قصة السيد بلاتنر

إن تصديقَ قصة جوتفريد بلاتنر أو تكذيبَها لَمسألة محيِّرة من حيث وجاهة الأدلة؛ فنحن لدينا، من ناحية، سبعة شهود — أو بالأحرى لدينا ستة أزواج من الأعين وعين واحدة — وحقيقة واحدة لا محل لإنكارها، لكن من ناحية أخرى لدينا — ماذا؟ — هوًى، وعناد، واعتماد على المنطق السليم. لم يوجد قطُّ شهود تبدو عليهم سِيَم الأمانة أكثر من هؤلاء السبعة، ولم توجد قطُّ حقيقة مسلَّم بها أكثر من تحول البنية التشريحية لجوتفريد بلاتنر، ولم توجد قطُّ قصة تَستعصي على التصديق أكثر من تلك التي قصُّوها! إن أشد أجزاء القصة نقضًا للمنطق هو شهادة جوتفريد القيِّمة (فأنا أعتبره أحد الشهود السبعة). معاذ الله أن يدفعَني ولَعي بالإنصاف والتجرد إلى تأييد الخرافات فينتهي مصيري إلى ما انتهى إليه أنصار إيوزابيا! إنني، صِدقًا، أعتقد أن ثَمة شيئًا مخادعًا بشأن قضية جوتفريد بلاتنر، لكن ما هو ذاك الشيء؟ إنني أعترف بكل صراحة أنني لا أعرفه. لقد دُهشت من ذلك القبول الذي لاقتْه القصة داخلَ أكثر الدوائر موثوقيَّةً وأبعدها عن التوقع، بَيْد أنني أرى أن رواية القصة دون مزيد من التعليقات عليها هي أكثر الطرق إنصافًا للقارئ.

بالرغم مما قد ينمُّ عنه اسمُه، فإن جوتفريد بلاتنر رجل إنجليزي حر، وُلِد لأب استقر في إنجلترا قادمًا من مِنطقة الألزاس في ستينيات هذا القرن، وتزوج من فتاة إنجليزية محترمة من أصول عادية، ثم تُوُفِّي عام ١٨٨٧ بعد حياة مستقيمة هادئة (أحسب أنها كانت مُكرَّسة في أغلبها لتركيب الأرضيات الخشبية). يبلغ جوتفريد من العمر سبعة وعشرين عامًا، ويجيد ثلاث لغات وَرِثها عن أسلافه؛ مما أهَّله ليكون معلِّمًا للغات الحديثة في مدرسة خاصة صغيرة بجنوب إنجلترا. إن نظرة عابرة إلى جوتفريد قد توحي أنه لا يختلف عن أيِّ معلم لغات حديثة في أي مدرسة خاصة صغيرة؛ فهِندامه ليس قيِّمًا للغاية ولا أنيقًا جدًّا، لكنه من ناحية أخرى لا تبدو عليه أَمارات الحقارة أو الرَّثاثة بقدر ملحوظ. ليس في لون بشرته، ولا طولِه، ولا مشيته ما يلفت الانتباه، لكنك ستلاحظ، ربما كأغلب الناس، أن قَسمات وجهه ليست متناظرة تمامًا؛ فعينه اليمنى أكبر قليلًا من اليسرى، والجهة اليمنى من فكِّه أكبر قليلًا من الجهة اليسرى. لو أنك شخصٌ عاديٌّ لا يبالي بالتفاصيل، وحدَث أن كشفت صدره وأنصتَّ إلى دقات قلبه، لوجدتها على الأرجح كدقَّات قلب أيِّ شخص آخر. وهنا سيكون محل الخلاف بينَك وبين المراقب المدرَّب؛ فإن وجدتَ قلبه طبيعيًّا تمامًا، فسيجده المراقب المدرَّب خلاف ذلك بالكلية، وما إن تنتبه إلى الأمر، حتى تلاحظ غرابته بمنتهى السهولة؛ فقلب جوتفريد ينبض في الناحية اليمنى من جسده.

لا تقتصر غرابة بنية جوتفريد على موضع قلبه فقط، رغم كونه الشيء الوحيد الذي سيثير اهتمام أصحاب العقول الغريرة؛ إذ يبدو أن الفحص الدقيق لأعضاء جوتفريد الداخلية على يد أيِّ جرَّاح معروف يدل على أن جميع أعضاء جسده غير المتناظرة ليست في موضعها الصحيح أيضًا؛ فالفص الأيمن من كبده موجود في الجانب الأيسر من جسده، والفص الأيسر في الجانب الأيمن، كما أن رئتيه معكوستان. الأغرب من ذلك — ما لم يكن جوتفريد ممثلًا بارعًا — هو أن علينا التصديق بأن يده اليمنى صارت مؤخَّرًا يدًا يسرى؛ فقد لقيَ صعوبة قصوى في الكتابة إلا من اليمين إلى اليسار باستخدام يده اليسرى، وقد بدأ ذلك منذ مجموعة من الوقائع سنتناولها بعد لحظات (بأكبر قدر ممكن من التجرد). يَعجِز جوتفريد عن إلقاء أيِّ شيء بيده اليمنى، ويقع في حَيرة بين السكِّين والشوكة وقتَ تناول الطعام، فضلًا عن أن معرفته بقواعد الطريق — باعتباره سائقَ درَّاجات — أصبح يشوبها خلط خطير، وما من أدلة تشير إلى أن جوتفريد كان أعسر قبل تلك الوقائع المذكورة. لا تزال هناك حقيقة أخرى مذهلة في تلك القضية غير المنطقية. يعرض جوتفريد ثلاث صور فوتوغرافية لنفسه، أولها تُظهره وهو في الخامسة أو السادسة من عمره، طفلًا عابس الوجه تبرز قدماه السمينتان من تحت رداءٍ ذي نقش مربع، وتلاحظ في تلك الصورة أن عينه اليسرى أكبر قليلًا من اليمنى، وأن الجانب الأيسر من فكه أضخم قليلًا من الجانب الأيمن، وهو ما يناقض ملامحه الحالية. بالنسبة إلى الصورة الثانية التي التُقِطت له وهو في الرابعة عشرة من عمره فتبدو مخالفة لهذه الحقائق، ولكن ذلك يُعزَى إلى أنها من الصور من نوع «جيم» الزهيدة الثمن التي كانت رائجة آنذاك، وكان المصور يلتقطها فوق قطعة معدِنية مباشرة؛ فتظهر الأشياء معكوسة تمامًا، كما هي الحال عند النظر في المرآة. أما الصورة الثالثة، فقد التُقِطت له وهو في الحادية والعشرين من عمره، وهي تؤكد رواية الآخرين عنه، وتقدِّم دليلًا دامغًا على أن جوتفريد استبدل شِقه الأيمن بشِقه الأيسر. لكن، كيف يمكن أن يتعرض بشَرٌ لكل هذا القدر من التحولات؟ إنها مسألة من الصعب طرحُها، اللهمَّ إلا إذا كانت من قَبِيل المعجزات الخيالية العبثية.

لا شك أن هذه الوقائع قد نجد لها تفسيرًا، من وجه، إذا افترضنا أن بلاتنر قد مارس خديعة مُحكَمة استنادًا إلى موضع قلبه غير المألوف؛ الصور الفوتوغرافية ربما تكون مزيفة، ومسألة تحوله إلى شخص أعسر قد تكون محض تصنُّع. لكن شخصية الرجل لا تؤيد نظرية كهذه: فهو هادئ، وعملي، لا يميل إلى لَفت الأنظار، وفي كامل قواهُ العقلية، من منظور نورداو، وهو يحب احتساء الجِعَة، ويدخن باعتدال، ويتريض يوميًّا، ويعتزُّ بقيمة عمله كمعلِّم. لديه صوت صادح جميل لكنه غير مدرَّب، ويستمتع بغناء ألحان محببة مبهِجة. بالإضافة إلى ما سبق، فإن بلاتنر شغوف بالقراءة، ولكن ليس إلى حد الولَع، وبخاصة قراءة الأعمال الأدبية التي يتخللها طابع بسيط من التفاؤل ذي الصبغة الدينية. وبالنسبة إلى عاداته في النوم، فبلاتنر ينام جيدًا، ونادرًا ما يَرى أحلامًا. وبالنظر إلى كل ما سبق، يُعدُّ بلاتنر في الواقع آخرَ شخص يُقْدم على اختلاق قصة خرافية، وهو أبعد ما يكون عن محاولة فرض قصته على الآخرين، بل، خلافًا لذلك، فإنه يبدي تحفظًا شديدًا إزاءَ المسألة، ويلقَى المتسائلين بقدرٍ ما من الاستحياء الأخاذ الذي ينتزع ثقة أشدهم تشككًا، ويبدو عليه خجل غير مصطنَع من كونه محل ظاهرة شديدة الغرابة.

من المؤسف أن إعراض بلاتنر عن فكرة إخضاع جسده بعد الوفاة للتشريح قد يرجئ — ربما إلى الأبد — الدليل القاطع على أن كامل جسده قد تبدَّل موضعُ شِقَّيْه الأيمن والأيسر؛ فمصداقية قصته تتوقف بالدرجة الأولى على تلك الحقيقة. لا يسَعنا تبديل موضع شِقَّيْ إنسان بأخذه وتحريكه في الفضاء الثلاثي الأبعاد، كما يعرفه الأشخاص العاديون، فمهما فعلت، فسيظل شِقه الأيمن هو الأيمن وسيظل شقه الأيسر هو الأيسر. يمكنك بالطبع تنفيذ ذلك مع شيء رفيع ومسطَّح تمامًا، فإذا قطعتَ شكلًا من ورقة، أيَّ شكل ذي شِقين، فبإمكانك تبديل موضع الشقين برفعه وقَلْبه. أما مع المجسمات فالأمر مختلف؛ يخبرنا مُنظِّرو الرياضيات أن الطريقة الوحيدة لتبديل شِقَّيْ أيِّ مجسَّم هي إخراجه تمامًا من الفضاء الثلاثي الأبعاد الذي نعرفه — أيْ إخراجه من الوجود المعتاد — وقلبه في مكان ما خارجَه. لا شك أن الأمر يَستعصي على الفهم بعض الشيء، لكن بوسع أيِّ شخص له أدنى دراية بالنظرية الرياضية أن يؤكد للقارئ صحته. إذا أردنا التعبير عن الأمر بلغة علمية متخصصة، فإن التبدل العجيب لشِقَّيْ بلاتنر إنما هو دليل على أنه خرج من فضائنا إلى ما يسمى بالبُعد الرابع ثم قَفل عائدًا إلى عالمنا مرةً أخرى، ونحن شبه ملزَمين بتصديق تلك الرواية، إلا إذا قررنا أن نعتبر أنفسنا ضحايا خدعة مُحكمة لا دافع من ورائها.

لقد قلنا ما يكفي عن الحقائق المادِّية، وننتقل الآن إلى سرد الظواهر التي صاحبت اختفاءه المؤقَّت من العالم. يبدو أن بلاتنر لم يكن يضطلع فحسْبُ بمهام معلم اللغات الحديثة في مدرسة ساسيكسفيل الخاصة، بل كان يُدرِّس أيضًا الكيمياء، والجغرافيا التِّجارية، والمحاسبة، والكتابة بالاختزال، والرسم، وأيةَ مادة إضافية أخرى قد تخطر على بال أولياء أمور الطلاب فيطالبون بتدريسها لهم. كانت إحاطة بلاتنر بتلك المواد المتنوعة ضئيلة أو معدومة، لكن من المتعارف عليه أن علم المدرس في المدارس الثانوية، خلافًا للمدارس الداخلية والابتدائية، لا يضاهي في أهميته بأية حال ما للخُلق الرفيع ولهجة النبلاء المهذبين من أهمية. كان ضعيفًا في مادة الكيمياء بوجه خاص، فهو لم يكن يعرف — حسب قوله — أكثر من الغازات الثلاثة (أيًّا ما كانت). نظرًا لأنه درَّس لطلاب لا يدرون شيئًا عن الكيمياء، وكان هو مصدرَهم الوحيد لاستِقاء المعلومات، فلم يواجِه بلاتنر (ولا غيره) صعوبةً كبيرة على مَدار عدة فُصول دراسية. ثم حدث أن التحق بالمدرسة فتًى صغيرٌ يُدعى ويبل، ويبدو أن أحد أقربائه الخبثاء قد زرع بداخله حب الاستطلاع. تابع هذا الفتى دروس بلاتنر بشغف ملحوظ لم ينقطع، ولكي يُظهرَ إقبالَه على المادة وشغفه بها، أحضر لبلاتنر في عدة مناسبات موادَّ لتحليلها. رأى بلاتنر في ذلك دليلًا على قدرته على إثارة الاهتمام، وهو ما أشبع غروره، فأقبل على تحليل تلك المواد، معتمدًا على جهل الفتى. ولم يكتفِ بذلك، بل كان يصف تركيبها في عبارات عامة. في الواقع، لقد حفَّز هذا الطالب حماس بلاتنر تحفيزًا بالغًا جعله يحصل على كتاب في الكيمياء التحليلية ويعكف على دراسته أثناء إشرافه على الطلاب وقت أدائهم لواجباتهم المدرسية في المساء، ودُهِش بلاتنر حين اكتشف أن الكيمياء مادة مشوِّقة للغاية.

حتى الآن ليس في القصة ما يثير الاستغراب مطلقًا، لكن يقتحم المشهدَ فجأةً مسحوقٌ مائل إلى الاخضرار لا يُعرَف مصدره لسوء الحظ. يروي الفتى ويبل قصة ملتوية، مُفادها أنه عثر على تلك المادة ملفوفة داخل صُرَّة في جيَّارة مهجورة قُربَ مِنطقة داونز. لا شك أنه كان سيصبح من الرائع بالنسبة إلى بلاتنر — وربما بالنسبة إلى أسرة الفتى ويبل أيضًا — لو أن عُود ثِقاب قد أُشعِل في هذا المسحوق على الفور. لم يُحضر الفتى اللطيفُ المسحوقَ إلى المدرسة في الصرَّة بالطبع، بل وضعه في قارورة دواء عادية مدرَّجة، سعتها ثماني أوقيات، مسدودة بقطعة مُكَرْمَشة من ورق الجرائد، وأعطاها لبلاتنر في نهاية الدراسة المسائية. كان هناك أربعة طلاب معاقَبون بالبقاء عقب الصلوات المدرسية لاستكمال بعض الواجبات التي أهملوها، وكان على بلاتنر الإشراف عليهم في قاعة الدراسة الصغيرة التي تنعقد داخلها حصص الكيمياء. وكما هي الحال في أغلب المدارس الصغيرة في هذا البلد، تتسم الأجهزة المعدة لتدريس الكيمياء عمليًّا في مدرسة ساسيكسفيل الخاصة بالبساطة المتناهية. تُحفَظ تلك الأجهزة في خزانة صغيرة منتصبة داخل تجويف في الحائط، وتكاد تماثل صندوق السفر في سعتها. من الواضح أن بلاتنر رحَّب بظهور ويبل ومسحوقه الأخضر، مدفوعًا بضجَره من دوره السلبي كمشرف، واعتبرها فرصة سانحة للتسلية، فاتجه إلى خزانة الأجهزة وفتحها وشرع في إجراء تجارِبه التحليلية على الفور، في حضور ويبل الذي كان جالسًا — لحسن حظه — على مسافة آمنة، ملاحظًا بلاتنر، ومعهما المعاقَبون الأربعة متظاهرين بانهماكهم الشديد في عملهم، بينما يختلسون النظرات إلى بلاتنر ويراقبونه في اهتمام بالغ. رغم معرفة بلاتنر المحدودة بالكيمياء، التي لا تتجاوز الغازات الثلاثة، كانت تجارِبه الكيميائية العملية تتسم بالتهور والاندفاع، حسبما أعلم.

يكاد الخمسة يتفقون بالإجماع في روايتهم لما قام به بلاتنر. وضع الرجل قليلًا من المسحوق الأخضر في أنبوب اختبار، وجرب مزجه بالماء، وحَمْض الهيدروكلوريك، وحَمْض الآزوت، وحَمْض الكِبريت على التوالي، لكنه لم يحصل على نتيجة تُذكَر، فأفرغ القليل من محتوى القارورة — نصفه تقريبًا في الواقع — فوق لوح أُرْدُوازي وجرب إشعال عود ثقاب في المسحوق، بينما يحمل قارورة الدواء في يده اليسرى. بدأ الدُّخَان ينبعث من المسحوق وهو يذوب، وبعدها — وقع انفجار عنيف مدوٍّ، كاد وهجه يذهب بالأبصار.

كان الفتية الخمسة متهيئين لوقوع كارثة؛ لذا حين رأَوْا وميض الانفجار سارعوا بالانبطاح تحت مكاتبهم، دون أن يلحق بأيٍّ منهم ضررٌ بالغ. أدى الانفجار إلى تهشم زجاج النافذة وسقوطه على أرض الملعب، وانقلبت السبورة ساقطةً من فوق حاملها. أما بالنسبة إلى اللوح الأُرْدُوازي فقد تحطم متحولًا إلى ذرَّات، وتساقطت بعض القطع من طلاء السقف، وما عدا ذلك، لم تتضرر مباني المدرسة أو معَدَّاتها. حين اختفى بلاتنر عن أنظار الفتية، حَسِبوا في بادئ الأمر أنه سقط على الأرض متواريًا عن أنظارهم تحت المكاتب، فهبُّوا جميعًا من أماكنهم لمساعدته، لكنهم ذُهلِوا حين لم يجدوا له أثرًا في القاعة. ظل الفتية مرتبكين من شدة الانفجار المفاجئ، فما كان منهم إلا أن هُرِعوا إلى الباب المفتوح وقد تَملَّكهم انطباع بأن بلاتنر قد أُصيب بأذًى لا محالة، فغادروا القاعة مندفعين، لكن الفتى كارسون، الذي كان في مقدمتهم، كاد يرتطم بناظر المدرسة، السيد ليدجت، عند المدخل.

يمكن وصف السيد ليدجت بأنه رجل أعور، سمين، سريع الانفعال. يروي الفتية أنه اندفع إلى الغرفة متعثرًا وهو يردد بعضًا من عبارات السب الخفيفة التي من المعتاد أن يرددها نُظار المدارس العصبيون؛ خشيةَ وقوع الأسوأ. أجمع الفتية على أن السيد ليدجت هتف بنص الكلمات التالية: «أيها الأغبياء الأشقياء! أين السيد بلاتنر؟» (يبدو أن كلمات مثل «المدلل» و«الجرو البكَّاء» و«الغبي» تعتبر من التعبيرات المعتادة التي يرددها السيد ليدجت أثناء مهامِّه المدرسية).

أين السيد بلاتنر؟ ذاك هو السؤال الذي ظل يتردد مرات ومرات خلال الأيام القليلة التالية. بدا الأمر في الحقيقة كأن التعبير الجامح الذي نردده على سبيل المبالغة «فصُّ مِلْح وذابَ»، قد تحقق حرفيًّا هذه المرة. لم يُعثر على ذرة من بلاتنر؛ لا نقطة دم ولا نُتفة من ثوبه. من الواضح أن الرجل اختفى من الوجود بالكلية دون أن يترك خلفَه أثرًا، أو كما يقول المثل: صار أَثرًا بعد عَيْن. إن القرائن الدالة على اختفائه التام إثرَ ذلك الانفجار لا تَقبل المِراء.

لا داعي للإسهاب في وصف الهَرج والمَرج الذي أثارهما ذلك الحدث في مدرسة ساسيكسفيل الخاصة ومقاطعة ساسيكسفيل وغيرهما، فمن غير المستبعد حقًّا أن يذكر بعضٌ من قراء تلك الصفحات استماعهم إلى نسخة باهتة واهنة من ذلك اللغَط خلال العطلات الصيفية الأخيرة. يبدو أن ليدجت بذل كل ما في وسعه للتكتم على القصة والتقليل من أهميتها، واستحدث عقوبة تقضي على كل من يذكر اسم بلاتنر من الطلاب بكتابة خمسة وعشرين سطرًا على السبورة، وأعلن في الفصل أنه على دراية تامة بمكان مساعِده، بلاتنر، وأوضح أنه بالرغم من الاحتياطات الدقيقة والمحكمة التي اتخذها للتقليل من التدريس العملي للكيمياء إلى أدنى حد ممكن، فإنه كان يخشى من أن احتمالية وقوع انفجار قد تسيء إلى سمعة المدرسة؛ وهو ما قد يسببه اختفاء بلاتنر بأي كيفية غامضة. لقد بذل الرجل بالفعل قُصارَى جهده لكي يبدوَ الحدث عاديًّا قدرَ الإمكان، بل عكف على استجواب الشهود الخمسة الذين عاينوا الواقعة بتحرٍّ واستقصاء شديدَين حتى إنهم بدءوا يرتابون فيما رأتْه أعينُهم، لكن بالرغم من كل هذه الجهود، بقيت القصة، بعد أن شهدت قدرًا من التحريف والمغالاة، محل تعجب سكان المقاطعة لمدة تسعة أيام. وأقدم العديد من أولياء الأمور على إخراج أبنائهم من المدرسة متذرِّعين بحُجج بدَتْ معقولة. لم تنتهِ غرائب تلك القصة عند هذا الحد؛ فقد رأى عدد كبير من سكان الحي رؤًى لبلاتنر يثير وضوحُها العجب، وذلك في فترة اللغط التي سبقت عودته، وكانت جميعها تتسم بقدر غريب من التماثل، ويتجسد بلاتنر في أغلبها وهو يَهِيم وسط طيف متلألئ من الأضواء الملونة بألوان قوس قزح، منفردًا أحيانًا وفي صحبة آخرين أحيانًا أخرى، لكن وجهه في جميع الحالات كان شاحبًا مغتمًّا، وفي بعض تلك الرؤى كان يشير ويومئ لصاحب الرؤيا، بينما تخيل فتًى أو اثنان — تحت تأثير كابوس بالتأكيد — أن بلاتنر اقترب منهما بسرعة خاطفة وبدا كأنه يُمعن النظر في عينيهما، في حين رأى آخرون أنفسهم وهم يفرون معه من ملاحقة مخلوقات غريبة غامضة كُرَوية الشكل، بَيْد أن كل هذه التخيلات قد طواها النسيان في خِضَمِّ التساؤلات والتخمينات التي أثارتها عودة بلاتنر يومَ الأربعاء من الأسبوع الذي تلا الانفجار، الذي وقع يوم الإثنين.

لم تكن ملابساتُ عودته أقلَّ غرابة من ملابسات اختفائه، فحسبما يشير الموجز الغاضب الذي أدلى به السيد ليدجت — والذي تكمله عبارات بلاتنر المترددة — يتضح أنه في مساء الأربعاء، قُبيل ساعة الغروب، بعد أن أَذِنَ السيد ليدجت لأصحاب الواجبات المدرسية المسائية بالانصراف، انهمك في حديقته بقطف حبات الفراولة والتهامها، فهو مولَع بها إلى حد الإفراط. إنها حديقة واسعة، وقديمة في طرازها، يخفيها عن الأعين، لحسن الحظ، سورٌ عالٍ من الطوب الأحمر تغطيه نباتات اللَّبْلاب. وبينما كان السيد ليدجت ينحني فوق واحدة من تلك النباتات وافرة الثمار، إذا بحركة خاطفة في الهواء وصوت ارتطام شديد يمزقان خلوة السيد ليدجت، وقبل أن يستدير ليرى مصدرهما، فوجئ بجسم ثقيل يرتطم به بعنف من الخلف، فانكفأ على وجهه، وانسحقت حبات الفراولة التي كان يحملها. وكان الارتطام من القوة بحيث أَسقط قبعته الحريرية — فالسيد ليدجت ملتزم بالأفكار القديمة المتعلقة بالزي الأكاديمي — على جبهته؛ فغطت إحدى عينيه تقريبًا. لم تكن تلك القذيفة الثقيلة التي انزلقت فوقه وحطَّت في وضع الجلوس وسط ثمار الفراولة سوى السيد جوتفريد بلاتنر الذي طال غيابه، وقد بدا في حالةٍ أبعد ما تكون عن الْهِندام؛ فقد كان ثوبُه بلا ياقة، ورأسه حاسرًا، وثيابه الْكَتَّانية قذرةً، وعلى يديه آثار دماء. سيطرت على السيد ليدجت حالة من السخط والذهول أبقته جاثيًا على أطرافه الأربعة، وقد مالت قبعته على عينه، وأخذ يحاجج بلاتنر بشدة لسلوكه غير المسئول الذي لا يُنْبِئ عن أيِّ احترام.

إن مثل هذا المشهد الفريد في إثارته يتمم ما قد أَصِفه بالرواية الظاهرية لقصة السيد بلاتنر؛ أي الجانب الخارجي المتداول منها. ليس هناك أدنى ضرورة للخوض في جميع التفاصيل الخاصة بفصل السيد ليدجت لبلاتنر من المدرسة، فتلك التفاصيل مدونة، بالأسماء الكاملة والتواريخ والمصادر، في التقرير المطول لتلك الوقائع الذي طُرِح أمام جمعية التحقيقات في الظواهر الخارقة للعادة. لم يكن التبدل العجيب في شِقَّيِ السيد بلاتنر يَلْفِت الأنظار في الأيام القليلة التي أعقبت ظهوره، لكن أول ما لُوحظ هو نزوعه للكتابة على السبورة من اليمين إلى اليسار. عمد بلاتنر إلى إخفاء تلك القرينة العجيبة المؤيدة بدلًا من الجهر بها؛ خشية أن يضرَّ ذلك بفُرَصه في الحصول على وظيفة جديدة. ولم يُكشف عن تغير موضع قلبه إلا بعد بضعة أشهر حين اضطُرَّ إلى خلع إحدى أسنانه تحت تأثير المخدِّر. وسَمح بعد ذلك، على مَضض، بإجراء فحص جراحي سريع على جسده لعرضه بإيجاز في «دورية علم التشريح». إن ما سبق يتناول التفاصيل المتعلقة بالحقائق المادِّية، وقد يسعنا الآن المُضي قُدمًا في النظر في رواية بلاتنر للواقعة.

لكنْ بادئَ ذي بَدْءٍ، دعْني أفرِّق بوضوح بين ما سبق من القصة وما نحن مقبلون على سرده؛ إن كل ما أوردْتُه حتى الآن تؤيده قرائنُ وأدلة، سيقرُّها أيُّ مُحامٍ جنائي. لا يزال جميع الشهود على قَيد الحياة، وإذا كان لدى القارئِ متسعٌ من الوقت، فبإمكانه مقابلة الفتية غدًا أو حتى الإقدام على تحمل إزعاج السيد ليدجت الرهيب واستجوابه لسَبْر أغوار صدره، بل يمكن رؤية السيد جوتفريد بلاتنر نفسه بقلبه المنقول من مكانه وصوره الفوتوغرافية الثلاث. كما يمكن اعتبار الوقائع التالية بمنزلة حقائق ثابتة بالأدلة القاطعة: لقد اختفى السيد بلاتنر لمدة تسعة أيام إثرَ انفجار، ثم عاد في ظل ظروف لا تقِلُّ عنفًا ومفاجأةً عن ظروف اختفائه، وأيًّا كانت تفاصيلها، فقد أثارت ضيقَ السيد ليدجت وسخطه. عاد بلاتنر وقد تبدل جانباه تمامًا، كما ترتد انعكاسات الصور من سطح المرآة. مِن شبه الحتمي أن يترتب على الحقيقة الأخيرة، كما ذكرتُ سَلفًا، أن بلاتنر، خلال أيام اختفائه التسعة، كان بلا شك في حالةٍ ما من الوجود خارجَ نطاق الزمان والمكان. إن القرائن الدالَّة على تلك الأقوال تَفُوق في قوتها ورُجْحانها تلك التي تَسوق أغلب القتلة إلى الْمِقْصلة. لكن بالنسبة إلى روايته الخاصة للمكان الذي انتقل إليه، بتفسيراتها المضطربة وتفاصيلها التي تكاد تُناقض ذاتها، فليس لدينا دليلٌ على صحتها سوى كلام السيد جوتفريد بلاتنر نفسه. لا أود الطعن في مصداقية ما سيلي ذِكره، لكن يتعين عليَّ أن أَلفِت النظر إلى ما أَخفق في الإشارة إليه الكثيرون من الكتَّاب المعنيين بالظواهر الرُّوحية الغامضة والخارقة للطبيعة، ألا وهو أننا نجتاز في هذه المرحلة ما يكاد يكون من المسلَّمات إلى تلك الأمور التي يحق لأيِّ امرئ عاقل أن يَقبلها أو يرفضها حَسْبما يراه مناسبًا. إن كل ما سبق يجعل الأمر معقولًا ووجيهًا، غير أن تَعارضه مع التجارِب والخبرات المشتركة يَجنح به نحو غير المعقول. إنني أحبذ ألَّا أميلَ بحكم القارئ نحو أيٍّ من الجانبين، بل أفضل فقط أن أسرد القصة كما رواها لي بلاتنر. من الجدير بالإشارة أن بلاتنر حكى لي قصته في منزلي في ضاحية تشيزلهورست، وبمجرد مغادرته لمنزلي ذلك المساء توجهت إلى مكتبي، ودونت كل شيء كما تذكرتُه، وقد تفضل السيد بلاتنر لاحقًا، مشكورًا، بالاطلاع على نسخة مكتوبة، فلا مجال لإنكار مطابقتها القطعية لروايته.

يذكر بلاتنر أنه في اللحظة التي وقع فيها الانفجار راوده اعتقاد واضح بأنه لَقي حَتْفه، وأَحس أن قدميه ترتفعان عن الأرض، وأن هناك ما يدفعه بالقوة إلى الخلف. من الحقائق العجيبة بالنسبة إلى علماء النفس أنه كان يفكر بكل وضوح خلال رحلته إلى الخلف، وتساءل عما إذا كان سيرتطم بخزانة الأجهزة المعدة للتجارِب الكيميائية أم بحامل السبورة. اصطدم عَقِبَا قدمَيْه بالأرض فترنَّح ثم هَوَى بقوة إلى وضع الجلوس فوق شيء صُلب أملس. أبقت الصدمة بلاتنر مَشدوهًا لوهلة، لكنه سُرعان ما ميَّز على الفور رائحة قوية لشعر محروق، وبدا له أنه يستمع إلى صوت السيد ليدجت باحثًا عنه. لعلك ستستنتج أن عقله كان في حالة ارتباك شديد للحظات.

كان لديه انطباع واضح في البداية أنه لم يَزل داخل قاعة الدراسة، وأبصر بجَلاءٍ تامٍّ دهشة الفتية، ودخول السيد ليدجت إلى القاعة، وهو متيقن تمامًا من تلك الحقيقة، لكنه لم يسمع تعليقاتهم، وهو ما عزَاه إلى التجرِبة وتأثيرها المُصِمِّ للآذان. بدت له الأشياء المحيطة به قاتمةً وباهتة على نحو عجيب، لكن عقله فسَّر هذه الظاهرة استنادًا إلى الفكرة البديهية القائلة بأن الانفجار أحدث كمًّا هائلًا من الدُّخَان المعتِم، لكنها كانت فكرةً مغلوطة.

رأى بلاتنر أطياف ليدجت والفتية وهي تتحرك وسط العتمة، وكانت باهتةً وصامتة تمامًا كالأشباح، وظل يشعر بوخز في وجهه من أثر الحرارة اللاسعة التي صاحبت وَهج الانفجار. يصف بلاتنر حالته حينئذٍ بالتشوش التام. يبدو أن أُولى الخواطر المحددة والواضحة التي راودته هي تلك التي تتعلق بسلامته الشخصية. ظن بلاتنر أنه فقد بصره وسمعه وراح يتحسس أطرافه ووجهه بحذر، ثم ما لبثت إدراكاته أن اتضحت أكثر فأكثر، واندهش لافتقاده المكاتب وغيرها من أثاث القاعة القديم المألوف له، ولم يرَ مكانها سوى أشكال باهتة ضبابية مصطَبِغة باللون الرَّمادي. ثم وقع حدثٌ دفعه للصراخ بأعلى صوته، وأيقظ قواه العقلية من الذهول إلى النشاط في غمضة عين. رأى اثنين من الفتية يشير كلٌّ منهما إلى الآخر، ويسيران متتابعيْن خلالَه مباشرة! لم يُبدِ أيٌّ منهما أدنى إدراك بوجوده. من الصعب أن تتخيلَ شعوره آنَذاك. يذكر بلاتنر أن احتكاكَهما به لم يكن أقوى من مرور دفقة من هواء السَّدِيم.

أول ما فكر فيه بلاتنر بعدَها هو أنه في عِداد الموتى. رغم أن نشأته كوَّنت لديه آراءً صائبة تمامًا بشأن تلك المسائل، فإنه كان مندهشًا بعضَ الشيء حين وجد جسده لم يزَل موجودًا، فكان استنتاجه الثاني أنه لم يمُت، بل مَن حولَه هُم الموتى؛ أي إن الانفجار تسبب في تدمير مدرسة ساسيكسفيل الخاصة، ووفاة كلِّ من فيها عَداه. بَيْد أن ذلك الاستنتاج أيضًا لم يُرضِه تمامًا، فاضطُرَّ ثانيةً إلى اللجوء إلى ملاحظاته المغرِقة في الدهشة.

كان كل ما حوله في ظلام دامس: بدا وكأن عَتمة دهماء قد غشيَتْه. حين تطلع إلى ما فوقَه رأى سماءً سوداء، ولا يقطع ظلامَ هذا المشهد سوى وميض واهن مائل إلى الاخضرار ينبعث من حافَّتها في اتجاهٍ واحد، ويَفتح أمامَ الرائي أفقًا من التلال السوداء، بَدت وكأنها أمواج متدرجة. أقول إن هذا كان انطباعه في بادئ الأمر، لكن مع اعتياد عينه على العتمة، بدأ يميز في ذلك الليل المحدق به درجة باهتة من لون مميز ضارب إلى الخُضرة، وبرزت، مقابل هذه الخلفية، قطعُ الأثاث ومن كانوا داخل قاعة الدراسة كأشباح فسفورية شاحبة هلامية. وسط هذا المشهد المذهل، مد يدَه وأولجها عبر أحد الجدران المجاورة للمدفأة، فمرت خلاله بلا أدنى مجهود.

وصف بلاتنر نفسه حينَها بأنه كان يبذل جهدًا مُضنيًا لجذب انتباه الحاضرين؛ فقد صاح مناديًا ليدجت، وحاول الإمساك بالفتية وهم في ذهابهم وإيابهم، ولم يكُفَّ عن محاولاته تلك إلا حين دخلت القاعة السيدة ليدجت، التي كان (باعتباره مدرسًا مساعدًا) يَمقتها بطبيعة الحال. أخبرني بلاتنر أن الإحساس بأنه موجود في هذا العالم دون أن يكون جزءًا منه، إنما هو شعور بشع إلى أقصى حد، وشبَّه مشاعره بمشاعر قطة تراقب فأرًا من وراء زجاج نافذة، وهو تشبيه في محله، فكلما حاول التواصل مع ما حوله من عالم معتم مألوف، وجد حاجزًا غير مرئيٍّ وغير مفهوم يَحُول بينه وبين هذا التواصل، فما كان منه إلا أن وجَّه انتباهه إلى البيئة المجسَّمة حولَه. وجد بلاتنر قارورة الدواء لم تَزل سليمة في يده، وبداخلها بقية المسحوق الأخضر، فوضعها في جيبه، وبدأ يتحسس الأشياء حولَه. بدا له أنه كان يجلس فوق جلمود صخر تكسوه طحالب رخوة ملساء، لكنه كان عاجزًا عن تبين ملامح البلدة الحالكة حوله؛ إذ كان طيف قاعة الدراسة الباهت الضبابي يحجبها عن ناظرَيْه، لكنَّ شعورًا داخله (لعله بسبب الريح الباردة) كان يُنبئه بأنه بالقرب من قمة تل، وأن واديًا شديد الانحدار يمتد أسفلَ قدميه. التفت بلاتنر إلى الوميض الأخضر الممتد على طول حافَّة السماء، وأحس أن نطاقه يتسع وقوته تشتد، فنهض من فوره فاركًا عينيه.

يبدو أنه خطا بضع خطوات، نازلًا من التل الشديد الانحدار، ثم تعثر، وكاد يسقط، فجلس ثانية فوق صخرة ذات نتوء لمشاهدة بزوغ النور. أدرك بلاتنر أن العالم من حوله في حالة سكون مطبِق، وكان السكون يُضاهي في شدته حُلْكة الظلام، ورغم وجود ريح باردة تهب عاصفةً على جانب التل، لم يكن ثَمَّ حفيفٌ للعشب ولا أَطِيط لأغصان الأشجار، وكلاهما عادةً ما يصاحب هبوب الريح؛ لذلك فإنه، وإن انعدمت رؤيته، استنبط أن جانب التل الذي يعلوه إنما هو مكان مُقفِر لا تُغطيه سوى الصخور. كان الضوء الأخضر يزداد سطوعًا كل لحظة، وبينما هو كذلك، إذا بلون أحمر قانٍ، لكنه باهت وشفاف، يختلط بسواد السماء فوقَه وبالقفار الصخرية حولَه، دون أن يخفف من وحشة أيٍّ منهما. وبالنظر إلى ما سيلي ذكره، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن تلك الحُمرة ربما كانت تأثيرًا بصريًّا ناجمًا عن تباين الألوان. مر شيء أسودُ مرفرفًا في لمح البصر عبر اللون الأخضر الشاحب الضارب إلى الصُّفرة الذي تتشح به السماء الدنيا، وبعدها اخترق ذلك السكون صوتُ جرس رفيع وحاد انبعث من الوهدة السوداء أسفله. اشتد الضوء المنبعث، واشتد معه ترقب موحِش قابض للنفس.

لعل ساعة أو يزيد انقضت وهو جالس هناك، وكل لحظة تمر يزداد معها الضوء الأخضر الغريب سطوعًا، وكان مداه يتسع ببطء، مادًّا أشعة وهاجة نحو أعالي السماء. مع تصاعد شدة الضوء، صارت الرؤية الطيفية لعالمنا أضعف نسبيًّا أو مطلقًا، وربما كليهما معًا، فلا بد أن الوقت في ذاك العالم الغريب كان مقاربًا لوقت الغروب في عالمنا الأرضي. رأى بلاتنر، بقدر ما مكنته رؤيته لعالمنا، أنه اجتاز، بخطواته القليلة المنحدرة من أعلى التل، الطابق الذي توجد فيه قاعة الدراسة، وبدا له أنه جالس الآن في الهواء داخل قاعة الدراسة الكبرى في الطابق السفلي، وهناك استطاع أن يرى الطلاب المقيمين بوضوح لكنه أقل من وضوح رؤيته للسيد ليدجت. كان الطلاب منهمكين في أداء واجباتهم المسائية، ولاحظ باهتمام أن العديد منهم كانوا يغشُّون في حل المسائل الهندسية مستعملين قُصاصة للغش، وهو أمر لم يتوقعه مطلقًا حتى رآه بعينيه. بدا مشهد الطلاب يَذوِي ويتلاشى باطِّرادٍ يناظر وتيرةَ تنامي ضوء ذلك الفجر الأخضر.

صوَّب بلاتنر بصره إلى الوادي فرأى الضوء أوغل في زحفه أسفلَ جوانبه الصخرية، وأن السواد الحالك الذي يكتنف الهُوَّة يقطعه الآنَ وهَج أخضر ضئيل، يُشبه ذلك المنبعث من يراعة، وفجأة سطع طرَفُ جِرْم سماويٍّ هائل ذي لون أخضر وهَّاج فوق التضاريس البازلتية المتموجة للتلال البعيدة، وبزغت كُتلها الرهيبة حولَه مقفرةً موحشة في أطياف سوداء مائلة إلى الحُمرة، تتراوح خلفَها درجات اللون الأخضر بين داكن وفاتح. ثم ميَّز بلاتنر عددًا هائلًا من الأجسام الكُرَوية وهي تنجرف كأكوام زغب الشوك فوق الآكام، ولكن جميعها كان على الجهة المقابلة من الوادي السحيق. تسارع رنين الجرس أسفلَ منه أكثر فأكثر، وفيه شيء من الإصرار الملح، تصحبه أضواء عدة تتحرك من مكان إلى آخر، أما مشهد الفتية العاكفين على واجباتهم فقد خَفَتَ الآنَ حتى كاد يغيب عن ناظرَيْه.

إن أُفول عالمنا بشروق شمس ذلك الكون الآخر ذات الوهج الأخضر إنما هي نقطة غامضة يشدد بلاتنر عليها. من الصعب التحركُ والانتقال في ليلِ العالم الآخَر نتيجة الإشراق والبهاء الذي تبدو عليه أشياءُ هذا العالم، لكن لو كان الأمر كذلك، فمن العسيرِ تفسيرُ أننا لا نرى لمحة من العالم الآخَر ونحن في هذا العالم. لعل ذلك مرجعه إلى إضاءة عالمنا الزاهية نسبيًّا. حين يصف بلاتنر ظهيرة العالم الآخَر يذكر أنها لا تضاهِي في أشد أوقات وضاءتها تألُّقَ عالمنا في ليلة التمام، أما ليلها فحالك السواد؛ ومِن ثَمَّ فإن أقل ضوء، ولو في غرفة عادية مظلمة، كافٍ لحجْب أشياءِ العالم الآخَر عن أنظارنا، قياسًا على أن الفسفور الخافت لا يُرى إلا في أحلك الظلمات. حاولت، منذ أن قصَّ عليَّ بلاتنر حكايته، أن أرى شيئًا من العالم الآخَر بالجلوس لوقت طويل في غرفة التحميض ليلًا، وقد بدت لي بالفعل أشكال مبهمة لمنحدرات وصخور مائلة إلى الخضرة، لكن عليَّ أن أعترفَ أنها كانت غير واضحة وضبابية للغاية، ولعل القارئ يفلح أكثر مني في رؤيتها. أخبرني بلاتنر أنه رأى منذ عودته، في صَحوِه ومنامه، مشاهدَ ميَّز خلالَها أماكنَ في العالم الآخَر، لكن ذلك غالبًا ما يكون بسبب ذكرياته عن تلك المشاهد. من المرجَّح تمامًا أن ينجحَ أصحابُ البصر الحادِّ للغاية أن يلمحوا أحيانًا مشاهدَ من هذا العالم الآخَر الغريب حولَنا.

لكن هذا استطراد يَحِيد بنا عن صُلب الموضوع، فمع بُزوغ الشمس الخضراء، بدا أمامَه طريقٌ طويل من المباني السوداء في الوادي، لكنه كان معتِمًا وباهتًا؛ فأقدم بلاتنر، بعد تردد، على نزول الجُرف شديد الانحدار، الذي يؤدي إلى تلك المباني. كان الجُرف طويلًا، ونزوله شاقًّا إلى أقصى حد، ليس فقط بسبب انحداره الحادِّ بل أيضًا لعدم ثبات الكتل الصخرية التي تغطي كامل سطح التل. بدا نزوله الصاخب — كانت النيران تشتعل في عقبَيْه بين الحين والآخَر لاحتكاكهما بالصخور — كأنه مصدر الصوت الوحيد في هذا الكون، وذلك بعدما توقف الجرس عن الرنين. مع دنوِّه من تلك الصروح المتعددة، أدرك أن ثمَّ تشابهًا فريدًا بينها وبين المقابر والأضرحة والشواهد، ولا يفرقها عنها إلا أنها كانت جميعها سوداء بينما أغلب القبور تتميز بلونها الأبيض. ثم رأى عددًا من الأشكال الباهتة المستديرة ذات اللون الأخضر الفاتح وهي تتدفق خارجةً من أكبر تلك الصروح، تمامًا كما ينتشر المصلُّون خارجين من كنيسة. تفرقت تلك الأشكال في عدة اتجاهات حولَ الطريق الفسيح، فسلك بعضها الأزقَّة الجانبية وعاود الظهور من جديد فوق منحدر التل، بينما دخلت أشكالٌ أخرى بعضًا من المباني السوداء الصغيرة التي تصطفُّ على جانبَيِ الطريق.

لما رأى بلاتنر تلك الأشياء تنجرف إلى أعلى متجهة نحوه توقف محدقًا. لم تكن تمشي، فقد كانت بلا أطراف في الواقع، وكان لها ما يشبه الرءوس البشرية، تتمايل أسفلَ منها أجسادٌ تشبه أفراخ الضفادع. وقف بلاتنر في غاية الذهول أمام هيئتها الغريبة، المفرطة في الغرابة في الحقيقة، حتى إن ذهوله غلب خوفه فلم يفزع منها حقًّا. اندفعت تلك الأشكال ناحيتَه، مدفوعة بالرياح الباردة التي كانت تهبُّ أعلى التل، مثلها في ذلك كفُقاعات الصابون يحملها تيار الهواء، وحين تطلَّع إلى أقرب تلك الأشكال المتجهة نحوَه، تبيَّن أن لها بالفعل رأسًا بشريًّا، لكنْ بعينين أكبر من المعتاد، وتكسوه ملامح البؤس والهمِّ كما لم يعهدْها في أيِّ وجه آدميٍّ من قبل. اندهش بلاتنر حين رآه لم يلتفت ليمعن النظر إليه، بل بدا أنه يراقب شيئًا ما متحركًا لكنه غير مرئي، ويتبعه. وقف بلاتنر مشدوهًا لوهلة، ثم خطر له أن هذا المخلوق ربما يراقب بعينيه الهائلتين شيئًا ما يحدث في العالم الذي غادره لتوِّه. دنا المخلوق منه أكثر فأكثر، فألجمت الدهشةُ لسانه فعجز عن الصراخ، وإذا بهذا المخلوق يُصدر صوت حكٍّ ضعيف وهو يدنو منه ثم ضرب وجهه ضربة خفيفة — كانت لمسته باردة للغاية — ثم اجتازه صاعدًا إلى قمة التل.

خطر فجأة على بال بلاتنر اعتقادٌ غريب بأن لهذا الرأس شبهًا قويًّا برأس ليدجت، ثم وجه انتباهه إلى الرءوس الأخرى التي كانت تتحرك في حشود كثيفة نحو جانب التل. لم يُبدِ أيٌّ من تلك الوجوه أدنى إشارة على إدراكه لوجوده أو تعرُّفه عليه، بَيْد أن رأسًا أو اثنين اقتربا من رأسه، وكادا يفعلان به مثلما فعل الرأس الأول، لكنه انتفض متنحيًا عن طريقهما. لمح بلاتنر على أغلب تلك الوجوه سيماء التحسر العقيم التي رآها على الوجه الأول، وسمع منها الأصوات الخافتة ذاتها الموحية بالبؤس والشقاء. كان أحد تلك الوجوه — أو ربما اثنان — يبكي، وآخر يتدحرج بسرعة صاعدًا التل وعليه ملامح غضب شيطاني، لكنَّ وجوهًا أخرى كانت تخلو من أيِّ انفعال، وعديد منها كان في عينيها نظراتُ مَن بلغ مُبتغاهُ ونال غايته، ووجه واحد على الأقل تشير ملامحه إلى الانتشاء والاغتباط. لا يذكر بلاتنر أنه ميَّز أيَّ تشابهات أخرى في تلك الوجوه التي رآها آنَذاك.

ربما مضت ساعات عديدة على بلاتنر وهو يراقب تلك المخلوقات الغريبة وهي تتفرق فوق التلال، لكن لم يلبث أنِ استأنف هبوطه من التل بمجرد توقفها عن الانطلاق خارجة من المباني السوداء المحتشدة في الوادي. اشتدت الظلمة حولَه إلى الحد الذي وجد معه صعوبة في تَبيُّن موطئ قدمه، بينما استضاءت السماء فوقَه بلون أخضر فاتح برَّاق. لم يساوره حينها جوع ولا عطش، لكنه لما شعر بهما لاحقًا، وجد جدولَ ماء بارد يجري متدفقًا عند مركز الوادي، ولما بلغ منه الجوع مَبلغه تذوَّق تلك الطحالب الغريبة الموجودة فوق الصخور ووجدها صالحة للأكل.

مضى بلاتنر يتلمَّس طريقه وسط المقابر المصطفَّة في الوادي، في بحث هائم عن دليلٍ ما يفسر تلك الأشياء غير المفهومة. وصل بلاتنر بعد وقت طويل إلى مدخل المبنى الكبير الذي يشبه الضريح، والذي كانت الرءوس الغريبة تنبثق منه، وبداخله رأى حشدًا من الأضواء الخضراء تتوهج فوق ما يشبه مَذبحًا من البازلت، وفي وسط المكان يتدلى من برج أجراس بالأعلى حبل من الحبال التي تُربَط بالأجراس لقرعها، وعلى الحائط تَرسم النيرانُ رموزًا وخطوطًا لا علم له بها. بينما يقف بلاتنر مذهولًا أمام دلالة تلك الأشياء، نمى إلى سمْعه وقعٌ يخفت لأقدام ثقيلة يتردد صداها بعيدًا عبر الطريق، فركض خارجًا نحو الظلام ثانيةً لكنه لم يستطع رؤية شيء، فراودته نفسه لجذب حبل الجرس، ثم قرر أخيرًا تعقب وقع الأقدام، ورغم ركضه لمسافة بعيدة، لم يُفلح قطُّ في اللحاق بها، كما أن صياحه ضاع عبثًا. بدا له أن الوادي يمتد إلى ما لا نهاية. وكان مظلمًا على طول امتداده، تضاهي حُلكته ظلمةَ ليلٍ أرضيٍّ لا يُضيئه سوى النجوم، بينما يربض على طول الحافَة العليا من أجرافه ذلك النهار الأخضر المروع، ولم يعد بالأسفل أيٌّ من الرءوس الهائمة، فقد بدت جميعها منشغلة تمامًا على امتداد المنحدرات العليا، وحين رفع بصره رآها تَهِيم هنا وهناك، وكان بعضها يحلِّق في مكانه، بينما لمح رءوسًا أخرى تطير مندفعةً عبر الأثير. وأخبرني بلاتنر أن الأخيرة ذكَّرتْه ﺑ «نُدَف الثلج الكبيرة»، وكانت تتميز دون غيرها بلونَيْها الأسود والأخضر الفاتح.

يذكر بلاتنر أنه أمضى وقته في تعقب تلك الخطوات الراسخة التي لا تَحِيد عن مَسعاها دون أن يدركَها قطُّ، وتلمُّسِ الطريق مستكشفًا بِقاعًا جديدة في ذلك الحاجز الصخري اللعين الذي لا تبدو له نهاية، وتسلُّقِ تلك المرتفعات القاسية صعودًا وهبوطًا، والتجولِ هائمًا بين ذُراها، وتأمُّل تلك الوجوه الهائمة. وكان ذلك الجزء الأكبر من أيامه السبعة أو الثمانية التي أمضاها في ذلك العالم، فهو لم يُحصِ بدقة أيامه هناك. رغم أنه اكتشف مرةً أو مرتين أعينًا تراقبه، فإنه لم يخاطب أيَّ كائن حيٍّ طوالَ تلك المدة. كان معتادًا على النوم وسط الصخور الرابضة عند جانب التل. لم تكن الأشياء الأرضية باديةً للعين في ذلك الوادي؛ لأنه، من المنظور الأرضي، في أعماق سحيقة تحت سطح الأرض، لكن ما إن بزغ النهار الأرضي، حتى صار العالم مرئيًّا بالنسبة إليه فوق المرتفعات. وجد بلاتنر نفسه أحيانًا يصطدم متعثرًا بالصخور ذات اللون الأخضر الداكن، أو يوشك أن يَهوي من فوق شَفا جُرف هارٍ، بينما كانت الأغصان الخضراء التي تميز أزقة ساسيكسفيل تتمايل حولَه من كل ناحية، أو بدا له مجددًا أنه يسير عبر شوارع ساسيكسفيل، أو يراقب خِفيةً الشئون الداخلية الخاصة ببعض العائلات. ثم كانت المفاجأة: اكتشف بلاتنر أن كل إنسان تقريبًا في عالمنا ترتبط به بعضٌ من تلك الرءوس الهائمة؛ أي إن كل شخص في العالم تراقبه تلك الأرواح البائسة بين الفَيْنة والأخرى.

إذن مَن هؤلاء — مراقبو الأحياء؟ لم يعلم بلاتنر الجواب قطُّ، بَيْد أن اثنين منهم سُرعان ما وجداه وعكفا على ملاحقته، وكانا يُشبهان والده ووالدته حسبما يذكرهما في طفولته، وثَمَّ وجوه أخرى تحوِّل عيونها إليه، مراقبةً إياه بين الحين والآخر؛ عيون تشبه عيون موتى مارسُوا تأثيرًا عليه، أو سببوا أذًى له، أو أسدَوْا إليه عونًا في صباهُ ورجولتِه، وكان يغمره شعور غريب بالمسئولية متى نظروا إليه. غامر بلاتنر وتحدث إلى والدته، لكنها لم تُحِر جوابًا. تطلعت إلى عينيه بنظرات ثابتة تفيض حزنًا وعطفًا، وبدت كأنها تشي بقليل من العتاب أيضًا.

لم يكن من بلاتنر إلا أنْ سرد هذه القصة، لكنه لم يسعَ إلى تفسيرها. ليس أمامَنا إلا أن نخمِّن ماهية هؤلاء المراقبين، أو سرَّ مراقبتهم الدءوبة عن كَثَب لعالمٍ غادروه إلى الأبد، هذا على افتراض أنهم موتى حقًّا. إن التفسير الذي يبدو مقبولًا لعقلي هو أنه حين ينتهي أجلنا ونفقد كل اختيار للخير أو الشر، ربما لا يزال علينا أن نشهد تبعات ما ألقينا بذوره ونرى مجريات ما بدأنا من أحداث؛ فلو أن الروح البشرية تبقى بعد الممات، فلا شك أن اهتماماتها تبقى كذلك بعد الممات. لكن هذا لا يَعْدو أن يكونَ تخميني الشخصي لمعنَى ما رآه بلاتنر. لم يقدِّم بلاتنر أيَّ تفسيرات؛ لأنه لم يحصل على أيٍّ منها، وهي حقيقة نُهيب بالقارئ أن يتفهمَها بوضوح. مضت الأيام على بلاتنر، يومًا بعد يوم، وهو يَهِيم على وجهه في هذا العالم الأخضر المنعزل عن عالمنا حتى أصابه الدُّوار، وأنهكه التعب، وبلغ منه الوهَن والجوع مبلغهما، لا سيما قُبيل عودته. خلال النهار — أي النهار الأرضي — كانت الرؤية الباهتة التي تحيط به من كل جانب لمشهد ساسيكسفيل القديم المألوف تُشعره بالضيق والضجَر، إذ لم يكن يرى موطئ قدمَيْه، وكان وجهه يتلقى بين الحين والآخر لمسةً باردة من إحدى الأرواح الناظرة. أما بعد حلول الظلام، فكان العدد الهائل من المراقبين المحيطين به واستغراقهم الحثيث في البؤس يُربكان عقله إلى حدٍّ يفوق الوصف. استولت على بلاتنر رغبةٌ جارفة في العودة إلى العالم الأرضي الذي كان شديد القرب لكنه عاجز عن وُلوجه، وقد أنهكه ذلك الشوق حتى استنزف قُواه. كما أن غرابة الأشياء حوله ومخالفتها لطبيعة الأمور على الأرض قد سببت له معاناة ذهنية طاحنة، هذا بخلاف ما سببه له مراقبوه المزعجون من ضيق وقلق يستعصيان على الوصف، فكان يُقدم على الصُّراخ طالبًا منهم الكف عن التحديق فيه أو يَنهرهم أو يركُض فارًّا منهم. بَيْد أنهم لم يبرحوا صامتين مستغرقين في تحليقهم، ومهما ركض فوق الأرض الوعرة، كانوا يلاحقونه حيث توجه.

سمع بلاتنر، قُبيل مساء اليوم التاسع، وقْع الخطوات الخفية وهي تدنو، بعيدًا أسفل الوادي، وكان هائمًا حينَها أعلى القمة الفسيحة للتل ذاتِه الذي شهد سقوطه حين دخل هذا العالم الآخر الغريب أولَ مرة، فاستدار ليجريَ مسرعًا أسفلَ الوادي، متحسسًا سبيله عَجِلًا، وقد اختلبته رؤية شيء يحدث داخل غرفة في شارع خلفي قربَ المدرسة، وقد ميَّز وجهَ الحاضرَيْن في الغرفة دون أن يعرف اسمَيْهما. كانت النوافذ مفتوحة والستائر مرفوعة وشمس الغروب تبعث بأشعتها الوضاءة إلى داخلها؛ لذا بدت الغرفة بجلاء تامٍّ في البداية في شكل مستطيل واضح فوق صفحة الأرض السوداء وسماء الفجر ذات اللون الأخضر الباهت، تمامًا كصورة يعكسها مِصباح العرض على حائط. لم يكن ضوء الشمس هو ما يضيء الغرفة فقط، فقد كانت في الغرفة شمعة مضاءة بالفعل.

كان هناك رجل هزيل راقدٌ في الفراش، ووجهه الأبيض الشاحب يبدو مخيفًا فوق وسادته غير المستوية، وقد رفع يديه المنقبضتين فوق رأسه، وبجانبه منضدة صغيرة تحمل القليل من قوارير الدواء، وبعض الخبز والماء، وقارورة فارغة. كان الرجل الهزيل يفتح شفتيه بين الحين والآخر معبرًا عن كلمة يعجِز عن نطقها، غير أن السيدة لم تلحظ ذلك مطلقًا؛ إذ انهمكت في إخراج مجموعة من الأوراق من مكتب قديم الطراز مستقر في الركن المقابل من الغرفة. كانت الصورة في البداية واضحة للغاية حقًّا، لكن مع بُزوغ ضوء الفجر الأخضر في الخلفية واشتداد وهجه، بهتت الصورة وأصبحت شفافة أكثر فأكثر.

مع اقتراب تلك الخطوات، التي يتردد صداها عاليًا في ذلك العالم الآخر بينما تتقدم في سكون تام في عالمنا هذا، أبصر بلاتنر حولَه عددًا هائلًا من الوجوه الشاحبة تبرز محتشدة من الظلمات مراقبةً هذين الشخصين في الغرفة. لم يسبق لبلاتنر طوال ما مضى من الأيام أن رأى مثل هذا الحشد الهائل من مراقبي الأحياء. كان هناك جمع من هؤلاء المراقبين لا يرصدون سوى الرجل رهين الفراش، بينما يركز جمع آخر على مراقبة السيدة في أسًى لا حدَّ له. كانت السيدة تفتش بعينَيْن تنضحان طمعًا وجشعًا عن شيء لا تجده. اكتظت الوجوه حول بلاتنر، وراحت تمر أمام ناظرَيْه ضاربةً وجهه مرارًا وتكرارًا، وأحاط به من كل جانب ما كانوا يُصدرونه من زفرات التحسر العقيم. لم تتسنَّ له الرؤية بوضوح إلا بين الحين والآخر؛ فقد كانت الصورة أحيانًا ما تهتز في ضبابية عبر حجابٍ نسجته الانعكاسات الخضراء لحركات الوجوه المراقبة. لا بد أن السكون التام كان يخيِّم على الغرفة، ولاحظ بلاتنر أن لهب الشمعة كان يتصاعد مشكِّلًا خطًّا رأسيًّا تمامًا من الدُّخَان. ورغم سكون الغرفة، كان وقع كل خطوة وتردد صداها يَقرع أذنيه كالرعد. والوجوه! ظهر وجهان، قرب وجه السيدة بالأخص: كان أحدهما وجه سيدة أيضًا، وجه أبيض واضح القسمات، قسمات لعلها كانت فيما مضى جامدة قاسية، أما الآن فقد ألانتْها مسحة من الحكمة غريبة عن عالمنا الأرضي. ربما كان الوجه الآخر لوالد السيدة. كان من الواضح أن الوجهَيْن ممعنان في تأمل فعل بدا دنيئًا بغيضًا، لكنه ما عاد بوسعهما الحيلولة دونه ومنعه. ظهرت خلفَهما وجوهٌ أخرى، لعلها لمعلمِين لقَّنوا طلابهم السوء ولأصدقاء لم يؤدوا واجب الصداقة كما ينبغي. حلَّق فوقَ الرجل كمٌّ هائل من الوجوه أيضًا، لكن لم يبدُ أنها لوالديه أو معلميه! وجوه ربما كانت ذات يوم فظة غليظة، لكنها الآن قد تطهرت بالأسى والألم فعادت إلى عافيتها! تقدم ذلك الحشد وجهُ فتاة يافعة، ولم يكن غاضبًا ولا متندمًا، وإنما تعلوه أمارات الصبر والنَّصَب، وخُيِّل إلى بلاتنر أنه ينتظر الخلاص. رغم كل هذه التفاصيل التي ذكرها بلاتنر، لم تسعفه قواه على الوصف عند تذكر كل هذا الحشد الغفير من الملامح الباهتة، فقد تجمعت كل هذه الوجوه عند قرع الجرس، ورآها جميعًا فيما لا يتجاوز الثانية. يبدو أنه، من فرط ما تعرض له من إثارة وانفعال، مد أصابعه المرتبكة، لا إراديًّا، مخرجًا قارورة المسحوق الأخضر من جيبه وحملها أمامه، لكنه لا يتذكر شيئًا من هذا.

وفجأة توقفت الخطوات، فتطلع مترقبًا ما سيحدث تاليًا، لكنه لم يسمع سوى السكون التام، ثم إذا بصوت جرس يقطع السكون المفاجئ وكأنه شفرة حادة دقيقة، وعندها بدأت الوجوه المحتشدة في الترنح جيئة وذهابًا، ولم يطغَ على قرع الجرس سوى صوت نحيبٍ تعالَى حوله من كل ناحية. لم تسمع السيدة كل ذلك؛ فقد كانت منشغلة الآن بحرق شيء في لهيب الشمعة. ثم دوَّى الجرس ثانيةً، فغرق كل شيء في عتمة داكنة، وهبَّت ريحٌ صَرْصر كالزَّمهرير، عصفت بذلك الحشد من الوجوه المراقبة التي راحت تدور حولَه كدوامة من أوراق الربيع الذابلة. ومع قرع الجرس للمرة الثالثة، امتد شيء عبر الوجوه وصولًا إلى الفراش. لا بد أنك سمعت من قبل عما يُسمى شعاع الضوء، أما هذا فكان أشبه بشعاع الظلام، ولما تطلع إليه بلاتنر مجددًا رأى أن هذا الشعاع في الواقع كان ذراعًا معتمة غامضة تبرز في نهايتها كف.

علت الشمس الآن فوق القفار السوداء الممتدة على طول الأفق، وأصبح منظر الغرفة باهتًا وخافتًا للغاية. استطاع بلاتنر أن يلمح غطاء الفراش وهو يضطرب وينتفض، وأن السيدة قد أجفلت حين التفتت إليه ناظرةً.

ارتفع ذلك الحشد من مراقبي الأحياء عاليًا مثل سحابة من الغبار الأخضر تسوقها الرياح، وسرى بعدَها في خفة منحدرًا نحو ذلك المعبد القائم في الوادي. ثم أدرك بلاتنر فجأة دلالة الذراع السوداء الغامضة التي امتدت فوق كتفه منتزعةً فريستها. لم يجرؤ بلاتنر على الالتفات برأسه ليرى ذلك الظل الرابض وراءَ الذراع، بل أطلق ساقَيْه للريح، مغطيًا عينيه، وباذلًا جهدًا جهيدًا في العدْو، وبعد أن ركض لمسافة عشرين مترًا تقريبًا انزلق فوق كتلة صخرية، وسقط إلى الأمام على يديه، وتهشمت القارورة وانفجرت ما إن لامس الأرض.

وفي لحظة وجد بلاتنر نفسه جالسًا، مذهولًا نازفًا، وجهًا لوجه أمام ليدجت في الحديقة القديمة المسوَّرة الكائنة خلف المدرسة.

إلى هنا تنتهي قصة ما شهده بلاتنر. لقد جاهدت، بنجاح حسبما أعتقد، ميلي الفطري كأديب إلى تنميق مثل هذه الأحداث وتجميلها؛ فقد بذلت جهدي لنقل القصة بنفس الترتيب الذي رواه بلاتنر، وحرصت على تفادي أيِّ محاولة لإحداث تغيير في أسلوب القصة أو وقعها أو بنائها. لم يكن من العسير، مثلًا، أن أحوِّل مشهد وفاة الرجل على فراشه إلى ما يشبه الحبكة الروائية يكون لبلاتنر دور فيها. لكن بعيدًا عن ذلك الادعاء المردود بتزييف أحداث أغرب قصة حقيقية، فإن أيًّا من تلك الوسائل المبتذَلة كانت ستُفسد، في رأيي، ما لهذا العالم المظلم من وقع غريب على القارئ، وذلك بأضوائه الخضراء الباهتة ووجوهه المراقبة الهائمة، التي لا نراها ولا يمكننا التواصل معها، لكنها تحيط بنا جميعًا من كل جانب.

تبقى ملحوظة واحدة يجدر بي أن أضيفَها، ألا وهي أن حالة وفاةٍ وقعت بالفعل في فينسنت تراس، خلف حديقة المدرسة تمامًا، وبحسب ما يمكن إثباته، وقعت الوفاة في ذات اللحظة التي عاد فيها بلاتنر. كان المتوفَّى يعمل محصِّلًا لأقساط التأمين ووكيلًا تأمينيًّا، أما أرملته، التي تصغره كثيرًا، فقد تزوجت الشهر الماضي من رجلٍ يُدعى السيد ويمبر، وهو طبيب بيطري من أولبيدنج. نظرًا لتردد هذا القسم من القصة على الألسنة في ساسيكسفيل بأكثر من شكل، فقد وافقت أرملة المتوفَّى على إيرادي لاسمها، شريطة أن أُعلن صراحةً رفضها الباتَّ لكل ما ذكره بلاتنر بشأن لحظات زوجها الأخيرة؛ فقد أنكرت حرقها لأي وصية، رغم أن بلاتنر لم يتهمْها قطُّ بارتكاب مثل هذا الفعل؛ لم يكتب زوجها سوى وصية واحدة عقب زواجهما مباشرةً. لا شك أن وصف بلاتنر لأثاث غرفة المتوفَّى يبلغ من الدقة حدًّا يثير الاستغراب، لا سيما أنه لم يسبق له من قبلُ أنْ رأى الغرفة.

ثَمة نقطة أخرى لا بد من التشديد عليها خشية أن أبدوَ مؤيدًا للأفكار الخرافية الساذجة، حتى إن عرَّضني ذلك للوقوع في التكرار الممل. أعتقد أن غياب بلاتنر عن عالمنا على مدار تسعة أيام أمر ثابت بالأدلة، غير أن هذا لا يُثبت صحة قصته، فمن المحتمل تمامًا تعرُّض المرء للهلاوس حتى وهو خارج الوجود ثلاثي الأبعاد. يتعين على القارئ أن يضعَ مثل هذه الملاحظة، على الأقل، نُصب عينيه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠