الفصل الثاني

بشر أمثالُنا

إلغاء التعذيب

في عام ١٧٦٢ — وهو نفس العام الذي ابتكر فيه روسو مصطلح «حقوق الفرد» — أدانت إحدى المحاكم في مدينة تولوز بجنوب فرنسا رجلًا بروتستانتيًّا يبلغ من العمر أربعة وستين عامًا ويُدعى جان كالاس بتهمة قتل ابنه لمنعه من التحول إلى المذهب الكاثوليكي. أصدر القضاة الحكم عليه بالإعدام بسحق عظامه على عجلة السحق، وقبيل تنفيذ حكم الإعدام تعيَّن على كالاس أن يقاسي أولًا تحت الإشراف القضائي عذابًا يُعرف باسم «الاستجواب التمهيدي»، أُعد خصيصًا من أجل أن يُدلى أولئك الذين أُدينوا بالفعل بأسماء شركائهم في الجريمة. أوثق الجلادون معصمَيْ كالاس بإحكام إلى قضيب خلف ظهره، ثم مَطَّت آلةٌ تعمل بالكرنكات والبكرات جسمَهُ بحيث تشد ذارعيه إلى أعلى باستمرار فيما يحفظ ثقلٌ حديدي قدميه ثابتتين في مكانهما (انظر الشكل رقم ٢-١). وعندما امتنع كالاس عن ذكر أي أسماء بعد نوبتين من التعذيب، أوثقوه في مقعد، ثم صبوا قوارير الماء في حلقه عنوة فيما ظل فمه مفتوحًا باستخدام عصوين صغيرتين (انظر الشكل رقم ٢-٢). ولمَّا عُذب من جديد كي يدلي بالأسماء، جاء رده كالآتي: «حين لا توجد جريمة من الأساس، لا يمكن أن يكون هناك شركاء في الجريمة.»
fig3
شكل ٢-١: التعذيب القضائي. (يكاد يستحيل العثور على لوحات تصوِّر التعذيب الذي كان القضاء يبيحه. يدَّعي هذا النحت الخشبي المصنوع على صفحة كاملة (٢١٫٦سم × ١٤٫٤سم) الذي يعود إلى القرن السادس عشر أنه يوضح وسيلة كانت مستخدمة في تولوز تشبه تلك التي خضع لها جان كالاس بعدها بقرنين، وهي تمثل نموذجًا لأدوات التعذيب القضائي التي كانت ذائعة الانتشار في أوروبا وكانت تُسمى «آلة المط» strappado، وهي كلمة مشتقة عن كلمة إيطالية تعني الشد العنيف أو التمزيق.)
fig4
شكل ٢-٢: التعذيب بالماء. (يصوِّر هذا النحت الخشبي الذي يعود إلى القرن السادس عشر (مقاس ٢١٫٦سم × ١٤٫٤سم) طريقة فرنسية للتعذيب بالماء، وهي ليست نفس الطريقة التي خضع لها كالاس بالضبط، لكنها قريبة منها بالقدر الكافي لتوصيل الفكرة.)
لم يكن المُعذَّبون يموتون سريعًا، ولم يكن هذا هو المراد. كان السحق على العجلات، المخصص لأولئك المدانين في جرائم القتل أو السطو المسلح، يتم على مرحلتين؛ أولًا: يوثق الجلادُ المدانَ على صليب على شكل حرف إكس (x) ثم يكسر على نحو مدروس عظم الساعدين، والساقين، والفخذين، والذراعين عن طريق تسديد ضربتين قويتين إلى كل منها. وباستخدام رافعة مثبتة في حبل ملفوف حول رقبة المُدان، يخلع مساعدٌ للجلاد يقف تحت المشنقة الفقراتِ العنقيةَ عن طريق شد الحبل شدًّا عنيفًا. في تلك الأثناء يسدد الجلاد ثلاث ضربات عنيفة إلى الجزء الأوسط من الجسم باستخدام قضيب من الحديد. ثم يُنزل الجلاد الجسد المهشم ويوثقه إلى عجلة عربة موضوعة على قمة قضيب طوله عشرة أقدام، بحيث تكون الأطراف مثنية للوراء على نحو مؤلم للغاية. ويظل المدان مربوطًا في هذا الوضع فترة طويلة بعدما يلقى حتفه، منهيًا بذلك «مشهدًا مرعبًا إلى أبعد حد». وبناء على توجيه سرِّي، تفضلت المحكمة وأنعمت على كالاس بالخنق حتى الموت بعد ساعتين من العذاب، قبل أن يوثق إلى العجلة. ومات كالاس وهو لا يزال يؤكد براءته.1
أثارت «قضية» كالاس الانتباه عندما اهتم بها فولتير بعد مرور أشهر قلائل على تنفيذ حكم الإعدام. جمع فولتير المال من أجل العائلة، وكتب خطابات باسم العديد من أفراد عائلة كالاس يؤكد أنها تقدم رؤيتهم الشخصية للأحداث، ثم نشر كتيبًا وكتابًا يتناولان القضية، وكان أشهر هذه الأعمال مقالته «رسالة عن التسامح بمناسبة موت جان كالاس»، التي استخدم فيها للمرة الأولى مصطلح «حق الإنسان»؛ كان جوهر حجته أن التعصب مُحال أن يكون حقًّا من حقوق الإنسان (لم يستخدم الحجة الإيجابية التي تقول إن حرية اختيار الدين حق من حقوق الإنسان)، ولم يعترض فولتير في الأساس على التعذيب أو سحق العظام باستخدام عجلة السحق، ما أثار سخطه هو ذلك التعصب الديني الأعمى الذي انتهى إلى أنه يحرك رجال الشرطة والقضاة: «من المستحيل أن نعقل كيف يمكن لرجل، بناءً على هذا المبدأ [حق الإنسان]، أن يقول لآخر «آمن بما أؤمن به والذي لا يمكنك أن تؤمن به وإلا ستموت»! فبهذا الأسلوب يتكلم الناس في البرتغال، وإسبانيا، وجوا» [بلدان ذات سمعة مشينة بسبب محاكم التفتيش].2

لمَّا كان التعبد علانية بالمذهب الكالفيني محظورًا في فرنسا منذ عام ١٦٨٥، كان جليًّا أنه لم يكن من الصعب أن تصدق السلطات أن كالاس قتل ابنه لمنعه من التحول إلى المذهب الكاثوليكي. ففي ليلة من الليال، بعدما التفَّت العائلة لتناول العشاء، وجدوا مارك-أنطوان يتدلى من العتبة العليا لأحد أبواب مخزن خلفي؛ إنه انتحار واضح، ولتحاشي الفضيحة، ادعوا أنهم عثروا عليه مرميًّا أرضًا وكأنه تعرَّض للقتل؛ وذلك لأن قانون فرنسا يعاقب على الانتحار؛ فالشخص الذي ينتحر لا يُدفن في أرض مقدسة، وإذا ثبتت إدانته في إحدى جلسات الاستماع، تُخرج جثته من القبر وتُجر في كل أنحاء المدينة ثم تُعلَّق من القدمين ثم تُلقى في مقلب النفاية.

استغلت الشرطة نقاط التضارب والاختلاف في أقوال أفراد الأسرة، وقبضت فورًا على الأب والأم والأخ، بالإضافة إلى الخادمة وشخص كان في زيارتهم، ووجهت لهم جميعًا تهمة القتل، وقضت محكمة محلية بخضوع كل من الأب والأم والأخ للتعذيب؛ بغية انتزاع اعترافات باقتراف الجريمة (فيما يُعرف بالاستجواب التمهيدي)، لكن عند الاستئناف نقض برلمان تولوز حكم المحكمة المحلية، إذ رفض استخدام التعذيب قبل ثبوت الإدانة، وأدان الأب فحسب على أمل أن يقر بأسماء الآخرين عندما يخضع للتعذيب قبيل إعدامه مباشرة. أتت الدعاية الحرون التي شنها فولتير حول القضية بثمارها لمصلحة العائلة التي لم تكن قد بُرئت ساحتها بعد. في بادئ الأمر علَّق المجلس الملكي الأحكام الصادرة لأسباب فنية طوال عامي ١٧٦٣ و١٧٦٤، ثم صوَّت في عام ١٧٦٥ من أجل تبرئة ساحة جميع المتورطين في القضية وإعادة الممتلكات المصادرة إلى الأسرة.

أثناء العاصفة التي ثارت حول قضية كالاس، بدأ تركيز فولتير يتحول، وعلى نحو متزايد بدأ نظام العدالة الجنائية نفسه؛ ولا سيما استخدامه للتعذيب والقسوة، يتعرض للنقد؛ ففي كتابات فولتير الأولى عن قضية كالاس في عامي ١٧٦٢ و١٧٦٣، لم يأتِ فولتير قطُّ على ذكر مصطلح «تعذيب» (واستعاض عنها باللفظة القانونية الأكثر لطفًا «الاستجواب»)، واستهجن فولتير التعذيب القضائي للمرة الأولى عام ١٧٦٦، ومنذ ذلك الحين فصاعدًا كثيرًا ما بدأ يربط بين كالاس والتعذيب. أكد فولتير على أن مشاعر الشفقة الطبيعية تحمل كل إنسان على النفور من قسوة التعذيب، مع أنه هو نفسه لم يجاهر بهذا من قبل. يقول فولتير: «أُلغي التعذيب في بلدان أخرى بنجاح، ومن ثم فالقضية محسومة.» حدث تحول كبير في آراء فولتير، حتى إنه شعر في عام ١٧٦٩ أنه يتعيَّن عليه إضافة مقال جديد عن «التعذيب» إلى «قاموسه الفلسفي» الذي نُشر للمرة الأولى في عام ١٧٦٤، والذي كان مدرجًا بالفعل في «القائمة البابوية للكتب المحظورة». وفي المقال استخدم فولتير أسلوبه المعتاد الذي يبدل فيه بين السخرية والنقد اللاذع كي يستهجن الممارسات الفرنسية الهمجية؛ إذ يشير إلى أن الغرباء يكوِّنون رأيهم عن فرنسا من خلال مسرحياتها، ورواياتها، وأشعارها، وممثلاتها الحسناوات، دون أن يفطنوا إلى أنه ما من أمة تفوقها قسوة، ويخلص فولتير إلى أن الأمة المتحضرة ما كانت لتداوم على اتباع «العادات الوحشية الموغلة في القدم»، وما كان يبدو له ولكثيرين غيره مقبولًا منذ أمد بعيد أصبح الآن مشكوكًا فيه.3
كما هي الحال مع حقوق الإنسان بصفة أكثر عمومية، تبلورت توجهات جديدة بشأن كل من التعذيب والعقوبات الآدمية للمرة الأولى في ستينيات القرن الثامن عشر، ليس في فرنسا وحدها، بل أيضًا في بقاع أخرى من أوروبا وفي المستعمرات الأمريكية. كان فريدريك الكبير، ملك بروسيا وصديق فولتير، قد ألغى بالفعل التعذيب القضائي في مملكته عام ١٧٥٤، ثم تبعه آخرون في العقود التالية: السويد في عام ١٧٧٢، والنمسا وبوهيميا في عام ١٧٧٦. وفي عام ١٧٨٠ ألغت الحكومة الملكية الفرنسية استخدام التعذيب بغية انتزاع الاعترافات باقتراف الجريمة قبل صدور الحكم بالإدانة، وفي عام ١٧٨٨ ألغت إلغاءً مؤقتًا التعذيب قبل تنفيذ حكم الإعدام مباشرة لمعرفة أسماء شركاء الجريمة، وفي عام ١٧٨٣ أوقفت الحكومة البريطانية المسيرات العامة إلى منطقة تايبرن في لندن؛ حيث بات تنفيذ حكم الإعدام فيها أحد أهم مصادر التسلية الشعبية، واستحدثت الاستخدام المألوف ﻟ «هوة المشنقة»، وهي منصة مرتفعة يسقطها الجلاد كي يضمن عمليات شنق أسرع وأكثر آدمية. وفي عام ١٧٨٩ ألغت الحكومة الثورية الفرنسية أشكال التعذيب القضائي كافة، واستحدثت المقصلة في عام ١٧٩٢ التي كان الغرض منها جعل تنفيذ عقوبة الإعدام على نفس الدرجة من الألم للجميع وغير مؤلم قدر المستطاع. وبحلول نهاية القرن الثامن عشر، بدا أن الرأي العام يطالب بوضع حد للتعذيب القضائي وكل أشكال الإذلال المتعددة التي تتعرض لها أجساد المدانين، وكما أكد الطبيب الأمريكي بنجامين راش في عام ١٧٨٧ فإنه لا يجدر بنا أن نغفل أنه حتى المجرمون «لهم أرواح وأجساد مكونة من نفس العناصر التي تتكون منها أرواح وأجساد أصدقائنا وذوينا. هم أمثالنا».4

التعذيب والقسوة

بدأ استخدام التعذيب الخاضع للإشراف القضائي بغية انتزاع الاعترافات في معظم البلدان الأوروبية — أو أُعيد استخدامه — في القرن الثالث عشر؛ نتيجة لإحياء القانون الروماني ونموذج «محاكم التفتيش الكاثوليكية» لمعاقبة الهرطقة. وفي القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، كرَّس كثيرون من أبرع رجال القانون في أوروبا أنفسهم من أجل تقنين استخدام التعذيب القضائي وتنظيمه كي يحولوا دون أن يُسيء استخدامه القضاة المتعصبون تعصبًا أعمى أو الساديون. ويُعتقد أن بريطانيا العظمى كانت قد استبدلت هيئات المحلفين بالتعذيب القضائي في القرن الثالث عشر، ومع ذلك ما انفك التعذيب يحدث في القرنين السادس عشر والسابع عشر في قضايا مثل إثارة الفتنة ومزاولة السحر. على سبيل المثال: من ضمن وسائل التعذيب التي استخدمها القضاة الاسكتلنديون الأكثر صرامة مع الساحرات: الثقب، والحرمان من النوم، والتعذيب بالحذاء «عالي الساق» (سحق السيقان)، والكي باستخدام الحديد المُحمى، وغيرها من الطرق. أما التعذيب بغية الحصول على اعتراف بأسماء شركاء الجريمة فقد كان مسموحًا به بموجب قانون ماساتشوستس الاستعماري، لكن من الواضح أنه لم يطبق قط.5
كانت أشكال العقاب الوحشية عند الإدانة منتشرة في كل أنحاء أوروبا والأمريكتين؛ فمع أن وثيقة الحقوق البريطانية لعام ١٦٨٩ منعت منعًا صريحًا العقوبات القاسية، فإن القضاة ما انفكوا يصدرون أحكامًا على المدانين بالخضوع للجلد، ومقعد التغطيس، وفلقة العقاب، وعمود التشهير، والوصم بالحديد المُحمى، والإعدام بالسحل والتقطيع إلى أربعة أرباع (باستخدام الأحصنة)، أما فيما يتعلق بالمرأة فالإعدام يكون بالسحل والتقطيع والحرق على خازوق. أما ما كان عقوبة «قاسية» في نظرهم، فاعتمد بوضوح على التوقعات الثقافية. ولم يمنع البرلمان حرق المرأة بالشد إلى الخازوق إلا في عام ١٧٩٠. على أنه قبل ذلك كان البرلمان قد رفع عدد الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام ارتفاعًا مذهلًا؛ إذ تضاعف ثلاث مرات طبقًا لبعض التقديرات في القرن الثامن عشر، وفي عام ١٧٥٢ اتخذ بعض الإجراءات كي يجعل عقوبات جرائم القتل أكثر ترويعًا بغية المزيد من الردع. أمر البرلمان بعرض جثث القتلة كافة على الطبيب من أجل تشريحها — الأمر الذي كان يعد مشينًا في ذلك الوقت — وخولوا للقضاة سلطة اتخاذ قرار تعليق جثة أي قاتلٍ ذَكرٍ في سلاسل بعد تنفيذ الإعدام. وعلى الرغم من الانزعاج المتزايد من جرَّاء تعليق جثث القتلة، فقد طالت هذه الممارسة إلى أن أُلغيت أخيرًا في عام ١٨٣٤.6
ليس من المستغرب أن العقاب في المستعمرات اتبع الأنماط السائدة في المركز الإمبراطوري. وهكذا، نصَّ ثلثُ جميع الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا بماساتشوستس، حتى في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، على عقوبات تنطوي على الإذلال على الملأ تتراوح ما بين تعليق اللافتات إلى قطع إحدى الأذنين، والوصم، والجلد. وصف أحد المعاصرين في بوسطن كيف «كانت تُنقل النساء من السجن في قفص ضخم يُجر على عجلات، ثم يُخرجن من هذا القفص حيث يوثقن إلى عمود عرايا الظهر فيتلقين ثلاثين أو أربعين جلدة وسط صرخات المتهمات وضجيج الجموع». ولم تحمِ وثيقة الحقوق البريطانية العبيد الذين لم يكن يُنظر لهم على أنهم أشخاص لهم حقوق شرعية. وأجازت ولايتا فيرجينيا وكارولينا الشمالية صراحةً خصي العبيد عند اقتراف الجرائم المشينة، وفي ميريلاند كان إذا أساء العبد إساءة متعمدة تُقطع يده اليمنى، ثم يُشنق ويُقطع رأسه ويمزق جسده إلى أربعة أجزاء، ثم تُعرض الأجزاء المقطوعة أمام العامة. وفي وقت متأخر — نحو أربعينيات القرن الثامن عشر — كان العبيد يُحرقون في نيويورك حتى الموت ببطء مؤلم، أو تُسحق عظامهم على عجلة السحق، أو يعلقون في السلاسل ويتركون ريثما يموتون جوعًا.7
fig5
شكل ٢-٣: الطوق المعدني. (كان الغرض من هذه العقوبة الإذلال على الملأ. تصوِّر هذه الصورة المطبوعة، التي رسمها فنان مجهول، أحد المدانين بتهمة الاحتيال والتشهير في عام ١٧٦٠. ووفقًا لما ورد في التعليق، أُوثق أولًا إلى الطوق المعدني مدة ثلاثة أيام، ثم وُصم وأُرسل إلى سفينة للتجديف بقية حياته.)
ظلت معظم الأحكام التي صدرت عن المحاكم الفرنسية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر تتضمن شكلًا ما من أشكال العقاب البدني أمام العامة مثل الوصم، أو الجلد، أو ارتداء الطوق المعدني (الذي كان يُثبَّت في العمود أو أداة التشهير، كما في الشكل رقم ٢-٣). وفي نفس العام الذي أُعدم فيه كالاس، نظر البرلمان الفرنسي استئناف أحكام عقوبات ضد ٢٣٥ رجلًا وسيدة خضعوا للمحاكمة أولًا في محكمة شاتيليه بباريس (محكمة أدنى درجة): ٨٢ منهم حُكم عليهم بالنفي والوصم المقترن عادة بالجلد، و٩ حُكم عليهم بنفس المزيج السابق بالإضافة إلى الطوق المعدني، و١٩ بالوصم والسجن، و٢٠ بالحبس في المستشفى العام بعد الوصم و/أو الطوق المعدني، و١٢ بالشنق، و٣ بالسحق على عجلة السحق، و١ بالحرق على خازوق. وإذا حسبنا الأحكام الصادرة عن المحاكم الأخرى كافة في باريس، فسنجد أن عدد العقوبات التي تتضمن الإذلال على الملأ يصل إلى ٥٠٠ أو ٦٠٠، منها نحو ١٨ عقوبة إعدام؛ كل هذا في عام واحد فقط وفي ولاية قضائية واحدة.8
أخذت عقوبة الإعدام في فرنسا خمسة أشكال مختلفة: قطع الرأس للنبلاء، والشنق للمجرمين العاديين، والسحل والتقطيع إلى أربعة أجزاء للمدانين في الجرائم المرتكبة في حق الملك التي تُعرف باسم «الخيانة العظمى»، والحرق على خازوق للمدانين في جرائم الهرطقة ومزاولة السحر وإشعال الحرائق ودس السم ومواقعة الحيوانات واللواط، وسحق العظام على عجلة السحق للمدانين في جرائم القتل والسطو المسلح. ونادرًا ما أصدر القضاة أحكامًا بالسحل والتقطيع إلى أربعة أجزاء والحرق على خازوق في القرن الثامن عشر، أما سحق العظام على عجلة السحق فقد كان حكمًا شائعًا للغاية؛ فعلى سبيل المثال: في الدائرة القضائية لبرلمان بلدة آيكس إن بروفينس جنوب فرنسا، نصت نحو نصف أحكام الإعدام التي بلغت ثلاثة وخمسين حكمًا الصادرة في الفترة بين عامي ١٧٦٠ و١٧٦٢ على الموت بسحق العظام على عجلة السحق.9
على أنه بدءًا من ستينيات القرن الثامن عشر فصاعدًا، أدت حملات من مختلف الأنواع إلى إلغاء التعذيب الذي تقره الدولة، وإلى اعتدال متزايد في فرض العقاب (حتى للعبيد). عزا المصلحون إنجازاتهم إلى انتشار مذهب الإنسانية إبان عصر التنوير؛ ففي عام ١٧٨٦ تذكَّر المصلح الإنجليزي صامويل روميلي الماضي، وأكد قائلًا: «على نحو يتناسب مع تفكر الناس وتأملهم في هذا الموضوع المهم، انهارت الأفكار السخيفة والوحشية عن العدالة، التي سادت لعصور طويلة، واعتنق الناس بدلًا منها مبادئ الإنسانية والعقلانية.» انبثقت كثير من المحفزات الفورية للتفكير في الموضوع من المقال القصير الرشيق المؤثر الذي حمل عنوان «عن الجرائم والعقوبات»، والذي نشره عام ١٧٦٤ شاب إيطالي من الطبقة الأرستقراطية في الخامسة والعشرين من عمره يُدعى سيزاري بيكاريا. سلط كتيب بيكاريا — الذي دعمته الدوائر المحيطة بديدرو، وسرعان ما تُرجم إلى الإنجليزية والفرنسية حيث قرأه فولتير وسط أحداث قضية كالاس — الأضواء على نظام العدالة الجنائية لكل أمة. لم يرفض الإيطالي المُبتدئ التعذيب والعقاب القاسي فحسب، بل أيضًا عقوبة الإعدام نفسها في اقتراح استثنائي مدهش في ذلك العصر. وأمام السلطة المطلقة للحكام، والتعصب الديني، والامتيازات التي تتمتع بها طبقة النبلاء، أدلى بيكاريا بدلوه مقدمًا مقياسًا ديمقراطيًّا للعدالة مفاده: «السعادة القصوى لأكبر عدد من الناس.» ومنذ ذلك الحين غدا كل المصلحين تقريبًا، من فيلادلفيا إلى موسكو، يستشهدون بآراء بيكاريا.10
ساعد بيكاريا على إعلاء شأن لغة المشاعر الناشئة حديثًا. ففي رأيه، لا يمكن أن تكون عقوبة الإعدام سوى «عمل خبيث ينخر في عظام المجتمع، وفقًا لنموذج الوحشية الذي نراه يقدمه» وفي اعتراضه على «التعذيب والقسوة العقيمة عديمة الجدوى» عند العقاب، يسخر منهما واصفًا إياهما ﺑ «وسيلة التعصب المسعور». وعلاوة على ذلك، في تبريره لتدخله في الأمر، عبر عن أمله أنه: «إذا ساهمتُ في أن أنقذ من آلام الموت أحد الضحايا الأشقياء للطغيان أو الجهل، وكلاهما مدمر على قدم سواء، فإن امتنانه ودموع سعادته ستكون خير سلوى لي عن ازدراء البشرية بأكملها.» وبعد أن قرأ الفقيه الإنجليزي ويليام بلاكستون أطروحة بيكاريا، أنشأ العلاقة التي غدت منذ ذلك الحين فصاعدًا السمة المميزة لوجهة نظر عصر التنوير، ومفادها — كما شدد بلاكستون — أنه: ينبغي أن يكون القانون الجنائي دائمًا وأبدًا «منسجمًا مع ما يمليه الحق والعدل، ومع المشاعر الإنسانية، وحقوق البشرية الثابتة».11
مع ذلك، وكما يتضح من مثال فولتير، لم تدرك الصفوة المستنيرة — بل حتى كثير من المصلحين البارزين — على الفور أن ثمة علاقة وثيقة بين لغة الحقوق الناشئة وبين التعذيب والعقوبات القاسية. لقد استنكر فولتير بشدة فشل العدالة في قضية كالاس، لكنه لم يعترض في الأصل على حقيقة أن العجوز تعرض للتعذيب أو سُحقت عظامه على عجلة السحق. فلو كانت مشاعر الشفقة الطبيعية تحمل كل فرد على مقت قسوة التعذيب القضائي، كما ذكر فولتير لاحقًا، فلماذا إذن لم يكن هذا واضحًا قبل ستينيات القرن الثامن عشر، حتى له هو نفسه؟ من الواضح أن ثمة غشاوة من نوع ما كانت تحول دون التوحد الشعوري مع الآخرين قبل ذلك الحين.12

ما إن بدأ كتَّاب عصر التنوير والمصلحون القانونيون يلقون بظلال الشك على قضية التعذيب والعقوبات القاسية حتى وقع انقلاب شبه كامل في التوجهات الفكرية في غضون عقدين من الزمن. كان اكتشاف مشاعر المشاركة الوجدانية جزءًا من هذا التغيير، لكنه مجرد جزء واحد فحسب. فما كان يقتضيه الأمر إلى جانب التوحد الشعوري هو اهتمام من نوع جديد بالجسد البشري، وهو حقًّا مطلب أساسي في هذه الحالة من أجل التوحد مع الشخص المُدَان قضائيًّا. فالجسد البشري الذي كان مقدسًا في وقت من الأوقات فقط ضمن إطار نظام قائم على الدين — فيه يمكن بتر أجزاء من الجسم أو تعذيبه من أجل المصلحة العامة — أصبح مقدسًا بذاته في ضوء نظام علماني قائم على الاستقلال الذاتي للفرد وحرمته. وثمة شقان لهذا التطور؛ فالأجساد اكتسبت قيمة أكثر إيجابية عندما أصبحت أكثر انفصالًا، ومملوكة أكثر للذات، وأكثر فردية على مدار القرن الثامن عشر، في حين أثار انتهاكها ردود أفعال سلبية على نحو مطرد.

الشخص المستقل

على الرغم من أنه قد يبدو أن الأجساد البشرية بالأساس منفصلة دائمًا بعضها عن بعض، على الأقل بعد الميلاد، فإن الحدود بين الأجساد أصبحت محددة المعالم بوضوح أكبر بعد القرن الرابع عشر. أمسى الأشخاص أكثر تمتعًا بالاستقلال والتحفظ مع تزايد الشعور بالحاجة إلى الحرص على إخفاء فضلات الجسم عن الآخرين. انخفضت عتبة الشعور بالخجل، في حين زادت الحاجة إلى ضبط النفس. بات التغوط والتبول أمام الناس منفرًا على نحو متزايد، وبدأ الناس يستخدمون المناديل بدلًا من التمخُّط في أيديهم، وأصبح البصق، وتناول الطعام في وعاء مشترك، وتَشارُك الفراش مع غريب، من الأمور الكريهة، أو على الأقل غير المستحبة، وأمست الانفجارات الانفعالية العنيفة والسلوكيات العدوانية غير مقبولة اجتماعيًّا، فكانت هذه التغيرات التي طرأت على التوجهات نحو الجسم بمنزلة مؤشرات سطحية للتحول الجوهري الكامن، ونوَّهت جميعها بظهور الفرد المتحفظ المنُغلق، الذي لا بد أن تُراعى حدوده عند التفاعل الاجتماعي، واقتضى امتلاك الذات والاستقلال الذاتي المزيد من ضبط الذات.13
كانت التغيرات التي طرأت في القرن الثامن عشر على العروض الموسيقية والمسرحية، وفن العمارة المنزلي، وفن الرسم، قائمة على التغيرات الأطول أجلًا في التوجهات الفكرية. علاوة على ذلك فإن هذه التجارب الجديدة ثبت أنها غاية في الأهمية من أجل بزوغ ملكة الحس ذاتها. ففي العقود التي تلت عام ١٧٥٠، بدأ مرتادو الأوبرا الإنصات في سكون إلى الموسيقى بدلًا من الخروج ليعرجوا على أصدقائهم ويتسامروا معهم، وهو ما أتاح لهم تذوق مشاعر فردية قوية تجاوبًا مع الموسيقى. روت إحدى السيدات ردة فعلها لدى مشاهدة أوبرا «ألسيست» لمؤلفها الألماني جلوك التي عُرضت للمرة الأولى في باريس عام ١٧٧٦ قائلة: «أصغيت إلى هذا العمل الجديد بكل جوارحي … ومنذ سمعت النغمات الأولى تملكني شعور قوي بالرهبة والإجلال، وشعرت بواعز ديني قوي للغاية … حتى إنني وبدون وعي انحنيت على ركبتي في مقصورتي وظللت في هذا الوضع، خاشعة مشبكة يديَّ حتى انتهى العمل.» كانت ردة فعل هذه المرأة (التي وقَّعت خطابها باسم بولين دي ر…) مدهشة للغاية؛ لأنها تشبِّه هذه التجربة صراحة بتجربة دينية. كان أساس كل سلطة يتحول من إطار غيبي ديني إلى إطار داخلي إنساني، على أن هذا التحول ما كان سيبدو منطقيًّا في أعين الناس ما لم يختبروه على المستوى الشخصي، بل عن كثب أيضًا.14
أظهر جمهور المسرح ولعًا أكبر بإثارة الجلبة من عشاق الموسيقى، لكن حتى في المسرح أنبأت ممارسات جديدة بمستقبل مختلف تُؤدى فيه العروض المسرحية في جو من الهدوء أشبه بالسكون الديني. في أوقات كثيرة من القرن الثامن عشر، كان جمهور المتفرجين الباريسيين يفتعلون معًا السعال والبصق والعطس وإخراج الريح؛ بغية التشويش على العروض التي ينفرون منها، وعادة ما كانت تعترض صفوف الممثلين عروض عامة للسُّكر والمشاجرات. وللمباعدة بين الممثلين والمشاهدين ومن ثم صعوبة التشويش على العروض، أُلغي الجلوس على خشبة المسرح في فرنسا عام ١٧٥٩. وفي عام ١٧٨٢ بلغت الجهود المبذولة لإرساء النظام في قاعة المسرح ذروتها بإدخال المقاعد إلى المسرح القومي الفرنسي؛ فقبل ذلك الحين كان المتفرجون في الردهة يجولون بحرية، بل أحيانا يتصرفون كغوغاء وليس كجمهور مشاهدين. وعلى الرغم من الجدل المحتدم الذي دار في صحف ذلك الوقت حول المقاعد واعتبار البعض أنها اعتداء خطير على حرية القاعة ووضوحها، فإن اتجاه التطورات بات جليًّا: كان الهيجان الجماعي في سبيله للاختفاء لتظهر مكانه التجارب الداخلية الفردية الأكثر هدوءًا.15
عزز فن العمارة المنزلي هذا الإحساس بالانفصال الفردي؛ إذ باتت خصوصية «الغرفة» في المنازل الفرنسية تزيد باطراد في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فما كان في وقت من الأوقات غرفة عامة الأغراض أصبح «غرفة النوم»، وفي الأُسَر الأيسر حالًا كان للأطفال غرف نوم خاصة بهم بمعزل عن الآباء. وبحلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بات ثلثا منازل باريس يحوي غرف نوم، فيما احتوى منزل واحد بين كل سبعة منازل على غرف طعام. وبدأ علية القوم في باريس يطالبون بعمل حجرات متنوعة للاستخدامات الخصوصية بدءًا من البُدوار (وهي لفظة مشتقة من كلمة فرنسية بمعنى «التجهم»؛ أي إنها غرفة للتجهم على انفراد) ووصولًا إلى المراحيض وغرف الاستحمام. ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في وصف التحول نحو الخصوصية الفردية، على الأقل في فرنسا؛ فقد كان المسافرون الإنجليز يتأففون باستمرار من عادة الفرنسيين المتمثلة في نوم ثلاثة أو أربعة غرباء في غرفة واحدة في النزل (مع أنهم ينامون في أسرة منفصلة)، واستخدام المرحاض على مرأى من الجميع، والتبول في المدفأة، وإلقاء محتويات وعاء التبول والتغوط من النافذة إلى الشارع. غير أن تأففهم يبرهن على أن ثمة عملية مستمرة للتحول نحو المزيد من الخصوصية الفردية في كل البلدان. في إنجلترا، ثمة مثال جديد بارز، وهو الحديقة ذات الممر الدائري التي أُنشئت في الضياع الريفية في الفترة بين أربعينيات وستينيات القرن الثامن عشر؛ فقد صُممت الحلقة المغلقة بمناظرها وتماثيلها المنتقاة بعناية فائقة بغية تعزيز التأمل واستدعاء الذكريات.16

لطالما كانت الأجساد في بؤرة اهتمام الرسم الأوروبي، لكن قبل القرن السابع عشر، كان التركيز منصبًّا في الغالب على أجساد أفراد العائلة المقدسة، والقديسين الكاثوليكيين، أو الحكام ورجال حاشيتهم. وفي القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر على نحو خاص، بدأ المزيد من الناس العاديين يطلبون رسم لوحات لأنفسهم ولعائلاتهم. وبعد عام ١٧٥٠ احتوت المعارض العامة التي كانت تُقام بانتظام — وكانت هي نفسها ملمحًا جديدًا من ملامح الحياة الاجتماعية — على أعداد متزايدة من اللوحات التي تصوِّر الناس العاديين في لندن وباريس، وإن ظلت الرسومات المستوحاة من حكايات التاريخ تصنَّف رسميًّا على أنها الطراز الأصلي لفن الرسم.

في المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية، ساد فن رسم الأشخاص على جميع الفنون المرئية، ويُعزى هذا في جزء منه إلى أن التقاليد الكنسية والسياسية الأوروبية كانت أقل شأنًا وقيمة في أمريكا. ولم تَنَل اللوحات أهمية إلا في مستعمرات القرن الثامن عشر؛ فاللوحات التي رُسمت في المستعمرات في الفترة بين عامي ١٧٥٠ و١٧٧٦ بلغت ضعف اللوحات التي رُسمت بين عامي ١٧٠٠ و١٧٥٠ أربع مرات، وكان كثير من هذه اللوحات يصوِّر سكان المدن العاديين ومُلَّاك الأراضي (انظر الشكل رقم ٢-٤). وعندما نال فن رسم لوحات مستوحاة من حكايات التاريخ شهرة جديدة في فرنسا في ظل الثورة وإمبراطورية نابليون، ظلت اللوحات التي تصور الأشخاص تشكل ٤٠٪ من الرسومات التي تُعرض في الصالونات الفنية. ارتفعت الأسعار التي كان يطلبها رسامو لوحات الأشخاص في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، ونشرت الطباعة اللوحات وسط جمهور عريض يتجاوز كثيرًا الشخص الأصلي الذي رُسمت صورته وعائلته. وكان أشهر رسام إنجليزي في هذا العصر هو السير جوشوا رينولدز الذي اكتسب سمعته عن طريق تصوير الأشخاص، والذي «خلَّص فن رسم اللوحات من التفاهة»، كما ذكر هوارس والبول.17
fig6
شكل ٢-٤: لوحة للكابتن جون بيجوت بريشة الفنان جوزيف بلاكبيرن. (مثل العديد من الرسامين الناشطين في المستعمرات الأمريكية، وُلد جوزيف بلاكبيرن في إنجلترا وأغلب الظن أنه تدرب هناك أيضًا قبل الذهاب إلى بيرمودا في عام ١٧٥٢، ثم إلى مدينة نيوبورت بولاية رود آيلاند في العام التالي. بعد رسم أعداد هائلة من اللوحات في نيوبورت، وبوسطن، وبورتسماوث في نيو هامبشير، عاد إلى إنجلترا في عام ١٧٦٤. تمثل هذه اللوحة الزيتية التي تعود إلى خمسينيات أو مطلع ستينيات القرن الثامن عشر (مقاس ١٢٧سم × ١٠١٫٦سم) لوحة رفيقة للوحة أخرى رسمها لزوجة بيجوت. اشتهر بلاكبيرن بتركيزه الشديد على شريط الزينة وغيره من تفاصيل الملابس.)
أعرب أحد المشاهدين المعاصرين عن استنكافه لدى رؤية عدد اللوحات في المعرض الفرنسي عام ١٧٦٩:

إن العدد الهائل للوحات يا سيدي الذي يباغتني في كل مكان يجبرني رغم أنفي على التحدث في هذا الموضوع الآن ومناقشة هذه المسألة القاحلة المملة التي أرجأتها حتى النهاية. منذ وقت طويل والعامة يشكون دون طائل من أعداد أبناء الطبقة البرجوازية المجهولين الذين يتحتم عليهم المرور على صورهم ورؤيتها بلا انقطاع … إن سهولة هذا النوع من الفن وفائدته وغرور كل أولئك الأشخاص التافهين يشجع الفنانين الناشئين على هذا … وبسبب الذوق الفاسد لأبناء هذا القرن، يتحول الصالون الفني إلى مجرد معرض للوحات.

جاء «الذوق الفاسد» لأبناء هذا القرن من إنجلترا، وفقًا للفرنسيين، وكان بمنزلة إشارة للكثيرين إلى النصر الذي توشك التجارة أن تحرزه على الفن الحقيقي. في مقال الفارس لويس دي جويكورت بعنوان «بورتريه» الذي نُشر في «موسوعة» ديدرو متعددة المجلدات، خلص جويكورت إلى أن «أكثر ضروب فن الرسم التي يتبعها الناس ويسعون وراءها في إنجلترا هو رسم البورتريه». وفي وقت لاحق من نفس القرن حاول الكاتب لويس-سيباستيان ميرسير أن يقدم ملحوظة مطمئنة: «برع الإنجليز في رسم لوحات البورتريه، ولم تتفوق أي لوحة على لوحات رينولز [كما وردت في النص، والمقصود رينولدز]، التي رسم أهمها بالطول الكامل والحجم الطبيعي، وبنفس مستوى براعة اللوحات التاريخية.» (انظر الشكل رقم ٢-٥). وضع ميرسير يده بأسلوبه البارع المعهود على العنصر الحاسم؛ ففي إنجلترا لوحات البورتريه يمكن مقارنتها بنوع الفن الرائد في أكاديمية الفنون الجميلة بفرنسا، وهو فن الرسم المستوحى من قصص التاريخ. فالآن يمكن أن يصير الشخص العادي شخصية بطولية بفضل تفرده فحسب، وبات الجسد العادي مميزًا الآن.18
fig7
شكل ٢-٥: لوحة لليدي تشارلوت فيتز ويليام، نقشها على النحاس الفنان جيمس ماكارديل محاكاة للوحة سير جوشوا رينولدز عام ١٧٥٤. (نال رينولدز شهرة واسعة باعتباره رسام لوحات الشخصيات البارزة في المجتمع البريطاني، وعادة ما كان يرسم وجوه وأيدي المرسومين فحسب، ويكلف متخصصين أو مساعدين برسم الملابس والأزياء. كانت تشارلوت في الثامنة من عمرها فحسب عندما رُسمت لها هذه اللوحة، غير أن تسريحة شعرها وقرطها اللؤلؤي والدبوس المزخرف منحها مظهرًا أكبر من عمرها الحقيقي. ساعدت لوحات من هذه النوعية على زيادة انتشار شهرة رينولدز. وقد نقش جيمس ماكارديل العديد من لوحات رينولدز على النحاس. ومكتوب في التعليق أسفل الصورة: «رسمها جيه رينولدز. نقشها جيه ماكارديل. ليدي تشارلوت فيتز ويليام. نشرها جيه رينولدز بموجب قانون البرلمان لعام ١٧٥٤.»)
حقًّا يمكن للوحات البورتريه أن تنقل شيئًا مختلفًا تمام الاختلاف عن التفرد؛ ففيما حدثت طفرات في الثروة التجارية في بريطانيا العظمى وفرنسا ومستعمراتهما، كان تكليف الرسامين برسم لوحة شخصية تدل على الحالة الاجتماعية ونبالة المحتِد يعكس انتعاشةً أكثر عمومية للنزعة الاستهلاكية؛ فلم تكن الصور تعبر دائمًا عن المنزلة الاجتماعية الحقيقية لأصحابها. لم يشأ الأشخاص العاديون أن يظهروا عاديين في لوحاتهم، من ثم اشتهر بعض الرسامين بقدرتهم على إبراز الأربطة والحرائر والستان أكثر من إبراز الوجوه، ومع ذلك فعلى الرغم من أن اللوحات كانت أحيانًا تركز على تصوير أنماط أو استعارات الفضائل أو الثروة، فإنها تراجعت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر تراجعًا ملحوظًا؛ لأن الفنانين وزبائنهم بدءوا يؤثِرون الصور الأكثر طبيعية المعبرة عن التفرد في الروح والخلقة. وعلاوة على ذلك فإن الانتشار الكبير للوحة الفرد ذاتها عزز النظرة القائلة إن كل شخص هو فرد؛ بمعنى أنه منفرد، ومنفصل، ومميز، وأصيل، ومن ثم ينبغي تصويره باعتباره كذلك.19
لعبت النساء دورًا مدهشًا أحيانًا في هذا التطور؛ ففورة الولع والحماس لروايات مثل «كلاريسا» — التي ركزت على المرأة العادية التي تتمتع بحياة داخلية خصبة — جعلت الرسومات الاستعارية للنساء ذوات الأوجه الشبيهة بالأقنعة تبدو غير ملائمة أو ببساطة مجرد زينة. غير أنه فيما سعى الرسامون على نحو متزايد نحو الصراحة والحميمية النفسية في لوحاتهم، فإن العلاقة بين الرسام والمرسوم باتت مشحونة بالتوتر الجنسي البيِّن، ولا سيما عندما كانت النساء ترسم الرجال. ففي عام ١٧٧٥، سجل جيمس بوزويل نقد صامويل جونسون اللاذع للوحات النساء قائلًا: «رأى [جونسون] أن مهنة رسم اللوحات مهنة مستهجنة للمرأة، وقال: «إن المزاولة العامة لأي فن، والتحديق في وجوه الرجال لهو أمر عديم الحشمة من جانب المرأة».» على أنه ذاع بالفعل صيت العديد من رسَّامات لوحات البورتريه في النصف الأخير من القرن الثامن عشر؛ فقد رسمت إحداهن — وهي الفنانة الألمانية آنا زيربخ — لوحة دنيس ديدرو، وشعر ديدرو أنه مضطر للدفاع عن نفسه ضد الإيحاء بأنه جامعها، فقال عنها في نقده للصالون الفني لعام ١٧٦٧ حيث ظهرت اللوحة: «إنها ليست بالمرأة الجميلة.» غير أنه تعيَّن عليه أيضًا أن يقر بأن ابنته قد ذهلت أيما ذهول للشبه الشديد بينه وبين اللوحة التي رسمتها آنا له، لدرجة أنها كانت تجاهد مائة مرة في غياب والدها لمنع نفسها من تقبيل الصورة خشية إتلافها.20
وهكذا، مع أن النقاد رأوا أن التشابه الشديد بين اللوحة والمرسوم أمر يلي القيمة الجمالية من حيث الأهمية، فإنه من الجليِّ أن كثيرًا من العملاء وعددًا متزايدًا من النقاد كانوا يقدرون التشابه أيما تقدير. يشير لورنس ستيرن مرارًا وتكرارًا في عمله الذي يبوح فيه بمكنونات نفسه «رسائل إلى إليزا» الذي كتبه عام ١٧٦٧ إلى ما يسميه: «صورتك الجميلة التي تتدفق بالمشاعر»؛ فقد كانت اللوحة التي تصور إليزا — والأرجح أن ريتشارد كوزواي هو من قام برسمها — هي كل ما يقتنيه لورنس من أثر لحبه المفقود. ويقول أيضًا في موضع آخر: «صورتك هي أنتِ بنفسك؛ فهي مفعمة بالمشاعر، والرقة، والصدق … يا محبوبتي الأصلية! لكم تبدو مشابهة لك؛ ولسوف تظل كذلك، إلى أن تجعليها تغيب بحضورك.» وكما كان الحال في الرواية الرسائلية، لعبت النساء أيضًا من خلال اللوحات المرسومة دورًا مشحونًا بالعاطفة القوية في عملية التوحد والتعاطف. وعلى الرغم من أن معظم الرجال أرادوا — نظريًّا — أن تحافظ النساء على أدوار التواضع والعفة، فإن النساء عمليًّا دافعن عن العاطفة، ومن ثم آثرنها، وتلك العاطفة هي شعور لطالما هدد بتخطي حدوده.21
قُدِّر التشابه بين الصورة وصاحبها كثيرًا في نهاية الأمر، حتى إنه في عام ١٧٨٦ ابتكر الموسيقي والنحات الفرنسي جيل لويس كريتيان آلة أسماها «فسيونوتراس» يمكنها أن تنتج لوحات جانبية ميكانيكيًّا (انظر الشكل رقم ٢-٦). وبعد ذلك يُصغر حجم الصورة الجانبية الأصلية ثم تُحفر على طبق نحاسي. كان من بين مئات الصور الجانبية التي أنتجها كريتيان — بالتعاون في البداية مع إدمي كويندي، الرسام الذي كان يرسم الصور المصغرة، ثم بالتنافس معه بعد ذلك — صورةٌ لتوماس جيفرسون في أبريل من عام ١٧٨٩. نقل أحد اللاجئين الفرنسيين هذه العملية إلى الولايات المتحدة، وصُنعت صورة أخرى لجيفرسون في عام ١٨٠٤. وتعد آلة الفسيونوتراس، التي أصبحت الآن تحفة تاريخية طمسها ظهور التصوير الفوتوغرافي زمنًا طويلًا، إشارة أخرى على الاهتمام بتصوير الأشخاص العاديين — دعك من جيفرسون — وبإظهار أدق الاختلافات بين الأفراد. وعلاوة على ذلك، كانت لوحات البورتريه، لا سيما المصغر منها، تعمل كمحفز للذاكرة ومناسبة لتذكر مشاعر الهيام، كما توحي تعليقات ستيرن.22
fig8
شكل ٢-٦: لوحة جانبية لجيفرسون. (يقول التعليق المكتوب باللغة الفرنسية تحت الصورة: مأخوذة من الحياة، وحفرها كويندي.)

المشهد العام للألم

يبدو أن التنزه في الحدائق، والإنصات إلى الموسيقى في هدوء، واستخدام المناديل، ومشاهدة اللوحات، تتناغم جميعها مع صورة القارئ المتعاطف، وتبدو جميعها متعارضة تمامًا مع تعذيب وإعدام جان كالاس. غير أن القضاة والمشرعين الذين دعموا النظام القضائي التقليدي، بل ودافعوا عن فظاظته وعنفه، لا شك كانوا هم أنفسهم ينصتون إلى الموسيقى في هدوء، ويأتون بمن يرسم لهم صورهم، ويمتلكون منازل ذات غرف نوم، على الرغم من أنهم ربما لم يقرءوا الروايات بحجة ارتباطها بالفتنة والفسق. صدَّق القضاة على النظام التقليدي للجريمة والعقاب؛ لأنهم آمنوا بأن أولئك المدانين باقتراف الجرائم لا سبيل إلى ردعهم إلا من خلال قوى خارجية؛ فبموجب وجهة النظر التقليدية، لا يستطيع الأشخاص العاديون ضبط انفعالاتهم. فلا بد من قيادتهم، وتحفيزهم لفعل الخير، وردعهم عن الانصياع وراء غرائزهم الدنيئة. وقد نجم هذا النزوع نحو الشر داخل البشر عن الخطيئة الأصلية؛ الاعتقاد المسيحي القائل إن جميع البشر عرضة للخطية بالفطرة منذ أن هبط آدم وحواء من نعمة الله في جنة عدن.

تقدم لنا كتابات بيير فرانسوا مويارت دي فوجلانس رؤية نادرة لوجهة النظر التقليدية؛ لأنه كان واحدًا من فقهاء القانون القليلين الذين هرعوا إلى قبول تحدي بيكاريا والدفاع عن الطرق القديمة كتابةً. وبالإضافة إلى أعمال مويارت العديدة حول القانون الجنائي، فإنه كتب أيضًا كتابين على الأقل يدرأ فيهما الهجمات عن المسيحية ويهاجم نقادها المعاصرين، ولا سيما فولتير. وفي عام ١٧٦٧، نشر تفنيدًا مفصلًا للبنود التي طرحها بيكاريا. وقد اعترض بأشد اللهجات على محاولة بيكاريا تأسيس نظامه على «الأحاسيس القلبية غير القابلة للوصف». ويقول مويارت مؤكدًا: «إنه لمن دواعي اعتزازي امتلاكي نفس القدر من الحس المرهف كأي إنسان آخر، لكن لا شك أنني لا أملك مجموعة من الألياف [الأطراف العصبية] المنفلتة كتلك التي يمتلكها فقهاء القانون الجنائي المحدثون؛ لأنني لم أشعر بتلك الرعشة الخفيفة التي يتحدثون عنها.» وبدلًا من ذلك دُهش مويارت، بل وربما صُدم، عندما رأى أن بيكاريا بنى نظامه على أطلال الحكمة المتعارف عليها.23
سخر مويارت من منهج بيكاريا العقلي فقال: «يأخذ المؤلف على عاتقه مهمة اقتفاء أثر قوانين جميع الأمم، ويجعلنا نرى أننا ما زلنا حتى الآن لا نملك أي فكرة دقيقة أو متماسكة حول هذا الموضوع الحيوي.» ويرى مويارت أن السبب وراء صعوبة إصلاح القانون الجنائي هو أنه مبني على قانون وضعي، ويعتمد على التجربة والممارسة أكثر مما يعتمد على العقل والمنطق. وما تُعلِّمنا إياه التجربة هو الحاجة إلى السيطرة على المتمردين الجامحين وليس الترفق بمشاعرهم. يقول مويارت: «من ذا الذي لا يعرف حقيقةً أنه لمَّا كانت الأهواء هي التي تشكل البشر، فغالبًا ما تهيمن انفعالاتهم على عواطفهم؟» ويؤكد مويارت على أنه لا بد أن نحكم على الرجال كما هم، وليس كما يجدر بهم أن يكونوا، وأن قوة العدالة المنتقمة التي تبث الخوف في نفوس الناس هي وحدها التي من شأنها أن تكبح جماح هذه الانفعالات.24
إن مشهد الألم الذي يتكبده المدان على المقصلة قد صُمِّم خصيصًا من أجل غرس الرعب في نفوس المشاهدين، ومن ثم قام هذا المشهد بدور الرادع. كان الغرض أن يتوحد الحاضرون — وكثيرًا ما كان يحضر الناس في حشود غفيرة — مع ألم الشخص المدان، وفي خضم هذا يشعرون بالسيادة القهرية للقانون وللدولة ولله في نهاية الأمر، وعليه وجد مويارت أنه من المقزز أن بيكاريا حاول أن يبرر حججه بالاستناد إلى «شدة الحساسية تجاه ألم المذنب»، تلك الحساسية التي أنجحت النظام التقليدي: «على وجه التحديد لأنه لمَّا توحد كل رجل مع ما حدث لآخر ولمَّا كان كل شخص لديه رعب من الألم بالفطرة، كان من الضروري عند اختيار العقوبات تفضيل تلك العقوبة الأشد قسوة على جسد المذنب.»25
fig9
شكل ٢-٧: موكب إلى قرية تايبرن للفنان ويليام هوجارث، ١٧٤٧. (لوحة «إعدام المتمرن العاطل في تايبرن» هي اللوحة الحادية عشرة ضمن سلسلة هوجارث «الصناعة والبطالة»، التي تقارن بين مصير اثنين من المتمرنين المهنيين. يمكن رؤية المشانق الموجودة في الخلف عن يمين منتصف الصورة إلى جانب المدرج الهائل الذي يقف عليه الجمع. يعظ واعظ ميثوديٌّ السجينَ الذي يقرأ الإنجيل على الأرجح فيما هو منقول على عربة هو ونعشه. وفي المقدمة عن اليمين ثمة رجل يبيع الكعك، يحيط بسلته أربع شمعات؛ لأنه جاء منذ الفجر ليبيع للأشخاص الذين جاءوا مبكرًا ليحصلوا على أماكن جيدة. وثمة صبي مشاغب ينشل جيبه. وخلف المرأة التي تبيع اعترافات توماس آيدل امرأة أخرى تبيع الخمر من السلة المربوطة بوسطها، وأمامها امرأة تضرب رجلًا، فيما يقف رجل آخر على مقربة ويستعد لإلقاء كلب صغير على الواعظ. يصور هوجارث كل مظاهر الفوضى والانفلات الجامح للجموع المحتشدة لمشاهدة تنفيذ حكم الإعدام. ويقول التعليق المكتوب تحت الصورة: «صممها ونقشها دابليو هوجارث، ونُشرت بموجب قانون البرلمان الصادر بتاريخ ٣٠ سبتمبر ١٧٤٧.»)
ولمَّا كان العقاب بمنزلة شعيرة قربانية، صاحبت الخوف دائمًا مظاهر احتفالية، وأحيانًا طغت على الخوف وحجبته؛ فتنفيذ حكم الإعدام على الملأ كان يحشد آلاف الأشخاص معًا للاحتفال بتطهير المجتمع من جرح الجريمة. وفي باريس كانت أحكام الإعدام تُنفذ في نفس الميدان — بليس دي جريف — الذي كانت تُطلق فيه الألعاب النارية للاحتفال بمواليد العائلة المالكة وزيجاتها. على أنه ثمة خاصية متغيرة بشأن هذه النوعية من الاحتفالات كما ورد مرارًا وتكرارًا على لسان المشاهدين لها؛ فلطالما عبَّرت الطبقات الإنجليزية المثقفة على نحو متزايد عن استهجانها ﻟ «أكثر مشاهد السُكر والعربدة إثارة للدهشة» التي صاحبت كل إعدام في تايبرن (انظر الشكل ٢-٧). وتحسر كُتَّاب الخطابات العموميون لسخرية الجمع من القس الذي كان يُرسَل من أجل الاعتناء الروحي بالسجناء، وللنزاعات التي تنشب بين صبيان الجراحين وأصدقاء المعدومين بسبب الجثث، وتأسفوا عمومًا لأنه ثمة تعبيرات عن «نوع من الجذل، كما لو كان المشهد باعثًا على السعادة وليس الألم!» وفي أحد التقارير حول الشنق في شتاء عام ١٧٧٦ في جريدة «مورنينج بوست» التي كانت تصدر في لندن، استهجنت الجريدة أن «الجمع القساة الأفئدة تصرفوا بأقصى درجة من درجات السفه الهمجي، فقد كانوا يصرخون، ويضحكون، ويقذفون الكرات الجليدية بعضهم على بعض، ولا سيما على القلة القليلة التي كانت تشعر بالشفقة اللائقة ببلايا إخوانهم من البشر».26
في ظل المفهوم التقليدي، لا تنتمي آلام الجسد بالتمام إلى الفرد المدان. وكان لهذه الآلام أغراض دينية وسياسية أسمى من أجل إصلاح المجتمع وترميمه، فمن الممكن تشويه الأجساد بغية تثبيت أقدام السلطة، وسحقها أو حرقها بغية استعادة النظام الأخلاقي والسياسي والديني. وبعبارة أخرى، يصبح المجرم نوعًا من أنواع القرابين التي تكسب معاناته المجتمع كمالًا والدولة نظامًا. وكانت الطبيعة القربانية لهذه الشعيرة في فرنسا موضع توكيد عن طريق تضمين قانون رسمي للتعبير عن الندم والتوبة في العديد من الأحكام الفرنسية (يُطلق عليه اسمٌ معناه «الإصلاح الجدير بالاحترام»)، وبموجب هذا القانون يحمل المجرم المدان شعلة نارية ويقف أمام الكنيسة طالبًا العفو والغفران في طريقه إلى المقصلة.27
حتى لمَّا كان الجمع أكثر هدوءًا، كان ثمة شيء مزعج بشأن حجمه الهائل. حول إحدى حالات الإعدام سحقًا على العجلة في عام ١٧٨٧ أورد أحد زوار باريس من البريطانيين ما يلي: «كانت الجلبة الصادرة عن الجموع الغفيرة كأنما الهدير الذي تصنعه أمواج البحر عندما ترتطم بشاطئ صخري؛ ولهُنيهة من الزمن سكن الجمع، وفي صمت مرعب شاهد الجمع الجلاد يتناول قضيبًا من حديد ويبدأ المأساة بضرب ضحيته على الساعد.» والأمر الذي كان أكثر إزعاجًا بالنسبة لهذا الزائر وكثيرين غيره من المراقبين للأحداث هو العدد الغفير من النساء المشاهدات: «من المذهل أن الجنس الناعم من الخليقة، الذي مشاعره هي في غاية الرهافة والنقاء، يحضر أفواجًا لرؤية مثل هذا المشهد شديد الدموية، غير أنها الشفقة بالطبع — تلك العاطفة الطيبة التي تخالج صدورهن — هي التي جعلت القلق يستبد بهن بسبب التعذيب الذي ينزل بإخوان لنا من البشر.» وغني عن القول أن هذا لا يعني «بالطبع» أن هذه كانت المشاعر المسيطرة على النساء؛ إذ لم يعد الجمع يشعر بالمشاعر التي صُمِّم هذا المشهد بغرض إثارتها.28
بالتدريج فقد كلٌّ من الألم، والعقاب، ومشاهد المعاناة العلنية، أساساته الدينية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر؛ غير أن هذه العملية لم تحدث بغتة، ولم تُفهم جيدًا حينذاك، حتى بيكاريا أخفق في أن يرى كافة نتائج طريقة التفكير الجديدة التي أضنى نفسه في بلورتها؛ لقد أراد أن يقيم القانون على أساس أفكار روسو بدلًا من الأساس الديني؛ وأكد أن القوانين «ينبغي أن تكون اتفاقيات بين أشخاص يتمتعون بالحرية». ولكن مع أنه نادى باعتدال العقوبة — إذ ينبغي أن تكون «أقل عقوبة ممكنة في القضية المطروحة»، و«متناسبة مع الجريمة» — فإنه ظل مصرًّا على أنها ينبغي أن تكون علنية؛ فقد رأى أن العقاب العلني يكفل شفافية تطبيق القانون.29
من وجهة النظر الفردانية والعلمانية الناشئة، كانت الآلام تخص صاحبها وحده في الزمان والمكان الحاليين. لم يتغير التوجه الذهني نحو الألم بسبب تطورات طبية في علاج الألم. لقد حاول الأطباء بالطبع تخفيف الألم في الحال، غير أن الطفرة الحقيقية في علم التخدير لم تحدث إلا في منتصف القرن التاسع عشر مع استخدام الإيثير والكلوروفورم. إنما حدث التغيير في التوجه الذهني نحو الألم كنتيجة لإعادة تقييم جسد الفرد وآلامه. ولمَّا كان الألم والجسد نفسه يخصان الفرد وحده، وليس المجتمع ككل، لم يعد ممكنًا التضحية بالفرد من أجل مصلحة المجتمع أو من أجل غاية دينية أسمى. وكما أكد المصلح الإنجليزي هنري داجي فإن: «خير وسيلة لتعزير مصلحة المجتمع هي احترام الأفراد.» وبدلًا من أن يكون العقاب بمنزلة تكفير عن الخطيئة، حري بنا أن ننظر إليه على أنه سداد «دين» للمجتمع، ومن البديهي أنه ما من سداد يمكن أن ينتج عن جسد مشوَّه. وفي حين كان الألم يرمز إلى الإصلاح في ظل النظام القديم، بدا في ذلك الوقت عائقًا أمام أي إبراء ذي معنى من الدين. ومن أمثلة هذا التغير في وجهات النظر أن كثيرين من القضاة في المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية بدءوا في فرض الغرامات المالية في جرائم التعدي على الممتلكات بدلًا من الجلد بالسياط.30
من ثم، كانت وجهة النظر الجديدة تَعتبر العقوبات القاسية التي تُنفذ في مكان عام هجومًا على المجتمع لا تعزيزًا له؛ فقد جرد الألم الفرد — والمشاهدين أيضًا من خلال التوحد معه — من إنسانيته، وجعله وحشًا همجيًّا بدلًا من أن يفتح الباب أمامه إلى الخلاص من خلال التوبة. وعليه استهجن رجل القانون الإنجليزي ويليام إيدن عرض الجثث فقال: «نترك بعضنا نتحلل كأننا خيال المآتة عند سياج الشجيرات؛ وقد عجت مشانقنا بالجثث البشرية. هل من شك في أن الألفة الجبرية بهذه الأشياء لا يمكن أن يكون لها أي تأثير سوى أنها توهن المشاعر وتدمر النزعات الطيبة لدى الناس؟» وبحلول عام ١٧٨٧، استطاع بنجامين راش أن ينحي جانبًا آخر شكوكه، وأكد صراحة قائلًا: «لا يمكن أن يتحقق إصلاح المجرم أبدًا بالعقاب العلني.» فالعقاب على الملأ يقضي على أي إحساس بالخجل، ولا يسفر عن أي تغييرات في الموقف الذهني، وبدلًا من أن يقوم بدور الرادع يكون له أثر معاكس في نفوس المشاهدين. ومع أن دكتور راش وافق بيكاريا الرأي بشأن معارضة عقوبة الإعدام، فإنه اختلف معه عندما نادى بأن يكون العقاب في الخفاء، خلف جدران السجن، غايته إعادة التأهيل؛ بمعنى عودة المجرم إلى المجتمع وإلى حريته الشخصية، «العزيزة جدًّا على البشر جميعًا.»31

السكرات الأخيرة للتعذيب

حدث اعتناق النخبة لوجهات النظر الجديدة بشأن الألم والعقوبة على مراحل في الفترة بين ستينيات القرن الثامن عشر ونهاية ثمانينيات نفس القرن. نشر كثير من رجال القانون مذكرات في ستينيات القرن الثامن عشر يستنكرون فيها الجور الذي حدث في تجريم كالاس، لكن على غرار فولتير، لم يعارض أحدهم استخدام التعذيب القضائي أو السحق باستخدام عجلة السحق؛ إذ انصب تركيزهم هم أيضًا على التعصب الديني الذي كانوا على قناعة بأنه المحرك لعامة الشعب والقضاة في تولوز. وتناولت المذكرات تعذيب جان كالاس وموته، لكن دون أن تطعن في شرعيتهما باعتبارهما أدوات عقاب.
fig10
شكل ٢-٨: إضفاء الطابع العاطفي على قضية كالاس. (كانت الصورة المطبوعة الأكثر تداولًا لقضية كالاس هي هذه الصورة الكبيرة الحجم (٣٤سم × ٤٥سم في الأصل) التي رسمها الفنان وصانع المطبوعات الفنية الألماني دانييل شودوفيكي، والتي نقشها محاكاة للصورة الزيتية التي رسمها هو أيضًا للمشهد نفسه. وقد رسخ هذا النقش شهرته، وحافظ على استمرار السخط الذي أثارته عقوبة كالاس في كل الأرجاء. كان شودوفيكي قد تزوج امرأة من عائلة بروتستانتية فرنسية لاجئة في برلين قبل أن يرسم هذه اللوحة بثلاث سنوات فقط.)
في واقع الأمر، أيدت المذكرات التي هي في صالح كالاس في الأساس الافتراضات القائمة وراء التعذيب والعقوبات القاسية؛ فلقد افترض المدافعون عن كالاس أن الجسد المتألم سوف يخبر بالحقيقة؛ وقد أثبت كالاس براءته بذكره الحقيقة حتى عندما كان متألمًا معذبًا (انظر الشكل ٢-٨). وبلغة أنصار كالاس، أكد ألكساندر-جيروم لوسيو دي موليون أن «كالاس صمد أمام الاستجواب [التعذيب] بهذا القدر من الاستكانة البطولية التي لا يملكها سوى بريء». فبينما كانت تُكسر عظامه عظمة تلو الأخرى كان كالاس ينطق «هذه الكلمات المؤثرة»: «إني أموت بريئًا؛ يسوع المسيح، البراءة نفسها، تمنى أن يموت بآلام أشد قسوة. إن الله يخلص مني خطيئة ذلك الشقي [ابن كالاس]، الذي قتل نفسه … الله عادل، وأنا أحب عقوباته.» وعلاوة على ذلك، زعم جيروم أن «المثابرة العظيمة» التي تمتع بها كالاس كانت بمنزلة نقطة التحول في مشاعر العامة؛ فلما رآه شعب تولوز يؤكد براءته مرارًا وتكرارًا في خضم آلامه، بدءوا يشعرون بالشفقة تجاهه ويندمون على شكوكهم السابقة غير المبررة في كالاس الكالفيني. ودوت أصداء كل ضربة من القضيب الحديدي «في أعماق أرواح» أولئك الذين كانوا يشهدون تنفيذ حكم الإعدام، «وزرف جميع الحاضرين الدموع الجارفة» بعد فوات الأوان. ودائمًا ما ستُزرف «الدموع الجارفة» بعد فوات الأوان ما دامت الافتراضات التي يعتمد عليها التعذيب والعقوبات القاسية باقية بلا تشكيك أو مواجهة.32
كان من أهم هذه الافتراضات أن التعذيب يمكن أن يستحث الجسد على قول الحقيقة حتى عندما يقاوم عقل الفرد ذلك. وكان تقليد الفراسة القديم في أوروبا يؤمن بإمكانية قراءة الشخصية من خلال إشارات الجسد أو إيماءاته؛ ففي أواخر القرنين السادس عشر والسابع عشر، نُشرت أعمال متنوعة حول «الفراسة الجبهية» (تحليل نفسي من خلال دراسة شكل الجبهة) التي كانت تَعِدُ قرَّاءها بتعلُّم كيفية قراءة شخصية الفرد أو حظه من خطوط الوجه، أو تجاعيده، أو عيوبه. وكان خير مثال على هذه الأعمال كتاب ريتشارد سوندرز «الفراسة، وقراءة الكف، والفراسة الجبهية، والنسب المتناسقة، وشامات الجسد البارزة، مشروحة شرحًا وافيًا ودقيقًا، مع مدلولاتها التنبئية الطبيعية لكل من الرجل والمرأة» الذي نُشر عام ١٦٥٣. ودون حاجة إلى تبني الأشكال الأكثر تطرفًا لهذا التقليد، اعتقد العديد من الأوروبيين أن الأجساد يمكنها أن تكشف الإنسان الداخلي بطريقة لاإرادية. ومع أن بقايا مثل هذا التفكير كانت لا تزال باقية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، في شكل علم فراسة الدماغ على سبيل المثال، فإن العلماء والأطباء انقلبوا ضده بعد عام ١٧٥٠؛ إذ زعموا أنه لا علاقة بين المظهر الخارجي للجسم والنفس الداخلية أو الشخصية، ومن ثم يمكن للمجرم أن يتظاهر بالبراءة، والبريء قد يعترف أيضًا بارتكاب جريمة لم يرتكبها. فكما أكد بيكاريا عندما كان يندد بالتعذيب: «القوي سيفلت والضعيف سيُدان.» ووفقًا لتحليل بيكاريا: «لا يمكن أن يكون الألم اختبارًا للحقيقة، كما لو كانت الحقيقة ساكنة في عضلات وألياف البائس الذي يخضع للتعذيب.» فالألم مجرد شعور لا يرتبط بالحاسة الأخلاقية.33
لم تذكر حكايات رجال القانون سوى القليل نسبيًّا حول ردود أفعال كالاس تجاه التعذيب؛ لأن «الاستجواب» تم في الخفاء بعيدًا عن أنظار المراقبين. بدا تنفيذ التعذيب في الخفاء أمرًا منفرًا في نظر بيكاريا؛ فهو يعني أن المتهم فقد «حماية العامة» حتى قبل أن تثبت إدانته، وأن أي قيمة ردعية للعقاب قد ضاعت أيضًا. بدأت الشكوك تساور القضاة الفرنسيين أيضًا بوضوح، لا سيما بشأن التعذيب الذي يُستخدم بغرض انتزاع الاعترافات. وبعد عام ١٧٥٠، بدأت البرلمانات الفرنسية (محاكم الاستئناف الإقليمية) تتدخل كي تحول دون استخدام التعذيب («التمهيدي») قبل البت في القضية، كما فعل برلمان تولوز في قضية كالاس، كما تراجع عدد أحكام الإعدام التي أصدرها القضاة، وغالبًا ما كانوا يأمرون بشنق المُدان قبل حرقه على الخازوق أو وضعه على عجلة السحق.34
لكن القضاة لم يتخلوا تمامًا عن التعذيب، وما كانوا ليتفقوا مع ازدراء بيكاريا لوضع التعذيب في إطار ديني. واستنكر المصلح الإيطالي بيكاريا باختصار «دافعًا آخر للتعذيب يدعو للسخرية، وهو على وجه التحديد: تطهير الإنسان من عار الفعل الخبيث!» ولا يمكن تفسير هذه «السخافة» سوى بأنها «نتاج الدين». فلمّا كان التعذيب هو ما ألحق العار بالضحية في المقام الأول، فإنه بالطبع لا يستطيع أن يزيل وصمة العار التي لحقت به. ودافع بيير فرانسوا مويارت دي فوجلانس عن التعذيب ضد حجج بيكاريا؛ فمثال البريء الوحيد الذي أُدين على نحو خاطئ لا يُذكر أمام «المليون الآخرين» الذين كانوا مذنبين بالفعل، لكن لا يمكن الحكم عليهم بدون استخدام التعذيب. وعليه لم يكن التعذيب القضائي مفيدًا فحسب، بل يمكن تبريره أيضًا بقِدم استخدامه وعالميته. وأكد مويارت أن الاستثناءات التي تُذكر كثيرًا في هذا الصدد إنما هي إثبات للقاعدة التي ينبغي تتبُّعها عبر تاريخ فرنسا نفسها والإمبراطورية الرومانية المقدسة. وطبقًا لما ورد عن مويارت فإن نظام بيكاريا يناقض القوانين الكنسية، والمدنية، والعالمية، «وتجارب كافة البلدان».35
لم يشدد بيكاريا نفسُهُ على العلاقة بين آرائه حول التعذيب ولغة الحقوق الوليدة، لكن آخرين كانوا على أهبة الاستعداد لأن يفعلوا ذلك نيابةً عنه؛ فقد عدَّل مترجمه الفرنسي، رئيس الدير أندريه مورليه، ترتيب آراء بيكاريا ليلفت الأنظار إلى ارتباطها ﺑ «حقوق الفرد». استغل مورليه إشارة بيكاريا الوحيدة إلى «حقوق الفرد» في الفصل الحادي عشر من النسخة الإيطالية الأصلية لعام ١٧٦٤ ونقلها إلى مقدمة الترجمة الفرنسية لعام ١٧٦٦ بغرض خدمة هدفه في تأييد «حقوق الفرد». وهكذا بدا الدفاع عن حقوق الفرد هو هدف بيكاريا الأساسي، وأن تلك الحقوق تأكدت باعتبارها الوقاية اللازمة ضد معاناة الفرد. واستُخدمت إعادة الترتيب التي قام بها مورليه في العديد من الترجمات اللاحقة، بل وحتى في الطبعات الإيطالية في وقت لاحق.36
على الرغم من جهود مويارت المحمومة للدفاع عن التعذيب، انقلب التيار ضد التعذيب في ستينيات القرن الثامن عشر؛ فعلى الرغم من نشر أعمال كانت تحتوي على هجوم شديد على التعذيب من قبل، فإن قطرات المنشورات تحولت في تلك الفترة إلى سيل من المنشورات، وكانت ترجمات عمل بيكاريا والنسخ المعاد طبعها والمعاد تنقيحها تتصدر هذا الهجوم. ظهر نحو ثمان وعشرين طبعة باللغة الإيطالية، كثير منها يحمل دمغة ناشر مزورة، وتسع طبعات باللغة الفرنسية قبل عام ١٨٠٠، ومع ذلك انضم الكتاب إلى القائمة البابوية للكتب المحظورة في عام ١٧٦٦. ونُشرت الترجمة الإنجليزية في لندن عام ١٧٦٧، تبعها ظهور طبعات في جلاسجو ودابلن وإدنبره وتشارلستون وفيلادلفيا، ثم سرعان ما لحقتها طبعات باللغات الألمانية والهولندية والبولندية والإسبانية. وقد نجح مترجم بيكاريا في لندن في التعبير عن تغيُّر روح ذلك العصر عندما قال: «لا تزال قوانين العقوبات … معيبة للغاية، ويلازمها كمٌّ هائل من ملابسات القسوة التي لا ضرورة لها في كل الأمم، حتى إن محاولة تقليصها إلى معيار العقل لا بد أن تكون مثيرة لاهتمام البشرية جمعاء.»37
كان تأثير بيكاريا المتنامي مذهلًا للغاية، حتى إن مناوئي التنوير ادَّعوا أنهم رأوا المؤامرة التي تحاك؛ فهل كان محض مصادفة أن يعقب قضية كالاس تخطيطٌ محددُ المعالم في الإصلاح الجنائي؟ زِد على ذلك أن مَن خَطَّه هو رجل إيطالي غير معروف ولا يملك من المعرفة القانونية إلا قشورًا. في عام ١٧٧٩، أورد الصحفي المشاغب على الدوام سيمون نيكولاس هنري لينجويت، أن أحد الشهود أوضح له الأمر برمته كما يلي:

بعد فترة وجيزة من قضية كالاس، كتب كتَّاب «الموسوعة»، معتمدين على التعذيب الذي تعرض له كالاس ومستفيدين من الظروف المواتية — دون أن يضعوا أنفسهم موضع الريبة مباشرة، كما هي عاداتهم — إلى جناب القس بارنابايت في ميلان، المصرفي الإيطالي وعالم الرياضيات الشهير، أخبروه أنه قد حان الوقت لإصدار بيان رسمي للتنديد بقسوة التعذيب والتعصب؛ وأنه ينبغي أن تكون الفلسفة الإيطالية هي نيران مدفعية، وأنهم سيحققون الاستفادة منها سرًّا في باريس.

تبرم لينجويت من أن قاعدة عريضة من الناس تنظر إلى عمل بيكاريا على أنه ملخص غير مباشر لمصلحة كالاس وغيره من ضحايا الجور المعاصرين.38
ساعد تأثير بيكاريا في تدشين الحملة ضد التعذيب، غير أن الحملة تحركت ببطء في بادئ الأمر. وقد صوَّر مقالان حول التعذيب في «موسوعة ديدرو»، كلاهما نُشر في عام ١٧٦٥، غموض الأمر. في المقال الأول، الذي يدور حول فقه التعذيب، أشار أنطوان جاسبار باوتشر دي أرجي على نحو عملي إلى «التعذيب العنيف» الذي يتعرض له المتهم، لكن من دون أن يحكم على التعذيب من حيث كنهه. بيد أنه في المقال التالي الذي اعتبر التعذيب جزءًا من الإجراءات الجنائية، هاجم شوفالييه دي جوكورت استخدام التعذيب بضراوة، مستعرضًا كل الذرائع التي طالتها يداه بدءًا من «صوت البشرية» ووصولًا إلى فشل التعذيب في تقديم الدليل القاطع على الإدانة أو البراءة. وأثناء النصف الثاني من ستينيات القرن الثامن عشر، ظهرت خمسة كتب جديدة تؤيد إصلاح القانون الجنائي. وفي ثمانينيات نفس القرن، نُشر تسعة وثلاثون كتابًا من مثل هذه الكتب.39
خلال سبعينيات وثمانينيات نفس القرن أيضًا، نالت الحملة المنادية بإلغاء التعذيب واعتدال العقاب دفعة محفزة عندما قدمت المجتمعات المثقفة في الولايات الإيطالية، والأقاليم السويسرية، وفرنسا، الجوائزَ لأفضل مقالات حول الإصلاح الجنائي. وجدت الحكومة الفرنسية نبرة النقد المتنامية مقلقة للغاية، حتى إنها أصدرت أوامرها إلى أكاديمية «شالون سير مارن» لوقف طبع نسخ من المقال الفائز لعام ١٧٨٠ الذي كتبه جاك بيير بريسو دي مارفيل؛ فقد أطلقت بلاغة بريسو في النقد اللاذع إنذارات الخطر أكثر من أي مقترحة جديدة أخرى:

لا تزال تلك الحقوق المقدسة التي يكتسبها الإنسان من الطبيعة، والتي ينتهكها المجتمع كثيرًا بجهازه القضائي، تتطلب الحد من العقوبات المُشوِّهة، وتخفيف العقوبات التي لا بد من الاحتفاظ بها. لا يمكن تصور أن أمة لطيفة [رصينة]، تعيش في مناخ معتدل في ظل حكومة معتدلة، يمكنها أن تجمع ما بين الشخصية اللطيفة والعادات السلمية وبين وحشية أكلة لحوم البشر؛ إذ إن عقوباتنا القضائية لا تستنشق سوى دم وموت، وتنفث غضبًا وقنوطًا في قلب المتهم.

لم يَرُقْ للحكومة الفرنسية أن ترى نفسها في موضع مقارنة مع أكلة لحوم البشر، لكن بحلول ثمانينيات القرن الثامن عشر، غدت البربرية التي تشوب التعذيب القضائي والعقوبات القاسية هي شعار الإصلاح. في عام ١٧٨١، أطرى جوزيف ميشيل أنطوان سرفان — الذي كان له باع طويل في الإصلاح الجنائي — على إلغاء الملك لويس السادس عشر للتعذيب بغرض انتزاع الاعترافات من المُدان، فقال في وصف التعذيب: «هذا التعذيب المشين الذي اغتصب لقرون عديدة هيكل العدالة نفسه وأحاله إلى مدرسة للمعاناة، حيث احترف الجلادون تمحيص الألم.» ومن وجهة نظره كان التعذيب القضائي: «كائنًا خرافيًّا … حيوانًا خرافيًّا لا مأوى له إلا وسط الشعوب الهمجية البربرية.»40
عندئذ تعهد بريسو — الذي تشجَّع بالمصلحين الآخرين بالرغم من حداثة سنه وقلة خبرته — بنشر العمل المكون من عشرة مجلدات: «المكتبة الفلسفية للمُشرِّع، والسياسي، والقانوني» (١٧٨٢–١٧٨٥)، الذي كان لا مفر من طبعه في سويسرا وتهريبه إلى فرنسا، وكان هذا العمل يضم كتابات بريسو نفسه وكتابات أخرى حول الإصلاح، ومع أنه لم يكن سوى مجمع للأفكار، فقد ربط بريسو بوضوح بين التعذيب وحقوق الفرد: «هل يُعد المرء صغيرًا عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الحقوق المنتهكة للبشرية؟» وظهرت لفظة «البشرية» (على سبيل المثال في عبارة «مشهد البشرية التي تئن») مرارًا وتكرارًا في صفحاته. وفي عام ١٧٨٨، أسس بريسو «جمعية أصدقاء السود»، أول جمعية فرنسية لإلغاء الرق. وهكذا باتت حملة الإصلاح الجنائي وثيقة الصلة بالدفاع العام عن حقوق الإنسان.41
استخدم بريسو نفس الاستراتيجيات البلاغية التي كان يستخدمها المحامون الذين يحررون المذكرات في «القضايا الفرنسية الشهيرة» المختلفة في ثمانينيات القرن الثامن عشر؛ فهم لم يدافعوا عن موكليهم المتهمين زورًا فحسب، بل أشاروا أيضًا على نحو مطرد إلى النظام القانوني ككل. وعادة كان يستخدم محررو المذكرات أولئك ضمير المتكلم نيابة عن موكليهم بغرض صياغة قصص روائية أدبية تثير المشاعر وتعزز حججهم. وهذه الاستراتيجية البلاغية بلغت أوجها في مذكرتين كتبهما أحد مراسلي بريسو، وهو تشارلز مارجريت دوباتي — قاضٍ من بوردو يعيش في باريس — الذي ترافع نيابة عن ثلاثة رجال حُكم عليهم بالسحق على عجلة السحق بتهمة السرقة. المذكرة الأولى لدوباتي التي حررها في عام ١٧٨٦ والتي بلغ عدد صفحاتها ٢٥١ صفحة، لم تندد فقط بكل هفوة في العملية القضائية، وإنما اشتملت أيضًا على سرد مفصل لاجتماعه بالرجال الثلاثة في السجن. وفي المذكرة ينتقل دوباتي ببراعة فائقة من استخدام ضمير المتكلم في وصفه للمشهد إلى استخدام صيغة الغائب للسجناء: «عندئذ قال برادير [أحد المدانين]: وأنا تورَّم نصف جسدي طيلة ستة أشهر. وقال لاردويز [مدان آخر]: وأنا بفضل الله استطعت أن أقاوم [المرض الوبائي في السجن]؛ غير أن ضغط الأصفاد (وأنا [أي دوباتي] أؤمن جدًّا بما يمكن أن تفعله الأصفاد بعد ثلاثين شهرًا!) جرح رجليَّ جرحًا شديدًا، حتى إن الغرغرينا بدأت تتملك منها، وكادوا يضطرون إلى بترها.» وينتهي المشهد بدوباتي باكيًا، وبذا يحقق المحامي أقصى استفادة من مشاعر المشاركة الوجدانية مع السجناء.42
عندئذ يحول دوباتي وجهة النظر مرة أخرى، لكنه هذه المرة يخاطب القضاة مباشرة: «يا قضاة شومو، يا قضاة التحقيقات، يا فقهاء القانون الجنائي، أتسمعون؟ … إنها صرخة العقل، والحق، والعدل، والقانون.» وأخيرًا يخاطب دوباتي الملك مباشرة كي يتدخل، فيترجاه أن ينصت إلى دماء الأبرياء، من كالاس إلى اللصوص الثلاثة المتهمين الذين يدافع عنهم: «تفضل من علو عرشك، تفضل وألقِ نظرة على كل الثغرات الدموية في تشريعاتك الجنائية، حيث قد فنينا، حيث يفنى أبرياء بهذه الثغرات مع كل يوم جديد!» وتنتهي المذكرة بصفحات عديدة يستجير فيها دوباتي بلويس السادس عشر كي يصلح القانون الجنائي بما يتفق مع العقل والإنسانية.43
هكذا أثارت مذكرة دوباتي الرأي العام في مصلحة المتهمين وضد النظام القانوني، حتى إن برلمان باريس صوَّت لصالح حرقها على الملأ، واستهجن المتحدث الرسمي للمحكمة الأسلوب الروائي للمذكرة قائلًا: «يرى دوباتي إلى جانبه بشرية ترتجف وتلتمس معونته، وطنًا فوضويًّا يكشف له عن جروحه، الأمة بأكملها تتبنى صوته وتأمره أن يتحدث باسمها.» لكن تبيَّن أن المحكمة عاجزة عن كبح جماح أمواج الرأي المتزايدة. ونشر جان كاريتا، ماركيز دي كوندرسيه — الذي لن يلبث أن يصير أكثر مدافعي الثورة الفرنسية عن حقوق الإنسان ثباتًا وتأثيرًا — كتيبين يؤيد فيهما دوباتي في أواخر عام ١٧٨٦. ومع أن كوندرسيه لم يكن هو نفسه محاميًا، فإنه ندد ﺑ «ازدراء المحكمة للإنسان» و«الانتهاك البيِّن المستمر للقانون الطبيعي» الذي تجلى في قضية كالاس وغيرها من الأحكام الجائرة التي صدرت منذ ذلك الحين.44
بحلول عام ١٧٨٨، أقرت الحكومة الملكية الفرنسية نفسها العديد من التوجهات الجديدة؛ ففي المرسوم الذي ينص على الإلغاء المؤقت للتعذيب بغية انتزاع أسماء شركاء الجريمة قبل الإعدام، تحدثت حكومة الملك لويس السادس عشر عن: «البراءة المُطمئنة … تجريد العقاب من أي قسوة مفرطة … [و] معاقبة الجناة بكل الاعتدال الذي تقتضيه الإنسانية.» في أطروحة بيير فرانسوا مويارت دي فوجلانس التي صاغها عام ١٧٨٠ حول القانون الجنائي الفرنسي، أقر مويارت قائلًا إنه بالدفاع عن صلاحية الاعترافات التي تُنتزع بالتعذيب «لا أتجاهل على الإطلاق حقيقة أنه لا مفر من أن أقاوم نظامًا اكتسب في الوقت الحالي قبولًا واسعًا لم يكن يتمتع به في أي وقت مضى». غير أنه رفض أن يدخل في مناظرة، مؤكدًا أن مناوئيه ما هم سوى مجادلين، وأن قوة الماضي تعزز رأيه. نجحت حملة الإصلاح الجنائي في فرنسا نجاحًا كبيرًا، حتى إنه في عام ١٧٨٩ صُنف تصحيح الانتهاكات في القانون الجنائي باعتباره أحد أهم القضايا المقتبسة باستمرار في قوائم المظالم المعدة من أجل المجلس التشريعي القادم.45

الأهواء والفرد

أثناء هذه المناظرة التي تتحول على نحو متزايد إلى مناظرة من طرف واحد، أصبحت المعاني الجديدة للجسد أكثر وضوحًا؛ فقد اكتسب جسد كالاس المكسور، أو حتى رِجل اللص لاردواز — الذي كان يدافع عنه دوباتي — المصابة بالغرغرينا، احترامًا جديدًا. ظهر هذا الاحترام لأول مرة في صورة ردود أفعال سلبية تجاه الهجمات القضائية على الجسد خلال فترة الشد والجذب حول قضية التعذيب والعقوبات الوحشية. لكن أهمية الجسد باتت بمرور الوقت موضوعًا لمشاعر التوحد الإيجابية، كما كان جليًّا في مذكرات دوباتي. ولم تتضح الافتراضات الجديدة فعلًا إلا نحو نهاية القرن الثامن عشر. ففي كتيب دكتور بنجامين راش القصير والمنور للقارئ في الوقت نفسه، الذي صدر عام ١٧٨٧، ربط دكتور راش عيوب العقاب العلني بالمفهوم الناشئ حول الفرد المستقل والمتعاطف في الوقت ذاته. فبصفته طبيبًا، أقر راش ببعض فوائد الألم الجسدي في العقاب، مع أنه آثر بوضوح أشكالًا للعقاب مثل «العمل، واليقظة، والعزلة، والصمت»، وهذا بمنزلة إقرار بتفرد كل مجرم وبالمنفعة المحتملة. في رأيه، كان العقاب العلني منفرًا للغاية كما تبيَّن بسبب نزوعه إلى القضاء على التعاطف، الذي هو «أساس النزعة الإلهية لفعل الخير في عالمنا.» كانت تلك هي الكلمات الأساسية: التعاطف — أو ما نطلق عليه الآن اسم التوحد — هو الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق، والأخلاق هي الشرارة الإلهية التي تومض في الحياة البشرية «في عالمنا».

أكد راش أن: «ملكة الحس هي المعنية بحراسة الملكة الأخلاقية.» وقد شبه ملكة الحس هذه ﺑ «إحساس مباغت بالصواب»، أو نوع من ردود الأفعال المكتسبة من أجل المنفعة الأخلاقية. والعقاب العلني قطع الطريق على التعاطف: «فلما كان الكرب الذي يعانيه المجرم هو نتاج لقانون صادر عن الدولة ولا سبيل إلى مقاومته، فإن تعاطف المشاهد يولد مجهضًا، ويعود خاويًا إلى القلب الذي وُلد فيه.» وهكذا قوض العقاب العلني المشاعر الاجتماعية عن طريق جعل المشاهدين قساة الأفئدة أكثر فأكثر؛ فالمشاهدون فقدوا مشاعر «الحب العام» والإحساس بأن المجرمين بشر لديهم أجساد وأرواح مثلهم.46
مع أن راش حسب نفسه بالطبع مسيحيًّا صالحًا، فإن تصوره عن الإنسان كاد يكون مختلفًا في كافة الأوجه عن ذلك التصور الذي وضعه بيير فرانسوا مويارت دي فوجلانس في دفاعه عن التعذيب والعقوبات البدنية التقليدية. فمن وجهة نظر مويارت، فسرت الخطيئة الأصلية عدم مقدرة الإنسان على التحكم في أهوائه. صحيح أن الأهواء وفرت القوة المحفزة للحياة، غير أن الاضطراب — بل وحتى التمرد — المتأصل فيها كان لا بد أن يخضع لسيطرة العقل، وضغوط المجتمع، والكنيسة، وإذا فشل كل هذا — في حالة ارتكاب جريمة — يخضع لسيطرة الدولة. ومن وجهة نظر مويارت أيضًا، تنبع الجريمة (الرذيلة) من هوى الرغبة وهوى الخوف؛ «الرغبة في امتلاك الأشياء التي لا يملكها المرء، والخوف من فقدان تلك التي يملكها.» تلك الأهواء خنقت مشاعر الكرامة والعدالة التي غرسها القانون الطبيعي في قلوب البشر. منحت العناية الإلهية الملوك السيادة على حياة الناس، وفوض الملوك تلك السيادة للقضاة، محتفظين لأنفسهم بحق العفو. ومن ثم كان الغرض الرئيسي للقانون الجنائي هو منع غلبة الرذيلة على الفضيلة. وكان احتواء الشر المتأصل في البشرية هو شعار رؤية مويارت للعدالة.47
أخيرًا تحول المصلحون عن هذه الافتراضات الفلسفية والسياسية لهذا النموذج وتبنوا بدلًا منها سياسة التهذيب من خلال التعليم وتجربة الخصال البشرية الطيبة الأصيلة. وبحلول منتصف القرن الثامن عشر، اعتنق بعض فلاسفة عصر التنوير وجهة نظر حول العواطف والأهواء لا تختلف عن تلك التي اقترحها مؤخرًا طبيب الأمراض العصبية أنطونيو داماسيو، الذي يصر على أن العواطف في غاية الأهمية للعقل والوعي، ولا تتعارض معهما. ومع أن داماسيو ينسب أصوله الفكرية إلى الفيلسوف الهولندي سبينوزا الذي عاش في القرن السابع عشر، فإن النخب الأوروبية لم تقبل عمومًا تقييمًا أكثر إيجابية للعواطف — أو الأهواء، وفق مصطلحاتهم — إلا في القرن الثامن عشر. اكتسب «مذهب سبينوزا» سمعة رديئة باعتباره يؤدي إلى «المادية» (الروح عبارة عن مادة، ومن ثم فلا وجود للروح)، والإلحاد (الإله هو الطبيعة، ومن ثم لا يوجد إله). غير أنه بحلول منتصف القرن الثامن عشر، قَبِلَ بعض الأفراد المتعلمين المُستنيرين نوعًا ما من المادية الضمنية أو المعتدلة، التي لم تنادِ بأي مزاعم لاهوتية بشأن الروح، لكنها أكدت على أن المادة بمقدورها أن تفكر وتشعر. هذا التصور المعدل عن «المادية» أفضى منطقيًّا إلى توجه المساواة بين البشر باعتبار أن كل البشر يملكون نفس البناء البدني والعقلي، ومن ثم فإن التجارب والتعليم، وليس الميلاد والمنشأ، هي التي تفسر الفروق بينهم.48
وسواء اعتنقوا فلسفة مادية واضحة أم لا — ومعظم الناس لم يعتنقوها بالفعل — فإن كثيرين من النخب المثقفة اعتنقوا وجهة نظر حول العواطف أو الأهواء مختلفة تمامًا عن تلك التي اعتنقها مويارت. وباتت العواطف والعقل يُنظر إليهما على أنهما شريكان. ووفقًا لرأي عالم الفسيولوجيا تشارلز بونيت، فإن العواطف هي «المحرك الفريد للكائن الحساس، وللكائنات العاقلة». كانت العواطف صالحة ويمكن شحذها بواسطة التعليم من أجل تطوير الإنسانية، التي يمكن النظر إليها الآن على أنها قابلة للوصول إلى الكمال وليست شريرة بالفطرة. وبحسب وجهة النظر تلك؛ حقًّا أخطأ المجرمون لكن يمكن إعادة تهذيبهم. وعلاوة على ذلك فإن الأهواء، المعتمدة على البيولوجيا، تتطور نحو حساسية أخلاقية؛ فالإحساس هو رد فعل عاطفي تجاه شعور مادي، والأخلاق هي تهذيب هذا الإحساس لإبراز مكونه الاجتماعي (ملكة الحس). عبر لورنس ستيرن، الروائي المفضل لتوماس جيفرسون، عن العقيدة الجديدة لعصره على لسان شخصيته الروائية الرئيسية «يوريك» في روايته التي تحمل عنوانًا بالغ الدلالة «رحلة عاطفية»:

ملكة الحس العزيزة! … يا نافورة مشاعرنا المتدفقة للأبد! — ها أنا أجدُّ في طلبك — وها هي قدسيتك تجيش بداخلي … حتى إن بعض مشاعر الفرحة والاهتمام تفيض من نفسي — وجميعها تنبع منكِ أيتها العظيمة — يا مركز الحس العظيم في العالم! الذي يهتز إذا وقعت شعرة من شعر رءوسنا أرضًا، ولو في أبعد صحراء في خليقتك.

رأى ستيرن هذه الملكة حتى في «أكثر الفلاحين غلظة وفظاظة».49
قد يبدو من غير المنطقي أن نربط بين مظاهر التمخُّط في المناديل، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو مطالعة الروايات، أو أن يأتي الفرد بمن يرسم له لوحة، وبين إلغاء التعذيب وتخفيف العقوبات القاسية. غير أن التعذيب الجائز قانونًا لم ينتهِ لمجرد أن القضاة ضاقوا ذرعًا به أو أن كُتَّاب عصر التنوير عارضوه في نهاية الأمر. لقد انتهى التعذيب لأن الإطار التقليدي للألم وكينونة الإنسان كفرد قد انهار ليحل محله بالتدريج إطار جديد يمتلك فيه الأفراد أجسادهم، ويمتلكون الحق في الانفصال وعدم انتهاك حرمة أجسادهم، ويدركون أن للآخرين نفس العواطف والأحاسيس ومشاعر التعاطف كأنفسهم تمامًا. ولنعد إلى دكتور راش مرة أخيرة إذ يقول: «الرجال، بل وربما النساء، الذين نمقتهم [المجرمين المدانين] لهم أرواح وأجساد مكونة من نفس العناصر التي تتكون منها أرواح وأجساد أصدقائنا وذوينا.» إذا تأملنا في بؤسهم «دون مشاعر أو تعاطف»، فعندئذ «سيتوقف مبدأ التعاطف نفسه عن العمل تمامًا؛ و… سرعان ما سيفقد مكانه في قلب الإنسان».50

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١