وصف القدماء والمحدثين لدمشق

قيل لإسحق بن يحيى الختلي — مِن ولاة دمشق ٢٣٥ﻫ: لِمَ سكنت دمشق وفلحت أرضها وأكثرت فيها الغروس من أصناف الفاكهة، وأجريت المياه إلى الضياع وغيرها؟ قال: لا يطيق نزولها إلا الملوك.

وقيل له: كيف ذلك؟ قال: ما ظنكم ببلدة يأكل فيها الأطفال ما يأكله في غيرها الكبار؟ وحق لهذا الوالي أن يقول ذلك، فإن دمشق معروفة منذ القديم بأنها بلدة رفاهية يكاد الفقير يعيش فيها عيش الغني إلا قليلًا، ويتفنن أهلها في مآكلهم ومشاربهم وقصفهم ولهوهم.

وصف المقدسي في القرن الرابع مدينة دمشق بأنها مصر الشام، ودار الملك أيام بني أمية، وثَمَّ قصورهم وآثارهم وبنيانهم خشب وطين، أكثر أسواقها مغطاة، ولهم سوق على طول البلد مكشوف حسن. لا ترى أحسن من حمَّاماتها ولا أعجب من فواراتها، ولا أحزم من أهلها، ومنازلها ضيقة وأزقتها غامة، تكون نحو نصف فرسخ في مثله في مستوى، والجامع أحسن شيء للمسلمين اليوم، ولا يُعلَم لهم مال مجتمع أكثر منه.

ووصف ابن جبير في القرن السادس هذه المدينة فقال: «إنها بلد ليس بمفرط الكبر، وهو مائل للطول، وسككه ضيقة مظلمة وبناؤه طيب وقصب، طبقات بعضها فوق بعض، ولذلك كثيرًا ما يسرع الحريق إليه، وهو كله ثلاث طبقات فيه من الخلق ما تجمعه ثلاث مدن؛ لأنه أكثر بلاد الدنيا خلقًا».

ووصفها ياقوت في القرن السادس أيضًا قال: «ومن خصائص دمشق التي لم أرَ في بلد آخر مثلها، كثرةُ الأنهار بها وجريان الماء في قنواتها، فقلَّ أن تمر بحائط إلا والماء يخرج منه في أنبوب، إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، وما رأيت بها مسجدًا ولا مدرسة ولا خانقاهًا إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان، والمساكن بها عزيزة لكثرة أهلها والساكنين بها وضيق بقعتها، ولها ربض دون السور محيط بأكثر البلد يكون في مقدار البلد نفسه».

ووصفها شيخ الربوة — وهو ابن دمشق — أوائل القرن الثامن فقال: «إنها مقسومة ثلاث طبقات؛ قسم مبثوث العمارة في غوطتها، لو جُمِع لكان مدينة عظيمة، ما بين جواسق وقصور وقاعات وإصطبلات وطواحين وحمَّامات وأسواق ومدارس وترب وجوامع ومساجد ومشاهد غير القرى والضياع الأمهات، وهذا الذي ذكرناه لا يوجد بغيرها أصلًا. والقسم الثاني تحت الأرض منها مدينة أخرى من متصرفات المياه والقنى والجداول ومسارب ومخازن وقنوات تحت الأرض كلها، حتى لو حفر الإنسان أينما حفر من أرضها وجد مجاري المياه تحته مشتبكة طبقات يمنة ويسرة شيئًا فوق شيء. والقسم الثالث سورها وما فيه وحوله من المعمور، وكأنما هي في وصفها طائر أبيض في مرج أخضر، يترشف ما يصل إليه من الماء أولًا فأولًا».

وهذا أصدق وصْفٍ ينطبق عليها اليوم.

ووصفها ابن فضل الله العمري الدمشقي في القرن الثامن فقال: «إن غالب بنائها بالحجر، ودورها أصغر مقادير من دور مصر لكنها أكثر زخرفة منها، وإن كان الرخام بها أقل دائمًا، فهو أحسن أنواعًا، وإن عناية أهل دمشق بالمباني كثيرة، ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به وتحسن بأوضاعه، وأجلُّ حاضرتها ما هو بجانبها».

وقال ابن بطوطة في هذا القرن أيضًا: «إن أهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد».

ووصفها القلقشندي أوائل القرن التاسع فقال: «إنها مدينة حسنة الترتيب، جليلة الأبنية ذات الحواجز، بُنِيت من جهاتها الأربع، وبها الجوامع والمدارس والخوانق والرُّبط والزوايا والأسواق المرتبة والديار الجميلة المذهبة السقف المفروشة بالرخام المنوَّع، ذات البرك والماء الجاري، وربما جرى الماء في الدار الواحدة في أماكن منها، والماء مُحكم عليها من جميع جهاتها بإتقان محكم».

وعرض لوصفها الظاهري في القرن العاشر بقوله: «إنها مدينة حسنة إلى الغاية، تشتمل على سور محكم وقلعة محكمة، وبها طارمة مشرفة على المدينة فيها تخت المملكة مغطى لا يُكشَف إلا إذا جلس السلطان عليه، وبها جوامع حسنة ومدارس وأماكن مباركة وشوارع وأسواق وحمَّامات وبساتين وأنهر وعمائر تحير الواصف، وبها مارستان لم يُرَ في الدنيا مثله قط، وأما جامع بني أمية فهو أحد العجائب الثلاث، ولقد رأيت في بعض التواريخ أن عجائب الدنيا ثلاث: منارة الإسكندرية، وجامع بني أمية، وحمَّام طبرية، أما الميدان الأخضر وما به من القصور الحسنة فعجيبة من العجائب، وأما مفترجات دمشق فيعجز الواصف عن حصرها». ا.ﻫ.

هذا قليل مما قاله الأقدمون في وصف دمشق، وما منهم إلا المعجَب بما زانتها به الطبيعة، وما عملته يد الإنسان في أديمها.

وقد بالغ الشعراء وأكثروا في وصف طبيعتها، وربما بلغ ما مُدِحت به مجلدًا برأسه، فمنهم من قال مخاطبًا لها:

ولكم أحدث عنك من لاقيته
وجميع من سمع الحديث يصدق
والأرض في عرض وطول دائمًا
لم يحوِ مثلك غربها والمشرق

ومنهم من وصفها بقوله:

يغذى بها القلب أنفاسًا بلا كدر
فن يحلُّ الوبا أطرافَ ثاويها
إن الهواء إذا رقَّت مناسمه
في بلدة لَطفت أخلاط أهليها
فكل صورة أنس في منازلها
وكل نزهة نفس في روابيها
لولا أمور وأرزاق مقدرة
لم يرتحل عن دمشق حاضر فيها

وفيها يقول البحتري في قصيدته للخليفة المتوكل التي مطلعها:

العيش في ليل «داريا» إذا بردا
والراح نمزجها بالراح من «بَردَى»

إلى أن قال:

أما دمشق فقد أبدت محاسنها
وقد وفى لك مطربها بما وعدا
إذا أردتَ ملأت العين من بلد
مستحسن وزمان يشبه البلدا
يمسي السحاب في أجبالها فرقًا
ويصبح النبت في صحرائها بددا
فلست تبصر إلا واكفًا خضلًا
أو يانعًا خضرًا أو طائرًا غردا
كأنما القيظ ولى بعد جيئته
أو الربيع دنا من بعد ما بَعُدا

ومن أجمل ما قيل في مدحها قصيدة أمير شعراء العصر أحمد شوقي، وها هي برمتها:

قُمْ ناجِ جِلِّق وانشد رسم مَن بانوا
مشت على الرَّسم أحداث وأزمان
هذا الأديم كتاب لا كِفاء له
رثُّ الصحائف باقٍ منه عُنوان
الدين والوحي والأخلاق طائفة
منه وسائره دنيا وبهتان
ما فيه إن قلبت يومًا جواهره
إلا قرائح من «راد» وأذهان
بنو أَمية للأنباء ما فتحوا
وللأحاديث ما سادوا وما دانوا
كانوا ملوكًا سرير الشرق تحتهم
فهل سألتَ سرير الغرب ما كانوا
عَالِين كالشمس في أطراف دولتها
في كل ناحية ملك وسلطان
يا ويحَ قلبي مهما انتاب أرسمهم
سرى به الهمُّ أو عادته أشجان
بالأمس قمت على «الزهراء» أندبهم
واليوم دمعي على «الفيحاء» هتان
في الأرض منهم سماوات وألويةٌ
ونيِّرات وأنواءُ وعِقْبان
معادن العز قد مال الرَّغام بهم
لو هان في تربه الإبريز ما هانوا
لولا دمشق لما كانت «طلَيْطِلة»
ولا زهت بني العباس «بغدان»
مررت بالمسجد المحزون أسأله
هل في المُصَلَّى أو المحراب مَروان
تغيَّر المسجد المحزون واختلفت
على المنابر أحرارٌ وعِبدان
فلا الأذان أذانٌ في منارته
إذا تعالى ولا الآذان آذان
آمنتُ بالله واستثنيت جنته
دمشق رَوْحٌ وجنات وريحان
قال الرفاق وقد هَبَّت خمائلها
الأرض دار لها «الفيحاء» بستان
جرى وصفق يلقانا بها «برَدَى»
كما تَلَقاك دون الخلد رضوان
دخلتها وحواشيها زُمُرُّدة
والشمس فوق لجين الماء عِقْيان
والحَورُ في «دُمَّر» أو حول «هامتها»
حُور كواشف عن ساق وولدان
و«ربوة» الوادِ في جلباب راقصة
الساق كاسيةُ والنحر عُريان
والطير تصدح من خلف العيون بها
وللعيون كما للطير ألحان
وأقبلت بالنبات الأرضُ مختلفًا
أفواهه فهم أصباغ ألوان
وقد صفى «بردى» للريح فابتردت
لدى ستور حواشيهن أفنان
ثم انثنت لم يزل عنا البلال ولا
جَفَّت الماء أذيال وأردان
خلَّفتُ «لُبنان» جناتِ النعيم وما
نُبئت أن طريق الخُلد لبنان
حتى انحدرت إلى فيحاء وارفة
فيها النَّدى وبها «طيُّ» و«شَيْبان»
نزلت فيها بفتيان جَحاجحة
آباؤهم في شباب الدهر غسَّان
بيضِ الأسرة باقٍ فيهم صَيَد
من «عبد شمس» وإن لم تبقَ تيجان
يا فتية الشام شكرًا لا انقضاء له
لو أن إحسانكم يَجزيه شكران
ما فوق راحاتكم يوم السماح يدٌ
ولا كأوطانكم في البشر أوطان
خميلةُ الله وَشَّتْها يداه لكم
فهل لها قيِّمٌ منكم وَجنَّان
شِيدوا لها الملك وابنوا ركن دولتها
فالملك غرس وتجديد وبنيان
لو يُرجِع الدهر مفقودًا له خَطَر
لآب بالواحد المبكي ثَكلان
الملك أن تعملوا ما استطعتمو عملًا
وأن يبين على الأعمال إتقان
الملك أن تُخرج الأموال ناشطة
لمطلب في إصلاح وعُمران
الملك تحت لسان حوله أدب
وتحت عقل على جنبيه عرفان
الملك أن تتلَاقَوا في هوى وطن
تقرَّقت فيه أجناس وأديان
نصيحة مِلؤُها الإخلاص صادقةٌ
والنصحُ خالصه ديِنٌ وإيمان
والشعر ما لم يكن ذكرى وعاطفة
أو حكمةً فهو تقطيع وأوزان
ونحن في الشرق والفُصْحى بنو رَحِمٍ
ونحن في الجُرْح والآلام إخوان

وصف الأفرنج منذ القرن الماضي دمشق وصفًا يختلف باختلاف معرفتهم وسياسة دولتهم، وهاكم نموذجات منها.

فمن أول من وصفها «فولني» الرحَّالة الفرنسي، زارها حوالي سنة ١٧٨٨م، ومما قاله فيها: إن العرب لا يذكرون دمشق إلا معجبين بها، ولا يفتئون يمتدحون خضرة حدائقها، ولطافة نسيمها، وكثرة فاكهتها وتعدد أصنافها، ووفرة مياهها العذبة، وصفاء فواراتها وعيونها، وهي إلى هذا متفردة بوجود أماكن للنزهة في الخلاء وسط الريف والفلاة، وما من مدينة كدمشق تحوي قنوات وسلسبيلات.

ونقل عن نيبور الذي وصف خططها ومسحها فكانت ٣٢٥٠ أرتوازًا «مقياس قديم طوله ست أقدام» أي أن استدارتها أقل من فرسخ ونصف، قال: وإذا حكمنا على هذا القياس بمقابلتِها بحلب أرى أن دمشق تحتوي على ثمانين ألفًا من السكان «سكَّانها اليوم نحو ثلاثمائة ألف عدا الضواحي».

وطلب رولان دوجلس «من كُتَّاب فرنسا المعاصرين» إلى مولاه وهو يحدق نظره في مئذنة عيسى المطلة على جامع بني أُمية، أن يكتب له عدم التعب وألا تتم له رغبة في البحث حتى يأتي على آخر رحلته التي لم يكن يخلو فيها من عجب دائم وحب أخاذ، وهذا معناه أنه دهش بمناظر دمشق.

أمَّا «الأخوان تارو» فقد صغَّرا من قدرها وقالا إن ليس فيها ما تروق مشاهدته كثيرًا، وقصرَا مدهشاتها على ما حبتها به الطبيعة فقط، ومما قالاه: «وهل الثرثرة الدائمة، والتقلب في حدائقها، وخصب جنانها هي التي تخفي على الدمشقيين مبلغ الهرم الذي حلَّ ببلدهم؟ فهم يعمون عن انحطاطها وجمالها الذليل، وما برحوا مع هذا يعتقدون أنه سيعود إليها بهاؤها الذي كان على العهد الأموي، وفي أيام السلطان صلاح الدين، وهم منذ خمسة قرون يخضعون لحكم الترك على الترك، على حين هم أشد ذكاء وأكثر مضاء منهم».

وقال «موريس باريس»: إن دمشق عتبة البادية، يجتمع بها على الدوام مائة ألف بدوي إلى ثلاثمائة ألف حضري مسلم، وفيها حلم قديم ينبعث من تحت ظلال أشجارها على شاطئ التيار السريع، وإن دمشق لتستهوي قلوبنا فَتَرق لشيخوختها وفتوتها، وهي تبدي ما أصابها من حوادث الأيام وما لها من سحر خالد، ضامة بين جوانبها تلك الآكام الجرداء. دمشق موطن من مواطن الفكر، ومعهد من معاهد الشعر، وقصر من قصور الروح، فيها يجتمع الغرب والشرق، لا يحاول كلٌّ منهما أن يصرع صاحبه، بل يجنح إلى التفاهم معه والامتزاج به … قال: ولقد حدثتني راهبة شريفة من راهباتنا أن الأسر الإسلامية على غاية من الأخلاق العالية، وأن الإسلام دين يأمر بأمور صالحة.

والغربيون يكتبون حقائق دمشق إذا طال مقامهم فيها، ولكن أكثرهم يصرف فيها أيامًا أو ساعات محدودة ويطلع على قرائه بكتاب مرتجل، وما أدري كيف يحكم مؤلف على مثل هذه العاصمة في زورة قصيرة يقضي فيها، ولا يجتمع فيها إلا إلى الرجال الرسميين يلقنونه ما يوافق منازعهم، أو إلى أصحاب الفنادق والتراجمة والأدلاء، وهؤلاء أيضًا لا يدركون ما يجب أن يُعرَف من سحر هذه المدينة.

وقال رامبر السويسري: إن دمشق في نظر سكان البادية ومن ينزل في أطرافها الأربعة التي تصهرها الشمس جنة ذات مياه دافقة، وظلال وارفة، وثمار غضة جَنِية، ولا يشعر المرء بأسف شديد في أي مكان نزل، كما يشعر إذا رأى قطعة من الأرض بلغت هذه الحد من الجمال، وكان حظها أن يديرها العثمانيون المعروفة إدارتهم بالجهل والجشع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠