رحلة

كان مكانها في الطائرة بجانبه ولم تُعِره التفاتًا؛ فقد كانت المرة الأولى التي تركب فيها طائرة، وكان كل ما يسعى إليه ذهنها أن تقرأ ما تحفظه من القرآن. قليلًا ما كانت تلجأ إلى القرآن، وهكذا كان محصولها فيه يقل كلما لجأت إليه، فهي تجهد ذهنها بحثًا عن السور القصار، ويخونها ذهنها الخائف المذعور، فلا تذكر إلَّا «قل هو الله أحد»، وتُكمل السورة وتبحث عن غيرها، فلا يقودها ذهنها إلى غير «قل هو الله أحد»، فتُعيدها وتُعيدها ولا تقول غيرها، وهو بجانبها ينظر إليها وطيف ابتسامة يطيف بفمه، وتظل هي تقرأ «قل هو الله أحد» حتى تجد نفسها آخر الأمر قد اطمأنَّت إلى تحليق الطائرة في الهواء، وتُفيق إلى نفسها من ذُعرها وتنظر حواليها، وتراه وترى الابتسامة وتوشك أن تلاقيها بابتسامة. وتتفرَّس فيه، فتًى أسمر الوجه سمرةً غير مصرية، حلو الملامح، ذلي العينين، حليق الشعر أسوده، في وجهه سماحةً وطيبة وحب، حب للحياة ولكل شيء في الحياة، وينتهز فرصة نظرها إليه فيقول في إنجليزية نقية: أخائفة أنت إلى هذا الحد؟

وتُدهش أنه عرف بخوفها على رغم جهله بالعربية فتقول: كيف عرفتَ أني خائفة؟

– لكل دين تعاويذه.

– نعم إني خائفة. الحقيقة أنني كنت خائفة، ولكنني الآن أشعر بالطمأنينة.

– أتُرى كان لما تُتمتمين به أثر في هذه الطمأنينة؟

– لا أدري، ولكني الآن غير خائفة.

– أنت مصرية؟

– نعم.

– ما هذا الذي كنتِ تقولينه؟

– كلام من كتابنا.

– مسلمة أنت؟

– نعم.

– أهذا هو القرآن؟

– كلماتٌ قليلة منه.

– أنا أيضًا أقول كلامًا حين أكون خائفًا.

– من الإنجيل؟

– لستُ مسيحيًّا.

– إذن؟

– أنا بوذي.

– من الهند أنت؟

– نعم.

– وهل كنتَ خائفًا؟

– في هذه المرة لا … إنها ليست المرة الأولى التي أركب فيها الطائرة.

– هل خفتَ في المرة الأولى؟

– المشاعر الإنسانية واحدة في جميع أنحاء العالم ومهما تختلف الأديان.

– أنتَ مسافر إلى لندن؟

– نعم، وأنتِ؟

– إلى لندن أيضًا.

– للدراسة؟

– نعم، وأنتَ؟

– للدراسة. كنت في إجازة وها أنا ذا عائدة منها.

– ألا تشعر بالغربة في لندن؟

– إنني أشعر بالغربة بمجرِّد بُعدي عن بيتي.

– أخاف من الغربة.

– هي المرة الأولى التي تُفارقين فيها أهلكِ؟

– لم أبِت ليلةً خارج منزلي، بل لم أبِت ليلةً بعيدةً عن أختي.

– أظنها غير سعيدة بسفرك؟

– مسكينة، كانت تُحاول أن تُخفي الدموع حتى لا أراها.

– لم تُحاول أسرتك أن تمنعك من السفر؟

– حاولتْ أمي ولكن أبي متحرِّر التفكير، ورأى أنني متقدِّمة في دراستي، فلم يشأ أن يحرمني هذه الفرصة.

وجرى الحديث. حدثتْه عن أبيها وأمها وأختها وأخيها، وحدثها عن إخوته الثلاثة من الذكور والأربع من النساء، فعرفت أسماءهم وأسماءهن، وعرفت المتزوجة منهن ومن لا تزال تنتظر الزواج، وعرفت ماذا يفعل إخوته من الذكور، عرفت أعمالهم جميعًا. ساعة واحدة كان كلٌّ منهما يعرف كل شيء عن الآخر. وجرى الحديث ونسيت الطائرة ونسيت الخوف، ونسيت أباها وأختها وأخاها، نسيتْهم بالحديث عنهم، نسيتْ لهفتهم في يوم سفرها، ونسيت الجزع في عينَي أمها، والضياع في عينَي أختها، والشعور بالمغامرة في عينَي أبيها، والشوق إلى المجهول في عينَي أخيها. نسيت المشاعر التي ودَّعوها بها في غِمار الحديث وعن حياتهم اليومية. وفجأةً اهتزَّت الطائرة هزةً عنيفة، وهوَّم الصمت على المسافرين، وعاد إليها الخوف، ولم تشعر بنفسها وهي تُمسك بيده في ذهول، ولم تشعر أيضًا بيده وهو يُطبقها على يدها المرتجفة. وبعد لحظات أنبأهم صوت قائد الطائرة أنهم في خطر، وأنه يُحاول أن يتغلَّب على هذا الخطر.

ونظرتْ إلى جارها الذي أصبح صديقها، وتكلَّمت عيناها وتكلَّمت عيناه، وساد الصمت دقائق طويلة، طويلة، ثم ارتفع صوت قائد الطائرة: اقتربنا من لندن. الله معنا.

وعادت إلى «قل هو الله أحد» تقولها بقلبها، ونظرت إلى جارها ووجدته يقول كلامًا لا تفهم منه شيئًا، وحين لامست الطائرة أرض المطار وجدت نفسها في حضن هريش، وهي ما تزال تُردِّد «قل هو الله أحد»، وحين انفصلت عنه انفجرت باكيةً ضاحكة، متمتمةً بكلمات السورة الوحيدة التي أصبحت لا تحفظ غيرها.

واستمرَّت الصلة بينها وبين هريش حتى أصبحت تقضي كل أوقات فراغها معه. حسَّت في صحبته أمنًا، واستطاعت برفقته أن تتغلَّب على الغربة أغلب ساعات النهار، ولكن الوحدة كانت تفغر لها فاها كلما تلقَّفتها الحجرة التي استأجرها لها عند أسرة صديقه.

وفي يومٍ سألها هريش ونظرة الحب تشع من عينَيه: سلوى، أريد أن أتزوجك.

– كيف؟

– هكذا.

– ولكن ديننا يُحرِّم الزواج بك.

– أعلم.

وصمتت بعض الحين ولكنها ما لبثت أن وافقت على الزواج، وتم الزواج على غير علمٍ من أحد إلَّا الموظَّفين المختصين.

ومرَّت الأيام وسلوى تكتب لأهلها، لا تجسر أن تُخبرهم بما تم في أمرها، حتى كان يوم شعرت بألمٍ في جنبها، لم تحفل به أول الأمر، ولكن الألم زاد، ولم تستطِع أن تكتم أمره عن هريش، وطالعهما الطبيب بالحقيقة القاتلة: المرض قاتل لا سبيل إلى التغلُّب عليه.

ونظرت سلوى إلى هريش وأنعمت النظر، ولم تجد شيئًا تقوله إلَّا …: أنا آسفة. لم أستطع أن أُحقِّق لك السعادة التي كنتُ أتمنَّى أن أُحقِّقها لك.

ولم يستطِع هريش أن يتحمَّل العبء وحده، وفوجئت أسرة سلوى بخطابٍ مُوقَّع من هريش أن ابنتهم مريضة. وظن الأب أن التوقيع لأحد زملائها، ولم يُفكِّر إلَّا في مرض ابنته، فسرعان ما ذهب إليها في لندن، ووجدها على فراش الموت ووجد معها هريش، وما هي إلَّا لحظات حتى تبيَّن ما فعلته ابنته، وأوشك أن يتركها ليعود إلى القاهرة، ولكن سلوى نادته في صوتٍ واهن ضعيف: أبي.

ووجد نفسه يقول دون ريث وتفكير: لم أعد أباك.

– إني هنا وحيدة.

– لي رجاء لا يستطيع أن يُحقِّقه لي هريش.

– لا تنطقي اسمه.

– فهو رجاء لن يُحقِّقه لي إلَّا أنت.

– لا أريد أن أسمع.

– أُريد أن أُدفن كمسلمة.

وانهار الأب الحزين باكيًا. إنها ما زالت مسلمة.

– هل أشركت يا سلوى؟ هل أشركت بالله؟

– أُريد أن أُدفن كما يُدفن المسلمون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١