائة وواحد وعشرون دبنًا وثلاث قدات من … (؟)، ومائتان وست وسبعون قطعة من النحاس، وستة وعشرون قالبًا من القصدير، وستمائة وستة وخمسون قالبًا من «الكندر»، وألف وسبعمائة واثنان وخمسون آنية من الزيت الحلو، والزيت الأخضر، وزيت «سفت»، ومائة وخمس وخمسون زجاجة نبيذ، واثنا عشر ثورًا … وألف ومائتان من الماشية الصغيرة، وستة وأربعون حمارًا وزرافة (؟)، وخمس أسنان فيلة، وموائد من العاج وخشب الخروب، وأحجار «منو» البيضاء زنتها ثمانية وستون دبنًا، وإحدى وأربعون درع حرب، وحراب من الشبه، ودروع وأقواس، وكل الأسلحة الحربية، وخشب حلو من هذه البلاد.» وكل الأشياء الطريفة من هذه البلاد.
تموين الثغور – جزية لبنان = حصاد بلاد زاهي: وقد مُوِّنت الثغور بكل شيء طريف على حسب ما ضرب لها سنويًّا في خلال سياحة السفن منها شمالًا وجنوبًا، وكذلك إتاوة «لبنان» حصاد بلاد «زاهي»، وهي: غلال، وزيت أخضر، وكندر، ونبيذ، وشهد.
جزية قبرص: الجزية التي يحملها أمير قبرص … قالب نحاس من بلاده … وجواد واحد.
جزية إقليم «إرخ»٤٣ (الالاخ): «جزية أمير «إرخ» خمسة عبيد وجارية، وقطعتان من نحاس بلاد وخمسة وستون شجرة خروب، هذا إلى كل أنواع الخضر الحلوة من بلاده.»
غنائم حملة بلاد بنت: «الطرائف التي أحضرتها قوة جلالتي من بلاد «بنت» مائتان وأربعون «حقت» من البخور المجفف.»
جزية بلاد كوش الخاسئة: «١٠٠ + س دبنًا وست قدات من الذهب، وستة وثلاثون عبدًا وأمة من الزنوج، ومائتان وإحدى عشرة من البقرة والعجول، ومائة وخمسة وثمانون فحل بقر، مجموعها ثلاثمائة وستة من الأبقار والفحول، هذا إلى سفن محمَّلة بالعاج والأبنوس، وكل المحاصيل الجميلة من هذه البلاد، وكذلك حصاد هذه البلاد.»
جزية بلاد واوات: «ألفان وثمانمائة وثلاثة وأربعون دبنًا من الذهب، وست عشرة أمة وعبدًا من الزنوج، وسبعة وسبعون رأسًا من الثيران والعجول، هذا إلى سفن محمَّلة بكل الحاصلات الجميلة لهذه البلاد.»

ومما هو جدير بالذكر في هذه الحملة جزية بلاد جديدة لم تُذكَر من قبلُ، وهي «إرخ» (الالاخ)، وهي إقليم في بلاد آشور؛ غير أن أميرها على ما يظهر كان فقير الحال كما تدل ضآلة الهدية التي قدَّمها إلى الفرعون، وكذلك نشاهد أن الفرعون لم يغفل عن علاقته مع البلاد المجاورة له، فأرسل حملة إلى «بلاد بنت» عادت إلى مصر محمَّلة سفنها بطرائفها المعتادة وهي البخور (عنتي).

على أن أهم شيء يلفت النظر هو ما نشاهده من زيادة الضرائب التي كانت تُجبَى للمواني التي اتخذها قاعدةً حربيةً للمحافظة على أملاكه الآسيوية، فكانت هذه الثغور محطًّا لتموين السفن الداخلة إليها والخارجة منها؛ ولذلك كان ما يُجبَى لها يُؤخَذ من بلاد «لبنان» وبلاد «زاهي» ممَّا تنتجه من حبوب وزيت وكندر وشهد. وكذلك يُلاحَظ أن ما يُجبَى من بلاد النوبة وبلاد «كوش» وبلاد «واوات» من الذهب والماشية أصبح مقداره عظيمًا جدًّا، كما تدل على ذلك الأرقام التي جاءت في القوائم، ويُحتمَل أن هذا الذهب كان يُستخرَج من «وادي علاقي» الشهير بتبره الغزير.

(٥-٢٦) الحملة الرابعة عشرة في السنة التاسعة والثلاثين والغرض منها

يظهر أن أول غرض للفرعون من هذه الحملة كان تأديب البدو الذين يقطنون الشمال الشرقي من الأقاليم الواقعة على الحدود المصرية؛ وذلك لأنهم كانوا دائمًا في حاجة إلى تذكيرهم بوجود يد قوية تكبح جماحهم، وتحدُّ من غربهم حينما يثور ثائرهم، وتطيش أطماعهم، غير أن «تحتمس» بعظمته قد مرَّ على حادث إخضاعهم مر الكرام، فلم يدوِّن لنا كاتب يومياته أيَّ تفصيل، فبعد أن ذكر لنا عرضًا أن جلالته كان في بلاد «رتنو»، وبعد أن ذهب لإخضاع البدو الخاسئين (شاسو)، أخذ يعدِّد لنا ما تدفَّقَ على البلاد المصرية من خراج البلاد التي كانت تدين بطاعته، كما سنوردها هنا.

المتن المصري

السنة التاسعة والثلاثون: لقد كان جلالته في بلاد رتنو في حملته الرابعة عشرة المظفرة بعد أن ذهب لإخضاع البدو الخاسئين.
جزية بلاد رتنو: قائمة جزية أمراء «رتنو» في هذا العام: مائة وسبعة وتسعون من العبيد والإماء، ومائتان وتسعة وتسعون من الجياد، وطبقان من الذهب، وحلقات منه أيضًا زنتها اثنا عشر دبنًا وقدتًا … وثلاثون دبنًا من اللازورد الحقيقي، وطبق من الفضة، وكذلك س حقات من الفضة، وإبريق ذو مقبضين، وإناء برأس ثور، وثلاثمائة وخمس وعشرون آنية من الفضة، وكذلك حلقات من الفضة زنتها ألف وأربعمائة وخمس وتسعون دبنًا وقدتًا واحدًا (يعادل ٣٣٤٫٤٣ رطلًا)، هذا إلى عربة مغشاة بالذهب والفضة … صنعت من حجر أبيض ثمين وحجر متو الأبيض، وكل الأحجار الغالية المختلفة من هذه البلاد، وكندر، وزيت حلو، وزيت أخضر، وزيت «سفت»، وشهد؛ هذا إلى ثلاثمائة وأربعة وستين إناءً، وألف وأربعمائة وأربعة من قدور «منو» مملوءة بالنبيذ، وأربعة وثمانين فحلًا، وألف ومائة وثلاثة وثمانين من الماشية الصغيرة … وجمشت … وكل أنواع الفاكهة الحلوة من هذه البلاد، هذا عدا كل المحاصيل الجميلة التي تنتجها هذه البلاد.
تموين الثغور – جزية بلاد لبنان – محصول بلاد «زاهي»: كانت كل الثغور مموَّنة بكل طريف كما كان مفروضًا لها من الجزية لأجل السفن المنحدرة شمالًا والصاعدة إلى الجنوب، وكذلك جزية بلاد «لبنان»، ومحصول بلاد «زاهي» من برنقي وكندر وزيت أخضر ونبيذ.
جزية بلاد آسيوية أخرى: (المتن مهشم).
جزية قبرص: جزية أمير قبرص (إسي): «سنا فيلين، وأربعون قالبًا من النحاس، وقالبًا من … القصدير …»
جزية بلاد أجنبية أخرى: جزية أمير … (المتن مهشم).
جزية بلاد كوش: «جزية بلاد كوش الخاسئة في هذا العام: ١٤٤ دبنًا وثلاث قدات من الذهب، ومائة وواحد من العبيد والإماء الزنوج، وأبقار وعجول، وفحول بقر … المجموع … هذا عدا سفن محمَّلة بكل شيء طريف من هذه البلاد، ومحصول بلاد «كوش» الخاسئة أيضًا.»
جزية بلاد واوات: «جزية بلاد «واوات» هذا العام … دبنًا من الذهب و… من العبيد والإماء … وثيران وعجول عددها خمسة وثلاثون، وأربعة وخمسون فحلًا، مجموعهما الكلي تسعة وثمانون من الماشية، هذا عدا سفن محمَّلة بكل طريف من هذه البلاد ومحاصيلها أيضًا.»

وممَّا يلفت النظر في قوائم هذه الجزية التي دُوِّنت في هذا العام، أنه لم يذكر بينها بلاد «نهرين» وبلاد آشور وغيرها من البلاد التي تقع على مقربة من نهر الفرات، ربما تكونان قد ذُكِرتا في المتنين المهشمين.

(٥-٢٧) الحملة الخامسة عشرة: السنة الأربعون

الظاهر أن «تحتمس الثالث» لم يَقُمْ بحروب في هذه الحملة، وكل ما ذكره لنا المؤرِّخ المصري هو الجزية التي جُبِيت من الأراضي التي كانت تحت سلطان الفرعون، إذا كان ما ذكره الأستاذ «زيته» حقًّا؛ والواقع أنه لم يَبْقَ من بداية النقش ما نستنير به.٤٤
ويُخَيَّل لنا أن الفرعون لم يَقُمْ بأي غزو في السنتين الأربعين والحادية والأربعين، بل كانت تأتي الجزية إليه دون قيامه بأية حروب، مما يدل طبعًا على استتباب الأمن، وقد أورد لنا الأستاذ «زيته» تحت حوادث السنة الأربعين ما يأتي:

(السنة الأربعون) تأمَّلْ! ذهب جلالته إلى بلاد … في حملته المظفرة.

قائمة جزية أمير «آشور» وأمراء «رتنو» في هذا العام: (راجع خراج السنة الرابعة والعشرين) (Urk. IV. p. 726).
وهاك قائمة الجزية التي أُرسِلت إلى مصر من البلاد الخاضعة في السنة الحادية والأربعين:
قائمة جزية بلاد رتنو: «قائمة جزية أمراء رتنو التي أُحضِرت بقوة جلالته في السنة الحادية والأربعين …: أربعون قالبًا من القصدير، وجمشت لتزيين الدروع، وسيوف «أقحو» (بلطة)، وحراب مرصَّعة بالجمشت … من هذه البلاد، وثماني عشرة سنًّا من أسنان الفيلة، و٢٤١ شجرة خروب، و١٨٤ ثورًا، و… ماشية صغيرة …»
تموين الثغور – محصول «زاهي»: تأمَّلْ! كانت الثغور مموَّنة بكل شيء طريف كالمعتاد في كل سنة، هذا إلى محصول «زاهي» كذلك من بر وكندر.
الجزية من بلاد «خيتا» العظيمة: «جزية أمير «الخيتا» هذا العام … ذهب … وفضة …»
جزية بلاد كوش الخاسئة هذا العام: «١٩٥ دبنًا وقدتان من الذهب، ومن العبيد والإماء الزنوج ثمانٍ، هذا إلى ثلاثة عشر عبدًا زنجيًّا جيء بهم ليكونوا خدمًا، مجموعهم واحد وعشرون نسمة، و… ثيران وعجول و… فحول بقر مجموعها … هذا إلى سفن محمَّلة بالعاج والأبنوس وكل شيء طريف من هذه البلاد، وكذلك محصول بلاد «كوش» الخاسئة.»
جزية بلاد «واوات»: «ثلاثة آلاف ومائة وأربعة وأربعون وثلاث قدات من الذهب، وخمسة وثلاثون ثورًا وعجلًا، وتسعة وسبعون فحل بقر، مجموعها مائة وأربعة عشر، هذا إلى سفن محمَّلة بسن الفيل وخشب الأبنوس وكل شيء طريف، وكذلك حصاد بلاد «واوات».»

وأهم ما يسترعي النظر في هذه الجزية مقدارُ الذهب الذي كان ينهال على مصر من هذه الأصقاع، وبخاصة من بلاد «واوات»، هذا إلى استمرار إرسال العبيد والإماء من بلاد «كوش»، وكذلك العاج والأبنوس، والواقع أنها لا تزال المواد الرئيسة في التجارة بين مصر والسودان، اللهم إلا الرقيق، وقد بطل الاتجار فيه منذ زمن قريب.

(٥-٢٨) الحملة السادسة عشرة والأخيرة عام ٤٢ والغرض منها

تدل كل الأحوال على أن ملك «قادش» كان لا يزال مصرًّا على عناده وتمسُّكه بقوميته واستقلاله، فلم يعترف يومًا بالسيادة المصرية على بلاده؛ ولذلك كان دائمًا يتحين الفرص ليثير الأمراء المجاورين له ويحرِّضهم على العصيان، والقيام يدًا واحدة بثورة للخلاص من عبء النير المصري، وقد أفلح فعلًا في اجتذاب ملك «المتني» وإقليم «تونب» إلى جانبه، فأعلنوا العصيان على مصر، ولما علم «تحتمس» بهذا الحلف، سار بأسطوله إلى شواطئ فينيقيا، ونزل في ميناء «سميرا» وهاجَمَ ميناء «عروقات» فاستولى عليها عنوةً، ومن ثَمَّ زحف مباشَرةً على «تونب» (بعلبك؟) على مقربة من قادش ونهر العاصي، ونذكر هنا أن أميرًا من أمراء هذه البلدة كان قد دافَعَ عن بلدة «وارثت» في خلال الحملة الخامسة التي قام بها هذا الفرعون.

على أن النقوش لم تقدِّم لنا أية تفاصيل عن الاستيلاء على «تونب»، وعلى أية حال فإنه بعد سقوطها بدأ الفرعون حصار قادش، وتفاصيل حصار هذه البلدة قد يكون مجهولًا لنا لولا ما قصَّه علينا «أمنمحاب»، والظاهر أن الفرعون لم يهاجم المدينة إلا بعد فصل جني الحصاد، ولم يجد كبير عناء في الاستيلاء عليها، وذلك أن العدو كما يقصُّ علينا «أمنمحاب» تفاديًا لمحاصرة المدينة اشتبك في موقعة مع الفرعون خارجها، وفي هذه الموقعة لجأ ملك «قادش» إلى حيلة ساذجة ظنًّا منه أنه ربما استطاع بها تشتيت شمل الجيش المصري والتغلُّب عليه؛ ذلك أنه أطلق العنان لفرس أمام جياد عربة الفرعون ظنًّا منه أنها تهيج الجياد وتجعلها غير صالحة للقتال، وبذلك ينشر الذعر والارتباك في صفوف الجيش المصري، ولكن «أمنمحاب» لما رأى ذلك فطن للحيلة التي دبَّرها العدو، وقفز من عربته في الحال والسيف في يده، وانطلق خلف الفرس وشقَّ بطنها وقطع ذيلها وحمله للفرعون.

فلما رأى الأعداء أن حيلتهم قد انفضح أمرها، لاذوا بالفرار إلى داخل المدينة واحتموا وراء جدرانها، وقد أمر الفرعون بعمل نقب في سورها، وهنا نجد أن «أمنمحاب» يُظهِر شجاعته ثانيةً ويفخر بأنه هو الذي اخترق جدران هذه المدينة الحصينة، وقد سلمت بعد أن أُسِر أمراء «نهرين» الذين اشتركوا مع ملك «قادش» في هذه الحروب؛ ولذلك لم يَرَ الفرعون ضرورةً للسير شمالًا، ولا غرابة إذ قررنا هنا أن سقوط «قادش» قد سحق آخِر قوة للهكسوس الذين أحاقوا بالبلاد المصرية أكبر مصيبة، وبذلك اختفت آثارهم جملةً، وكانت لا تزال عالقة بالأذهان في البلاد المصرية؛ وقد برهنت الكشوف الحديثة على أن ما رواه كتَّاب اليونان في هذا الصدد صحيح، «وهو أن «تحتمس الثالث» هو الفرعون الذي قضى على قوة الهكسوس، الذين التجئوا إلى آسيا بعد أن طردهم أسلافه من مصر وقضوا عليهم قضاءً مبرمًا»، كما تحدَّثنا عن ذلك من قبلُ.

المتن المصري

السنة الثانية والأربعون: تأمَّلْ! كان جلالته في بلاد «زاهي» في حملته السادسة عشرة المظفرة لقمع الثورة التي كانت في أراضي «الفنخو». تأمَّلْ! كان جلالته على طريق الساحل لإخضاع بلدة «عرقت»، وكذلك البلاد الواقعة في إقليمها … ثم زحف حتى … (اسم بلد مهشم) فأخضع هذه المدينة وإقليمها.

التغلُّب على تونب (بعلبك؟): ثم زحف إلى تونب، وقهر المدينة وحصد غلاتها، واجتثَّ أشجارها.
الغنائم من هذه المدينة: … تأمَّلْ! الأسرى الذين أسلمتهم (هذه المدينة) إلى جلالته وما أحضره الجيش إليه.
العودة إلى قادش والتغلُّب على ثلاث مدن في إقليمها: تأمَّلْ! لقد عاد في سلام ووصل إلى إقليم «قادش» واستولى على ثلاث مدن فيه.

قائمة الغنائم التي استولى عليها منها

ممتلكات أمراء «نهرين» التي استولى عليها الفرعون من ثلاثة المدن: تأمَّلْ! لقد استولى جلالته على أهالي «نهرين» الخاسئين ومَن ساعَدَهم، وعلى خيلهم، وستمائة وواحد وتسعين أسيرًا، وتسع وعشرين يدًا، وستة وأربعين جوادًا …
جزية بلاد رتنو: قائمة جزية أمراء بلاد رتنو هذا العام: ٢٩٥ عبدًا وقينة، وثمانية وستون جوادًا، وثلاثة أطباق من الذهب، وأطباق من الفضة، وأوانٍ من النحاس اللامع، هذا إلى حلقاتٍ من الفضة … و٤٧ قالبًا من القصدير ١١٠٠ دبن من القصدير، وألوان، وخشب جوز، وكل الأحجار الجميلة من هذه البلاد، ودروع من النحاس مرصعة بالجمشت، وآلات حرب … وكل فاكهة حلوة من هذه البلاد.
تموين الثغور ومحصول زاهي: وكانت كل الثغور مموَّنة بكل شيء طريف، كما هو المتبع في حساب كل سنة، وكذلك محصول هذه البلاد أيضًا.
جزية بلاد آسيوية أخرى (يحتمل أنها قبرص أو الخيتا): الجزية التي أحضرها أمير … في هذه السنة … فضة … وكذلك أطباق ورءوس ثيران زنتها ٣٤١ دبنًا وقدتان، وثلاثة وثلاثون قدتًا من اللازورد الحقيقي، وعصًا جميلة من خشب «ثاوجو» … قالب نحاس منها (من مناجم هذه الجهة) …
جزية أمير «تني»: الجزية التي أحضرها أمير «تني»: آنية من الفضة من صنع «كفتو» (كريت؟)، وكذلك أوانٍ من حديد، وأربع أيدٍ من الفضة زنتها ستة وخمسون دبنًا وثلاث قدات.
جزية بلاد «كوش»: جزية بلاد كوش الخاسئة في هذه السنة: … دبنًا من الذهب، و… عبيدًا وإماءً من الزنوج وثيرانًا وعجولًا، و… فحول بقر مجموعها … هذا إلى سفن محمَّلة بكل شيء طريف من هذه البلاد، وكذلك حصاد بلاد كوش الخاسئة.
جزية «واوات»: جزية واوات في هذه السنة ٢٣٧٤ دبنًا من الذهب وقدت واحدة، وعبيد وإماء من الزنوج … وثيران وعجول … وفحول بقر مجموعها … هذا إلى سفن محمَّلة بالعاج والأبنوس، وكل شيء طريف من هذه البلاد، وكذلك حصاد بلاد «واوات».
وأهم ما يُرَى في جزية هذه السنة جزيةُ أمير «تيناي»، وقد ورد فيها لأول مرة ذكر الحديد، وكذلك الفضة من صنع «كفتيو»، وقد اختلف المؤرخون في موضع هذا الإقليم المسمَّى «كفتيو»، وقد كتب أخيرًا «وين رايت» مقالًا عنه، وقال إنه يقع في آسيا الصغرى على ساحل البحر الأبيض المتوسط (J. E. A. Vol. XVII, p. 26)، غير أن هذا الرأي واهٍ من أساسه كما سنذكر ذلك بعدُ.

وبعد أن انتهى «تحتمس الثالث» أو كاتبه بعبارة أخرى من تدوين حملاته على جدران معبد الكرنك، ختمها بالعبارة التالية: تأمَّلْ! لقد أمر جلالته بتدوين الانتصارات التي أحرزها منذ عام ٢٣ من حكمه حتى العام الثاني والأربعين منه، وهو نفس العام الذي دُوِّنت فيه هذه النقوش على هذا المحراب لأجل أن يمنح الحياة مخلدًا.

(٥-٢٩) حروب تحتمس الثالث ونتائجها

هذه هي الحروب التي أمر «تحتمس الثالث» بتدوينها على جدران معبد الكرنك، وهي الحروب الخاصة بفتوحه في آسيا وحدها كما يرى القارئ، ولا نعلم أنه توجَّه إلى آسيا ثانيةً بعد هذا العام، هذا ولا نعرف له حروبًا أخرى قام بها إلا حملة واحدة إلى بلاد السودان في آخِر أيام حياته كما سيأتي.

والظاهر أن الحملات التي قام بها «تحتمس الثالث» على بلاد آسيا مرة بعد أخرى والقضاء على كل مقاومة وعصيان، وقد أعطت أمراء «سوريا» وبلاد «نهرين» درسًا عمليًّا في نهاية الأمر بأنه لا طائل من العصيان وبثِّ الثورة على هذا الفرعون الجبار؛ إذ قد علموا أنه مهما كانت سرعتهم في جمع شملهم وتحالفهم على «تحتمس» فإنه كان أسرع منهم، وأن أية مساعدة كانوا ينالونها من أولئك الأقوام الذين حقدوا على مصر، وأضمروا لها العداء لا تُجدِي، فإن تحتمس كان أعظم منهم خطرًا وأشد بأسًا، وأن أبعد هذه الولايات من مقر حكمه كانت كأقربها إليه، ويمكنه أن ينقضَّ عليها في سرعة خاطفة بما اتخذه من استعداد، وما أوتيه من يقظة وانتباه، فقد جعل البحر خادمًا خاضعًا له يركبه وينقضُّ على عدوِّه من خلفه، في حين أنه كان يرقب هجومه من الأمام، وكذلك علم هؤلاء الأقوام أن «تحتمس الثالث» ذلك الجندي السريع الحركة القوي البطش لم يكن وحشًا كاسرًا محبًّا لسفك الدماء في ساحة الوغى، بل كان إنسانًا رحيمًا رقيق الطبع لم يَرُقْ في عينه — حتى في أشد المواقف — ذَبْحُ ألدِّ أعدائه إذا كان في استطاعته الخروج من هذا المأزق بأية وسيلة.

وقد كان من نتائج كلِّ ذلك أن أمضى «تحتمس» المدةَ الباقية من حياته دون أن يرى أيَّ ثورة في الأقاليم الآسيوية التي فتحها، ولم يكن أخلافه من بعده في حاجة إلى إشعال حروب مستمرة في تلك البقاع كالتي خاض غمارها «تحتمس الثالث»، بل كانت حروبهم لا تتعدى حملة أو حملتين، إذا ما دعا الأمر لتذكير أولئك الأقوام بقوة مصر الحربية وعظمتها، وقد بقي هذا الولاء، واستمر هذا الرعب من قوة مصر مدةً طويلةً؛ إذ قد عرف الولاة من حروبهم مع «تحتمس» أن مصر عدوة يُخشَى بأسها، وأن «تحتمس» في الوقت نفسه كان صديقًا يُعتمَد عليه، حتى إن أولئك الأقوام المغلوبين في آسيا قد زعموا أنهم سيجدون هذه الصفات في أخلافه، ممَّا جعلهم يطلبون يدَ المساعدة فيما بعدُ عندما تحرجت الأحوال في بلادهم، وانقضَّتِ الممالكُ المجاورة الفتِيَّة القوية على ولاياتهم، فكانوا يذكرون أيام سيادة «تحتمس» وقوة سلطانه ووفائه، وبعد انقضاء أربعة أجيال على وفاته لم يكن في مقدور أخلافه أن يحموا الأمراء التابعين لهم في بلاد نهرين من عسف الخيتا؛ ولذلك ذكر أولئك التعساء أيام بطل مصر الأكبر «تحتمس الثالث»، وما كان عليه من قوة وسلطان، فكتبوا إلى ملك مصر إذ ذاك قائلين: مَن ذا الذي كان يجسر على نهب «تونب» دون أن يفتك به «منخبريا» (لقب تحتمس الثالث باللغة الآشورية).

ولا نزاع في أن الرجل الذي استطاع أن يترك في نفوس القوم الذين فتح بلادهم منذ أربعة أجيال، مثل هذا الأثر بقوته وبأمانته الساهرة في المحافظة على وعده لهم بحمايتهم؛ لا بد أن يكون أعظم بكثيرٍ من رجل حرب وحسب، كما يصفه أحيانًا بعض مَن لم يدرس حياته درسًا دقيقًا، بل الواقع أن «تحتمس الثالث» كانت فيه كل صفات الرجولة الكاملة.

(٦) منشآت تحتمس الثالث الدينية

لم يغفل «تحتمس الثالث» أيام قيامه بالحروب الطاحنة التي شنَّها على أمراء آسيا عن إقامة المباني الضخمة لآلهته الذين منحوه النصر على أعدائه، بل على العكس كان يعتبر إقامة المباني لهم من أعظم الواجبات وأقدسها، وقد ذكرنا جانبًا منها، وبخاصة ما أقامه في معبد الكرنك للإله آمون والإله «بتاح»، وقد كان أكبر عون له على إقامة المباني الدينية، ما كانت تفيض به البلاد ممَّا كان يتدفَّق عليها من الذهب والفضة والمواد الأولية الأخرى، وبخاصة الأخشاب النادرة التي كانت تُجلَب إليها من آسيا وبلاد «الكوش»، هذا فضلًا عمَّا كان يُجلَب إليها من أوانٍ من صنع تلك الجهات.

(٦-١) مسلات تحتمس الثالث

وقد كانت إقامة المسلات الضخمة في عصر هذه الأسرة أهم ما يلفت النظر، حقًّا إنها لم تكن بدعةً محدثةً، بل كانت قد أُقِيمت في عهد ملوك الأسرة الثانية عشرة وحتى في عهد الدولة القديمة، غير أن نحت المسلات الضخمة كان قد بطل استعماله، وربما كان سبب ذلك ما صارت إليه حالة البلاد من فقرٍ وما انتابها من اضطرابات داخلية، وظلت الحال كذلك حتى جاءت الأسرة الثامنة عشرة فأحيا ملوكها تلك العادة، فقطع «تحتمس الأول» مسلتين ضخمتين أُقِيمتا في «معبد الكرنك»، ثم جاءت بعده الملكة «حتشبسوت» وأقامت أربع مسلات كما فصلنا القول في ذلك آنفًا، غير أن «تحتمس الثالث» قد ضرب الرقم القياسي في هذا المضمار، فأقام ما لا يقل عن سبع مسلات.

العيد الثلاثيني الأول

وقد كان المعتاد أن تقام هذه المسلات احتفالًا بعيد «سد»، وهو العيد الثلاثيني، أيْ في العام الثلاثين من إعلان ولي العهد ملكًا على البلاد، وقد احتفل «تحتمس الثالث» بعيده الثلاثيني ثلاث مرات، ولا بد أن أول هذه الأعياد كان في السنة الثلاثين من تنصيبه ملكًا؛ وذلك لأن إعلانه وارثًا على العرش قد وقع في نفس السنة التي تولَّى فيها عرش البلاد.

ونعلم من نقوش مهندس البناء «بو إم رع» الذي كان يعيش في عهد «حتشبسوت»، أنه قد كُلِّف بقطع مسلتين من محاجر «أسوان» لعيد «تحتمس» الثلاثيني الأول، وقد ترك لنا «بو إم رع» نقوشًا في مقبرته ومنظرًا نشاهده فيه وهو يتسلَّم تقاريرَ من ستة من المشرفين على الأعمال، ويُرَى خلفهم مسلتان، وقد كتب فوق صورته ما يأتي: «فحص الآثار الضخمة العظيمة التي أقامها ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» لوالده «آمون» في الكرنك من الذهب والفضة، وكل حجر ثمين غالٍ، بوساطة الأمير الوراثي والحاكم والد الإله «بوام رع».»٤٥
أما النقوش التي على المسلتين فهي: إن «تحتمس الثالث» قد أقامها أثرًا لوالده «آمون» ليمنحه الحياة مخلدًا، ويُحتمل أن المسلتين اللتين يتحدَّث عنهما «بو إم رع» هما اللتان كانتا منصوبتين أمام «البوابة» السابعة في الجهة الجنوبية من الكرنك، ومن القطعة الباقية من المسلة الشرقية أمكن «أنجلباخ» مهندس البناء أن يستخلص أن طولها يتراوح بين ٩٥–١٠٥ أقدام، أيْ إن المسلتين كانتا أطول من مسلتي «حتشبسوت» اللتين كان يبلغ طول الواحدة منهما ٩٧٫٥ قدمًا، ويحتمل أنهما كانتا تماثلان مسلة «اللاتران» القائمة الآن في روما، ويبلغ ارتفاعهما ١٠٥٫٥ أقدام، وتُعَدُّ أطول مسلة موجودة الآن، وقد كُشِف حديثًا عن بقايا المسلة الغربية كما كُشِف عن أساسها. وفي عيد «تحتمس الثالث» الثلاثيني الثاني، كلَّفَ مهندسًا ثانيًا أن يقطع مسلتين لإقامتهما احتفالًا بهذا العيد، ويحتمل أن «منخبر رع سنب» السالف الذكر هو الذي قام بهذه المهمة، ويوجد بجانب محراب معبد الكرنك منظر يُشاهَد فيه «تحتمس الثالث» يقدِّم سلات للإله آمون وعدة هدايا، ومن بينها مسلتان يُحتمل أنهما هما اللتان كلف «منخبر رع سنب» قطعهما وإعدادهما، ونجد على واحدة منهما النقش التالي: «لقد أقامه أثرًا لوالده «آمون» رب طيبة، فنصب له مسلتين عظيمتين شامختين من الجرانيت، قمتهما من السام عند (بوابة) المعبد المزدوجة.» ويشير «منخبر رع سنب» إلى عمله في إقامة هاتين المسلتين بما يأتي: «كنتُ أفتِّش عندما كان جلالته يقيم مسلاتٍ وأعلامًا عدة لوالده «آمون»، وقد أدخلت السرور على جلالته عندما كنتُ أقيم آثاره.»٤٦

مسلة القسطنطينية

ومن المحتمل أن واحدة من هاتين المسلتين أو جزءًا من واحدة منهما هو القائم الآن في القسطنطينية، وهي التي نقلها الإمبراطور «ثيودورس»، والواقع أن الموجود في القسطنطينية الآن وهو الجزء الأعلى من مسلة كانت في الأصل أطول بكثيرٍ من آية مسلة موجودة الآن، غير أنه لا يمكن الجزم بأنها إحدى هاتين المسلتين اللتين كلف إقامتهما «منخبر رع سنب» أولًا، والنقوش التي على هذه المسلة من الأهمية بمكان؛ إذ يمكننا أن نحدِّد بها على وجه عام تاريخَ إقامتها، فاستمع إليها:

رب النصر وغال كل البلاد، والذي جعل حدوده تصل إلى قرون الأرض ومياه نهرين بقوة وظفر على رأس جيشه.

ولما كان «تحتمس» قد عبر نهر الفرات بعد عيده الثلاثيني الأول، فلا بد أن هاتين المسلتين قد أُقِيمتا بعد هذا التاريخ، أيْ بعد الحملة الثامنة، ومن ثَمَّ نعلم أن المسلتين قد أُقِيمتا في عيده الثلاثيني الثاني، والنقوش التي على مسلة «القسطنطينية» هي:
على الواجهة الجنوبية: … تحتمس الثالث قد أقامها أثرًا لوالده «آمون رع» رب طيبة، أقام له مسلة عظيمة من الجرانيت الأحمر وقمتها من السام ليهبه الحياةَ مثل «رع» مخلدًا.
الواجهة الشمالية: … تحتمس الثالث الذي رباه «آمون» بمثابة طفل بين ذراعَيِ الإلهة «نبت» الأم المقدسة ليكون ملكًا، وهو الذي استولى على كل الأراضي طول الزمن: رب الأعياد.
الواجهة الشرقية: … تحتمس رب الظفر غال كل الأراضي، والذي جعل حدوده تمتد إلى كل قرون الأرض، والمستنقعات إلى نهرين …
الواجهة الغربية: … «تحتمس الثالث» الذي عبر المنحنى العظيم لنهرين بالقوة والظفر على رأس جيشه، موقعًا مذبحة عظيمة بينهم.
هذا ونجد «تحتمس الثالث» قد أقام في آخِر أيامه على ما يظهر مسلةً واحدةً أمام «البوابة» الثامنة في الجهة الجنوبية من معبد «الكرنك»، وهذه المسلة يبلغ ارتفاعها ١٠٥٫٥ أقدام، وقد أتى بها من أسوان بعد حفر نقوشها وإعدادها، وقد كان «تحتمس الثالث» يفخر بهذه المسلة على وجه خاص؛ لأنها تُعَدُّ المثال الوحيد لإقامة مسلة منفردة لا اثنتين، كما كانت العادة المتَّبَعة، وها هو ذا يقول:
الواجهة الجنوبية: لقد أقامها بمثابة أثر لوالده «آمون رع» رب طيبة، فنصب له مسلة في الردهة الأمامية للمعبد قبالة «الكرنك» بمثابة المثال الأول لإقامة مسلة فرد في طيبة لأجل أن يمنح الحياة.٤٧
الواجهة الشمالية: … تحتمس الثالث بن آمون من جسده، والتي حملته له الإلهة «موت» في «أشرو» (وهم اسم معبد الإله «موت» بالكرنك)، وأعضاؤه مثل أعضاء الذي صورها ابن الشمس «تحتمس» جميل الخلق، محبوب «آمون رع» رب طيبة، معطي الحياة مثل رع.
الواجهة الشرقية: … تحتمس الثالث الغني بآثاره في بيت آمون الذي جعل آثاره أعظم من آثار أجداده الذين كانوا قبله، وهي تفوق كل ما سبق، ولا تشبه في أي شيء ما عُمِل في بيت والده آمون لأجل أن يعطي ابن رع تحتمس حاكم هليوبوليس الحياة بوساطته.
الواجهة الغربية: … تحتمس الثالث الذي يمدح «آمون» عندما يشرق في «الكرنك»، وإنه يرسل آمون ليستريح في البيت المسمَّى «حامل التيجان»، في حين أن قلب آمون يكون فَرِحًا لآثار ابنه المحبوب المسمَّاة «البقاء في الملكية»، فاجعله يبقى ويكرِّر الاحتفال بملايين هذه الأعياد الثلاثينية، ابن الشمس «تحتمس» جميل الخلق معطي الحياة.

تحتمس الرابع يقيم مسلةَ جدِّه في مكانها

غير أن تحتمس الثالث قد عاجلته المنية قبل أن يرى هذه المسلة مُقامة أمامه؛ إذ قضى وهي لم تُنصَب بعدُ، وقد بقيت مهملة بعد موته نحو خمس وثلاثين سنة؛ لأن ابنه «أمنحتب الثاني» على ما يظهر لم يكن ميَّالًا لإتمام الآثار التي لم تكن قد تمَّتْ إقامتها في عهد والده، ولكن «تحتمس الرابع» كان يتَّصِف بأخلاقٍ تمتاز عن أخلاق سلفه؛ إذ كان يميل كلَّ الميل لإتمام وإصلاح الأعمال العظيمة التي عملت في الماضي، ولا أدل على ذلك ممَّا فعله لتمثال «بو الهول» من إزالة الرمال عنه، ونصب لوحة تذكارية أمامه دوَّنَ عليها ما قام به من جليل الأعمال لهذا الإله العظيم الذي كافأه بتنصيبه على عرش الملك كما سنرى بعدُ، ومن أجل ذلك اهتمَّ بنصب مسلة جدِّه في مكانها الأصلي، ودوَّنَ عليها نقوشًا طويلةً تدل على ورعه واحترامه لجده العظيم، وهي:٤٨
الواجهة الشمالية من اليمين: … تحتمس الرابع الذي يقبض بقوته مثل رب «طيبة» عظيم البأس مثل «منتو»، والذي جعله والده «آمون» مظفرًا على كل البلاد، والذي تأتي إليه البلاد المجهولة وخوفه في نفوسهم — ابن الشمس «تحتمس الرابع» الذي يضيء في التيجان محبوب «آمون»، ثور أمه، معطي الحياة.
الواجهة الشمالية من اليسار: ملك الوجه القبلي والوجه البحري، محبوب الآلهة ومَن يمدح عظمته تاسوع الآلهة، ومَن يرسل رع ليستريح في سفينة الشمس المسائية، والذي يمدح «آتون» في سفينة النهار، رب الأرضين «منخبرو رع» (تحتمس الرابع) الذي يجمل طيبة دائمًا، والذي يقيم آثارًا في الكرنك، وتاسوع آلهة بيت آمون مرتاحون لما فعله ابن آتون من جسده ووارثه على العرش «تحتمس الرابع» الذي يضيء بالتيجان محبوب «آمون رع».
الواجهة الجنوبية من اليسار: … تحتمس الرابع الذي أنجبه «رع» ومحبوب آمون لقد كان جلالته هو الذي جمل المسلة الفردية المتناهية في العظم، وهي التي كان قد أحضرها ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» (تحتمس الثالث)، وبعد أن وجد جلالته أن هذه المسلة بقيت مُلقاةً على جانبها خمسًا وثلاثين سنة في يد الصناع في الجهة الجنوبية من معبد الكرنك، أمر والدي بأن أنصبها له، أنا ابنه والمخلص له.
الواجهة الجنوبية من اليمين: ابن الشمس تحتمس الرابع، المضيء في التيجان، لقد أقامها في الكرنك، وصنع قمتها من السام حتى إن جمالها أصبح يشعُّ على طيبة، وقد نُحِتت باسم والده الإله الطيب «منخبر رع» (تحتمس الثالث)، وقد فعل ذلك ملك الوجه القبلي والوجه البحري، رب الأرضين «منخبرو رع» (تحتمس الرابع) محبوب «رع» في بيت «آمون» ليعطي الحياة بواسطته، ابن الشمس «تحتمس الرابع» الذي يضيء في التيجان.
الواجهة الغربية من اليمين: … تحتمس الرابع الذي انتخبه آمون أمام الشعب، والذي أنجبته له الإلهة «موت» التي يحبها أكثر من أي ملك، وعندما يرى جماله يُسَرُّ؛ لأنه وضعه تمامًا في قلبه، وهو الذي وضع الجنوبيين والشماليين تحت تصرُّفه، وجعلهم يقدمون الخضوع لاسمه، وقد أقامها بمثابة أثره لوالده «آمون رع» ناصبًا له مسلة عظيمة عند (البوابة) العليا للكرنك (أيْ مدخل الكرنك في الجهة الجنوبية، وهو الذي تؤدِّي إليه البوابات الأربع الجنوبية) قبالة طيبة؛ لأجل أن يعطي الحياة على يدَيْه ابن «رع» ومحبوبه «تحتمس الرابع» الذي يضيء في التيجان.
الواجهة الغربية من اليسار: … منخبرو رع (تحتمس الرابع) الابن الأكبر، النافع لمَن أنجَبَه، والذي يفعل ما يسرُّ ربَّ الآلهة منذ أن عرف سمو تصميمه، وأنه هو الذي أرشده إلى الطريق الجميلة، والذي غل له قبائل الأقواس التسعة تحت قدمَيْه. تأمَّلْ! إن جلالته كان يَقِظًا في تجميل أثر والده، فقد كان الملك نفسه هو الذي يوجِّه العمل؛ لأنه كان ذكي الفؤاد مثل «الذي جنوبي جداره» (يقصد الإله «بتاح» إله الحِرَف والصناعات والجمال)، وقد أقامها في الوقت المحدَّد، وقد سرَّ قلب من صوره، ابن الشمس «تحتمس الرابع» الذي يضيء في التيجان.
الواجهة الشرقية من اليمين: الإله الطيب الشديد القوي، ملك يستولي بانتصاراته ويبثُّ ذعره بين الآسيويين، وزئيره بين البدو والنوبيين، وهو الذي ربَّاه والده آمون ليقوم بمهام الملك ثانيةً، في حين أن أمراء البلاد كلها يقدمون الخضوع لاسم جلالته، وهو الذي يتكلَّم بفمه، وينفِّذ بيدَيْه، وكل ما أمر به قد تمَّ، ملك الوجه القبلي «منخبرو رع» (تحتمس الرابع) صاحب الاسم الخالد في الكرنك معطي الحياة.
الواجهة الشرقية من اليسار: … منخبرو رع الذي ضاعَفَ الآثار في الكرنك من ذهب ولازورد وفيروزج، وكل حجر ثمين فاخر، والسفينة العظيمة لعيد ابتداء النهر المسمَّاة «وسرحات آمون» قد صُنِعت من خشب الأرز الجديد الذي قطعه جلالته من بلاد رتنو، وغشاها كلها بالذهب، وكل زخرفتها صُنِعت للمرة الأولى لأجل أن تستقبل جمال والده «آمون» عند سياحته في عيد «ابتداء النهر». ليت ابن «رع» تحتمس الرابع الذي يضيء في تيجانه يعطي الحياة على يديه.

(أ) تاريخ هذه المسلة

وهذه المسلة تُعَدُّ مثالًا فخمًا لما أخرجته يد المفتنين والمهندسين المصريين المَهَرَة، ويبلغ وزنها حوالي ٤٥٥ طنًّا، ولها تاريخ مُخجِل؛ ففي عام ٣٣٠ بعد الميلاد نقلها «قسطنطين» الأكبر عاهل الدولة الرومانية إلى الإسكندرية؛ رغبةً منه في إرسالها إلى بيزنطة لتجميل عاصمة ملكه الجديدة، ولكن بعد ٢٧ عامًا من هذا التاريخ، نقلها ابنه «قسطنطنيوس» إلى «روما»، وأقامها في ميدان «ماكسيماس»، وفي عام ١٥٨٧ بعد الميلاد كشف عنها ملقاةً ومكسورةً ثلاث قطع، فأصلحت ونصبت في المكان الذي هي فيه الآن، وهو ميدان «اللاتيران» عام ١٥٨٨ على يد «دومنيكو فونتانا»، بأمرٍ من البابا «سكتس الخامس» الذي كان يعتقد في قرارة نفسه أن أمره برفع الصليب على قمتها مشوهًا إياها برهانٌ على انتصار المسيحية على الوثنية، ومن المضحك أن نفس هذا التشويه قد نال تسع المسلات الأخرى المنتشرة في أنحاء روما، ويبلغ ارتفاع كل واحد منها حوالي تسع وعشرين قدمًا. وربما لا نكون مبالغين في مطلبنا إذا انتظرنا من أولي الأمر في «روما» — إذا كانوا يريدون المحافظة على تلك الآثار الرفيعة التي تدلُّ على عظمة القومية المصرية، والتي اختلست من أرضهم — أن يعيدوها إلى سيرتها الأولى التي كانت عليها بقدر المستطاع، ولعمر الحق إن تعاليم المسيح السامية لا تحتاج إلى مثل هذه الرفعة الوضيعة؛ لأن البعوضة قد تتسنم أعلى قمم الجبال وأشهقها وهي مع ذلك بعوضة.

تحتمس الثالث يقيم مسلتين في معبد عين شمس وتنقلان إلى الإسكندرية

وقد أقام هذا الفرعون احتفالًا بنفس العيد الثالث الثلاثيني الذي أقام من أجله المسلة السابقة الذكر؛ مسلتين أخريين بمعبد الشمس «بهليوبوليس»، ويربي طول الواحدة منهما على سبعين قدمًا، وقد نقلهما من مكانهما الأصلي مهندس إغريقي يُدعَى «بنتيوس» إلى الإسكندرية حوالي العام الثاني عشر ق.م، وفي خلال القرن الرابع عشر من الميلاد سقطت إحداهما من فوق قاعدتها، وقد نجَتْ بأعجوبة من التهشيم الذي أصاب زميلتها في «اللاتران».

  • إحداهما نُقِلت إلى «لندن»: وقد أهداها محمد علي باشا إلى الأمة الإنجليزية عام ١٨٣١، بعد أن كانت قد أُهدِيت لها مرات عدة من قبلُ، وقد بقيت بعد إهدائها ملقاةً على الأرض حتى عام ١٨٧٧، وهو العام الذي نُقِلت فيه إلى إنجلترا على يد «جون ويمان دكسون»، بالنيابة عن السير «أرزمس ولسن»، وقد أُقِيمت على شاطئ نهر التاميز. ومن العجب العجاب، أو من الجهل المخجل الفاضح أن يسمِّيها القوم هناك «مسلة كليوباترا».
  • الأخرى تُنقَل إلى نيويورك: وقد أرادت الولايات المتحدة أن تجاري إنجلترا في ذلك، فنقلت المسلة الثانية إلى «نيويورك»، وسمَّاها الأمريكيون «مسلة كليوباترا» أيضًا، وهي الآن قائمة في «سنترال بارك».
والنقوش التي على مسلة «لندن» ليست على أهمية عظمى، وأهم ما فيها نقش الإهداء:

«تحتمس الثالث» قد أقامها تذكارًا لوالده «حوراختي»، الذي أقام له مسلتين في عيد «سد» الثالث «العيد الثلاثيني»؛ لأنه أحَبَّ والده كثيرًا، ليت ابن الشمس تحتمس يعطي الحياة على يديك.

أما نقوش مسلة «نيويورك» فمطموسة ولا تُقرَأ، وبخاصة نقش الإهداء، والنقوش الأخرى هي:
الجانب الشرقي: حور الثور القوي الذي يضيء في طيبة محبوب الإلهتين الباقي في الملك مثل «رع» في السماء، والذي أنجبه «آتوم» رب عين شمس من جسده، والذي سواه «تحوت»، وهما اللذان صوَّراه في البيت العظيم في جمال أعضائه، عالمين أنه سيدير شئون الملك؛ باقٍ إلى الأبد، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» (تحتمس الثالث)، محبوب آمون الإله العظيم، التاسوع المقدس معطي الحياة والثبات والسرور مثل «رع» مخلدًا.
الجانب الشمالي: حور الذي أخذ التاج الأبيض المغتبط بضرب حكام الممالك التي تقترب منه، كما قرَّرَ والده «رع» له النصر على كل الأرض، وقوة السيف بساعده لأجل أن يمدَّ حدودَ مصر «ابن الشمس تحتمس».

(٦-٢) تعليق المؤرخين المحدثين على نقل المسلات من أماكنها الأصلية

وهكذا يرى القارئ أن بعض ما أقامه أعظم فرعون في مصر من الآثار قد نصبت كالأعلام في العالم المتمدين تطلُّ على ربوع «القسطنطينية» «فروما» «فلندن»، ثم «نيويورك»، في حين أن بلاد الآلهة التي أُهدِيت إليهم هذه الأعلام الشامخة لا تملك مسلة واحدة من بينها. حقًّا إن مصر موطن المسلات الأصلية لا تملك إلى خمسة أمثلة من أعظم منشآتها المعمارية، من بينها مسلة حقيرة قُطِعت من الحجر الخشن أقامها «سيتي الثاني»، في حين أن أعظم هذه المسلات شهرةً وأكثرها جمالًا منصوبةٌ الآن في ممالك متحضرة لا يعتني أهلها بها عنايةً تليق بها، لدرجة أنهم لا يسمونها بأسماء الملوك العظام الذين أقاموها، والواقع أنه ممَّا يسجل بالعار على المدنية الحديثة أن نشاهد هذه الآثار الفخمة التي تتحدث عن مجدٍ أثيل غابر، قد أخذت تفقد من روائها وجمالها، إلى درجة أن نقوشها قد أخذت كذلك تتلاشى ويضيع رونقها.

ويقول «أنجلباخ» مهندس البناء الإنجليزي: ماذا عساه يكون شعور «تحتمس الثالث» عندما أمر بقطع هذه المسلات للإله «رع»، لو أدرك أن واحدة منها ستُنقَل إلى أرضٍ لم يكن يحلم بوجودها في العالم، وأن الثانية ستقع في يد قومٍ كانوا وقتئذٍ شعبًا يهيم على وجهه في الأحراج؟ ومع ذلك فإن هذه المسلات بعد أن تقلبت عليها غير الزمن، وخيف عليها الغرق وأخطار القنابل، لا تزال باقيةً منتصبةً في مكانها بعد أن مضى على صنعها حقبةٌ من الزمن تربي على ٣٤٠٠ عام.

وكذلك يعلِّق على ذلك المؤرخ «ويجل» بقوله الصائب: وإذا كان غرور جيلٍ مضى من الإنجليز، قد استحلَّ لنفسه إقامةَ مسلة في بلادهم قُطِعت من أفخر حجر الجرانيت الأحمر، لا يمكن أن تحفظ قيمتها وما تنطوي عليه من معانٍ إلا إذا كانت قد بقيت في التربة التي نشأت فيها، كما أن جمالها كان في حفظ لونها الرشيق الأصلي، فإن أقل ما كان يمكن أن يقوم به أهالي «لندن» في أيامنا هذه من الاحترام والتقدير لهذا الجندي القديم، الذي لا بد أنه يحتدم غيظًا وحنقًا (يعني تحتمس الثالث)، هو أن يحافظوا على نظافة أثره الذي أقامه لعيده الثلاثيني المقدَّس، فيميطوا عنه ما لحق به من أذًى، وألَّا يسموه بالاسم المفجع الخاطئ «مسلة كليوباترا».

(٧) تحتمس الثالث والسودان

(٧-١) حملته إلى بلاد السودان في السنة الخمسين

يدلُّ ما وصل إلينا من النقوش على أن آخِر حملة حربية سار على رأسها «تحتمس الثالث» كانت إلى بلاد السودان في السنة الخمسين من حكمه؛ أيْ قبل الاحتفال بعيده الثلاثيني الثالث.

والظاهر أنه مكث في هذه الحملة مدة أكثر من المعتاد في تلك الجهات، ممَّا يدلُّ على أن الأمر على ما يظهر لم يكن هيِّنًا، فقد بقي «تحتمس الثالث» قرابة ثمانية أشهر في السودان، وما لدينا من الوثائق يدلُّ على اهتمام هذا الفرعون منذ بداية حكمه بشئونه وعلاقته به، وبخاصة من الوجهة الدينية، وقد أشرنا فيما سبق إلى أعماله الدينية في هذه الجهات، ولكن لما كانت علاقة مصر بالسودان لها خطرها في كل الأزمان، فإنَّا سنتناول هنا أعمالَه منذ حكمه الأول المنفرد حتى وفاته.

(٧-٢) إصلاح معبد سمنة

وقد كان أول عمل صالح قام به هذا الفرعون بعد توليته العرش على إثر وفاة والده، هو إصلاح محراب الفرعون «سنوسرت الثالث»، الذي كان قائمًا في معبد «سمنة» الواقع عند الشلال الثاني، والواقع أننا لم نعثر على شيء من بقايا المعبد الذي أقامه «سنوسرت الثالث» هناك قطُّ، اللهم إلا إذا كانت لوحة «سمنة» الثامنة جزءًا منه، وقد ثبتها «تحتمس الثالث» في جدار المعبد الجديد الذي أقامه، هذا إلى أنه دوَّن على الجدران الجديدة القوائمَ التي كان قد نقشها «سنوسرت الثالث» بأسماء الأعياد والقرابين.

تأليه سنوسرت الثالث

يضاف إلى ذلك أن هذا المعبد قد خُصِّص للإلهين «خنوم» و«يدون»، ولكن يُلاحَظ أن «تحتمس الثالث» قد أضاف إليهما إلهًا ثالثًا وهو «سنوسرت الثالث»؛ إذ كان مؤلهًا بوصفه بطلَ مصر الذي فتح بلاد النوبة، وثبت حدودها عند الشلال الثاني؛ وأقام هناك لوحته الشهيرة،٤٩ وهنا يلحظ من جانب «تحتمس الثالث» لفتة سامية تُشعِر باحترام أكبر فاتح للأسرة الثامنة عشرة، لأكبر فاتح في الأسرة الثانية عشرة، وتلك اللفتة لم نشاهدها بكلِّ أسف في الأسرة التاسعة عشرة التي كان دين ملوكها تخريب معابد مَن سبقهم حتى آبائهم، اللهم إلا «سيتي الأول»، فكان مُصلِحًا لا مخرِّبًا، وقد أتمَّ «تحتمس الثالث» هذا المعبد في السنة الثانية من حكمه، وتدل النقوش دلالةً صريحةً على أن «حتشبسوت» لم تشترك معه في الملك وقتئذٍ؛ إذ نشاهد في النقوش التي رسَمَها على جدران هذا المعبد لتجديد قربانه «سنوسرت الثالث» على عرشه، وأمامه يقف «تحتمس الثالث» وهاك النص:

السنة الثانية — الشهر الثاني — الفصل الثالث — اليوم السابع في عهد جلالة الملك «تحتمس الثالث» معطي الحياة.

مرسوم التجديد: ما نطق به جلالة الفرعون له الحياة والفلاح والعافية، لحامل الخاتم الملكي والسمير الوحيد وابن الملك وحاكم البلاد الجنوبية (توري (؟))، اجعل القرابين المقدَّسة تنقش، وهي التي أوقَفَها ملك الوجه القبلي والوجه البحري رب القربان «خع كاورع» (سنوسرت الثالث) … في معبد والده الإله «ديدون» المهيمن على بلاد النوبة، والولد المنتقم، لأجل أن يقوم بأعمال ممتازة لوالده الذي أنجبه، وقربان الصيد حتى يذكر اسمه في بيت والده «خنوم» الغال لأقوام الأقواس التسعة، وظاهر الشاسو (البدو) حينما كان الفرعون «خع كاورع» (سنوسرت الثالث) بين الأحياء، وحينما كان حيًّا … الإله وقد جعل القرابين المقدَّسة تُقدَّم للآلهة، وكذلك قدم قربان جنازي للموتى من جلالته، وأنشئت قرابين جديدة أيضًا … في بيت والده «ديدون»، وَلْيذكر اسمه في بيت والده «خنوم» غال قبائل الأقواس التسعة، وقاهر الشاسو (البدو).
قائمة سنوسرت الثالث: يقدم برًّا من الجنوب وشوفانًا لهم (الآلهة) وماء «واوات» … لوالده «ديدون» المهيمن على بلاد النوبة، وقربانًا لعيد رأس الفصول، خمسة عشر حقتًا من بر الجنوب لأجل والده «آمون» المهيمن على بلاد النوبة، وكذلك خمس وأربعون وستمائة حقت، وعشرون حقتًا من الشوفان … لوالده «خنوم» غال قبائل الأقواس التسعة، وقربان عيد أول الفصول: خمسون حقتًا من بر الجنوب، وخمس وعشرون وأربعمائة من بر الجنوب، ومن الشوفان عشرون حقتًا كل سنة لوالده «خنوم» غال الأقواس التسعة، وثور من القطيع لصيد السنة الجديدة لأجل والده «ددون»، وثور … وثور من القطيع للعيد المسمَّى «طرد المتوحشين»، وهو الذي يقع في الشهر الرابع من الفصل الثاني في اليوم الواحد والعشرين، قربان عيد «أول الفصول»: خمسون حقتًا من بر الجنوب، واثنان ومائتا حقت من بر الجنوب أيضًا، وخمسة عشر حقتًا من الشوفان، وفي كل سنة لعيد «طرد المتوحشين» يقدم كتان ملكي، ٨ … لأجل العيد الذي يقع في أول الفصل الثالث (الشهر التاسع): ثور من القطيع لوالده «خنوم» غال قبائل الأقواس التسعة وقاهر «الشاسو»: ٦٢ حقتًا من بر الجنوب كل سنة لزوج الملك … حقتًا من بر الجنوب كل سنة لزوج الملك العظيمة «مرسجر» في عيد «طرد المتوحشين»: ١٣٥ حقتًا من بر الجنوب، و١٠ حقات من الشوفان؛ أما للفرعون «خع كاورع» (سنوسرت الثالث) فيقدم … وقد فرض جلالته هذه الأشياء على حكَّام قلاع إلفنتين الجنوب، وجعلها مستحقة كل عام على الدوام دون انقطاع.

الإهداء للإله «ددون» و«سنوسرت الثالث»

وكذلك يُشاهَد في داخل المعبد على الجدار الغربي قارب مقدس يحتوي على محراب فيه تمثال «سنوسرت الثالث»، ويرى خلفه «سنوسرت الثالث» والإله «ددون»، والإله يضم الملك، وهنا يخاطب الإله «ديدون» الملك «تحتمس الثالث» قائلًا: «يا بني المحبوب «منخبر رع»، ما أجمل هذا الأثر الحسن الذي أقمته لابني المحبوب ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خع كاورع» (سنوسرت الثالث)! لقد خلدت اسمه إلى الأبد لتبقى أنت مخلدًا.»

وعلى الجدار المقابل يشاهد منظر مماثِل للسابق يقول فيه الإله «ددون»:

لقد جددت ولادته مرةً ثانية في الذكريات، ولقد قدمت له موائد قربان كثيرة من الفضة والذهب والبرنز والنحاس والأبنوس، ومكافأتك على ذلك هي الحياة الراضية مثل «رع» مخلدًا.

أما نقش الإهداء الكامل فيوجد على الجدار الخارجي من جهة الغرب وهو:
الإله الطيب «منخبر رع» (تحتمس الثالث) لقد أقامه بمثابة أثره لوالده «ديدون» المهيمن على بلاد النوبة، وللملك «خع كاورع» (سنوسرت الثالث)، فأقمت لهما معبدًا من حجر بلاد النوبة الأبيض، ولو أن جلالتي قد وجده من لبنات مهدمة، كما يفعل ابن على حسب رغبة والده الذي أهداه القطرين، والذي أحضره إلى «حور» رب هذه البلاد. ولقد قرَّرت في قلبي القدسي أن أقيم هذا الأثر لأجعله قويًّا على حسب ما أعطى … لأجل أن أخلد بنيه أبدًا؛ لأنه أعظم من أي إله، وقد منحني كلَّ الحياة والثبات والانشراح مثل «رع» مخلدًا.٥٠
وما سبق نرى أن «تحتمس الثالث» لم يَقُمْ بأي عمل عدائي في بلاد النوبة أو في السودان في المدة الأولى من حكمه، وقد ظلَّتِ الحال كذلك حتى السنة الخمسين من عهد هذا الفرعون كما أسلفنا، غير أننا لا نعرف إذا كان قد قام بغزو هناك أم لا؛ إذ إن ما وصل إلينا عن هذه الحملة مبهم، حيث نقرأ عندما كان الفرعون مارًّا في القناة التي عند الشلال الأول قد اضطر لتطهيرها من الأحجار التي سدتها، كما جاء ذكر ذلك في نقوشه التي تدل على أنه أمر بحفرها في تلك الفترة كما سنذكر هنا؛ وخلافًا لذلك نجد الفرعون قد خلَّدَ ذكرى انتصاراته على بلاد النوبة بما وجدناه منقوشًا على واجهة كلٍّ من برجي بوابة من بوابات الكرنك، فنجد قائمة بأسماء سبع عشرة مدينة وإقليمًا ممَّا استولى عليها في هذه الجهات،٥١ وكذلك نجد على إحدى القوائم منظرًا مهشمًا الآن تهشيمًا شديدًا يمثِّل الملك يضحي بأعدائه النوبيين أمام الإله «آمون»، وقد فسر هذا المنظر بالمتن التالي: «إحضار الأسرى الأحياء إلى مصر، وقد سيقت كل قطعانهم معهم إلى مصر، ولقد ملأ مخزن والده رب الآلهة ﺑ … من الرؤساء الذين ظفر بهم، ولم يفعل الملوك مثل هذا من قبلُ في هذه الأرض، وسيبقى اسمه أبد الآبدين.»
هذا وتوجد قائمة أخرى أكثر عددًا من السالفة، نقشها الفرعون من صورتين على كلٍّ من برجي البوابة السادسة لمعبد الكرنك، وهذه القائمة تحتوي على سبعة عشر ومائة بلد وإقليم فتحها الفرعون، وقد رُسِم فوق إحدى هاتين القائمتين منظرٌ يُشاهَد فيه الإله «ديدون» إله بلاد النوبة، يقود الملك «تحتمس الثالث»، ويقدم له هذه البلاد، وفوق القائمتين نجد المتن التالي:

قائمة بأسماء البلاد الجنوبية: بلاد النوبيين الذين هزمهم جلالته في مذبحة عظيمة لا يُحصَى عدد قتلاها، وقد ساق كل رعايا النوبيين أسرى أحياء إلى طيبة ليسر قلب والده «آمون رع» رب طيبة. تأمَّلْ! فإن كل الأراضي أصبحت رعايا جلالته كما أمر والده «آمون».

وكذلك نجد أن «تحتمس الثالث» دوَّنَ قائمةً أخرى على البوابة السابعة تحتوي عددًا عظيمًا جدًّا من أسماء البلاد والأقاليم، دوَّنَ منها الأستاذ «زيته» نحو ١٤٤ اسمًا،٥٢ ويقول الأستاذ «برستد» إن هذه القائمة ربما كان يربي عددها على أربعمائة اسم،٥٣ وممَّا يُؤسَف له جد الأسف أن معظم هذه الأسماء مجهول موقعه لنا حتى الآن، ممَّا عقد موضوع جغرافية بلاد السودان؛ ولذلك لا نستطيع أن نحدِّد على وجه التأكيد إلى أي حدٍّ وصل «تحتمس الثالث» في فتوحه في الأقاليم السودانية، ومن المؤكد أنه قد وصل في زحفه حتى «نباتا» عند الشلال الرابع على أقل تقدير؛ إذ قد عثر الأستاذ «ريزنر» على لوحةٍ له عند جبل «بركال» (أي الجبل المقدَّس)، غير أنه لم يتحدَّث فيها عن حروبه في السودان.٥٤ وفضلًا عمَّا ذكرنا يوجد نقش قصير في مقبرة «إنني» يشير إلى أسرى وأسلاب من بلاد النوبة، وقد قال عنه «برستد» إنه من عهد «تحتمس الثالث»، غير أن الأستاذ «زيته» يقول إنه من عهد «تحتمس الأول»، وقد نشأ تضارب الرأيين من اختلاف كيفية قراءة طغراء الملك، والمرجَّح أنه من عهد «تحتمس الأول».٥٥
نقوش القناة: وعندما قام «تحتمس الثالث» بحملته إلى بلاد النوبة في شتاء السنة الخمسين من حكمه، كان في سن الشيخوخة، والظاهر أنه لم يَعُدْ من حملته حتى فصل اعتدال الجو في مصر، أي في أبريل، والمفهوم أنه عندما بدأ الرحلة كان في فصل فيضان النيل، وهو الفصل الذي كانت تذهب فيه الحملات عادةً إلى بلاد السودان، ويرجع السبب في ذلك إلى أنه كان من اليسير على السفن أن تسير عبر الشلال في هذه الفترة، ولكن عند العودة كانت المياه منخفضة؛ ولذلك كان من المستحيل على السفن المرور في هذه الجنادل الصخرية الوعرة، وقد فطن ملوك مصر منذ الدولة القديمة لهذه الظاهرة، فاتخذوا لأنفسهم الحيطة، وشقوا قناةً لعبور سفنهم في العودة متفادين بذلك الشلالات، وقد تبعهم في ذلك ملوك الأسرة الثانية عشرة؛ إذ قد حفر «سنوسرت الثالث» قناةً هناك، ولكنها سُدَّت، وقد كراها «تحتمس الأول» واستعملها ثانيةً في حروبه، وقد وجد «تحتمس الثالث» أنها سُدَّت بالأحجار كرةً أخرى، فأمر بكريها لتعود منها سفن حملته، وقد ترك لنا وثيقةً تحدِّثنا عن عمله هذا، نُقِشت على صخرة في هذه الجهة بعينها، وهذا نصها: «في السنة الخمسين، الشهر الأول من الفصل الثالث، اليوم الثاني والعشرون من حكم جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» (تحتمس الثالث) معطي الحياة، أمر جلالته بحفر هذه القناة بعد أن وجدها مسدودةً بالأحجار، لدرجة أنه لا يمكن لسفينة أن تسبح فيها، وقد انحدر في النيل عليها وقلبه منشرح؛ لأنه ذبح أعداءه، واسم هذه القناة هو «فتح هذا الطريق في جمال منخبر رع العائش مخلدًا»، وعلى صيَّادي «إلفنتين» كري هذه القناة سنويًّا.»

ومن ذلك نعلم أن «تحتمس الثالث» لا بد قد سار في حملته هذه لتأديب العصاة في السودان؛ إذ يقول إنه عاد بعد ذبح أعدائه، يضاف إلى ذلك الغنائم التي تركها على بوابات معبد الكرنك، غير أنه يحتمل أن تكون قوائم تقليدية كان الفراعنة يتوارثونها كما جرت العادة، ولكنَّا نشك كثيرًا في أن يأتي «تحتمس الثالث» مثل هذا العمل، وقد كان «نحي» حاكم السودان في عهده هو الذي قام له بإصلاحات عدة أُجرِيت في معبد «سمنة»، كما يشير إلى ذلك نقش مهشم.

(٨) الآثار التي خلفها تحتمس الثالث

(٨-١) حدود إمبراطورية تحتمس الثالث

دان العالم المتمدين لسطوة «تحتمس الثالث»، وعز سلطانه حتى صار قبل وفاته يسيطر على إمبراطورية تمتد من أعالي نهر دجلة والفرات شمالًا حتى مدينة نباتا عند الشلال الرابع جنوبًا، ولم يخف على فطنة «تحتمس» أن يحدِّد لأخلافه من بعده حدودَ إمبراطوريته، كما فعل «سنوسرت الثالث» عندما وضع لوحة الحدود الشهيرة عند «سمنة»؛ إذ إنه لما عبر نهر الفرات أقام لوحة تذكارية في الجهة الغربية من هذا النهر لتكون بمثابة آخِر نقطة وصلت إليها فتوحه في الشمال، غير أنه لم يكشف عنها حتى الآن مع الأسف، ولا نعلم ماذا دون عليها على وجه التحقيق، أما في الجنوب فقد حدَّد فتوحه كذلك بلوحة من الجرانيت أقامها عند جبل «بركال» على مقربة من مدينة «نباتا»، وهذه النقطة هي على ما يظهر آخِر ما وصل إليه الفتح المصري في كل عصور التاريخ القديم، وقد حدَّثنا فيها هذا الفرعون عن قوة سلطانه، وما أحرزه من انتصارات على الآسيويين، دون أن يشير إشارة صريحة إلى انتصاراته على بلاد «كوش»، ولا عجب إذن إذا كان «تحتمس الثالث» قد تغاضى قصدًا عن ذكر انتصاراته على السودانيين؛ تفاديًا من جرح شعورهم أو التنديد بهم في عقر دارهم، فهل يا ترى قد تغافَلَ «تحتمس الثالث» في اللوحة التي أقامها عند نهر الفرات عن ذكر انتصاراته على الآسيويين (؟)، وإذا كانت الأشياء تقاس بأشباهها فقد يكون ذلك ليس ببعيد على رجل ضرب الرقم القياسي على ما يظهر في ميدان الحرب والسياسة معًا، وبين هذين الأثرين؛ أي لوحة الفرات ولوحة جبل «بركال» تقع إمبراطورية «تحتمس الثالث» التي دانت له بحد السيف ومضاء العزيمة وحسن السياسة، وسنرى فيما يلي أن آثاره قد عمت كل جهات هذه الإمبراطورية، بدرجةٍ لم يسبق لها مثيل في عهد أي فرعون قبله؛ وسنتحدَّث عن هذه الآثار بشيء من اختصارٍ بقدر ما وصلت إليه معلوماتنا، مبتدئين من بلاد «نهرين» شمالًا حتى «نباتا» جنوبًا.

  • آثاره في آسيا: أقام تحتمس لوحةً تذكاريةً عند أقصى حدود فتوحه الشمالية على نهر الفرات، بالقرب من مدينة «ني»٥٦ التي تقع على مسافة أربعين ميلًا في الشمال الشرقي من «حماة»، غير أننا لا نعرف ما جاء فيها حتى الآن. أما آثاره الأخرى في آسيا، فنعرف منها اللوحات التي تركها لنا في شبه جزيرة سينا؛٥٧ إذ قد عُثِر له على لوحة في «سرابة الخادم» مؤرَّخة بالسنة الخامسة والعشرين، وقد رُسِم في أعلاها منظر يُشاهَد فيه الفرعون مقدمًا قربانًا للإلهة «حتحور»، ويلحظ أن أحد كبار موظفيه المسمَّى «تاي» يقبض بيده على مروحة خلف الفرعون، ويحمل الألقاب التالية: «الأمير الوراثي، والحاكم، وحامل الخاتم، والسمير الوحيد، والمشرف على المالية — تاي»، ثم يأتي بعد ذلك مديح للفرعون، ونص الحملة الغرض منه هو استخراج المعادن من هذه الجهات.٥٨
    وكذلك وجد له لوحة في هذه الجهة مؤرَّخة بالسنة السابعة والعشرين، يرى عليها الملك ثانيةً يقدِّم قربانًا للإلهة «حتحور» ربة هذه الجهة،٥٩ وكذلك وُجِد جزء من بابٍ باسم هذا الفرعون بجوار هذه اللوحة، وفي «وادي مغارة» عُثِر له على نقوشٍ من عهده أيضًا مؤرَّخة بالسنة السادسة عشرة، وفي سرابة الخادم،٦٠ وكذلك وُجِدت قطع من أوني الفخار المطلي عليها اسم «تحتمس الثالث» أيضًا.٦١
    ننتقل بعد ذلك إلى التحدُّث عن آثار «تحتمس» في الدلتا، ففي بلدة كوم الحصن الحالية التي تقوم على أنقاض بلدة «آمو» القديمة، التي تقع في المقاطعة الثالثة من مقاطعات الوجه البحري، يظهر أنه قد أقام فيها معبدًا، وقد بقيت بعض آثاره على الرغم من تهدُّم المعبد تهدُّمًا شاملًا، فقد عُثِر له على آنية من أثاث المعبد اشتراها «بتري» من القاهرة، وقد نقش عليها: «محبوب»، «حتحور»، «سيدة آمو»، وهذا الإناء موحد مع أسلوب الأواني التي عُثِر عليها في أساس معبد «قفط» الذي بناه هذا الفرعون (Petrie Collection).

    وفي «عين شمس» قام هذا الفرعون بأعمال عظيمة؛ فقد عثر «ليبسيوس» على لوحةٍ مستدير أعلاها، رُسِم عليها منظر يُشاهَد فيه «تحتمس الثالث» يقدِّم قربانًا للإله «حوراختي»، وأسفل هذا المنظر دُوِّن النقش التالي:

    السنة السابعة والأربعون من عهد جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» ابن الشمس «تحتمس الثالث» عاش مخلدًا! أمر جلالته بإحاطة هذا المعبد بجدار سميك من الحجر لأجل والده «حوراختي» الخلد، وذلك عندما نظف عين شمس (بيت رع) …٦٢
    ويوجد في متحف القاهرة عمود باب نُقِش عليه إهداء من «تحتمس الثالث»، وهاك نصه: «لقد صنعه تذكارًا لوالده «آمون» رب عين شمس، فأقام له «بوابة» من حجر «بينوت» تُسمَّى «طاهرة قربان منخبر رع» محبوب آلهة عين شمس.»٦٣ وفي «منف» أقام معبدًا للإله «بتاح» على حسب ما جاء في نقش في «سقارة»،٦٤ وكذلك وُجِد له في «منف» لوحة من البرنز (راجع: A. S. III. p. 141)، وفي بلدة «غراب» الواقعة عند مدخل الفيوم أقام هذا الفرعون معبدًا ومدينة حوله عند نهاية سد الفيوم.٦٥
    وعُثِر على «باب عتب» عليه اسمه موجود الآن في مدينة «أدليد»،٦٦ وكذلك عُثِر على أحجار أخرى،٦٧ نُقِش عليها اسم «تحتمس الثالث»، والمحو الذي على هذه الآثار يدلُّ على أن المعبد قد ظلَّ قائمًا حتى عهد «أخناتون»، أي إن اسم آمون كان يُمحَى كلما وُجِد على حجر من هذه الأحجار، والظاهر أن المعبد قد خُرب وأُزِيل من مكانه، وبُنِيت على أنقاضه المنازل، ولا شك في أن هذه المدينة قد خربت في عهد الغزو الأجنبي الذي حدث في عهد «مرنبتاح» ولم تَعُدْ تسكن بعدُ.
    وفي «البرشة» نُقِشت على الصخر لوحة مؤرَّخة بالسنة الثالثة والثلاثين من حكم «تحتمس الثالث»، وقد دُوِّن عليها دعاء بملايين أعياد ثلاثينية.٦٨
    وفي «أخميم»٦٩ نُقِش منظر على حجرة قطعت في الصخر، يُشاهَد فيه «تحتمس الثالث» يتعبَّد للإله «آمون مين»، وكذلك وُجِد له نقش في موقع المعبد القائم هناك.٧٠
    وفي العرابة المدفونة عُثِر على تمثال ضخم جدًّا للإله «أوزير»، نُقِش على ظهره اسم هذا الفرعون.٧١
    كما وُجِد له آثار معبد هناك أيضًا (راجع: Petrie, “Abydos” II. Pl. LVII)، وبوابة عليها اسمه وقربان ومواد أساس (راجع: Ibid. I, Pls. LXI, LXIV, Ibid. II. Pl. XXXII. & ibid II, Pl. XXXIV; ibid. I. Pl. LXI).
    راجع: (“Ancient Egypt”, 1915, p. 24; “Rec. Trav.” XXXIV, p. 52)، وفي سمهود وُجِدت له جعارين (راجع: A. S. XII. p. 82).
    وفي «دندرة» وُجِدت له نقوش في إحدى الحجرات السرية، تنصُّ على إصلاح الآثار على يد الفرعون رب الأرضين «منخبر رع»، وسيد التيجان «تحتمس الثالث»، على حسب ما وُجِد في الكتابات القديمة التي ترجع إلى عهد «خوفو»،٧٢ ولا تزال توجد قطعة حجر من آثار «تحتمس الثالث» في معبد «دندرة»٧٣ الحديث. وكذلك أهدى هذا الفرعون صاحات من الفيروزج طولها ١٦ أصبعًا، تُشاهَد صورتها في مباني المعبد الذي يرجع إلى عهد البطالمة.٧٤
    وفي وادي الحمامات وُجِد نقش عليه اسم الفرعون؛ ممَّا يدل على أنه كان يرسل الحملات لقطع الأحجار من هناك.٧٥
  • معبد قفط: أما في «قفط»٧٦ فإنه بنى معبدها كله من جديد، وهذا المعبد كما هو معروف خاص بعبادة الإله «مين» إله هذه البلدة وإله الصحراء، وعلى الرغم من أن هذا المعبد أُعِيد بناؤه بعد «تحتمس» مرات عدة، فإن آثار هذا الفرعون قد بقيت إلى الآن؛ إذ عُثِر في أساسه على نماذج آلات ومجاديف وأوانٍ من المرمر، وكمية عظيمة من الفخار منقوش على أهمها اسم «تحتمس الثالث» محبوب «مين» صاحب «قفط»، وقد قُطعت أحجار هذا المعبد من الحجر الرملي المستخرج من محاجر «سلسلة»، بدلًا من الحجر الجيري الأبيض الذي كان يُستعمَل في بناء المعابد قبل هذا العهد، أما أعمدته فقد نُحِتت من الجرانيت الأحمر، ومثل عليها الملك يقدِّم القربان للإله «مين»، ومن المحتمل أنها استُعمِلت ثانيةً في معابد محدثة؛ إذ قد بقيت في متناول القوم حتى العهد المسيحي، فنقلت خرائب المعبد واستُعمِلت لإقامة الكنيسة القبطية الموجودة في هذه الجهة، ولم يَبْقَ منها إلا هذه الأعمدة.
    وفي «طوخ» وُجِد له مبانٍ،٧٧ وفي خرائب بلدة «بنت» (بلاص) المقابلة لبلدة «قفط»، على الضفة الثانية للنيل، وُجِدت قوالب من اللبن باسم هذا الفرعون وباسم ابنه «أمنحتب الثاني»؛ ممَّا يدل على أنهما هما اللذان أقاماها؛ هذا إلى أنه وُجِد حديثًا بعض قطع من الأساس، وكذلك قائمة باب من الحجر الرملي نُقِش عليها اسم «تحتمس الثالث».٧٨

    أما في الكرنك فقد أقام «تحتمس الثالث» مباني فخمة أشرنا إلى معظمها فيما سلف.

  • معبد مدينة «هابو»: وفي مدينة «هابو» أتمَّ هذا الفرعون المعبدَ الذي كان قد بُدِئ في بنائه منذ عهد جده، وهو الذي بنى معظمه والده وزخرفه هو و«حتشبسوت»، وهذا المعبد لم يكن في ذلك الوقت إلا مبنًى صغيرًا، وفي نهاية الأسرة «الثامنة عشرة» أصلح من شأنه الفرعون «حور محب»، ثم «سيتي الأول» و«رعمسيس الثاني عشر»، ثم أخيرًا الفرعون «پينوزم» (الأسرة الواحدة والعشرون)، وذلك على حسب ما ذكره كلٌّ منهم على الجدار الأمامي للمعبد، وبعد ذلك جاء «طهراقا» (في الأسرة الخامسة والعشرين)، وأضاف للمعبد ردهةً أماميةً و«بوابة» مخترقًا بذلك حدود معبد «رعمسيس الثالث». وفي عهد الأسرة الثلاثين أُضِيفت ردهة أخرى أمام السابقة، ثم جاء «بطليموس العاشر» وأضاف بوابة أمام هذه الردهة الأخيرة، وأخيرًا أضاف الإمبراطور «أنطونيوس» ردهةً أمام كل ذلك.٧٩
    أما في معبد الدير البحري فإن «تحتمس الثالث» أتمَّ بناءه بعد موت «حتشبسوت»؛ إذ يُلاحَظ في هذا المعبد باب بأكلمه قد نُقِش باسمه؛٨٠ ممَّا يدل على أن المعبد لم يكن قد تمَّ في عهدها.
    وفي معبد «الأسرة الحادية عشرة» الملاصق لمعبد «حتشبسوت» أقام «تحتمس الثالث» مقصورةً صغيرةً للبقرة المقدسة، التي كانت تُعَدُّ صورةً من صور الإلهة «حتحور» الموكلة بحماية هذه الأماكن الصحراوية، وقد وضع في هذه المقصورة تمثال بقرة، وقد مثل الفرعون نفسه يرضع اللبن المقدَّس من ثديها، والمقصورة والتمثال موجودان الآن بالمتحف المصري.٨١
    fig34
    شكل ٤: مقصورة البقرة حتحور.
    وفي بلدة «طود» الواقعة جنوبي «طيبة» عُثِر على قطع من الحجر منحوتة، نُقِش عليها اسم هذا الفرعون،٨٢ جاء فيها: «يعيش حور … ملك الوجه القبلي والبحري «منخبر رع» المختار من «رع» عمله بمثابة أثره لوالدته «نخبت» ربة «عفخ»، وقد أقامه لها معبدًا.»
  • معبد تحتمس الثالث في أرمنت: أقام تحتمس الثالث في بلدة أرمنت معبدًا ضخمًا للإله «منتو»، يُعَدُّ من أكبر الآثار التي خلفها لنا هذا الفرعون بين مبانيه كلها، وقد عُثِر على بعض بقايا هذا المعبد من النصف الأول من القرن التاسع عشر، وبخاصة ما وجده «لبسبسويس» من قطعٍ منقوشة نُحِت عليها اسم هذا الفرعون (راجع: L. D. IV. Text. p. 1)، وكذلك نقل «الكونت سنت فريول» أثناء سياحته في شتاء ١٨٤١–١٨٤٣ ميلادية عدةَ قِطَع من معبد «أرمنت»، معظمها يرجع إلى عهد هذا الفرعون، وهي الآن محفوظة بمتحف «جرينوبل».٨٣
  • الكشف عن المعبد: وقد كُشِف حديثًا٨٤ عن هذا المعبد كشفًا علميًّا في السنين الأخيرة، وتدل قِطَع الأساس والنقوش العدة ورسم بوابته على جدران مقبرة الكاهن «خنسو» في جبانة «شيخ عبد القرنة» رقم ٣١، وما عليها من نقوش، على أن هذا المعبد كان من معابد الدرجة الأولى التي أقامها هذا الفرعون، ولا غرابة في ذلك؛ فإن الإله «منتو» كان يُعَدُّ إله الحرب الأعظم بين الآلهة المصرية في كل عصور التاريخ، وثالوث «أرمنت» كان يتألف من الإله «منتو» والإلهة «إيونيت» ثم الإلهة «تننيت»، أيْ من ذكر وأنثيين، على غرار «ثالوث أسوان».

    ولم يَبْقَ لنا قائمًا من جدران هذا المعبد إلا بعض جدران البوابة السفلية، وقد عُثِر على قِطَع عدة من الأحجار عليها اسم «تحتمس الثالث» أُعِيد بناؤها في المعبد البطليموسي. وعلى الرغم ممَّا أصاب المعبد من التخريب والتدمير، فإنه قد بقي لنا على جزء البوابة المحفوظة منظر من الأهمية بمكان عظيم، وهذا المنظر يمثِّل موكبًا على الواجهة الداخلية من الجناح الشرقي للبوابة في الجهة الشمالية … وهو يفسر لنا بالصور والنقوش نتيجة حملة مظفرة قام بها هذا الفرعون في بلاد النوبة، ويُحتمَل أنها نزهة للصيد والقنص قد عاد الفرعون منها بغنائم. وممَّا يلفت النظر أن الرسوم قد نُقِشت برشاقة ودقة بالغة، كما أنها رُسِمت بكل عناية ممَّا جعلها تحاكي الطبيعة، وقد اختلف علماء الآثار في العهد الذي تُنسَب إليه، غير أن كل شواهد الأحوال تدلُّ على أنها من عصر «تحتمس الثالث».

  • الموكب: وهذا الموكب يسترعي النظر في تفاصيله؛ ففي بدايته نشاهد حيوانًا ضخمًا تدلُّ كلُّ ملامحه على أنه بلا شك خرتيت (وحيد القرن)، غير أن تمثيل سيقانه لا يطابق الواقع. وتدل النقوش التفسيرية الخاصة بهذا الحيوان على أن صيده كان حدثًا جللًا في تاريخ الصيد والقنص عند المصريين القدامى، ففضلًا عن رسم هذا الحيوان على جدران المعبد وكيفية صيده، نلاحظ أن «تحتمس» الثالث قد أمر بنقش مقاييس أجزاء جسمه، عرفنا منها أن طول قرنه كان نحو ذراع وشبر، وارتفاع ساقه الأمامية خمسة أذرع ونصف، ومحيطه ثلاثة أذرع وخمسة أشبار، ومحيط قدمه الأمامي ذراعان وشبر، ومحيط بطنه ثلاثة عشر ذراعًا وشبران، وطول ساقه الخلفية — أي: المحيط بالقرب من العجز — خمسة أذرع وثلاثة أشبار، ويُلاحَظ أن بعض هذه المقاييس لا ينطبق على الواقع الآن بل فيه مبالغة، ولم يَبْقَ لنا من صور الرجال الذين كانوا يقبضون على هذا الحيوان إلا بعض أجزاء، غير أن رسمهم يدل على أنهم كانوا أقوياء. وبعد ذلك نشاهد في الموكب حاملي الجزية، وتشمل ريش نعام وبيض نعام وثيرانًا، وركائز من المعادن، وفطائر وقردة، هذا ونشاهد أسماء بعض البلاد التي استولى عليها الفرعون، وغير ذلك من المناظر المألوفة.
    وقد كُتِب في نهاية الموكب النقش التالي: «الغنيمة التي استولى عليها الفرعون في صحراء أراضي بلاد «الكوش» الخاسئين، في خلال حملته الأولى المظفرة، عندما كان وحيدًا معتمدًا على ساعده القوي، ولم يكن معه شخص آخَر.» (وإذا٨٥ كان الإنسان يقصُّ كلَّ حادث قام به هذا الفرعون على حدته، فإن ذلك يفوق المليون وعشرات الألوف، بل ويفوق رمال شاطئ البحر عددًا.)

    والواقع أن هذا النقش لا يدل دلالة واضحة على شيء معين، اللهم إلا أن الفرعون قام بحملة مظفرة في بلاد النوبة لم يُحدَّد لنا تاريخها.

وقد عُثِر على بقايا تمثالي «بو الهول» بالقرب من بوابة المعبد السالفة الذكر، نُقِش على صدر كلٍّ منهما اسم الفرعون «تحتمس الثالث»، ومن المحتمل جدًّا أنهما ضمن تماثيل «بو الهول» التي كانت قد نصبت على كلا جانبي الطريق المؤدِّي إلى بوابة المعبد، كما نشاهد ذلك في معبد الدير البحري الذي أقامته «حتشبسوت».

على أن أهم أثر عُثِر عليه في هذا المعبد هو اللوحة العظيمة المنحوتة في الجرانيت الأحمر باسم هذا الفرعون، والظاهر أنها قد سقطت من مكانها الأصلي، وهو واجهة (البوابة)، وممَّا يُؤسَف له أنها قد وُجِدت مهشمة، وقد يكون ذلك عمدًا، وكان ارتفاعها الأصلي حوالي ٢٢٢ سنتيمترًا، وعرضها حوالي ١٢٤ سنتيمترًا، أما ارتفاع النقوش الباقية فهو نحو ٨٠ سنتيمترًا.

ويُشاهَد في أعلى اللوحة منظرٌ يحتوي على قرص الشمس المجنح، نُقِش تحته مباشرةً: «حور بحدت الإله الأعظم، ليته يعطي الحياة.» وأسفل هذا النقش منظران يفصلهما نقوش هي:٨٦ «إني أعطيك ملايين السنين وأجعل الممالك كلها تخضع تحت نعليك، إني أعطيك كل الحياة والسعادة والصحة، وكل القوة والنصر.» ويُشاهَد في المنظر الذي على اليسار الفرعون ابن الشمس محبوب «تحتمس» رب الصدق، وهو لابس لباس الرأس «نمس» وقميصًا مجعدًا، يقف أمام الإله «منتو» الممثل برأس صقر وجسم إنسان، وخلف الفرعون نشاهد الإلهة «إيونيت» إحدى إلهات الثالوث الأرمنتي، وتلبس على رأسها قرص الشمس وقرنين، ومُمسِكة بيدها اليسرى الفرعون، وتحميه بيدها اليمنى، وخلفها نقش ما يأتي: «إني أعطيك كل الحياة والسعادة والصحة والفلاح، وملك الأرضين تحت سلطتك باقيًا مخلدًا.»
أما المنظر الذي على اليمين فمشابه للسالف؛ إذ نشاهد الملك ثانيةً أمام الإله «منتو» رب «طيبة» بنفس الملابس، غير أن لقبه في هذه المرة مدوَّن فوقه وهو: «الإله الطيب رب المحافل «منخبر رع» معطي الحياة مخلدًا.» وخلفه نشاهد الإلهة «تننيت» رافعة يدها ولابسة تاج العقاب، والنقوش التي تتبعها هي نفس النقوش التي وُجِدت مع الإلهة «إيونيت»، وهاك ترجمة اللوحة:٨٧ يعيش «حور» (الملك) الثور القوي المضيء في «طيبة» ملك الجنوب والشمال، صاحب الإلهتين، المتمكن في الملك مثل «رع» في السماء: حور وست صاحب التيجان المقدسة، شديد البأس، ملك الوجه القبلي والوجه البحري — رب الأرضين وسيد الاحتفالات «منخبر رع» — ابن الشمس من جسده؛ «تحتمس» أمير الصدق، محبوب الإله «منتو» رب «طيبة»، والقاطن في «أرمنت» العائش مخلدًا.٨٨
السنة الثانية والعشرون، الشهر الثاني من فصل الشتاء، اليوم العاشر.٨٩ موجز الأعمال العظيمة، والانتصارات التي أحرزها هذا الإله الطيب، وهي كل سانحة مواتية من البداية منذ أول وجود جيل من الناس، على أن ما فعله له سيد الآلهة ورب «أرمنت» هو تعظيم انتصاراته حتى يمكن التحدُّث عن فتوحه ملايين السنين في المستقبل، هذا إذا أغضينا النظر عن ذكر أعمال الشجاعة العظيمة التي كان يقوم بها جلالته يوميًّا (= في كلا الفصلين نهارًا وليلًا)؛ وذلك لأن الإنسان لو ذكر كلَّ حادثة بالاسم لأخطأه عدها كتابةً.

فقد فوق سهامه إلى لوحة من النحاس بعد أن تكسرت أهدافه الخشبية، وصارت كأنها يراعات هشة، وقد وضع جلالته نموذجًا منها في معبد «آمون»، وهو هدف سمكه ثلاثة أصابع، رشق فيه سهمان من سهامه، فقد جعل السهم ينفذ في الهدف مقدار ثلاثة أشبار من الجانب الآخر. وإني أتكلم على حسب ما قام به فعلًا دون مين أو كذب، وقد حدث ذلك أمام كل الجيش، وليس في ذلك كلمة مبالغ فيها.

وإذا اتفق أنه خرج للصيد في أية صحراء، فإن عدد غنائم مطاردته يكون أعظم من غنائم كل الجيش، فقد أردى بسهامه سبعةَ أسود عندما خرج للصيد في لمح البصر، وكذلك استولى على قطيع من البهم الوحشية في ساعة، حتى إنه عندما حان وقت تناول الإفطار كانت ذيولها قد جهزت ليلبسها وتجر خلفه، وقد قضى على مائة وعشرين فيلًا في جبال إقليم بلدة «ني» عندما كان عائدًا من بلاد «نهرين»، وقد عبر نهر الفرات وضرب البلاد التي على شاطئيه؛ إذ بدَّدتها النيران إلى الأبد، وأقام لوحة انتصاره على شاطئه الشرقي، وكذلك أردى خرتيتًا قتيلًا عندما كان يقوم بنزهة طراد في إقليم صحراء بلاد النوبة، عندما ذهب إلى إقليم «ميو» باحثًا عمَّن ثار عليه في هذه الأرض، وأقام لوحته هناك كما فعل على شاطئ النهر (أي: نهر الفرات)، ولم يتوانَ جلالته في الذهاب نحو بلاد «زاهي» (سوريا) ليقضي على الثائرين الذين كانوا هناك، وليوزع العطايا على مَن بقوا على الولاء له، ويشاهد أسماءهم … كل مملكة على حسب وقتها (؟)، وقد كان جلالته يعود على إثر كل حادثة بعد فلاح هجماته بالقوة والظفر، وقد جعل مصر على الحالة التي كانت عليها عندما كان «رع» ملكًا عليها (أي إن العدالة كانت تسودها).

(تاريخ (؟) السنة الثانية والعشرون، الشهر الرابع من الشتاء اليوم (؟))، الخروج من «منف» لقهر أقاليم «رتنو» الخاسئة في أول موقعة مظفرة … فعل … (مجدو) وقد شقَّ جلالته الطريق، واقتحم كلَّ ممرٍ لجيشه (أي: أمام جيشه) من الممرات التي كانت تضيق كلما جدَّ في السير، وكان هو على رأس جيشه كله، في حين أن الممالك كلها كانت مصطفة متحفزة للواقعة عند فم الوادي … وقد دبَّ الخور في رجال العدو، وولوا الأدبار إلى مدينتهم ومعهم رئيسهم الذي كان في … وهم … يرجون … ومتاعهم على ظهورهم، وقد عاد جلالته فَرِحًا، وأصبحت كل هذه البلاد الأجنبية من رعاياه … وقد حضر الآسيويون جميعًا يحملون الجزية … السنة التاسعة والعشرون، الشهر الرابع من فصل الشتاء …

  • اللوحة تلخص أعمال تحتمس الثالث: والظاهر من مضمون هذه اللوحة أن «تحتمس الثالث» بعد أن أتمَّ حروبه، أراد أن يضع ملخصًا لها في معبد الإله «منتو» إله الحرب، كما أنه أراد أن يضع أمام الشعب المصري ما قام به من ضروب الشجاعة في الصيد والقنص ممَّا لم يسبقه إليه أحد، وكذلك في فن الرماية وإصابة الهدف ممَّا لم يجارِه فيه أحدٌ من قبله، حتى تولَّى ابنه «أمنحتب» الثاني فضرب الرقم القياسي في ذلك المضمار كما سيجيء بعدُ، ولكن ممَّا يُؤسَف له جد الأسف أن هذه اللوحة لم تُؤرَّخ بسنة محدَّدة، ولكن تدل ظواهر الأمور على أنها دُوِّنت بعد حملته المظفرة التي قام بها إلى بلاد النوبة في السنة الواحدة والخمسين؛ ويدل على ذلك إشارته إلى لوحة «بركال» التي أقامها في السنة السابعة والأربعين إذ يقول: «وأقام لوحته هناك كما فعل على شاطئ النهر؟» والمرجح أنه يشير هنا إلى «نهر الفرات».

    وقد أشار «تحتمس الثالث» في لوحته هذه إلى حسن سياسته في معاملة الولايات التي فتحها في «سوريا»؛ إذ تخبرنا أنه كان يذهب في حملاته إلى هذه البلاد ليقهر العصاة ويوزِّع الهدايا على مَن كان مواليًا له من الأمراء هناك.

    وفي «صفون» (إسنا) في نقش من عهد الإمبراطور «كلوديوس»، نجد ذِكْرَ اسم لوحة عظيمة لهذا الفرعون،٩٠ وفي معبد الإله «سبك» بمدينة «الكاب» عُثِر على واجهة معبد نُقِش عليها اسم «تحتمس الثالث»،٩١ يضاف إلى ذلك أنه يوجد في هذه الجهة معبد صغير محاط بطائفة من العمد، مثل معبد «إلفنتين» الذي تهدَّمَ.٩٢
    ويوجد في معبد إدفو نصٌّ من عهد البطالمة يحدِّثنا أن تحتمس الثالث أقام معبدًا للإلهة «حتحور» في هذه البلدة.٩٣
  • آثاره في كوم أمبو وإلفنتين: وكان يوجد في «كوم أمبو» «بوابة» عظيمة أمام حرم المعبد الكبير أقامتها الملكة «حتشبسوت»، ولكن «تحتمس الثالث» هو الذي حفر نقوشها، ويلحظ أن البطالمة كانوا قد أصلحوا عتبة هذه البوابة،٩٤ غير أن هذه المباني قد طغى عليها النيل. ويوجد في هذا المكان كذلك عتب باب نُقِش عليه اسم «تحتمس الثالث»، وكان لا يزال موجودًا إلى عهد قريب.٩٥
    وفي إلفنتين أقام «تحتمس» معبدًا على الجزيرة للإله «خنوم»،٩٦ وكان هذا المعبد لا يزال قائمًا حتى عام ١٨٢٢؛ حيث أمر بهدمه لبناء قصر محمد علي الكبير في هذه الجهة، ولا تزال بعض قِطَع من أحجاره مبنيةً في جدار «المرسى»، غير أننا لا نعلم من أي معبد أتى بها؛ إذ كان يوجد في الجزيرة معبد آخَر، والظاهر أنها من معبدٍ أقامه «تحتمس» وأصلحه البطالمة، وقد عُثِر كذلك على قطعة حجر عليها اسم هذا الفرعون عند محطة أسوان، وقد ذكر أن مسلة من معبد «إلفنتين» موجودة في بيت «سيون» (راجع: Birch, “History”, P 102) وعليها اسم هذا الفرعون، ووُجِدت في هذه الجهة لوحةٌ يُشاهَد عليها «تحتمس الثالث» يتعبَّد إلى ثالوث أسوان، وهم الإله «خنوم» والإلهة «عنقت» والإلهة «ساتت» (Lepsius, “Letters” I. pp. 101 & 218)، ومن المحتمل أن هذا الفرعون قد أقام معبدًا على جزيرة «بجة»؛ إذ وُجِد له تمثال هناك (راجع: Wilkinson, “Topography of Thebes” p. 470).
  • آثاره في بلاد النوبة: أما في بلاد النوبة فقد بنى «تحتمس الثالث» مباني أثرية كثيرة جدًّا تشهد بنشاطه العظيم المنقطع القرين في هذه الأقاليم؛ إذ نجد له في كل موقع أثري يدًا خالدة هناك لإقامة المعابد للآلهة المحلية؛ ففي «كلابشة»٩٧ عُثِر له على تمثال من الجرانيت في المعبد المقام هناك، وكذلك وُجِدت قطعة من الحجر عليها اسمه.
    وفي «كوبان»٩٨ يوجد نقش عليه اسمه، وفي معبد «دكة»٩٩ جاء ذِكْر «تحتمس الثالث»، وفي معبد «كورتي»١٠٠ عُثِر على حجر باسم «تحتمس الثالث»، كما وُجِد اسمه في قِطَع أساس المعبد الذي كان قد أُعِيد بناؤه فيما بعدُ، أما في معبد «أمادة» فقد وُجِدت بوابة فيه نُقِش على أحد جانبَيْها اسم «تحتمس الثالث»، وعلى الجانب الآخَر نُقِش اسم «أمنحتب الثاني» ابنه؛ في حين أن اسمَيْهما وُجِدَا سويًّا على العتب، وهذا النقش يدل على اشتراكهما في الحكم سويًّا؛١٠١ وكذلك نجد في نفس المعبد لوحة عظيمة نُقِشت في السنة الثالثة من عهد «أمنحتب الثاني»، وقد جاء فيها أن هذا البناء كان قد أُقِيم في نهاية حكم «تحتمس الثالث»، وأن اشتراك هذين الملكين في الحكم لم يَدُمْ طويلًا، يضاف إلى ذلك أنه يوجد في نفس المعبد منظر نشاهد فيه الإلهة «إزيس سلكت» تضمُّ إليها «تحتمس الثالث»،١٠٢ وقد جاء في إهداء هذا المعبد ما يأتي:١٠٣ «الإله الطيب رب الأرضين، ملك الوجه القبلي والوجه البحري منخبر رع ابن الشمس محبوبه تحتمس حاكم العدل، وهو الذي أنشأه بمثابة أثر لوالده «حوراختي» الإله العظيم رب السماء، فأقام له معبدًا من الحجر الصلب، ابتغاءَ أن يعطيه الحياة الأبدية.» (راجع: Urk. IV. p. 822.)
    وفي «إلزية»١٠٤ توجد مناظر صُوِّر فيها «تحتمس الثالث» يتعبَّد للإله «رع» وللإله «ديدون» وللملك «سنوسرت الثالث»، وكذلك نشاهد كلًّا من الإلهة «وازيت» والإلهة «موت» تضم الفرعون، كما نشاهده يقدِّم القربان للإلهة «حتحور»، والإله «حور» صاحب «بوهن» وماعم (عنيبة)، والإله «تاخنس»؛ وكذلك عُثِر له في هذا المكان على لوحة مؤرَّخة بالسنة الحادية والخمسين، الشهر الثاني من فصل الصيف، اليوم الرابع عشر من حكم جلالة الثور القوي «تحتمس»، ويأتي بعد ذلك أوصاف الملك وما قام به من ذبح الأعداء والتغلُّب عليهم بقوةِ الإله حور صاحب «ماعم» (عنيبة)، وأن جلالته قد وصل إلى قرن الأرض ليهزم الآسيويين؛ وهذا يدلُّ على أن أعمال هذا الفرعون كانت مضطردة حتى آخِر أيام حكمه.١٠٥
    وفي «إبريم» توجد مقصورتان في الصخر؛ واحدة منهما عليها اسم «تحتمس الثالث»، وفي داخلها نشاهد صورَ الملك يتعبَّد للإله «حور» صاحب «ماعم»، أما الأخرى فنشاهد على جدرانها نفس الفرعون يتعبد للإله «حور» صاحب «ماعم» والإلهة «ساتت»،١٠٦ وهاتان المقصورتان قد حفرهما «نحي» حاكم السودان الملقَّب «بابن الملك»، وأهداهما لهذا الفرعون.
    وفي «وادي حلفا» أقام «تحتمس الثالث» معبدًا من اللبن للإله «حور» صاحب «بوهن»، وقد نقش «تحتمس» على عمود فيه لوحةً مؤرَّخةً بالسنة الثالثة والعشرين من حكمه، وهذه اللوحة تشبه في كثير من عباراتها اللوحة التي نُقِشت في «إلزية» الواقعة بالقرب من «إبريم»، والظاهر أن كاتب الأخيرة قد نقل كلَّ الجمل المألوفة والاصطلاحات المتبعة في مثل هذه النقوش من لوحة وادي حلفا.١٠٧
    ولا غرابة في أن يكون «نحي» حاكم السودان هو الذي نقش للملك هاتين اللوحتين، فهو الذي كان مشرفًا على أعمال التعمير في قلعتي «سمنة وقمة» وإعادة معبديهما،١٠٨ وتجديد آثار «سنوسرت الثالث» كما ذكرنا من قبلُ، وقد أقام نحي هذا معبدًا في جزيرة «ساي» الواقعة على خط عرض ٢٠ / ٤٢ شمالًا، ولا تزال بقاياه موجودة هناك حتى الآن.١٠٩
    وفي «دوشة» نشاهد منظرًا رسم فيه «تحتمس الثالث» و«سنوسرت الثالث» معًا، وكذلك «تحتمس الثالث» يقدِّم قربانًا إلى «حور تاخنس».١١٠
    ويُعتبَر «تحتمس الثالث» المؤسِّس لمعبد «صولب» العظيم، وهنا كانت تقوم المؤسسة العظيمة «منوخع أم ماعت» الواقعة عند الشلال الثالث، وهذا المعبد قد زاد فيه كثيرًا الفرعون «أمنحتب الثالث».١١١

    وأخيرًا نجد اللوحة العظيمة التي عُثِر عليها «ريزنر» بالقرب من جبل «بركل» عند الشلال الرابع.

    وممَّا سبق نرى نشاط هذا الفرعون المنقطع النظير في كل أنحاء الإمبراطورية، وما ذكرناه ربما كان القليل ممَّا تخفيه تربة مصر في جوفها من آثار هذا الملك؛ إذ تطالعنا الكشوف كل يوم بالعجب العجاب من آثاره التي ترفع من شأنه وتُعلِي من مكانته في ميدان الحروب والسياسة والمعمار، ولا أدل على ذلك ممَّا كُشِف له حديثًا في معبد «أرمنت»، وبخاصة اللوحة العظيمة التي تحدِّثنا عن نواحٍ كثيرة من «نواحي» حياته كما أسلفنا ذلك.

  • لوحة جبل بركل١١٢: ولما كانت هذه اللوحة من الأهمية بمكان، آثرنا أن نأتي هنا على تاريخها وترجمتها حرفيًّا: عثر الأستاذ «ريزنر» على لوحة للفرعون «تحتمس الثالث» مصنوعة من الجرانيت الأحمر في الردهة الأولى من ردهات معبد الإله «آمون» العظيم في جبل «بركل»، وقد عثر عليها في داخل هذا المعبد أمام العمود الثاني، من الصف الثاني، من الجهة الشرقية في الجزء الشمالي من هذه الردهة، ولا بد أنها كانت بطبيعة الحال مرتكزةً على هذا العمود في خلال عهد الاحتلال المروي الأخير لها المعبد، وتدل محتويات هذه اللوحة على أنها كانت في الأصل قد أُقِيمت في «بركل» في غير هذا المعبد (B. 500)، ويُفهَم من كلِّ المعلومات التي لدينا حتى الآن أنه لا يوجد في هذا المعبد جزءٌ يرجع عهده إلى ما قبل الجزء الأخير من الأسرة الثامنة عشرة، يضاف إلى ذلك أنه ليس لدينا إلا معبد واحد يمكن نسبته إلى عهد «تحتمس الثالث»، وهو (B. 300. First)، وقد نظف الفرعون «طهراقا» خرائبه، وبنى على أساسه معبدًا آخَر (B. 300. Second)، فإذا كانت هذه اللوحة قد أُقِيمت في هذا المعبد كما يعتقد الأستاذ «ريزنر»، فلا بد أن «طهراقا» قد نصبها في معبده الجديد أو نقلها إلى الردهة الأولى في المعبد (B. 300. Second)؛ حيث توجد الآن لوحتان وتمثال للفرعون «يعنخي»، على أن هذا مجرد زعم، ولكن يجوز أن «طهراقا» قد أسند هذه اللوحة على العمود الذي وُجِدت بجواره، وبقيت في مكانها طوال القرون التي تَلَتْ وهاك ترجمتها:
    التاريخ: السنة السابعة والأربعون، الشهر الثالث من فصل الفيضان، اليوم العاشر من حكم جلالة «حور» (يأتي بعد ذلك ألقاب «تحتمس الثالث»).
    الإهداء: لقد عمل (هذا) بمثابة أثر لوالده «آمون رع» رب «الكرنك» في قلعة «ذبح الأجانب» (سما خاستيو)، وأقام له مأوًى للأبدية؛ لأنه (أي: آمون رع) جعل انتصارات جلالته أعظم من انتصارات أي ملك كان، وقد استوليت على قوم الجنوب بأمر حضرته، وعلى الشماليين بإرشاداته، وهو الذي جعل ابن رع «تحتمس الثالث» حاكم «طيبة» يعطي الحياة مثل «رع» مخلدًا.
    قوة تحتمس الثالث: الإله الطيب الذي يسيطر بسيفه، والذي يضرب الجنوبيين، ويحز رءوس الشماليين، والذي يهشم رءوس القوم الأشرار، ومَن يوقع مذبحة بين «آسيا»، ويقهر عصاة بدو بلاد النوبة، ويصل إلى نهاية الأراضي التي هاجمته، وإنه يهيج عندما يقترب منه أي إنسان في ميدان القتال، وقد وقفَتْ أمامه كل البلاد الأجنبية كتلةً واحدةً مستعدين للنزال، ولم يكن هناك مناص للفرار قط؛ وذلك لأنهم كانوا يعتمدون على جموع عظيمة من المحاربين، وعدد من الناس والجياد يخطئه الحصر، ولقد جاءوا بقلوب قوية، ولم يستولِ على لبهم أي وجل، ولكن شديد القوى قد تغلَّب عليهم؛ فهو قوي الساعد الذي يطأ أعداءه، وإنه ملك يحارب منفردًا دون وجود جموع لحمايته، وإنه أحسن من ملايين الجنود، لا يوجد مَن يضارعه إذ هو محارب متفوِّق في ساحة الوغى، لا يثبت أحد أمامه، والذي يهزم دفعة واحدة كل الأراضي الأجنبية، وهو على رأس جيشه ينقضُّ انقضاض التمساح، وكالشهاب المنقض بين قوسي السماء عندما يخترق القبة الزرقاء، وهو الذي ينزل المعمعة … قاذفًا عليه نفسه الملتهبة كأنه نار، وهو الذي يجعلهم لا حول لهم متخبطين في الدماء، وصله يهزمهم، وإلهة اللهيب تتغلَّب على أعدائه، وهو الذي هزم جيش «المتني» في ساعة، واختفوا كلهم كأنهم لم يوجدوا قطُّ بفضل لهيبه المبيد (؟) وذلك على غرار ما آتاه الإله الطيب العظيم القوة في القتال يساعده، وهو الذي يوقع المذبحة بين كل الناس، وهو قائد نفسه ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» الممتاز، ملاذ قومه المهاجم كل أرض، والمبارز فيها وجهًا لوجه منجي (مصر) في ساحة القتال، الحامي الذي لا يخشى الحساد، الثور القوي القلب من حدوده الجنوبية عند الأرض، أيْ عند آخِر أقصى هذه الأرض، ومن حدوده الشمالية عند تخوم «آسيا» الشمالية، أيْ عند عمد السماء، وإنهم يأتون إليه محنيي الرءوس راجين منه نفس الحياة.
    حملة نهرين: (تخريب البلاد الواقعة غربي نهر الفرات): إنه ملك في شدة بأس «منتو» (إله الحرب) يستولي ولكني لا يُستولى منه على شيء، يطأ بالقدم كل البلاد الأجنبية الخارجة دون أن ينجيهم أحد من بلاد «نهرين» التي فرَّ منها سيدها فرقًا، ولقد خربت مدنه وقبائله، وأُشعِلت النار فيهم، وجعلها جلالتي كأن لم تغن بالأمس، وحملتُ كلَّ أهلهم غنائم، وقدتُهم أسرى أحياء، وقطعانهم يخطئها العد وكذلك مواشيهم، واستوليتُ منهم على المؤن (؟) وحصدتُ غلتهم، واجتثثْتُ كلَّ أشجار فاكهتهم، وأقاليمهم كانت … وقد خربها جلالتي حتى أصبحت منزرعة … الأشجار فيها.
    بناء سفن لعَبْر الفرات: والآن سار جلالتي نحو الحدود الشمالية من «آسيا»، وقد أمرت ببناء عدد كبير من سفن النقل من خشب الأرز على تلال أرض الإله بالقرب من «سيدة جبيل» (ببلوص)، وقد حملت على عربات (ذات عجل) تجرها ثيران، وقد سافرت قبل جلالتي لأجل أن أعبر بها ذلك النهر العظيم الذي يجري بين هذه البلاد الأجنبية و«نهرين».
    عَبْر الفرات وغَزْو نهرين: وإنه ملك معظم (بقوة) ساعدَيْه في الواقعة، وعابر «الفرات» مقتفيًا إثر مهاجمه على رأس جيشه، وباحثًا عن ذلك العدو التعس في أرض المتني الأجنبية (الجبال). تأمَّلْ! لقد هرب أمام جلالته خوفًا إلى أرضٍ أخرى وهي مكان بعيد، وعلى ذلك أقام جلالتي لوحةً على جبال «نهرين»، وقد نحتت في الصخرة على الضفة الغربية من نهر الفرات.
    انتصار تام بأمر الإله رع: ولم يَبْقَ لي عدو في الأراضي الجنوبية، وأقوام الشمال يأتون منحنين لقوتي، وإنه الإله «رع» الذي أمر بذلك، ولقد كبلت كل ما تحيط به عينه (رع)، وقد منحني الأرض طولًا وعرضًا، وضمت لي في حزمة واحدة قبائل الأقواس التسع والجزر التي في وسط المحيط وجزر اليونان، وهي الأراضي الثائرة عدوة مصر، ولقد عدت جنوبًا نحو مصر بعد أن أعملت السيف في «نهرين» الذين كان ذعرهم عظيمًا في فم البدو، فغلقت أبوابهم بسبب ذلك فلم يغادروها لخوفهم من الثور (الملك)؛ فهو ملك بطل حصن حصين لجيشه، وجدار من حديد أو من برنز لمصر (!)، يهاجم كل الأرض بسيفه دون أن يحميه أحد ملايين الناس، يصيب الهدف كل مرة يرمي فيها، وسهامه لا تخطئ الهدف، وإنه لبطل منقطع القرين، والإله «منتو» الشجاع في ساحة القتال.
    صيد الفيلة: والآن أُتِيحت لي فرصة للنصر أمر بها لي الإله «رع»؛ إذ هيَّأ لي عملًا عظيمًا من أعمال الشجاعة عند مورد فيلة بلدة «ني»، فقد جعلني أتصادم مع قطيع من الفيلة، فحارب جلالتي سربًا منها يتألف من ١٢٠ فيلًا، على أن هذا العمل لم يحدث مثله قط على يد ملك منذ زمن الإله من أولئك الملوك السابقين الذين تسلموا التاج الأبيض، وإني أقص هذه الأشياء دون فخار ومن غير كذب، وقد أنجزتها على حسب ما أمر لي به والدي «آمون رع» رب الكرنك الذي يرشد جلالتي إلى الطريق السوي بخططه المتفوقة، فهو الذي وحَّد لي الأرض السوداء والأرض الحمراء، وكل ما تحيط به الأرض أصبح في قبضتي.
    الحملة الأولى على بلاد رتنو: والآن أقصُّ عليكم أعمالًا (أخرى) فاستمعوا أنتم يا أيها الناس، لقد أمر لي (بمنحي) كل أراضي «رتنو» في الحملة الأولى، عندما أتوا لمحاربة جلالتي بملايين الرجال ومئات آلاف الناس من رؤساء كل البلاد الأجنبية، ووقفوا على عرباتهم، وكان عددهم ٣٣٠ أميرًا، كل أمير منهم على رأس جيشه.
    موقعة مجدو: والآن كانوا في وادي «قنا»، والواقع أنهم كانوا قد ضربوا معسكرهم في مصيدة (!)؛ ولذلك أحرزت فوزًا عظيمًا بينهم؛ إذ هاجمهم جلالتي فهربوا في الحال وتساقطوا أكوامًا من القتلى.
    حصار مجدو: وبعد ذلك دخلوا مجدو نفسها، فحاصرهم جلالتي سبعة أشهر دون أن يبرحوها، إلى أن خرجوا متضرعين لجلالتي قائلين: امنحنا نفسك يا سيدنا؛ لأن أهل «رتنو» لن يعودوا إلى ثورة ثانيةً.
    استسلام مجدو: وبعد ذلك أرسل عظيم قادش المنهزم كما بعث الرؤساء الذين كانوا بصحبته إلى جلالته كل قومهم محمَّلين بالهدايا الكثيرة من الذهب والفضة، وكذلك جيادهم وما يتبعها، وعرباتهم العظيمة المصوغة من الذهب والفضة، وكذلك الملونة منها، هذا إلى دروع مواقعهم الحربية وقسيهم ونشابهم وأسلحتهم الحربية، وهي التي كانوا قد أتوا بها من بعيد لمحاربة جلالتي، لقد جلبوها الآن هدايا لجلالتي، وقد كانوا وقتئذٍ واقفين على جدرانهم مقدمين الثناء (الخضوع) لجلالتي طالبين أن يمنحوا نفس الحياة.
    سفر الرؤساء: وبعد ذلك سمح لهم جلالتي أن يتخذوا سبيلهم إلى مدنهم، وقد رحلوا كلهم ممتطين ظهورَ حميرهم؛ لأني كنتُ قد استوليت على خيل عرباتهم، وأخذت أهل مدنهم غنيمةً، كما استوليتُ على ماشيتهم.
    الإله آمون رع أخضع كل العالم للملك: وإنه والدي (آمون رع رب الكرنك) الذي منحنيها؛ إذ إنه إله ممتاز مظفر صاحب المشاريع التي لا تخيب، وهو الذي بعث جلالتي لأستولي على كل أراضي أقوام الأجانب جميعًا، ولقد هزمتم على حسب ما أمر به بالسبل التي اعتاد العمل بها، وقد جعلني أضرب كل الأقوام الأجنبية دون أن يجسر أحد على مهاجمتي، وصولجاني هو الذي تغلَّب على البدو، وعصاي هي التي ضربت قبائل الأقواس التسع، وجلالتي أخضع كل البلاد، وأرض «رتنو» أصبحت تحت نعلي، وأهالي بلاد النوبة صاروا عبيد جلالتي.
    جزية البلاد الأجنبية: وإنهم يخدمونني جميعهم، مقدِّمين جزيةً من ملايين المحاصيل العدة من آخِر العالم، ويشمل ذلك ذهب بلاد «واوات» الجم بمقدارٍ يخطئه العد.
    ما يدفع زيادة من السفن والخشب من بلاد كوش: ويُبنَى هناك للبلاط (أي: للملك له الحياة والسعادة والعافية والصحة) كل سنة ثماني سفن (نتيو) وسفن نقل، هذا فضلًا عن البحارة، مضافًا إلى ذلك الجزية التي يأتي بها النوبيون من العاج والأبنوس، وكذلك يحضر لي خشب بناء السفن من «كوش»، ويشمل ألواحًا من خشب الدوم، وخشب «تيت» (أو أشياء من الخشب) (؟) لا حصرَ لها من هناك من خشب السنط من أرض الجنوب، وكان جيشي يقطعها من «كوش»، وكانت توجد هناك بوفرة (!) وكذلك عدد عظيم من سفن النقل من خشب «ماما»، وقد أحضرها جلالتي مظفرًا.
    خشب الأرز من زاهي: وقد قطع لي من «زاهي» خشب أرز حقيقي من «لبنان»، وأحضر إلى البلاط (أي: للملك له الحياة والسعادة والصحة)، وقد كان يُؤتَى لي بخشب بناء لمصر أحضر جنوبًا …
    خشب الأرز من بلاد ناجاو: وقدمت قِطَع من خشب الأرز الحقيقي من «ناجاو» من أحسن ما تنتجه أرض الإله كأنها المرمر السليم؛ لأجل أن تصل إلى البلاط دون أن تمضي الفصول هناك كل سنة (أي: في قطعها وإعدادها).
    خشب وانراثا: ثم يعود جيشي وما في حامية «وانراثا» … الذي من أبرز انتصارات جلالتي بخطط والدي «آمون رع»، الذي أمر لي بالسيطرة على كل الأقوام الأجنبية، ولم أترك أية واحدة منها (أي: من خشب الأرز) للآسيويين؛ لأنه الخشب الذي يحبه «آمون»، وأنه هو الذي صدَّ صلحاءهم … وأشرارهم ليسوا في أمان (؟).
    خطاب الفرعون لقوم الجبل المقدَّس: ويقول جلالتي: استمعوا إليَّ يا أهل الجنوب الذين في الجبل المقدَّس الذي كان يُسمَّى «عروس الأرضين» بين القوم (أي: المصريين) (؟) وهي لم تكن معروفةً بعدُ، لأجل أن تعرفوا قوة «آمون رع» المدهشة أمام وجه كل الأرضين.
    أعجوبة النجم: … وكان الحراس؟ على وشك المجيء لمقابلتي ليلًا ليقوموا بتغيير الحرس وكان يوجد حارسان جالسين وجهًا لوجه، وقد طلعت نجمة من جنوبيهما، ولم يكن قد حدث مثل ذلك، ثم اختفت في الجهة الثانية قبالتهما مباشَرةً (أي: في الجهة الشمالية)، ولم يَبْقَ إنسان واقفًا هناك (أو بينها).
    هزيمة عدو: (يُحتمَل أن ما جاء في التكسير تكملة للسطر السالف) … وقد سقط أكوام من القتلى والآن … على ظهورهم والنار في وجوههم، ولم يجد واحد منهم يده، ولم يمكنه أن ينظر خلفه، ولم يجدوا خيلهم التي كانت قد شتتت في …
    العودة إلى مصر: … لأجل أن أجعل كل الأراضي الأجنبية ترى عظمة جلالتي، ولقد حضرت جنوبًا بقلب فَرِح؛ لأني انتصرتُ لسيدي (آمون رع رب الكرنك) … وهو الذي قدَّر لي هذه الانتصارات، والذي جعل الخوف مني في … في زمني، وكذلك مكن الخوف مني في كل الأقوام الأجنبية، وقد هربوا مني بعيدًا، وكل ما يضيء عليه الإله «شو» أصبح مكبَّلًا تحت قدمي.
    خطاب الفرعون لرجال الحاشية: وقال جلالتي نفسه … لأني عظيم التجربة بسبب القوة والنصر اللذين أعطانيهما والدي الفاخر «آمون رع رب الكرنك»، وهو الذي جعلني سيد أقسام الأرض الخمسة، وحاكمًا على كل ما تحيط به الشمس، وإني قوي … وقد جعل الخوف مني حتى … الشماليون والذعر من جلالتي حتى … الجنوبيون، حتى إنه لا توجد طريق ضدي، وقد ختم لي كل الأرض، وليس هناك حدود لما استوليت عليه بالنصر، وفخاري أصبح في بلاد «رتنو» وخوفي في … وهم يحضرون لي محاصيلها إلى المكان الذي فيه جلالتي في كل فصل، والأرض الجليلة تحضر لي ما بها من كل شيء طريف، فهي تنشر أمامي ما أخفته عن الملوك الأول … كل حجر فاخر غالٍ، وكل النباتات العطرية الحلوة التي تنمو ببلاد «بنت»، وكل شيء طريف من أرض الجنوب، وكل ما يأتي عن طريق التجارة تحت تصرُّف جلالتي … فإنه ملكه وإني سأملأ بيته وسأجعله يعود لحمايته … في ساحة القتال، وفضلًا عن ذلك سأقدِّم قربانًا من الأشياء المدهشة من كل الأراضي … التي يهاجمها سيفه القوي، وقد قدر لي (سيفه) النصر على كل الأقوام الأجنبية.
    جواب رجال البلاط: فأجاب أولئك السمار (رجال البلاط) … «آمون رع» سيد الكرنك الإله العظيم الأزلي خالق الجمال، إنه أعطاك كل الأرض أحضرها قربانًا له لعلمك أنك خرجت منه، وفضلًا عن ذلك فإنه هو الواحد الذي يرشد جلالتك إلى الطريق …
    وصف قوة تحتمس الثالث ودخله: … وقد جعلت الخوف مني في قوم «آسيا الشمالية»؛ ولذلك لم يعق رسولي، وقطع جيشي عمد الأعلام من مرتفعات الأرز … لأجل آثارِ آبائي، وكل آلهة الوجه البحري، وأمام جلالتي سفن مخنت من الأرز … معي ساحل أرض لبنان بمثابة (؟) حصن … (؟) … أو في الحصن … وكل رؤساء لبنان كانوا يشحنون السفن الملكية لأجل أن يؤتى بها نحو الجنوب، ويحضر كل الأشياء العجيبة … إلى البلاط (أي: الملك له الحياة والسعادة والصحة)، وأمراء اﻟ … ورؤساء «رتنو» الذين كانوا يجرُّون عمد هذه الأعلام بثيران إلى الساحل، ويحضرون حاملين جزيتهم أمام جلالته إلى البلاط في … حاملين كل المحاصيل الجميلة التي أُتِي بها من الجنوب بمثابة جزية سنوية مثل كل رعايا جلالته.
    ما يقوله الناس: أما ما يقوله الناس (المصريون) فيما بينهم مدحًا لي فهو … الأقوام الأجانب قدروا فخارك، والزئير قد انتشر (سمع صداه) في آخِر العالم، وحضرتك الفاخرة يرتعد أمامها قلوب اﻟ … قوم.
    اللعنة يقولها القوم: … وكل النوبيين الذين سيعددون تصميماتك، سيعاقبهم والدك، وعندئذٍ كان جلالته (؟) …

أما عن آثاره الصغيرة كالتماثيل واللوحات والجعارين وغيرها من التحف الصغيرة الحجم، فهي لا تُعَد ولا تُحصَى، وسنورد هنا بعضها ممَّا يوجد في متاحف العالم، غير ما له من الآثار العدة التي يعجُّ بها المتحف المصري، وأهمها …

(٨-٢) التماثيل

يوجد لهذا الفرعون تماثيل عدة، غير أن الكبير الحجم منها على وجه عام قليل، ففي الكرنك عُثِر له على قاعدة تمثال ضخم جالس من الحجر الجيري الأبيض الصلب، في النهاية الغربية من واجهة البوابة الثامنة،١١٣ وفي المتحف البريطاني يوجد له رأس تمثال ضخم من الجرانيت الأسمر ولا يُعرَف أين جسمه حتى الآن،١١٤ وفي متحف القاهرة له تمثالٌ أكبرُ من الحجم الطبيعي بقليلٍ، من الحجر الجرانيتي الأحمر، عُثِر عليه في «الكرنك»، وقد كان موضعه في الحجرة التي تقع على محور محراب مباني «تحتمس الثالث» في النهاية الشرقية للمعبد،١١٥ وكذلك كُشِف له في الكرنك عن تمثال جالس من الجرانيت مهشم قطعًا ورُكِّبت أجزاؤه بعضها مع بعض،١١٦ والواقع أنه كان يوجد له عشرات التماثيل في معبد الكرنك، كما ذكر ذلك «مريت».١١٧
وفي متحف «تورين» يوجد تمثال جميل من حجر الديوريت الأسود والأبيض،١١٨ ويوجد له تمثال آخَر جالس من الجرانيت الرمادي القاتم بدون رأس، عُثِر عليه في بلاد النوبة، ويُحتمل أنه عُثِر عليه في «إلفنتين»؛ وذلك لأنه وُجِد عليه أسماء آلهة هذه البلدة، وهو الآن بمتحف «فلورنس» بإيطاليا.١١٩
أما في المتحف المصري فيوجد له التمثال العظيم المصنوع من الشيست الأغبش اللون، ويُعَدُّ من القِطَع الفنية النادرة المثال، وبخاصة الرأس الذي يمثِّل صورة صادقة (راجع: A Brief Description of the Principal Monuments (1946) p. 31).
كما يوجد له تمثال آخَر هناك منحوت من المرمر الأبيض يمثِّله راكعًا وفي يديه إناءان يحتويان خمرًا أو ماءً، وقد عُثِر عليه في دير المدينة (راجع: Ibid. p. 32).
هذا إلى تمثالين له في صورة «بو الهول» نُحِتَا من الجرانيت الأحمر القاتم، عُثِر عليهما في قاعة الأعياد بالكرنك، وعلى الرغم من أنهما يمثِّلان توءمين، فإنه توجد بعض اختلافات في صنعهما (راجع: Ibid. p. 134).
وفي العرابة١٢٠ المدفونة توجد بقايا جذع تمثال وعرشه نُقِش عليه اسم «تحتمس الثالث»، وفي الإسكندرية يوجد لهذا الفرعون تمثالٌ نُقِش عليه «تحتمس الثالث» محبوب «أنيت» سيدة «دندرة»،١٢١ وله كذلك جزء من تمثال خلف معبد الكرنك، وقطعتان من تمثالين وُجِدتَا أمام البوابة الأولى لقاعدة العمد في الأقصر،١٢٢ كما وُجِد له تمثال نصفي من الجرانيت الأحمر في الكرنك،١٢٣ وفي مرسيليا وُجِد له تمثال من البرنز، غير أنه لم يُذكَر في الدليل الذي كتبه «مسبرو» لهذا المتحف،١٢٤ وقد جاء ذكر تمثالين له في نقوش «تحتمس الرابع»،١٢٥ وفي حجرةٍ خلف قاعة العمد في معبد «تحتمس الثالث» بالكرنك وُجِد تمثالان من الجرانيت الأحمر في صورة «بو الهول» ومعهما مائدتا قربان.١٢٦ هذا وفي المتحف البريطاني لوحة رُسِمت عليها صورة هذا الفرعون، وقد قُسِّمت هذه اللوحة إلى مربعات يُقصَد منها تفسير نِسَب رسم أجزاء التمثال (راجع: Arundale & Bonomi, “Gallery”. p. 33).
أما لوحات «تحتمس الثالث» غير التي في متحف القاهرة من اللوحات العظيمة مثل لوحة النصر ولوحة «أرمنت»، فتوجد له لوحة في «تورين» مثل عليها يتعبد للإله «مين»،١٢٧ وله لوحة أخرى في محراب الأمير «وازمس»، ويظهر فيها «تحتمس الثالث» يتعبد لجده «تحتمس الأول» وللأمير «وازمس»، وكذلك وُجِدت له قطعة حجر يُعتقَد أنها مقعد للقارب المقدس الذي يُوضَع عليه بعد الطواف محمولًا على أكتاف الكهنة في أرجاء المعبد، وفي الكرنك نظير لهذه القطعة (راجع: Arundale & Bonomi, “Gallery”, p. 34. & Wiedemann, “Geschichte”, p. 366).
وفي متحف الفاتيكان مائدة قربان جميلة جدًّا عليها اسم هذا الفرعون (راجع: Massi, “Description”, p. 34).
وفي سالونيك توجد مائدة قربان أخرى عليها اسمه (راجع: A. Z. VI. p. 79)، ويُعرَف لهذا الفرعون عدة أوانٍ من المرمر،١٢٨ وأهمها التي ذكر عليها سعتها، ففي «تورين» إناء يسع تسعة «هنا»، غير أنه وُجِد مملوءًا بالقار (؟)، وآخَر في متحف القاهرة يسع واحدًا وعشرين «هنا»؛ ولما كان حجمه يعادل ٥٨١ بوصة مكعبة، فمن ذلك نستنتج أن الهن يعاد ٢٧٧ بوصة مكعبة في هذه الحالة.
ووُجِد لهذا الفرعون إناءان من الزجاج نُقِش على كلٍّ منهما لقبُ هذا الملك، وهو «منخبر رع»، وهما أقدم قطعتين من الزجاج عُرِف تاريخهما، وقد ظهر فيهما السهولة في عمل الزجاج ومعرفة مادته،١٢٩ ويوجد له لوحتان صغيرتان في متحف مرسيليا١٣٠ نُقِش على كلٍّ منهما اسمه.
هذا وقد وُجِدت له ريشة ممَّا يزين به لباس الرأس للإله «آمون» عليها اسم الفرعون «تحتمس الثالث»، كما وُجِد له طبق على شكل سمكة مصنوعة من الفخار الأخضر المطلي، هذا إلى محبرة كتابة باسم «تحتمس الثالث» محبوب آمون وبتاح.١٣١

ولم يُعثَر على بردي من عهد «تحتمس الثالث» إلا القليل؛ منها ورقة في تورين رقم ١، وتقصُّ علينا كيف أن كاتبًا يُدعَى «وسر آمون» قد خدم الملكية مدة خمسين عامًا، ولما كانت هذه الورقة مؤرَّخة في السنة الخامسة من عهد ذلك الفرعون، فلا بد أنه بدأ خدمته في منتصف حكم «تحتمس الأول».

(٨-٣) الجعارين

أما الخواتم التي تُنسَب إلى «تحتمس الثالث» فقد صُنِعت من كل المواد إلا الفخار المطلي الذي لم يظهر استعماله إلا في عهد «تحتمس الرابع»، أما الجعارين التي صُنِعت في عهد هذا الفرعون فهي أكثر من أي جعارين صُنِعت في عهد أي ملك آخَر، ولدينا عدد عظيم من الجعارين تحمل طغراء «تحتمس الثالث»، وكل واحد منهما يشير إشارة صريحة إلى حادث معين أو مرحلة معينة خاصة من مراحل حياة هذا الفرعون، وهذه الجعارين تشبه في حجمها جعارين الملكة «حتشبسوت» التذكارية، مثال ذلك:١٣٢ جعران من الذهب نعلم منه أن «تحتمس الثالث» وُلِد في طيبة، كذلك جعران رُسِم عليه «تحتمس الثالث» وهو غضُّ الإهاب، يفوق سهمه للرماية،١٣٣ وإذا كان ها الرسم لا يدلُّ على حادث معين، فإنه يذكِّرنا على أية حال بالجعارين التاريخية التي نقشها «أمنحتب الثالث» عن الصيد والقنص.
كما وُجِد له جعران كُتِب عليه «تحتمس الثالث» مثبت على ظهر أعدائه، وهنا نجد أن كلمة أعداء مخصصة بصورة حصان، وهذا المخصص من الأهمية بمكان؛ لأننا نعرف أن الحصان كان قد أُحضِر إلى مصر في بداية الأسرة الثامنة عشرة (راجع: Petrie. “Scarabs” XXVI).

وكذلك نُقِش على ظهر جعران صورة فتاة سورية جالسة القرفصاء، وعلى وجه الجعران نُقِش: «تحتمس الثالث يخرب قادش.» وعلى جعران آخَر نُقِش: «الإله الطيب تحتمس يهزم قادش.» ولا نزاع في أن نقوش الجعارين الثلاثة الأخيرة تشير إلى حروب تحتمس.

ومما هو جدير بالملاحظة أننا نشاهد على جعران آخَر رسم الفرعون وهو ساجد يتعبَّد أمام مسلة، وعليه نُقِشت العبارة التالية: «تحتمس الثالث الذي أُقِيمت من أجله المسلتان في معبد آمون.» وعلى آخَر نُقِش: «تحتمس يقدِّم آثارًا في معبد آمون أو تحتمس الثالث مخلد بالآثار.»

وفي متحف «اللوفر» يوجد له جعران (Louvre, 3408) نُقِش عليه: «تحتمس الثالث في السماء مثل القمر، والنيل في خدمته، وإنه يفتتح صيده لأجل أن يمنح مصر الحياة.»
وأخيرًا نجد له بعض الجعارين التاريخية ترفع من شأنه، مثال ذلك: نقش على جعران: «تحتمس سيد الحكام.» (راجع: A. S. Vol. XXXIX. p. 113 ff).

فمن نقوش هذه الجعارين نعرف شيئًا عن نواحي حياة «تحتمس الثالث»، ونشاطه في كل الميادين الحربية والاجتماعية والدينية وميادين العمارة وغيرها.

وقد بقي اسم «منخبر رع» يُنقَش على التعاويذ والجعارين في العهود التي تلت حكمه بدرجة تفوق حدَّ الوصف، حتى إن نسبة وجود اسمه على الجعارين كانت بنسبة جعرانين لكل ثلاثة جعارين موجودة في العالم؛ ولا نزاع في أن شهرته التي استمرت على هذه الصورة تتعاقبها الأجيال، تُظهِر كيف أن فخامة عصره وسمو مكانته قد تركتَا أثرهما العميق في نفوس المصريين الذين كانوا يعتبرون عصره أزهى عصر في تاريخهم، ولا يدهشنا إذن أنَّا نجد بعض الملوك الذين أتوا بعده بقرون عدة كانوا يتشبهون به، حتى إنهم لقَّبوا أنفسهم بلقبه «منخبر رع»، ولا أدل على ذلك من أن أحد ملوك الأسرة الحادية والعشرين سمَّى نفسه «منخبر رع»، وكذلك نجد «بعنخي» الإثيوبي أعظم ملوك الأسرة الخامسة والعشرين لُقِّب بلقب هذا الفاتح العظيم تبرُّكًا وتيمُّنًا.

ولقد بلغ من تعلق الشعب المصري بذكر «تحتمس الثالث» وحب الافتخار به درجةً حدت بأفراد عامة الشعب أن يتسموا بلقبه «منخبر رع»، فكانت هذه أول بدعة في تاريخ مصر؛ إذ لا نعرف قط بقدرِ ما وصلَتْ إليه معلوماتُنا أن لقب فرعون من السابقين أو اللاحقين قد استعمله أفراد الشعب اسمًا علمًا يُنادَى به كسائر الأسماء، ولا غرابة فقد كان لفظ «منخيريا» سيفًا يُضرَب به المثل في الأقطار الآسيوية لقوة السلطان والعظمة والوفاء، بل أكثر من ذلك نجد أنه كان يُتعبَّد له في هذه الجهات، فقد طلب أمير «تونب» تمثال «تحتمس الثالث» وبنى له معبدًا في بلدته، وأقام له الشعائر، كما وُجِدت لوحة لأحد كبار رجال الدولة المسمَّى «ابن إثي»، وهو آسيوي الجنس من عهد الملك «مرنبتاح»، يُشاهَد فيها هذا الموظف وهو يتعبَّد للفرعونين «تحتمس الثالث ومرنبتاح» نفسه١٣٤  (A. S. XL. p. 45 ff).

(٩) أسرة تحتمس الثالث

لا نزاع في أن الجزء الأول من تاريخ حياة تحتمس الثالث الزوجية لا يزال غامضًا؛ إذ نعلم أنه تولَّى العرش ولم يكن قد بلغ الحلم بعدُ، والمفروض أنه قد تزوَّج من أخته «نفرو رع» كبرى أخواته وبنت «حتشبسوت»، وقد كانت الوارثة الشرعية للملك، غير أن هذا الزواج لم يتم، وإن كان بعض المؤرخين يعتقد أنه بنى بها بعد مضي سنين عدة، ولكنا لم نجد لها حتى الآن لقبَ الزوجة الملكية على الآثار كما هو المتبع، وكل ما نعرفه أنها كانت تُلقَّب «الزوجة المقدسة» أو «زوجة الإله»، وهو لقب فخري كانت تحمله الوارثة الشرعية للعرش؛ ولذلك كانت تحمله هي ووالدتها في آنٍ واحد. وعلى أية حال لا نعرف على وجه التأكيد التاريخَ الذي تُوفيت فيه هذه الأميرة، والمرجَّح أنها ماتت في حياة «سنموت»، أيْ قبل موت والدتها «حتشبسوت»، وقد كان موتها من الأسباب التي عجلت بسقوط «سنموت» نفسه، والظاهر أنه بعد وفاتها تزوَّج «تحتمس الثالث» من أميرة تُدعَى «أح ست»، وربما كانت أخته لأبيه؛ إذ كان اسمها يُوضَع في طغراء ملكية.

والظاهر أنه بعد وفاة «نفرو رع» التي كان يجب أن تُعتبَر الزوجة الشرعية، حلَّتْ محلها «أح ست»؛ إذ نجد في معبد الإله «بتاح» لوحةً مُحِي منها اسم «نفرو رع»، ووُضِع مكانه اسم «أح ست» هذه،١٣٥ وكذلك عثر المؤرخ «ويجل» على قطعة من لوحة نُقِش عليها اسم هذه الملكة، واسم «تحتمس الثالث» زوجها في معبده الجنازي،١٣٦ مما يُظهِر أنها كانت ملكةً على البلاد معه مدةً قصيرةً بعد انفراده بالحكم. وقد وُجِدت لها (بلطة) منذورة بالعرابة المدفونة،١٣٧ وكذلك وُجِد لها تمثال أهداه لها «تحتمس الثالث» بعد وفاتها في «طود» جنوبي «طيبة»،١٣٨ والظاهر أنها كانت قد توفيت عندما بنى «تحتمس الثالث» مقصورةَ البقرة المقدسة في معبد الأسرة الحادية عشرة بالدير البحري؛ إذ لم يأتِ ذِكْرها على النقوش هناك،١٣٩ والظاهر أن «مريت رع حتشبسوت» بنت الملكة «حتشبسوت» وأخت «تحتمس الثالث» من أبيه كانت قد بلغت وقتئذٍ سنَّ الزواج فبنى بها (؟)،١٤٠ ونشاهد «أمنحتب الثاني» ومعه والدته «مريت رع حتشبسوت» في مناظر قبره،١٤١ وكذلك نشاهده معها على جعران،١٤٢ ويوجد تمثال «بو الهول» في صورة ملكة يمثِّلها، وقد كُتِب اسم زوجها على صدرها، عُثِر عليه في معبد «إزيس» بروما، وهذا التمثال موجود الآن في مجموعة «باروكو»، ويوجد منه نُسَخ في تورين وبرلين.١٤٣ يضاف إلى ذلك أننا نشاهد هذه الملكة واقفةً خلف زوجها «تحتمس الثالث» في معبد مدينة «هابو».١٤٤

وعلى الرغم من أن «مريت رع حتشبسوت» كانت تُلقَّب «الزوجة الملكية العظيمة»، أي الزوجة الشرعية، فإن «تحتمس الثالث» كانت له زوجات أخريات ثانويات، ونعرف من بينهن اثنتين، أولاهما تُدعَى «مريت آمون»، وكانت تُلقَّب «الابنة الملكية» و«الزوجة الملكية»، وهذا يعني أنها كانت بنت «تحتمس الثاني» من زوجة ثانوية، أي إنها كانت أخت «تحتمس الثالث» وزوجه في آنٍ واحد.

أما زوجه الأخرى فتُدعَى «نبتو»، وهي التي كان يدير أملاكها «نب آمون»، ولدينا بطاقة من الخشب ضمن البطاقات التي سبق ذكرها مؤرَّخة بالسنة السابعة والعشرين، ذُكِر عليها اسمها بوصفها الأميرة «نبتو» بنت ابن الملك المسمَّى «سيتوم».

ويُحتمَل أن الأمير «سيتوم» هذا كان ابن عم الفرعون «تحتمس الأول»، وعلى ذلك تكون «نبتو» هذه بنت عم «تحتمس الثالث»، والظاهر من تاريخ البطاقة أنها لم تكن قد تزوَّجَتْ هذا الفرعون بعدُ،١٤٥ وقد جاء ذِكْر اسمها في قبر «تحتمس الثالث»، وقد كانت وقتئذٍ على قيد الحياة.

أما أولاد هذا الفرعون، فلم يُذكَر في قبره إلا اسم الأميرة «نفرتاري» المرحومة، ولما لم يكن اسمها قد أُحِيط بطغراء، فيظهر إذن أنها لم تكن من دمٍ ملكيٍّ خالصٍ، بل يُحتمَل أنها كانت إحدى بنات زوجاته الثانويات، هذا وقد ذُكِرت أسماء ثلاث أميرات على ثلاث بطاقات من البطاقات الخشبية السالفة الذكر بوصفهن بنات «تحتمس الثالث».

وسيأتي الكلام عن «أمنحتب الثاني» الذي أنجبه من زوجه «مريت رع حتشبسوت» في حينه.

(١٠) وفاة تحتمس الثالث

صعد «تحتمس» العظيم إلى السماء بعد أن جلس على عرش الملك أربعة وخمسين حولًا كاملًا، وقد أكَّدَ لنا ذلك قائدُه الأمين «أمنمحاب» في تاريخ حياته الذي ذكره لنا على جدران قبره؛ إذ يقول: «لقد أتَمَّ الفرعون حياتَه الحافلة بالسنين بشجاعة وسلطان ونصر من، السنة الأولى إلى السنة الرابعة والخمسين، في اليوم الثلاثين من الشهر الثالث من الفصل الثاني، وهو حكم الملك «منخبر رع»، ثم صعد إلى السماء واتحد مع الشمس، واندمجت الأعضاء المقدَّسة مع بارئها، وعندما انفلق الصباح وأشرقت الشمس وأضاءت السماء، تربَّعَ على عرش والده الفرعون «عا خبرو رع» أمنحتب الثاني، ولُقِّب بالألقاب الملكية.»١٤٦

وقد دُفِن تحتمس العظيم في مقبرة أعَدَّها لنفسه في «وادي الملوك»، وقد كُشِف عن هذه المقبرة في ربيع سنة ١٨٩٨، وتقع على مسافة قصيرة من مقبرة «رعمسيس الثالث»، وجدرانها محلَّاة بصورة آلهة ونقوش من بينها قائمة طويلة بأسماء الآلهة، كما نُقِش عليها نسخة تامة من كتاب «ما يوجد في عالم الآخرة».

ويُشاهَد على عمود من عمد الحجرة الثانية «تحتمس الثالث»، تتبعه والدته «إزيس» وأزواجه وابنته «مريت آمون»، وعندما كُشِف عن قبره وُجِد التابوت خاويًا؛ وذلك لأن موميته قد نُقِلت من قبره إلى خبيئته «الدير البحري»، والظاهر أنها كانت قد عبث بها اللصوص في مخدعها الأخير، بعد أن هشموا التابوت الخشبي الذي كان يحتويها ونهبوا ما عليها من حلي، وقد حدث من جرَّاء ذلك أن أُصِيبت المومية بأضرار جسيمة، وتدلُّ شواهد الأحوال على أن الذين وضعوها ثانيةً في مخبأ «الدير البحري» قد أصلحوا الكفن، وهو مصنوع من الكتان الجميل، وقد نُقِش عليه تعاويذ من «كتاب الموتى»، كما وُجِد معه كذلك بعض الأثاث الجنازي، أهمه إوزة من الخشب، وفهود كذلك من الخشب، وتماثيل صغيرة وخواتم من الخزف المطلي، وتعاويذ عدة، ورمَّموا المومية قبل دفنها، فوضعوا الأجزاء التي كانت قد تفكَّكَتْ من الجسم في مكانها، ولأجل أن تصبح المومية متماسكة الأجزاء، وتأخذ شكلها الأصلي، وُضِعت بين أربع قطع من الخشب، كلٌّ منها بشكل مجداف، ولُوِّنت باللون الأبيض، ثلاث منها في داخل الكفن، وواحدة خارجه تحت الأشرطة التي رُبِط بها الكفن، ولحسن الحظ لم يُصَبْ وجهه بسوء؛ إذ كان قد غُطِّي بملاط من القار وقت التحنيط، وقد بقي سليمًا لم تُصِبْه يد اللصوص.

fig35
شكل ٥: مومية تحتمس الثالث.

ولا يدل مظهر وجه «تحتمس الثالث» على نموذج المثل الأعلى لفاتح عظيم مثله، ومع أن تماثيله لا تُظهِره في صورة رجل جميل الطلعة، إلا أنها مع ذلك تدلُّ على أنه كان رجلًا مهذَّبًا ذا تقاسيم تنطق عن ذكاء، وإذا قرناها بصورته الأصلية، وجدنا أن المثَّال الذي نحتها كان كريمًا معه إلى حد بعيد؛ إذ نجد في الواقع محيا «تحتمس الثالث» لا ينمُّ عن أي جمال؛ إذ كان منخفض الجبين إلى درجةٍ تفوق المعتاد، ذا عينين غائرتين في محجريهما، وفك ضخم، وشفتين غليظتين، وخد بارز العظم جدًّا، فكل ملامحه إذن تذكِّرنا بملامح والده «تحتمس الثاني»، غير أن هيئته كانت تدل على مقدار عظيم من النشاط. وفي الحق إن «تحتمس الثالث» كان فلَّاحًا من السلالات المصرية القديمة الأصلية، قصير القامة، ممتلئ الجسم، سوقيًّا في صورته وملامحه، غير أنه مع ذلك لم تنقصه قوة العزيمة، وشدة البأس.

(١١) أخلاق تحتمس الثالث ومكانته في العالم القديم

(١١-١) تحتمس الثالث رجل حرب بطبعه

لقد كانت أبرز صفة لحظناها في استعراضنا لتاريخ حياة «تحتمس الثالث» منذ نعومة أظفاره هي حبه للكفاح، والشغف بالغزو، والميل إلى ركوب متن المخاطرات بصورة لا تعرف الكلل. ولا غرابة في ذلك؛ فإنه قد نشأ في عصرٍ كله حروب وغزوات، وأجداده ملوك الأسرة الثامنة عشرة قد قضوا معظم حياتهم في ساحات القتال شمالًا وجنوبًا، يغزون آسيا مرةً ويهدئون الثورات في السودان مرةً أخرى.

هذا إلى أن البلاد من أقصاها إلى أقصاها كانت لا حديثَ لها غير الغزاة الذين استعبدوهم مدةَ قرن ونصف من الزمان، وأن بقايا هؤلاء الغزاة كانوا لا يزالون يقطنون آسيا، وأن الخوف منهم كان لا يزال عالقًا بأذهان المسنين منهم، على الرغم من امتداد فتوح الفراعنة حتى نهر الفرات.

في هذا الجو الذي كان يملؤه رنين السيوف وأهوال الحرب نشأ «تحتمس الثالث»، وقد أراد والده أن يُنشِئه تنشئةً دينيةً، فوضعه في معبد «آمون» بالكرنك، غير أنه على ما يظهر كان الكهنة أنفسهم متشبِّعين بروح إلههم الذي كان يُعَدُّ إله الحرب وناصر الفراعنة في ساحة القتال، فبثوا في نفسه ذلك الروح الحربي الذي ساد البلاد في هذا العهد، ولقنوه دروسًا في البطولة والشجاعة، وضربوا له الأمثال بأجداده ملوك الأسرة الثامنة عشرة، ومن قبلهم ملوك الأسرة الثانية عشرة، وبخاصة «سنوسرت الثالث» الذي كان يُعتبَر في نظر الشعب المصري، ونظر ملوك الأسرة الثانية عشرة بطلَ الفتوح المصرية، وموقظ روح الوطنية والبطولة في نفوس ملوكها؛ ولذلك نجد أن «تحتمس الثالث» عندما اعتلى العرش ولم يكن قد بلغ الحلم بعدُ، كان أول عمل قام به هو إعادة مباني «سنوسرت الثالث» في «سمنة وقمة»، التي أقام عندهما هذا البطل العظيم لوحته المشهورة، محذِّرًا أخلافه من الملوك وبني وطنه ألَّا يتراخوا في المحافظة على الحدود المصرية التي مدَّها حتى هذه النقطة بحد السيف.

fig36
شكل ٦: تمثال تحتمس الثالث بالمتحف المصري.

فأعاد هذا الملك الصبي بناءَ هذه المباني الدينية، وفضلًا عن ذلك رفع «سنوسرت الثالث» إلى مرتبة الآلهة بوصفه إله حرب؛ فهل جاء ذلك عفوًا من فرعون صغير كان لا في يزال في الثانية عشرة من عمره، أم هل فعل ذلك عن قصد ونتيجة تعاليم لُقِّنها في طفولته؟ وبخاصة إذا علمنا أن الوصية على العرش وقتئذٍ كانت امرأة لا تريد الحرب، بل قضت طوال مدة حكمها بعيدة عن الحروب وأهوالها.

وفي الحق أن حياة «تحتمس الثالث» تحدِّثنا صراحةً أنه قد قام بهذا العمل عن قصدٍ وعن مبادئ قد تشبَّع بروحها، ولقد حاولَتِ الوصِيَّةُ على العرش «حتشبسوت»، والملكة «ماعت كارع» فيما بعدُ، أن تُخمِد أنفاس الروح الحربي الذي يتأجَّج في نفس «تحتمس الثالث» طوال ثلاثين حولًا، حتى إذا وجد منفذًا بعد موت الملكة انطلق من عقاله ومرق كالسهم، فلم نلبث أن وجدنا تحتمس على رأس جيش عظيم على حدود مصر يزحف إلى سهول «مجدو». والعجب العجاب في ذلك أنك ترى الخطط الحربية المنظمة المحبوكة التي تعززها البسالة والإقدام والذكاء الخارق، ممَّا لم يُسمَع به في تاريخ حروب العالم قبل ذلك.

ومَن يطَّلِع على هذا النظام وتلك الخطط البارعة التي وضعها ذلك القائد البارع، لا يشك في أن «تحتمس الثالث» كان يفكر طوال مدة إقصائه عن الحكم فيها، ويدرسها من كل نواحيها حتى يفاجئ العالم بها دفعة واحدة، ولا نزاع في أن معركة «مجدو» أولى انتصاراته، وما جاء فيها من خطط سديدة وحركات فنية كانت أول درس أُلقِي على قوَّاد العالم القديم، بل والحديث في فنون الحروب وقيادتها.

أليس هو «تحتمس الثالث» الذي كان أول مَن قسَّمَ الجيش إلى جناحين وقلب، وأنه هو الذي بجسارته وحبه للمغامرة في سبيل نيل مأربه قد اتَّخَذ أقصر الطرق مع ما فيها من مخاطر لمهاجمة العدو، وأنه هو الذي أراد أن يضرب المثل الأعلى لمجلسه الحربي الذي عقده — ولا نعلم مجلسًا حربيًّا أعلى عقد قبل ذلك في العالم — فعوَّل على أن يكون أول مُضَحٍّ بحياته إذا ما دعا داعي الوطنية والشرف؟

أليس هو «تحتمس» الذي كان يُضرَب له السرادق في أرض الأعداء يدبر فيه خططه التي كان ينفِّذها عندما ينبلج الصباح؟

أليس هو «تحتمس» الذي لم يَنْسَ مناظر الحروب وما أوتيه من نصر بمساعدة إلهه «آمون» — إله الحرب — فعاد إلى مصر وهي مرتسمة في مخيلته، ولم يُرِدْ أن تذهب عنه أو يتناساها، فأقام للإله «آمون» معبدًا هو صورة مطابقة لخيمته التي كان يشغلها في أثناء حروبه، ليُدخِل في روع شعبه أن «آمون» هو الذي آزره وناصَرَه وكتب له الفوز في هذه الحروب، فهو إله كفاح وجهاد، لا يسكن في محراب بل في سرادق حرب على استعداد دائم للأخذ بناصر ابنه «تحتمس» في ساحة الوغى، إذا ما جلَّ الخطب وعظم المكروه مع أولئك الأقوام الثائرين.

ثم نرى «تحتمس» يكشف لنا عن صفحة أخرى من مجده الحربي ومهارته وشدة ذكائه في إحكام خططها، فنشاهده يسير بأسطوله ويفتح المواني التي على شاطئ فينيقيا؛ ليتخذها قاعدةً حربيةً لتموين جيوشه التي كانت تغزو قلب «آسيا» حتى لا يُطعَن من الخلف، وحتى يمكن أن يضرب ضربته وهو مطمئن، ويكون أسطوله الرابطة بينه وبين مصر من جهة، وبينه وبين جيوشه التي كانت تسير في أرض معادية من جهة أخرى، وقد أمدَّ هذه المواني بالمواد الأولية والصناع، وكل ما يلزم لجيشه من عتادٍ ومؤن، بل لتأمين ذلك جعل لهذه الثغور جزيةً تُدفَع لها سنويًّا وخراجًا يُجبَى لها من محاصيل البلاد المجاورة، هذا إلى استخدام أساطيل البلاد الموالية له على الساحل في قضاء شئونه، وبخاصة سفن «جيبل» وبلاد الكفتيو.

كل ذلك سهَّلَ عليه إخضاع الولايات التي كانت تشقُّ عصا الطاعة على مصر، كما كانت تسهِّل عليه فتح البلاد النائية في داخل بلاد آسيا، ولا أدل على الخدمات التي قدَّمتها له هذه الثغور من تلك التي سهَّلت عليه إعادة فتح بلاد «نهرين»، ومد حدوده إلى أبعد ممَّا وصل إليه أجداده، وهنا تظهر عبقرية «تحتمس» مرة أخرى في ابتكار الخطط وإعداد العدة لنيل مأربه، ممَّا جعله على رأس الفاتحين من حيث العبقرية والذكاء، فقد فكَّرَ في بناء سفن حربية لنقل جيشه عبر نهر الفرات حتى يسهل عليه إتمام الفتح، ولكنه خشي من صنعها في أراضي العدو الذي ربما أفسد عليه خطته؛ ولذلك بنى سفنه قِطَعًا متفرِّقة في «ببلوص» التي كان لأهلها شهرة في صناعة السفن، ثم ابتكَرَ لها عربات من نوع خاص تجرُّها ثيران حتى شاطئ الفرات، حيث رُكِّبت أجزاؤها، وبذلك نُفِّذت خطته التي كانت نسيج وحدها. وها نحن أولاء نسمع في تاريخ الحروب الحديثة أن القواد العظام يأخذون دروسًا عن قائد مصر كما يقول مؤرخو الفرنج، فيقول الدكتور «ولسن» إن اللورد اللنبي سار على هدي خطط «تحتمس الثالث» في إحراز النصر على الأتراك، في اختراق ممر «عرونا» الذي سلكه فاتح مصر العظيم؛ ويحدِّثنا المؤرخ «فولكنر» أن القائد الأكبر «مونتجمري» قد نقل السفن الصغيرة من شاطئ البحر محمولة حتى نهر الراين؛ ليعبر بها هذا النهر ويباغت بها العدو، ثم هو ينتصر عليه كما انتصر «تحتمس الثالث» عندما نقل أسطوله إلى نهر الفرات وانتصر على أمير «نهرين».

وكان روحه الحربي حتى في أوقات فراغه لا يخمد ولا يهدأ نشاطه؛ إذ نراه بعد منازلة الأبطال في ساحة الوغى، يخرج إلى الوديان لمنازلة أخطر الحيوان وأشده بطشًا بالإنسان.

وتلك شنشنة نعرفها في أبطال هذه الأسرة، فقد كان ملوكها مُغرَمين بالصيد والقنص كما سنرى بعدُ، والظاهر أنهم كانوا يتعلمونها بالوراثة، فقد ذكر لنا «تحتمس الثالث» ما أحرزه من ضروب الشجاعة الفذة في الصيد والقنص؛ إذ ذكر لنا أنه قضى على قطيع من الفيلة عند بلدة «ني» عند نهر الفرات، بل يذكر أكثر من هذا ممَّا يمتاز به على فراعنة مصر، عندما شرح لنا على جدران معبد «أرمنت» كيف اصطاد وحيد القرن، وكأنه كان يشعر باستحالة ذلك، فدوَّنَ لنا أوصاف هذا الحيوان ومقاييسه، وهو يُعَدُّ أخطر أنواع الوحوش وأشدها افتراسًا، وقد ترك لنا لوحة في معبد الإله «منتو» إله الحرب، وعدَّدَ لنا ضروب شجاعته في الصيد والرماية، وما أحرزه من انتصارات.

على أن «تحتمس الثالث» كانت له نواحٍ أخرى غير الحرب والصيد والقنص، فقد وجدناه عندما عاد من إحدى حملاته يقوم برحلة تفتيشية في كل أنحاء مصر، يسأل بكل دقة وعناية الموظفين المحليين، وكان غرضه في ذلك الضرب على يد المرتشين في الإدارة المحلية في أثناء جمع الضرائب، وقد كان كذلك من أغراضه في مثل هذه الرحلات، ملاحظةُ سيرِ العمل في بناء المعابد العظيمة التي كان قد أمر بإقامتها أو إصلاحها وتزيينها في أكثر من ثلاثين مكانًا على ما نعلم، وغيرها مما عفت عليه الأيام؛ أليس هو «تحتمس الثالث» الذي قد أحيا معالم الدلتا التي بقيت مهملةً منذ عهد الهكسوس البغيض، ومن ربوعها حتى «نباتا» عند الشلال الرابع كانت مبانيه تسير على خط واحد على المدن والبلدان، كأنها عقد من اللآلئ قد نظمت جواهره على طول شاطئ النهر؟ ثم أليس هو الذي كان عند عودته بعد عمله المضني إلى طيبة تُرَى أعماله عظيمة وسلطانه محسًّا في كل ناحية من نواحي الإدارة؟ فقد كانت ثروة الإله «آمون» المتزايدة تحتاج إلى عنايته وحسن تدبيره الشخصي، فكان يملي على الكهنة التعليمات الدقيقة لإدارة معابد الحكومة وثروتها النامية، وقد كان ساعده الأيمن في تنفيذ كل ذلك وزيره وأخوه من الرضاعة «رخ مي رع» كما سنفصل القول في ذلك (Cambridge Ancient History Vol. II. p. 81.). وفي أوقات فراغه وجدناه مفتنًّا يرسم الأواني الأنيقة من ابتكاره، ويضع التصميم، ثم يسلِّمه ليد مهرة الصناع لتنفيذه، وكذلك نراه في مظهر آخَر يجمع أجمل الأزهار وأندرها من بلاد «سوريا»، وكذلك الأشجار التي لا تنبت في بلاده، ويأمر بنقلها إلى مصر وغرسها في حدائق غنَّاء في معبد الإله «آمون»، وكذلك يختار من الحيوان والطيور أجملها وأندرها ويحملها إلى حظيرة الإله، ويتعهَّد نموها وتكاثرها، كل ذلك يدل على روحٍ تحبُّ الفنَّ والطبيعةَ ومباهجها.

على أن ما يلفت النظر في أخلاق هذا الجندي الباسل الذي كان لا ينفك عامًا واحدًا عن منازلة الأعداء، والضرب على يد المنشَقِّين عليه؛ أنه كان رجلًا قد امتاز بشفقته وإنسانيته بل ورحمته للمغلوبين، فقد رأيناه يتجاوز عن سيئات أمراء الحلف الذين تآمروا عليه، بعد أن وقعوا في قبضته في موقعة «مجدو»، فلم يسلبهم عرشهم، أو يحرمهم متاعهم، وحتى عدوه اللدود «أمير قادش» وكذلك «أمير تونب»، نراهما قد مُثِّلَا في قبر «مدير أعماله منخبر رع سنب»، وقد أتيَا إلى الفرعون أحرارًا لم تُوضَع في أيديهم السلاسل ولا في رقابهم الأغلال؛ ممَّا يدل على أنهما كانا بدورهما قد صُفِح عنهما، وكذلك نلحظ أن رهائن العدو قد لاقوا معاملة حسنة، وأُعِيدوا في نهاية الأمر إلى أوطانهم، ولم نسمع مرةً أن «تحتمس الثالث» قد مثل بأجسام قتلى العدو الذي هُزِم بصلبهم في مقدمة سفينته، كما فعل جده «تحتمس الأول» وابنه «أمنحتب الثاني».

ونشاهد ضمن مناظر قبر وزيره «رخمي رع» أسرى حروب آسيويين يعملون في صنع قوالب اللبن، كما تحدِّثنا عن ذلك النقوش: لأجل بناء مخزن للإله «آمون»، وكذلك تحدِّثنا النقوش أنهم كانوا يمونون بالخبز والجعة وكل نوع طيِّب من الطعام، وأن قلوبهم كانت تحب ملكهم الرحيم.

على أن ذلك وإن كان لا يعطينا صورة صادقة عن الواقع، فإنه مع ذلك يمثِّل لنا صورة نموذجية ممَّا يجب أن يُعامَل به الأسرى الذين كُتِب عليهم الوقوع في أيدي عدوهم.

ولا شك في أننا نرى في كرم معاملاته لأعدائه الآسيويين حكمةً وحسنَ سياسةٍ بعيدة المرمى، وفي الحق إن حسن سياسته قد ظهرت في فرص عدة في خلال فترة اشتراكه مع الملكة «حتشبسوت»، عندما كانت هي وعصابتها يضيقون عليه الخناق، ويسدون في وجهه كلَّ منفذ بصورة مريعة، وإلا لرأيناه لولا صبره واحتماله يقضي على حياته بيده. والواقع أن ما أوتيه من قوة إرادة وضبط نفس لَأكبر شاهد على اجتيازه محنةَ تلك السنوات التي قضاها في منفاه الذهبي طوال مدة حكم «حتشبسوت».

وتتجلَّى قوة إرادته وحسن تدبيره كذلك — أو إن شئتَ فقُلْ: حسن تدبير مَن كان حوله — في اعتلاء عرش الملك في أول أمره، على الرغم من أن أمه لم تكن إلا زوجة ثانوية «لتحتمس الثاني» والده، وأنه في صباه لم يكن إلا كاهنًا بسيطًا في معبد «آمون».

ولقد كان لسياسته ومضاء عزيمته ونظمه الموفقة الأثرُ الأكبر الذي كتب للإمبراطورية التي وطَّد أركانها البقاءَ عدة أجيال؛ إذ كان أكبر ما تصبو إليه نفسه وأهم ما جاهَدَ لتحقيقه أن يوطِّد أواصرَ الودِّ والمصافاة بينه وبين أجزاء إمبراطوريته، فكان يربِّي أمراء الولايات التابعة له مع أمراء البيت المالك، ويلقِّنهم حب مصر، ويُطلِعهم على عظمة بلاده في عقر داره، كما أنه كان يأخذ بناصر كل أمير غلب على أمره؛ ممَّا جعل اسمه مضرب الأمثال في القوة والشجاعة والنجدة، حتى إن أمراء بعض الولايات كانوا يطلبون تمثالَ هذا الفرعون إلى بلادهم، ويقيمون له المعابد، ويتضرعون إليه في السراء والضراء وحين البأس، وكان أولئك الأمراء الموالون يَفِدُون إلى مصر مقدِّمين له فروض الطاعة والخضوع، كما يُشاهَد ذلك في مقبرة وزيره العظيم «رخمي رع» الذي كان يكرِّر لهم عباراته المشهورة عن سيده «تحتمس»: «إن جلالته يعرف كلَّ شيء يحدث، ولا يوجد شيء لا يعرفه، وإنه مثل الإله «تحوت» (إله العلم والحكمة) في كل شيء، وإنه لم يَقُمْ بأي عمل إلا نفذه.»

ومع كل تلك الصفات وهذه الأخلاق العظيمة كان «تحتمس الثالث» رجلًا صادقًا متدينًا؛ إذ يقول عن نفسه: «إني لم أنطق بكلمة مبالغ فيها ابتغاءَ الفخر بما عملته، فأقول إني فعلتُ شيئًا دون أن يفعله جلالتي، ولم آتِ بعمل فيه مظنة، وقد فعلت ذلك لوالدي الإله آمون؛ لأنه يعرف ما في السماء ويعلم ما في الأرض، ويرى كل العالم في طرفة عين.»

هذا هو «تحتمس الثالث» كما نستخلصه من الآثار الصامتة، بعد استقراء وفحص، وقد نكون قد شططنا في إعطائه حقَّه، أو أغفلنا بعض مناقبه، ولكن تفاديًا لذلك سنترك الشاعر المصري يصف لنا أعماله ومكانته في العالم الذي كان يعيش فيه، بتدوين تلك القصيدة الخالدة التي تتغنى بانتصارات «تحتمس الثالث»، وما أتاه من أعمال خارقة للحد المألوف. ولا بد أن «تحتمس الثالث» قد أمر بإقامة اللوحة التي كُتِبت عليها تلك القصيدة في معبد الكرنك بعد انتهائه من حروبه في آسيا، وبعد أن أغدق على الإله «آمون» الخيرات، وأوقف عليه البلاد والضياع؛ ولذلك نجد أن الشاعر المصري قد جعل هذه القصيدة التي كانت فيما بعدُ نموذجًا لعظماء الفراعنة أمثال «سيتي الأول» و«رعمسيس الثاني» الذين نقلوها ونسبوها لأنفسهم، تتكلم على لسان الإله «آمون» الذي حباه «تحتمس الثالث» بكل هذه الخيرات مقابل تلك الانتصارات التي منحه إياها في ساحة الوغى، فاستمع للإله «آمون» يخاطب ابنه «تحتمس الثالث» الذي كان في اسمه سحر كعصا موسى يهزم جيوش الأعداء في كل المواقع.

يقول «آمون رع» رب الكرنك

أنت تأتي إليَّ وتنشرح حينما تشاهد جمالي، يا بني، يا حامي، يا «منخبر رع» الباقي المخلد، إني أطلع منيرًا حبًّا فيك.
إن قلبي ينشرح بمجيئك الميمون إلى معبدي، ويداي تمنحان أعضاءك الحماية والحياة.
ما أرق الشفقة التي تُظهِرها نحو جسمي؛ ولهذا سأثبتك في مأواي، وأقدِّم لك أعجوبة.
إني أمنحك القوة والنصر على كل البلاد الجميلة، وإني أمكن مجدك والخوف منك في كل البلاد السهلة كذلك، والرعب منك يمتد إلى عمد السماء الأربعة، إني أجعل احترامك عظيمًا في كل الأجسام، وأجعل نداء جلالتك الحربي يتردد بين «أمم الأقواس التسع».
وعظماء جميع البلاد الأجنبية جميعهم في قبضتك، وإني بنفسي أمد يدي وأصطادهم لك
وأربط الأسرى في «الترجلوديت» بعشرات الألوف، والألوف، وأهل الشمال بمئات الألوف.
وإني أجعل أعداءك يسقطون تحت نعليك فتطأ … الثائرين، كما أني أمنحك الأرض طولًا وعرضًا، فأهالي المغرب وأهالي المشرق تحت سلطتك.
إنك تخترق كل البلاد الأجنبية بقلب منشرح، وأينما حلت جلالتك فليس هناك من مهاجم، وإني مرشدك ولذلك تصل إليهم، وإنك تعبر المنحنى الأعظم لبلاد «نهرين» بالنصر والقوة اللذين منحتهما إياك، وعندما يسمعون نداء إعلان الحرب يلجئون إلى الأحجار؛ لقد حرمت أنوفهم نفس الحياة، وأرسلت رعب جلالتك ساريًا في قلوبهم.
والصل الذي على جبهتك يحرقهم ويستولي على الأشقياء منهم غنيمة باردة، ويحرق الذين في … بلهيبه، ويقطع برءوس الآسيويين، ولا يفلت منه أحد بل يسقطون، وينكل بهم بسبب قوته.
إني أجعل انتصاراتك تنتشر في الخارج في كل البلاد، ذلك الذي يضيء على جبيني خاضع لك. ولا أحد يثور عليك في كل ما تحيط به السماء، بل يأتون بالهدايا على ظهورهم، ويقدِّمون الطاعة لجلالتك كما آمر.
لقد عملت على كبت مَن يقوم بغارات ومَن يقترب منك، فقلوبهم تحترق، وأعضاؤهم ترتعد.
لقد حضرت لأجعلك تتمكن من أن تدوس بالقدم عظماء فينيقيا
ولأجعلك تشتِّت شملهم تحت قدميك في ممالكهم
وأجعلهم يشاهدون جلالتك كرب الشعاع
عندما تضيء في وجوههم بوصفك صورتي.
لقد حضرت:
لأمكنك من أن تطأ أولئك الذين في آسيا
وتضرب رؤساء عامو (آسيا).
اجعلهم يشاهدون جلالتك مدججًا بدرعك حينما تقبض على آلات الحرب في عربتك.
لقد حضرت:
لأتمكن من أن أجعلك تطأ بالقدم الأرض الشرقية
وتطأ من في الأقاليم أرض الإله، ولأجعلهم يشاهدون جلالتك مثل النجم «سشد» الذي ينشر لهيبه كالنار حينما ترسل سيلها.
لقد حضرت:
لأجعلك تتمكَّن من أن تطأ الأرض الغربية
«فكفتيو» و«آسي» تحت سلطانك
ولأجعلهم يشاهدون جلالتك مثل الثور الصغير
ثابت القلب، حاد القرن، لا يمكن مهاجمته.
لقد حضرت:
لأمكنك من أن تطأ هؤلاء الذين في مستنقعاتهم؟!
في حين أن أرض «متن» ترتعد خوفًا منك
ولأجعلهم يشاهدون جلالتك كالتمساح
رب الرعب في الماء لا يمكن الاقتراب منه.
لقد حضرت:
لأمكنك من أن تطأ هؤلاء الذين في الجزائر
والذين في وسط المحيط، وهم الذين تحت لوائك، ولأجعلهم يشاهدون جلالتك منتقمًا
قد ظهر منتصرًا على ظهر فريسة.
لقد حضرت:
لأمكنك من أن تطأ «اللوبيين»
«والأوينتو» بقوة سلطانك
ولأجعلهم ينظرون إلى جلالتك كالأسد المفترس
حينما تجعلهم أكوامًا من الجثث في وديانهم.
لقد حضرت:
لأمكنك من أن تطأ أقصى حدود الأراضي، في حين أن ما يحيط به الأقيانوس يكون في قبضتك
ولأجعلهم ينظرون إلى جلالتك كرب الجناح
الذي يقبض على الذي يرى كما يشتهي.
لقد حضرت:
لأمكنك من أن تطأ هؤلاء الذين في البلاد الغربية
وتربط سكان البدو أسرى
لأجعلهم ينظرون إلى جلالتك كابن آوى الوجه القبلي (وهو أشد ما يكون افتراسًا)، وهو رب السرعة سباقًا مخترقًا الأرضين.
لأمكنك من أن تطأ «انو» النوبة، ويكون في قبضتك حتى بلاد «شات»
ولأجعلهم ينظرون إليك كأخويك التوءمين
اللذين ضممتُ أيديهما لك في النصر
ولذلك وضعت أختيك خلفك حماية لك، على حين أن ذراعي جلالتي كانتا مرفوعتين لتقبضا على كل شر، إني أمدك بالحماية يا بني المحبوب «حور».
يا أيها الثور القوي الذي يسطع في «طيبة»
والذي أنجبته من أعضائي الإلهية
«تحتمس» المخلد أبدًا الذي عمل لي كل ما تتوق إليه نفسي «كا»
لقد أقمت لي مسكنًا، وهو عمل سيبقى إلى الأبد
وجعلته أطول وأعرض ممَّا كان عليه من قبلُ
والباب العظيم … الذي يجعل جماله «بيت آمون» (؟) في عين
إن آثارك أعظم من آثار كل ملك سلف.
إني أعطيك الأمر لتقيمها، وإني لمنشرح بها
وإني لأثبتك على عرش «حور» مدة آلاف آلاف السنين، حتى ترعى الأحياء إلى الأبد.

ولا شك في أن القارئ قد وجد في هذه القصيدة مبالغات خارجة عن حد المألوف، كما هي العادة في المدائح التي نقرؤها في أشعار المدائح في الشرق عامةً، وهي تُعتبَر من الشعر الرسمي الذي ينقصه التنويع في التعبير والخيال السامي؛ ولذلك فهي لا تُعَدُّ في نظرنا من الأدب الراقي، غير أنها كانت في نظر المصري من الشعر النموذجي، وإلا لما نسبها بعض الملوك لأنفسهم كما ذكرنا (راجع كتاب الأدب المصري القديم جزء ٢ ص١٨٦).

(١٢) الموظفون وحياتهم الاجتماعية في عهد تحتمس الثالث

(١٢-١) الوزير «وسر آمون» أو «وسر»

يُعَدُّ الوزير «وسر» من أوائل عظماء الدولة الذين نصبهم «تحتمس الثالث» على إثر انفراده بالحكم، وذلك قبل بداية السنة الواحدة والعشرين، وهو العام الذي اختفت فيه «حتشبسوت».

وهو بلا نزاع من رجالات العصر الذين تركوا أثرًا خالدًا في نظم الحكم، ولا غرابة إذا كان هو واضع بعض المبادئ القويمة التي سار على نهجها ابن أخيه «رخمي رع»، الذي يُعَدُّ أبرز شخصية في نظر المؤرخ الحديث بما تركه من آثار خالدة في نقوش قبره كما سنرى بعدُ. والواقع أن ما بقي لنا من آثار «وسر» يحدِّثنا عن عظمته، وما كان للوزير من مقام عظيم، ومكانة منفردة في نفوس الشعب، ومن آثاره نعرف أولًا أنه كان يحمل الألقاب التالية (راجع: Urk. IV. p. 1030–1306):

(١) الأمير الوراثي، (٢) فم «نخن»، (٣) كاهن «ماعت» (العدالة)، (٤) رئيس العدالة، (٥) مدير أسرار بيت الفرعون، (٦) المشرف على بيتي الذهب وبيتي الفضة (أي: رئيس الخزانة)، (٧) المشرف على مخازن غلال «آمون»، (٨) وخازن كل الأشياء الثمينة في «الكرنك»، (٩) وعمدة المدينة والوزير، (١٠) والمشرف على القصور الستة، (١١) والمشرف على قاعات العدل الست العظيمة، (١٢) حامل خاتم ملك الوجه البحري، (١٣) السمير الوحيد، الأمير أمام العامة (أهل الوجه البحري)، كاتب كل الأحجار الثمينة الغالية، والمطهر، ومساعد كاهن الإله «مين» والقاضي، والمشرف على الكتاب.

وتدل الآثار الباقية على أن الوزير كان له قبران في «جبانة شيخ عبد القرنة» هما رقم ٦١، ورقم ١٣١، والقبر الأول رقم ٦١ لم يتم نحته، ويُعرَف بقبر «وسر» فقط، أما القبر الثاني فكان قد نُحِت في صخر على ارتفاع حوالي خمسين قدمًا فوق الأول، وكان يُسمَّى فيه المتوفى «آمون وسر»، ولكن لدينا نقوش في مقبرة «أمنمحات» مدير بيته، تدل على أنه هو نفس «وسر» صاحب المقبرة الأولى، وهذا القبر الأخير كان آية في الزخرف والإتقان، يدل على ذلك ما أبقته يد التخريب والعبث التي أودت بمعظمه، ففضلًا عن متن تنصيب الوزير ومتن واجباته اللذين كانا منقوشين على جدرانه، فإنه لا يزال لدينا بعض مناظره الجميلة باقية منها الوفود الذين جاءوا من الشمال حاملين الجزية، والنقوش المفسرة له تقول: «تسلم الغنائم التي أحضرتها قوة جلالته من الممالك الشمالية الواقعة عند حدود «آسيا»، ومن «الجزر» التي تقع في وسط البحر بوساطة الحاكم الوراثي، والمتكلم الذي يأتي بالسلام لكل أرض، والمشرف على محاكم العدل «وسر آمون».» ويُرَى في هذا المنظر ممثِّلون من الجزر التي تقع في قلب الأخضر العظيم (البحر الأبيض المتوسط)، وهي «كريت»، ويحتمل الجزر الأخرى التي كانت تحت سيطرتها، والجزية أو الهدايا التي كان يحضرها أولئك تضيف معلومات جديدة إلى معلوماتنا السابقة، وكذلك نشاهد في صف آخَر «أهل حدود آسيا»، وفي الصف الأخير نشاهد أهالي «رتنو»، وكل هذه الأجناس نراها ممثَّلة في حضرة «رخ مي رع»، ممَّا يدل على أن المفتن لم يرسمها من خياله، بل كان أمامه ممثلون حقيقيون أخذ عنهم صوره (راجع: M. M. A. 1924-5, Part II. March p. 46-7).

الوزير «وسر» يحل محل والده عامثو

على أن أهم منظر في المقبرة هو منظر الاحتفال بتنصيب الوزير، ويجب أن نقرر هنا أن قبور الوزراء على وجه عام، وقبر «وسر» على وجه خاص، كانت تزين معظم جدرانها بمناظر تبرز أعمال الوزير ووظائفه، وما كان يجب عليه في اتباع المثل العليا للحق والعدالة التي كانت أهم تقليد يسير على نهجه كل وزير، هذا إلى مناظر تصوِّر لنا قوةَ مصر وسيادتها، مثل مناظر الأجانب وهم وافدون إلى مصر يحملون ما فُرِض عليهم من جزية يضعونها تحت أقدام الفرعون وهم صاغرون. ومن أهم المناظر التي خلفها لنا «وسر» على جدران مقبرته هذه، تلك الصور الرائعة التي تمثِّل الوزير المسن «عامثو» والده، وهو ينوء تحت عبء السنين، وينثني تحت ثقل الشيخوخة، فتقوست قناته، وارتخت أعضاؤه، ممَّا جعله يطلب إلى الفرعون١٤٧ أن يمنَّ عليه بتعيين شاب من شباب مصر، يساعده على القيام بواجباته على الوجه الذي يقتضيه الإخلاص في العمل والمحافظة على كيان الدولة، ولقد أجاد المفتن في إبراز صورة صادقة تنمُّ عن رجل قد انحنى ظهره وقرَّبت السنون بينه وبين الأرض (راجع: Davies, M. M. A. Part II, (December, 1926), pp. 3 ff).

(أ) وصف تنصيبه وزيرًا

وقد أُجِيب الوزير المسن إلى ملتمسه، والمنظر الذي نتحدث عنه هو في الواقع يمثِّل الاحتفال بتنصيب الوزير «وسر»، فنشاهد «تحتمس الثالث» جالسًا تحت عرش منمق الحواشي، وقد وقف أمامه رئيس التشريفات، واثنان من سمار الفرعون و«وسر» نفسه، وقد كان حتى هذه اللحظة لا يحمل إلا لقب «كاتب خزانة» الإله في معبد «آمون»، وقد قرَّرَ المجلس الاستشاري تعيينه وزيرًا للدولة، ويُشاهَد على الجدار نقشٌ طويلٌ يقصُّ علينا الإجراءات التي كانت تتبع في مثل هذا الاحتفال، ولكن لسوء الحظ قد هشم هذا المتن الفذ أحد أهالي قرية «شيخ عبد القرنة» الذي اتخذ مقبرة الوزير مسكنًا له، ومع ذلك فإن ما أفلت من يده نستطيع به أن نكوِّن فكرةً لا بأس بها عن سير الاحتفال وخطواته، فنشاهد السمار يخاطبون الملك راجين إياه أن يلحظ أن قوى الوزير المسن (عامثو) قد انحطت، وأن جسمه قد ذبل؛ إذ قد قوس الدهر قناته، وأن واجباته العادية قد أثقلت كاهله، حتى إن المدينة قد أصبحت ضالة معلنة «أنه من الخير لبلادك أن تهتم بتعيين وكيل (عصا الشيخوخة)، وعلى ذلك طلب إليهم الفرعون أن يبحثوا عن رجل له شخصية بارزة، وكان رجال البلاط بطبيعة الحال قد وقع اختيارهم فيما بينهم من قبلُ على مَن يخلف «عامثو» هذا، غير أن واجب الأدب كان يحتم عليهم أن يلقوا أمام الفرعون خطابًا كله ملق، وأنه هو الذي وضع القوانين مدة «ملايين» السنين»، قبل أن يصلوا إلى الغرض الأصلي، وفي النهاية يقولون: «تأمَّلْ! إن ابنه الذي يُسمَّى «وسر»، وهو كاتب الخزانة للإله في معبد «آمون» (كما كان) في عهد والده «تحتمس الثاني»، وإنه من الخير أن يرقى إلى وظيفة «نائب وزير».»

وبعد ذلك يخاطب الفرعون «عامثو» في رفق وحنان قائلًا: «إن كل الفكرة تتوقف عليك.» ويقول له بشفقة: «إن مَن نال ثقة المجلس لسعيد، وإنك لم تصبح بعدُ عديم الفائدة، فإن أخلاقك ليست معوجة، ولم تُوجَّه إليك تهمة من البلاط، وإنك تعمل بصدق نحو الفرعون، حقًّا إن ابنك «وسر» ماهر، لين الجانب، دقيق، راضٍ عن تعاليمك، فدَعْ كفايته تحيط بك، وإني أرجو أن يعمل معك بمثابة وكيل، فيكون كالذي ينفذ إرادة مَن هم فوقه.» وينتهي الخطاب الملكي بالإطراء على الوالد وابنه (راجع: Davies, M. M. A. (1924-25), p. 50).

أما بقية المنظر فيمثِّل لنا المهرجان الذي أُقِيم للوزير الجديد عند ذهابه إلى المعبد ليثبت تعيينه أمام الإله «آمون»، ومن هنا نجد بداية تأثير تمثال العبادة الذي كان يقام في المعبد للإله «آمون»، وهو ذلك التأثير الذي بُولِغ فيه لدرجة عظيمة منذ نهاية الأسرة العشرين، حتى إن الفرعون قد أصبح لا يستطيع أن يفصل في أمرٍ من أمور الدولة دون موافقة ورضاء الكهنة، الذين كانوا يسيطرون على آثار هذا الإله.

وقد كان يرأس الاحتفال المشار إليه جنود تصحبهم طائفة من جنود الموسيقى، وبعد ذلك يأتي أربعة رجال يحملون غصونَ أشجار دليلًا على الفرح، وخلف هؤلاء مباشَرةً يأتي «وسر» لابسًا حلةَ الوزير التقليدية، وحاملًا عصاه الطويلة على كتفه؛ ليظهر بذلك أنه ليس في حاجةٍ إلى التوكؤ عليها كما يعمل الرجل المسن، ويُشاهَد على رأسه أيضًا مخروط معطر لينشر في شعره رائحة ذكية، وممَّا يلفت النظر أن المفتن قد أفلح في إبراز صورته على نقيض صورة والده، فيظهر «وسر» مستقيم العود ينمُّ عن بنية قوية تدل على الشباب الغض، في حين نرى والده «عامثو» هزيل الجسم منحني العود في المنظر الأخير (راجع: Davies, “M. M. A.”, (1925-6) p. 9. Fig. 5)، ثم يظهر بعد «وسر» الفرعون «تحتمس الثالث» محمولًا في محفة على أعناق ثمانية من رجال البلاط، ويُشاهَد أمامه رجلان يحرقان البخور ويرشان الماء، كما نرى ذلك عند نقل تمثال، أو أمام مومية في طريقها إلى الجبانة، وكذلك يرى حامل مروحة يلتفت خلفه ليروِّح على الفرعون، كما يوجد حامل مروحة آخَر يمشي بجانب الفرعون ومروحته الصغيرة، يحملها على كتفه دون أن يستعملها، والظاهر أن هذا هو الموظف الذي يُدعَى في النقوش حامل المروحة على يمين الفرعون بوصفه لقب شرف وحسب، وكذلك يحمل آخَر مروحة خلف الفرعون في صورة علامة الحياة، ثم يأتي بعد ذلك تابعان أحدهما يحمل نعال الفرعون والآخَر يحمل جعبة قوسه وكنانته وحقيبة، وعلى جدران هذه المقبرة وثيقة أخرى نُقِش فيها التعاليم التي قدَّمها الوزير «عامثو» لابنه «وسر» الذي عُيِّن مساعدًا له، ولكن مما يُؤسَف له جد الأسف أن أكثرها قد هُشم، ولكن ممَّا تبقَّى منها نعلم أنها تحتوي عدة نصائح ذوات مغزًى خلقي عظيم منها: «دَعْه يحكم دون أن يفضِّل رجلًا يعرفه على رجلٍ لا يعرفه. تأمَّلْ! إنك جدار يصدُّ الظلم، دَعْه يشجِّع الاقتراب منه في المسألة؛ وذلك لأن الشاكي يجب أن يفرغ ما في قلبه، تمسَّكْ بالحق، فإن ذلك سيزيد في ثروتك.»

(ب) أهمية نقوش مقابر الوزراء في التاريخ

والواقع أن مقابر الوزراء كما ذكرنا من قبلُ تتحفنا على جانب عظيم من الأهمية في نواحي الحياة العامة، كما أننا نصل إلى معرفة بعض الشيء عن الحياة في مصر القديمة من قبور العظماء، التي بقيت لنا حتى الآن بألوانها وبهائها، غير أن هذه المقابر لا تفسح لنا المجال في هذا الصدد إلا في حدود نطاق ضيق، ومثلها في ذلك كمثل إنسان ينظر إلى صورة كبيرة في حجرة مظلمة تضاء فقط بنور خاطف، فحيث يقع شعاع النور نرى كلَّ شيء جميلًا واضحًا مميزًا، أما في الدائرة الخارجة عن هذا الشعاع فلا نشاهد إلا أشباحًا مبهمة تتضاءل صورها حتى تختفي في ظلام حالك، وهذا هو نفس ما ينطبق على مناظر المقابر، فنرى الشريف وهو جالس إلى وليمته يخدمه العبيد والإماء، ولكن لا نعلم شيئًا البتة عن حالة هؤلاء العبيد الاجتماعية حتى نرى الرجال مع نسائهم في انسجام ملؤه الحب، وليس لدينا أية فكرة عن عادات الزواج أو قوانينه بصورة واضحة.

ومن جهة أخرى نرى أن الاحتفالات الجنازية تُكرَّر أمامنا بدرجة تمجها النفس وتسأمها العين، ولا غرابة في ذلك؛ فإنها الأساس الذي بُنِي من أجله القبر، وعلى أية حال فإننا على الرغم من أننا مدينون لمناظر قبور «طيبة» بكل ما نعرفه عن الحياة الخاصة والنظام المدني في مصر، فإن المؤرخ يتألَّم من صموتها أو إشارتها إشارات عابرة إلى نواحٍ خاصة من الحياة القومية، مثل حالة المرأة وأعمالها، والدور الذي كان يلعبه المعبد، والمحاكم، والأسواق، والخدمة، والملاهي في حياة أبناء الشعب، ومقدار الحرية التي كان يتمتع بها الفلاح والصانع والتاجر، ومقدار التأثير الذي أحدثه دخول العبيد الأجانب في السكان، ووضع القوانين وغير ذلك؛ كل هذه المرافق لا نعرف عنها شيئًا إلا استنباطًا واستقراءً لما لدينا من نصوص ومناظر.

وكان المصري عندما يعود إلى الأرض في صورة ملاك كما يزعم، كان يرغب في رؤية بيته ومعبد مدينته، ويسمع خوار أبقاره، ويرى نمو نباتاته، فلم يكن يهمُّه كثيرًا موضوع جمع الضرائب وما يترتب عليها، أو الحروب الناشبة، أو السياسة وشئونها؛ وذلك لأنه لم يكن له عليها سلطان، بل يعلم أن كل هذه الأشياء كانت أعداء ألداء له مثل الطاعون والجوع؛ وحتى الموظف لم يكن يهتم إلا بشئون إدارية، من حيث إنها كانت مورد رزقه وإسعاده في الحياة. وإذا قسنا الملوك بما لهم من آثار، فإنهم لم يكونوا أحسن حالًا؛ إذ كان كل ما يشغل أفكارهم في الحياة الدنيا هو الفخار والاحتفالات الدينية، ثم التأليه بعد الموت، وقد كان الكاهن الأكبر في الواقع ملكًا دون أن يكون له أمل أن يُؤلَّه بعد الموت مثل الفرعون، وعلى الرغم من أنه لم يكن يشغل نفسه أكثر من أي فرد غيره بالأمور الدينية، فإنه كان من كبار المقتصدين، مثله في ذلك كمثل الأب الديني الحالي؛ إذ قد ترك لنا صورًا حية مفيدة جدًّا عن الضياع العظيمة والمصانع التي كانت في حيازته.

(ﺟ) الإخلاص في خدمة مصر كان الهدف الأول للوزير

أما الوزير فكان يضع كل مصر وأرزاقها في قبضه يده، وإذا حكمنا بما لدينا من الأمثلة الباقية ظهر أمامنا أنه كان يدَّخِر بين جنبيه لخير مصر كلَّ ما كانت تطمح إليه الأخلاق الإنسانية من مشاريع مثالية، وأعني بذلك تكوين حكومة وطنية سعيدة، فقد كان هو الفرد الوحيد الذي سما بنفسه عن الأثرة والطوائف، وأظهر لنا إحساسًا يوحي بأن الأمة يجب أن ترتكز على الأخلاق والقانون والخدمات المتبادلة؛ ولذلك كان يتصوَّر عودته في صورة ملاك إلى عالم الأرض ليتسلم ثانيةً عبء التفكير لمساعدة قومه بكل ما يسعدهم، ويصلح حالتهم، كما كان يفعل في حياته الدنيا؛ وإنَّا لنقف على سر ذلك من وصف «رخ مي رع» ابن أخيه الذي تولَّى بعده الوزارة مباشَرةً عندما يقول: «تأمَّلْ! إن منصب الوزير ليس بالحلو أبدًا، إنه مر كما يدل على ذلك اسمه (كلمة وزير معناها الرجل أو مَن يقوم بدور الرجل)، وإنه لجدار من نحاس يحافظ على ذهب بيت سيده، وليس يوجد رجل آخر يرغب في أن يعمل هذا لغيره، وإن الريح والماء يبلغان كل شيء بعمله، وإن الذي يجب عليه أن ينفذ العدالة في وجه كل إنسان هو الوزير، فليتك أيها الوزير تتبع القانون الذي سُلم إليك. تأمَّلْ! إن هذا هو طريق السعادة.»

هذا هو قبر الوزير «وسر آمون» الذي قد بدأ كما قلنا وزارته بالاشتراك مع والده «عامثو»، وتدل المعلومات التي جُمِعت عنه أنه مكث في الوزارة نحو عشرة أعوام، وترك خلفه ستة ذكور وسبع إناث، وقد توفي وهو يأمل أن يروح ويغدو في الجبانة بمثابة إنسان عمل بولاء وإخلاص مع بيت إله الشمس، ويتسلم طعامًا منه في كل الأبدية، وقد خلفه على كرسي الوزارة على حسب رأي بعض المؤرخين «رخ مي رع» أعظم الوزراء المصريين كما سنرى بعدُ.

(١٢-٢) أمنمحات بن تحتمس مدير بيت الوزير «وسر»

ذكرنا فيما سبق أن الوزير كان أعظم رجل في الدولة، وأن نفوذه في إدارة البلاد لا يُدانَى، وتدل كل ما لدينا من نقوش على صدق ذلك، وبخاصة إذا علمنا أن مدير بيته الخاص «أمنمحات بن تحتمس» كان يُعَدُّ من أغنياء القوم، وهو الذي كان يُعَدُّ ساعده الأيمن على ما يظهر، وكانت وظيفته الرسمية تنحصر بوجه عام في الإشراف على أملاك سيده ودخله، وحساب العبيد والحقول والغلال والمعادن الثمينة، وقد كان كذلك مُكلَّفًا بالإشراف على بعض الحياة الخاصة بالوزير والفرعون كما سلف ذكر ذلك؛ وقد ترك لنا في قبره «بجبانة شيخ عبد القرنة» لوحةً مؤرَّخةً بالسنة الثامنة والعشرين من حكم «تحتمس الثالث».

وألقابه كما وجدناها على مقبرته كالآتي: «الكاتب، وكاتب الوزير، والكاتب حاسب الحبوب، ومدير بيت الوزير، ومدير بيت الوزير للمدينة الجنوبية (طيبة)، والذي يراقب كل أملاكه، ومدير البيت الذي يحسب كل ما يوجد، ومدير البيت الذي يحصي الناس، ومدير البيت محصي الحبوب، ومدير البيت الذي يحصي حبوب الإله «آمون»، ومدير البيت الذي يحصي الحقول المنزرعة، والكاتب محصي الغلال في مخازن قربان «آمون» المقدسة، والكاتب الذي يحسب حبوب «آمون»، ورئيس عبيد «آمون»، ورئيس العبيد، والمشرف على الأراضي المحروثة، والمشرف على احتفالات بيت «آمون» «أمنمحات».»

وليس لدينا أي دليل في مقبرة «أمنمحات» يرشدنا إلى الترتيب الذي نال به «أمنمحات» هذه الألقاب، ولا نزاع في أن أول لَقَبٍ لُقِّبَ به هو وظيفة «كاتب»، واللقبان الأخيران من ألقابه كان يحملهما والده وجده، واللقب الأخير هو في الواقع لقب قديم جدًّا وتُرجِم حرفيًّا «مسن الردهة»، ومعناه رئيس التشريفات، وقد وضح لنا معناه تمامًا من نقشٍ في مقبرة «رخ مي رع»، وذلك أنه عندما قدِمَ هذا الوزير إلى البلاط، كان الموظف الذي استقبله هو «مسن الردهة»، وقد قدَّمه إلى الحضرة الملكية (راجع: Newberry, “The Life of Rekhmara”, Pl. VII. p. 6)، وقد كان هناك كذلك رؤساء تشريفات متصلون بالمعبد.

ومناظر هذا القبر على الرغم من أنها ليست من الطراز الممتاز من حيث الفن والدقة، إلا أنها تحتوي على صور شائقة وهامة من الوجهة الدينية، مما ورث عن الدولة الوسطى، مثل منظر الحج إلى «العرابة المدفونة»، التي كانت تُعَدُّ كعبة الصالحين (راجع ج٣)، وكذلك الشعائر المختلفة الخاصة باحتفال فتح الفم. على أن أهم منظر يُشاهَد في القبر هو منظر الوليمة التي أعَدَّها أمنمحات احتفاءً بالمهندس والمفتنين الذين شيَّدوا له مقبرته، والنقوش الخاصة بهذا المنظر تحدِّثنا قائلةً: «شكرًا للصناع، وإقامة الوليمة لهم بالقربان المقدسة، ومكافأتهم بكل أنواع الأشياء الطيبة … فوضعت الأكاليل على رءوسهم، وقد صفها مدير البيت، محصي رجال «آمون … أمنمحات» المرحوم … إلخ.»

ومن بين المدعوين إلى هذه الوليمة نشاهد: «مدير المباني في هذا القبر» الكاتب «أمنمحات»، وراسم التصميم «أحمس»، والنحات الذي نحت التماثيل، وممَّا يُؤسَف له أن اسم هذا الرجل قد مُحِي، ولا بد أنه كان القائم بنحت تماثيل المتوفى، ويشتمل على نقش يحدِّثنا عن تاريخ حياته ذكرناه فيما سبق (راجع: Davies and Gardiner, “The Tomb of Amenemhet”, Pl. XII, XVII. p. 36-37. etc).

(١٢-٣) أمنمحات كاتب الملك

وقبره في جبانة «شيخ عبد القرنة»، وكان من المقرَّبين لدى الفرعون «تحتمس الثالث»، فقد كان يصحب الفرعون في رحلاته (Gardiner & Weigall, “Catalogue”, No. 123)، وكان يحمل الألقاب التالية: «كاتب الملك، والممدوح من الإله الطيب، والذي يتبع خطوات الملك في صحراء الجنوب وفي الشمال، والكاتب العظيم في بيت الفرعون له الحياة والعافية والصحة، والمقرب جدًّا لسيده، والمشرف على مخازن الخبز، والكاتب الملكي الذي يحصي الخبز، والكاتب الذي يحسب خبز الوجه القبلي والوجه البحري، والكاتب»، والقبر يحتوي على منظر صيد يُشاهَد فيه «أمنمحات» في عربته يطارد غزالًا في الصحراء (راجع: Urk. IV. Pls. 25-26)، وهذا المنظر من الأمثلة القليلة التي نجد فيها العظماء يخرجون للصيد والقنص في الصحراء في عرباتهم، مثل الملوك في أوائل الأسرة الثانية عشرة؛ إذ كانت العربات موقوفة على أثرياء القوم الذين كان في استطاعتهم اقتناؤها والإنفاق عليها، وهذا دليل على أن «أمنمحات» كان من أثرياء القوم كما تدل وظائفه.

(١٢-٤) أمنمسو مدير بيت الفرعون في طيبة

كان «أمنمسو» من الموظفين القلائل الذين عمروا طويلًا في خدمة الحكومة في عهد أربعة ملوك على التوالي؛ فقد بدأ حياته الحكومية في عهد «تحتمس الثالث»، وأُقِيل على ما يظهر في عهد «أمنحتب الثالث»، وكان يحمل الألقاب التالية (راجع: Urk. IV. p. 1024-5): الأمير الوراثي، وحامل خاتم ملك الوجه البحري، والسمير الوحيد، والذي يتبع خطوات الملك في صحراء الجنوب وفي الشمال (يقصد في النوبة وآسيا)، ومدير البيت في المدينة الجنوبية، ومدير البيت، وحامل العلم.
وقبر «أمنمحات» يقع في «جبانة شيخ عبد القرنة» (Gardiner & Weigall, “Catalogue”, No. 89)، وتدل كل الظواهر على أنه كان في الأصل غاية في دقة الصنع، ويحتوي على عدة مناظر هامة، غير أن الزمن والأحقاد لعبتا دورهما في تخريبه؛ إذ نشاهد أن كل صورة لصاحبه أو أقاربه قد مُحِيت عن قصد، ثم أُشعِلت فيه النيران أخيرًا، والظاهر أن تخريب هذه المقبرة قد حدث بعد الانتهاء منها مباشَرةً؛ لأننا نعلم أن «أمنمسو» كان لا يزال في الخدمة في عهد «أمنحتب الثالث»، وتدل كل الأمور على أن القبر كان قد خرب قبل عهد «أخناتون» تمامًا؛ وذلك لأن عمَّاله الذين وكَّل إليهم محْوَ اسم «آمون» لم يدخلوا هذا القبر قطُّ؛ لأن اسم «آمون» قد وُجِد محفوظًا فيه، والظاهر أن «أمنمسو» كان ينظر بعظمة وفخار إلى عهد «تحتمس الثالث» الذي بدأ خدمته في عهده، كما كان ينظر إليه كل مَن عاشَرَه حتى في البلاد الأجنبية، حقًّا كان يحتل «أمنحتب الثالث» مكان الشرف في قبره؛ لأنه كان الملك الحاكم وقت نحته، ولكن «أمنمسو» قد ظهر في منظرٍ فيه وهو يتعبَّد «لتحتمس الثالث»، كما أنه قد أعطى عنايةً فائقةً إلى تمثيل صورة هذا الفرعون فيه، في حين أن المناظر الأخرى كانت عادية في تمثيلها؛ هذا إلى أنه يُشاهَد في منظر صور فيه «أمنمسو» يقدِّم قربانًا محروقة للإله «آمون رع» وللإله «حوراختي»، وكتب صلوات لهما وللإلهة «حتحور»؛ ليهبوا جميعًا النصرَ العظيم لروح «منخبر رع» (تحتمس الثالث) (راجع: Davies, J. E. A. Vol. XXVI. p. 132)، ويلحظ هنا أن هذه الصلاة قد غُطيت بلون، فهل معنى ذلك أن «أمنحتب الثالث» حقد على صاحب المقبرة لتأليهه «تحتمس الثالث» ولعنايته بتكريمه، في حين أنه كان يعدُّ نفسه إلهًا؛ ولذلك أمر بطمس معالم هذا القبر وصاحبه (؟).
ومما يلحظ في مناظر هذا القبر مطبخ ضخم يظنُّ الإنسان أنه مطبخ ملك لا مطبخ عظيم من عظماء القوم، فقد كانت تُجهَّز فيه الأصماغ العطرية والبخور والزيوت العطرية فوق تجهيز الطعام، كما نجد أن بعض هذه المواد كانت تشكل في صور خيالية، مثل الثيران والإوز المنتوف والمسلات (Ibid. Pl. XXII)، وقد وجدت مثل هذه الصور من هذه المواد منذ عهد الدولة (راجع مصر القديمة ج٣)، ويقول «ديفز» إن هذه الإشكال المصنوعة من البخور ربما كانت تحل محل القربان المحروقة الحقيقية.
تبادُل التجارة بين مصر «وبنت»: وفي هذا القبر نجد كذلك منظرًا لاستقبال جزية البلاد الأجنبية، ونلحظ فيه أن بعض الآسيويين قد أحضروا عربات (راجع: Ibid. Pl. XXIII, XXIV)، ومن بين المناظر التي تسترعي النظر صورةٌ تمثِّل التجارة التي كانت تتبادل بين مصر وبلاد «بنت»، وليس لدينا أية إشارة إلى المكان الذي تقابَلَ فيه المصريون لتبادُل سلعهم مع أهل «بنت»، غير أنه في منظر في القبر رقم ١٤٠ في «ذراع أبو النجا» نفهم من وجود سفن ملاحة أهل «بنت» في البحر الأحمر، أنه كانت توجد ميناء على ساحل هذا البحر لهذا الغرض (راجع: Davies, M. M. A, Nov. 1935. Section II. p. 46)، ويُحتمَل أن تكون «القصير» الحالية (كما يقول ديفز) وهي الواقعة في نهاية طريق «قفط» الصحراوية، ويُشاهَد في هذا المنظر بقايا صورة «أمنمسو» بعربته وخيلها، وأمامه أهل «بنت» يحضرون سلعهم التي كانت تحتوي على صموغ عطرية، بعضها موضوع في حقائب وأكياس من الجلد، وبعضها مكوَّم أكوامًا عظيمة على صوان، أو مضغوط في هيئة مخاريط، وكذلك أحضروا معهم جلود قردة وحيوانين حيين، واحد منهما مربوط في حبل، والثاني حمل على ذراع رجل (راجع: J. E. A. XXVI. Pl. XXV)، وهنا نرى الكتاب المصريين منهمكين يدوِّنون سلع المبادلة، ولم يظهر لنا من الصور نوع السلع التي كان يتسلمها أهل «بنت» مقابل بضائعهم، وقد انتهت العملية برجوع المصريين إلى بلادهم، وكذلك عاد «أمنمسو» في عربته بعد انتهاء المأمورية، وقد كان أتباعه يسيرون خلفه على الأقدام، وكان بعضهم يسوق حميرًا محمَّلة بالماء اللازم لرجال الحملة، وكان آخرون يحملون بعض قِطَع من الخشب يجوز أنها من الأبنوس الذي استحوذوا عليه من أهالي «بنت»، على أن عدم حمل هؤلاء القوم أية أسلحة فتَّاكة عدا عصي قصيرة، لَدليل على أن الطريق إلى الساحل كانت مؤمنة بالشرطة، أو أن هذه البقعة من الصحراء لم يكن يسكنها قبائل من الذين اعتادوا السلب والنهب.

(١٢-٥) أمنمس رئيس الرماة

يوجد قبر هذا الجندي في «جبانة شيخ عبد القرنة» أيضًا (رقم ٤٢)، وقد حلَّ به من التخريب ما حلَّ بقبر سمِيِّه السالف الذكر تمامًا. وألقابه هي: الأمير الوراثي المقرَّب من الإله الطيب، والمشرف على الأراضي الأجنبية الشمالية، ورئيس الرماة (المشاة)، ومحبوب رب الأرضين، ورئيس الإصطبل (Ibid. Pl. XXXIX)، وعينا الفرعون في بلاد «رتنو» (راجع: Davies, “The Tombs of Menkheperrasonb, Amenmose and Another” Pp. 27 ff).

الفرعون يرسله لتفقُّد أحوال ولايات آسيا

والظاهر أن هذا الموظف كان مُشرِفًا على بلاد «آسيا» من قِبَل الفرعون ليتفقَّد أحوال الأمراء، ويكون على اتصال بالفرعون حول ما يجري في مختلف الولايات؛ ولذلك نجد في قبره منظرًا هامًّا نقش فوقه: وصول رئيس الرماة في «نجو» خلال حملة قام بها إلى تلك الجهات مع الفرعون (وهو إقليم في بلاد لبنان)، كما نلحظ ذلك من وجود رئيس بلاد لبنان، والمنظر من الوجهة الفنية يدل على أن المفتن المصري قد بدأ يصور المناظر الطبيعية على حقيقتها بعض الشيء؛ إذ نشاهد في هذا المنظر بعينه قلعة سورية بجدرانها وشرفاتها وأبراجها، وقد أُقِيمت في وسط غابة كثيفة من شجر الصنوبر، غير أن الأشجار لم تُرسَم بصور طبيعية، بل في صورة حلية (Ibid. Pl. XXXVI)، ويشاهد الرئيس اللبناني ينحني على الأرض أمام «أمنمس»، وخلفه آخَر يقدِّم آنية عظيمة، وآخَر يحمل طبقًا فيه أحجار كريمة (Ibid p. 40)، وخلفه تأتي هدايا أخرى منها ثوران، وهذه العطايا ليست عظيمة القيمة، ولكن قد اختيرت لتمثِّل محاصيل البلاد المختلفة، وأسفل ذلك نشاهد جنودًا مصريين يمشون مشية مُسرِعة، وكانوا مسلَّحين «بالبلط» والحراب، كما كانوا يحملون دروعًا، ثم يأتي خلفهم الكتبة، ولا بد أن هؤلاء الجنود من رجال الحامية الذين كانوا قد استولوا على هذا الحصن.
ولا نزاع في أن هذا القبر يرجع تاريخه إلى عهد «تحتمس الثالث»؛ إذ عُثِر على طغرائه فيه، ولكن يظهر من طغراء آخَر أنه عاش كذلك في عهد الفرعون «أمنحتب الثاني»، وبذلك يكون «أمنمس» قد خدم في عهد الفرعونين (Davies, ibid, XXXIX).

(١٢-٦) منخبر رع سنب الكاهن الأكبر للإله آمون

تدل المعلومات التي لدينا على أن والد «منخبر رع سنب» لم يكن صاحب مكانة ممتازة بين رجال عصره؛ إذ لا نعرف له أيَّ لقب، بل قد ذُكِر باسم «أمنمحات» وحسب، أما والدته فكانت مرضعة الفرعون، ويُحتمل جدًّا أنه الملك «تحتمس الثالث»، وتُسمَّى «تايونت»، وكانت في الواقع بنت امرأة تُدعَى «نبتا»، وهي أخت الفرعون من الرضاعة، ومن ذلك نعلم أن والدتها كانت كذلك مرضعة ملكية.

ألقابه

وكان «منخبر رع سنب» يحمل الألقاب والوظائف التالية: الأمير الوراثي، والذي ينال رضاء قلب الملك بإتقان آثاره، ومدير أصحاب الحِرَف، والمشرف على أعمال «آمون» في «وثتون آمون» (اسم مكان)، والكاهن الأكبر للإله «آمون»، والسمير العظيم الحب، والمشرف على بيتي الذهب، والمشرف على بيتي الفضة، ورئيس أسرار الإلهتين «وازيت» و«نخبت»، ووالد الإله، والمشرف على مخازن الغلال للإله «آمون»، والمشرف على الغزالين في الوجهين القبلي والبحري، والممدوح من الإله الطيب، والمشرف على الوظائف، وحامل خاتم ملك الوجه البحري، والمشرف على كهنة الوجهين القبلي والبحري (الوزير الديني)؛ وكل هذه الألقاب نُقِشت في قبره رقم ٦٨، أما في قبره رقم ١١٢، فقد وجدنا فضلًا عمَّا ذكر الألقابَ والنعوت الآتية: الفم الذي يهدئ كل الأرض قاطبة، والرئيس الأعلى في بيت الملك، وكذلك وجدنا على تمثال له في المتحف البريطاني الآن لقبين آخَرين زيادة على ما سبق، وهما الكاهن الثاني للإله «آمون»، والكاهن «سم» (Hall, J. E. A. Vol. XIV. p. 1, Pl. III). والواقع أن «منخبر رع سنب» قد أقام لنفسه قبرين، وكلاهما في جبانة «شيخ عبد القرنة» (رقم ٨٦، ١١٢)، والأخير هو القبر الهام، والظاهر أنه القبر الذي وُورِي فيه (راجع: Cavies. “The Tomb of Menkheperasonb etc.” Pp. 18 ff).

ومما يجدر ذكره في هذا القبر أنه لا يحتوي في معظمه إلا على مناظر تقليدية خاصة بالروح (كا) وما يهيئ لها متاعها، أما القبر الثاني وهو رقم ٨٦ فيحتوي على مناظر لها علاقة بنشاط «منخبر رع سنب» في نواحي الحياة الحكومية والاجتماعية والسياسية؛ ولذلك فإنه لا يشمل إلا مناظر قليلة جنازية، وهذا من الأمور التي تسترعي النظر في قبر رجل يشرف على الأمور الدينية في كلا القطرين، فضلًا عن أنه كان يُعَدُّ القائد الروحي في أكبر معبد لأكبر إله، وهو «آمون» ملك الآلهة وسيد «الكرنك».

الوظائف العليا والكهنة

ويجب ألَّا يعزب عن ذهننا أن الوظائف العليا التي كان يشعلها الكهنة، كانت خاصة بالعمل على رفع نفوذ وزيادة ثورة الإله «آمون» وقوته في عالم الدنيا؛ ولذلك فقد كان من أول واجباتهم للوصول إلى مثل هذه المكانة الرفيعة أن يكونوا رجالَ إدارةٍ ومهندسي عمارة إلى حدٍّ بعيد. والواقع أن الفرعون كان في معظم الأحيان يرجع إلى مشورتهم في مثل هذه الأمور (Ibid. p. 2)، ولهذا نجد أن مثل هذه المناظر التي كانت تصور لنا أعمالهم في الحياة الدنيا ونشاطهم للرفع من شأن الإله والفرعون معًا، هي التي نشاهدها تزين جدران قبورهم، وتحتل المكانة الأولى فيها، على أن هؤلاء الكهنة كانوا دائمًا يجعلون نصب أعينهم أن يرجعوا كل أعمالهم وأفعالهم للإله الذي يخدمونه في شخص الفرعون، حتى يبقى سلطانهم عظيمًا ومكانتهم محترمة، فمن المناظر التي تسترعي النظر على جدران مقبرة الكاهن الأول «منخبر رع سنب»؛ منظر إحضار الهدايا أو الجزية للفرعون من البلاد الأجنبية النائية، ممثلة في رئيس بلاد «كفتيو» وأمير بلاد «الخيتا» وأمير «تونب» وأمير «قادش»، فنشاهد في هذا المنظر الفرعون بعد أن قبل طاقة أزهار الإله «آمون» من يد الكاهن الأكبر، يستقبل وفود هؤلاء البلاد يقدمهم له، وقد نقش أمامهم المتن التالي: «تقديم المديح إلى رب الأرضين، والخضوع للإله الطيب من رؤساء كل البلاد وتمجيدهم انتصارات جلالته، وجزيتهم على ظهورهم، وهي كل محصول من أرض الإله: فضة، ولازورد، وفيروزج، وكل حجر فاخر ثمين، مؤملين أن يمنحوا نفس الحياة» (Ibid p. 5).

ولكن ممَّا يلحظ هنا أن كل هذه البلاد لم تكن خاضعةً للحكم المصري في هذه الآونة، والواقع أن الفرعون وكاهنه الأكبر كانَا يريدان أن يُظهِرَا مقدار امتداد نفوذ مصر وسلطانها في هذا العهد؛ ولذلك نجد منقوشًا فوق الآسيويين الذين كان يسيطر عليهم فعلًا المتن التالي: «ما أعظم سلطانك! … وإن الأراضي ترتعد منها حتى «حايونبوت» (أهالي الشمال وجزر البحر الأبيض)، وإن الخوف منك يحيط بالدائرة العظمى، والفزع في كل الأراضي، وإنك قد خربت أرض «المتني» وقد محوت مدنهم، ورؤساؤهم آووا إلى الكهوف.»

وممَّا يلفت النظر أنواعُ الجزية التي قد أحضروها، فقد كان معظمها يشمل أواني وآلات مصنوعة مما تنتجه هذه البلاد، وكذلك الخيل التي كانت تحتاج إليها مصر في هذه الآونة بسبب الحروب التي كانت تشنها.

منخبر رع سنب يتسلَّم جزية بلاد النوبة

وفي منظر آخَر نشاهد «منخبر رع سنب» يتسلَّم ذهب صحراء «قفط» وذهب بلاد النوبة الخاسئة جزيةً سنويةً، والمنظر يمثِّل لنا الذهب في صور مختلفة بعضه حلقات، وبعضه تبر، وجزء منه سبائك وُضِعت كلها في حقائب مختومة استعرضت على حصير، وبجانب هذا كاتب يدوِّن الوزنَ، وهنا نشاهد رئيس المازوي (شرطة الحدود والصحراء) ورئيس مناجم الذهب يقبِّلان الأرض بين يدَيْه، وخلفهما رؤساء الصيادين، وقد أحضروا معهم في حملتهم هذه نعامًا وريش نعام، وبيض نعام، ووعولًا وأرانب ممَّا اقتنصوه في الصحراء في أثناء اجتيازهم لها.

منخبر رع سنب يفتش مصانع آمون

وفي هذا القبر منظر آخَر نشاهد فيه «منخبر رع سنب» يفتِّش مصانع معابد «آمون»، ويُشرِف على العمال الذين كانوا يقومون ببعض الأعمال التي قد طلبها الفرعون شخصيًّا، وممَّا يلحظ هنا أن نظام العمل في هذه المصانع كان ممتازًا؛ إذ نشاهد عمَّال المعبد يتسلَّمون المواد الغفل ويوزِّعونها، كلٌّ على حسب حاجته، في حين أنه كان يوجد كَتَبَة يدوِّنون ما كانت تتسلَّمه كل جماعة من العمال، ونرى في هذه المصانع صناعة العربات، وصناعة القسي والسهام، كما يُشاهَد الحدَّادون يصبون بابًا من نحاس، وآخَرون يصنعون أواني دقيقة وقاعدة مصباح من الذهب.

منظر الحصاد وتوزيعه

ولدينا في قبر هذا العظيم منظر للحصاد غايةً في الأهمية لما يحتوي من تفاصيل وإيضاحات تفسِّر لنا واجبات «منخبر رع سنب»، بوصفه المشرف على مخازن غلال «آمون»، فنشاهد القمح وقد طاب للحصاد، ولكن قبل أن يُحصَد المحصول كانت تُحدَّد الحقول ليُقدَّر عليها نصيب «آمون»، وبعد ذلك كانت تُمسَح الأرض المزروعة بوساطة خيط القياس ثم يُعيَّن ما عليها، وقد كان يوجد أحد رجال الشرطة وقت إجراء هذه العملية ليحفظ النظام؛ ولذلك كان يُرَى أصحاب الحقول يسيرون في خضوع ومسكنة خلف هؤلاء المساحين، وقد كان للإله «آمون» بطبيعة الحال نصيب الأسد في هذه الحقول، وبعد ذلك كان الفلاحون في حلٍّ من حصد محصولهم وما أشبه البارحة باليوم؛ إذ لا يزال الفلاح يعاني من رءوس الأموال الظالمين معاملة أقسى وأظلم؛ إذ نفهم من المناظر القديمة أنه كان يُترَك للفلاح شيء على أية حال، أما في أيامنا فقد لا يُترَك له شيء، بل تُطلَب منه غرامة يدفعها بماشيته بل وبيته الذي يسكن فيه (راجع: Ibid XVII-XVIII) إذا خاب المحصول بسبب آفة طبيعية!
والظاهر أن «منخبر رع سنب» لم يعقب خلفًا؛ إذ لم يذكر لنا اسم أي فرد من أبنائه، وربما يُعزَى ذلك إلى أنه لم يتزوَّج، فلم يذكر لنا اسم زوجة له على مناظر جدران قبرَيْه، بل كانت والدته هي التي ترسم معه. حقًّا نشاهد امرأة أخرى صُوِّرت تحت كرسيه بحجم صغير كحجم قرده الأليف، غير أنه لم يذكر اسمها قط؛ وكذلك من الأمور التي تلفت النظر في نقوشه أنه لم يذكر لنا لقبه بوصفه كاهنًا ثانيًا للإله «آمون» قبل أن يكون كاهنًا أول، وهذا اللقب «الكاهن الثاني» لم نجده إلا على تمثاله الذي عُثِر عليه في معبد «الكرنك» كما ذكرنا، ويُحتمَل أن الذي قد خلفه في هذه الوظيفة هو «بو أم رع»، كما يُحتمَل أنه هو نفسه قد خلف «حبو سنب» الذي كان يشغل وظيفة «كاهن أول» في عهد «حتشبسوت»، أما الذي جاء بعده فهو الكاهن الأول «مري» (راجع: Ibid p. 16).

(١٢-٧) أمنمحاب المسمى معحو

لقد مرَّ بنا ذكر «أمنمحاب» في مناسبات عدة في حروب «تحتمس الثالث»، وسيأتي ذكره كذلك عند الكلام على «أمنحتب الثاني».

غير أننا سنورد تاريخ حياته بنوع من التفصيل، وبخاصة في ملازمته «تحتمس الثالث» في حروبه الكثيرة؛ لأنها من التراجم القليلة التي تحدِّثنا عن حروب هذا الفرعون، وقبل أن نوردها هنا سنضع أمام القارئ النعوت والوظائف التي منحه إياها الفرعونان «تحتمس الثالث» وابنه «أمنحتب الثاني»: الأمير الوراثي، حامل خاتم ملك الوجه البحري، والسمير العظيم الحب والمقرَّب جدًّا من رب الأرضين، والممدوح من الإله الطيب، والذي يتبع سيده في صيد الطيور، والذي على رأس سماره وعلى رأس أتباعه، والضابط ونائب الجيش، والسمير الوحيد، وفم ملك الوجه القبلي، وأذنا ملك الوجه البحري، والذي في قلب «حور» (الملك) في بيته، والذي يتبع الملك في حملاته على الماء والأرض في كل البلاد الأجنبية، وفي كل مكان يسير فيه جلالته، رفيق الرضاعة، وأول حارس يتعب خطوات رب الأرضين، وحارس خطواته على الماء وعلى الأرض في كل البلاد الأجنبية، وعينا الملك «حور» وتابع الملك، والعظيم في وظيفته، والنبيل المفضَّل على كل عظماء الملك، رئيس الرماة، والنائب، وغير ذلك من النعوت والألقاب، غير أن أعظم لقب ناله في أخريات حياته هو لقب «نائب جيش الفرعون».

وترجمة حياة «أمنمحاب» قد تركها لنا منقوشة على جدران قبره في «جبانة شيخ عبد القرنة» (رقم ٨٥)، وهو يحتوي على مناظر عدة تُلقِي بعض الضوء على حياته أيضًا وسنذكرها بعدُ.

وهاك ترجمته لنفسه كما جاءت على جدران قبره:
ترجمته لنفسه: الضابط «أمنمحاب» المرحوم قال: لقد كنتُ صادقًا جدًّا للفرعون له الحياة والعافية والصحة، وصاحب عقل راجح لدى ملك الوجه القبلي، وحير، وذو قلب مفيد لدى ملك الوجه البحري، عندما كنت أتبع سيدي في رحلاته إلى البلاد الأجنبية الشمالية والجنوبية، وقد كان يرغب في أن أتبع خطواته عندما يكون في ساحة القتال في انتصاراته، وكانت شجاعته ممَّا يحصن القلب، ولقد حاربت يدًا ليد في أرض «نجب»،١٤٨ وعدتُ بثلاثة رجال أسرى أحياء، وعندما اقترب جلالته من «نهرين» أحضرتُ ثلاثة رجال من هناك، ووضعتهم أمام جلالتك أسرى أحياء، ولقد عدتُ للقتال يدًا ليد في هذه الحملة في بلاد مرتفع «وعن» الواقعة غربي «حلب» (انظر مصور سوريا الشمالية ٧)، وقد أحضرت ثلاثة عشر أسيرًا حيًّا وسبعين حمارًا، وثلاث عشرة حربة من البرنز، والجمشت المموهة بالذهب … أيضًا ثم عدت للقتال ثانيةً في تلك الحملة الخاصة ببلاد «قرقميش»، وقد أحضرت … أسرى أحياء، وعبرت مياه «نهرين» وهم في يدي إلى … ووضعتهم أمام سيدي، وقد كافأني مكافأة عظيمة.
قائمة بذلك: … ولقد رأيت انتصارات ملك الوجه القبلي والوجه البحري، معطي الحياة في بلاد «سنجار» (انظر مصور ٧) عندما وقعت مذبحة عظيمة بينهم، وقد حاربت يدًا ليد أمام جلالة الملك، وقد أحضرت يدًا من هناك، وكافأني بذهب الشرف.

قائمة بذلك: … حلقتان من الفضة، وقد رأيت ثانيةً شجاعته عندما كنتُ مع أتباعه، فقد استولى على مدينة «قادش»، ولم أكن غائبًا عن المكان الذي كان فيه، وقد أحضرت اثنين من الأشراف (مرينا) أسرى أحياء، وقد وضعتهما أمام ملك الوجه القبلي رب الأرضين «تحتمس الثالث» عاش مخلدًا، وقد منحني ذهبًا بسبب شجاعتي أمام كل الناس.

قائمة بذلك: سبع وقلادتان من أحسن الذهب، وكذلك ذبابتان، وأربعة أساور معصم، ولقد شاهدت سيدي في … في كل صورة في بلاد أخرى، وفي نهايات الأرض … وبعد ذلك رقيت لأكون … في سير الجيش جميعًا، ولقد شاهدت ثانيةً انتصاراته في بلاد «تخسي» الخاسئة في بلدة «مريو» … وقد حاربتُ يدًا ليد أمام جلالة ملك الوجه القبلي، وقد أحضرتُ ثلاثةً من الآسيويين أسرى أحياء، وقد منحني على ذلك سيدي ذهبَ الثناء.

قائمة بذلك: قلادتان من الذهب وذبابتان وأسد (من الذهب أيضًا)، وأمة وعبد، وكذلك شاهدت ثانيةً عملًا ممتازًا قام به رب الأرضين في «ني» (قلعة المضيق انظر مصور ٧  Kal’at el Mûdik)، فقد اصطاد عشرين ومائة فيل لأجل أسنانها، وقد نازلت أكبر الفيلة من بينها لأنه هجم على جلالته، وقد قطعت يده (أي: خرطومه) وهو حي أمام جلالته، وذلك عندما كنتُ واقفًا في الماء الذي كان بين صخرتين، وقد كافأني سيدي على ذلك بالذهب، وأعطاني ثلاث حلل (خمسة أذرع كل منها)، وقد أطلق أمير «قادش» فرسًا واحدة تجري على أرجلها، وقد دخلت في وسط الجيش، وقد تبعتها على قدمي وأنا أحمل سيفي، فبقرت بطنها وقطعت ذيلها ووضعته أمام الملك، من أجل ذلك حمد الله، ولقد منحني السرور الذي ملأ به نفسي، وكسا أعضائي.

وقد أرسل جلالته كل شجاع في جيشه لنقب الجدار لأول مرة، وهو الذي أقامته «قادش»، وكنت أنا الذي نقبته لأول مرة، وبذلك كنت أول كل الشجعان، ولم يفعل ذلك آخر قبلي، ولقد برزت وأحضرت اثنين من «المرينا» (أي: الأشراف) أسرى أحياء، وقد كافأني سيدي ثانيةً على ذلك بكل شيء جميل يسر القلب، وقد قمتُ بهذا الاستيلاء وأنا لا أزال ضابطًا في السفينة «وسرحات»، وكنت أنا الذي أدير أمراس سفينة «آمون المسماة وسرحات»، وكنت على رأس نواتيها عند سياحة «آمون» في عيد «آمون» الجميل المسمى «إبت» (الأقصر)، عندما تكون كل الأرضين في ابتهاج. تأمَّلْ! لقد أتمَّ الملك عمره في سنين عدة طيبة، وكان شجاعًا قويًّا ومنتصرًا من أول سنة حتى العام الرابع والخمسين، الشهر الثالث من فصل الزرع، آخِر يوم في الشهر من عهد ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» المرحوم، وعندئذٍ رفع إلى السماء وانضمَّ إلى «آتون» وامتزجت أعضاؤه مع خالقه، وعندما أضاء الصباح وطلعت الشمس وأشرقت السماء، مكن ملك الوجه القبلي والوجه البحري ابن الشمس «أمنحتب» على عرش والده وتسلَّم ألقابه الملكية، وامتزجت كلها وضم … وقطع رءوس أمراء الأرض الحمراء، وتوج بوصفه «حور بن إزيس»، واستولى على … وكل الأرض تنحني لقوته، وجزيتهم على ظهورهم لأجل أن يمنحهم نفس الحياة.

وقد لحظ جلالته أني أجدف تجديفًا مدهشًا معه في سفينته المسماة: «أمنحتب يتوج بالعدل»، وكنت أجدف بكلتا يدي في العيد الجميل (الأقصر) مثل جمال الأفق حتى وصل إلى الشاطئ، وقد أمرت أن أصعد داخل القصر، وأمرت أن أقف أمام ابن «آمون»، وإنه «أمنحتب» العظيم البطش، وقد انحنيت في الحال أمام جلالته، وقال لي: إني أعرف أخلاقك منذ أن كنت في المهد، وعندما كنت تتبع والدي، وإني أمنحك وظيفة نائب الجيش كما قلتُ، فأشرف على نخبة جنود الفرعون، وقد نفذ نائب الجيش «معحو» كلَّ ما قاله سيده.

fig37
شكل ٧: مصور تقريبي لشمال سوريا (رتنو العليا) وما بعدها.
ومما هو جدير بالملاحظة هنا أن بعض المؤرخين يدَّعون أن «أمنمحاب» قد خلط في ترتيب وقائع تاريخ حياته، مقدِّمًا بعضها ومؤخرًا البعض الآخر، ولكن البحث الذي قام به «جاردنر» يُثبِت إلى حدٍّ ما أن بعض هذه الحوادث الحربية لم يكن فيها خلط قطُّ (راجع: J. E. A. Vol. 32. p. 40).
وقبر «أمنمحاب» يحتوي على عدة مناظر هامة منها: منظر إحضار الجزية الأجنبية على يد ممثلين من الولايات الآسيوية، ومتن تاريخ حياة «أمنمحاب» الذي أوردناه هنا قد نُقِش فوق صورة هذا الضابط الشجاع، في منظر يمثِّله وهو واقف أمام «تحتمس الثالث» يقدم له جزية شمالي «سوريا»، وقد كتب المتن التالي تفسيرًا له: «يقدِّم رؤساء كل البلاد الأجنبية المديح لرب الأرضين، والثناء «لتحتمس الثالث»، وجزيتهم على ظهورهم، وتشمل (فضة وذهبًا ولازوردًا)، وقطع فيروزج (؟) وقصديرًا وزيتًا (؟) وخمرًا وماشية، وبخورًا، وإنهم يرجون لأجل … وأمانًا من جلالته أملًا في أن يعطوا نفس الحياة في أنوفهم، وكل رؤساء «رتنو» العليا، وكل رؤساء «رتنو» السفلى، وأرض «الكفتيو»، وأرض «مننوس» (؟) وكل أرض أجنبية مجتمعون يقولون: ما أعظم شهرتك يا أيها الملك المظفر والملك المحبوب من «رع»! لقد بعثت خوفك في كل البلاد الأجنبية، والرهبة منك في كل البلاد الأجنبية (؟) تأملنا فنحن تحت نعليك.»
الفرق بين المستعمرات المصرية والبلاد الموالية: على أن أهم ما يلفت النظر في هذا المتن هو اسم بلاد «مننوس». (منوس Menus)، وقد جاء ذكر «كفتيو» و«مننوس» و«رتنو» في مكان آخَر (راجع: Davies, “The Tomb of Kenamon”, Pl. XII)، غير أن ذلك لا يعني أن «كفتيو» و«مننوس» كانتا ضمن أملاك مصر، وحقيقة الأمر أن المصريين كانوا في هذه الفترة من تاريخهم ينظرون إلى كل البلاد نظرة القوي للضعيف، وأنه لا مثيل لهم، فالبلاد التي كانت تحت سلطانهم مباشَرةً، وهي التي أخضعوها بحد السيف كانت تُلقَّب بالخاسئة، أما البلاد الأخرى التي كانوا لا يصلون إلى إخضاعها بحد السيف فإنهم كانوا لا يتكلمون عنها، أو يذكرونها بشيء من العداء أو الاحتقار، ومع ذلك نجد أن «الكفتيو» و«مننوس» قد ذكرتا بين الأقوام الخاضعة، وبخاصة «مننوس» التي كانت بعيدة عن مصر، ويقول «ديفز» إنها ربما كانت مدينة «مالوس Mallus» القريبة جدًّا من ساحل «كليكيا» (آسيا الصغرى)، ولكنا نعدُّ ذلك نوعًا من السيطرة الاسمية والزهو الفرعوني.

ومن المناظر الغريبة التي نصادفها في مقبرة هذا القائد العظيم منظر الضبع التي قابلها، وقد تكلمنا عنه فيما سبق، غير أن «ديفز» يفسِّره بأنه منظر الفيل الذي قُطِع خرطومه، وأن الرسم هنا غير دقيق؛ لأنه قد رسم من المخيلة؛ إذ لم يكن هذا الحيوان مألوفًا عند المصريين.

منظر صرف المؤن للجيش: ومن المناظر الهامة في هذه المقبرة كذلك المنظر الذي مُثِّل فيه «أمنمحاب» واقفًا أمام باب القصر الملكي بوصفه قائدًا، وهو يراقب الكتَّاب يسجلون ما يُصرَف للجيش من الجرايات (راجع: wreszinski, “Atlas”, Pl. 94). وقد كُتِب النقش التالي على المنظر: «وصول الجنود إلى القصر ليتسلموا مئونتهم من خبز ولحم بقر، ونبيذ وفطير وكل خضر جميل، وكل شيء جميل يفرح القلب أمام الإله الطيب بوساطة … نائب الجيش، ورفيق الرضاعة «أمنمحاب».» وهذا يدلنا إن صحَّ ما ذُكِر على أن الجيش كان يُقدَّم له أحسن الأطعمة وأفخرها بالنسبة لعصره وغير عصره.

زوج أمنمحاب تلعب دورًا في حياته الحكومية

والظاهر أن زوج «أمنمحاب» قد لعبت دورًا هامًّا في تاريخ حياته؛ إذ كانت «باثت» زوجه مربية الفرعون «أمنحتب الثاني»؛ ولذلك نراه قد رقاه إلى رتبة «نائب الجيش»، وكانت تحمل الألقاب التالية: مغنية «آمون»، والمرضعة العظيمة لسيد الأرضين التي تضم «حور» (أي: الملك) إلى ثديها، والوصيفة الملكية، ونشاهد على جدران المقبرة منظرًا «لأمنمحاب» وزوجه يفتشان المعدات التي أهداها إياهما الفرعون؛ وكذلك التمثال الذي وضعه لهما في المعبد (راجع: Urk. IV. p. 914)، وهذا يدل على عطف الملك على مرضعته وزوجها نائب جيشه، وكذلك نشاهد «أمنمحاب» تصحبه زوجه وهما يحملان أزهارًا وقرابين أخرى للفرعون «أمنحتب الثاني»، عندما كان يقدِّم احترامه للإله «أوزير»، كما نشاهد ابن «أمنمحاب» يقدِّم لوالده طاقة أزهار.
أمنمحاب يخرج للصيد وزيارة حديقته: وكذلك نرى خادمًا يقدِّم لصاحب المقبرة وزوجه ماءً للشرب، هذا ونرى «أمنمحاب» يخرج لصيد السمك وصيد الطيور للتسلية، ثم نراه يزور حديقته وقد زُيِّنت بالأزهار والأشجار.
ويقول المتن:

الخروج إلى المدينة، ورؤية «آمون» والتمتُّع بالضوء الذي يمنحه قرصها (أي: الشمس)، وتسلية القلب في بطاح الغرب، والغدو والرواح في بحيرتها، وترويح القلب تحت ظلال جميزتها، وزرعها بأزهارها وشرب الماء اللذيذ من بركتها، وشم السوسن، وقطف الأزهار بواسطة الأمير الوراثي، المقرب من رب الأرضين، والممدوح من الإله الطيب «نائب الجيش» «أمنمحاب».

وهكذا كان ينعم المقربون من الفرعون بملاذ الحياة الدنيا، كما كانت تتوفر لهم أسباب الرفاهية للتمتُّع بألوان النعيم المقيم في آخرتهم، وقد خلدوه على جدران مقابرهم، أما الشعب فكان نصيب أفراده على ما يظهر واحدًا في كلتا الحالتين، إذا صدَّقنا ما يقومون به من أعمال شاقة، وما يحتلونه من وظائف وضيعة في ظلِّ هؤلاء المحظوظين، على الرغم مما قاموا به من حروب طاحنة لمساواتهم بأولئك العظماء والملوك في عالم الآخرة.

(١٢-٨) أنتف الحاجب

لقد ذكرنا فيما سبق ما كان يقوم به من عمل جليل للفرعون «تحتمس الثالث» في أثناء تنقُّلاته في حروبه في بلاد «آسيا» من الوجهة الحربية، كما ذكر لنا على لوحته المحفوظة «باللوفر» الآن، ولقد بقيت معلوماتنا قاصرة على ما جاء عليها إلى أن كشف عن قبره في جبانة ذراع أبو النجا رقم ١٥٥ (راجع: Porter & Moss, “Bibliography”, I. p. 145)، ومن نقوش هذا القبر ومما جاء على لوحته نعرف أنه كان يحمل الألقاب والنعوت التالية: الأمير الوراثي، والسمير العظيم الحب، عمدة «طينة» ورئيس كل الواحات، والحاجب العظيم للفرعون، حامل خاتم ملك الوجه البحري، والسمير الوحيد، وكاتب الحسابات الممتاز، والحاجب الأول لقاعة المحاكمة، ومدير البيت العظيم، والمشرف على مخازن الغلال، ومدير كل أعمال بيت الملك.

ترجمة حياة أنتف لنفسه تنمُّ عن روح العصر الخلقية

وقد ترك لنا «أنتف» هذا على لوحته الشهيرة، فضلًا عن الأعمال التي كان يقوم بها لراحة الفرعون وصفًا رائعًا يدل على ما كان له من مكانة ممتازة، مما يقرب إلينا صور أمثال هذا الرجل العظيم، وما كان يجب أن يتصفوا به من الصفات العالية من الوجهة الخلقية بالنسبة لعلاقتهم بالشعب، كما كشف لنا النقاب عمَّا كان ينتظره من خلفه لإحياء ذكره ومد روحه بالقربان، والواقع أن ما كان ينقشه أمثال هؤلاء الرجال الممتازين، على الرغم مما فيه من مبالغات وخيال خصب، يمكن المؤرخ من أن يستخلص منه حقائق عظيمة عن حياة القوم من نواحٍ عدة، ولسنا نميل كل الميل مع هؤلاء المؤرخين الذين يقولون إن كل هذه الوثائق التي تتحدث عن جميل أخلاق أصحابها وفضائلهم ليست إلا تقليدًا أجوف نقله الخلف عن السلف؛ إذ إن مجرد تكريرها يؤكِّد لنا أن القوم كانوا يعلمون أنها هي التي يجب أن يتخذها الرجل المستقيم نبراسًا ومثلًا يسير على هديه؛ ليصل إلى حسن الأحدوثة في عالم الدنيا والخلود والنعيم المقيم في عالم الآخرة.

ومن أجل ذلك سنورد هنا الجزء الأعظم مما جاء على لوحته هذه، فاستمع إليه وهو يقول مخاطبًا الأحياء: «أنتم يا مَن تعيشون على وجه الأرض، ويا أيها المواطنون وكل كاهن مطهر، وكل كاتب وكل كاهن مرتل سيدخل هذا القبر في الجبانة، إذا كنتم تحبون الحياة الدنيا ولا تفكرون في الموت، وأن يحبكم آلهة مدنكم (الآلهة المحلية)، وألا تذوقوا رهبة أرض أخرى، وأن تدفنوا في مقابركم وتخلفوا وظائفكم لأولادكم، وجب على كل فرد منكم يقرأ هذه الكلمات على هذه اللوحة أو يسمعها أن يقول: قربانًا يقدِّمه الملك «لآمون» رب تيجان الأرضين ليعطي ألفًا من الخبز، وألفًا من الجعة، وألفًا من البقر، وألفًا من الإوز، وألفًا من آنية المرمر، وألفًا من قطع النسيج (وألفًا من الشعل وألفًا من الزيت)، من أجل روح الأمير الوراثي وحامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد، والمقرب من الفرعون، بوصفه مدير جيشه، والذي يعين موظفي الجيش، ويقترع جنوده، والذي يعدُّ السمار، والذي يقود الأشراف، والذي يجعل خلصاء الفرعون يصلون إلى أماكنهم، قائد القواد، ومرشد ملايين الرجال، والرئيس صاحب الوظائف الرفيعة، صاحب المكانة المتقدمة والممتاز في الحضرة، والذي يرفع كلمات المواطنين (للفرعون)، والذي يضع التقارير عن شئون الأرضين، والذي يتحدَّث عن الشئون في المكان السري، ومَن يدخل محملًا بالأشياء الطيبة، ويخرج بالحمد، ومَن ينصب كل إنسان في مكانة والده، ومَن يسر القلب، ومَن يثني على أهل الثناء، ومَن يقف عند كلامه العظماء، ومَن يضع الأنظمة في القصر، ومَن يجعل كل فرد يعرف واجباته، ومَن يضع الحدود في القصر (للإدارة)، ومَن يخلق الرهبة في المكان العظيم، ومَن يسكت الأصوات، ويوجد المكانات العالية، ومَن يحفظ القوم في مكان الصمت، ومَن يعدل ميزان الإله الطيب، ومَن يرشد القوم لما يفعلونه، ومَن يقول فليعمل، وعلى ذلك ينفذ (ما أراد) كما تخرج من فم الإله، ومَن يضع الأوامر للقوم على حسب أعمالهم للملك، ومَن يحدِّد حساب كل بلد أجنبية، ومَن يقدم جزية أمرائهم، والعظيم في شئون حساب الأعداد، اليقظ … عمل، ومَن يعرف ما في قلب الملك له الحياة والفلاح والصحة، واللسان الذي يتكلم لمَن في القصر، وعينا الملك، ولب رب القصر وتعليم كل الأرض، ومَن يغل العاصي، ومَن يهدئ الثائر … من العاصي، قوي الساعد مع اللصوص، ومَن يستعمل العنف مع مَن يستعملون العنف، قوي القلب مع أقوياء القلوب، ومَن يخضع بساعده مَن كان عالي الظهر (أي: قويًّا)، ومَن ينهى ساعة قاسي القلب، ومَن يجعل المذنب يعمل على حسب قواعد القانون، على الرغم من أن قلبه غير راضٍ، والعظيم الفزع بين المجرمين، ورب الخوف بين ثائري القلوب، ومَن يغل القرن، ويصد الشرس، وإنه أمان القصر، ومؤسس قوانينه، ومَن يهدئ الدهماء لسيدهم، الحاجب الأول لقاعة المحاكمة، حاكم «طيبة» ورئيس كل بلاد الواحات، والكاتب الممتاز الذي يحلُّ الكتابة «أنتف» المنتصر.

صفاته: العاقل الوحيد، المزود بالمعرفة، والسليم حقًّا، ومَن يميز بين الجاهل والعالم، ومَن يمجد الصانع، ومَن يولي ظهره للجاهل، والفتي القلب، والتام العقل جدًّا، ومَن يضع قلبه ليصغي، ورجل … والمبرأ من الغش، والمفيد لأسياده، والمتزن اللب دون مين فيه، والمدرب على كل السبل، والحامي اللبق، ومَن تسمع تضرعاته، واللطيف مع العصبي (أي: البارد الحامي)، ومَن يتدخل لأجل ما يفعل على حسب تصميماته، ومَن لا ينسى العدل، ومَن يفهم القلب، ومَن يعرف ما في النفس دون أن يخرج شيء من الشفتين، ومَن يتكلم على حسب ضميره، ولا يوجد إنسان لم يكن قد عرفه، ومَن يولي وجهه لمَن يتكلَّم الصدق، وظهره لمَن يتكلَّم الكذب، ومَن يعمل السوء … رجل، ومَن لا يكون مهذبًا مع الثرثار؛ إذ يعارضه بعمل الحق، ومَن يقنع بعمل ما يرضى، ومَن لا يرفع مَن لا يعرف على مَن يعرف، ومَن يسير وراء الحق، ومَن يلتفت لسماع الشكايات، ومَن يحكم بين الرجلين فيُصلِح بينهما دون أن يكون محابيًا للكاذب، وإنه خلو من المحاباة، ومعطٍ صاحب الحق حقَّه، ومعاقب المجرم على جرمه، خادم الفقير، ووالد الأيتام، ومرشد مَن لا أب له، وأم الخائف، وسجن المتغطرس، وحامي المريض، والمنتقم لمَن حرم أملاكه ممَّن هو أقوى منه، وزوج الأرملة، وحامي اليتيم، وموضع راحة الباكي، والممدوح لعلمه، والمحترم بثناء الله عليه، وذلك لرفعته، ومَن يتمنى له كل القوم الصحة والعافية، الحاجب العظيم لقاعة المحاكمة … (إلخ ألقابه).
أنتف يؤكِّد صحةَ كلامه ويقدِّم تقريرًا عن حياته، فيقول: هذه هي صفاتي التي أحملها وليس فيها مين، وهذه هي محاسني حقًّا وليس فيها مبالغة، وليس في هذه الكلمات تمثيل مبالغ فيه عن نفسي بالكذب، ولكن يكون هذا صحيحًا لو كنت أتظاهر به وحسب، وهذه كانت وظائفي في بيت الفرعون له الحياة والعافية والصحة، وهذا هو ما قمتُ به في قاعة المحاكمة، وقلبي هو الذي حدا بي أن أفعلها، بإرشاده لي، وقد كان هو مرشدي الممتاز فلم أتخطَّ مقاله، وكنت أخشى أن أتعدَّى إرشاده، وقد أفلحت بسببه كثيرًا، وقد كنت ممتازًا بما جعلني أقوم به، وكنت ماهرًا بهديه … وإنه وحي من الإله الذي في جوف كل إنسان، وإنه ناصح قد أرشد إلى الطريق الطيبة للفلاح، تأمَّلْ! هكذا كنتُ.»

مكانة أنتف

ومن هذا النقش الذي جمع كل أعمال هذا الرجل العظيم، وما كانت تتطلبه وظيفة الحاجب الأول للفرعون، نلحظ أولًا ثقل أعباء هذه الوظيفة، إذا كان حقًّا كل ما نسبه إليها من مهام، يضاف إلى ذلك ما وصف به نفسه من صفات وأخلاق تضعه في المرتبة الأولى بين الموظفين الذين نقرأ عنهم الأقاصيص الخيالية؛ إذ في الواقع نجد أنه قد صور لنا الرجل العظيم لا الموظف العظيم، ولا غرابة إذن إذا كان «تحتمس الثالث» كان قد انتخبه ليكون في ركابه وحملاته، ووكَّل إليه أشقَّ مهمة، وهي الإشراف على شخصه والمحافظة عليه في البلاد النائية عن الوطن.

هذا وقد ترك لنا «أنتف» في قبره عدة مناظر معظمها مهشم، وأهمها منظر الأجانب يحملون الهدايا (راجع: Meyer, “Bericht uber eine Expedition nach Aegypten zur Erforschung der Darstellungen der Fremdvolker” p. 728-9)، وكذلك نساء أجانب (Ibid. 623)، وكذلك منظر أتان تلد، ومناظر لصيد الطيور والصيد في المستنقعات (راجع: Porter and Moss, “Bibliography”, I, p. 145).

(١٢-٩) أمو نزح حاجب الفرعون

كان «أمو نزح» حاجبًا آخَر للفرعون «تحتمس الثالث»، ويرجع تاريخ قبره إلى أواخر عهد هذا الفرعون، وقد ظهرت صورته في رسوم مقبرة «وسرحات» في «جبانة شيخ عبد القرنة» رقم ٥٦، ويظن الأثري «ديفز» أنه كان والد «وسرحات»، وأنه قد لاقى نفس المصير الذي لاقاه الوزير «رخ مي رع» معاصره، ومن المحتمل كذلك غيره ممَّن قدَّر عليهم سوء طالعهم أن يعيشوا في عهد «أمنحتب الثاني»؛ إذ نشاهد أن قبره قد اغتصبه «مري» الكاهن الأكبر للإله «آمون» ونسبه لنفسه، كما بنى قبرًا آخَر رقم ٩٥ (راجع: J. E. A. Vol. XXII. p. 96)، وقد خلَّدَ «وسرحات» ذكرى «أمو نزح» بذكره مرتين في نقوش قبره، ولكن بصورة مبهمة.

ألقاب أمو نزح

أما ألقاب «أمو نزح» فهي كالآتي: الأمير الوراثي، وحامل خاتم الوجه البحري، والسمير الوحيد، والقاضي، وحاكم المقاطعات، والمقرَّب الممتاز إلى رب الأرضين، وكاتب الملك، ومدير كل أعمال الفرعون، والقاضي رئيس «سششت» (دندرة)، وحاجب الفرعون الأول، والمشرف على قاعة المحاكمة، وتابع الفرعون في كل بلد أجنبي، والسمير العظيم الحب، والمشرف على قاعة المحاكمة في الوجه القبلي والوجه البحري، وحاجب الملك، ووالد الإله ومحبوبه، وعينا ملك الوجه القبلي وأذنا ملك الوجه البحري، والمشرف على مخازن غلال الوجهين القبلي والبحري (راجع: Urk. IV. p. 942–62)، وبوجه عام نجد في نقوش قبره كل الصفات التي كان يتصف بها «أنتف»؛ ممَّا يدل على أن حاجب الفرعون والمشرف على قاعة العدل كان يميز بنعوت خاصة.

الأهمية التاريخية لمناظر قبره

وقبر هذا العظيم قد لحق به التخريب والمحو بصورة مريعة كما ذكرنا، وعلى الرغم من ذلك يمكننا أن نستخلص منه أنه كان يحتوي على بعض مناظر جميلة، كما يوجد فيه لوحة تذكارية تحدِّثنا عن مطالبه الجنازية، وما ينتظره من زائر قبره من تلاوة الأدعية العادية التي نجدها شائعة في هذا العصر، بل وفي كل عصر من عصور التاريخ، ثم يتحدث إلينا عن ترجمته لنفسه فيقول إنه قد خدم الفرعون، وقبض على زمام إدارة وظيفته منذ السنة الخامسة عشرة، ثم يذكر لنا أنه كان يدير أعمال البناء والتعمير في عهد الفرعون، فكان يفتش على «مبنًى» أقامه الملك لوالده «آمون»، وكذلك على إقامة مسلات عظيمة أقامها الملك «لآمون»، وكذلك على إقامة بوابة عظيمة لها برجان من الجرانيت (؟)، وغير ذلك ممَّا لا يمكن ذكره على وجه التحقيق لتهشم الحجر (راجع: Urk. IV. p. 940). كما عُثِر له على لوحة أخرى في قبره دوَّنَ عليها أنشودتين للإله «رع»، يقول في نهاية الأخيرة منهما: إنه كان يتبع سيده في كل خطوة، وإنه لم يرتكب أيَّ ذنب في كل أعماله، وأنه كان مخلص القلب لسيده، وأنه سليم القلب، سليم الفم، سليم اليد (راجع: Ibid. p. 944).
مناظر جزية سوريا وبلاد السودان: وأهم ما يسترعي النظر في قبره منظر إحضار الجزية من الشمال (أي: من سوريا)، ثم منظر إحضار الجزية من الجنوب، أي من بلاد «كوش»، ويرجع الفضل في شرح هذين المنظرين إلى ديفز (راجع: J. E. A. Vol. XXVII p. 96).
وقد كتب على المنظر الأول ما يأتي: «ظهور الفرعون الرسمي على العرش العظيم في قصر «هليوبوليس» بالوجه القبلي، وقد كان قلبه ساميًا جدًّا بالقوة والنصر، وعندئذٍ أحضر الناس الجزية لسلطان جلالته من بلاد «رتنو» الخاسئة، لأجل والده «آمون رع» الذي خلقه وكوَّن رهبته ووضع تاج الصل (محنت) على رأسه مخلدًا، والتاسوع الإلهي يصحبونه، والأراضي الجنوبية تحمل قربانها، والأرض الشمالية محملة إلى أقصى حد قد أحضروا له بوساطة … «أمو نزح».» (راجع: Urk. IV. p. 951) وهذا المتن قد وضع فوق صورة «أمو نزح»، ويتبعه أهل «سوريا» يحملون الهدايا، وقد ظهروا بصورهم العادية، وفسر مجيئهم بالنقش التالي: «وصول رؤساء «رتنو» في سلام … بخضوع وطاعة.» ويُلحَظ أن واحدًا كان يحمل آنية مزيَّنة بعنقود رمان وضفدعة، وقد كتب عليها: «آنية من الذهب»، وآخَر يحمل آنية أخرى زرقاء اللون، وثالثًا يجر عربة، ورابعًا يحضر قوسًا وكنانة وسيفًا، وخامسًا يقود جوادًا. كما يُشاهَد واحد منهم يحمل آنية من اللازورد، وكذلك يُشاهَد في نفس المنظر رئيس «رتنو» وأتباعه يقدِّمون للفرعون آنية جميلة، وقد ركعوا أمام جلالته، ويقول عنهم المتن: «أمير النهرين ينبطح على الأرض عندما كان يقدم الثناء لجلالته، وذلك بسبب عظمة قوته في كل بلاد الشمال.» وقد أحضر هذا الأمير وجماعته قوالب لازورد وخنجرًا وبخورًا، وآنية من الفضة، ونسيجًا من الكتان، وغير ذلك من الهدايا الفاخرة، غير أن أهم شيء يلفت النظر في هذا المنظر إهداء دب قد رُسِم بدقة على جدران المقبرة، ولا غرابة في أن نرى حاجب الفرعون يرسم هذا المنظر على جدران قبره؛ لأنه كان من الضباط الذين لا يفارقون الفرعون في حملاته (راجع: J. E. A. Vol. XXVII p. 96).
أما المنظر الثاني الذي يظهر لنا فيه إحضار النوبيين الجزية، فقد كتب عليه العبارة التالية: «تقديم المديح لرب الأرضين، وتقبيل الأرض أمام الإله الطيب، المجيء من قبل رئيس «إتر» (مكان غير معروف موقعه) وجزيتهم على ظهورهم، والإهداء لجلالته.» أما الهدايا التي أُحضِرت فيُحتمَل أنها سلات مملوءة بالبخور، كما يُشاهَد قرد، وقائد هؤلاء القوم يقدِّم بكلتا يديه ذيل زرافة، وآخَر يقدِّم قطعة من خشب الأبانوس، وثالث يقدِّم سنَّ فيل وجلد فهد، كما يُشاهَد ضمن الهدايا زرافة، وكذلك زرافة وقرد يتسلَّق رقبتها، وهذا المنظر الأخير نشاهده في مقبرة «رخ مي رع»، كما سنرى بعدُ، والواقع أن بعض هذه المناظر كان تقليديًّا، وكذلك نرى ضمن الجزية سلات ملأى بحلقات الذهب وبيض النعام. ومما يلفت النظر هنا منظر تقديم هؤلاء القوم وأولادهم بمثابة جزية للفرعون، وقد كُتِب على هذا المنظر كله النقش التالي: «إحضار طرائف منتجات بلاد «كوش» الخاسئة من عاج وأبانوس، وكل أنواع الأحجار الثمينة (بوساطة رؤساء كل البلاد (؟))، وهم يقولون: ما أعظم سلطانك يا أيها الملك المظفر محبوب «آمون رع»، الذي وضعك على عرش «آتوم»! إنه قدم كل الأراضي وكل الممالك إلى المكان الذي أنت فيه، وإنهم يدخلون إلى جلالتك بجزية رأس السنة ويقولون … منخبر رع.» (راجع: J. E. A. Vol. XXVIII. p. 53)، ولا نزاع في أن الذي رسم هذا المنظر كان في ذهنه منظر جزية سنوية تُقدَّم للفرعون.

(١٢-١٠) مين نخت

كان «مين نخت» من أكبر رجال الدولة في عهد «تحتمس الثالث»، وهو والد «منخبر» كاتب الفرعون نفسه، وقد كان «مين نخت» يحمل ألقابًا عالية بعضها ألقاب شرف، وبعضها وظائف حكومية، وهي كما يأتي: الأمير الوراثي، والمقرب العظيم لدى رب الأرضين، والممدوح من الإله الطيب، ومدير المديرين في المدن والمقاطعات، والكاتب الملكي الحقيقي، ومحبوبه، والمشرف على مخازن الغلال في القطرين، والمشرف على كهف النبيذ، والمشرف على الجزء الشمالي من مخازن غلال «آمون»، ورئيس عبيد «آمون»، والمشرف على مخازن مأكولات «آمون»، ومدير بيت «آمون»، والمشرف على جياد رب الأرضين، والمشرف على المطبخ العظيم، وحامل خاتم «آمون»، وحامل خاتم ملك الوجه البحري، والسمير الوحيد، والقاضي، وعينا الفرعون في مدن الجنوب، وأذنا الملك في مقاطعات أرض الشمال (الدلتا)، والمشرف على مخازن الغلال الذي يحسب غلة الوجه القبلي والوجه البحري، والمشرف على المخازن العظيمة للملك في الوجه القبلي والوجه البحري، والمشرف على مخازن الغلال لأرض الفيضان في الأرضين (راجع: Urk. IV. p. 1177–1190).

والظاهر أن «مين نخت» بعدما عدَّد ألقابه شعر بأنه قد بالَغَ فيها، فقال في نهايتها: «إنه لم يَقُلْ كذبًا ولم يفعل ضرًّا.»

مناظر قبره

وممَّا يُؤسَف له أنه لم يترك لنا في قبره مناظر تحدِّثنا عن نشاطه في مختلف وظائفه هذه، وقد نحته في جبانة شيخ عبد القرنة (رقم ٨٧)، ويحتوي على وليمة عادية ورسم الشعائر الجنازية والاحتفال بها، وحديقة غنَّاء وُضِع فيها كل ما لذَّ وطاب من المأكولات (راجع: Wresznski, “Atlas” Pl. 278)، وقد نحت لنفسه محرابين في السلسلة الغربية، كما جاء ذكره في نقوش ابنه وخلفه «منخبر»؛ إذ قد ذكره بلقب القاضي، وكاتب الملك، ومدير مخازن الغلال في القطرين المرحوم «مين نخت».

(١٢-١١) «سن نفر»

قبر هذا العظيم في «جبانة شيخ عبد القرنة» (رقم ٩٩)، وقد كان من عظماء رجال عهد «تحتمس الثالث»، وكان يحمل الألقاب التالية: الحاكم الوراثي، والذي يضم الأرضين لرب القصر، والمشرف على كهنة الإلهين «سبك» و«أنوبيس»، والمشرف على أرض «آمون» الزراعية، وحامل خاتم ملك الوجه البحري، والسمير الوحيد، والمشرف على بلاد الذهب التابعة للإله «آمون»، والمشرف على ما له قرن، وحامل الخاتم (المشرف على الخاتم)، والمشرف على الآلاف من كل شيء (القربان)، ومدير عيد «أتوم»، والمشرف على كل كهنة الآلهة جميعًا، وفم ملك الوجه القبلي، وأذنا ملك الوجه البحري، وحاجب الملك، والمشرف على ما له قرن وما له حافر، والمشرف على ما له ريش، وعلى المعادن، ورئيس كل الأحجار الثمينة، والمشرف على كهنة الإله «آتوم»، ومدير عيد كل آلهة «هليوبوليس»، والرئيس الأعظم لسمار القصر الملكي، والمشرف على الأراضي المنزرعة للإله «آمون» (راجع: Urk. IV. p. 529–542).

رحلة «سن نفر» إلى بلاد لبنان

والظاهر أن أهم عمل قام به هذا الموظف العظيم هو رحلته إلى بلاد «لبنان» لإحضار خشب الأرز من جبالها؛ لتصنع عمدًا لنصب الأعلام في معبد الإله «آمون» في «الكرنك»، وقد رسم منظر هذه الرحلة على جدران مزار قبره؛ إذ نقرأ فيها نصَّ الأمر الملكي للذهاب إلى بلاد «لبنان»، ثم نراه يعود منها ومعه جنوده وأناس لا يمكن تمييزهم الآن، وقد أحضرهم بمثابة غنائم، وكذلك معه عمد الأعلام، وكانت تُجَرُّ على زحافات، ثم يقدم للفرعون تقريره عن هذه الرحلة الميمونة (راجع: Urk. IV. p. 531–536)، ومما يُلحَظ هنا أن «سن نفر» كان يحمل لقب حامل خاتم ملك الوجه البحري، وقد كانت العادة أن يرسل الفرعون مَن يحمل هذا اللقب في بعوثه إلى الخارج، وذلك منذ الدولة الوسطى، وقد ترك لنا «سن نفر» غير ترجمته عن نفسه بعضَ مناظر طريفة على جدران قبره غير ما ذكرنا، منها منظر يتسلَّم فيه أشياء طريفة غالية لخزانة الفرعون، كالذهب والأحجار الثمينة (راجع: Urk. IV. p. 536)، كما نشاهد منظر تسلُّمه الثيران التي غنمها الفرعون في حروبه، وكذلك نراه يفتش على الأثاث الجنازي الذي أهداه له الفرعون، والتماثيل المصنوعة من الأحجار الغالية التي قدَّمها لمعبد «آمون»، وأخيرًا نشاهد «سن نفر» وهو يتقبل هدية رأس السنة من ذويه، وبخاصة زوجه وأولاده وصناعه، وله تمثال في المتحف المصري نُقِشت عليه الصيغة الدينية ومناقبه وألقابه، كما وُجِد له نقشٌ على مدخل معبد «سرابة الخادم»، ويرى فيه «تحتمس الثالث» ممثَّلًا أمام «حتحور» ربة أرض الفيروزج، وفي هذا النقش كان فرد آخَر اسمه «كننا» يحمل لقب «مدير البيت العظيم للملك» (راجع: Urk. IV. p. 548).

(١٢-١٢) «آمون مس» كاتب بيت المال

كان كاتب بيت المال للإله «آمون»، وقبره في «جبانة شيخ عبد القرنة» رقم ٢٢٨ (راجع: Gardiner and Weigall, “Catalogue” No. 228)، والظاهر أنه كان في خدمة «أمنحتب الثاني» أيضًا.

(١٢-١٣) أمنمحاب مدير بيت الفرعون

كان «أمنمحاب» هذا مدير بيت الفرعون «تحتمس الثالث»، والمشرف على ماشية الملكة «نفر تاري» العائشة، و«نفر تاري» هذه يُحتمَل أنها بنت «تحتمس الثالث»، وهذا الموظف معروف لدينا من تمثالٍ عُثِر عليه في خبيئة الكرنك، وهو الآن بالمتحف المصري (Legrain, “Statues” No. 2412).

(١٢-١٤) «آمون أرى نفر» المشرف على المخازن

كان يحمل لقب المشرف على المخازن، وله قبر مزين في «الخوخة» ﺑ «طيبة الغربية» (رقم ١٩٩)، غير أنه قد هشم ولا يمكن دخوله الآن (راجع: Porter & Moss, “Bibliography”, I, p. 153).

(١٢-١٥) «أمنمحات» وكيل آمون

وكان يُلقَّب «وكيل آمون» وله قبر جميل في «جبانة شيخ عبد القرنة»، ويحتوي على عدة مناظر طريفة أهمها منظر وليمة (راجع: Porter & Moss, Ibid, p. 85) يُشاهَد فيها الرجال جالسين على كراسي، أما النساء فيجلسن على حصير، ويلحظ هنا خادم مُمسِك برأس ضيف لعبت به بنت الحان فيفرغ ما في جوفه، ويُشاهَد كذلك نساء يعزفن على آلات الطرب، كما يُشاهَد أخريات يرقصن بالصاجات، ويلفت النظر راقصة تقوم بألعاب بهلوانية مدهشة كالتي نراها في هذه الأيام، ومن المناظر الطريفة منظر تذرية القمح بالأيدي؛ حيث نجد رجلين يذريان التبن الذي يحتوي على الحبوب، فتفصل الحبوب عن التبن، ويُشاهَد رجل يكنس القمح الذي يتناثر على الأرض فيجمعه إلى بعضه. هذا ونرى في منظر آخَر طحن الغلة بطريقتين: إحداهما بوضع الحب في هاون عالٍ وهرسه بمدقة في يد امرأة تعمل وهي واقفة، أما الطريقة الثانية فتشمل على حجر طاحون عالٍ تطحن عليه حيزبونة واقفة وقد تدلى ثدياها، وتلبس قبعة لها طرفان، وذلك على خلاف الطريقة العادية.

(١٢-١٦) «أمنمحات» حاكم بيت تحتمس الأول

وقد عُثِر على لوحة في «هليوبوليس»، وقد ظهر في أعلاها «تحتمس الثالث» يقدِّم خمرًا للإله «آمون رع»، ممَّا يدل على أن هذا الموظف كان عائشًا في عهد هذا الفرعون (راجع: L. D. III. Pl. 29c).

(١٢-١٧) «أنتف» كاتب المجندين

كان يُلقَّب كاتب المجندين في عهد «تحتمس الثالث»، وقبره في «شيخ عبد القرنة رقم ١٦٤» (Gardiner and Weigall, “Catalogue”, No. 164).

(١٢-١٨) «بري» الكاتب

كان هذا الموظف يحمل لقب كاتب فقط، وقد كشف عن قبره في «الرقة»، وعثر فيه على بعض حلي جميلة من الذهب تحتوي على خواتم للشعر (؟) وقلادة من الذهب تنتهي بجعارين، ويتدلى منها لوحة صغيرة من الذهب كتب على أحد جانبيها لقب «تحتمس الثالث»، وعلى الجانب الآخَر اسم «بري» ولقبه، كما وُجِد سمطان من حبات الكرنلين وثلاثة جعارين، واحد منها من اللازورد، وكذلك عُثِر على مكحلة من حجر ستياتيت في صورة قرد يقبض على إناء، ومرآة من النحاس، وطبق من المرمر (Engelbach, “Riqqeh and Memphis”, p. 15, Pls. I, 6–12; XI, 3).

أهمية محتويات قبره

ولا نزاع في أن محتويات هذا القبر تضع أمامنا صورةً ناطقة عن الثراء والغنى والبذخ الذي كانت تنعم فيه البلاد في هذا العصر، وبخاصة إذا علمنا أن هذه الأشياء قد وُجِدت في مقبرة موظف صغير يحمل لقب كاتب وحسب.

(١٢-١٩) «باثا» المشرف على الماشية

كان «باثا» هذا المشرف على الماشية (Legrain, “Repertoire”, No. 162, & A. S. VII. p. 134)، وقد وُجِد اسمه ولقبه على جزء من تمثال قدَّمَه له ابنه «عنخف نيسو» الذي كان يحمل لقب «مطهر الإله آمون»، وقد عُثِر على بقايا هذا التمثال في خرائب معبد «تحتمس الثالث» الجنازي.

(١٢-٢٠) «بتاحمس» الوزير

كان «بتاحمس» هذا يحمل لقب الوزير، كما كان يحمل الألقاب التالية: الأمير الوراثي، وكبير القضاة، والمشرف على محاكم العدل الست العظيمة، وفم «نخن»، وكبير كهنة الإلهة «ماعت»، ووالد الإله، ومحبوب الإله (A. S. Vol. VII. p. 130).

وقد عُثِر على لوحة في معبد «تحتمس الثالث» الجنازي المسمى «المعطي الحياة»، وقد كُتِب عليه اسم هذا الفرعون، ولما كان الوزراء الطيبون الذين في عهده معروفين لنا، فإنه من المحتمل جدًّا أن «بتاحمس» هذا كان وزير الوجه البحري، وقد عُثِر له على جعارين تحمل لقب «والد الإله» والوزير.

(١٢-٢١) «بتاحمس» حامل الخاتم

ولدينا موظف كبير آخَر بهذا الاسم كان يُنادَى بالألقاب التالية: الأمير الوراثي، وحامل خاتم الوجه البحري، والكاهن «سم» (أي: الكاهن الأعظم في «منف»)، والمدير العظيم للصناع (أي: الكاهن الأكبر لمعبد الإله «بتاح» في «منف»)، وهذه الألقاب وُجِدت منقوشة على محراب في «العرابة» (Roeder, “Naos”, Catalogue General No. 700038).

(١٢-٢٢) «مني»

عُثِر لهذا الموظف على نقش في الصخور القائمة على الطريق بين أسوان و«فيلة»، ويُشاهَد عليها «مني» وهو يتعبد أمام طغراء «تحتمس الثالث»، وألقابه هي: الأمير الوراثي والعظيم في بيت الفرعون، والمشرف على كهنة الإله «أنحور» (راجع: De Morgan, “Cat. Monuments”, p. 28; Porter & Moss, “Bibliography”, V. p. 246).

(١٢-٢٣) «معي» المشرف على الكهنة

وُجِد لهذا الموظف الكبير تمثال في «أخميم»، وهو الآن بمتحف «برلين» ويحمل الألقاب التالية: الأمير الوراثي، وسمير الفرعون، والمشرف على الكهنة (راجع: Schafer, “Agyptische Inschriften zu Museen Berlin”, II. p. 25-26).

(١٢-٢٤) «منتو إيوي» ساقي الفرعون

كان هذا الموظف يحمل لقب «ساقي الفرعون»، وطفل الرضاعة (راجع: Porter and Moss, “Bibliography” I, p. 149)، وقبره في «الخوخة» يحمل رقم ١٧٢؛ وقد صُوِّر فيه وهو يصطاد حيوان الصحراء منها النعام والثعالب، وكذلك نشاهده وهو يصطاد مع أسرته السمك والطيور، وقد رسم كذلك في هذا القبر منظر لجني العنب وعمل النبيذ، غير أنه لم يتم، وفي هذا المنظر نشاهد مائدة قربان قد كدسب عليها القرابين للإلهة «رنوتت» إلهة الحصاد التي مُثِّلت في صورة ثعبان (راجع: Wreszinski, “Atlas” Pl. 353–5).

(١٢-٢٥) «نفرحبو» طحان آمون

كان هذا الرجل يعمل طحانًا للإله «آمون» وطحان شعير وقمح، وليس لهذا الموظف إلا لوحة عثر عليها في «شيخ عبد القرنة»، وهي الآن بالمتحف المصري (راجع: Lacau, “Steles du Nouvel Empire”, No. 34035 Pl. XXIII)، والجزء الأعلى منها قد مُثل عليه «تحتمس الثالث» على عرشه أمام «أوزير» و«أنوبيس» والإلهة «أمنتت» إلهة الغرب، وفي الجزء الأسفل نشاهد صاحب اللوحة يتعبَّد هو وزوجه وبنتاه لهذه الإلهة طبعًا.

(١٢-٢٦) «نفربرت» ساقي الفرعون

كان «نفربرت» يُلقَّب ساقي الفرعون بيدين طاهرتين، وتابع الفرعون في كل أرض أجنبية، وهذا اللقب الأخير يفسر لنا أن هذا الموظف كان من المقربين جدًّا للفرعون، وبخاصة أنه كان ساقيه الخاص على ما يظهر (راجع: Legrain, “Statues” No. 42121).

(١٢-٢٧) «نفر-رنبت» المسمى كذلك «قفي»

(؟) هذا الموظف له قبر في «ذراع أبو النجا»، وكان يُلقَّب صائغًا وحفار تماثيل.

(١٢-٢٨) «نب وعي» مدير بيت الإله أوزير

نعرف من لوحة هذا الرجل التي عُثِر عليها في «العربة» أنه كان يُلقَّب مدير بيت الإله «أوزير»، والكاهن الأكبر للإله «أوزير»، ويلحظ أن الجزء الأعظم من هذه اللوحة قد خُصِّص لمنظر مزدوج مُثِّل فيه الفرعون «تحتمس الثالث» ينصب العمود المقدس للإلهة «حتحور» الذي يعلوه رأسها لابسة تاجها (Lacau, Ibid, No. 34017, Pl. XI).

(١٢-٢٩) «نخت» مدير الغلال

وُجِد تمثال «لنخت» هذا في «خبيئة الكرنك»، ويحمل الألقاب التالية: الممتاز عند ملك الوجه القبلي، والصادق عند ملك الوجه البحري، وسيد السلام، ووكيل «جب»، ومدير الغلال (Legrain, ibid, p. 74. No. 42124).

(١٢-٣٠) «حبي»

كان «حبي» أحد كهنة معبد الفرعون «تحتمس الثالث» الجنازي يحمل لقب «مطهر آمون» في المعبد المسمَّى «المعطي الحياة» (راجع: A. S, I. p. 106).

(١٢-٣١) «خارو» حامل العلم

وُجِدت له لوحة محفوظة الآن «بمتحف اللوفر»، ويُلقَّب عليها بحامل العلم في السفينة «تحتمس مبيد الأعداء» (راجع: Lieblien, “Dict. Noms”, p. 196. No. 591).

(١٢-٣٢) «ساموت»

كان يشغل وظيفة المشرف على أعمال الإله «آمون رع» في «الكرنك»، وقبره في «ذراع أبو النجا» (راجع: Gardiner and Weigall, “Catalogue”, No. 142).

(١٢-٣٣) «سني مس» مربي الأمير «وزمس»

كان «سني مس» هذا مربيًا للأمير «وازمس» ابن الفرعون «تحتمس الأول»، وقد عُثِر له على لوحة في خرائب مزار هذا الأمير في «طيبة» الغربية، يُشاهَد على الجزء الأعلى منها الفرعون «تحتمس الثالث» يحرق البخور أمام تمثال «تحتمس الأول»، وخلفه تمثال صغير للأمير «وازمس» يحمل في يده زهرة البشنين، وفي الجزء الأسفل نقرأ وصية «سني مس» المؤرخة بالسنة الحادية والعشرين من عهد «تحتمس الثالث» لزوجه وأولاده الستة لأجل قربانه، وقد خُتِمت هذه الوصية في قاعة الوزير «وسر» في نفس اليوم الذي كُتِبت فيه، وهو اليوم الخامس والعشرون من فصل الزرع، الشهر الثالث في العام الواحد والعشرين من حكم «تحتمس الثالث» (راجع: Urk. IV. p. 1066 ff).

(١٢-٣٤) «كام حر إبسن»

كان يحمل الألقاب التالية: حامل خاتم الوجه البحري، والكاهن الثالث للإله «آمون»، وقبره في «شيخ عبد القرنة» رقم ٩٨، ويُشاهَد فيه مناظر يظهر فيها بنات المتوفى وزوجه يقدِّمن طاقات من الزهر له، والقبر لا يمكن دخوله الآن (راجع: L. D. (Text) III, p. 278; Porter and Moss, “Bibliography”, I. p. 128).

(١٢-٣٥) «دديا» المشرف على كتاب مباني آمون

عُثِر لهذا الموظف العظيم على تمثال في «خبيئة الكرنك»، وقد نُقِش عليه الألقاب التالية: المشرف على كتاب مباني «آمون»، والمشرف على كتاب «آمون» و«موت» و«خنسو» في «الكرنك» وفي «طيبة» (راجع: Legrain, ibid, No. 42122).

(١٢-٣٦) «ددي» رئيس الشرطة

كان «ددي» رئيس شرطة المازوي١٤٩ في عهد «تحتمس الثالث»، وبقي يشغل هذه الوظيفة في عهد ابنه «أمنحتب الثاني»، قد عُثِر على قبره في «جبانه شيخ عبد القرنة» في «الخوخة»، وكان يحمل النعوت والألقاب التالية: المحبوب من رب الأرضين، والمشرف على الصحراء الواقعة في غربي «طيبة»، رئيس فرقة الفرعون، له الحياة والسعادة والصحة، وحامل العلم لفرقة الفرعون، ورسول الفرعون في كل البلاد الأجنبية، والذي يملأ قلب سيد الأرضين، وبطل جيشه، والمهدئ الأرض قاطبةً، والضابط البحري للسفينة «آمون مري».
وفي قبره منظر (مهشم الآن) يُرَى فيه الفرعونان «تحتمس الثالث» و«أمنحتب الثاني» جالسين في محراب، وكذلك فيه مناظر أخرى يظهر فيها جنود يحملون أعلامًا، هذا إلى أنه هو وأسرته يصطادون الطيور والسمك، كما يُشاهَد فيه منظر حفل فتح الفم المشهور (راجع: Porter & Moss. “Bibliography”, I. p. 153; Champollion. “Notices” p. 528; Urkunden. IV, p. 995 ff).

(١٢-٣٧) «تحتمس» ساقي الملك

وقبره في الخوخة (راجع: Gardiner and Weigall, “Catalogue”, No. 205).

(١٢-٣٨) «تاي» المشرف على الخزانة

عُثِر لهذا الموظف الكبير على لوحة في «سرابة الخادم»، وقد ظهر عليها يحرق البخور خلف «تحتمس الثالث» الذي كان يقدم الماء البارد للإلهة «حتحور» ربة الفيروزج، ويحمل الألقاب التالية: الأمير الوراثي، وحامل خاتم ملك الوجه البحري، والسمير الوحيد والمشرف على الخزانة (راجع: Gardiner & Peet, “Sinai”, Pl. LXIV, No. 196).

(١٢-٣٩) الوزير «رخ-مي-رع»

قبره يمثِّل مدينة الأسرة الثامنة عشرة

تدل شواهد الأحوال كلها على أن الوزير «رخ مي رع» الذي عاصَرَ الفرعون «تحتمس الثالث»، وتقلَّد في عهده شئون وزارة الصعيد حتى وفاة ذلك العاهل، ثم استمرَّ في وظيفته مدة قصيرة في عهد «أمنحتب الثاني»، على أنه كان أعظم الوزراء الذين تربَّعوا على عرش هذا المنصب طوال عهد الأسرة الثامنة عشرة، ولا أدل على ذلك ممَّا تركه لنا من نقوش على جدران قبره الذي يُعَدُّ أفخم مقابر هذا العهد وأضخمها حجمًا؛ إذ لا نزاع في أنه يُعَدُّ سجلًّا سياسيًّا وأدبيًّا ودينيًّا وصناعيًّا واجتماعيًّا لهذا العهد الحافل بجسام الحوادث الخارجية والداخلية، وإنه ليكفي أن نقول هنا إن ما جاء على هذا القبر يضع أمامنا صورةً ناطقةً لا تحتاج إلى شرح أو بيان عن مدنية مصر في أزهى عصورها، من كل ناحية يريد بحثها المؤرخ، وهذه الصورة تمتاز بما تمثله أمامنا معنًى وحسًّا، فلا تترك للمؤرخ أن يحيد عن جادة الحق؛ إذ تمثِّل له كل صورة يتخيَّلها، وتمده بالنقوش التي توضحها، من أجل ذلك آثرنا أن نضع أمام القارئ ملخصًا مفصلًا بعض الشيء عمَّا جاء في نقوش هذا القبر معبِّرًا عن حياة «رخ مي رع» وحضارة العصر الذي عاش فيه.

ألقاب «رخ مي رع»

(أ) ألقابه الفخرية التقليدية

الأمير الوراثي، والحاكم المحلي، وحامل خاتم الوجه البحري، والسمير العظيم الحب، والسمير الذي يستطيع الاقتراب من شخص الفرعون، وأنبل السمار، ورئيس السمار، والمشرف على أعلى الوظائف، والوجيه (ساب)، والقاضي الأعظم، والنائب عن بلدة «نخن» (فم نخن)، والمشرف على الملابس الرسمية، وخادم «حور»، وتابع ملك الوجه البحري.

(ب) ألقابه الإدارية

عمدة المدينة (طيبة)، والوزير، ووزير المدينة الجنوبية، ووزير مقر الملك، وحاكم المقاطعات، والمشرف على بيتي الذهب وبيتي الفضة، ومَن تُوحَّد وتُضم بيوت الذهب وبيوت الفضة معًا تحت خاتمه، والمشرف على السجلات، ورئيس محاكم العدل الست العظيمة، والمراقب الأمين، والمراقب الأمين في الإدارة الملكية (وماهية هذه الوظيفة ترى حيث يُشاهَد «رخ مي رع» يختم الأشياء الطريفة) (راجع: Pl. LI)، ومدير أعمال «آمون» كلها في «الكرنك».

(ﺟ) ألقابه في إدارة أملاك آمون

مدير أعمال «آمون» كلها في «الكرنك»، والمشرف على الأعمال، والمشرف العام على صناعات «آمون»، والمشرف على الصناعات، والمشرف على مصانع «آمون»، ومدير بيت «آمون»، والكاتب الأول لقربان معبد «آمون».

(د) ألقابه الدينية

والد١٥٠ الإله ومحبوبه، وكاهن «ماعت» (وهذا اللقب رمزي؛ لأن الإلهة «ماعت» ولم يكن لها معبد، بل كان لقبًا معنويًّا فقط لإلهة العدالة)، وأعظم١٥١ الرائين في البيت العظيم، والكاهن «سم» (وهو لقب للكاهن الأعظم لمدينة «منف» والكاهن «سم» في بيت اللهيب)، وواضع خطة العمل للكهنة، ومرشد الكهنة المطهرين للقيام بواجباتهم، ومدير مائدة قربان … وواضع القوانين لمعابد الوجه القبلي والوجه البحري.

نعوت «رخ مي رع»

موضع ثقة «حور» سيد مصر، مَن يُؤتمَن ويتحدث إليه سرًّا، وثقة الملك؛ وثقة الفرعون في البلاد كلها، والثقة العظمى عند الملك، ومَن يرفع الصدق لمَن في القصر يوميًّا، والممدوح من الملك، والممدوح من القصر، والممدوح من الملك في القصر، ومَن يفعل ما يمدحه أصدقاء القصر، والممدوح في كل ساعة، وعينا الملك، وقلب الملك (له الحياة والفلاح والصحة)، وأذنا الملك، ومَن يرضي رب الأرضين بمشاريعه، ومَن يقضي بالعدل في القصر، وصاحب المكانة الممتازة في الحجرة الخاصة، وأخو ملك الوجه القبلي من الرضاعة، ومَن يكفل له سيد مصر معاشه، ومَن جعله ملك الوجه القبلي عظيمًا، ومَن شرفه ملك الوجه البحري، ومَن رفع مقامه ملك الأرضين، والمتقدِّم في منزلته، والمماثل للملك، وضارب مَن يضرب، والثور المنتقم، والضارب المتكلم عنه بسوء (أي: عن الملك)، والأول في الأرضين، ورئيس الأرضين قاطبة، عظيم العظماء، وأعظم مَن في الأرض، والمنصب على رأس القوم، والأول في نظر الشعب، والمراقب على الشئون الاجتماعية، والإداري اليَقِظ، ومَن رأسه غاية في اليقظة، ومَن يملأ المخازن، ومَن يملأ مخازن الغلال، والمحامي الذي يجلب الرضا للأرض قاطبة، ومَن يضع السنن لكل القضاة، والمتصرف في شئون العدالة لرب الأرضين يوميًّا، والقاضي المحايد، والقاضي بالعدل بين الفقير والغني، ومَن لا يبكي منه متظلم، ومَن يجعل المتخاصمَيْن ينصرفان راضيَيْن، ومَن يجعل الشاكين ينصرفون مطمئنين، والحازم في الفصل في الأحكام.

والمعلم الفعلي للحرف، ومرشد أصحاب الصناعات، ومَن يرشد الصانع في خطواته (؟)، ومَن يجعل كل إنسان يعرف واجبه، ومَن يجعل كل إنسان يعرف عمله المعتاد، ومَن يعلم كل إنسان الخطوات التي يجب أن يتخذها (في عمله)، ومَن يضع القواعد للمشرفين، والمدرب في أمور طوائف العمل، ومَن يعمل للهدف، ومَن يبني للأجيال المقبلة، ومَن يضع الوظائف في ترتيبها الصحيح، ومَن يطلب في كل لحظة لقيمته، والحاكم الذي ينشرح له القلب، ومَن يهب المحتاج، والممتاز لنفعه لمَن أحسن إليه، وصانع الجميل لمَن يصنع له، ومَن يدخل المحراب (أي: مثل الملك)، ومَن لا يخفي عنه الإله شيئًا، والعالم بكل شيء في السماء والأرض وفي كل مكان خفي في العالم السفلي، ومَن لا يكلُّ، والممتلئ كفاية، والماهر في عقد كل أنواع العصائب، والمنزَّه عن كل ضعف روحي، والمحبوب كثيرًا، ورب اللطف، والساحر برقته، والسامي في شهرته، والعالي في مكانته، والعظيم الاحترام، والكبير المنزلة، والثابت الخطوة، والمتمكِّن في الحب، والممدوح من الإله «نبري» (رب الحبوب)، والممدوح من «إنوتت» (ربة الحصاد)، والممدوح من «سخات حور» (حامية البقرات)، والممدوح من «أنوبيس»، والممدوح من «آمون»، وحبيب إلهة البطاح، وحليف إلهة صيد السمك، ومَن هو رابع مَن يفصل بين التوءمين (أي: الإله «تحوت» إله العلم والحساب والزمن والقضاء).

وهذه الوظائف والنعوت التي كان يشغلها أو يتحلَّى بها «رخ مي رع»؛ إذا صحَّ أنه كان يتولَّى القيام بأعبائها ويتصف بها حقيقةً، تدل على أنه كان يمتاز بنشاط يفوق نشاط البشر، وبعدالة وذكاء وحُسْن تدبير قلَّمَا نجد مثلها في تاريخ العالم، اللهم إلا الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله من بين عباده، والواقع أن المصري في كل عصور تاريخه كان يميل إلى الإغراق في الثناء على نفسه والتمدُّح بمميزاته، ولكن مع ذلك كله كان «رخ مي رع» رجلًا فذًّا في ذكائه وحُسْن تصريفه للأمور، وإلا لما اختاره أعظم الفراعنة وزيرًا له جل مدة حكمه، والظاهر أنه قد ورث هذه المقدرة عن أسرته الذين تربَّعَ عدد عظيم منهم على كرسي الوزارة؛ ولذلك سنتكلم أولًا عن تاريخ أسرته وما لها من ماضٍ عريق في المجد، كما صوَّرها لنا «رخ مي رع» نفسه على جدران قبره.

مقبرة «رخ مي رع» وزخرفها

يدلُّ ما وقفنا عليه من معلومات على أن «نفر-وبن» والد «رخ مي رع»، كان في أول أمره على ما يظهر كاهنًا متواضعًا من بين كهنة الإله «آمون» العديدين، وذلك على الرغم من أنه كان ابن الوزير «عامثو» (أحمس)، وهو الذي خلفه على كرسي الوزارة ابنه «آمون وسر» الذي يُسمَّى أحيانًا «وسر» فقط، والظاهر أن «نفر-وبن» كان يشغل وظيفة كاهن عندما انفتحت عينا ابنه الصغير «رخ مي رع» على عالم الوجود. وقد شاءت الصدف والأقدار معًا أنه عندما وقع بصره على مولوده الجديد، وهو في مهده، أن يناديه باسم «رخ مي رع» (= أي: العارف كالإله «رع»). ويشاء الحظ بإرادة الله أن يحقِّق المستقبل هذه التسمية في شخص هذا الطفل إلى حدٍّ ما؛ إذ إن «رخ مي رع» عندما وصل في منهاج حياته السياسية إلى قمة مجده، وهو في خدمة مليكه «تحتمس الثالث» نحت لنفسه مقبرة فاخرة في جبانة «شيخ عبد القرنة»، وقد كان من بين النعوت التي وصف نفسه بها في نقوش هذه المقبرة النعت التالي: «إنه محيط بكل شيء في السماء والأرض، وفي كهوف العالم السلفي.» وبذلك تحقَّقت نبوءة والده عندما سمَّاه «رخ مي رع»، أو العارف كالإله «رع».

وتدل النقوش على أنه كان وقت نحته لهذا القبر يقوم بمهام وزارة الصعيد، وقد قام بأعباء هذه الوظيفة في النصف الأخير من عهد «تحتمس الثالث»، وظلَّ يدبِّر شئون الملك حتى باكورة عهد «أمنحتب الثاني»، أيْ من حوالي عام ١٤٧٠ حتى ١٤٤٥ق.م تقريبًا، ومن الغريب أن آثار هذا الرجل الفذ لم تُذكَر في وثائق خارج قبره، اللهم إلا ما جاء على بعض قِطَع الاستراكا (الخزف) التي وُجِدت بالدير البحري، تحدَّثنا عن العمل الذي قام به خاصًّا بنقل أحجار معبد «زسر أخت»، وكذلك ما جاء على ورقة حساب محفوظة الآن في متحف «اللوفر» (راجع: Brugsch, “Thesaurus” p. 1099 & 1106)، وقد كان وقتئذٍ متربِّعًا على كرسي الوزارة، ومن أجل ذلك أصبح من الضروري لتقدير هذا الرجل تقديرًا صحيحًا أن نفحص النقوش والمناظر التي جاءت على جدران قبره فحصًا علميًّا دقيقًا، وبخاصة الوظائف السامية التي كان يشغلها في عهد «تحتمس الثالث» الذي يُعَدُّ أزهر العصور في تاريخ مصر، بل في تاريخ الشرق القديم أجمع.

وهذا القبر العظيم الذي حفظ لنا على جدرانه من النقوش أثر أعظم الوزراء المصريين، يحمل الآن رقم ١٠٠ في جبانة «شيخ عبد القرنة» ﺑ «طيبة الغربية». ولا نزاع في أن عظم حجمه واتساع رقعته وجمال صنعه ودقة فنِّه تبعث في النفوس حتى الآن، مع ما أصابه من تهديم وتخريب الهيبة والروعة.

والواقع أن نقوش المقبرة وما فيها من جمال فني، وما جاء عليها من المتون، تحدِّثنا عمَّا اتصف به هذا الوزير من رجولة، وما كان يحسه في أعماق نفسه من مبادئ سامية، ويقظته لكل صغيرة وكبيرة يحتِّمها عليه الواجب والوظيفة، ممَّا جعله نسيج وحده بين الوزراء المصريين السابقين واللاحقين، ومع ذلك فإن محاسن هذا القبر وما كانت تنطوي عليه نفس صاحبه من فضائل ومزايا فذة، لم تنجِ القبر ولا صاحبه مما أصابهما من أضرار جسام؛ فقد محا الخلف اسم الوزير وصوره، وصور معظم أولاده من كل أرجاء القبر، وهذا العمل العدائي وما انطوت عليه نفوس مرتكبيه من حقد وبغضاء كان بإيعاز من الفرعون «أمنحتب الثاني»، كما تدل على ذلك شواهد الأحوال وملابسات الحوادث، ولا نزاع في أن ما أصاب المقبرة من تشويه وما حاق بصور صاحبها عن إهانة ومحو؛ يُعَدُّ دليلًا على مقدار ما وصل إليه «رخ مي رع»١٥٢ من بسطة في الجاه وطول باع في السياسة والشهرة وحصافة الرأي، وتدل الأحوال كلها على أنه قد وُشِي بهذا الوزير عند مليكه الجديد «أمنحتب الثاني»، فأمر بارتكاب تلك الفعلة الشنعاء، وتلك سجية نعرفها في عتاة الملوك الذين لم تمكِّنهم تجاربهم ولا تقلُّبات الدهر وغِيَر الأيام من وزن الأمور بميزانها الصحيح، فيركبون رءوسهم لأية نميمة غير عابئين بما يخبئ لهم الغيب لما اقترفوه من آثام مع مَن أخلص لهم؛ ومن ثَمَّ فإنه يصبح من الجلي أمامنا أن المؤرخين الذين دوَّنوا تاريخ مصر كان يحدوهم روح التسامح عندما وضعوا تاريخ أمثال هؤلاء الملوك، وأن الأسر الملكية المصرية القديمة التي كانت تسقط من عليائها بين عشية وضحاها على أيدي مثل هؤلاء، كانت تستحقُّ ما حاق بها من سوء منقلب جزاءً وفاقًا على ما اقترفوه من عنف وظلم وعسف.

(أ) موقع قبر «رخ مي رع» وهندسته

نحت الوزير «رخ مي رع» قبره في منحدر الطريق الجبلي لتل «شيخ عبد القرنة»، وقد كان يرمي من نحته في هذه البقعة إلى الاستفادة من خلوها من المقابر؛ ولذلك زاد في رقعته بدرجة عظيمة جدًّا فاقت حد المعتاد في مثل هذه القبور التي كان ينحتها عظماء القوم في هذه الجبانة، ومن الغريب أن واجهته على الرغم من كبرها واتساعها وارتفاعها، لم تكن من الضخامة بمكانة تلفت النظر، وقاعته المحورية تمتد في داخل صخور التل إلى مسافة تربي على مائة قدم، وخارجة هذه القاعدة ضيقة بالنسبة لما هو مألوف، وتمتاز بسقف يرتفع عن رقعتها بحدة كلما امتدت في جوف الجبل؛ إذ يبلغ ارتفاعه أكثر من ثمانية أمتار عند نهايتها التي تتألَّف من كوَّة تبلغ أبعادها ستة أقدام طولًا في مثلها عمقًا.

أما مساحة هذه المقبرة فرحبة؛ إذ يبلغ عرضها نحو تسعة عشر مترًا، ورقعتها مسطحة منبسطة.

(ب) مناظر المقبرة

وتحتوي هذه المقبرة على حجرتين، إحداهما تمتد إلى أعماق التل كما ذكرنا، والثانية نُحِتت محاذيةً لواجهة المقبرة في الصخر من الشمال والجنوب، وجدران هاتين الحجرتين قد زُيِّنتا بمناظر ومتون هائلة، ويبلغ مسطح جدرانها حوالي أكثر من مائة وأربعين مترًا مربعًا، وقد غُطِي هذا السطح العظيم كما قلنا بمناظر بعضها مألوف معروف لنا، وبعضها فريد في بابه شيق مبتكر في موضوعاته، ولا يكاد يماثلها في صورة مصغرة إلا مقبرة الوزير «وسر» (أو «آمون وسر») الذي تحدَّثنا عنه آنفًا، وقد نظمت هذه المناظر على طريقة طريفة في هذه الجدران، فالجدران النهائية للحجرة الخارجية قد خُصِّصت للموضوعات الشخصية، فنشاهد على الجزء الجنوبي منها مثلًا أسماء الوظائف التي كان يقوم الوزير بأعبائها، كما نقرأ على الجزء الشمالي كذلك مشاهد من أعمال الوزير، هذا بالإضافة إلى أخرى توضِّح إشرافه على ضياع «آمون»، ومناظر تمثِّله في الصيد والقنص في الصحراء. أما النصف الخارجي من جدران الممر المحوري الطويل للحجرة الكبرى فقد حلي بالمناظر الدنيوية، فنشاهد على الجدران الجنوبية مناظر تمثِّل «رخ مي رع»، وهو يدير أملاك معبد «آمون»، وعلى الجدران الشمالية نشاهد مناظر تحدِّثنا عن مفاخر الوزير الرسمية، ويعقبها مباشَرةً منظر يمثِّل الحفل باعتلاء «أمنحتب الثاني» عرش الملك، وفي هذا يظهر للمؤرخ المحقق جليًّا تقلُّبات الحياة ومفاجآتها المنطوية على الغدر، وما في الصدور من علة وضغينة؛ إذ نرى على حين غفلة مناظر هذا القبر تأتي إلى نهاية مباغتة توحي إلينا بأن هذا الوزير العظيم، الذي طالما قاد سفينةَ البلاد إلى بر النجاة والفلاح، قد انقضت حياته الحكومية بنهاية مفجعة قاتمة.

أما الموضوعات الدينية والجنازية فكانت تحتل الأجزاء المرتفعة من رقعة جدران هذه الحجرة عند نهايتها، وتشمل طائفة عظيمة من المناظر التمثيلية الخاصة بشعائر الدفن، وما يتبعها من طقوس لإحياء المومية أو التمثال الذي يحل محلها (شعيرة فتح الفم).

ومما يسترعي النظر هنا أن اسم «رخ مي رع» قد أُزِيل جملةً من نقوش مقبرته، اللهم إلا ما كان بعيدًا عن متناول الذين كُلِّفوا بهذا العمل المشين، أما الحملة التي قام بها شيعة «أتون»، فكانت شاملة كاملة في ناحيتها، وقد كان عملهم منحصرًا في محو اسم «آمون» واسم الآلهة الآخرين، ثم اسم معبد «الكرنك»، ومحو رسم جلد الفهد الذي كان يرتديه الكاهن «سم»، وهو الذي كان يقوم بالدور الأعظم في تمثيل شعيرة «فتح الفم»، يضاف إلى ذلك ما حاق بالمقبرة من تخريب على أيدي الذين اتخذوها مسكنًا دنيويًّا لهم ولماشيتهم في عصرنا الحاضر حتى زمن قريب جدًّا.

تاريخ أسرة «رخ مي رع»

(راجع: Plates. IX, X.) دوَّنَ الوزير «رخ مي رع» كما فعل كبار الموظفين في هذا العهد سلسلةَ نسبِه على نهاية الجزء الشمالي من الحجرة الكبرى بصورة طريفة؛ إذ مثَّل أفراد أسرته جميعًا منذ جيلين مضيَا؛ وبذلك يستطع المؤرخ أن يتخذ هذه الصورة دليلًا على تسلسل وظيفة الوزير في عظماء أفرادها النابهين، والواقع أننا نجد أفراد الأسرة قد صُوِّروا جميعًا في حفل أسري، فنشاهد الوزير «آمون وسر» عم «رخ مي رع» نفسه قد اتخذ مكانةً علية تضارع المكانة التي كان يحتلها والد الوزير «رخ مي رع» نفسه، وتدل شواهد الأحوال على أن الابن الثاني للوزير «وسر» المسمى «سامنخت» كان هو الخلف المنتظر على كرسي الوزارة، وبخاصة إذا حكمنا عليه من الألقاب التي كان يحملها، غير أنه لسبب ما نرى أن الذي تقلَّدَ الوزارة هو ابن عمه «رخ مي رع».

ونشاهد على الجدار منظرين مُثِّل فيهما «رخ مي رع» وزوجه جالسين إلى مائدة قربان، كان يباركها أحد أبنائه الذي كان يقوم بدور الكاهن لوالده، وقد ارتدى جلد الفهد الدال على ذلك، غير أن هذين المنظرين قد مُحِيَا، وتدل النقوش المفسِّرة لهما على أن الابن الذي قام بهذا الدور في الصورة العليا كان يُسمَّى «منخبر رع سنب»، أما الذي في الصورة السفلى فكان يُدعَى «أمنحتب»، وكان الأول يشغل وظيفة كاتب جزية معبد الإله «آمون»، والثاني يتقلَّد وظيفة كاتب خزانة الإله «آمون».

أما أفراد الأسرة الذين مُثِّلوا في هذه الصورة فينقسمون أربع مجاميع وهي:

(١) أسرة «أحمس» (الذي كان يُسمَّى «عامثو» أيضًا)، وهو الذي كان متربِّعًا على كرسي الوزارة في باكورة حكم «تحتمس الثالث». (٢) أسرة ابنه الوزير وسر (وكان يُسمَّى آمون وسر أيضًا). (٣) أسرة ابن آخَر يُدعَى «نفر-وبن». (٤) ثم أسرة «رخ مي رع» وهو ابن «نفر-وبن».

وتدل البحوث الحديثة التي استقيت من ثلاث وثائق جديدة على أن «نفر-وبن» قد تربَّعَ على كرسي الوزارة، وبذلك يفسر لنا السبب في تولِّي «رخ مي رع» رياسة الوزارة، وهو أنه خلف والده في هذا المنصب (راجع: Capart, “Bulletin des Museés Royaux,” 1938, & Blackman J. E. A. IV. (1917) Pp. 41. & Dunham J. E. A. XV. (1929) p. 164).

ففي هذه الوثائق الثلاث لا نجد اللقب المتواضع الذي أعطاه «رخ مي رع» لوالده «نفر-وبن»، ونقرأ مكانه الألقاب التالية التي تدل على أنه كان وزيرًا: العمدة والوزير وغير ذلك من الألقاب التي كان يحملها ابنه «رخ مي رع». وإنه لمن البعيد جدًّا ألَّا يكون «نفر-وبن» هذا ابن «أحمس عامثو» ووالد «رخ مي رع»، وتدل شواهد الأحوال على أن لقب الوزير الذي كان يحمله «نفر-وبن» قد حُذِف بداهةً من مقبرة «رخ مي رع»؛ وذلك لأن تنصيبه في هذه الوظيفة كان على يد «حتشبسوت»، وقد ناهَضَ «تحتمس الثالث» اغتصابها السلطة الملكية؛ ولذلك كان يعدُّ كلَّ مَن تربَّعَ على كرسي الوزارة في عهدها كأن لم يكن، وقد حدث ذلك فعلًا مع الكاهن الأكبر «حبو سنب»، فإنه قد حرم عليه أن يذكر في نقوش قبره أنه كان وزيرًا في عهد «حتشبسوت»، ولم يكشف لنا حقيقة عن تولِّيه هذه الوظيفة إلا تمثال واحد، ومن المحتمل أن «نفر-وبن» قد عرف أن تماثيل معبده كان سيحافظ عليها كهنته الذين تعاقَدَ معهم على تأدية القربان لها، وأظن أن «عامثو» كان وزيرًا في عهد «حتشبسوت» ولكنها عزلته، وربما كان ذلك لمعارضته لها في ادعاءاتها العريضة المتطرفة، ونصبت بدلًا منه ابنه «نفر-وبن»، وقد أعاده «تحتمس الثالث» وهو في شيخوخته إلى وظيفته في الوزارة، ثم تولاها «آمون وسر» وهو ابن أخ آخَر بمثابة مساعد وخلف، وبدهي أن وراثة الوزارة في هذه الأسرة كانت منيعة الجانب متسلسلة فيهم.

(أ) أولاد «رخ مي رع»

ومما يُؤسَف له أن أسماء أولاد «رخ مي رع» قد مُحِيت، غير أنه قد بقي لنا من أسماء السيدات ما يمكننا من أن نحقق شخصياتهن بأنهن بنات «رخ مي رع»، ويدل ما لدينا على أن أسماء بناته على ما يظهر كانت كما يأتي: «تاخعت» و«موت نفرت» و«حنت تاوي»؛ غير أنه ليس من المستطاع أن نستخلص مما بقي لدينا من النقوش أسماءَ أولاده الذكور على وجه التأكيد غير الاثنين اللذين ذكرناهما فيما سبق، ويقومان بدور الكاهن لوالديهما إلا ما يأتي: «مري» المشرف على مصانع آمون، و«سنوسرت» الكاتب، ثم «قن آمون».

(ب) أفراد آخرون من الأسرة

ويُشاهَد في هذه الصورة فرد يُدعَى «بقي» ويُلقَّب: تابع الفرعون في كل الأراضي الأجنبية بموافقة الإله الطيب، والمشرف على بقرات «آمون»، وزوجه «آت»، وقد جلسا إلى جانب من الوليمة، ويحتمل جدًّا أنهما والِدَا السيدة «بت» أم الوزير «رخ مي رع».

حياة «رخ مي رع» كما دوَّنها عن نفسه

وقد ترك لنا هذا الوزير العظيم على الجدار الجنوبي الخلفي من القاع نص تاريخ حياته، وهو يحتوي كما جرت العادة والعرف في هذا العهد وما قبله على عناصر قليلة في صميم حياة الموظف الحقيقة، بل هي في الواقع عقود مدح كان يضفيها الموظف أو الشريف على نفسه في ألفاظ وجمل منمقة، وهاك ما نقشه «رخ مي رع» عن نفسه (راجع: Pls. XI, XII).
ألقابه: الأمير الوراثي، ومدير مديري البيت (البيت الملكي)، ورئيس الأسرار، والذي يدخل المحراب الخاص بالفرعون، ومَن لا يحجب عنه الإله شيئًا، ومَن يحيط بكل شيء في السماء وفي الأرض وفي أي مكان خفي في العالم السفلي، والكاهن سم في بيت اللهيب١٥٣ (أي: رئيس كهنة منف)، والكاهن «ورما» (الرائي الأعظم) في البيت العظيم … والمراقب حلل الأحفال كلها، وقاضي المحاكم العليا الست، ومدير كل ديوان للفرعون، وقد كان الفذ في نشاطه لمنفعة من نصبه، والمُصلِح في فصل المخاصمات، وهو أخو ملك الوجه القبلي من الرضاعة، وتابع ملك الوجه البحري وخادم حور … (وحور) في بيته، ومن تحت خاتمه اتحد بيتي الذهب وبيتي الفضة، ومدير بيت «آمون»، وعمدة المدينة والوزير «رخ مي رع»، يقول: «لقد كنتُ شريفًا بمثابة صنو الفرعون، وبمثابة رابع مَن فصل بين التوءمين (أي: على قدم المساواة مع تحوت والتوءمين وهما «حور» و«ست»)، وصاحب المكانة المقربة في الحجرة الخاصة، والممدوح في كل ساعة … وصاحب المقام الأول في نظر الشعب.»
ترقيته للوزارة: لقد كانت المرة الأولى التي طلبت فيها (أمام الفرعون)، في حين كان كل إخوتي بين الألف في الخارج (أي: بين الجموع المحتشدة خارج القصر الملكي) وخرجت … لابسًا حلة عيد (؟)، وقد ابتهج أهل بيتي، وعندما وصلت إلى مدخل باب القصر انحنى أمامي رجال الحاشية، ثم سرت ورجال الحاشية يفسحون أمامي الطريق … ولم تَعُدْ بعدُ قوتي كما كانت عليه من قبلُ؛ إذ تغيَّرَتْ حالتي التي كنتُ عليها بالأمس، وذلك منذ أن ظهرت في حلل الوزارة ورقيت إلى مرتبة كاهن الإلهة «ماعت» (إلهة العدالة والحق والصدق) … ومن ثَمَّ وقر مديحي والإشادة بذكري بين الصغير والكبير على السواء، وقد كان كل إنسان ينظر إليَّ كما ينظر إلى بريق الجدران المرصعة بالفيروزج (أي: وهو لابس حلة التشريفة).
مجلس مع الفرعون: وعندما انبثق فجر يوم ثانٍ وحلَّ الغد، دُعِيت ثانيةً إلى حضرة الإله الطيب الملك «منخبر رع» — ليته يعيش مخلدًا — وهو حور الثور المظفر والمشرف بفخار في طيبة. حقًّا إن جلالته عليم بما يجري، فلا يوجد شيء ما يجعله، فهو «تحوت» حقًّا؛ إذ لا يوجد موضوع ما قد أخطأ معرفته (وكل أمر …) فإنه يعرفه كما تعرفه سيدة الكتابة العظيمة جلالة سشات (إلهة الكتابة)، فهو الذي يخرج التصميم إلى حيِّز التنفيذ، فهو إذن كالإله الذي يأمر وينفذ (في الحال).
خطاب الفرعون لوزيره: وقد فاه جلالته بكلماته أمامي قائلًا: «تأمَّلْ أرسلتني عيناي إلى قلبي لأن جلالتي يعرف أن الأحكام التي يفصل فيها عدة، وأنه لا نهاية لها، وأن الفصل في القضايا لا ينقطع سببه، وليتك تعمل على حسب ما أقول؛ فعندئذٍ تأوي العدالة إلى مثواها.» ثم أغلظ في تحذيره إياي قائلًا: «سلِّحْ نفسك، وكن قويًّا في العمل، ولا تكل، وناهِض الشرَّ.»
رخ مي رع يتبع تعاليم الفرعون في إدارة البلاد: … وقد عملت على حسب ما أمر به، وقد وضع تحت سلطاني محكمة العدل، ولم يستطع أحد منهم أن يتغلَّب عليَّ، وبعد ذلك خرجت من عنده وعصاي على ظهري (يقصد أنه كان لا يزال في عنفوان الشباب ولم يتوكأ على عصا الشيخوخة)، ولم تطلق الكلاب بعدُ (أي: إنه كان لا يزال قويًّا)، وصوتي بلغ عنان السماء (علامة على القوة)، ولم يوجد واحد … ثائر، وقد هدأت المتبرم بما يرغب فيه ويجلب ما يمكن أن يرضيه، (وقد قال القوم) لي: تعال — هكذا قالوا — لإصلاح حالة الأرضين ثانيةً … وكنت أستيقظ مبكرًا كل يوم لتأديتها، وكنت قريبًا من الفرعون (؟) ورأيت شخصه في صورته الحقة، فهو «رع» رب السماء ملك الأرضين عندما يشرق، وقرص الشمس عندما يطلع، والأرض السوداء والأرض الحمراء يأتيان إلى مكانه، ورؤساؤهما ينحنون أمامه، وكل المصريين وكل أصحاب الرتب وكل عامة الشعب … مصوبين عصيهم نحو مَن يخاصمه، وقد كان اسمي ضاربًا للضارب فهو كالثور المنتقم (؟) الذي يضرب مَن يتكلم عنه بشر، وقد اتخذني عصًا ناطقةً تعاقِب الجموح … وميزانًا للأرضين قاطبةً، وحافظًا مستوى قلوبهم بالقسطاس المستقيم، أما الذين تذبذبت قلوبهم وأعوزتهم الاستقامة فإن سياج حور (الملك) قد أخضعهم (يقصد هنا نفسه)، وقد أصبح كل فرد مستقلًّا بالأحزان راضيًا … وقد كان فمي نطرونًا (أي: طاهرًا)، وقد كانت غلظتي بريئة على شفتي (أي: كانت غلظته عن طهر ونقاء سريرة).
علاقته بالفرعون: وكنت قلب سيد البلاد، وأذني الفرعون وعينه، والواقع أني كنت ربان سفينة، فلا أعرف النعاس ليلًا أو نهارًا، وسواء أكنت واقفًا أم جالسًا فإن قلبي كان متجهًا نحو أمراس السفينة في مقدمتها ومؤخرتها، وكان قضيب جس الماء لا يتراخى في يدي، فكنتُ بذلك يَقِظًا لأي فرصة قد تجنح فيها السفينة؛ وذلك لأن كل ملك للوجه القبلي والوجه البحري يُعتبَر إلهًا تعيش الناس بإرشاده، فهو والد وأم كل الناس، وهو وحيد بنفسه فذ؛ على أني لم أعطِ الشرَّ مجالًا حتى يجتاحني، ولم تحدث مصيبة بسبب إهمال مني.
«رخ مي رع» يتحدَّث عن إنجازه للأعمال وطهارة يده: إني أتحدَّث بفمي، وأجهر به، وعلى ذلك سيسمع الحكماء والآخرون لما أقول: وقد مجدت «ماعت» (العدالة) حتى عنان السماء، وجعلت جمالها يرسخ في عرض الأرض حتى تستطيع أن تأتي وتأوي إلى أنوف الناس، مثل النسيم عندما يخلص القلب والجسد من الحقد، وقد قضيت بين الفقير والغني بالقسطاس المستقيم، وخلصت الضعيف من القوي، ووقفت في وجه غضب الأحمق، وسحقت الجشع في ساعته؛ وقمعت حنق المهتاج في وقته، وكفكفت البكاء … وحميت الأرمل التي لا زوج لها، ونصبت الابن الوارث مكان والده، وأعنت الرجل المسن ما نحا إياه عصاي، وجعلت المرأة العجوز تقول: ما أطيبه من عمل! وكرهت الظلم ولم أرتكبه، جعلت أهل المين يغلون منكسي الرءوس، وكنت مبرأً أمام الله، ولم يَقُلْ أحدٌ عني ممَّن كانوا على علم: ماذا فعل؟ ولقد قضيت في الأمور الخطيرة … وجعلت الحزبين يخرجان من عندي متصالحين، ولم أشوِّه العدالة من أجل رشوة، ولم أكن أصم لفارغ اليد، لا بل كنتُ فضلًا عن ذلك لا أقبل رشوة أي إنسان … ليت قلوبكم تعمر حتى تعلموا أنتم أيها الناصحون الذين يفصلون في الخطابات، أنتم يا أيها الحكام العظماء في الأزمان الغابرة … مرحبًا أيها الرفاق، وأصغوا أنتم جميعًا. تأملوا، إني معكم وإنه ليس بمين، ولقد قال لي الملك: كُنْ يَقِظًا؛ لأنك معادل الإله (أي: الفرعون) … أغدق الثناء على جلالته حتى يهيئ لراحتك النجاح، ويجعل الأرضين تعملان له بإقامة العدالة، ولماذا يحثني على أن أعمل في حين أني راضٍ وقد أتمَّمْتُ ما أمر به، وقد قمت بإنجازه على إثر سماعه، وقد أصلحتُ كلَّ حالة … وكنتُ موضوع كل المحادثات مثل فرد سجن.
أعماله التأديبية: سواء أكنت واقفًا أم قاعدًا، فقد كانت عصاي على كتفي ضاربًا بها المهاجم؟ … وقد جعلت نفسي صيادًا ماهرًا بصير الخطا … فلم أتعثر على قطعة حجر … وقضيت على عصابات المؤامرات الليلية وصددت المعتدي … (وأبدت) المجرمين على الماء واليابسة، وكذلك مَن أجرم في حق سيده بقدمه أو أنفه جعلته ينكص على عقبه … ولم أكشف عن وجهي لمقترف الإثم، وألقيت الرعب في قلوب الجمهور، وعلمت الصبي الغريب واجبه، وضيقت على المساجين (؟)، وجعلت الثائر يعرف سقطته اليائسة، وقد كان أمر الفرعون في يدي لأنفذ أغراضه، ولم يقل أحد عني: ماذا فعل؟ (ربما يقصد بذلك أن أفعاله كانت منسوبة له شخصيًّا، ولكنها كانت معروفة بأنها أفعال الفرعون.)
ذكاء «رخ مي رع» وحكمته: ولقد كنتُ معلمًا بين أولئك الذين عرفوا الحرف (أي: إن علم «رخ مي رع» كان مفيدًا حتى لأولئك الذين على علم) … ولم يوجد مثلي في خلق السعادة أو التعاسة، وكذلك لم يوجد تصميم كنتُ أجهل كيفية تنفيذه، فقد كنتُ متضلعًا ومتفوقًا في (معرفة) الأشكال المتقنة والمؤثرة أو المعيبة العتيقة، وكنت فطنًا في العلوم كلها متأنيًا في النصيحة، مستعدًّا للإصغاء، وكنت ماهرًا في أحوال الماضي، وكانت حالة أمس تجعلني أعرف الغد.
بصيرة «رخ مي رع»: ولقد قضيت للشاكي، ولم أَمِلْ إلى جانب واحد في (في المحاكمة)، ولم أَعِر الرشوةَ أيَّ التفات، ولم أكن عبوسًا في وجه مَن أتى متظلمًا، ولم أصده بل احتملته في ساعة غضبه، وخلصت الرجل الخائف من الشرس.
الاعتراف بأن الله بصير بالعباد: اسمعوا أنتم يا مَن في الوجود، إن الله يعلم ما في الأنفس وكل ما فيها من أعضاء منشورة أمامه. تأملوا أنتم إن عيونه تبصر طبائع الناس في أكبادهم، وكل قلب ينضمُّ إليه من تلقاء نفسه.
استعانته بزملائه الموظفين: «ليت قلوبكم تفلح أنتم يا مَن في الوجود، ويا أيها الأفراد الذين هم على قيد الحياة، ويا كل كاتب ماهر في كتابته، ويا مَن سيقرأ في النصوص ويترجم بقلبه، ومَن يكون ذَرِب اللسان، صافي البصيرة، نافذًا في أعماق الكلمات، ومَن يكون قد هذَّبه معلم بما يجب أن يعمل، فيكون ذا أناة وصبر، شجاعًا في السؤال، وإنه لَرجل حكيم أيًّا كان مَن سيسمع ما تحدَّثَ به الأجداد الذين غبروا.»
الوزير «رخ مي رع» يطلب تدخُّل زملائه في تقديم القربان له: «إن آلهة مدنكم سيثنون عليكم» وكذلك ملك عصره في زمانكم، وإنكم ستسلمون وظائفكم لأبنائكم بعد حياة مديدة بدون أسف، وستصلون إلى مقابركم في الجبانة، ومَن سيعيش على الأرض سيشترك في جنازتكم، وستجرُّ بقرات «حسات» (توابيتكم)، وستروى طرقكم بلبانها، وستنضمون إلى حجرات دفنكم التي في الأبدية بمدينة الحق، وهي الأرض الصامتة، ولن يسقط اسمكم من فم لفم، وصوركم ستسعد هنالك بقدر ما تقولون قربانًا يقدِّمه الملك و«آمون رع» و«آتوم» و«شو» و«تفنت» و«جب» و«نوت» و«أوزير» و«حور» و«مخنتي أم إرتي» و«ست» و«إزيس» و«نفتيس» و«تحوت» وكيل «رع»، وبقدر ما تطلبون قربانًا لا تُحصَى، وكل أشياء طيبة لا عدَّ لها لتصعد إلى السماء، وتنفذ في العالم السفلي وسط النجوم السيارة، وليتهم (أي: هؤلاء الآلهة) يقدِّمون قربانًا من الطعام، يُوضَع على أوراق صاحب القلب المتعب «أوزير»، لأجل روح الأمير وحاكم المدينة «رخ مي رع» المرحوم.

تنصيب «رخ مي رع» وزيرًا للصعيد

  • الملك يستقبل «رخ مي رع»: يُشاهَد على النصف الجنوبي من الجدار الغربي من القاعة صورة الفرعون «تحتمس الثالث» وهو جالس على عرشه، وقد نقش معه الخطاب الطويل الذي وجَّهه لوزيره «رخ مي رع» عندما نصبه وزيرًا، وقد استعرض في هذا الخطاب السلطة التي خلعها عليه، وكذلك توكيله لاستقبال سفراء الدول الذين يحملون الهدايا إليه، ومن المحتمل أن هذا الحادث قد وقع عند الحفل بعيد «سد» في السنة الثالثة والثلاثين من حكم هذا الفرعون. وقد قلنا في الجزء الثالث من هذا الكتاب إن هذا الخطاب الذي كان يوجِّهه الفرعون إلى وزيره يرجع عهده إلى الأسرة الثانية عشرة، وقد أدلينا بالبراهين التي استندنا إليها في هذا الزعم (راجع ج٣).
    وفي المنظر الذي أمامنا في هذه المقبرة نشاهد مكانَ صورة «رخ مي رع» التي مُحِيت بيد أعدائه فيما بعدُ، وكان واقفًا أمام الفرعون، والظاهر أن وقفته في هذا المنظر كانت تشبه وقفه عمه «عامثو». وعلى أية حال فقد بقي لنا متن يلخِّص لنا الموقفَ والمنظر معًا (راجع: Pl. XIV)، وهو: التعاليم الرشيدة التي فرضت على الوزير «رخ مي رع» واجتماع المجلس في حضرة الفرعون له الثناء، وطلب الوزير المنصب حديثًا ليمثل أمام الفرعون.
    مهام الوزير التي وضعها الملك: «قال له جلالته: انظر إلى قاعة الوزير، وكُنْ يَقِظًا للقيام بكل الإجراءات فيها. تأمَّلْ، إن ذلك يعني توطيد حالة البلاد قاطبةً. تأمَّلْ، إن منصب الوزير ليس حلوًا قط بل إنه مر المذاق كالصبر. تأمَّل، إنه البرنز الذي يحيط بنضار بيت سيده. تأمَّلْ، إن القصد منه ألَّا يجعل لنفسه ولا لموظفي إدارته اعتبارًا ما، وألا يتخذ من الشعب عبيدًا. تأمَّلْ! إن كل ما يعمله الإنسان في بيت سيده هو أن يتحدَّث بما يرضى …»
    حب الشعب له: «تأمَّلْ، إذا حضرك شاك من الوجه القبلي أو الوجه البحري، أي: من البلاد قاطبةً، مستعدًّا للمحاكمة … لأجل سماع قضيته، فواجبك أن ترى كلَّ إجراء لازم لذلك قد اتخذ على حسب القانون، وأن يكون كل تصرُّف يتفق مع العرف الجاري … تأمَّلْ! عندما يكلف حاكم بسماع قضايا، عليك أن تجعلها علنيةً، وبذلك تجعل الماء والهواء ينقلان كلَّ ما عساه أن يفعل. تأمَّلْ، فإنه بذلك لن يبقى سلوكه خافيًا، وعلى ذلك إذا أتى أي أمر (غير مُرْضٍ) يُلام عليه، فيجب ألا ينصب ثانيةً بأمر من رئيسه، بل يجب أن يعلم الناس فعلته التي فعلها بواسطة القاضي الذي حاكمه، وعلى القاضي أن يشترك مع رئيسه في النطق بالحكم بالصيغة التالية: إنها ليست قضيةً لأصدر حكمي فيها، وإني أرسل الخصم ليتحاكم أمام الوزير أو أمام أيِّ موظف كبير، وبذلك لن يخفى على الناس ما فعله.»
    تمسُّكه بالقانون: «تأمَّلْ! إن التمسُّك بالمبادئ الأولى القانونية، فيه أمان للحاكم في تنفيذ التعليمات الجارية، وعلى ذلك فإن المدَّعِي الذي يحاكم يستطيع أن يقول: «ليس هناك عقبة لنيلي حقي.» تأمَّلْ! تأمَّلْ! إنها تعاليم ثابتة مثل قوانين «منف» ومثل النطق الملكي، ومثل صرامة الوزير، ومثل إصدار المرسومات؟ …»
    تحذير مُقتبَس من التاريخ: «تجنَّبْ ما نُسِب للوزير «خيتي»، فإنه قد ظلم في حكمه رجلًا من عترته لمصلحة آخَرين، وذلك خوفَ الاعتراض عليه ورَمْيه بالتحيُّز، وهو بفعلته هذه قد حابى الظالم؛ ولذلك لما قدَّمَ أحد الناس احتجاجًا على دعوى قد دبَّرها على أحد أقارب الوزير، سارت الدعوى في مجراها، ونجح في كسبها بسبب إجحاف الوزير، وهذا كان مبالغةً منه (أي: الوزير) في تنفيذ العدالة … فالمحاباة بغيضة عند الله، وهذا تعليم يجب أن تسير على سننه.»
    إرشادات في المعاملات: «يجب أن تراعي مَن تعرفه كما تراعي مَن لا تعرفه، وكذلك الفرد الذي يلتجئ إليك كالفرد البعيد عنك … فإذا سار حاكم على حسب هذه الطريقة فإنه سيصيب النجاح في هذه الإدارة، ولا تتخطَّ مدَّعيًا قبل أن تسمع شكايته، وإذا كان هناك خصم يريد أن يشكو إليك فلا … فالذي يقوله بكلمة، وإذا رفضت شكايته فعليك أن تجعله يسمع السبب الذي من أجله رفضتَ شكايته. تأمَّلْ! فإنه يقال إن المدَّعي يفضِّل سماعَ أقواله عن أن يفصل في القضية التي حضر من أجلها.»
    سلوك الوزير الشخصي: «لا تغضبن على رجال ظلمًا، بل اغضب على مَن يستحق الغضب عليه، ابعث الرهبة في نفسك حتى يخشاك الناس؛ لأن ذلكم الموظف الذي تخشاه الناس هو الموظف الحقيقي. تأمَّلْ! إن شهرة الموظف تنحصر في أن يفعل ما هو حق. تأمَّلْ! إن الرجل إذا بعث الخوف منه مرات عدة أكثر ممَّا يجب فقد يدعو ذلك إلى اتهام الناس له بعدم الاستقامة، ولن يقولوا عنه: «إنه رجل!» تأمَّلْ! إنه لكذب أن تقول: إن الموظف الذي يحرِّف الكَلِم عن مواضعه سيفلح على حسب ما أصاب من شهرة. تأمَّلْ! إنك ستصل إلى حيث يكون القيام بوظيفتك، وعملك ما هو حق سيان عندك. تأمَّلْ! إن المثل الأعلى هو أن تكون المعاملة الحقة هي الدعامة في نجاح الوزير. تأمَّلْ! إن عمله ينحصر في القيام بأداء الإشراف الدقيق؛ لأنه كاتب «ماعت» (إلهة العدل) وهكذا يقال عنه.»
    الوزير يعمل على حسب نظام: «والآن إن القاعة التي تسمع فيها القضايا تحتوي حجرة فسيحة الأرجاء، وفيها وثائق عن كل الأحكام القضائية، والرجل الذي سيقضي بالحق على رءوس الأشهاد كلهم هو الوزير. تأمَّلْ! إن الرجل حينما يكون قائمًا بمهام وظيفته يجب عليه أن يعمل على حسب التعليمات التي أعطيها، والرجل الذي يعمل طبقًا لما أمر به لا حرج عليه، فلا تتبعن هواك في أمور قد عرفت مبادئها القويمة. تأمَّلْ! إنه لمن سوء طالع الرجل المتهوِّر أن يفضِّل الرجل الرزين على الرجل المتهوِّر، فعليك إذن أن تعمل على حسب القوانين التي أعطيتها. تأمَّلْ! إن من واجبك بوصفك شريكًا في العمل أن توجِّه اهتمامك للأرض الزراعية، وذلك بوضع نظام محكم، فإذا اعترضتك صعاب عندما تقوم بتحقيق، فعليك أن تكلِّف المشرفين على الأراضي والمشرفين على «شنتو» وموظفي الأقاليم بدرس المسألة، وإذا كان الشخص الذي سيفحص المسألة موظفًا كبيرًا، فعليك أن تسأله ما الذي فعلته في الموضوع الذي أُسنِد إليك؟»
    وبعد ذلك الخطاب الرائع نشاهد الوزير خارجًا في موكب رسمي بعد هذه الجلسة من بين يدي الفرعون حاملًا عصًا طويلة، ويتقدَّمه حرس الشرف الذي كان يشمل ستة رجال، وقد كُتِب على هذا المنظر ما يأتي: «مغادرة عمدة المدينة والوزير «رخ مي رع» البلاط — له الثناء — حيث قد نال تقدير سيد القصر، كما وكل إليه أمر سياسة مصر وإدارة شئونها، وذلك على غرار ما عمل والده عمدة المدينة والوزير «عامثو».» يضاف إلى ذلك أن المتن الذي نُقِش فوق صورة ستة العظماء يفسِّر لنا أنهم كانوا يُفسِحون الطريق لرئيسهم الوزير عند مغادرته قاعة العرش، كما نفهم منه أيضًا أن ذلك هو نهاية منظر تنصيب الوزير، فاستمع إلى ما جاء فيه (Pl. XVI. 1–16) سمار الفرعون — له الحياة والسعادة والصحة — يخرجون أمام الوزير، والمديح يندفق منهم، ويغنون ابتهاجًا بالكلمات التالية: «يا أيها الحاكم صاحب الآثار الجميلة، يا «منخبر رع» يا مَن يثبت كل وظيفة ويمد المعابد بالقوانين والمبادئ الرشيدة من كل نوع وهو آمن على عرشه، يا مَن ينصب الأشراف في أماكن آبائهم، ليته يكرِّر الاحتفال بعيد «سد»، وليته يكون قائد القوم عائشًا مخلدًا.» وقد كان كل واحد من هؤلاء السمار يحمل غصنًا أخضر يانعًا إشارةً إلى الفرح والسرور.
  • رخ مي رع يستقبل جزية البلاد الأجنبية: وتدل النقوش على أن الوزير قد عقد جلسةً لاستقبال ممثِّلي البلاد الأجنبية، ويُحتمل أنها كانت رمزًا لتقلُّده كرسي رياسة الوزارة؛ إذ نشاهد «رخ مي رع» تتقدَّمه طائفة من الكَتَبة والخدم، ويفسِّر لنا جزء من المتن التابع لهذا المنظر أن الوزير كان يتسلَّم جزيةَ البلاد الجنوبية (راجع: Pl. XVI, 1–8) الخاضعة لمصر، هذا بالإضافة إلى جزية بلاد «بنت»، وبلاد «رتنو» (آسيا)، وكذلك هدايا بلاد الكفتيو (كريت)، هذا غير أسرى البلاد المختلفة الذين استولى عليهم الوزير لفخامة جلالة ملك مصر «منخبر رع» العائش مخلدًا.

    ونعلم من قائمة الإنعامات والوظائف أن الفرعون قد نصبه على رأس أتباعه وصيًّا على الأرض قاطبةً؛ لأنه أدَّى للمليك خدمات جليلة، على أن هؤلاء الوفود الأجانب قد لمسوا المنزلة السامية التي يتمتع بها «رخ مي رع» عند سيده.

    ولا نزاع في أن هذا المنظر الذي يقدِّم فيه أولئك الأقوام الأجانب خضوعهم لمصر واعترافهم بسيادتها يُعَدُّ من المناظر الهامة جدًّا، وعلى الرغم من أن هذا المنظر قد جمع بين أقوام الشمال والجنوب (أي: آسيا وبلاد السودان) في صورة واحدة، فإن ما حواه من أشكال ومعلومات جعلته يحتل مكانةً هامةً جدًّا، وبخاصة إذا علمنا أن أمثال هذه المشاهد كانت غريبةً نسبيًّا عن أعين المصريين في إبَّان الفتوح الأولى، وبخاصة قبل أن يختلط المصريون بهؤلاء الأقوام اختلاطًا تامًّا، كما حدث في الأزمان التي تلت العهد الذي نحن بصدده الآن.

  • العلاقات الخارجية: ونرى أمامنا في هذا المنظر من هؤلاء الأقوام اثنين يمثِّلان أهالي بلاد «بنت»، ثم يأتي بعدهما طراز من الناس يمثِّل ثقافة شمالي البحر الأبيض المتوسط، أي: بلاد كريت، وهذان الإقليمان بعيدان عن متناول الجيوش المصرية، ومع ذلك فإنهما كانا مدينين لمصر بما كان بينهما وبينها من تجارة رابحة رائجة، هذا فضلًا عن أشياء أخرى كثيرة غير ذلك، ومن ثَمَّ نعلم أن سكان هذين البلدين كانوا يعدون طبقة تختلف عن البلاد التي فتحتها مصر بحد السيف، وهما بلاد السودان والأقطار الآسيوية، وكان يجلب منهما الأسرى، ومن ذلك نعلم أن بلاد «بنت» وبلاد «كريت» كان يربطهما بمصر رابطة التجارة على وجه خاص، أما بلاد السودان والأقطار الآسيوية فكانت بلادًا تابعة لمصر، وخضعت لها بحد السيف، وكان لزامًا على أهلها أن يقدِّموا الجزيةَ طوعًا أو كرهًا.
  • بلاد بنت: لقد ذكرتُ في الجزء الثاني من هذا المؤلَّف كلَّ ما نعرفه عن بلاد «بنت»، وهو شيء ضئيل؛ إذ الواقع أن ما وصل إلينا عن ثقافتها يكاد يكون في حكم العدم، وذلك على الرغم من أن مصر كانت متصلةً بها منذ عهد الأسرة الخامسة، ولا بد أنها بلاد قد حمتها الطبيعة؛ إذ لا نجد ما يدل على ميل الأهالي للحروب، يضاف إلى ذلك أن البلدين كانا يشعران بقرابة بعيدة تصل بينهما، ممَّا جعل بلاد «بنت» مهيَّأة للتأثُّر بالنفوذ المصري، ولولا ما كان بين البلدين من بُعْد الشقة ووعورة المسالك لَأصبحت الروابط بينهما عظيمة جدًّا. وليس لدينا معلومات صريحة تحدِّثنا عن أن أهل «بنت» كانت لهم طرق تجارية بحرية، وإن كان ذلك من المحتمل؛ إذ نعلم من نقوش قبر رقم ١٤٣ في طيبة الغربية، أن بلاد «بنت» كانت لها سفن تجارة غريبة الشكل، ومن المحتمل أن هذه السفن الخشنة الصنع كانت ميزتها تنحصر في أنها تستطيع السير في الشواطئ المرجانية (Davies. M. M. A. XXX. (1935) Nov. II. p. 40–49).
  • هدايا بلاد بنت: ومن المعلوم أن أهم محصولات بلاد «بنت» الخاصة التي أغرت المصريين بالرحلات الخطرة إلى هذه الجهات؛ الصمغ الذكي الرائحة (عنتو)، وهو ما يمكن أن نطلق عليه اسم بلسم، دون أن نتعرف لاسم النبات الذي كان يُستخرَج منه، وقد كان أمل الملكة «حتشبسوت» أن تنقل هذا النبات الذي كان يُستخرَج منه هذا الصمغ إلى طيبة، وقد نقل فعلًا منه عدة شجرات.
    والظاهر أن مشروع توطينه في مصر لم يفلح تمامًا، غير أنه مع ذلك لم يهمل كليةً؛ إذ نجد نباتًا من هذه الفصيلة في قبر «رخ مي رع» (راجع: Paintrgs Pl. I.)، وقد كان يُجلَب هذا الصمغ إلى مصر في سلات، ويُكدَّس في أكوام أمام الكَتَبة، أو كان يُقدَّم في هيئة هرم أو مسلة تعظيمًا لمصر؛ وذلك لأن حبيباته الحمراء القاتمة تشبه إلى درجة كبيرة الجرانيت الأحمر. وكذلك من محصولات هذه البلاد الذهب، فنشاهد سلتين من هذا المعدن في هيئة حلقات، وفي سلة أخرى خواتم مطبوعة، ويوجد كذلك سلة مملوءة بمادة حمراء كُتِب عليه «حجر أسود» اسمه «كم كا»، وأخرى تحتوي على مادة بيضاء من المرجان (؟)، هذا إلى ثلاث سلات تحتوي وسطاها على مادة حمراء تُدعَى (خنت)، أما الأخريان فيضمان على ما يظهر بخورًا.
    أما المنتجات الأخرى فهي: الأبنوس، والعاج، وجلد الفهد، وزجاجة من الجلد، وريش نعام، وبيض نعام، وذيول زراف، وقلائد، وسيف من الخشب وهو السلاح القومي، هذا إلى حيوانات حية منها القردة والنسانيس والوعل وفهد (شيته) (راجع: Pl. XVII.)، أما الرجال الذي مثلوا في هذه الصورة من أهل «بنت»، فينقسمون قسمين، الأقلية منهم لهم لحًى طويلة حقيقية وشعور مرسلة بطولها الطبيعي، وقد لُفَّتْ بأشرطة بيضاء، وهذا الجنس هو نفس الجنس الذي نشاهده في رسوم حملة بلاد «بنت» التي رُسِمت على جدران معبد الدير البحري، أما القسم الثاني فيمثِّل الجنس الزنجي تقريبًا، وهو ذو شعر قصير مجعَّد، ويُحتمَل أن القسمين كانَا من الجنس الحامي الذي اختلط بالساميين، كما نشاهد الآن في بلاد الحبشة. وكلا الجنسين يلبس القميص القصير الذي يستر الوسط، وهو لباس يرتديه أقوام كثيرون، وذلك يرجع إلى بساطته على وجه عام، والمتن الذي نُقِش فوق هذا المنظر جميعه هو:

    وصول رؤساء «بنت» في سلام مطأطئين رءوسهم إلى مكان جلالته ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع»، ليته — يعيش مخلدًا — محضرين جزيتهم، وهي هدايا منوَّعة حسنة من بلادهم، وهي بلاد لم تطأها قدم أحد آخَر — وذلك بسبب عظيم قوته في كل بلادهم؛ لأن كل أرض خاضعة لجلالته. وقد كان «رخ مي رع» الأمير الوراثي هو الذي تسلَّمَ الجزية المختلفة الأنواع التي أُحضِرت لجلالته من كلِّ الأقطار بسبب انتصاراته، وكل قطر كان خاضعًا لجلالته.

    وأمثال هذا المتن يجعل القارئ يفهم أن بلادًا «كبنت» لم يفتحها الفرعون بحد السيف، ضمن المستعمرات التي أخضعها الفرعون مثل بلاد «سوريا» وأقاليم السودان، والواقع أنها ليست من هذا النوع.

  • الكفتيو: أما النقوش التي دُوِّنت فوق قوم «الكفتيو» فهي:

    وصول رؤساء «الكفتيو» في سلام، وكذلك رؤساء الجزر التي في البحر الأخضر العظيم مطأطئين رءوسهم لعظمة جلالة ملك الوجهين القبلي والبحري منخبر رع — معطي الحياة مخلدًا — وهو الذي بانتصاراته في كل الأراضي … حاملين جزيتهم على ظهورهم، أملًا منهم في أن يمنحوا نفس الحياة لولائهم لجلالته، وليسمح لهم بالاحتماء بقوته. وقد كان الوزير «رخ مي رع» ثقة الفرعون وحاكم المدينة، وهو الذي تسلَّمَ جزيةَ كل الأراضي التي أحضرت لما لجلالته من قوة.

  • هدايا الكفتيو: أما أنواع المحاصيل التي أهدتها هذه الأصقاع فتُشاهَد مكدَّسة أمام كَتَبة، وتشمل ما يأتي: (١) ركائز من فضة. (٢) سلة مملوءة باللازود. (٣) حلقات فضة. (٤) ركائز فضة. (٥) إناء من الذهب له مقبض متحرك. (٦) إناء من اللازورد مثبت فيه أشرطة ومقابض مذهبة. (٧) إناء من الذهب له مقبضان في صورة فهدين. (٨) طبق من الذهب. (٩) قدح مزخرف من الذهب. (١٠) إناء «حس» أزرق اللون. (١١) إناء من الفضة ذو مقبضين. (١٢) رأس لبؤة من الذهب. (١٣) طبق من الذهب. (١٤) آنية دقيقة الصنع من الفضة مرصعة بالذهب. (١٥) كأس للشرب من الذهب له فوهة على هيئة رأس وعل. (١٦) أربع ركائز من الفضة. (١٧) رأس كلب من الذهب الأصفر الباهت (؟). (١٨) رأس طائر له عرف من الذهب. (١٩) رأس أسد من الذهب. (٢٠) إناء من الذهب له مقبضان. (٢١) رأس ثور من الذهب. (٢٢) ثلاث ركائز من النحاس. (٢٣) آنية من الفضة ذات قنوات لها رأس وعل من الذهب بمثابة غطاء، ومقبضان من الذهب مثبتان بأشرطة من الذهب. (٢٤) إناء كبير من الفضة له مقبضان. أما الهدايا التي نشاهدها محمولة على أيدي رجالٍ ففيها (Plates XVIII XX & “Paintings,” III–V): (٢٥) طاس مزخرف لونه أصفر. (٢٦) خنجر في قراب لونه أزرق. (٢٧) طاس مزخرف من الفضة له شريط ورأس وعل وزهرات من الذهب. (٢٨) كأس مدبَّبة من الذهب وجزؤها الأسفل مزركش. (٢٩) كتل من الأحجار الثمينة (؟). (٣٠) خنجر في قراب أزرق. (٣١) إناء ذو فوهة لونه أبيض. (٣٢) طاس من الذهب مزخرف. (٣٣) خنجر في قراب أحمر اللون. (٣٤) ركيزة من النحاس. (٣٥) كأس مزركش أسفله مدبَّب من الذهب. (٣٦) إناء ذو مقبضين من الفضة. (٣٧) سيف لونه أصفر. (٣٨) طاس مزركش من الذهب بزهور زرقاء ونقط. (٣٩) إناء من الذهب (؟). (٤٠) ركيزة من النحاس. (٤١) إناء من الفضة ذو فوهة. (٤٢) إناء من الذهب ذو مقبضين. (٤٣) قلادة من الخرز الأزرق. (٤٤) إناء من الفضة ذو مقبضين. (٤٥) زجاجة مصنوعة من الجلد لونها أحمر قاتم. (٤٦) طاس من الذهب مزخرف. (٤٧) قلادة خرز. (٤٨) طاس ذهب مزخرف. (٤٩) كأس من الذهب مزركش. (٥٠) ركيزة نحاس. (٥١) إناء من ذهب. (٥٢) طاس من الذهب مزخرف. (٥٣) سمط من الخرز الموشى بالذهب وملوَّن بالأحمر والأزرق على التوالي. (٥٤) إناء من الذهب ذو مقبضين. (٥٥) زجاجة مصنوعة من الجلد الأحمر القاتم. (٥٦) سن فيل. (٥٧) إناء من الذهب ذو فوهة.
  • تحقيق موقع بلاد «كفتيو»: كانت العبارة «بلاد كفتيو والجزر التي في داخل البحر الأخضر العظيم» موضعَ حدس وتخمين كثير، للوصول إلى معرفة ما إذا كانت بلاد «كفتيو» والجزر التي في داخل البحر الأخضر العظيم (أي: البحر الأبيض المتوسط) تدل على جهتين منفصلتين، أو أن الثانية هي عين الأولى، وأن كلمة كفتيو قد ذُكِرت في الأول لأهميتها، أو أنها اسم أُطلِق على كلِّ جزر البحر الأبيض جميعًا. والواقع أن العبارة لا تدل على هذا ولا ذاك صراحةً، وذلك أن المنظر الذي رُسِم أمامنا يدل كلُّ صفٍّ فيه على نوعٍ من الناس له جنسيته المميزة له وثقافته الخاصة به، فنرى على الرغم ممَّا يوجد من اختلافات طفيفة مثلًا أن كلًّا من كلمة «كفتيو» و«إينتو-ستي» و«رتنو»، تدل على صنف خاص من الأقوام التي نبحث فيهم الآن، وقد أتوا حاملين الجزية والهدايا للفرعون؛ على أنه مع ذلك قد يتفق أحيانًا أن يضاف لاسم هذا الصنف من الناس اسمُ بعض السكان المجاورين بمثابة شرح وتفصيل؛ ففي الحالة التي نحن بصددها الآن قد أُضِيفت عبارة سكان «جزر الأخضر العظيم» للدلالة على أنهم من جنس أهل «الكفتيو»؛ لأنهم من سلالة واحدة ولهم ثقافة مشتركة، ومثل ذلك كمثل سكان «خنتي حن نفر»، فإنهم لا يختلفون اختلافًا ظاهرًا على ما نعلم عن السكان الذين يُدعَون «إينتو ستي»، وهم الذين يقطنون على الشاطئ الأيمن للنيل جنوبي الشلال الأول (راجع: Gauthier, Dic. Geog. IV. p. 182)، وكمثل سكان «رتنو» (سوريا)، فإن لهم فروعًا وصلات ثقافية تمتد شمالًا من بلاد «رتنو» الأصلية.
    والواقع أن كلًّا من هؤلاء الأقوام الثلاثة له ثقافته الخاصة به، وعلى ذلك فإن الكاتب المصري عندما ذكر «الكفتيو» والجزر التي في داخل البحر الأخضر العظيم، كان يريد بلدًا واحدًا، كما يقال الآن مصر وملحقاتها؛ على أنه يوجد الآن رأي يميل إلى ربط الثقافة المنوية (أي: ثقافة كريت) «بقبرص» والجزر الهيلانية وبلاد الإغريق نفسها الواقعة على جانبي بحر «إيجة»، ويرتكز هذا الرأي على براهين قوية، وعلى ذلك يمكن القول هنا إن «كفتيو» لم تُعرَف هنا بوصفها جزيرة «كريت»، بل أعطيت الأولوية لتدل على ثقافة جزائرية عامة، وقد حاول الأثري «وينريت» (J. E. A. Vol. XVII. p. 26 f) أن يثبت عبثًا أن كلمة «كفتيو» تدل على البلاد الواقعة غربي جبال «آمانوس» في آسيا الصغرى، وأنها كانت تُدعَى عند المصريين الجزرَ التي في داخل البحر الأخضر العظيم. ويمتاز جنس «الكفتيو» في رسوم مقبرة «رخ مي رع» بمميزات خاصة (Plates XVIII–XX. & “Paintings” III–V)، أهمها أن لون بشرتهم يميل إلى السواد، وشعورهم طويلة ذات تجاعيد مقوسة على قمة الرأس، وكذلك يُلاحَظ أن كلًّا منهم يحتذي نعلًا له لفافة للساق مزركشة gaiters، ويرتدي قميصًا مزركشًا منسقًا قصيرًا.
    ونجد في حالتين أن الرجل منهم كان يرتدي لباسًا مصنوعًا من جلد حيوان من فصيلة القط شعره غزير، أو كان يرتدي جلدين مربوطين إلى بعضهما وقرابًا لعضو التذكير ملونًا في كل الحالات، وقد دلَّ الفحص على أن هذا هو الزي المنواني (راجع: Davies, Rekh-mi-Re. p. 23–25).
  • النوبيون: أما المتن الخاص بوفود بلاد النوبة فهو كما يأتي: «وصول رؤساء البلاد الجنوبية في سلام، وهم أهل «إتنتو ستي» و«خنتي حن نفر»، مطأطئين رءوسهم ومقبِّلين الأرض وحاملين جزيتهم … لملك الوجهين القبلي والبحري «منخبر رع» — ليته يمنح الحياة مخلدًا — آملين أن يمنحوا نفس الحياة، وقد كان «رخ مي رع» الحاكم الوراثي وحامل خاتم الوجه البحري، والسمير الوحيد، وعمدة المدينة والوزير، وهو الذي تسلَّمَ جزية البلاد المختلفة التي أُحضِرت لفخامة جلالته لما له من قوة وسلطان ونفوذ في كل الأراضي.»
    والواقع أن ما نشاهده من ثقافة في بلاد النوبة يتضاءل عندما نقرنه بالثقافة «المنوية» التي لعبت دورها في الحضارة الغربية، هذا فضلًا عن أن ما نشاهده في رسوم مقبرة «رخ مي رع» لا يحدِّثنا عن ثقافة خاصة ببلاد النوبة في العهد الفرعوني؛ وذلك لأن مصر كانت قد غذت النوبة بثقافتها، غير أن نفوذها كان قد تضاءل جدًّا من هذه الناحية في عهد الهكسوس؛ ولذلك كانت حضارة البلاد الأصلية قد راجت في تلك الفترة، على أن ما نشاهده في مقبرة «حوي» من رسوم يدل على الثقافة المصرية في هذه البلاد وانتعاشها من جديد بسرعة مدهشة (راجع: Stemdorff, “Aniba”, I. p. 10 ff. & 23)، ولا بد من عمل حفائر لمعرفة ثقافة القوم الأصلية؛ لأن ما نشاهده هنا ينحصر في أن أهل النوبة كانوا يمدون مصر بما لا تنتجه وحسب.
  • أهالي النوبة: (راجع: Plates II, XVIII–XX. & “Paintings”, VI, VII) الواقع أن الباحثين من رجال الآثار لا يعرفون إلا النزر اليسير عن الحدود الفاصلة بين القبائل التي كانت تتألف منها بلاد النوبة قديمًا، كما كانوا لا يعرفون الكثيرَ عن مدى امتدادها جنوبًا، وإذا فحصنا الصورة التي مثل فيها أهل الجنوب، نجد أن الشخصين الأولين يختلفان عن الباقين من حيث الشعر والملبس، غير أن الهدايا التي يحملونها تجعلنا نعتقد أنهما من الأغلبية السائدة في هذه الأصقاع، ويدل الشريطان المتدليان من شعرهما على أن هذا الشعر ربما كان مستعارًا، ويُفهَم من هيئتهما أنهما الرئيسان اللذان كانا على رءوس الوفود.
  • هدايا بلاد النوبة: (Plates, II, XVIII-XX. & “Paintings”, VI–VIII) أما الهدايا التي تُشاهَد مكدَّسة أكوامًا في الصورة، فتشمل المحاصيل العادية التي تنتجها بلاد النوبة، وتتألف من ريش نعام وبيض نعام وقِطَع من الأبانوس، وقضبان وحلقات من الذهب، وثلاث سلات مملوءة من السام، وقرد أخضر اللون جالس على كرسيه الخاص، وست جرات من عطور «ستي»، وخمسة جلود فهود، وست أسنان فيلة، وسلة من حجر «حماجت» الأحمر، وأخرى من حجر «شسمت» الأخضر، ومعظم هذه المواد التي سردناها نشاهدها ثانيةً محمولةً على أيدي رجال الوفود، هذا بالإضافة إلى ذيول زرافات وجلود، واحد منها لحيوان ملوَّن بالأحمر والأبيض ومخالبه مقطوعة؛ وآخَر يشبه الثعلب وهو الذي يُستعمَل رأسه عادةً في أطراف الحلة الملكية، وفي أطراف القضيب السحري (راجع Pl. XXXVII. row 2)، أما الحيوانات التي جاء بها هذا الوفد حيةً، فتشمل فهدًا ونسناسًا وزرافة، وكذلك طائفة من كلاب الصيد أبدع المفتن في إخراجها، هذا إلى أبقار من نتاج البلاد نفسها رُسِمت برءوس نحيلة وقرون كذلك ركبت في هيئة غريبة خارجة عن حد المألوف.
  • أهل الرتنو: والمتن الذي نُقِش على وفود «رتنو» هو ما يأتي (Fig. 5):

    وصول رؤساء «رتنو» في سلام ومعهم كل بلاد آسيا الشمالية، مطأطئين رءوسهم وجزيتهم على ظهورهم، أملًا منهم في أن يُمنَحوا نفس الحياة بسبب ولائهم لجلالته؛ لأنهم رأوا انتصاراته العظيمة جدًّا. حقًّا إن بطشه قد قهر قلوبهم، والآن يتسلَّم منهم جزيةَ البلاد كلها السيد محبوب الآلهة وموضوع ثقته العظيمة في كل الأرضين، وعمدة المدينة الوزير «رخ مي رع».

  • وصف أهل رتنو: (راجع: Plates II, XXI–XXIII, “Paintings”, X–XII) يُلاحَظ أن رؤساء بلاد «رتنو» قد مُيِّزوا بأشرطة وُضِعت أفقية على صدورهم، كما هو موضح في صورة الشخصين الأول والثالث، ويُشاهَد أن كل أفراد البعثة من جنس واحد بيض الوجوه، ويلبسون كلهم زيًّا واحدًا، غير أنهم قد رجلوا شعورهم بطرق مختلفة، ومما يسترعي النظر في هذا المنظر أن معظمهم محلقون رءوسهم، أو أنها مقصوصة قصًّا قصيرًا جدًّا، على أنه يوجد بينهم ثلاثة قد أرخوا شعورهم على أكتافهم وربطوها بأشرطة.
  • الهدايا التي أحضروها: (راجع: Plates II, XXI–XXIII, “Paintings” IX-XII) ومما يلفت النظر هنا أن الهدايا التي أحضرها وفود «رتنو» لا تدل على مدنية عظيمة جدًّا وثراء ضخم؛ إذ لا نجد إلا ثلاثة من رؤساء هذه البلاد قد أحضروا معهم أواني من المعدن الثمين، كما لا يوجد إلا ثلاث أوانٍ ذات أحجام عظيمة في الكومة المعروضة في الصورة، غير أننا نشاهد مع ذلك إبريقين في الصف الثاني يظهر أنهما من الزجاج، يشعر صنعهما بأنهما قطعتان فنيتان (“Paintings” IX). وبالاختصار دلَّتِ البحوث الحديثة على أن الأطباق المصنوعة من الذهب والفضة، وهي التي كنَّا نظن أنها من إنتاج بلاد «رتنو»، كان يحملها أفراد من أهالي «كريت»، ومن ذلك نستطيع أن نستخلص بحق أن كل المنتجات الراقية، والقِطَع الفنية النادرة التي كانت تَرِد إلى مصر من الشمال في هذه الآونة، لم تكن تُصنع في سوريا، بل كانت تتداولها أيدي تجار سوريين، ومن المحتمل جدًّا أن سقوط «كريت» وانتعاش سوريا السريع بعد خلاصها من أيدي الهكسوس قد عكس الوضع، وجعلها هي صاحبة الإنتاج الفني العظيم بعد مضي عشرات السنين القليلة التي أعقبت هذا الخلاص، على أننا من جهة أخرى لا نعرف أصل صناعة الأطباق ذوات الحافة المزينة على وجه التحقيق؛ إذ من المحتمل أن الفكرة كانت في أصلها مصرية، ولكن ما تحتويه من أشكال خيالية عدة راقية تجعلنا نظن أن هذا الطراز من الأواني هو من إنتاج «كريت» مما كان يصدر إلى مصر، أما سائر الكومة فتحتوي على طبقين صغيرين من الفضة، وسلة من حلقات الذهب، وسلة من حلقات فضة، وألواح من خشب «مرو»، وحِزَم من يراع «قنن»، وسلات من أحسن خشب الأرز (صمغ) … وحجر «مسن» وفيروزج ولازورد، وطبقين من القصدير لهما مقابض، وقرص من اللون الأبيض (؟)، وأكياس «زنب»، وكتل من خشب «تي شبس» (؟)، وأربع ركائز من النحاس، وثلاثة أباريق … وثلاثة أباريق من زيت الزيتون، وستة أباريق من البخور، وأربعة أباريق من مرهم لبنان. هذه هي الهدايا التي كانت مكدَّسة أمام الوزير، أما التي كان يحملها الوفود على أيديهم فهي: ثلاث ركائز من النحاس، وأربع أواني نبيذ، وثلاث أوانٍ من الفخار، وحقان من العاج للعطور، وسنا فيلين، وعربة، وجوادان لجرِّها (Pl. II, & “Paintings” Pl. XI)، وأربع قسي، وكنانة، وخنجر، وحزمتان من عصي «عونت»، وأخيرًا نشاهد دبًّا وفيلًا، وقد أبرز الرسام صورة الفيل بإتقان لا بأس به.
  • الأسرى: وقد كان ضمن الجزية السنوية بعض الأسرى، والظاهر أنهم كانوا رهائن لضمان حُسْن سير القبائل في البلاد المقهورة، والنص التالي قد كُتِب فوقهم هكذا: «إحضار أولاد أمراء الأقاليم الجنوبية، وأولاد أمراء الأقاليم الشمالية، وهم الذين سيقوا غنيمةً لجلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» — ليته يُعطى الحياة — من كل الأراضي الأجنبية لأجل أن يملأ بهم المصانع، وليكونوا عبيدًا في ضياع معبد والدة آمون رب تيجان الأرضين؛ لأن كل الأقاليم قد منحت إياه (الملك) وأخذ بناصيتها جميعًا في يده، ورؤساؤها قد سجدوا تحت نعلَيْه. وكان الأمير الوراثي ثقة الفرعون في قصره وعمدة المدينة الوزير «رخ مي رع» هو الذي تسلَّمَ الغنيمة من الأراضي المختلفة، وهي التي جيء بها من انتصارات جلالته.»

    ومن هذا المتن نعلم أن البلاد التي فُتِحت بحد السيف، وهي بلاد النوبة والأقطار السورية، يمكن معرفة مركزها بالنسبة للبلاد الأخرى في نظر الفرعون، فإنها كانت في الواقع مُجبَرة على توريد العبيد والإماء والأطفال جزيةً تُدفَع سنويًّا، أو كلما اقتضت الأمور، وتدل الأحوال على أن هؤلاء الأسرى كانوا يُنتخَبون من علية القوم في البلاد المقهورة، بمثابة رهائن أو عقاب لإرغام أنوف الأُسَر الحاكمة في تلك الأقطار النائية، وجعلهم يدينون بالطاعة للفرعون.

    ويُلاحَظ أن الأطفال الصغار كانوا يُجلَبون مثل السلع الأخرى التي كانت تُقدَّم جزيةً من أيدي الرؤساء المقهورين، ومما يسترعي النظر بوجه خاص أن الأطفال كانوا لا يزالون في عناية نساء يَقُمْنَ على تربيتهم، وهذا ما نشاهده ممثَّلًا في مقابر أخرى من هذا النوع.

  • الأسرى النوبيون: والأسرى في رسوم مقبرة «رخ مي رع» ينقسمون مجموعتين، يقود كلًّا منهم جنود مسلَّحون بقضب وعصي رماية، فالمجموعة الأولى تحتوي نوبيين، والثانية تُؤلَّف من سوريين، ويتألَّف الأسرى النوبيون من طائفةٍ قوامها سبعة أفراد، تتبعهم سبع نسوة يلبسن حللًا كاملة ذوات حافات حمراء قانية تدلى من أطرافها أصداف، والظاهر أن هؤلاء النسوة قد رُتِّبن على حسب خصبهن؛ لأن الأولى كان معها أربعة أطفال، الاثنان الصغيران من بينهم قد حُمِلَا في سلة على الظهر، والثانية كان معها ثلاثة أطفال (؟)، والثالثة والرابعة كان مع كلتيهما اثنان، هذا إلى ثلاث نسوة أُخَر شعرهن أطول من شعور السابقات، والظاهر أنهن كنَّا عذارى، ثم يأتي بعد ذلك خمس نسوة يتميزن بما يلبسن من قلادات ضخمة وأردية لا تستر إلا عورتهن، والظاهر أن واحدة منهن كانت تحمل طفلًا، ويدل شعرهن الطويل على أنهن نوبيات لا زنجيات.
  • الأسرى السوريون: يبلغ عدد الأسرى السوريين أربعة عشر، وقد قُسِّموا طائفتين، ويُلحَظ أن كلَّ واحد منهم كان يقبض بيده على عباءة طويلة ذات أهداب وقد لُفَّ بها، وفي القسم الأول من هؤلاء نجد أنهم قد لبسوا العباءة على جلباب له كمَّان طويلان؛ أما أفراد القسم الثاني فكانوا يرتدون العباءة على قميص صغير. وكانت النسوة يرتدين جلابيب بيضاء لها هدابات ملونة، والظاهر أن هذه الجلابيب كانت مُجهَّزة من قبلُ، ويُلاحَظ أن الجزء الأعلى من جلباب السيدات كان يشبه (الحرملة) الحالية، وترى إحداهن حاملة طفلًا في سلة مربوطة بنسع على كتفها (وهذا يختلف عن الطريقة النوبية) يلف حول جبهتها؛ ومما يسترعي النظر هنا أن الأمهات كانت لهن الأفضلية، ولكن يُشاهَد هنا أن لا مجال للغيرة أو التنافس؛ لأن كل امرأة كان معها طفلان، وبعضهن كان لهن شعر قصير، في حين أن البعض الآخَر كانت شعورهن طويلة مرسلة على ظهورهن.

أعمال الوزير

(أ) إدارة الوزير

(راجع: Plates. XXIV-XXV) لقد ترك لنا الوزير «رخ مي رع» صورةً رائعةً تمثِّل أمامنا مهامَّ الوزير الرسمية، فنشاهد الوزير وقد عقد جلسة محكمته التي كانت تُعَدُّ أكبرَ محكمة في القُطْر، وكذلك نشاهد القواعد الخاصة بواجباته مدوَّنة، وأخيرًا نشاهد صورةً لجمع الضرائب من الإقليمين العظيمين الذين كانَا يتألَّف منهما الوجه القبلي.
والواقع أن القاعة (صورة ٨) التي كان يجلس فيها الوزير للقيام بمهام وظيفته، كانت على هيئة سرادق يرتكز على ستة عمد في صورة شجر النخيل المزينة سيقانها بطغراء الفرعون، وكذلك نُقِش عليها عبارة «محبوب ماعت» (إلهة العدل) واسم الوزير «رخ مي رع»، ونفهم من المتن الخاص بعنوان هذا المنظر أن «رخ مي رع» قد عقد جلسةً ليستمع إلى القضايا في قاعة الوزير، وتتناسب الألقاب والنعوت التي خُلِعت على «رخ مي رع» هنا مع هذا المقام، وهي: «الذي يوزِّع العدالة دون محاباة، ومَن يعمل على طمأنينة المتخاصمين، ومَن يقضي بين الفقير والغني على السواء، ومَن لا يبكي شاكٍ بسببه» (راجع: Pl. XXIV, Col. 3–6).
  • القواعد الخاصة برسميات المحكمة: وقد كانت الرسميات المتبعة عند عقد الجلسة أن يجلس الوزير على كرسي له ظهر يستند عليه، وأن يفرش حصير على رقعة القاعة، وأن يعلق حول عنقه قلادة الوظيفة (ولا بد أنه يقصد هنا القلادة التي كان يُعلَّق فيها صورة آلهة عدل، ويلبسها الوزير حول رقبته عند الفصل في القضايا، فكان عند النطق بالحكم بهذه الصورة ويشير بها نحو مَن في جانبه الحق) (A. S. Vol. XL. p. 185 ff)، وكذلك كان يضع وراء ظهره جلدًا وآخَر تحت قدمَيْه (راجع: Pl. XXVI. Col. I)، وكانت قد وضعت القواعد لتحديد أمكنة الموظفين الذين كانوا يشتركون في محكمة الوزير، فكان يجلس معه رؤساء عشرة الجنوب في الممرين اللذين على اليسار وعلى اليمين، أما المستشار الأول فكان يجلس على يمينه، ويجلس الحاجب الذي يقدم المتخاصمين على يساره، وبالقرب منه كان يجلس الكتَّاب الذين يحتاج إليهم (راجع: Pl. XXVI. Col. 2)، ولكن نشاهد عشرة رجال على كلٍّ من جانبي الطريق الأوسط، وعددًا آخَر يماثلهم من الكَتَبة، وبذلك بلغ مجموع كلِّ مَن كان في حضرة الوزير عند الفصل في قضايا الناس أربعين موظفًا.
  • عصي الحكام: وممَّا يلفت النظر أربعة الحصر المفروشة أمام الوزير مباشَرةً وعلى كلٍّ منها عشر عصي، وتمثِّل في مجموعها الأربعين «شسم» المبسوطة أمامه بهذا الاسم، وقد كان المفهوم حتى الآن أنها تمثِّل أربعين إضمامة من الجلد، نُقِش عليها مواد القانون الذي يقضي على هداه الوزير في قضايا الشعب، غير أن شكلها كما يقول الأثري «ديفز» لا يدل على ذلك؛ إذ كان المنتظر أن تكون أكثف سُمْكًا وأقصر ممَّا نشاهده، كما كان يجب أن تكون محزومة بخيط مثل إضمامات البردي العادية، هذا فضلًا عن أنه لم يُشِرْ إليها في النقوش قط. وقد يكون من الصواب أن تشير الأربعون عصًا إلى الأربعين موظفًا الذين كانوا في حضرة الوزير، أو أنها تمثِّل الأربعين مقاطعةً التقليدية التي تتألف منها البلاد وتدفع الجزية للفرعون، غير أن الاعتراض الوحيد على هذا الرأي الأخير أن «رخ مي رع» لم يكن يدير شئون البلاد كلها، بل كانت إدارته قاصرةً على الوجه القبلي، فإذا تجاوزنا عن هذا الاعتراض، فإن هذه العصي تكون عصي سلطة وُضِعت في أيدي موظفي الأقاليم بمثابة تفويض لتنفيذ القانون، وقد شُوهِدت مستعملةً للعقاب في يد الحجاب.
fig38
شكل ٨: منظر قاعة الوزير لتصريف شئون الدولة.
  • صغار موظفي المحكمة: وممَّا يُشاهَد في طرقات قاعة المحكمة وخارجها حجَّاب يتحدَّثون إلى أفراد يريدون استئناف قضاياهم، أو يتناقشون مع أفراد لم يدفعوا ما عليهم من ضرائب؛ ومما يستلفت النظر أن الفريق الأول كانوا يُعامَلون من الحجاب معاملةً حسنةً، أما الفريق الآخَر فكانوا يُساقون بعنف إلى حيث يمثلون أمام الوزير. أما في خارج القاعة فيُشاهَد منظر غير مألوف؛ إذ نجد رسولين قد وصلَا على جناح السرعة، يحمل أحدهما غصن زيتون وسهمًا، وقد استقبل كلًّا منهما رجلٌ آخَر يحمل سهمًا وحسب، فالرجلان الأولان هما شرطيان يقومان بعمل رجلَيْ بريد، أما الثالث فيُحتمَل أنه حاجب المحكمة. والظاهر أن غصون الأشجار كانت تُستعمَل رمزًا للسلام منذ القدم، أما المقمعة أو السهم الطويل فيمكن أن نعدَّه رمزًا للسرعة؛ غير أنه في يد الموظف يدل على القوة، اللهم إلا إذا كان يحمله فقط على أنه موصل الرسالة للوزير.

وقد خلف لنا الوزير «رخ مي رع» متنًا طويلًا عدَّدَ فيه مهامَّ الوزير؛ وقد نظمت سطوره على جدران قاعة الوزير بطريقة تُشعِر بأنه من وحي مكان العدالة؛ إذ قد وُضِعت الجمل الافتتاحية الخاصة بجلسة الوزير قريبةً جدًّا من الصورة. وقد عُثِر على نُسَخ ثلاث من هذا المتن الهام في قبور ثلاثة وزراء غير «رخ مي رع»، وهي (مقبرة أمنمحات رقم ٢٩، ومقبرة «باسر» رقم ١٠٦، ومقبرة آمون وسر رقم ١٣١)، وأحد هذه المتون قبل عهد «رخ مي رع»، والاثنان الآخَران بعده.

ولما كانت هذه التعليمات على جانب عظيم من الأهمية في القضاء والإدارة في تاريخ العالم، فإنَّا سنوردها هنا كاملةً ليرى رجل الحكم الحاضر أن السلف منذ آلاف السنين، قد وضعوا قواعد وأنظمة لم يخلقها كر القرون، ولم يستطع الفكر الحديث أن يأتي بأحسن منها (راجع: Pl. XXI–XXVIII, CXIX–CXII).

(ب) واجبات الوزير

  • النظام الموضوع لجلسة الوزير: «ينحصر الإجراء المحكم الذي كان يسير الوزير على نهجه عندما يعقد جلسة في قاعة الوزارة؛ في أن يلتزم الجلوس على كرسي ذي ظهر، وأن يُفرَش على رقعة القاعة حصير من القصب، وأن يكون لابسًا قلادة الوظيفة (أي: القلادة التي كان يعلِّقها القاضي حول عنقه وفيها تمثال العدالة «ماعت»)، ويكون بجانبه عصًا وأربعون قضيبًا من الجلد تُوضَع أمامه أيضًا، ثم يجلس أمامه رؤساء عشرة الوجه القبلي على جانبَيْه، ورئيس التشريفات على يمينه، والمراقب على الدخول (الحاجب) على يساره، ثم كَتَبة الوزير على مقربة منه.»
  • ترتيبات حفظ النظام: «وإذا حدث أن احتدم النقاش بين متقاضيين متكافئين، فالواجب أن تسمع أقوال كلٍّ منهما على الترتيب، كل في دوره، وإذا حدث أن أحدًا ممَّن في المقدمة قال: لن يسمع أحدٌ بالقرب مني قبلي، فعلى الحاجب أن يقبض عليه.»
  • المحافظة على المؤسسات: «يجب أن يُقدَّم للوزير تقريرٌ عن إغلاق المخازن في الوقت المحدد وعن فتحها في مواعيدها المقررة، وكذلك يجب أن تُوضَع له تقارير عن حالة المعاقل الجنوبية والشمالية، وعن خروج كلِّ مَن يغادر البيت الملكي (ديوان إدارة البلاد)، كما تُقدَّم له تقارير عن كلِّ دخل يَرِد للحكومة، وكذا يُوضَع له تقريرٌ عن جميع مَن وفد أو خرج من أرض الحكومة بأنهم دخلوا أو خرجوا، وأنهم سيدخلون وسيخرجون بمعرفة حاجبه، وعلى المشرفين على ضباط التحصيل ومأموري الضرائب والمشرفين على ملاك الأراضي أن يقدِّموا تقريرًا عن أعمالهم له.»
  • المنهاج الذي يسير عليه الوزير يوميًّا: «وكان لزامًا على الوزير أن يمثل أمام الفرعون ليحييه يوميًّا — له الحياة والسعادة والصحة — وأن يقدم له تقريرًا عن حالة البلاد يوميًّا في قصره، وكذلك عليه أن يدخل «البيت العظيم» على إثر اتخاذ رئيس الخزانة الأعلى مقعده عند العمود الشمالي، وقد كان على رئيس الخزانة الأعلى عندما يتحرك ركاب الوزير، ويظهر عند مدخل (البوابتين) العظيمتين، أن يأتي لينضم إليه ثم يقدِّم تقريرًا للوزير يقول فيه: إن كل أعمالك في أمان وسليمة، وكل موظف قائم بعمله قد قدَّمَ إليَّ تقريرًا قال فيه: إن كل الأعمال في أمان وسليمة، وإن كل موظف قائم بعمله قد قدَّمَ لي تقريرًا جاء فيه: إن كل شئونك آمنة سليمة، وإن مقر الحكومة آمن سليم، وقد كان على الوزير بدوره أن يبلغ رئيس الخزانة الأعلى: إن كل أشغالك آمنة وسليمة، وكل إدارة من إدارات المقر الملكي (الحكومة) آمنة سليمة. وقد وضع لي تقرير: إن كل المخازن قد أُغلِقت في الوقت المحدَّد وفُتِحت أبوابها في الوقت المحدَّد، وذلك بمعرفة كل موظف قائم بالعمل، وبعد أن يبلغ كلٌّ من رئيس الخزانة الأعلى والوزير تقريره لزميله، كان على الوزير أن يرسل رسلًا لفتح أبواب الحكومة الملكية، ويسمح بالدخول لكلِّ مَن يريد الدخول، وكذلك بالخروج لكلِّ مَن يريد الخروج، وقد كان على الحاجب أن يقوم بهذا العمل كتابة.»
  • تحديد سلطان صغار الموظفين: «ولا يجوز لموظف أن ينتحل لنفسه سلطة الفصل في قضايا قاعة الوزير، وإذا اتهم أحد الموظفين التابعين لقاعة الوزير، فعليه (أي: الوزير) أن يجيء به أمام المحكمة، وعلى الوزير أن يعاقبه على قدر جريمته، ويجب ألَّا يكون في يد أي موظف السلطة لضرب أي فرد في قاعة الوزير، كما يجب أن يقدم له تقرير عن أي قضية خاصة بقاعته حتى يتصرف فيها هو بنفسه.»
  • عمل حاجب الوزير: «وإذا أرسل الوزير أي حاجبًا في مأمورية إلى أي موظف، سواء كان من الذين يشغلون أعلى الوظائف أم أحطها، فعليه ألا يُظهِر له الصداقة، كما لا يجوز للموظف نفسه أن يدعو الحاجب إلى مجلسه، بل على الحاجب أن يبلغ رسالة الوزير وهو واقف في حضرة الموظف، وأن يبلغه الرسالة شخصيًّا ثم يخرج إلى قاعة الانتظار (؟)، وقد كان حاجب الوزير هو الذي يحضر حكام المقاطعات ورؤساء المراكز إلى قاعة المحكمة، وكذلك كان على حاجبه أن يضع القواعد الأساسية (؟) … وإذا حدث أن أرسل حاجب في مأمورية وقدم شكاية قائلًا فيها: وعندما أرسلت برسالة إلى فلان الموظف فإنه طلبني وأثقل جيدي بشيء ذي قيمة (بمثابة رشوة)، ثم رفعت دعوى على الموظف من الحاجب، فلا بد من معاقبة الموظف على قيمة ما تخاصمَا من أجله بمعرفة الوزير في قاعته، على أن يوقع عليه أية عقوبة عدا بتر عضو من أعضائه.»١٥٤
  • ما يُتَّخَذ من إجراءات في قضية غامضة: «أما عن الإجراءات العامة التي كان ينتهجها الوزير عند سماع قضية في قاعته عن أي موظف لم يكن كفئًا في أداء عمله، فعليه (أي: الوزير) أن يسمع حججه في هذا الموضوع، فإذا لم يكن في مقدوره أن يمحو عنه خطيئته عند سماع ظروف القضية، فعليه إذن أن يقيدها في سجل المجرمين المحفوظ في السجن الرئيسي، ويتخذ مثل هذا الإجراء إذا لم يكن في مقدوره أن يبرئ حاجبه من التهمة، فإذا وقع منهما مثل ذلك كرة أخرى، فلا بد من تقديم تقرير عن ذلك، كما يبلغ عنهما أنهما مقيَّدان في سجل المجرمين، وعن السبب الذي من أجله قُيِّدَا في هذا السجل بالنسبة لجرمهما.»
  • الاحتياطات الخاصة بالوثائق القانونية: «وإذا أرسل الوزير في طلب وثائق خاصة بالمحكمة، وكانت هذه الوثائق غير سرية، فيجب أن تحمل إليه ومعها وثائق المسجل الخاصة بها، وتكون مختومة بأختام الحكام والكتاب الذين في خدمتهم (أي: الحكام)، وهم المختصون بهذه الوثائق، وعلى الوزير بعد فضها وفحصها أن يعيدها إلى إدارتها ثانيةً مختومة بختم الوزير نفسه، أما إذا كانت الوثائق المطلوبة سرية، فيجب على المسجلين المختصين ألَّا يسمحوا له بنقلها (من مكانها)، ومع ذلك إذا أرسل الوزير حاجبًا لمصلحة المدَّعِي، فينبغي على المسجل أن يسمح بحملها إلى الوزير.»
  • أنظمة خاصة بالحقوق المتعلِّقة بالأرض والمعادن: «وإذا تظلَّمَ شخص من غين أو حيف وقع عليه بسبب نزاع على الأرض، فعلى الوزير أن يقوم بنفسه للقضاء في أمره، فضلًا عن سماع قضيته على يد المشرف على الأراضي ومجلس المراكز، على أن يسمح له بمهلة مقدارها شهران بخصوص أرضه إذا كان موقعها في الوجه البحري، أما إذا كانت أراضيه قريبة من المدينة الجنوبية (طيبة) أو مقر الملك، فلا يُسمَح له إلا بتأجيلٍ قدره ثلاثة أيام كما نصَّ على ذلك القانون. وعلى الوزير أن يستمع لقضية أي متظلم على حسب هذا القانون الذي في يده، وعليه أن يعقد مجلس المقاطعة، وهو الذي يفضهم بعد تقديم تقريرهم عن حالة مقاطعتهم؛ ويجب أن يُؤتَى إليه بكل وصية؛ لأنه هو الذي يجب أن يوقع عليها بخاتمه، وهو الذي يقدِّم المِنَح الصغيرة من الأراضي (شدو)، أما إذا قرَّرَ أيُّ متظلِّم قائلًا: «إن حدودنا قد زحزحت.» فيجب أن تُؤخَذ العناية بأن يكون ذلك التعدِّي على حسب إمضاء موظف، وإذا كان ذلك قد حدث فعلًا، فعلى الوزير أن ينزع مساحات الأراضي الصغيرة (شدو) من المجلس الذي كان قد زحزح الحدود.

    يضاف إلى ذلك أن أي محجر أو كنز وُجِد على الأرض، فإن أي تدخُّل بعد معرفة محتوياته وبعد تقديم الشاكي قضيته كتابةً، يصبح محظورًا عليه أن يقدِّم تظلُّمًا لحاكمٍ ما، وإذا جاء لحاكم المقاطعة أيُّ تظلُّم بعد أن رفع قضيته وقيَّدها كتابةً، فيجب أن يحال إلى الوزير.»

  • المراسلات والتعيينات العالية: «والوزير هو الذي يرسل كل حاجب للحكومة كما يرسل إلى المقاطعات ورؤساء المراكز، وهو الذي يرسل بريد جميع المأموريات الخاصة بالحكومة، وهو الذي يعين أي موظف من موظفي الإدارة مثل المشرف على الوجه القبلي أو الوجه البحري، وجبهة الجنوب أو الإقليم العظيم (مديرية العرابة)، وعليهم أن يبلغوه كلَّ ما يحدث في منطقة نفوذهم في بداية كل فصل مدته أربعة أشهر، وعليهم أن يحضروا له الكتَّاب الرسميين التابعين لهم، وكذلك عليهم أن يفدوا مع مجلسهم.»
  • المؤن اللازمة لتنقُّلات البلاط: ومن واجب الوزير الإشراف على حشد الجنود، والسير في ركاب الفرعون عندما ينحدر في النهر شمالًا أو يصعد جنوبًا، وأن يعين في هذا المناصب الخالية، سواء أكان ذلك في المدينة الجنوبية أم في مقر الملك (أي: الحكومة)؛ وذلك تنفيذًا لقرارٍ صدر من الحكومة الملكية. ولا بد أن يحضر أمامه طائفة موردي الأغذية للحاكم (الملك) حتى يمدوا قاعته والمجلس العسكري بالطعام، ولأجل أن تسلم إليهم أنظمة الجيش (الخاصة بالطعام)، ويجب كذلك أن يعقد جلسة من أصحاب الرتب العالية، ومعهم أصحاب الوظائف الصغيرة في قاعة الوزير، حتى يتبادل كلٌّ منهم التحيات مع زميله.١٥٥
  • إدارة الحكومة الملكية: ومن واجبات الوزير أن يرسل عمَّالًا لقطع شجر الجميز على حسب أوامر الحكومة، وأن يبعث مستشاري المقاطعة لحفر ترع للري في البلاد قاطبةً، وأن يرسل العمد ورؤساء المراكز للزراعة الصيفية، وكذلك عليه أن يعيِّن المشرفين على عمَّال الضرائب في قاعة الحكومة الملكية، وينصب مَن سيسمع قضية العمد ورؤساء المراكز، ومَن سيقوم بجولة تفتيشية باسم الوزير في الوجه القبلي والوجه البحري، وكان من الضروري أن يُقدَّم له تقريرٌ عن كلِّ القضايا القانونية.
  • السلب والمخاصمات العامة والخاصة: ويجب أن يُقدَّم للوزير تقريرٌ عن حالة المعقل الجنوبي، وعن أي فرد يحاول القيام بغارة … ومن واجب الوزير أن يقوم باتخاذ الإجراءات ضد أي ناهب من أي مقاطعة، وأن يكون هو محاكمه، وكذلك من واجبه إرسال الجنود والكَتَبة المحليين لوضع الترتيبات للفرعون، وكذلك يجب أن تكون سجلات المقاطعة في قاعته، ليمكنه أن يُدلِي بحكمٍ في أي مسألة خاصة بالأرض المنزرعة، ومن واجبه كذلك أن يقرِّر تخوم أية مقاطعة، أو أي بطاح إضافية، أو أملاك معبد، أو امتلاك عقار جديد، وهو الذي يؤدِّي كل (شدود) (؟) ويستمع لكل شكوى، وهو الذي يستمع لقضية رجل ذهب للقضاء مع جاره، وعليه أن يعين كل شخص يجب أن يعين في المحكمة، ولا بد أن يحضر أمامه كل رسالة من الحكومة الملكية، وهو الذي يسمع القضايا الناجمة عن أي إذاعة حكومية (لم تُتَّبَع).
  • المالية والتموين: ومن واجبات الوزير أن يفصل في أية قضية خاصة بأي عجز في إتاوة المعبد، وأن يفرض أية ضريبة عينية على أي إنسان يجب عليه دفعها له (؟)، وإنه هو الذي يعمل … في المدينة الجنوبية أو في الحكومة الملكية، وعليه أن يوقع عليها بخاتمه، كما يجب عليه أن يفصل في كل القضايا القانونية، وهو الذي يقرِّر إجراء التحقيقات الخاصة بالضرائب على محال الصناعة (؟)، كما يجب على المجلس العظيم أن يضع له تقريرًا عن تقديراته للضرائب، وأن يساعده في ذلك جباة الضرائب، وعليه أن يستمع إلى قضية العمال (؟) … ودخل المحكمة وكل منحة منحتها، ومن واجبه كذلك الفصل في القضايا الخاصة بها، وأنه هو الذي يفتح بيت الذهب بصحبة رئيس الخزانة الأعلى، كما أنه من واجباته فحص ببلوص (؟) … والمدير العظيم للبيت والمجلس الأعظم، وعليه أن يقوم بإحصاءات لكل الثيران التي يجب أن يعمل لها إحصاء، وأن يفحص محصول المياه (؟) في أول يوم من فترةٍ مقدارها عشرة أيام والمئونة …
  • النظام العام ورفاهية الشعب: أما قضايا المحكمة سواء أكانت متعلِّقة بحاكم المقاطعة ورؤساء المركز، أم بأي أشخاص عاميين، فإن كل دخلهم الذي يقدم له لا بد أن يبلغ إليه بكل مشرف على الأرض الزراعية، وبكل موظف «شنتو»، وعليهم أن يبلغوه عن أي اضطراب يحدث ليلًا أو نهارًا (؟) … وعليهم أن يبلغوه الحاجبات الشهرية مع الدخل … وإليه يُقدَّم تقريرٌ عن ظهور نجم الشعرى وعن تأخير الفيضان، كما يُقدَّم له تقريرٌ عن الأمطار (؟) … للمشرف على الأرض الزراعية وللموظف (شتو) أو إلى … الحكومة الملكية.

    وإن الوزير هو الذي يجهز السفن كما يجهزها أي فرد خاص بذلك، وهو الذي يرسل أي رسول من رجال الحكومة الملكية لأجل أن … عندما يكون الفرعون في رحلة … ويجب أن يُقدَّم له تقريرٌ من كل مجلس … وأنه هو مقدمة الأسطول ومؤخرته (؟)، وأنه هو الذي يختم كل المراسيم الخاصة ﺑ … وحاجب الوزير مثله مثل كلب حارس الكلاب عندما يرسل في بعوث حكومية، ويجب أن يُقدَّم له تقريرٌ بما يجب أن يبلغ عنه … ورئيس المحكمة هو الذي يبلغ عنه وعن كل ما يفعله، وعن سماع القضايا في قاعة الوزير …

    وإخال القارئ يشعر تمامًا بعد قراءة هذه الوثيقة الفذة بما كان ملقًى على عاتق الوزير من مهام جسام، ينوء بحملها رجال عديدون، غير أنها في بعض الأحيان كانت مهام اسمية، وعلى ذلك لا ندهش عندما يحذره الفرعون بقوله: «إن الوزارة ليست أمرًا هينًا، بل هي مرة كالصبر.» هذا ولا نريد أن نعلق على ما في الوثيقة من مبادئ سامية وقوانين عادلة ودروس واعظة في الأخلاق الكريمة، وقواعد صارمة يجري على مقتضاها الموظف الكبير والصغير، لا فرق بينهما، هذا إلى ما جاء فيها من العدالة المطلقة التي كانت أكبر عامل في تسيير أمور الدولة والوصول بها إلى بر النجاة، وكل ذلك كان ملقًى على عاتق الوزير الأكبر الذي كان يمثِّل الحكومة الرشيدة.

  • جمع الضرائب: (راجع: Pl. XXIX–XXXV, XLI) لا نزاع في أن العثور على مثل هذه الوثيقة الفذة في بابها في مقبرة خاصة، يبعث في النفس الدهشة الممزوجة بالسرور والغبطة، غير أن سرورنا وفرحنا يزدادان عندما نعلم أنها قد شُفعت بصورة معزَّزة بإحصاءات وفيرة، تضع أمامنا استعراضًا خطير الشأن عن كيفية سير الإدارة المالية في البلاد، غير أنه ممَّا يُؤسَف له جد الأسف أن هذا العرض لا يشمل كل البلاد المصرية من أقصاها إلى أقصاها؛ إذ يقتصر البحث فيه على مالية الوجه القبلي، ويحدُّ شمالًا «ببجة» قرب أسوان حتى مدينة أسيوط الواقعة في وسط مصر، ويشمل ذلك الإقليم الذي كان يُطلَق عليه «رأس مصر العليا»، وكان قد قسم هذا الإقليم قسمين، وهما الأراضي الواقعة جنوبي طيبة وقد جُزِّئت إلى أربعين وحدة، والأراضي التي في شمالها كذلك جُزِّئت إلى أربعين وحدة أخرى؛ وقد مثل هذه الوحدات ثمانون موظفًا يُشاهَد كلُّ واحد منهم يقدِّم دفعةً ممَّا هو مفروض على إقليمه من الحيوانات والمحاصيل الزراعية، يضاف إلى ذلك ما يقدِّمه كلٌّ منهم من حلقات ذهب أو أسماط من حبات الذهب والفضة أيضًا، ويُلاحَظ في الصورة التي تمثِّل هذا المنظر أنه قد نُقِش فوق كل موظف عنوانه، فيذكر لنا أحيانًا لقبه واسم المركز الذي أتى منه، وكذلك كمية من الذهب أو الفضة حُسِبت بالدبن أو نصف الدبن، وفضلًا عن ذلك وجدنا في تسع حالات أن ضرائب الوحدة كانت تشمل قلادة من الذهب أو الفضة، وفي حالة واحدة وجدنا أن الجزية كانت تُدفَع نسيجًا، وقد كان هذا المقدار المكتوب يُحذَف أحيانًا، وفي تلك الحالة لا تجد الدفع قد رُسِم في سورة ركائز، بل كان يورد بدلًا منه مقدار عظيم من المواد الغفل.
  • النقوش الموضحة: ومتن التقدمة للأجزاء الجنوبية هو: (راجع Pl. XXIX. Row I): «الوزير «رخ مي رع» يفحص مراجعة حسابات قاعة وزير المدينة الجنوبية (طيبة)، وهذه المراجعة لما جاء به العمد ورؤساء المراكز والمستشارون الريفيون ومأمورو ضرائب المقاطعات وكتَّابهم وكتَّاب السجلات الذين في إقليم «رأس مصر العليا»، وهو الذي يبتدئ عند «إلفنتين» وقلعة «بجة»، وقد نفذت هذه المراجعة على حسب الكتابات القديمة، وكذلك نجد مثل هذا الإيضاح لإقليم الشمال (راجع: Pl. XLI)، وقد جاء فيه الوزير «رخ مي رع» يفحص حسابات قاعة وزير المدينة الجنوبية، مراجعًا «حسابات» العمد ورؤساء المراكز والمستشارين الريفيين ومأموري المقاطعات وكتَّابهم وكتَّاب سجلات الأراضي، وهو الإقليم الذي يبتدئ عند «قفط» وينتهي عند «أسيوط».»

    ومن ذلك نعلم أن الصعيد كان له وزير خاص يقوم بشئونه، وأن الأراضي التي كانت تحت سلطانه تشمل الإقليم الذي ما بين «أسوان» حتى مدينة «أسيوط»، وهذا الإقليم بدوره كان ينقسم قسمين إداريين: الأول من «أسون» حتى «قفط»، والثاني من «قفط» حتى «أسيوط»، وكذلك كان كلٌّ من هذين الإقليمين بدوره ينقسم أربعين وحدة لكل حاكم خاص، وعلى هذا التقسيم كانت تُجبَى الضرائب بوساطة موظفين خُصُّوا بهذا العمل.

  • طرق دفع الضرائب في ذلك العهد: لا يزال موضوع قيمة النقد في مصر القديمة من الموضوعات العويصة (راجع مصر ج٢)، على الرغم ممَّا وصلنا من معلومات متفرِّقة عنه، وما نعرفه على وجه التأكيد أن الدفع في الأزمان القديمة كان بوساطة حلقات من المعدن لها قيمة معينة (ومن المحتمل أن كل اثنتي عشرة حلقة صغيرة أو ست حلقات كبيرة كانت تعادل «دبنًا»)، ولكنا نعلم فيما بعدُ أن الدفع كان يُقدَّر بوزن الدبن، سواء أكان من الذهب أم الفضة أم النحاس، ويُقدَّر وزن الدبن الذي كان يحتوي عشرة «كدات» مصرية بنحو واحد وتسعين جرامًا، ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن الذهب كان في الأزمان القديمة أقل قيمةً من الفضة، ولكن مقدار إنتاج الفضة أخذ يزداد في البلاد منذ الفتح السوري، لدرجة أنه في عهد «رخ مي رع» كانت قيمة الفضة تعادل بالنسبة للذهب أو ، وقد كان النحاس يُستعمَل كثيرًا في المعاملات الصغيرة؛ إذ كانت قيمته تُقدَّر بنحو ١٥٠ أو ٢٠٠٪ من قيمة الذهب، وقد يكون من باب التقريب لفهم قيمة الذهب أن نعلم أن ثمن ثور واحد كان يُقدَّر بما يقرب من دبن واحد من الذهب؛ والطريقة التي كانت متَّبَعة لدفع أي حساب مقدَّر بالدبنات من الذهب والفضة، أن يدفع الفرد ما لديه من هذين المعدنين نقدًا، ثم يدفع الباقي سلعًا، وبذلك نفهم الصورة التي تمثِّل أمامنا موظفًا يحمل حلقات من الذهب والفضة (وكان الدفع بالذهب هو السائد)، وكذلك يقدم في الوقت نفسه الأشياء الأخرى التي كان سيدفعها سلعًا، ويجب في هذه الحالة أن يكون المبلغ المدوَّن مضافًا إليه المواد الغفل يساوي الضرائب المفروضة.
  • توزيع الضرائب: ومما هو جدير بالملاحظة هنا أن الضرائب لم تكن تدفعها المراكز بهذه الكيفية، بل كان يكلف جبايتها موظفون يُحتمل أن كل بلد يخصه منهم عدد عظيم، ويُحتمل أن ذلك يرجع إلى أن كل موظف كان له نوع معين من الضرائب، أو كان موكلًا بمساحة معينة في الريف يجمع ضرائبها، وهؤلاء الموظفون هم العمد ورؤساء المراكز (حقاحت)، أما في المدن التي فيها حاميات فكان يُكلَّف جبايةَ خراجِها قائدُ الحامية؛ ومن ذلك نعلم أنه كان يقوم بجمع الضرائب في «إلفنتين» قائدُ حاميتها ومأمورُ ضرائبها وكاتبُه والمستشارُ الريفي وكتابُه؛ أي إن خمسة موظفين كانوا مسئولين عن جمع ضرائب المراكز أو المدينة التي كانوا مسئولين عن خراجها.
  • الضرائب المحصلة: (راجع: Pl. XXIX, 2, XXX, fig. 7) ويُلاحَظ في نفس قبر «رخ مي رع» أن ترتيب منظر الضرائب المحصلة قد رُسِم على غرار مناظر الجزية الأجنبية التي سبق الكلام عنها، وذلك أن محصلي الضرائب والكَتَبة والتابعين لهم كانوا يقفون على يمين الوزير، ويُشاهد كومة من الطرائف النفيسة مكدَّسة بينهم وبين دافعي الضرائب، وفي الصف الرابع من هذا المنظر نشاهد الموازين التي كان يحتاج إليها لمعرفة مقدار المعدن المقدَّم جزيةً.
    ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن الضرائب التي نشاهدها في الصورة لم تكن لجهة معيَّنة، بل في الواقع كانت نماذج من كل الضرائب التي كانت تقدم عينًا، ومن الجائز أنها كانت تشمل هدايا، وهي أشياء مختلفة لا نجدها ممثَّلة في جهات أخرى، ويظهر أنها قد أُتِي بها من أقاصي الجنوب؛ إذ نشاهد أفرادًا منها ممثلين واقفين بجانب الكومة التي في الصورة، وهكذا نجد في الصف الأول (Pl. XXIX, 2) قردة، وجلودًا في سلة، وحزمتين من سهام … إلخ. وفي الصف الخامس (Pl. XXXI. Row. 3) نشاهد بالقرب من موظفين من إدفو حقائب وحصيرًا من اليراع، وأخرى من الكلأ، وحبالًا، وعشرة أحجار «وجم» (؟).
  • أنواع المواد التي كانت تُحصَى: ومن قائمة المواد التي كانت تُقدَّم جزيةً (راجع: Pl. 104–106) نعلم أن سلع المبادلة لم تكن كثيرةَ الأنواع؛ إذ كان يبلغ عددها اثنين وعشرين نوعًا، ولكن ممَّا يسترعي النظر إهمال ذِكْر أشياء يجب أن نذكرها هنا، فمثلًا يظهر أن الشعير لم يُذكَر، وكذلك لم يأتِ ذِكْر الخنازير أو الماعز في هذه القوائم، ولم يُذكَر من أنواع الطيور هنا إلا الحمام؛ إذ كان يُعَدُّ ضروريًّا للمزرعة. والظاهر أن الماعز كان رخيصًا؛ فكلُّ خمس منها تُعتبَر وحدةً في المعاملة، وممَّا يُؤسَف له أن هذا المنظر قد شُوِّهت معالمه بالفجوات التي أُحدِثت فيه، هذا بالإضافة إلى صعوبة فهم ما تبقَّى منه، وفضلًا عن كل ذلك فإن هذا الإقليم من الصعيد، وهو الذي ينحصر بين «طيبة» و«أسوان»، كان فقيرًا نسبيًّا في محصولاته، ولا أدل على ذلك من أن الموظف في الشمال كان لا يدفع إلا ما يزيد متوسطه بقليلٍ عن نصف ما يدفعه من المعدن زميلُه في الجنوب، فقد كان يجلب غلالًا وماعزًا أكثر، ولكن ما كان يجلبه من النسيج أقل.

    وكان الشهد والبردي من محاصيل الشمال الهامة؛ ولذلك نلحظ أن «أرمنت» لم تكن تورد في ضرائبها إلا جرة واحدة من الشهد، وكانت الفضة من المعادن التي يوردها أهل الشمال بمثابة جزية؛ وذلك طبيعي لأنها كانت تورد للبلاد المصرية من هذه الجهة، في حين أن الذهب كان يتدفَّق من بلاد النوبة بوجه خاص، أما ما كانت تدفعه «طيبة» ضريبةً، فليس لدينا أية معلومات عنه، ولا بد أن ضرائبها كانت ضخمة جدًّا، ويُحتمَل أنه قد خصص لها قائمة خاصة.

    وقد ترك لنا «رخ مي رع» على جدران قبره قوائمَ توضِّح لنا الضرائب التي كان يدفعها أهالي الصعيد في عهده، وذكر لنا اسم الجهة وما تدفعه بالنقد (دبن)، وما تدفعه من المواد الغفل والحيوان والنسيج وغير ذلك، ويبلغ عدد هذه الجهات ثمانين جهة، أربعون منها في الإقليم الواقع ين «أسوان» و«طيبة»، وأربعون ما بين «طيبة» حتى «أسيوط» (راجع: “The Tomb of Rekh-mi-Re at Thebes” p. 104–106).

«رخ مي رع» وعلاقته بمصانع آمون وضياعه

لقد كان من أهم الوظائف التي يشغلها «رخ مي رع» «تولِّيه شئون معبد آمون» الإدارية، وبخاصة مصانعه وضياعه، وقد ترك لنا رسومًا على جدران قبره توضِّح لنا ذلك بجلاء (Plates. XXXVI–XXXVIII)، فنشاهده في منظرٍ واقفًا يفحص الجرايات التي كانت قد أُعِدَّت لرجال معبد «آمون»، وكذلك نراه يفحص الأثاث الذي صنع لهذا المعبد، وفي نفس المنظر نشاهده يفحص الأبقار والعمل في الحقول؛ ولسنا متأكدين إذا كانت هذه الحقول أملاك المعبد أو أملاك «رخ مي رع» نفسه، وقد دوَّنَ لنا «رخ مي رع» المتونَ التي تحدِّثنا عمَّا قام به في هذا الميدان (راجع: Pl. XXXVI)، وهاك النص: ««رخ مي رع» يفحص مواد الطعام اليومية التي تورد للمعبد، وكذلك يفحص إقامة آثار جميلة قد قام بإدارتها لمليكه الإله الطيب سيد مصر «منخبر رع» — ليته يعيش مخلدًا — لأجل معبد آمون ومعابد أخرى تحت إدارته.» على أننا لو دقَّقنا النظر في بعض أجزاء هذا المنظر، وبخاصة ما يتعلَّق منه بالأشياء المصنوعة في مصانع المعبد، لَعرفنا أنها لم تكن تُصنَع لتُستعمَل في المعبد وحده، بل نجد أن الكثير منها كان لا يمكن إلا أن يكون أثاثًا جنازيًّا للدفن الملكي، والأخرى كانت لتموين الجيش وإعداده.
  • تماثيل القبر الملكي: (Pl, XXXVI, XXXVII) فمن هذه الآثار الجنازية الملكية أربعةُ تماثيل قد وُجِد مثلها في المقابر الملكية فعلًا، مصنوعة من الخشب ومغطَّاة بطبقة من القار، كما نشاهد في مقبرة «توت عنخ آمون»، هذا إلى تماثيل أخرى تُرَى في هذه اللوحة رُسِمت بأوضاع مختلفة أهمها تمثالَا «بو الهول»، فقد لُوِّنَا باللون الذي يمثل الجرانيت الأحمر، وكل هذه التماثيل تصور لنا «تحتمس الثالث» وهو على عرش الملك وحده، أو معه زوجه «مريت رع حتشبسوت» بنت الملكة «حتشبسوت».
  • منتجات أخرى للصناع: (Pl. XXXVII) وقد أنتج صناع معبد آمون نفائسَ عدة أخرى، منها: (١) ثلاث قلادات من الخرز عليها أقفالها في صورة زهرة البشنين، وهذا الخرز كان مختلفًا ألوانه بين الأحمر والأزرق، كما كان بعضه حبوبًا من الذهب. (٢) أربع كنانات. (٣) تسع سكاكين من النحاس أو الظران. (٤) حزام من الخرز الأحمر والأزرق. (٥) قلادة من الخرز الأزرق. (٦) أربعة خواتم شعر مشطورة من الذهب. (٧) ثلاث أوانٍ من الذهب ومثلها من الفضة. (٨) إناء طويل من الذهب. (٩) ست عشرة (بلطة) أسلحتها من البرنز الأصفر. (١٠) ملاقيط (للنار). (١١) تسع دروع. (١٢) ثلاث حِزَم من الحراب. (١٣) حزام من الخرز الأحمر والأزرق. (١٤) قلادتان من حبات من الخرز الأحمر والذهب على التوالي. (١٥) سبع أوانٍ، خمس منها فضة واثنتان من الذهب. (١٦) أربع مباخر صفراء اللون. (١٧) خمسة أطباق صفراء. (١٨) سوط أصفر فيه عقدة بيضاء. (١٩) عشر خوذات صفراء. (٢٠) أعنة وملاقيط. (٢١) مرهم أصفر في طبق من الفضة. (٢٢) مرهم أبيض في جرة بيضاء. (٢٣) عصوان على هيئة ثعبان (لونهما أصفر). (٢٤) سرير من الأبنوس بأشرطة من ذهب. (٢٥) سلالم مذهَّبة للسرير. (٢٦) ثلاثة مضارب سحرية ينتهي طرفُ كلٍّ منها برأس فهد، وفي الطرف الآخَر رأس فنك (ضرب من الثعالب). (٢٧) أربع أوانٍ وطبق للمرهم صُنِعت من الزجاج والبرشيا والمرمر أو تقليدًا لها. (٢٨) أربع جرات من نفس النوع السابق. (٢٩) ثلاث جرات مرهم من الخزف الأزرق والأخضر والمرمر.
  • مخابز المعبد: وقد كان للمعبد مخابز خاصة لإطعام موظفيها (راجع: Pls. XXXVIII, XLI)، والمتن الذي فوق هذا المنظر يحدِّثنا عن المكان الذي كانت ترسل إليه هذه الأطعمة، وهاك نصه: «المشرف على مصانع آمون ومدير موائد القربان في الكرنك والعمدة والوزير «رخ مي رع» يحضر قربان الإله لمعبد آمون … وهي التي تُقدَّم له يوميًّا، وهي ما أراد هذا الإله الفخم … لأجل أن ترضى قريته (كا) بطعامه، ولأجل أن يستعطف بما يرغب فيه ويكافئ الملك الذي قدَّمها له، ملك الوجه القبلي والوجه البحري «منخبر رع» — العائش أبديًّا.» وفي هذا المنظر يُشاهَد نماذج من الفطائر والمشروبات كانت تُقدَّم لابن «رخ مي رع» المسمى «منخبر رع سنب» كاتب خراج معبد «آمون»، كما يُشاهَد في جزء آخَر من نفس المنظر صفان من حاملي القربان يحملون أطباقًا عليها أرغفة مفرطحة، وفي مقدمتهم رجل يحرق البخور، وقد كان الموظف المسئول مباشَرةً عن ذلك هو «مري» أحد أبناء «رخ مي رع»، وقد كان يُلقَّب (المشرف على مصانع «آمون»)، ويُشاهَد أيضًا رجل يحمل عبئًا يظهر أنه كان يحتوي عينات الشحم والدقيق والحب؛ لتكون ضمانًا على أنها هي المواد التي صُنِعت منها الفطائر والرغفان.
  • الخبَّازون وصانعو الجعة: (راجع: Pl. XXXVIII. Row. 2) وفي هذا المنظر نرى تحضيرَ العجين، كما نشاهد الخبز قائمًا على قدم وساق، فنشاهد عمَّالًا يملئون قوالب مخروطية الشكل، ثم تُوضَع في الفرن، والناظر المدقِّق لما يجري في هذه الصورة يجد كلَّ الخطوات التي تُتبع في استحضار الخبز والفطائر بأشكال مزخرفة ودقة متناهية، ممَّا يدل على التفنُّن حتى في صناعة بسيطة كصناعة الخبز، وبخاصة إذا علمنا أن اسم كل نوع منها كان يُكتَب فوقه باللون الأزرق أو الأحمر.

    وكذلك نشاهد في نفس هذا المنظر عملية َتحضير الجعة.

  • حقول «آمون»: ونشاهد «رخ مي رع» في منظر يفحص الأراضي المحروثة (راجع: Plates XXXIX, XLI)، وعنوان هذا المنظر المفسر له هو: ««رخ مي رع» الذي يثني عليه «نبري» (إله الحبوب)، والممدوح من الإلهة «رنوتت» (إلهة الحصاد)، والممدوح من الإلهة «سخات حور» (حامية الأبقار)، والأمير الوراثي، ومَن يملأ المخازن، ومَن يجعل مخازن الغلال غنيةً، ومَن يعطي مَن هو في حاجة، ومَن لا يبكِ منه شاكٍ، وموزِّع العدالة بين الفقير والغني، ومَن يجعل المتخاصمين يغادرانه وهما راضيان والعمدة والوزير، ورئيس محاكم العدل الست الذي وضعته السيدة «بت» وأنجبه الكاهن المطهر للإله «آمون» «نفرو بن» ابن العمدة والوزير «عامثو»، يتمتع نظره برؤية الأبقار، ويتسلى في أعمال الحقول، ويفحص أعمال الصيف والشتاء.» وممَّا يُؤسَف له جد الأسف أن هذا المنظر مهشم، غير أن عنوانه وما تبقى منه يدل على فحص الثيران، وعلى أن نتاجها كان عظيمًا في هذا العام، وكذلك يدل بعض بقايا هذا المنظر على عملية كيل الحبوب، وعلى درس القمح وغير ذلك مما يلزم لإعداد القمح بعد حصاده.
  • حصد القمح والكتان: (راجع: Plates XXXIX. Row. 1, 2) يُشاهَد في منظر حصد القمح والكتان رجال يقدِّمون طيورًا صيدت من القمح قبل ضمه، ثم يقدِّمون حِزَمًا من القمح وخبزًا أبيض بمثابة باكورة الحصاد، وخلف هؤلاء نجد حصادين يحضرون السنبل المقطوع من سيقانه في سلات مكدَّسة أمام الوزير، أمام سيقان القمح فقد تُرِكت واقفةً لأجل أن تُجتَثَّ بجذورها فيما بعدُ، وتنمُّ الكلمات التي كان يفوه بها العمال أمام الوزير عن أدبٍ جمٍّ، غير أن معظمها قد مُحِي ولم يَبْقَ منها إلا ما يأتي: «لأجل زوجك المطهرة لأجل روحك؟ يا أيها العمدة.» وكذلك نقرأ: «يا أيها العمدة الذي يحبه «نيري» (؟).»

    وكذلك نشاهد عمَّالًا يحضرون ماعزًا (؟) وثورًا وغزالة، أما باقي العمال فكانوا منهمكين في حصد حقول الشعير والقمح والكتان بمناجلهم، أو في اجتثاث سيقان القمح والكتان، وممَّا يُلاحَظ أنهم كانوا يعملون جماعات تتألف كلٌّ منها من خمسة رجال، ولم يَبْقَ من المتن المفسر لهذا المنظر إلا الكلمات التالية: «الحصد بوساطة عمَّال أوقافه الجنازية في حقول لأجله في الأراضي الزارعية الخاصة بالمدينة الجنوبية، ويقول العمَّال: إن الحقل في حالةٍ جيدةٍ جدًّا.»

  • حرث الأرض: (Pl. XXXIX row 3) يُشاهَد في هذا المنظر خمسة أزواج من البقرات تحرث الأرض، وقد فسر المنظر بالمتن التالي: «تقبَّلِ المحصولَ الطيب وكُلْ يا أيها العمدة والوزير «رخ مي رع» الشعيرَ (؟) … ثم يقول حراث: «بداية سعيدة، ويوم سعيد، وسنة سعيدة خالية من كل شر …» ويقول حراث ثانٍ مناديًا زميلًا له: «تقدَّمْ يا مَن تسد الطريق حتى نستطيع أن نكون أحرارًا في الروح والغدو»، وينادي ثالثهم بصوت مرتفع: «دَعْنا نسير، إنَّا نكد للسيد».»
  • استعمال الأراضي البور واستغلالها: (Pl. XL, 1-2 & XLII–XLVII, I) كان من أعز المتع وأحبها إلى نفس المصري، الترويحُ عن نفسه بالخروج في أوقات فراغه للصيد والقنص، وقلما نجد شريفًا من عظماء القوم منذ الدولة القديمة إلا صوَّرَ لنا ما كان يقوم به في هذا الميدان المحبَّب إلى نفسه، فيصوره لنا على جدران قبره أملًا منه في أن يتمتع به في حياته الآخرة، كما كان ينعم به في الحياة الدنيا. وقد ترك لنا «رخ مي رع» بدوره مناظر تحدِّثنا عمَّا أصابه في هذا المضمار من براعة، وما هُيِّئ له فيه من نجاح؛ غير أنه ممَّا يُؤسَف له جد الأسف زوال الجزء الأكبر الخاص بهذه الناحية من المشاهد التي رُسِمت على جدران قبره، ومع ذلك فإن ما بقي يقدِّم لنا صورةً ممتعةً تحتوي على شيء كثير من التجديد وحسن الإخراج ودقة الفن.
  • صيد السمك والطيور: (راجع: Plates XLI, 1-2; XLII) يُشاهَد مما تبقَّى من هذا المنظر جزء من غيضة بردي؛ ولا بد أن «رخ مي رع» كان يريد أن يضرب بخطافه السمك وهو في قاربه كما توحي بذلك «الصورة»، وفي جهة أخرى من نفس المنظر نفهم أنه كان يقوم بصيد الطيور، وفي جهة ثالثة نشاهده يحاول صيد حيوانات، وما بقي لنا من هذا المنظر المهشم لا يوحي بشيء جديد، بل كان منظرًا تقليديًّا، غير أنه مع ذلك يحتوي على تفاصيل عدة تجذب النظر اجتذابًا؛ لما فيه من حركات صادقة تتفق مع ما نشاهده في الطبيعة، وربما تهم هواة الصيد في أيامنا؛ فغابة البردي التي تظهر جامدة لا حراك في سيقانها أثناء الجو الحار، صالحة لأن تكون مأوًى أمينًا لجمٍّ غفيرٍ من الحيوانات، وبذلك فإن الصيَّاد الماهر الذي كان يتسلَّل في مثل هذه الأجمة، عندما كان يقترب خلف ستار ثلاثة الطيور التي أمسك بها في يده مرفرفة بأجنحتها، يتسنى له أن يصطاد الطيور التي كانت تترك مكمنها عند هذه اللحظة، وإذا اتفق أنها طارت فعلًا من أماكنها بالقدرة الإلهية، فإن عصا الصياد كانت تصيب هدفها الدقيق، والمتن الذي يصف لنا هذا المنظر هو (Plates XLI): ««رخ مي رع» محبوب إلهة البطاح، وحليف سيدة الصيد، مخترقًا البرك ومتسلِّلًا في مستنقعات البط، ومسليًا نفسه بصيد السمك في الأحواض.» وعن صيد الحيوان يقول:١٥٦ ««رخ مي رع» (ألقابه) حليف إلهة البطاح متمتع بمنظر الصيد الجميل، مشترك في نشاط «إلهة البطاح».» وفي نقش ثالث نقرأ: ««رخ مي رع» يخترق وديان الصحراء وسكان التلال، ويجد الرياضة في صيد حيوان الصحراء.»
  • وصف منظر الصيد والقنص: (راجع: Pl. XLIII) يُشاهَد بين منظرَيْ صيد الطيور وصيد حيوان الصحراء تابعون في ركاب الوزير «رخ مي رع» يحملون طيورًا ومعهم كلبة صيد وفضل من القسي والسهام، ويُشاهَد الصياد يفوق سهمه على عدد من حيوان الصيد المحصورة في حظيرة من الشباك، ويُلاحَظ هنا أن اختلاط الحيوان بعضه ببعض في داخل هذه الحظيرة قد أُخرِج بطريقة تجلَّتْ فيها حرية الرسام، أكثر مما نشاهد في المناظر الأخرى التي من هذا النوع، فسطح الجدار الذي صور عليه هذا المنظر قد لُوِّن باللون الوردي الخفيف، وقد بُعثِر عليه حصًى ملوَّن، وترى الحيوانات تنهب الأرض نهبًا في رقعة هذه الصحراء، وأشكال الحيوان هنا لا تختلف كثيرًا عن النماذج التقليدية، غير أن ما بقي من الرسم أحيانًا لا يعطينا صورةً صادقةً عن الحيوان وحركاته، كما هي الحال في النعام، أو في الضبع التي نشاهدها تعضُّ بحنق وغيظ السهمَ الذي نفذ في صدرها، ويُلاحَظ أن السهام التي إصابات الحيوانات غليظة مما جعل الدم يتدفق منها، وجعل كل حيوان يرخي لساقيه العنان؛ ومما يسترعي النظر كذلك أن تأليف هذه اللوحة يمثِّل اختلاط الحابل بالنابل، كما يمثِّل الارتباك الذي يسود أرجاء الشبكة، وهذا لا يتفق مع القواعد التقليدية، وقد أظهر الفنان مهارته في حفظ مجاميع الحيوانات منفصلة بعضها عن بعض، كما أفلح في تنويعها، فالجزء القريب من الميدان لعين الناظر يظهر مملوءًا بحيوانات تعدو بسرعة خاطفة في حنق ورعب، ثم يأخذ بعد ذلك منظر حركات الحيوانات في الهدوء عندما تقع فريسة للسهام، وتشاهد الكلاب تنقضُّ عليها في الحال إثر إصابتها.
  • منتجات الصحراء: (راجع: Pls. XLIV, XLV) يظهر أن المصري كان عظيم الاهتمام بإظهار ثمرة مجهوده بوصفه صيادًا، وكذلك ما كان يبديه من نشاط في جني الكروم وعصيرها، وعرض محاصيل الصحراء؛ إذ نشاهد الوزير «رخ مي رع» قد خصَّصَ جزءًا كبيرًا لهذه الأشياء، فقد رُسِمت أمامه هذه المناظر وهو جالس على كرسي عظيم يباشر القيام بأعبائها، وقد كُتِب فوق صورته متنٌ يفسِّر لنا ذلك، وهو: ««رخ مي رع» الذي أنجبه الكاهن المطهر للإله «آمون» «نفرو بن»، ووضعته سيدة البيت «نب»، يشرف على محصول ناجح ويتسلَّم جزية «طرق حور» … من ثيران ذوات قرون طويلة، وأخرى ذوات قرون قصيرة، وسمك وطيور وفاكهة وزهر بشنين وأعشاب … من الدلتا وكذلك جزية «طرق حور».» وكذلك نقرأ (راجع: Pls. XLIV, XLV): «إحضار ما حصل عليه من صيد الصحراء تيتل وغزال ووعل، وكل الطرائف الطيبة من لحم وخضر بمثابة قربان «طريق حور»، وهي أزهار بشنين، وأعشاب وبراعم بشنين، وسمك وطيور لا حصرَ لها، وثيران ذوات قرون طويلة، وأخرى ذوات قرون قصيرة ونبيذ وفاكهة، محققًا بذلك كلَّ ما تصبو إليه النفس لأجل روح «رخ مي رع».»

    ولا نزاع في أن وفرة هذه الأشياء التي أُحصِيت في هذا المتن توحي إلينا بأنه يوجد في مثل هذه الحالة فاصل بين التاريخ والخيال، فقد يكون من باب المجازفة استنباط أن «رخ مي رع» كان له ضياع خاصة في الدلتا، وبخاصة في النهاية الشرقية منها، أي: المكان المعروف باسم «طريق حور» (الملك)، أو أنه كان يتمتع بالصيد فقط هناك؛ إذ إنه ليس من المحتمل أن يكون لدى «رخ مي رع» من الوقت، بعد أن عددنا المهام التي كانت ملقاةً على عاتقه؛ ما يسمح له بترك «طيبة» والقيام بسياحة طويلة إلى الدلتا، بل إن ذلك كان مجرد تحقيق أحلامٍ ادَّعاها هنا وجعلها حقيقةً، ليلقي في روع الناس والآلهة أنه فرد جدير بالتمتُّع بكل ملاهي الدولة وخيراتها، وبخاصة إذا علمنا أن حدود نفوذه كانت تنحصر في صعيد مصر وحسب.

  • المناظر: (راجع: Pls. XLIV, XLVI, 1) وسواء أكان ذلك أضغاث أحلام أم حقيقة، فإنَّا نجد أمامنا في الصورة الصيدَ المقتولَ مكدَّسًا في كومة تحتوي كل أنواع الحيوان عدا الضبع، وقد كان يدوِّنها كاتب، كما نشاهد أنه بجانب كل حيوان مقتول آخَر حي قد جيء به ليسمن في الحظيرة الخاصة بذلك، ونجد من بين الحيوانات الحية الضبع، غير أنها تُرَى محمولة على قضيب، والسبب في ذلك أن الضبع حيوان صعب المراس، وصورته هذه منقولة عن التقاليد القديمة منذ الدولة القديمة.

    ومن جهة أخرى نشاهد الكروم تجمع وتعصر كما كانت الحال في «طرق حور» (الملك)، وهذا الإقليم الواقع على حدود مصر الشرقية كما ذكرنا كان عظيم الخصب مشهورًا بنبيذه، وقد حافظ على هذه الشهرة العتيقة حتى عهد القرون الوسطى الحديثة. وصورة قطف الكروم وعصرها عادية في ذاتها، غير أنه قد أسبغ عليها بهجة ورواء تلك الأغنية التي كان يتغنَّى بها عصار وبنت الكرم أثناء عملهم، فينشدون: يا «أرنوتت يا سيدتي، أغدقي علينا الخير العميم!» وقد كان ما تنتجه هذه الجهات من فاكهة هو الرمان والعنب؛ هذا بالإضافة إلى الأزهار والثيران.

  • غنيمة صيد الطيور: وفي جزء آخَر من هذا المنظر نجد غنيمة صيد الطيور التي عاد بها الوزير، وقد قام على نتف ريشها وتكتيفها ووضعها في القدور عمَّالٌ مختصون بذلك، وكذلك يُشاهَد السمك يُنظَّف ويُجفَّف في الشمس، وقد كانت ألسنة أولئك الذين كانوا يحضرون هذا السمك لتنظيفه لا تنفك عن الكلام، فيقول واحد منهم لصاحبه وهو يحاوره: «أسرع في فتح جوف السمكة. تأمَّلْ … إنها تظهر عندما ينخفض النيل. ويقول آخَر: يا أيها الخدم أحضروا السمك لفتحه. تأمَّلوا … إن إلهة البطاح تأتي وهي حسنة الإدارة.»
    وفي منظر آخَر (Pl. XLVI, 1-2) نلحظ أن السمك كان يُصاد بوساطة شبكة تُجَرُّ ثم تُحمَل إلى الشاطئ، وكان العمال لا يزالون يتكلمون في أثناء ذلك، غير أنه لم يصلنا شيء من حديثهم لتهشيم المنظر؛ أما ما تبقى من هذا المنظر فلا يمكننا أن نستنبط منه إلا ما نجده من رجال يحملون كل أنواع المحاصيل، منها طيور منتوفة وغير منتوفة، وسلات بيض، وأطباق من الشهد، وأباريق مختومة، وبردي ونسيج ملفوف.
  • المناظر الدنيوية: لم يَفُتِ الوزير «رخ مي رع» أن يفرد جزءًا من مناظر قبره لشئون الحياة الخاصة بالتموين وكل ما يتعلَّق به؛ ولذلك نجده قد استعرض لنا عدة مشاهد صوَّرَ فيها كلَّ أنواع المأكولات والمحاصيل، سواء أكانت من إنتاج البلاد المصرية نفسها أم من المحصولات الخارجية، وبخاصةٍ ما كان متعلِّق بإمداد خزائن الإله «آمون» أعظم الآلهة المصرية.
  • الحبوب المقدَّمة للإله آمون: (راجع: Pl. L, & LI) دوَّنَ لنا «رخ مي رع» متنًا فوق صورته يقول فيه إنه يتسلم الفول (؟) والشهد لخزانة معبد «آمون»، ويحافظ على كل الطرف بمثابة قربان لمعبد «آمون»، وذلك على حسب ما تفرضه وظيفته بوصفه المراقب السري.

    والواقع أن الصورة التي على الجدران تتفق مع هذا النص؛ إذ نشاهد حقائب فول يقدِّمها فلاحون بخضوع، كما نشاهد عمَّالًا يكدسون كومة من هذه الحبوب ويكيلونها، ثم يدون مقدارها، ويدل ما نشاهده في هذه الصورة على أننا لسنا أمام كومة قمح، بل حبوب أخرى حمراء قاتمة، يغلب على الظن أنها نوع من الفول.

    وتحدِّثنا النقوش عن ذلك فتقول: «تسليم فول «وعح» لخزانة المعبد.» والظاهر من الإجراءات التي كانت تُتَّخَذ بخصوص هذه المادة أنها كانت تُستعمَل غذاءً؛ إذ نشاهد عاملين يهرسان هذا «الفول» في هاون مصنوع من جذع شجرة، وقد كُتِب عليه الشرح التالي: دق الفول في خزانة «آمون» رب تيجان الأرضين، لأجل عمل القرابين التي قرَّرها جلالته. والظاهر أن هذا الفول كان يُهرَس فقط، كما يدل على ذلك قشوره الخشنة حتى بعد الهرس؛ ولذلك كان من الضروري فصلها، فكان يُنخل الدقيق المتخلف من الهرس عدة مرات بوساطة «خدام إدارة البلح». وأحيانًا نشاهد الدقيق يُغربَل بوساطة مذراة مصنوعة من خوص، ونسمع أحد أولئك الذين كانوا يقومون بهذه العملية ينادي قائلًا: «فَلْيُسرِع كل طحان منكم. تأمَّلْ إننا ننفذ أوامره (؟).»

  • فطائر مصنوعة من الفول (الطعمية): (Pl. XLIX, & L)، ومما يلفت النظر ما نشاهده من صنع أربع فطائر من هذا الفول، وقد مُزِجت عجينتها بالماء في حوض، وقد جاء المتن التالي شرحًا لهذا المنظر: «خبز رغفان يوميًّا لأجل الإله «آمون»، ولأجل تاسوع الآلهة التابعين له.» ويُلاحَظ هنا أن العجينة قد أُخِذت من الحوض، وقُطعت أجزاء على هيئة أقماع، وذلك بدحرجتها على لوح ثم إعطائها الشكل النهائي باليد، ولا بد أن هذه الفطائر كانت تُسوَّى على النار، غير أن الدليل الوحيد لدينا على ذلك هو وجود فرن لم يُوقَد بعدُ، ويُحتمل جدًّا أن هذه الأرغفة هي «الطعمية» التي تُعمَل من الفول في أيامنا.
  • نوع من الفطائر الحلوة: وكذلك يشاهد في هذا المنظر (Pl. XLIV. row 1) صناعة فطائر أُضِيف إليها أدم وشهد وبلح، وكانت تُسوَّى على النار، أما الشهد والبلح فكانَا يُضافان إليها في أثناء تسويتها على النار، وذلك بإذابة الأدم في قدر خاص، وقد فسر لنا المتن هذه العملية بالعبارة التالية: «إضافة الأدم وطهي خبز شعت.» وكانت هذه الفطائر تُخبَز على لوحة بعد تشكيلها في هيئة مثلثات مسطحة بيضية، ثم تُدهَن كلها بعجينة فيها أدم، وكانت الفطائر المثلثة الشكل لونها أحمر، وحافتها صفراء، وقد نُقِش فوقها: «فطائر بالشهد والبلح (؟).»
  • لف الفطائر في حِزَم لأجل القربان: ونجد مكتوبًا على أحد صناع الفطائر العبارة التالي: «عمل رغفان «سخنو» لأجل القربان المستحقة للمعبد.» ولذلك نشاهد في هذا المنظر عاملًا قد أعَدَّ حزمتين حملهما بوساطة نير، وهما يتألفان من الفطائر المثلثة والبيضية الشكل، وكلٌّ منهما ملوَّن باللون الأحمر، غير أن حافته قد لُوِّنت باللون الأصفر، والظاهر أنها محمولة في أقفاص من الخوص.
  • تربية النحل: (Pis. XLVIII. & XLIX) تدلُّ كل ظواهر الأمور على أن الشهد والبلح كانَا المادتين الرئيسيتين اللتين استعملهما المصري القديم لصنع الحلوى، وقد أراد الفنان المصري عند التدليل على وجود الشهد ضمن المحاصيل الوطنية التي كانت تُجبَى لمعبد آمون في عهد الأسرة الثامنة عشرة، أن يرجع في تصويرها لنا إلى الماضي البعيد، أي إلى عهد الدولة القديمة؛ إذ قد وضع أمامنا صورة لتوضيح تربية النحل التي كانت تُعَدُّ بلا نزاع من الصناعات المصرية القديمة الهامة، والصورة الوحيدة التي بقيت لنا من ذلك العهد السحيق، يرجع تاريخها إلى عهد الأسرة الخامسة، وقد كشف عنها في رسوم معبد الملك «نو سر رع»، ولا يبعد أن يكون مفتن الأسرة الثامنة عشرة قد لجأ لتقليدها، ولدينا صورة تشبه التي وُجِدت في عهد «نو سر رع»، يرجع عهدها إلى الأسرة السادسة والعشرين، وُجِدت في مقبرة فردٍ يُدعَى «بابس» (مقبرة رقم ٢٧٩)، وقد كشفتها بعثة «مترو بوليتان» في عام ١٩١٨-١٩١٩ (راجع: Lansing, M. M. A. XV. (1920) July Part II. Pp. 21 ff)، ورسم هذه الصورة رديء جدًّا، لدرجة أن البحاث لا يعرف أنها منظر تربية نحل إلا من الإيضاح الذي كُتِب عليها، أما في منظر مقبرة «رخ مي رع» فواضح بعض الشيء، فنشاهد الخلايا نفسها وهي مصنوعة من الطين الأحمر الرمادي، ولا تختلف في شكلها عن الأسطوانات المصنوعة من الفخار التي تُستعمَل حتى الآن في مصر الحديثة لهذا الغرض بعينه، وقد ثبتت في مواضعها أفقيًّا على مصطبة من الطين.

    أما الطريقة التي كانت تُستعمَل لجَنْي الشهد فهي طريقة التدخين؛ وذلك أن يُطلَق الدخان في أصل الخلية إلى أن يهجرها النحل، وكانت عملية التدخين تعمل بوساطة مصباح مركب فيه ثلاث فتائل، وقد أشعرنا المثال المصري بنجاح هذه العملية بأن صوَّرَ لنا أن كل النحل قد ترك الخلية ولم يَبْقَ فيها إلا نحلة واحدة، وكذلك نشاهد في الصورة أن النحال قد أخرج قرصًا بيضي الشكل، غير أنه لم يصوِّر لنا الكيفيةَ التي صنع بها النحل هذا القرص بشكله هذا.

  • تحضير الشهد: أما تحضير الشهد فكان يصفى القرص أولًا، ونستطيع أن نفهم ذلك من إناء مملوء بأقراص بيضاء، كما نشاهد عمَّالًا يختمون جرات كبيرة بأختام من طين أُخِذت من كومة أُعِدَّتْ لذلك الغرض، ومما يسترعي النظر أننا نشاهد العامل الذي يقوم بعملية ختم الأواني، وقد لُطِّخت يداه بالطين، وكان يمتاز الإناء الخاص بالشهد بأنه من الفخار الأحمر، وفوقه آخَر مقلوب بمثابة غطاء، وقد كان يفصل بين الإناء وغطائه خيط أبيض، كما استعمل لحبكها حبكًا متقنًا مادة الشمع كما يُشاهَد في الصورة.
  • خزن الجرار والمحاصيل الأخرى أمام الوزير: (Pl. XLIX, L. & “Paintings from the Tomb of Rekh-mi-Re at Thebes”, Pl. XV) وقد كان المصري يريد أن يحافظ على هذه الجرار بعيدة عن العبث بها، ولا غرابة في ذلك، فإن تاريخ الخيانة يرجع إلى عهد آدم وجنة عدن؛ ولذلك نجد أن الموظفين المنوط بهم ختم الأشياء الثمينة كانوا من أصحاب المكانات الهامة.
    وقد كان ضمن هذه الطوائف التي تجب المحافظة عليها على ما يظهر؛ الشهد والزيت والنبيذ، والواقع أن تخزين هذه المواد في مخازن خاصة في المعبد يُعتبَر من أهم المناظر التي وُجِّه لها عناية خاصة. ولما كان الزيت والنبيذ من المحاصيل التي اختصت بها الدلتا، فإنا نجد بحَّارة سفن النقل احتلوا مكانةً بارزةً في هذا المنظر، وكان يقوم بإدارة نقل الجرار المختومة ضابط سفينة قربان معبد «آمون» (راجع: Pl. L. row. 3)، وقد كتب فوق هذا المنظر الشرح التالي: «حمل النبيذ إلى مخازن المعبد، وهي التي يتسلَّمها الوزير «رخ مي رع».» وقد كان رئيس العمال يحضُّ عماله على المثابرة على العمل، في حين كان العمال يشتغلون في صمت. ويلفت النظر في هذه الصورة شاب نوبي يحاول أن يرفع إلى كتفه جرة ضخمة، وقد انقضَّ عليه رئيس العمل في أثناء ذلك بعصاه قائلًا: «قُمْ لا تتخاذل.»

    ونشاهد كذلك هنا عمال الواحات الذين مثلوا بهيئة قذرة، وقد طلب إليهم رؤساؤهم أن يهموا بإنجاز العمل قائلين: «أسرعوا حتى يُتقبَّل منكم هذا العمل، وحتى تغادروا هنا بالثناء «مكافأةً لكم (؟)».» ومعظم هؤلاء العمال كانوا يرتدون لباسًا يستر عورتهم فقط مصنوعًا من الجلد.

    وعند انتهاء العمل انحنى رؤساء العمال أمام الوزير بخضوع وخشوع بالغين، ثم نطقوا بكلمة كلها ولاء وهي: «والآن يبتهج قلبك يا أيها الشريف، وَلْتسعد أحوالك، إن الخزائن تقبض بجزية كل البلاد الأجنبية، وبزيت وبخور ونبيذ الدلتا، ومختلف محصول بلاد بنت وهداياها، وحقائب وأكياس محتوية سلعًا ذات قيمة، لدرجة أن عددها أصبح يُحصَى بمئات آلاف الملايين، (وكل ذلك) لملك الوجهين القبلي والبحري «منخبر رع» معطي الحياة، وهو الذي منه نتقبل الثناء يوميًّا.»

  • محاصيل أخرى من الدلتا: (Pl. XLIX) ولدينا منظر آخر في مقبرة «رخ مي رع» اجتمع فيه بعض محاصيل بلاد الدلتا، فنشاهد فيه حِزَمًا من البردي واليراع، وقد يجوز أنها مجرد نماذج ممَّا كان يورد بكميات عظيمة، كما نشاهد سلات مصنوعة من الخشب، غير أنه ليس في استطاعتنا معرفة ما كان فيها، وعلى مقربة من هذه السلات نشاهد كومتين يُحتمَل أن واحدة منهما تشتمل على صمغ «تي شبس»، كان يتسلَّمه كاتب الخزانة (Pl. XLIX, row. 2)، وكذلك نرى مساعدَ كاتبٍ يتسلَّم جزية الواحات الجنوبية (الخارجة) مع جزية الدلتا، في حضرة الوزير «رخ مي رع». أما المخزن الذي كان يحتوي هذه السلع، فبناء مقبب أُقِيم من اللبن، وليس فيه إلا إطار بابه من الحجر، كما يُشاهَد ممَّا يماثل ذلك قباب حتى الآن في المخزن الذي كشف عنه بجوار «الرمسيوم»، وممَّا يُؤسَف له أن اسم هذا المبنى قد فُقِد، ويُحتمَل أنه كان يُسمَّى «مخزن معابد «آمون» والآلهة التابعين له».
  • محاصيل الواحات: (Pl, XLIX & “Paintings” Pl. XIII) يظهر أن كلًّا من خزائن الذهب والفضة التابعة لمعبد «آمون»، ومخزن المعبد الذي على يسارها، قد أخذت الواحد مكان الآخر؛ وذلك لأن الأشياء الموضوعة على يمين الأول (Pl. XLIX, 2, & “Paintings” XIII) لا تشتمل إلا محاصيل بسيطة لواحة أو إقليم فقير؛ ويرجع السبب في ذلك إلى خطأ ارتكبه المفتن، ويمكننا أن نتعرَّف عن محصول الواحات من العنب والنعال التي نشاهدها مصوَّرة في المنظر، وكذلك نرى سلات بسيطة الصنع، وقيمتها تنحصر في محتوياتها، غير أن بعضها قد صُنِعت على هيئة جرار وخلايا نحل، وقد أتقن الصانع حبكها، هذا فضلًا عن أن ما على إحداها من صورة آدمية مصوَّرة بصورة هندسية بارعة، لَدليل على تقدُّم الفن في هذه الجهات.

    ويُحتمَل أن هذه الأواني كانت مملوءة بالنبيذ، وقد وضع فوق هذه الأواني مادة يجوز أنها لوف أخضر، أما الحزم التي نشاهدها بجوارها فيُحتمَل أن يكون نسيجًا حُفِظ بلونه الطبعي، فقد كانت كلها ملوَّنة باللون الأصفر، وكذلك الحقائب الطويلة التي تشاهد في هذا المنظر بلون أرجواني، ومختومة كل منها من إحدى طرفيها، تُعَدُّ من مميزات الواحات أو بلاد «بنت»، ويُحتمَل أنها كانت تشمل فاكهة أو بندقًا.

  • حاصلات بلاد النوبة: (راجع: Pl. XLVIII. & “Paintings” XIV) وبجانب محاصيل الواحات نشاهد كومة ثانية تشمل بداهة حاصلات بلاد السودان؛ إذ تشتمل ريش نعام وحِزَمًا من سيقان نبات «ثنو»، وأربعة دروع من الجلد قمعية الشكل بها قرع أبيض، وكتلًا من الأبنوس، وأسنان فِيَلة، وجلدَ فهدٍ، وأكياسًا مملوءة دومًا خشنة الصنع، وعددًا من القردة تحاول أكل ثمار الدوم الموجودة في الأكياس؛ لأن ثمار الفاكهة هو الطعام المستحب عند القردة (راجع: “Paintings”. XIV)، وأسفل هذا تشاهد قسي صفراء وكتل من الفضة وسبائك وخواتم من ذهب، وأكياس مملوءة بالتبر، وكراسي ربما كانت لجلوس القردة عليها (راجع: Pl. XVIII).
  • محاصيل أجنبية: (راجع: Pl. XLVIII) وفي نفس هذا المنظر نشاهد مبنًى كبيرًا أكثر متانةً من السابق، يظهر بداهة أنه أُقِيم من الحجر، وأُطلِق عليه الخزانة المزدوجة للذهب والفضة (أي: الخزانة)، والداخل فيها يشاهد سلات مملوءة بالفيروزج الأخضر المائل للزرقة، والكرتلين الأحمر (حجر الدم)، واللازورد الأزرق، وقطعًا من الفضة، ولفائف من الكتان، وحِزَمًا من النسيج أيضًا، وجرارًا مملوءة بصمغ البخور، وعطور «سفث»، وأكوامًا من البلسم، ويراعات (قنن)، وقضبانًا «تي شبس»، وحلقات من الفضة، وركائز من ذهب الجنوب، وزيتًا في جرار مختومة، وركائز نحاس، وكل هذه المواد قد وردت إلى مصر من الخارج.
  • عبيد معبد آمون وعملهم: «رخ مي رع» يفحص أحوال عبيد معبد آمون: (Plates LVI, LVII, LXXIII, 3. “Paintings”. XXIII) لما اتسعت أملاك مصر في الخارج ونمت صناعاتها في الداخل، أراد الفراعنة أن ينتفعوا بالأسرى الذين كانوا يستولون عليهم من هذه الأقطار المفتوحة، على أن تكون فائدتهم منهم مزدوجة، فقد كانوا يجلبون هؤلاء الأسرى إلى مصر ليعملوا في المصانع الوطنية، وبخاصة مصانع الإله «آمون» ومعابده، وكذلك كانوا ينتخبونهم من الأسر العريقة حتى يكونوا ضمانًا للفرعون على عدم قيام ثورات في القبائل التي أخذوا منها. والواقع أن الغنائم البشرية كانت دائمًا ذات قيمة عظيمة في نظر كل الشعوب، وإن كان جلبهم إلى بلد الغانمين يحمل في طياته العقاب المحتم، وهو ما ينتج دائمًا من اختلاط جنسين مختلفين من الناس، وبخاصة في الأنظمة والمعاملة التي كان يتبعها القاهر مع المقهور، هذا فضلًا عن الاختلاط الجنسي الذي كان لا بد منه، وما كان ينجم عنه من تغييرات في الأخلاق والعادات؛ وهذه الملكية الجديدة وما تنطوي عليه من نُظُم في المعاملة قد مثلت أمامنا في صورة رائعة في مقبرة «رخ مي رع»، حيث نجده قد جلس وخلفه حاشيته، وعلى الرغم من أن المتن المفسر لهذا المنظر قد هشم بعض الشيء غير أنه يقدِّم لنا صورةً لا بأس بها عن مغزاه؛ إذ يقول: «إن «رخ مي رع» يقوم بفحص (أحوال) عبيد أملاك معبد «آمون»، وكذلك مصنع أملاك المعبد — وهؤلاء العبيد هم الذين جاء بهم الفرعون أسرى أحياء، وفرض على أهلهم أن يكون أولادهم جزيةً — لإعطائهم نسيجَ كتان وعطورًا وملابس على أنها ذخيرتهم السنوية …» وفي متن آخَر يقول: «إن «رخ مي رع» يقوم بفحص المصانع في «الكرنك»، والعبيد الذين أتى بهم جلالته من انتصاراته على الأرضي الجنوبية والأراضي الشمالية بمثابة أنهم نخبة غنيمته، وإنه (الملك) الإله الطيب سيد مصر «منخبر رع» — له الحياة والسعادة والصحة — لأجل صناعة كتان الفرعون والكتان النقي والكتان الجميل … والكتان المنسوج نسجًا دقيقًا؛ وهم العبيد الذين يقدمون الآن نسيجهم «لآمون» في كل أعياده على حسب عددهم، لمدة ملايين سني الفرعون …» ويُلاحَظ أن عدد العبيد كان عظيمًا، وكذلك كان مسك دفاترهم؛ ولذلك نجد رجال السكرتارية جالسين في راحة مزاولين عملهم الطويل.
  • الإماء: ويدل المنظر على أن هؤلاء العبيد كانوا موزَّعين على إدارتين رئيستين، وهما إدارة الغزل والنسيج وإدارة المراعي، ففي الأولى كان الاعتماد على النساء أكثر من الرجال، غير أنه كان لا بد من إعطاء الجوائز الخاصة لحث النساء على العمل والقيام به خير قيام، على أن المنظر الذي نشاهد فيه النساء ممسكات بأيدي أولادهن لأجل فحصهن ثم تسجيل أسمائهن (Pl. LVII. row. 1) يُشعِر بوحشية وقسوة؛ وذلك لأن القائمين بهذا العمل كانوا لا يُظهِرون أيَّ اهتمام؛ لأنهم كانوا يعدُّونهم في نظرهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا، وعلى الرغم من ذلك ليس لدينا من البراهين ما يوحي بأن هؤلاء الصغار كانوا يُباعون، وإن كانت خدماتهم فيما بعدُ يمكن بيعها، وغالبًا ما كان يؤدِّي هذا العمل إلى أسوأ استعمال وأشنع نتائج. (راجع: Davies, M. M. A. XXIII. (1928) Sec. II. p. 40. & the light on slave dealing, Ibid XXX. (1935). Sec. II. p. 54).

    ومع ذلك فليس لدينا من الأدلة ما يجعلنا نفرض عدم الإنسانية أو القسوة في معاملة هؤلاء الأسرى؛ إذ نجد أن الجيل الثاني من هؤلاء العبيد لم يكن أهله بأتعس حالًا من المصريين أنفسهم، وتدل ظواهر الأمور على أن الإماء من هؤلاء العبيد كنَّ أحسن حالًا من زميلاتهن من المصريات الصميمات أحيانًا؛ إذ قد نلن حظًّا من السعادة ورغد العيش في وطنهن الجديد، وقد برهن على أنهن جديرات بأخذ حقوقهن؛ فقد كان المصريون الذين يعاشرونهن يعلمون علم اليقين أنه ليس من صالحهم أن يثيروا غضبهن أو يعملوا على قهرهن.

  • مرتبات الإماء: وقد كانت النساء يتسلمن مرتباتهن من نسيج الكتان الذي كان يُوزَّع عليهن، وقد كان هذا النسيج مزركش الحواشي يُقدَّم في هيئة مقاطع ضخمة، وقد أمكن أن نعرف من إحدى الحالات نسبة طول الكتان المنسوج؛ إذ نشاهد في الصورة قطعةً منه مبسوطة أمامنا لتقسم اثنتين (Pl. LVI. row. 1). وكذلك كان يصرف لهن الدهن، ويُحتمَل أنه كان عطورًا كما يُحتمَل أنه كان شحمًا للمصابيح، والظاهر أنه كان على نوعين؛ إذ نجد أنه في حالة يصبُّ من جرة كبيرة كالزيت، وفي حالة أخرى كان يكدس كالعجين في طبق، وتدل ملامح هاتيك النسوة على أنهن كن من «الخيتا» ذوات الشعور الطويلة، ومن «النوبيات» اللائي يحملن أولادهن في سلات، ومن «السوريات» اللائي يمتزن بحللهن المزركشة، ويُلاحَظ أن الأطفال كانوا يلبسون تعاويذ، ومن هذه نشاهد صورة شمس ساطعة على فتاة سورية وهلالًا يتحلى به الطفل الذي تحمله (Pl. LVII. row. 1).
  • الرجال العبيد: ومما يلفت النظر أن الرجال الأجانب الذين كانوا يوردون الكتان (Pl. LVI, LVII) والمصريين الذين يتسلمونه منهم، لا يمكن تمييز بعضهم من بعض، فقد كانوا يلبسون زيًّا واحدًا وملامحهم واحدة، والنسيج الذي كانوا يقدِّمونه كان إما مطويًّا بعناية ليكون صالحًا للمبادلة، وإما منشورًا للاستعمال العاجل. ونشاهد هنا ثانيةً الأكياسَ والحِزَم والنسيج المزركش الأطراف، وأحيانًا نجد نسيجًا له حواشٍ يستعمله السوريون (راجع: Pl. XXII. row. 2)، وليس لدينا فيما تبقى من هذا المنظر إلا رأس واحد تدل تقاطيعه على أنه رأس أجنبي، وإن كانت ملابسه لا تدل على ذلك؛ ويُحتمَل أن الماشية التي نشاهدها في المنظر كان يرعاها أولئك العبيد الذين لم يَبْقَ لنا منهم إلا رأس واحد، وهم من الأجانب (راجع: Pl. LXXIII, 3).
  • صناع الإله آمون: رخ مي رع يُشرِف على الصناع: (Pls. LII, LV & “Paintings”. XXIII) كان الوزير «رخ مي رع» يعلم تمام العلم ما للصناعة والحِرَف من شأن عظيم لقضاء مآرب الفرعون الدنيوية والأخروية، وكذلك بوجه خاص ما للصناع من مكانة عظيمة في إنجاز كل ما يحتاج إليه معبد الإله «آمون»، من قِطَع فنية وأدوات العبادة المختلفة الأشكال والألوان، ومن أجل ذلك خصص لها جزءًا عظيمًا من جدران مقبرته، صوَّر لنا فيه نشاط أصحاب الحِرَف والصناعات بصورة لا تحتاج إلى إيضاحٍ أكثر من النظر إليه بالعين المجردة، ومع ذلك فإنه شفع كل حرفة وكل صناعة بما يوضِّح لنا ما يكون قد غلق علينا فهمه منها؛ ولذلك تُعتبَر مناظر قبر هذا الوزير الصناعية مفصلة أكثر من أية مناظر أخرى وصلتنا من هذا العهد، يُضاف إلى ذلك أن الزمن قد حبانا بما نتطلب منه، فلم يعبث بهذه المناظر الفذة بدرجة مشينة تشوِّهها كما حدث في المقابر الأخرى التي أخنى عليها كر الغداة ومر العشي، وزاد في طمس معالمها يد الإنسان وما تُحدِثه من تخريب وعبث؛ فنشاهد في مقبرة هذا الوزير الصناع وقد اصطفوا أمام الوزير على اختلاف مهنهم وحِرَفهم، من صنَّاع مجوهرات إلى عمال قطع أحجار ودباغي جلود ونجارين ومعدنين، فيضع كل المشتغلين بهذه المِهَن منتجات أيديهم وعقولهم عند قدمي الوزير العظيم.
  • «رخ مي رع» يقدِّم التعاليم للصناع: فيُشاهَد هذا الوزير واقفًا وبصحبته أربعون من أتباعه يفحص كلٌّ منهم أعمال صناع معبد «آمون»، ويعطي التعاليم لكلِّ عامل عن واجباته في كل منهاج من أنواع الإنتاج، وقد كان «رخ مي رع» يُوصَف هنا بأنه الأمير الوراثي وعمدة المدينة والوزير ورئيس المحاكم الست العظيمة، غير أنه كان من الواجب أن يُنعَت هنا كذلك بأنه الوزير الذي يضع القوانين للكهنة، ويقود الكهنة المطهرين عند أداء واجبهم، وإنْ كان من الصعب تمثيله هكذا في هذا المنظر. والواقع أن وظائفه الخاصة بالكهانة لم تكن مجرد ألقاب شرف وحسب، وحتى إذا كانت منحصرةً في الملاحظة النهائية كما ذكرنا، فإنها كانت مع ذلك عبئًا ثقيلًا آخَر أُضِيف إلى الأثقال التي كانت تنوء بها وظيفة الوزير، وسنذكر هنا كلَّ هذه الصناعات بنوعٍ من الاختصار.
  • صنَّاع الخرز: (Pl. LIV) يُشاهَد في هذا المنظر (Pl. LIV. row. 1) صياغ منكَبُّون على أعمالهم، فنجد أولًا ثلاث كميات من الخرز الأخضر لعمل قلائد «منات»، كما نجد جرارًا بعضها مصنوعة من المرمر والبعض الآخَر من مادة مطلية، وأسماطًا منظومة بحبات من الخرز الصغير والكبير، وفوق هذه الأشياء يُرَى صانع يثقب خرزًا من الحجر، وبجانب هذا الصانع نشاهد صناعًا آخرين ينظمون الخرز أو ينظفون الثقوب التي عُمِلت، وبجانبهم سلات تحتوي بداهة على أكوام من الخرز الأزرق المائل للخضرة، ولا بد أن هذه السلات كانت لوضع القلادات التي فُرِغ من صنعها.
  • تفريغ الأواني المصنوعة من الحجر: (Pl. LIV) تدل شواهد الأحوال على أن صورة صنَّاع أواني المرمر قد انحدرت إلينا من عهد قديم جدًّا (Pl. LIV, left)، وفي هذه الصورة نشاهد الخطوات التي كان يتبعها الصانع حتى ينتهي من تفريغ آنيته، وقد كان ذلك يحتاج إلى صبر وأناة، ومما يلفت النظر هنا أن الصانع عندما كان يُكلَّف تفريغ إناء ضخم، لم يكن لديه من الآلات ما يساعده على القيام بذلك دون كسر الحجر، وبخاصة إذا كان الإناء واسعًا في جزئه الأسفل وضيِّق الرقبة؛ ولذلك كان يصنعه من قطعتين يفرغ كلًّا منهما على حدة، ثم يلحم بعضهما ببعض عند أوسع نقطة في جسم الإناء.
  • العمال وصناعة الجلود: (راجع: Pl. LII, LIV) إن أهم ما يلفت النظر هنا صناعة النعال البيضاء، وهذه النعال كانت على نوعين عرضتا هنا في وضعين، أحدهما عادي والآخَر عُمِل بأشكال غريبة؛ والواقع أنها نعال ذات أشكال خيالية صُنِعت أربطتها على صورة سمكة، ويُشاهَد هنا كذلك مجاميع من لفافات الجلد ممَّا يدل على أن الجلد الأبيض كان يُستعمَل مادةً كالبردي للكتابة عليه، غير أنه تُشاهَد كومة أخرى من الجلود ذات لون أحمر ورقعة بيضاء بَيْدَ أنها رقيقة تُستعمَل للكتابة عليها، وترى كذلك خادمًا يحضر كمية جلود، وهذه بلا شك أدوات السراجة والمعدات اللازمة للعربة، ويمكن للإنسان أن يرى في هذا المنظر الخطوات التي كانت تُتَّخَذ لتحضير الجلود لعمل النعال.
  • دَبْغ الجلود وصناعة النعال: (Pls. LII, LIII) يُشاهَد هنا عملية تليين الجلود في وعاء كبير لتصبح صالحةً لصناعة الدروع كما ذكرنا من قبلُ، والواقع أن الدرع كانت تحتاج إلى معظم جلد حيوان صغير، وكان الجلد بعد تليينه يعطاه صانع آخَر (Pl. LIII, row. 1)، فتُؤخَذ القطعة المربعة منه ليُصنَع منها نعال للأحذية، وهنا نشاهد كلَّ الخطوات التي كانت تُتَّبَع لإتمام الحذاء، كما نشاهد كلَّ الآلات التي كانت تُستعمَل في ذلك، وكذلك كيفية العمل (راجع: Pl. LIII, row. 1).
  • الحبال المصنوعة من سيور الجلد: (راجع: Pl. LIII, row. 1) وفي أقصى المنظر السابق نشاهد عاملًا ماهرًا ذا تجارب قد أمسك بقطعة كبيرة من جلد حيوان، وأخذ يقطع منها سيورًا طويلة بوساطة سكين لتصنع حبالًا مفتولة من ثلاث سيور كل منها، وطريقة فتل هذه الحبال موضَّحة في الرسم، وهي نفس الطريقة التي تُستعمَل في فتل الحبال المصنوعة من الكتان (راجع: Pl, LII).
  • النجارة وآلاتها: (راجع: Pls. LII, LIII, LV) عُرِض في هذا المنظر بعض قطع أثاث مصنوعة من الخشب (راجع: Pl, LV)، منه مقبض مروحة ووسادة وصندوق مطعَّم، وتمثال واقف مصنوع من خشب الأبانوس أو الخشب المطلي باللون الأسود، وهو ذو حواف مذهَّبة، هذا ويُرَى محراب ليُحفَظ فيه التمثال السالف الذكر.
    ويُشاهَد في هذه الصورة عاملان يضعان طبقة من الجص على صندوق، وقد وُضِعت على سطح مغري لأجل تذهيبه، وذلك لما نشاهده من إذابة الغراء في إناء موضوع على النار، أما الجص فكان يُطحَن بحجر رملي أحمر، هذا ويوجد كذلك نجار مفتن مجهَّز بآلات١٥٧ دقيقة لإنجاز أعماله.
  • صناعة المحاريب: (راجع: Pls. LII, LIII) في هذا المنظر نشاهد صنع محراب من الخشب الأصفر المزخرف بالأبنوس، وُكِلَ بصناعته أربعة عمال، وفوق هذا المحراب مصراعَا باب، ويُشاهَد في ترصيع هذا المحراب صور تعاويذ وحليات ذوات قيمة فنية عظيمة، والمتن المفسر لذلك يقول (راجع: Pl. LIII, 3): «إن هذا الشريف هو الذي يضع القواعد، ويرشد أيدي الصناع الذين يصنعون أثاثًا من العاج والأبنوس، وخشب «سسترم»، وخشب «مرو»، وخشب الأرز الحر المجلوب من قمة منحدرات جبال «لبنان».»

    ومن هذا المتن يظهر جليًّا أن الوزير «رخ مي رع» أراد أن يبرز أمامنا صراحةً ما له من باعٍ طويل وعلم غزير في الحِرَف، لدرجة أنه كان يتدخل في هذه الصناعات الدقيقة ليرشد الصناع بخبرته ودرايته فيها، ولا غرابة في ذلك؛ فقد كان سيده الفرعون «تحتمس الثالث» يضع التصميمات لبعض القطع الفنية، ثم يعطيها الصناع لتنفيذها، وفي هذا المنظر نرى كذلك كيفيةَ سير العمل وتدرُّجه حتى النهاية.

  • وزن المعادن الثمينة: (راجع: Pl. LV) وقد كان من أهم ما يُعتنَى به عند القائمين بوضع تصميمات القطع المعدنية الفنية؛ أن يزنوا للصياغ المقدارَ اللازم لكلِّ قطعة، على أن يتسلَّموها ثانيةً بعد صناعتها تامة غير منقوصة؛ ولذلك نشاهد في هذه الصورة الميزانَ الذي كانت تُوزَن به هذه المعادن (Pl. LV. row. 2). وفي المنظر الذي أمامنا نشاهد خمس حلقات من الذهب وُضِعت في إحدى كفَّتَيِ الميزان، وفي الكفة الأخرى وزن مقبب الشكل والآخَر على هيئة رأس ثور، كما نشاهد وحدات موازين أخرى بالقرب من الميزان لاستعمالها عند الحاجة، ويُلاحَظ من بينها وحدة في صورة فرس بحر، كما نشاهد ثلاث حلقات من الفضة وأربعًا من الذهب وُضِعت في سلة لتوزن، ومن المحتمل أن الرأس الذي يتوَّج به عمود الميزان هو رأس الإلهة «ماعت» إلهة العدل والحق، أي إنها وُضِعت في مكانها هنا لتنبه القائم على الوزن أن يزن بالقسطاس المستقيم.

    ونشاهد كذلك في هذا المنظر معظم قِطَع الأثاث التي كانت تُستعمَل في المعبد، وبخاصة الأواني والأقداح والقواعد التي كانت تُوضَع عليها، وكلها قد صُنِعت من الذهب والفضة على التوالي، والمتن المفسر لهذا المنظر هو: «إعداد صياغ الإله آمون والمشرفين على صياغ آمون لإنجاز كل عمل لمقر الملك على حسب عملهم اليومي، وكانوا يحصون بملايين الآلاف في حضرة العمدة والوزير رئيس المحاكم الست العظيمة «رخ مي رع».»

  • طرق المعادن ولحم الأواني: ولدينا مناظر في مقبرة «رخ مي رع» توضِّح أمامنا عمليات طَرْق المعادن ولَحْم الأواني، فعملية الطَّرْق كانت بسيطة ساذجة، وذلك بأن تُطرَق بوساطة مدقَّة حتى تصير لوحات رفيعة (راجع: Pl. LV)، وهذا المعدن كان يُستعمَل بعد طَرْقه في صنع الأواني، والمتن المفسر هو: «صنع أوانٍ مختلفة لأجل أن يستعملها الإله لشخصه، وصنع عدد عظيم من الأواني الذهبية والفضة، وكلها منتجات خالدة.»
    وقد كان لا بد من لَحْم بعض أجزاء الأواني، فكان المصري يستعمل في الوصول إلى ذلك طريقةً خاصة يستعمل فيها معدنًا خاصًّا يُذاب، والطريقة مشروحة كلها في الصورة (راجع: Pl. LII, LIII row. 3).
  • صَهْر المعادن: (راجع: Pl. LII. row. 2) وكذلك نشاهد في الصورة طريقةَ صهر المعادن وصبها في قوالب، ولما كانت المعادن المصهورة التي يحتاج إليها كثيرةً؛ فلذلك نشاهد أنه كان يقوم بهذه العملية عدة فِرَق كما يُشاهَد في المنظر.
  • صَبُّ المعادن: وكذلك لم يَفُتِ المفتن أن يرسم لنا كيفيةَ صبِّ المعادن في القوالب والأشكال المطلوبة (Pl. LII, LIII)، ونشاهد في المنظر الخاص بذلك صبَّ مصراعِ بابٍ لا بد أنه كان من النحاس (Pl. LII. row. 2)؛ ولذلك نشاهد قالبًا من الطين المحروق يوجد به ما لا يقل عن سبعة عشر ثقبًا يصبُّ في أحدها المعدن المصهور، غير أن هذه الصورة صعبة الفهم؛ لأننا لم نَرَ بابًا من النحاس قد صُبَّ دفعة واحدة بهذه الكيفية، كما أنه ليس لدينا ممَّا وصلنا من الأزمان القديمة ما يثبت ذلك، ومهما تكن العملية التي نشاهدها هنا، فإنها تدل على مشروع ضخم؛ ولذلك لم تُترَك لفرد واحد للقيام بها، فنشاهد العمال يمشون كأنهم جنود تحت الطلب حاملين آلاتهم وكأنها أسلحة قتال، ليساعدوا القائم بالعمل إذا اقتضَتِ الحال.
    وقد نُقِش متن مع هذا المنظر يُحتمَل أنه كان أغنية يتغنَّى بها الحدادون وهم سائرون (راجع: Pl. LIII, row 3) ترويحًا للنفس، وهي: «مرحبًا يا «منخبر رع» يا ملك الآثار الجميلة، يا مَن أعطي الحياة مخلدًا! إنه موجود كما هي موجودة (الآثار) أبديًّا! وإن «آمون» يعطيه ما يساويها من الحياة والسعادة؛ لأنه يقدم المرة تلو المرة العطايا إلى بيت والده المقدس.»
    ويُشاهَد على يمين هذا القالب حقيبةً مملوءةً فحمًا، ثم ثلاثة رجال (Pl. LIII, 3) يحضرون ركيزة من النحاس وسلتين مملوءتين من نفس المعدن، وهؤلاء العمال يصفهم المتن: «بأنهم أحضروا نحاسًا آسيويًّا، وهو الذي جلبه جلالته من انتصاراته في بلاد «رتنو»؛ لأجل صبِّ بابَيْ معبد «آمون» بالكرنك، وهما اللذان قد غُشي سطحهما بالذهب الذي يسطع في أفق السماء، وقد كان العمدة والوزير «رخ مي رع» هو الذي يدير الأعمال لإنجازها.»
  • المباني والتماثيل: الأعمال الضخمة: (راجع: Plates, LIII, LXIII, “Paintings” XXIII) لقد كان ضمن الأعمال الإدارية التي اختصَّ بها الوزير «رخ مي رع» المباني العظيمة التي أقامها الفرعون في «الكرنك»، وممَّا يُؤسَف له جد الأسف أن الصورة التي مثل فيها وهو يشرف على هذه الأعمال قد هشمت، ولم يَبْقَ لنا من الموظفين الذين مثلوا معه فيها إلا عدد قليل.

    ولكن لحسن الحظ قد أبقت يد المخربين على المتن الذي يصف لنا هذا المنظر، وهو: «إن «رخ مي رع»، وهو الشريف الذي يضع القواعد لمعابد الوجه القبلي والوجه البحري والقاضي الأعلى صاحب المكانة الممتازة، يقوم بفحص كل أعمال مؤسسة «آمون» في الكرنك، جاعلًا كل إنسان يعرف عمله المعتاد؛ وذلك لأن «رخ مي رع» هو الموظف المشرف على الأعمال.» وقد استعرض في هذا المنظر أمام الوزير أعمالًا كثيرة لم يَبْقَ منها إلا ما يشير إلى إنجاز مبنًى ضخم للإله «آمون»، بعضه باللبن وبعضه بالأحجار، ثم صناعة تماثيل، ونقل كتل من الأحجار يحتاج إليها بطريقي النيل واليابسة، وكذلك نشاهد تنظيمَ طوائف العمال الذين كانوا يساعدون على إنجاز هذه الأعمال العظيمة.

  • العبيد وصناعة اللبنات: (راجع: Plates LIII, LIX, “Paintings” XVI, XVII) كانت صناعة اللبنات من أهم الحِرَف السائدة في طول البلاد وعرضها، وبخاصة إذا علمنا أن بيوت الفقراء والأغنياء على السواء كانت تقام من هذه المادة في كل أزمان التاريخ المصري القديم، وذلك لاعتبارات صحية ودينية معًا؛ إذ كانوا يعتقدون أن المباني الدنيوية عرض زائل، كما كانوا لا يريدون أن يقيدوا مَن يجيء بعدهم بمبانيهم التي ربما لا تتفق مع ذوقهم أو ذوق العصر الذي يعيشون فيه، هذا فضلًا عن أن المباني التي باللبن تجعل المنازل رطبةً في أيام القيظ الشديد في مصر التي يمتاز جوها بالحر الشديد خلال أشهر الصيف.
    ونشاهد في المنظر الذي خلفه لنا «رخ مي رع» صناعة اللبنات ونقلها، ويدل العرض الذي أمامنا على حيوية ومهارة عجيبة، فقد رسمت أمامنا البركة التي تُؤخَذ منها المياه كأنها لوحة مزخرفة بأزهار البشنين، وكذلك نبت على شواطئها المنحدرة الكلأ المتماوج (“Paintings” Pl. XVI)، والواقع أن المفتن الذي رسمها قد قدَّمَ لنا بركة نموذجية زين سطحها بالأزرق المموج، والعمال فيها قد انحنوا في الماء ليملئوا جرارهم ملونين بالألوان الجميلة، ممَّا أضفى على المنظر بهجةً ورواء، بدلًا من أن يرسمها مجرد حفرة فيها ماء، والمنظر يُعتبَر بمثابة ضوء لامع قد أُرسِلت أشعته على مكان قاتم مظلم، أما اللبنات التي كانت تُصنَع فتُرَى مصفوفة، يزداد عددها كلما ازداد إنتاج العمال بالقوالب التي في أيديهم، وعلى مقربة من العاملين اللذين يقومان بضرب الطوب، تُرَى أكوام من التراب الذي كان يصبُّ عليه الماءَ رجالٌ قد لُطِّخت أيديهم وأرجلهم بالأوساخ، والمدقق في سحنة هؤلاء العمال يلحظ أنهم غرباء، كما يدلُّ على ذلك ما كتب أعلى هذا المنظر إذ يقول المتن: «الأسرى الذين أحضرهم جلالته لأعمال المعبد.» والواقع أننا نجد بينهم سوريين ذوي بشرات بيضاء وأعين زرقاء، كما يوجد بينهم نوبيون يمتازون بجلودهم الحمراء وشعرهم المصبوغ باللون الأحمر، هذا فضلًا عن وجود آخرين لا يكاد الإنسان يميزهم من المصريين، ومما يلفت النظر هنا أن السوريين كانوا كلهم متقدمين في السن كما يُفهَم من شعورهم البيضاء (Plate XVII)، على أن ذلك قد يكون مجرد لون يدل على بياض البشرة.
  • أحجار المباني: (راجع: Plates LVIII–LXV; “Paintings” Pl. XVII) من المدهش أن العمل الذي يقوم به الصناع في هذا المنظر قيل عنه في المتن المفسر له: «إنهم يصنعون لبنات لبناء مصانع جديدة للإله «آمون» في الكرنك.» غير أن ما نشاهده في الصورة يختلف عن ذلك؛ إذ نجد أمامنا «سوريًّا» يضرب «ببلطته» في كومةٍ من قطع الأحجار، هذا إلى أن هذه الأحجار لا تدل على أنها آجر محروق؛ لأن هذه المادة كان لا يستعملها المصري في تلك الفترة من تاريخ البلاد، يضاف إلى ذلك أنه كتب فوق صورة عامل يحمل قطعة واحدة بيضاء من الحجر المتن التالي: «إن المشرف يقول للبناء إن قطع الحجر جميلة في يديه.» ونشاهد في منظر آخر مبنًى يقام في معبد الكرنك، وقد صنع له منزلق كالذي نراه حتى الآن في الكرنك، مبني باللبن والطين واليراع وأغصان الأشجار وغير ذلك (راجع: Pl. LX)، كما نشاهد لذلك منظرًا يصوِّر لنا جرَّ الأثقال وبخاصة الأحجار الثقيلة (راجع: Pl. LVIII)، وفي ثالثٍ يُشاهَد تسوية الأحجار (راجع: Pl. LXII) والآلات المستعملة لذلك، ثم نرى كذلك كيفية وضع الألوان والزخرفة (راجع: Pl. LXXIII, 2).
  • تماثيل معبد «آمون» ونحتها: (راجع: Plate. LX) وقد كان من الضروري بعد إتمام بناء المعبد من القيام بعمل ما يلزمه من قطع فنية كان لا بد منها، وبخاصة تماثيل الإله، وقد أسعدنا الحظ بأن حُفِظت لنا صورة فخمة نشاهد فيها نحت التماثيل الضخمة التي لا تزال حتى الآن موضع إعجاب العالم بأسره؛ ففي الصورة نرى تمثالين نُحِتَا ضعفي الحجم الطبيعي، وقد وقف نحاتون على حمالات يعمل كلٌّ فيما كُلِّف بإنجازه، والظاهر أن هذين التمثالين قد نُحِتَا من الجرانيت الأحمر.

    وكذلك نرى تمثالَيْ «بو الهول» ومائدة قربان عظيمة من الحجر الجيري الأبيض، وهناك تمثال ضخم جالس يمثِّل «تحتمس الثالث»، يعمل في إنجازه ثلاثة نحَّاتين كلٌّ منهم يقوم بالعمل الخاص به، فصانع يهذِّب القطع الزائدة وآخَر يصقل سطح التمثال بحجر صلب، أما الأخير فكان يصنع التفاصيل الأخيرة التي يُعَدُّ بعدها التمثال قد تمَّ نهائيًّا.

    وقد كان المفتن يقوم بإنجاز الخطوات التي يجب أن تتخذ الواحدة تلو الأخرى، غير أنه على ما يظهر جعلها كلها تُنجَز في آنٍ واحد؛ ففي حين نرى صانعًا يعمل بمدقته، كان هناك آخَر يقوم بعملية التلوين أو مداواة القطع التي أصابها عطب بالجص.

    أما مائدة القربان التي كانت لا تحتاج إلا للنقش، فقد كان يعمل فيها صانع بمدقته وحسب.

    ومما هو جدير بالملاحظة هنا من الوجهة الفنية أن المفتن قد حاوَلَ أن يصوِّر لنا أحدَ الصناع وهو يعمل في وضعٍ كان يجب فيه أن يكون جسمه ملتويًا، وهذا يذكِّرنا بالمحاولة الجريئة التي حاوَلَها المفتن في تصوير خادمة في وليمة في مكان آخَر من هذه المقبرة بعينها، وهي في وضعٍ يُظهِر لنا ثلاثة أرباع جسمها، أما التمثال الذي يُشاهَد واقفًا في الصورة، فيلحظ أن نقَّاشًا يقوم بنقش متنه باللون الأخضر. وهذه الصورة على الرغم من أنها تساعدنا على فهم سير العمل، فإنها تتركنا في دهشة عظيمة إلى حدٍّ بعيد جدًّا؛ وذلك أن النحَّات المصري القديم قد أبرَزَ لنا إشارات هيروغليفية متقنة في أصلب الأحجار بآلات خشنة على حسب ما نشاهد في الصورة، وقد وضح هذا المنظر بالمتن التالي: «طائفة منتخبة من جماعات الصناع الذين يعملون في هذا البناء الذي أقامه جلالته بإرادة الوزير «رخ مي رع»؛ لأجل أن يبقى على عرشه في معبد آمون والآلهة الذين في ركابه «في الكرنك».»

  • وليمة أسرية: إن منظر الوليمة التي كان يُدعَى إليها كلُّ أهل صاحب المقبرة عامة، يُنظَر إليها في العادة بأنها كانت تقام في عالم الآخرة بعد الموت، ولكن الواقع أنها كانت لا بد تقام كذلك في مدة حياته، وفي الحق أن التمييز عند المصري بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة يكاد يكون لا وجود له؛ وذلك لأن روح المتوفى (كا) يمكنه أن يكرر ما كان يعمله وهو إنسان حي يُرزَق، وسنرى فيما بعدُ أن هذا العمل المزدوج قد أتاح للمصري أفقًا واسعًا، على شرط أن تكون الأعمال التي يأتيها وهو في عالم الآخرة من التي تأتيها في الحياة الدنيا. وعلى أية حال فلدينا منظر الوليمة التي أقامها «رخ مي رع» للموظفين، وهي بلا نزاع لا تمتُّ بصلة لمناظر الآخرة (راجع: Pls. CXI, CXII; “Paintings” XXV)، وقد شغلت الوليمة التي أقامها «رخ مي رع» لعشيرته الأقربين حيزًا كبيرًا (Pls. IV, LXIII–LXVII, LXIX, 2, & “Paintings” Pl. XXVI).

    ويُلاحَظ على وجه الضيفان الفرح والسرور، في حين أن محيَّا صاحب الوليمة لا يمكن قراءته على وجه التأكيد، وذلك على الرغم من أن تقديم الصاجات له كان من الأشياء المحبَّبة إلى نفسه، فإن تقديمها يُعتبَر في غالب الأحيان احتفالًا دينيًّا للمتوفى.

    وينقسم رسم هذه الوليمة العظيمة التي مثلت أمامنا إلى منظرين علوي وسفلي؛ أولهما وهو العلوي خاص بوليمة النسوة (Pls. IV., LXIII–LXVII)، والمنظر الثاني وهو السفلي خاص بوليمة الرجال (راجع: Pls. LXVI-LXVII, LXIX, 2)، فيُشاهَد «رخ مي رع» وزوجه مريت يشتركان في المنظرين وهما يتقبلان البركات الإلهية من أبنائهما وبناتهما، ويُلاحَظ أن كلًّا من المنظرين قد فُسِّر بمتن خاص يكشف لنا عن الغرض الذي من أجله أُقِيمت هذه الوليمة الشاملة، وهاك المتنين (راجع: Pls. LXIII, LXIX, 2).

    الأول يصف المناظر التي يلمس فيها «رخ مي رع» الصاجات وعقود منات التي تقدِّمها له امرأتان وفتاتان، وجميعهن بلا شك من بناته وهو: «التمتُّع برؤية الطعام الطيب والموسيقى والرقص والغناء والتدليك بزيت البلسم، والتدهين بزيت الزيتون، وشم البشنين، والخبز والجعة ونبيذ البلح، وكل ما لذَّ وطاب ممَّا يُقدَّم لروح (كا) الحاكم الوراثي وعمدة المدينة والوزير «رخ مي رع»، وكانت زوجته حبيبة قلبه ربة البيت مريت في صحبته.» وكتب فوق النسوة المتن التالي عندما كنَّ يقدِّمن تحياتهن لعمدة العاصمة فيقلن: «ليت بنت «رع» تحبوك وتكرمك! وليتها تحيطك بحمايتها يوميًّا عندما تضم شخصك! المس جلالتها عندما تلف ذراعَيْها حول كتفيك حتى تتمتع بحياة مديدة سعيدة على الأرض، وتضمك الحياة والسعادة والصحة.»

    وفي المنظر السفلي (Plate, LXIX, 2) يُشاهَد «أمنحتب» بن «رخ مي رع»، ويُحتمَل أنه كان يقدِّم أزهارًا مزيَّنة، والمتن الموضح للمنظر لا توجد فيه النعومة النسوية التي لاحظناها في المتن السابق، وهو: «التمتع بالابتهاج السار، وبمشاطرة الطعام الطيب، بشم بشنين الصيف، وبزيت البلسم الذي يعطِّر قمة الرأس، لأجل روح الأمير الوراثي وعمدة المدينة والوزير «رخ مي رع» وزوجه «مريت».» أما المتن الذي نُقِش فوق الذين يقدِّمون أزهارًا فهو: «أما ما قيل فهو: خُذْ زهر البشنين الذي قُطِف من حديقتك المروية؛ لأنك لن تحرمها، وليتها تغدق عليك كلَّ أنواع الفاكهة الطيبة والطرائف التي تنمو فيها حتى تستطيع أن تتمتع بلذائذها وتنعم بخراجها، وأن يكون لقلبك نصيب في أشجارها النضرة، وأن تنعش بظل أشجارها، وتعمل فيها كل ما يصبو إليه قلبك أبد الآبدين.»
  • أغاني الموسيقيين: (راجع: Plate LXIV, LXVI) كان يوجد في كلتا الوليمتين موسيقيون يغني كلٌّ منهم على الطريقة المصرية المعروفة عند الضرب على آلات الطرب والتصفيق على الأيدي بطريقة منظمة، وقد نظمت مقطوعة للنساء ليشعر الإنسان في ألفاظها بنغمة غنائية، أما أغنية الرجال ففيها طول وليس فيها ما يبعث على المرح والسرور، وهاك المقطوعة التي كانت على ما يرجح تتغنى بها النساء: «ضَعِ المرهم العطري على غدائر «ماعت»؛ لأن الصحة والحياة معها … يا «آمون» إن السماء قد رفعت لك، وإن الإله «بتاح» يقيم بيديه لك محرابًا ليكون بمثابة مكان راحة لقلبك، تعال يا أيها النسيم، لقد بصرت بك عندما كنتَ على البرج (؟).»
  • أما أغنية الرجال مخاطبين «رخ مي رع» فهي: «ليت نسيم الصبا الحلو يكون في أنفك والنفس لخيشومك! استولَ على القربات الملكية التي رفعت إلى موائد قرابين رب الكل حتى تنعم روحك، أنت يا أيها العمدة الممدوح من آمون يا «رخ مي رع»، وليت السنين التي كتب الله لك أن تقضيها تكون مقرونة بالفلاح العظيم، وليتك تعيشها مشمولًا بالعطف وبصحة وفرح، وما تقوله معتمد منذ كنت إلهًا، وأعداؤك مقهورون في بيتك الذي اقترن بالأبدية، ووصل بالخلود، وليت الحياة المشمولة بالحظوة تكون من نصيبك، وليت لك يوم عيد أي يوم عيد حقيقي من أعياد الجنة، وكذلك يمضي تمثالك يوم العيد يا أيها العمدة؛ لأن جمالك قد خلد في بيت «آمون».»
  • النساء يرجلن شعورهن بأساليب رشيقة: قد يطول بنا الحديث إذا تكلمنا بإسهاب عن كل من الطائفتين على حدتها، بل سنقصر الكلام على ما يلفت النظر في كلٍّ؛ وأبرز ما يسترعي النظر في زي السيدات أنهن كن يرغبن في أن يقوم على خدمتهن فتيات رشيقات في ميعة الصبا وشرخ الشباب، ولا يبعد أن هاتيك الفتيات العذارى كن بنات هؤلاء السيدات؛ وعلى أية حال نلحظ أنهن كن يقمن أحيانًا بمساعدة هاتيك العذارى في أثناء الوليمة، والظاهر أن النساء جميعًا في هذا الحفل كانت شعورهن طبعية؛ إذ كانت تُرى مسبلةً في غدائر طويلة، ويُلحظ أن الفتيات الخادمات كانت شعورهن مرجلة بأساليب صبيانية تُشعِر بالدلال والصبا والأنوثة الناعمة، فمعظم شعرهن قد بَدَا قصيرًا، اللهم إلا غدائر طويلات أُسبِلت على صفحات وجوههن أو على قمة الرأس، وهذه الغدائر تُرَى مصفوفةً بعناية ودقة ورشاقة، وكأنَّ المفتن قد أراد أن يتخذ من شعورهن خمارًا أسود يستر به بشرة الوجه الناعمة، فتكون محجوبة عن أعين الناس مما يزيد في الإغراء، ولكن هذا الخمار الشفيف المغري كان يُبدِي ما يستر تحته جليًّا، عندما كانت العذراء تنثني يمنة أو يسرة، وسرعان ما تقف منتصبة ثانيةً حتى ترى خصل الشعر قد تجمَّعت كرة أخرى فسترت وجهها الصبيح. أما الغديرة التي كانت في قمة الرأس، فتسدل على ظهر الفتاة، اللهم إلا ضفيرة صغيرة منها كانت تسبلها الفتاة على جبينها مصفوفة بأناقة ورقَّة يعرفها المصريون قديمهم وحديثهم، وعلى أية حال قد يكون من الصعب علينا أن نفرِّق بين المرأة المسنة والعذراء الفتية، عندما يكون كل الشعر مسبلًا على الكتف (انظر لوحة ١١)، وقد أظهر المفتن براعته في تصوير شعور الفتيات في اللحظات التي يكنَّ فيها جذَّابات خلَّابات لعين المصري القديم والحديث طبعًا.
  • ملابس الفتيات وواجباتهن: ومما يستلفت النظر في ملابس السيدات هنا أن الفتيات صاحبات الأجسام الغضة الجذابة، واللاتي كنَّ يأخذن بمجامع القلوب في ملابس السهرة المتهتكة، هن اللاتي قد ارتدين الملابس التي تُشعِر بالوقار والتعفُّف، فقد ظهرن بملابسهن المحبوكة التي تستر كل محاسنهن. والظاهر أن المفتن كان يشعر في قرارة نفسه أن المحاسن المخفية عن الأنظار هي التي تكون أكثر إغراءً للنفس وشحذًا للخيال ومدعاةً لحب الاستطلاع، غير أن المفتن مع ذلك لم يكن في مقدوره أن يُظهِر حليةَ الفتاة كما كانت على حقيقتها.

    أما الدور الذي كانت تقوم به أولئك العذارى الحسان فلم يكن فيه كبير مشقة أو عناء؛ إذ كان كل عملهن منحصرًا في تدليك معاصم السيدات المدعوات، وتطويق جيدهن بقلائد الأفراح، ويصببن لهن النبيذ أو الجعة في كئوسهن، ومرحبات بهن قائلات لكلٍّ: «من أجل حضرتك! أتمنى لك أن تقضي يومًا سعيدًا.»

    وقد برزت بين أولئك السيدات سيدة تلقفتها الأعين وتحوَّلت إليها الأنظار، وبخاصة لما كان أمامها من طعام غزير، وكرسيها الوثير الذي كانت تجلس عليه، وهو من نوع الأثاث الذي سنراه شائع الاستعمال فيما بعدُ، وهذه السيدة هي وصيفة الملكة والأم المحبوبة «بت» والدة الوزير «رخ مي رع»، ونشاهد فتاة خادمة تصب لها الجعة مرحبة بها قائلة: «لحضرتك، أقضي يومًا سعيدًا وأنت على الأرض؛ لأن إلهك «آمون» الذي يعطف عليك ويحبك قد كفل لك ذلك.»

    على أن هناك تفاصيل طريفة في وليمة السيدات تستحق الذكر، منها ما نلاحظه من أن المصري الذي كان يحتاج إلى تصفية الجعة بمصفاة (Pl. LXI. row, 1)، مما يوحي بأنه لم يصل إلى طريقة مهذبة لعمل الشراب.
    وكذلك نشاهد في الصف الأول من هذا المنظر ثلاث نسوة يوقعن بأيديهن للضارب على العود، ويقدم لهن الشراب والعطور (Pl. LXIV. row 2)، وتدل ظواهر الأحوال على أنهن كنَّ يَفُهْنَ بنكات لا بغناء، يدل على ذلك النقش الذي كُتِب فوقهن وهو: «هل من الجائز أن الإلهة «ماعت» (إلهة العدل) هي التي يظهر على محياها الرغبة في أن تسكر سكرًا عميقًا.»

    والآلة الموسيقية التي تُشاهَد خلفهن على الأرض أشبه بالربابة، ويُحتمَل أنها نوع مختلف عن العود المعتاد، تمتاز بثقلها عنه، وكان يُضرَب بها، وهي موضوعة على الأرض.

  • نقد المنظر: ولا نزاع في أن هذا المنظر في نظرنا له مساوئ كما أن له محاسن، فتصوير الفتاة الخادمة ملتفتة لفتة تُظهِر ثلاثة أرباع جسمها (انظر الصورة ١١) كانت تُعَدُّ بلا شك خطوةً جرئيةً من جانب الرسام، وهي من الأمثلة القليلة جدًّا التي حاوَلَ فيها المفتن المصري أن يخرج على التقاليد القديمة في رسم الصور الآدمية، التي كانت دائمًا جانبية (راجع: Davies. M. M. A. XXIII. (1928). Feb. Sec. II. p. 63. and Tomb. 95).

    ولا يبعد أن زملاءه قد أُعجبوا به لقوة ملاحظته ومهارته في رسم الصور على حقيقتها، والواقع أن هذه الصورة كانت اتجاهًا جديدًا في رسم الأشكال الآدمية، غير أن المفتن قد ارتكب بعض الأخطاء في هذه المحاولة؛ إذ قد ترك القدمين دون أن يضعهما في الوضع الذي يلائم صورته.

تولِّي أمنحتب الثاني عرش الملك وموقفه من الوزير «رخ مي رع»

صعد تحتمس الثالث إلى السماء كما تقول النقوش المصرية قبل أن يتم الوزير «رخ مي رع» نقوش قبره، وسواء أكان هذا الوزير العظيم يعلم ما كانت تخفيه له الأيام من خير أو شر على يد العاهل الجديد، فإن الحوادث لم تعاجله، المصائب لم تباغته قبل أن يقوم بالدور الذي لعبه في تولية الملك الجديد على عرش الملك والاحتفال به، غير أن ما نشاهده في النقوش الخاصة بذلك قد أُحِيطت بجوٍّ من الغموض والإبهام القاتم جدًّا، فالمناظر الأخيرة التي دوَّنها «رخ مي رع» (راجع: Pl. LXX, LXXI) تصوِّر لنا الاستقبالَ العاطفي الذي استقبلته به أسرته عندما عاد إلى «طيبة» بقلب ملؤه الفرح والغبطة؛ إذ كان قد غادرها في رحلة لمقابلة مليكه الجديد الذي لم يكن في مقر الملك (طيبة).

(أ) المتن الموضح لهذه الرحلة

(راجع: Fig. 8. & Plates LXIII, LXX, “Paintings” LXVI) وقد ترك لنا «رخ مي رع» نقشًا عن رحلته لمقابلة مليكه، يمكن به فهم الغرض منها وهو: «وصول عمدة المدينة «رخ مي رع» عائدًا من «حت سخم» (وهي بلدة «هو» الحالية) في سفرته لمقابلة جلالته؛ ليقدم له طاقة أزهار بوصفه ملك الوجه القبلي والوجه البحري «عا خبر رع» — ليته يُعطى الحياة مخلدًا — والآن كان هذا الوزير هو مدير الأعمال والمشرف على رجال الصناعة، وصاحب الرأس اليقظ جدًّا في إدارة أعمال سيده، وكل أثر في معبد «آمون» وفي محاريب آلهة الوجه القبلي، والوجه البحري، ومَن كان يعمل لهدف، ومَن بنى للأجيال القادمة كما كان يرغب جلالته، ومَن كان يُظهِر نشاطًا جعل الناس يدعون الله له، وقد منح ذهب الرضا لما كان له من قبول حسن عند سيده (؟) الذي كان ينفذ له أوامره، وعندما وصل إلى طيبة (التي يطلق عليها اسم «التي تواجه سيدها») مغمورًا بالعطف الملكي، تملك الفرح قلوب خدَّام معبد «آمون»، وكذلك كان كل مواطنيه يقيمون الأفراح معًا، وكانت كل البلاد يعمها السرور؛ فأثنوا على ملك مصر، وتعبدوا «حور» صاحب الساعد القوي؛ لأنهم رأوا أن «ماعت» قد نالت مكافأةً من الذهب النضار — ليت قبلتها تحمل الحياة والرخاء لابنها ملك الوجه القبلي والوجه البحري «عا خبر رع»، وليتها تجعله يمضي سنين وفيرة مثل «رع» مخلدًا.»
ومن هذا المتن نفهم إذن أنه عندما قضي «تحتمس الثالث» كان ولي العهد يقيم في الشمال في بلدة «برونفر» (؟) (ضاحية في منف)، وأن «رخ مي رع» غادَرَ طيبة في الحال على متن سفينة؛ ليقابل العاهل الجديد الذي وصلت «لرخ مي رع» الأخبار عنه، أنه في طريقه نحو الجنوب ليتسلم مقاليد الأمور هناك؛ وليكون واثقًا من أن صعيد مصر في قبضة يده، غير أن النقوش تخبرنا أن «رخ مي رع» قابل الفرعون الجديد في «حت سخم» (بلدة «هو» الحالية)، وتقع على بُعْد سبعين ميلًا شمالي طيبة، فمن الجائز جدًّا أن المقابلة في هذه البلدة كانت مجرد صدفة، وأن الفرعون قد حطَّ فيها رحاله مؤقتًا في طريقه إلى «طيبة» عاصمة ملكه؛ وذلك لأنه ليس من المعقول أن يكون للفرعون قصر في هذه البلدة وآخَر في «طيبة»، أما ما قام به «رخ مي رع» من تقديم طاقة أزهار للفرعون مع أنه حادث غاية في البساطة، فقد كان في الواقع ذا معنًى عميق جدًّا؛ إذ كان يدل على أن «رخ مي رع» هو الرأس المنظم للكهنة، هذا فضلًا عن أنه كان وزير البلاد الأعلى، فهذه الطاقة إذن كانت تحمل في أزهارها وأوراقها بركةَ الإله «آمون» للفرعون الجديد، ولا غرابة إذن في استقبال الفرعون «رخ مي رع» وزيره ببالغ الحفاوة ومظاهر الرقة والعطف كما تحدثنا النقوش، فيشاهد في الصور (راجع: Pl. LXX) «رخ مي رع» وهو يحمل القلادة التي حباه بها مليكه مطوقًا بها جيده، وتشمل حبات من الذهب مؤلَّفة من ثلاثة أسماط، وكذلك نشاهده محلِّيًا رسغه ومعصمه بأساور من ذهب، ممَّا أنعم عليه الملك به في هذه المناسبة، وقد كان في ركاب الوزير أربعة من خدمه يحملون كل ما عساه أن يحتاجه، وأربعة آخَرون يحملون قربانًا من الطعام والأزهار بمثابة رمز معبِّر عن ذلك الاستقبال الرائع الذي قابله به الشعب، كما جاء في النقوش السالفة.
  • استقباله بين عشيرته: (راجع: Plates LXX, LXXI) لقد كان طبعيًّا أن يكون أول مَن يستقبل الوزير «رخ مي رع» عند عودته إلى طيبة بعد مقابلة الفرعون هم عشيرته الأقربون، والواقع أنهم قد استقبلوه استقبالًا حارًّا، وقدَّموا له طاقة أزهار معبِّرين عن فرحهم؛ إذ قد علموا الآن أنه قد وطد في وظيفته الرفيعة، ولا سيما أن أقدار عشيرته وحظوظهم كانت تعلو وتنخفض على حسب ما يصيبه من نجاح أو خيبة في منصبه، وهنا نشاهد ابنه «منخبر رع سنب» الكاهن الثاني للإله «آمون»، يقدِّم لوالده طاقةً من الأزهار قائلًا: «لحضرتك رائحة الأزهار البرية التي قدمت أمام رب الآلهة «آمون» إله مصر القديم.»

    وفضلًا عن ذلك نشاهد ستة من أولاده الذكور، ويجوز أنهم من أقاربه فقط، يحملون أزهارًا قد نسقت في أشكال متنوعة، وأسماؤهم قد مُحِيت، ويُحتمَل أن الأخير منهم هو أحد أحفاده ويُدعَى «قن آمون»؛ وكان أولهم هو المتكلم عنهم إذ يقول: «تقبَّلْ أزهار البطاح اليانعة؛ لأنه (أي: الإله) يحبوك ويحبك.» أما المستقبلون له من السيدات قريباته، فقد كان عددهن لا يقل عن الإحدى عشرة ابنة أو حفيدة، وقد كانت كلٌّ منهن تقوم بدور مغنية للإله «آمون»، وتحمل صاجة وعقد «منات»، أو صاجتين من الذهب الباهت أو الفضة، وقد كنَّ يحيين «رخ مي رع» بالكلمات التالية: «إنك تأتي في سلام إلى المدينة الفاخرة؛ لأنك تسلَّمت منح رب القصر.» أما عن «طيبة» فقد احتشدت في بهجة وسرور؛ لأن أهلها قد رأوا «ماعت» خلفك (أي: تحميك)، وكلمة «ماعت» هنا لها معنًى عميق، وذلك أننا عندما نعلم أن هذه الإلهة التي تتمثَّل فيها الاستقامة والعدالة كانت غالبًا خلف الفرعون في الصور الرسمية، وأن «رخ مي رع» كان يمثِّل الفرعون في هذه الأيام الحرجة، فلا نستغرب إذن أن يستقبله الشعب في «طيبة» بحفاوة تقرب من حفاوته بالملك نفسه، وقد كان ذلك أمرًا طبعيًّا على الرغم من أنه لم يكن من الحكمة في شيء؛ إذ كان الفرعون بعد أن تأكَّدَ من ولاء أهل الصعيد له قد ولَّى وجهه شطر الشمال ثانيةً من بلدة «هو»، التي قابَلَه فيها «رخ مي رع»، وأن وزيره قد قُوبِل بالترحاب والابتهاج في «طيبة» بوصفه ممثله المفوض.

  • السفينة التي قام «رخ مي رع» بالرحلة فيها: (Plates LXVIII, LXIX, I) لم يَفُتْ «رخ مي رع» أن يصوِّر لنا الأبهة والعظمة والجلال التي كانت تحيط به في سفرته الرسمية لمقابلة الفرعون الجديد، وإعلانه له بأنه قد أصبح فرعون مصر الجديد، فرسم لنا صورتين عظيمتين للسفينة التي ركبها في سياحته لمقابلة الفرعون، ففي الأولى تظهر السفينة، وقد أُعِدَّتْ بأحسن المعدات مسرعة في سيرها نحو «طيبة»، وكل نواتيها يجدفون وشرعها منشورة، أما الصورة الثانية فتمثِّل أمامنا نجاح الرحلة؛ إذ نشاهد نفس السفينة واقفة في مرساها وشرعها مطوية وأنزل علمها، وقد غادرها كلُّ مَن كان على ظهرها لمقابلة الفرعون، ويُلاحَظ أن هذه السفينة قد رُسِمت بحجم كبير لتتناسب مع المهمة التي قامت من أجلها، والشخصية العظيمة التي كانت على ظهرها، والظاهر أنها لم تكن سفينة حربية١٥٨ كما يظهر من إعدادها، وبخاصة أن صورة الإله «منتو» إله الحرب لم تكن مصوَّرة عليها (Davies, “Tomb of Ken Amon”. Pl. 1, XLII, LXVIII).
  • منظر وليمة رسمية: (راجع: Plates CXI, CXII, 1-2 & “Paintings” XXV) ليس لدينا ما يفسر لنا موضوع هذا المنظر على وجه التحقيق، وبخاصة أنه ليس له نظائر في قبور عظماء القوم، والآن يتساءل الإنسان هل هذا المنظر من المناظر التي كانت تحدث عادة في حياة الوزير عندما كانت تحتم عليه الأحوال دعوة موظفيه ليستشيرهم أو يلقي عليهم تعليمات، أو هل كان هذا الاجتماع قد عُقِد بسبب موت الفرعون؟ وممَّا يُؤسَف له أن المتن الخاص ليس صريحًا (Paintings Pl. XXV) فاستمع إليه: «الحاكم الوراثي وعمدة المدينة والوزير «رخ مي رع» جالس في القاعة العظمى، بعد أن عاد من معبد «آمون» بالكرنك، وقد أدَّى الشعائر هناك لجلالته هذا الإله، واستعلم عن أحوال هذه الأرض.» ويُلاحَظ أن النعوت التي يُوصَف بها الوزير في هذا المنظر لها علاقة تميط اللثام بعض الشيء عن الغرض من هذا الاجتماع، وبخاصة وصفه بأنه هو الذي يسيطر على المرافق العامة ويضع المنهاج للقضاة، على أنه لدينا متن آخَر على يمين هذا المنظر (راجع: Pl. CXII, 1) يصف لنا المنظر بعض الشيء وهو: «موظفو المجلس والمشرفون … وافدين ومقدِّمين أنفسهم أمام الوزير ليتناولوا وجبةً في حضرة … «رخ مي رع»، عندما حضر من معبد «آمون» بالكرنك، بعد أن أدَّى الشعائر هناك لروح الفرعون الراحل وعين … ووضع الأنظمة الخاصة بواجباتهم اليومية (؟) …»
    والواقع أننا نجد صدًى لما جاء في المتن الأخير، وبخاصة «وضع الأنظمة للواجبات اليومية»؛ إذ نشاهد في المنظر طائفةً من الكَتَبة، كلٌّ منهم يواجه زميله، فالذين على اليسار (راجع: Pl, CXII. 1) كَتَبة في خدمة الوزير، أما من على اليمين فهم كَتَبة المجلس الذين يدوِّنون الأوامر الجديدة، وكذلك كان يوجد بينهم حاجب لمراعاة القواعد المتَّبَعة في مثل هذا الاجتماع، وممَّا يُؤسَف له أن المتن الذي كان لا بد أن يُلقِي ضوءًا على هذا الاجتماع لم يَبْقَ منه إلا نتف صغيرة لا تشفي غلة، غير أن ما تبقَّى مع ذلك يُشعِر بأن قاعة الوزير كانت مزدحمة، ويكشف عمَّا أظهره من كرم وسخاء لضيفانه.
    والمنظر كما هو يحتوي على فجوةٍ يُحتمَل أنه كان فيها ضيفان يجلسون، وممَّا يلفت النظر في هذه الصورة أن الوزير كان يتناول طعامه محجوبًا عن الضيفان بستار متحرك (راجع: Pl. CXI) كأنه ملك، وقد يعزِّز هذا الرأي ما نراه من أشخاص يقبِّلون الأرض بين يدَيْه، والظاهر أن الخدم كانوا يحضرون الطعام أمام الوزير وهو في خلوته، ثم يخرجون به ليُقدَّم للضيفان، ولا نزاع في أن السُّجُف التي أُقِيمت بين الوزير وضيفانه كانت تحجبه عنهم تمامًا، ولا أدل على ذلك من أننا نشاهد بعضهم وقد جلس موليًا ظهره شطر الوزير. هذا ويفهم من المنظر أن الخدم كانوا في حركة مستمرة، يقدِّمون الطعام والشراب إلى الضيفان بكل نشاط وهمة.
  • الصمت المطلق عند ذكر موت الفرعون كان عاديًّا عند المصريين: وليس لدينا أية إشارة تدلُّ على علاقته بموت فرعون واعتلاء آخَر مكانه، اللهم إلا إذا اعتبرنا إقامة الشعائر الدينية التي أدَّاها الوزير لتمثال الفرعون المتوفى في هذا المعبد قبل حضور هذا الاجتماع، كان السبب المباشر لعقد هذا المجلس من الموظفين؛ إذ ليس من المعقول أن موت فرعون عظيم مثل «تحتمس الثالث» الذي حكم البلاد عهدًا طويلًا، يمر دون أن يحزن له الشعب أو يُظهِروا شعورهم نحوه في مظاهرات قومية أو إقامة حفل ديني، غير أنه قد جَرَتِ العادة في معظم الأحيان أن يصمت الشعب صمتًا تامًّا عند وفاة الفرعون، وربما يُعزَى ذلك إلى أن إعلان موت الفرعون يُعَدُّ موضوع خزي وخجل؛ إذ إن الفرعون كان يُعتبَر إلهًا، والإله لا يموت بل يبقى حيًّا مخلدًا؛ ولذلك لا يعبر عنه أنه قضي بل يقال عنه إن حور (أي: الملك) قد طار إلى السماء، وإن حور آخَر من ظهره قد حلَّ محله على الأرض، وكان الملك الجديد يعلن ألقابه وحسب، وعلى ذلك كان حور لا يزال يحكم البلاد، ولكنه سمي «عا خبرو رع» بدلًا من «منخبر رع»، فالملك إذن في الواقع لم يَمُتْ، وفضلًا عن ذلك بقي «رخ مي رع» وزيرًا.
  • منظر المتظلمين المساكين: (راجع: Pl. LXXII) لسنا نعرف السببَ الأكيد الذي حدا بالوزير «رخ مي رع» على أن يضم هذا المنظر إلى المناظر التي تركها لنا على جدران قبره، اللهم إلا إذا كان الغرض منه رغبته في أن ينال شهرةَ الحاكم الشفيق الذي لا يحيد عن الحق، كما أظهر نفسه بهذا المنظر في مناسبات سابقة (راجع: Pls. XXIV, XXV)، والمتن المفسر لهذا المنظر الغريب هو ما يأتي: «إن الوزير «رخ مي رع» يخرج إلى عالم الدنيا عند مطلع الفجر ليؤدي شعائره اليومية، وليستمع إلى تظلمات الأهلين وشكاوى الوجه القبلي والوجه البحري، دون أن يصدَّ صغيرًا أو كبيرًا، ومغيثًا البائس ومخفِّفًا عبء مَن أثقل كاهله، ومجازيًا مقترف الشر.»

    على أن ما يتركه هذا المتن في نفس القارئ من أثر حسن في إقامة العدالة، لا يتفق تمامًا مع ما نشاهد من حوادث تقع في الصورة التي أمامنا؛ إذ نشاهد جمًّا غفيرًا من الكَتَبة والحجَّاب لا يتناسب مع المقام، هذا فضلًا عن المعاملة السيئة التي كان يُعامَل بها المذنبون، والمحاولات الكثيرة التي كان يحاولها المتظلمون لإغراء صغار الموظفين بالرشوة لقضاء حاجاتهم، على أن كل ذلك لا يعني أنه لا يتفق مع ما يجب أن تُظهِره الحكومة من غيرة مشكورة، ونجاح حقيقي في القيام بالواجب الثقيل الملقى على عاتق حكومة منظمة عادلة، بل الواقع أن الصورة تدل على أمانة ساذجة في التعبير؛ ولذلك يمكن أن تُفسَّر على وجه حسن بالنسبة للحكومة، وهذا فضلًا عمَّا فيها من صور تعبِّر عن الواقع بشكل رائع، كالمرأة التي تشاهد وقد لُفَّ ذراعها بالأربطة، وقد رفعت يدها متظلمة ممَّن اعتدى عليها بكسرها، وبهذه المناسبة نذكر هنا أن أحد الباحثين قد جاء في تقرير وضعه: إنه قد لاحظ في القبور المصرية نسبة كبيرة بين النساء اللائي قد أُصِيبت معاصمهن بأذًى أو كسر.

    وممَّا يلفت النظر هنا كذلك أن ذهاب الوزير لأداء فروضه الدينية قبل أن يبدأ القيام بعمله الرسمي، يجعلنا نعتقد أن الصلاة في المعابد لم تكن مجرد تأدية فرض وحسب، بل كانت رادعًا خلقيًّا يظهر أثره عند الفصل في المظالم والشكاوي بالعدل. ولا نزاع في أن وزيرنا المؤمن بربه قد ذهب صباحًا ليؤدي فريضة الصلاة، داعيًا إلى الله أن يلهمه الصواب في المسائل التي سيجلس للفصل فيها بعد مغادرته المعبد؛ وهكذا كان ينظر المصري إلى الصلاة بأنها وسيلة تلهمه الصواب في الحياة الدنيا؛ لينال بها الجزاء الأوفى في الآخرة التي هي خير وأبقى عند الله.

    ولا نزاع في أن هذا المنظر (على الرغم من كل ما فيه ممَّا يدل على حدوثه في عالم الدنيا) كان خاصًّا بالحياة الآخرة، ولا غرابة في ذلك، فإن المتوفى كان يصرف يومه في عالم الآخرة، كما كان يصرفه في عالم الحياة الدنيا، وقد كان يسجل أعماله اليومية على جدران المقبرة كما نسجلها الآن في يومياتنا عند المساء، وعلى ذلك فليس من الأهمية بمكان أن نعرف إذا كانت هذه الأحداث قد وقعت بعد الموت أو قبله، أو أنها وضعت هنا على حسب ما جاء عن الحياة الدنيا أو عن الحياة الآخرة، وذلك أن الحياة الآخرة والحياة الدنيا تؤلِّف وحدة في نظر المصري، وعلى ذلك فإن عبارة «كما كان على الأرض» تدل على أن المتوفى كان لا يزال مستمرًّا يعمل على حسب ما كان يعمل في الحياة الدنيا فقط؛ ولذلك نرى هنا كما جاء في المتن أن الوزير «رخ مي رع» كان ذاهبًا إلى عمله اليومي، ولكن المتن يقول في الحالة التي نحن بصددها إنه كان آتيًا من القبر ليقوم بأعبائه. والغريب هنا أنه كان لا يؤديها في قاعته الرسمية وأمامه المتظلمون، بل كان يسير في الطرقات ومعه ضباطه، ويقول الأثري «ديفز»: «إن هذا التواضع وهذا الصمت المنذر بالشر الذي يحدِّثنا عنه الفراغ الذي نشاهده على الجدار، وهو الذي يلي هذا المنظر، قد يوحي إلينا أن هذا المنظر لم يدوِّنه الوزير الذي كان يشعر بدنوِّ سقوطه من عليائه إلا لينتزع عطف الناس ورضاهم عن أعماله. على أية حال فلا يهمنا أن نعلم إذا كان «رخ مي رع» قبل أن تحل به الكارثة كان لديه من الوقت ما يسمح بتسجيل هذا الاجتماع الرمزي، معبِّرًا فيه عن أن الموت لن يكون نهايةً لذوده المتواصل عن شعبه، أو أن بعض أهله وأصدقائه قد قاموا له بهذا العمل النبيل، ومع كل ذلك قد يكون الأمر على خلاف ما نظن، وأن المنظر قد وُضِع هنا ليملأ مكانًا خاليًا على جدران القبر، وعلى أية حال فإنه كان عملًا صالحًا لم يسبق له مثيل.»

الشعائر الدينية

المناظر الجنازية: (راجع “Paintings” XVIII, XX–XXIV. & Plates V, 1; LXXV–XCIV) يمتاز قبر الوزير «رخ مي رع» بتمثيل الشعائر الدينية فيه بصورة مفصلة وبإتقان عظيم، وبخاصة شعائر فتح الفم التي قد فصل القول فيها تفصيلًا لم نعهده من قبلُ في أية مقبرة من مقابر علية القوم.

والواقع أن لدينا عدة مناظر يُحتمَل أن الكثير منها كان يمثل عند الدفن على أنه وقع حوادث وقعت.

  • الآلهة التي تقام لهم الشعائر: (Fig. 8) يدل ما لدينا من نقوش هنا على أن الآلهة الذين كانت تقام لهم الشعائر في مقبرة «رخ مي رع» أربعة، وهم: (١) إله الصقر صاحب الجبانة (راجع: LXXVI). (٢) الإله «أوزير» إله العالم السفلي (راجع: LXXVIII). (٣) الإله «أنوبيس» إله الدفن (راجع: Pl. LXXXVI). (٤) إلهة الجبانة الغربية (راجع: Fig. 9). ومما يُلاحَظ هنا أن الشعائر التي خُصِّصت لكلٍّ من هؤلاء الآلهة لا تدل على أنها تنطبق عليه تمامًا.
  • الروايات المختلفة: ولا نزاع في أن هذه الشعائر نجدها تقام في معظم مقابر «طيبة»، وقد استمرت تُدوَّن فيها حتى قرب نهاية عهد الفرعون «أمنحتب الثالث»، غير أن هذه المناظر لم توجد قط تامة ومحفوظة كما وُجِدت في مقبرة «رخ مي رع»، وقد يكون من المتعذر علينا أن نتكلم هنا بشيء من الإسهاب عن هذه الشعائر؛ إذ إن ذلك يحتاج للرجوع إلى الماضي البعيد، وتتبع خطواته حتى العصر الذي نحن بصدده.

    وقد شرح هذه الاحتفالات الأثري «ديفز» في كتابه عن «رخ مي رع»، فَلْيرجع إليها مَن يبغي الازدياد.

  • المشتركون في إقامة الشعائر: وممَّا يلفت النظر هنا أن موكبًا من الخدم والحشم الذكور يبلغ عددهم نحو ستة عشر، كلهم من الموظفين، كانوا يسيرون في ركاب المتوفى مقدِّمين له الخدمات كلما احتاج الأمر، ولا يبعد أنهم كانوا قائمين على خدمته في أثناء حياته، وقد اتخذوا الآن صبغة جنازية، هذا إلى أنه كان في استطاعة المتوفى أن يطلب مساعدةَ سكان المدن المقدَّسة إذا اقتضت الضرورة، وتتوقف معظم الظواهر الغريبة التي تصادف المتوفى بعد الموت على العقائد المختلفة التي كان يعتقدها الفرد عن مصيره في عالم الآخرة، وبخاصة الأقطار العلوية والسفلية التي كان لا بد له أن يخترقها، وما فيها من مخلوقات شريرة، كان لا بد له من التغلُّب عليها قبل أن يستقر به المقام في جنة الخلد، وقد كان مصير المتوفى يشبه مصير الفراعنة أنفسهم، وهم الذين أصبحوا على حسب التقاليد آلهة.

    وتاريخ الدفن الذي نشاهده في هذه المناظر يرجع إلى عهود قديمة جدًّا، عندما كان الإنسان يقدِّم أخاه الإنسان ضحيةً على مذبح الآلهة، يضاف إلى ذلك أن نقل المتوفى عبر النهر أو على متنه، وكذلك جعل مكان المحيطات والبحيرات والأنهار ذوات الأسماء المعروفة في السماء أو في العالم السفلي، كل ذلك يفسِّر لنا السبب الذي من أجله يقع كثير من الحوادث الخاصة بالمتوفى على الماء أو في السفن، كما يفسر لنا التعبير عن الوفاة برسو السفينة في الميناء، وغير ذلك من الرموز التي تحدِّثنا عن بعض الأمور البارزة في عالم الآخرة.

  • الشعائر الجنازية الخاصة بغذاء المتوفى: (راجع: Plates V, 2; XCV–CX. & “Paintings” XXV) على الجدار الشمالي من الحجرة الكبرى لمقبرة «رخ مي رع» نشاهده جالسًا يتناول وجباته الأربعة، ويُلاحَظ أن المنظر قد كُرِّر أربع مرات في أربعة صفوف بعضها فوق بعض، والأخير منها قد أُخرِج بإتقان وعناية. وقد فُسِّر كلٌّ منها بمتن، وقد ضُمَّ إلى متون الصفين المتوسطين من صفوف الوجبة المقدسة هذه، ثلاثة صفوف تمثِّل حوادث تحدِّثنا عن الشعائر المختلفة التي بها ينتعش التمثال بعد موت صاحبه أو المومية بعد مفارقة الروح لها، وبذلك يكون في قدرة التمثال أو المومية أن يعود للحياة، ويتمتع بحياة أرغد حالًا وأكثر تنوُّعًا عمَّا كان في الحياة الدنيا.

    فنشاهد «بت» والدة «رخ مي رع» تظهر مرتين معه عند تناول طعامه، أما الذين كانوا يقومون بأداء هذه الشعائر للمتوفى فهم أولاده «أمنحتب» و«سنوسرت» و«منخبر رع سنب»، ويُحتمَل كذلك «مري».

  • التعاويذ المفسرة لهذا المنظر: (راجع: Pl. CIV. CVIII) أما التعاويذ التي كانت تتبع شعيرة، فهي تعويذة لإحضار إنسان منعم متوفى وجعله يشبع بالخبز، وتعويذة لتطهير موائد القرابين، ولأجل البخور، وتعويذة للدخول لنقل الطعام (Pl. XCVI, CIV).
    وهاك المتن الذي كان يتلوه الكاهن على أسفل صفٍّ من الصفوف السابق ذكرها (راجع Pl. CVIII):

    إنك تعيش هناك إلهًا مجهزًا بالخبز والجعة، وكذلك بالماء البارد، وقد منحت أفخاذًا من اللحم تُقدَّم لك وأجزاءً منتخبة تحضر إليك، وكذلك فإن أحسن ما على مائدة القربان يكون … لأجل «أوزير» عمدة البلد والوزير «رخ مي رع»، وبقدر ما عليه الملك من الطهر فلتصر كل القرابين التي تعمل لروحك طاهرة، وبقدر ما يرضى إله بقربانه فَلْيجعل «أوزير» راضيًا بقربانه، مرحبًا يا خادم «أوزير» بوصفك روحًا بين الأرواح، وقوة في قبره الذي منحه إياه التاسوع الأعظم الذين يأوون في البيت العظيم ملك أمير «هليوبوليس». اعمد إليَّ وابْقَ بجواري ولا تبتعدن عني، وإن قبرك هو مأواك، وإني أطمئنك على نفسك.

    تأمَّلْ، لقد أعطيتك عين (حور) وقد منحتك إياها، وليت عين حور التي معك تكون نافعةً لك، وإنك تخرج بها في صحبة «إزيس»، وتظهر في الفجر في سفينة الصباح، وتكون صاحب قوة على السياحة، وتخطو قدماك، وإنك ولدت لحور ووضعت «لست»،١٥٩ والماء نقي لك في مضايق النهر، وإنك تتسلم نصيبًا في مدينة «هليوبوليس» مع والدك أوزير ومع الإله «أتوم»، وإنك سترفعه وتضمه بين ذراعيك … يا «أوزير» العمدة والوزير محبوب «أنوبيس» «رخ مي رع».
fig39
شكل ٩: مناظر الحياة اليومية والحكومية الساحرة.
fig40
شكل ١٠: منظر استقبال «رخ مي رع» وفود الأقطار الأجنبية حاملين جزية بلادهم للفرعون.
fig41
شكل ١١: صورة وليمة النساء.
  • تاريخ شعيرة فتح الفم: لا نزاع في أن بعض الاحتفالات الدينية والتعاويذ السحرية يرجع عهد استعمالها إلى عهود غاية في القدم، غير أنه ليس لدينا براهين على أنها كانت تنظم وترتب في صورة تمثيلية، كما نشاهد في مناظر تمثيلية فتح الفم المرسومة على جدران مقبرة «رخ مي رع»، اللهم إلا إذا استثنينا ما جاء في «متون الأهرام» عن هذه الشعيرة؛ إذ إنها في الواقع كانت تُتلَى في صورة تدل على أنها تُمثَّل (Sethe Pyr. Text. 9 b, 40)، غير أن أول محاولة جديدة لجمع كل أجزاء هذه الشعيرة في سلسلة واحدة متصلة الحلقات منطقية الترتيب، هي التي نقرؤها في المتون والصور التي تركها لنا «رخ مي رع» على جدران مقبرته، ونستطيع أن نصل إلى تاريخ إقامة هذه الشعيرة من الفقرات التي نقرؤها في المتن، مشيرة إلى العهود القديمة التي كان يكتفى فيها بدفن الهياكل العظيمة، أي عندما كان أهل المتوفى يرجون أن تُضَمَّ أعضاؤه بعضها إلى بعض، وألا يُفصَل الرأس من الجسم كما جاء ذكر ذلك مرارًا وتكرارًا في متون الأهرام. والواقع أن إحياء الجسم أو المومية كما يقال عنها يرجع أصله إلى قصة «أوزير» إله الموتى وإحيائه، بعد أن مزق «ست» أخوه أشلاءه، ثم جمعتها أخته «إزيس» ثانيةً، ولا تختلف الرواية هنا عن الرواية القديمة إلا في أن «حور» الابن الأكبر لأوزير هو الذي يلعب دور إحياء المتوفى لا «إزيس»؛ وذلك