غوطة دمشق

لا بد للباحث في دمشق أن يعرض الكلام على غوطتها، فالغوطة ودمشق لازم وملزوم، ومعنى الغوطة من الغائط وهو المطمئن من الأرض، والغوطة ما أحاط بدمشق من بساتين وقرى، وسقي على الأكثر بمياه بردى ومشتقاته. يبدأ حدها من فوهة الوادي عند الربوة غربًا، ممتدًّا إلى المزة وداريا وصحنايا والأشرفية وسبينة وسبينات في الجنوب، وينتهي في الشرق بالريحان والشفونية وحوش مباركة وحوش الأشعري وحوش المتبن وحوش خرابو والفضالية والنشابية وبيت نايم، وينتهي في الشمال بجبل قاسيون وسنير، ويشرف الجبل الأسود وجبل المانع على الغوطة من الجنوب، كما يشرف عليها جبل الثلج أو جبل الشيخ من المغرب، ويحدها شرقًا إقليم المرج، ومن هنا تفتح حدودها فتحة طويلة حتى الحماد أراضي بادية الشام. ويُقدَّر طول الغوطة بنحو عشرين كيلومترًا تقريبًا، ويختلف عرضها بين عشرة وخمسة عشر كيلومترًا، وتبلغ مساحتها نحو ٤٠٦٠٠ هكتار أيْ نحو خمسة وستين ألف فدان بفدادين الغوطة، أو نحو مائة ألف فدان مصري، ومدينة دمشق داخلة في هذه المساحة، وتحتوي الغوطة على اثنتين وأربعين قرية عدا الحدائق والبساتين المحيطة بها، وهي يتألف منها عشر قرى كبيرة.

وفي الغوطة قرى كالمدن مثل دومة وحرستا وعربيل وجوبر وداريا وكفر سوسية والمزة، ومجموع نفوسها لا يقل عن مائة ألف نسمة، وتربتها أجود تربة تسمد كلما أرويت؛ لأن أنهارها تدخل دمشق وتحمل قاذوراتها، وهذا مما يعاون على خصبها وإمراعها. وفي الغوطة تجود جميع الحبوب والبقول وعامة الأشجار المثمرة، ما خلا النخيل والحوامض بسبب برد الشتاء، والغوطة تمون دمشق، ومنها أكثر مادة حياتها، ولولا الغوطة ما كانت دمشق.

وهي في مجموعها من أجمل متنزهات العالم بما حبتها به الطبيعة من جمال أشجارها وخصب أرضها، لا تتعب من إخراج خيراتها صيف شتاء، واشتهرت فاكهة الغوطة بلذيذ طعمها وعجيب نكهتها؛ فكمثراها ودرَّاقها ومشمشها وتفاحها وسفرجلها وأعنابها مضرب الأمثال، قال الصلاح الكتبي: وروي عن بعضهم أنه اتَّفَقَ أن مر يومًا ببعض شوارع القاهرة، وقد ظهرت جِمَال كثيرة حمولتها تفاح فتحي من الشام، فعبقت روائح تلك الحمول فأكثر التلفُّت لها، وكانت أمامه امرأة تسير ففطنت لما داخله من الإعجاب بتلك الرائحة، فأومأت إليه وقالت: هذه أنفاس ريا جلقا، وهذا الشطر من أبيات لطراد بن علي الدمشقي المعروف بالبديع، اشتُهِرت وغنَّى بها المغنون وهي:

يا نسيمًا هب مسكًا عبقًا
هذه أنفاس ريا جلقا
كف عني والهوى ما زادني
برد أنفاسك إلا حرقا
ليت شعري نقضوا أحبابنا
يا حبيب النفس ذاك الموثقا
يا رياح الشوق سوقي نحوهم
عارضًا من سحب عيني غدقا
وانثري عقد دموع طالما
كان منظومًا بأيام اللقا

قال ياقوت: وبدمشق فواكه جيدة فائقة طيبة، تُحمَل إلى جميع ما حولها من البلاد، من مصر إلى حران وما يقرب ذلك فتعم الكل. وما برحت الغوطة مقصد أهل دمشق للنزهة والقصف، وقد أخرجت طائفة كبيرة من العلماء والأدباء في مختلف العصور، وهي في الواقع بمثابة أحياء تبعُدُ قليلًا عن العاصمة الكبرى، ولا غنى لأبنائها عن الاختلاف إلى العاصمة كل يوم، فالاختلاط بين الغوطيين والدمشقيين متصل، يألف بعضهم بعضًا ويتزوج بعضهم من بعض، والغوطية تصبح دمشقية بعد مقامها قليلًا في دمشق، والدمشقية تصبح فلاحة غوطية إذا أقامت في الغوطة سنين، نقول: فلاحة، أيْ متمرنة على الأعمال الزراعية والأعمال البيتية التي تستلزمها حياة القرى، وفي الغوطة نزل كثير من العرب، تشهد لذلك الفصحى الباقية في لهجتهم، ومن العرب الذين نزلوها غسان وبطون من قيس، وبها قوم من ربيعة وبعض بطون من كلب، ومن بني زبيد فرقة وآل فضل والحريث من زبيد من القحطانية.

وللنواجي الشاعر في الغوطة:

ألا إن وادي الشام أصبح آية
محاسنه ما بين أهل النهى تتلى
وإن شرفت بالنيل مصر فلم تزل
دمشق لها بالغوطة الشرف الأعلى

والشرف الأعلى موضع نزه من غربي دمشق يعلو عن قرارة الوادي، وليس لك في الغوطة أن تقول هذا المكان يفضل ذاك، فكل محالها ومنازلها جميل تأخذ بمجامع القلوب، كما قال أحدهم:

أنَّى اتجهت رأيت ماء سابحًا
متدفقًا أو يانعًا متهدلا
وكأنما أطيارها وغصونها
نغم القيان على عرائس تجتلى
وكأنما الجوزاء ألقت زهرها
فيها وأرسلت المجرة جدولا
ويمر معتل النسيم بروضها
فتخال عطارًا يحرق مندلا

أو كما قال فتيان الشاغوري:

كأن طيور الماء فيه عرائس
جلين على شاطيه خضر الغلائل
إذا كرعت فيه تيقنت أنها
تزق فراخًا وهي زغب الحواصل
وكم سمك فيه عليه جواشن
من التبر صيغت وهو بادي المقاتل
جريح بأطراف الحصا فخريره
أنين له من حس تلك الجنادل
إذا قابل النهر الدجى بنجومه
أرانا بقعر الماء ضوء المشاعل
تغلغل في الوادي فوافي كقينة
منعمة حسناء ليس بعاطل
فعانقها حتى انثنت مشمعلة
تقل على ظهر الصفا بطن حامل

يروى أن عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — لما قدم الشام رأى الغوطة، ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين، فتلا قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ. ويروى أن أمير المؤمنين المأمون العباسي أقسم يومًا — وقد نظر إلى أشجار الغوطة ونباتها — أنها خير مغنى على وجه الأرض، وقال: عجبت لمن يسكن غيرها كيف ينعم مع هذا المنظر الأنيق الذي لم يُخلَق مثله؟!

وحي الغوطة

أتى لي في الغوطة ستون سنة، تسلمني الطفولة إلى الشباب، والشباب إلى الكهولة، والكهولة إلى الشيخوخة، ولاقيت ربيعها وصيفها وخريفها وشتاءها، وما لقيت منها إلا نضرة وسرورًا.

أنعشني هواؤها، وأدهشتني أرضها وسماؤها، وما فتئت منذ وعيت أقرأ في صفحة وجهها الفتان آيات الإبداع والإعجاز.

في ربوعها شهدت الطبيعية تقسو وتلين، وتغضب وترضى، وتشح وتسمح، فراعني جمالها وجلالها، وشاقني تجنيها ووصالها. نشقت أنفاس رياها وهي ترفل في زهرها ووردها، واستهوتني مجردة من ورقها وثمرها ونباتها، فأخذت بها كاسية عارية، وطابت لي مطيبة وتفلة.

تربة تقبل وتمحل، وأدواح تعمق وتثمر، وجداول تفور وتغور، وآبار تفيض وتغيض، وجو يغيم ويصحو، ودوي عبس وضحك، وهناك هناء، وهناك يسر، وهناك شقاء، وهناك عسر.

أتى الجراد غير مرة على زرعها وثمرها، وسطت الحشرات على خضرها وشجرها، وأحرق الصقيع حبوبها وفاكهتها، وعدا الموتان على دواجنها وماشيتها، وطغى الماء على أدنى بقاعها، فأودى بما أنبتت وبسقت، وعادت هذه الأم الرءوم تدر على أبنائها لبنًا سائغًا، وتفيض عليهم من عطفها وحنانها كل جميل.

عهدي بها ودِمَن عشرات المزارع الخربة، بما توالى عليها من نكبات الزلازل والسيول والأوبئة والمجاعات، إلى جانب ألوف الأفدنة تصبح بالدءوب حدائق غلبًا، وكانت بالأمس بين مستنقع وبيل، ومرج أفيح. في الغوطة قرى كبيرة تداعب، وقرى كبيرة لم يعفُ رسمها، وفيها أشجار لا تعيش غير بضع سنين، وأخرى مباركة يُحسَب عمرها بالقرون.

همت بسحرها في سحرها، وبشمسها تأفل وراء شجرها، وراقني وابلها وطلها، ونداها وضبابها، وجليدها وجمدها، وثلجها وبردها، ودمقها وزمهريرها، نسيمها وأعاصيرها.

غنتني طيورها بأطيب الأنغام ترددها من وُكناتها في جناتها، وما تبرمت الأُذُن بنعيق البوم ونعيب الغربان، وعواء بنات آوى، ونباح الكلاب، ونقيق الضفادع، في المظلم والمقمر من لياليها، واهتززتُ للديكة تصيح، والغنم تثأج، والمعيز تثغو، والبقر يخور، والخيل تصهل، والحمير تنهق.

أقبلت مرة أقلب حديقة لنا أنقي أدغالها، وأعزل صخورها وأحجارها، فنبشت على ذراعين من سطحها مقبرة فيها قليل من عظام نخرة، وكثير من خواتم وأقراط وأساور ودمالج، كانت فضتها ونحاسها وحديدها وزجاجها تتفتت لساعتها بأيدينا.

وما فرقنا بين الرجل والمرأة من نزلاء مدينة الموتى، وما بان معنا الشاب من الفتاة، ولا الشيوخ من العجائز، ولا إذا كان من لحدوا فيها مجوسًا أو صابئة أو نصارى أو مسلمين، ولا إن كانوا من العرب أو السريان أو اليهود أو الروم، وغاية ما نمَّ عليه ذاك العظم الرميم أنه بقايا أشلاء بشرية كان أربابها يهيجون ويسكنون، ويلؤمون ويبرون، ويشقون ويسعدون. وأبصرت على خطى قليلة من المدفن أثر حوض بديع شُيِّد بالآجر والحجر النحيت، يظهر من ترخيمه أنه بناء بانٍ صناع اليد، وانتهت إلى ديماس عميق فيه جرار عظيمة، وأدوات نشأت من مدينة كانت بنت هذه التربة الزكية، نعم بها أهلها ما قُدِّر لهم أن ينعموا، فلما ناداهم حادي الرحيل تخلَّوا عن مصانعهم ومرافقهم، وغادروا ديارهم كأن لم يغنوا فيها.

أدركت أجيالًا ثلاثة من الناس، وقبلي رأى الراءون ألوف ألوف الألوف، وكلهم كان شأنهم كشأننا، خُلِقوا على صورتنا، ورُكِّبت فيهم أحاسيسنا وغرائزنا، واستحكمت فيهم الشهوات والمطامع، وكانت لهم آمال وأحلام، نزح صالحهم وطالحهم، وراح لطيفهم وكثيفهم، وما عرفوا لمَ جاءوا ولا إلى أين ذهبوا، ولمَ جدوا وجهدوا، ولمَ انصرفوا على ألا يرجعوا. أما أجسامهم فقد نخرت وتبخرت، وتبعثرت ذراتها في الفضاء. وأما أرواحهم فانتقلت إلى عالم لم ندركه بالحس، ولا قدر معنا بحساب، وما علمنا عنه إلا ما أشار إليه الكتاب.

ذهب من درجوا على هذا الصعيد الطيب، تاركين ما كدحوا وجمعوا، ناسين من أحبوا وأبغضوا، وما حال دون قفولهم عطف الأمهات والزوجات، ولا بكاء الأولاد والأخوات، هلك الغني والفقير، والصحيح والمريض، والحبيب والبغيض، وناح النساء على الأعزة الذاهبين يندبون ويولولون، ثم لحق النائحات والنوادب بالصحاب والصواحب.

•••

حقًّا إن الغوطة كانت على الأيام ساحة تحوُّل، تحولت فيها حتى أزياء الجنسين من سكانها، فغيَّر الرجال في هذه الحقبة لباس رءوسهم ثلاث مرات، وكذلك كان دأب النساء بملائهن.

شاطرت القوم أفراحهم وأتراحهم، وكاثرتهم في مواسمهم وأعيادهم، ورأيتهم يلبسون الخلق البالي، ورأيتهم يلبسون الزواق الحرير، ورأيتهم يطعمون طيب الطعام وأمرأه، ورأيتهم لا يشبعون من خبز الذرة والشعير، راقبتهم في سكونهم وهوشاتهم، وفي تلاتلهم ومشاكلهم، وفي سعتهم وضيقهم، وعاشرتهم وسامرتهم، على نقص محسوس في تربيتهم، أدركتهم يستعيضون عن اللبن والطين والقصب والكلس في بنيانهم بالقرميد والآجر والحجر والأسمنت، وعهدتهم يمتطون الفَرِه من الخيل والبغال والحمير، ويحملون أثقالهم على الجمال، ويجرونها بالثيران، ثم اتخذوا المركبات والعجلات، وركبوا الدرجات والسيارات.

أدركتهم تبيض الأمية وتفرخ في رءوسهم، ويعم الجهل كبيرهم وصغيرهم، وذكورهم وإناثهم، وما كانت عقول الأذكياء منهم تصل إلى أبعد من القرى المجاورة، واغتبطت أن صار بضعة في الألف من شبانهم وكهولهم يتلون الصحف والكتب، ويستطلعون طلع الأخبار، ويعنيهم النظر في المصالح العامة، ويظهرون في مظهر من يحاول مجاراة الزمن في حضارته، يستبدلون الأدوات الحديثة في الحرث والتذرية والعصر والاستخراج بأدواتهم القديمة التي جمدت على حالة واحدة لم تتبدل من عهد عاد وثمود، كل ذلك ببطء وتثاقل ليناسب اقتباسها قانون الزروع والغراس عنهم: تنمو بحرارة معتدلة وإذا سقيت سقيت بمقدار. إقليم تتصادم عناصر الطبيعة فيه بلا انقطاع، الفناء رابض أبدًا إلى جانب البقاء والتبدل على قد غلوة من الاستقرار. عاينت كل هذا فرجعت بمناظر متشاكلة، ولا تزال تتكرر على مر الجديدين. لم أهتدِ سبيلًا إلى تعليلها، ولا أدركتُ ولا أَدْرَك أرباب المدارك هذا السر الدفين في صدر الليل والنهار.

هنا يبدو للعين كفاح الغوطي في كسبه ورزقه، وصراعه في سبيل شهواته وأثرته، هنا تلمح جور القوي على الضعيف، وأن الإنسان في هذه الأرجاء على نحو ما هو في كل مكان، ظالمًا ومظلومًا، قاتلًا ومقتولًا، وعزيزًا وذليلًا.

لحظت الغوطي موسعًا عليه، ولاحظته مقترًا عليه، عهدته مرهقًا بضروب الجبايات، وألفيته يؤدي الجباية طيبة بها نفسه، وأدركت الفقير ينوء بحمل كل عبء، والغني يكاد يعفي نفسه من أداء كل شيء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠