ماري لافوازييه (١٧٥٨–١٨٣٦)

ماريان أوفرينز

يُعَدُّ قانون لافوازييه قانونًا معروفًا لدى الكثيرين، ومع ذلك، يعرف عددٌ أقل أن ماري زوجة أنطوان لافوازييه قدمت له المساعدة في عمل تجارِبه، وكان لها إسهام بارز في عمل زوجها.

•••

في ٢٠ يناير عام ١٧٥٨ ولدت ماري آن بييريت بولز في مونتبريزون بمقاطعة اللوار الفرنسية. كان والدها جاك بولز يعمل بشكل أساسي محاميًا ومموِّلًا، مع ذلك جاء معظم دخله من إدارة المزرعة العامة التي كانت جمعية خاصة للممولين الذين دفعوا للمَلَكية الفرنسية مقابل ميزة جمع الضرائب. وكان لماري إخوة، وعندما كانت في الثالثة من عمرها توفيت أمها. وكان من الواضح أنها تتمتع بالذكاء، فتعلمت في الدير، كما يليق بفتاة فرنسية من طبقتها الاجتماعية.

figure
ماري لافوازييه وزوجها، بريشة جاك لوي ديفيد (١٧٨٨).

عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، تقدَّم كونت أميرفال للزواج منها؛ ولكن نظرًا لأن عمره كان ثلاثة أضعاف عمرها تقريبًا، حاول والدها الاعتراض على الزواج. يبدو أن هذا كان أمرًا صعبًا للغاية؛ إذ تعرَّض للتهديد بفقد وظيفته في المزرعة العامة؛ لذلك تقدَّم الأب لزميله أنطوان لافوازييه طالبًا منه أن يتقدم للزواج من ابنته. ووافق لافوازييه — النبيل الفرنسي، الذي حقق بالفعل شهر ة ككيميائي وانتُخب لأكاديمية العلوم في ١٧٧٨ — على العرض، وتزوج ماري آن في ١٦ ديسمبر عام ١٧٧١. في هذا الوقت كان لافوازييه في الثامنة والعشرين من عمره.

سرعان ما اهتمت ماري بأبحاثه العلمية وبدأت المشاركة النشطة في عمله المعملي، واستأنف أنطوان التدريس لها، ولكن الدروس آنذاك ركزت على استخدام الموازين والعدسات الحارقة وأوعية الاختزال واللغتين الألمانية واللاتينية؛ لُغَتَيِ المجتمع العلمي. علَّمت نفسها الإنجليزية لتساعد زوجها في أبحاثه عن الطبيعة الفيزيائية للنار والحرارة، ولتتمكن من ترجمة المقالات الأمريكية والبريطانية التي يحتاجها إلى الفرنسية. كذلك أخذت ماري دروسًا في الفن على يد الرسام الفرنسي جاك لوي ديفيد الذي رسم اللوحة الشهيرة: الزوجان لافوازييه، وبدأت في عمل رسوم توضيحية لمقالات أنطوان.

قضى لافوازييه وزوجته معظم وقتهما معًا في المعمل، عاملين كفريق يُجري أبحاثًا على كثير من الجبهات. في الواقع، معظم الأبحاث المعملية كانت جهدًا مشتركًا بين أنطوان وماري؛ فقد ساعدته في تجاربه، وكتبت كل الملاحظات، واحتفظت بالتقارير المعملية، وأجرت مراسلاتهما العلمية. وعلى نحو خاص، كانت موهبة ماري الفنية مفيدة؛ لأنها رسمت التجارب والأدوات المستخدمة فيها. وكانت دراسة لافوازييه «أطروحات أساسية في الكيمياء» (١٧٨٩) التي يجب اعتبارها أول كتاب حديث في الكيمياء، التي وصف فيها ٢٣ عنصرًا هي أساس التفاعلات الكيميائية، تحتوي على لوحات بريشتها.

من الإسهامات الكبرى الأخرى التي قدمتها ماري للعلم ترجمتها لأعمال المؤلفين الإنجليز إلى الفرنسية؛ إذ ترجمت الدراسات الكيميائية الخاصة بهنري كافنديش وجوزيف بريستلي وغيرهما من الباحثين العلميين البريطانيين. وكانت ترجمتها ﻟ «مقال عن اللاهوب» بقلم ريتشارد كيروان وتعليقات لافوازييه وزملائه ذات أهمية قصوى؛ فنظريات الاحتراق التي كانت حتى ذلك الوقت واسعة الانتشار والتي تنص على أن عنصر اللاهوب أساسي للاحتراق، ثبت خطؤها، وأثبت الزوجان لافوازييه في تجاربهما أن اللاهوب غير موجود.

والمهم جدًّا بالنسبة للعلم هو أن أنطوان وضع قانون حفظ المادة، الذي أكد على أن عناصر التفاعل الكيميائي لا يزيد وزنها ولا ينقص، وهي نظرية ربطت الكيمياء بالقوانين الفيزيائية والرياضية. وأسسا، كفريق عمل، الكيمياء الحديثة بفصل جوانبها العلمية عن الخيمياء وبتطوير قاموس مصطلحات علمي معدل، وصاغا مصطلح «أكسجين»، وعرَّفاه بوصفه غازًا من الغازات الأولية، ووصفا عملية الأكسدة التي تغير الحديد إلى صدأ، وحللا نواتج التنفس الطبيعي للإنسان وهي الماء وثاني أكسيد الكربون.

في السنوات الأولى من زواجهما أصبح بيتهما مكانًا لالتقاء أفراد المجتمع الفرنسي المثقف.

figure
صفحة العنوان في المجلد الأول من «مذكرات الكيمياء».

عندما قامت الثورة، أصبح منصب لافوازييه — الذي كان مثل والد ماري عضوًا في المزرعة العامة — مهدَّدًا، وسرعان ما قُبض عليه ووُضع في السجن، وبالإضافة إلى ذلك تمت مصادرة كل ممتلكاته. وأثناء حبسه، عملت ماري دون كَلَلٍ من أجل إطلاق سراحه، ولكن دون جدوى. وفي ٨ مايو عام ١٧٩٤، في نهاية «عصر الإرهاب» تحت حكم بروبسبيير، أُعدم أنطوان لافوازييه بالمقصلة (وكذلك والد ماري والكثير من أصدقائهما)، وأُلقي القبض على ماري أيضًا؛ استنادًا إلى وثائق إدانة معينة، ولكن تم إطلاق سراحها بعد ٦٥ يومًا في الباستيل، وخرجت مفلسة نتيجة لمصادرة أرضها؛ فاضطرت إلى اللجوء لخادم سابق لها. وبعد حوالي سنة، تمت إعادة معظم ممتلكات لافوازييه لها. والأمر المهم جدًّا للعلم هو رجوع مكتبتها العلمية التي كانت خاضعة للمصادرة، والتي عزمت على الاحتفاظ بها للمستقبل. في ١٧٩٢ كان لافوازييه قد شرع في وضع ملاحظات تفصيلية لتجاربه لكي ينشرها، ولكن عندما حان أجله لم يكن جاهزًا للنشر سوى جزء منها، فأنهت ماري عمله، وفي عام ١٨٠٥ نشرت «مذكرات الكيمياء» باسم زوجها المتوفَّى. ونشرت العمل في مجلدين إلى جانب مقدمتها الأصلية، ووزعت نسخًا مجانية على علماء فرنسيين معروفين.

أثناء حكومة المديرين، وبعدها تحت حكم نابليون، عندما أضحت الأوضاع أقل عنفًا في باريس، تمكنت ماري مرة أخرى من استقبال زائرين في صالونها. وتقدم لخطبتها العديد من العلماء المشهورين، وكان من بين خطابها قطب الكيمياء بيير صامويل ديبو دي نيمور، ولكنها فضلت الفيزيائي الأمريكي بنجامين ثومبسون، الذي اشتهر بكونت رامفورد بفاريا، وهو مؤسس المعهد الملكي لبريطانيا العظمى، وتزوجته في ١٨٠٥ بعد أربعة أعوام من تودده لها. وبعد زواجهما أصرت على أن تسمي نفسها الكونتيسة لافوازييه-رامفورد. لم ينجح زواجهما، وبعد أربعة أعوام انتهى بالطلاق. بعد طلاقها من رامفورد عملت بوصفها سيدة أعمال ناجحة، واشتهرت كذلك بأعمالها الخيرية. وبمرور الأعوام، ازدادت صعوبة استئناف عملها ككيميائية، ولكنها ظلت لسنوات كثيرة تستقبل في صالونها علماء معروفين، منهم كوفيير وبيرتولا وهومبولت وغيرهم. وتوفيت في باريس عن عمر يناهز ٧٧ عامًا.

نظرًا لأن عمل ماري لافوازييه العلمي كان متشابكًا بشدة مع عمل زوجها، فإن من الصعوبة بمكان أن نحدد بدقة الأعمال التي يمكن أن تنسب إليها؛ فقد أحدثا معًا تغييرًا أساسيًّا، واستبدلا بالممارسات الغامضة للخيميائيين مبادئَ كيميائيةً ممنهجة.

لقد أسهمت ماري من خلال رسوماتها وترجماتها وتوضيحها للملاحظات، وترتيب نشر «مذكرات الكيمياء» الخاص بلافوازييه، إسهامًا مهمًّا في المعرفة العلمية.

المراجع

  • Alic, M. (1986) Hypatia’s Heritage, a History of Women in Science from Antiquity to the Late Nineteenth Century, The Women’s Press, London.
  • Offereins, M. I. C. (1996) Vrouwen Miniaturen uit de exacte vakken, VeEX, Utrecht.
  • Ogilvie, M. and Harvey, J. (eds) (2000) The Biographical Dictionary of Women in Science. Pioneering Lives from Ancient Times to the Mid-20th Century, Routledge, Cambridge MA/London.
  • Schiebinger, L. (1991) The Mind Has No Sex? Women in the Origins of Modern Science. Harvard University Press, Cambridge MA/London.
  • Thijsse, W. H. (1985) Rokoko, Democratie in Wording, De Walburg Pers., Zutphen.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠