معضلة الزنزانة رقم ١٣

استحوذ أوجستوس إس إف إكس فان دوسين، على مدار حياة مِهنية علمية رائعة، على أغلب ما تبقَّى من حروفٍ أبجدية بعد الحروف التي شَمِلها اسمُه، وصارت هذه الاختصارات والألقاب، التي حصل عليها عن جدارة، جزءًا لا يتجزَّأ من اسمه. وبهذه الصورة فقد صار اسمه، بكل الاختصارات التي تسبقه، اسمًا مَهيبًا فخيمًا؛ إذ كان يسبق اسمه حرف د؛ إشارةً إلى درجة الدكتوراه التي يحملها، وكذلك د. ق؛ إشارة إلى الدكتوراه في القانون، وكذلك الحروف ز. ج. م، زمالة الجمعية الملكية، علاوة على الاختصار ط. ب، طبيب بشري، والاختصار ط. س، طبيب أسنان. كما حصَل على ألقاب أخرى — لم يكن هو نفسُه يَستطيع التلفظَ بها — بفضل الاعتراف بقدراته من جانب عدة مؤسسات تعليمية وعلمية أجنبية.

لم يكن مظهرُه يَقلُّ لفتًا للنظر عن مجموعة الألقاب الملحَقة باسمه. كان نحيلًا واهنًا كتلميذ، وله كَتِفان نحيلان ووجهٌ نظيف حليق، يَكسوه شحوبُ مَن اعتاد الحياة في مكان مغلق ويُكثِر الجلوس. كانت عيناه تَضيقان في نظرةٍ تدلُّ على حدة الإدراك والصرامة — تَضيقان كما يَليق برجل يدرس الأشياء الصغيرة الحجم — وحين كان تبيُّنهما مُمكنًا من الأساس من وراء عُويناته السميكة، كانتا تَبدُوان أشبهَ بشقَّين أزرقَين دامعَين. لكن كان يعلو عيَنيه أكثرُ ملامح وجهه لفتًا للنظر؛ حاجبان طويلان كثيفان، لهما عرض وارتفاع غير عاديَّين، تُكلِّلهما كتلة ثقيلة من الشعر الأصفر الكثيف. وقد أسهمَت كلُّ هذه الأشياء في منحه شخصية غريبة، تكاد تكون منفِّرة.

كان للبروفيسور فان دوسين أصول ألمانية بعيدة. وعلى مدار أجيال كان أسلافه لهم صيت ذائع في العلوم المختلفة، وكان هو النتيجةَ المنطقية لذلك؛ العقل المدبِّر. أولًا وقبل كل شيء، كان عالِمًا بالمنطق، وقد كرَّس ما لا يقل عن خمسة وثلاثين عامًا، من سنوات عمره الخمسين تقريبًا حصريًّا، لإثبات أن اثنَين زائد اثنَين يساوي أربعة على الدوام، إلا في بعض الحالات الاستثنائية التي كانا فيها يُساويان ثلاثة أو خمسة، حسب ما تُمليه الحالة. كان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن كل المقدمات يجب أن تُفضيَ إلى نتائج، وكان قادرًا على تسخير القوة العقلية المركَّزة لأجداده في حل أي مشكلة. وبالمناسبة، ربما نذكر على نحوٍ عارض أن البروفيسور فان دوسين كان يَرتدي قبعة مقاس ٨.

كان العالم أجمع قد سمع، بطريقةٍ ما أو بأخرى، بلقب «آلة التفكير» الذي مُنح للبروفيسور فان دوسين. كان ذلك وصفًا جاذبًا للاهتمام أطلقَته الصحف عليه أثناء إحدى منافَسات لعبة الشطرنج المذهلة، وقد أوضح حينها أنه باستطاعة شخص غريب على اللعبة، بواسطة قوة المنطق الكاسحة، أن يَهزم بطلًا كرَّس حياته كلها لدراسة اللعبة. آلة التفكير! ربما كان هذا الوصفُ هو أدقَّ وصف له مقارنة بكل ألقابه الفخرية الأخرى؛ لأنه قضى أسبوعًا تِلْو الآخر، وشهرًا تِلو الآخر، داخل مختبره المُنعزِل، والذي أطلق منه أفكارًا أدهشَت زملاءه من العلماء وزلزلت العالم أجمع بقوة.

كان آلة التفكير لا يأتيه زائرون إلا نادرًا، وفي المعتاد كان هؤلاء الزائرون رجالًا، ذوي مكانة عِلمية كبيرة، يحلُّون عليه كي يُناقِشوا نقطة معينة، وربما يُقنِعون أنفسهم بها. وقد جاء اثنان من هؤلاء الزوار؛ د. تشارلز رانسوم، وألفريد فيلدنج، ذات ليلة لمناقشةِ نظريةٍ ما ليس من المُهم ذكرها هنا.

وفي أثناء الحوار قال د. رانسوم في تأكيد: «هذا الأمر مُستحيل.»

«لا شيء مُستحيل.» هكذا أعلن آلة التفكير في تأكيد مماثل. كان دائمًا يتحدَّث في صرامة، وأضاف: «العقل سيد كل الأشياء. وحين يُقِر العلم إقرارًا تامًّا بهذه الحقيقة، سيتحقَّق تقدم عظيم.»

سأله د. رانسوم: «وماذا عن المنطاد ذي المحرِّك؟»

قال آلة التفكير في ثقة: «ليس هذا مستحيلًا على الإطلاق. سيُخترَع في وقتٍ ما. كنت لأخترعه بنفسي، لكنَّني مشغول.»

ضحك د. رانسوم في سماحة.

ثم قال: «سمعتُك وأنت تقول أشياء كهذه من قبل، لكنها لا تعني شيئًا. ربما يكون العقل سيد المادة، لكنه لم يجد طريقًا بعدُ لاستخدام نفسه؛ فهناك بعض الأشياء التي لا يمكن أن تظهر إلى الوجود نتيجة التفكير وحده، أو التي لن ترضخ لأي مقدار من التفكير.»

قال آلة التفكير في حزم: «مثل ماذا؟»

فكر د. رانسوم للحظة بينما كان يدخن.

ثم رد قائلًا: «حسنًا، جدران السجن مثلًا. فلا يستطيع أي رجل أن يُخرِج نفسه من زنزانة بفضل التفكير وحده. فإذا كان هذا مُمكنًا لما ظلَّ هناك أي سجناء.»

رد آلة التفكير في حدة: «باستطاعة المرء استخدام ذكائه وبراعته كي يُغادر الزنزانة، الأمر سيان.»

بدا شيءٌ من الاستمتاع على وجه د. رانسوم.

ثم قال بعد لحظة: «لنفترض حالة معيَّنة؛ فكِّر مثلًا في زنزانة محبوس داخلها سجناء محكوم عليهم بالإعدام — رجال قانطون، أذهب الخوفُ صوابهم، سيَنتهزون أي فرصة للهرب — وافترض أنك حبيس زنزانة كهذه. أيُمكنك الهرب؟»

قال آلة التفكير: «بالتأكيد.»

قال السيد فيلدنج، الذي شارك في الحوار للمرة الأولى: «بالطبع ربما تستطيع هدم الزنزانة بالمتفجِّرات؛ لكن إذا كنتَ سجينًا في داخلها فلن يكون هذا بمقدورك.»

قال آلة التفكير: «لن يكون ثمة شيء من هذا النوع. إذا حدث وتعاملتما معي مثلما يُعامَل أي سجين ينتظر الإعدام، فسأغادر الزنزانة.»

قال د. رانسوم: «لن تستطيع ذلك إلا إذا دخلتَها وأنت تمتلك الأدوات التي تُتيح لك الهرب منها.»

بدا الضيق واضحًا على آلة التفكير، واتسعَت عيناه الزرقاوان.

«احبِسوني في زنزانة في أي سجن، في أي مكان، في أي وقت، وأنا لا أرتدي إلا ما هو ضروري، وسأَهرُب في غضون أسبوع.» هكذا رد البروفيسور بحدة. اعتدل د. رانسوم في جلسته وقد بدا عليه الاهتمام، وأشعل السيد فيلدنج سيجارًا جديدًا.

سأله د. رانسوم: «أتعني أن بمقدورك إخراجَ نفسك بقوة التفكير وحَسْب؟»

جاءه الرد: «سأخرج.»

«أأنت جاد؟»

«بالتأكيد أنا جاد.»

صمت د. رانسوم والسيد فيلدنج لوقت طويل.

وفي النهاية تساءل السيد فيلدنج: «أأنت مُستعدٌّ لخوض هذه التجرِبة؟»

«بالتأكيد.» هكذا رد البروفيسور فان دوسين، وأضاف وصوتُه يشوبه شيء من السخرية: «لقد فعلت أشياءَ أشد حماقة من ذلك؛ كي أقنع رجالًا آخرين بحقائقَ أقلَّ شأنًا.»

كانت لهجته هجومية، وبدا أن ثمة إحساسًا دفينًا بالغضب لدى كِلا الطرفين. بالطبع كان الأمر سخيفًا، غير أن البروفيسور فان دوسين كرر استعداده للقيام بعملية الهرب، واتفقا على ذلك.

أضاف د. رانسوم: «على أن نبدأ الآن.»

قال آلة التفكير: «أفضِّل أن أبدأ غدًا؛ لأن …»

قال السيد فيلدنج بلهجة جافة: «كلا، بل الآن. أنت رهن الاعتقال، مجازًا بطبيعة الحال، وستُحبَس دون أي إنذار مسبق في زنزانة من دون فرصة التواصُل مع أي من الأصدقاء، وستَحظى هناك بنفس الرعاية والاهتمام الممنوحَين لأي رجل محكوم عليه بالإعدام. أأنتَ مستعدٌّ لهذا؟»

«حسنًا، الآن إذن.» قالها آلة التفكير ثم نهض.

«ما رأيك في زنزانة الإعدام بسجن تشيزم؟»

«إذن هي زنزانة الإعدام بسجن تشيزم.»

«وماذا ستَرتدي؟»

قال آلة التفكير: «أقل ما يُمكن؛ حذاء وجورب، وبنطال وقميص.»

«وستَسمح لهم بتفتيشك، أليس كذلك؟»

قال آلة التفكير: «سأتلقَّى المعاملة عينها التي يتلقَّاها أيُّ سجين. لا مزيد من الاهتمام ولا أقل.»

كانت هناك بعض التحضيرات التي يجب ترتيبها بشأن الحصول على موافَقة على إجراء التجرِبة، لكن كان هؤلاء الرجال ذوي نفوذ، وأُنجِزَ كل شيء على نحوٍ مُرضٍ عبر الهاتف، رغم أن مسئولي السجن، الذين شُرِحَت لهم التجرِبة على أسس علمية بحتة، كانوا مُرتبِكين على نحو يُؤسَف له. سيكون البروفيسور فان دوسين أكثر السجناء المُحتجَزين شهرة وتميزًا.

حين انتهى آلة التفكير من ارتداء الملابس المقرَّر ارتداؤها من أجل الاحتجاز، استدعى المرأة العجوز الضئيلة الحجم التي كانت مُدبِّرة المنزل، والطباخة، والخادمة في الوقت ذاته.

قال لها: «مارثا، الساعة الآن التاسعة وسبع وعشرون دقيقة. سأرحل لبعض الوقت. وبعد أسبوع من الليلة، في تمام التاسعة والنصف، سيأتي هذان السيدان، ربما برفقة رجل آخر أو رجلَين، لتناول العشاء معي هنا. تذكري أن د. رانسوم مغرم بشدة بالخرشوف.»

انتقل الرجال الثلاثة بالسيارة إلى سجن تشيزم، حيث كان مأمورُ السجن بانتظارهم. لم يكن يعلم سوى أن البروفيسور فان دوسين الشهير سيكون سجينًا لديه، وأنه يتعيَّن عليه احتجازه مدة أسبوع واحد، وأنه لم يرتكب أي جريمة، لكن يجب أن يتلقَّى المعاملة عينها التي يتلقاها غيره من السجناء.

قال د. رانسوم: «فتِّشوه.»

خضع آلة التفكير للتفتيش. لم يجدوا شيئًا معه؛ إذ كانت جيوب البنطال خاوية، ولم يكن القميص الأبيض المُنشَّى يضمُّ أي جيوب. أُزيلَ الحذاء والجورب، وجرى تفتيشهما، ثم استُعيضَ عنهما بآخرَين. وحين شاهد د. رانسوم كل هذه التحضيرات، ورأى الضعف البدني الطفولي المثير للشفقة لدى الرجل — الوجه المُمْتقِع واليدان البيضاويَّتان النحيلتان — كاد يشعر بالندم على مشاركته في هذا الأمر.

تساءل: «أأنت واثق من أنك تريد فعل هذا؟»

رد عليه آلة التفكير بسؤال قائلًا: «هل ستَقتنِع لو لم أفعل هذا؟»

«كلا.»

«حسنًا، سأفعله إذن.»

تبدد أي إحساس بالتعاطف راوَد د. رانسوم بفعل هذه النبرة. شعر بالغيظ، وعقد العزم على إكمال التجربة حتى نهايتها؛ إذ ستكون توبيخًا لاذعًا لذلك الغرور.

تساءل: «سيكون من المستحيل أن يتواصَل مع أي شخص بالخارج، أليس كذلك؟»

رد المأمور: «تمامَ الاستحالة. لن يُسمَح له بأدوات كتابة من أي نوع.»

«وماذا عن السجانين، هل سيُوصِّلون الرسائل نيابة عنه؟»

قال المأمور: «ولا كلمة، سواءٌ بطريقة مباشرة أو غير مباشِرة.

يُمكنك أن تطمئن لذلك؛ فسيُبلِغونني بأي شيء قد يقوله أو يمنحهم إياه، أي شيء قد يعطيهم إياه.»

«يبدو هذا مُرضيًا بالكامل.» هكذا قال السيد فيلدنج، الذي كان مهتمًّا بصدق بهذه المسألة.

قال د. رانسوم: «بالطبع لو فشل وطلب حريته، أنت تفهم أنه يتعيَّن عليك أن تُطلِق سراحه، أليس كذلك؟»

رد المأمور: «أفهم هذا.»

وقف آلة التفكير يستمع لما يُقال، ولم يَنبِس ببِنْت شفة إلى أن انتهى الحوار كلُّه، وحينها قال:

«أود أن أطلب ثلاثة طلبات بسيطة. ولكم الحق في قَبولها أو رفضها.»

حذَّره السيد فيلدنج قائلًا: «غير مسموح بأي طلبات خاصة الآن.»

جاءه الرد الجاف: «لا أطلب شيئًا من نوع خاص. فقط أود الحصول على بعضٍ من مسحوق تنظيف الأسنان — اشتروه بأنفسكم كي تتأكَّدوا من أنه مسحوق تنظيف أسنان حقًّا — وأود الحصول على ورقة نقدية فئة خمسة دولارات وأخرى فئة عشرين دولارًا.»

تبادل د. رانسوم والسيد فيلدنج والمأمور نظرات تملؤها الدهشة. ورغم أن طلبه لمسحوق تنظيف أسنان لم يُدهشهم، فإن طلبه المال أدهشَهم كثيرًا.

«أهناك أي شخص يُمكن لصديقنا أن يتصل به ويرشوه بخمسة وعشرين دولارًا؟»

رد المأمور بحسم: «ولا بخمسة وعشرين ألف دولار.»

تساءل د. رانسوم: «وماذا عن الطلب الثالث؟»

«أود أن يُلمَّع حذائي.»

تبادَلوا نظرات الدهشة من جديد. كان هذا الطلب الأخير قمةَ العبث؛ لذا فقد وافَقوا عليه. وبعد إجابة هذه الطلبات كلها، اقْتِيدَ آلة التفكير إلى السجن الذي تعهد بالهروب منه.

«ها هي الزنزانة رقم ١٣.» هكذا قال المأمور وهو يتوقَّف بعد ثلاثة أبواب في الردهة الحديدية. «نحتجز هنا القتَلة المُدانين. لا يستطيع أحدٌ أن يُغادر من دون إذني، ولا يستطيع أحد بالزنزانة التواصل مع الخارج. سأُراهن بسُمعتي على ذلك الأمر. لا يفصل مكتبي عن الزنزانة إلا ثلاثة أبواب، ويُمكنني على الفور أن أسمع أي ضوضاء غير معتادة.»

«أهذا مناسب أيها السيدان؟» هكذا تساءل آلة التفكير، وصوته يحمل نبرة سخرية.

جاءه الرد: «مناسب للغاية.»

انْفتَح الباب الحديدي الثقيل، وتردد صوتُ ركضِ أقدام صغيرة وفِرارها، وتقدم آلة التفكير وغاص في ظلام الزنزانة. بعد ذلك أقفل المأمور الباب، وأغلق قُفلَه المزدوج.

تساءل د. رانسوم عبر القضبان: «ما هذه الضوضاء بالداخل؟»

رد آلة التفكير في إيجاز: «جرذان، العشرات منها.»

وبينما كان الرجال الثلاثة يَبتعدون وهم يتبادَلون تحية المساء، نادى آلة التفكير قائلًا:

«كم الساعة تحديدًا أيها المأمور؟»

رد المأمور: «الحادية عشْرة وسبعَ عشْرةَ دقيقة.»

قال آلة التفكير: «أشكرك. سأنضمُّ إليكما أيها السيدان في مكتبكما في تمام الثامنة والنصف بعد أسبوع من الآن.»

«وماذا لو لم تفعل؟»

«لا يوجد شك في هذا.»

كان سجن تشيزم عبارةً عن مبنًى عظيم الحجم من الجرانيت، ارتفاعه أربعة طوابق، وكانت تُحيط به فَدادينُ من المساحة المفتوحة. كان محاطًا بسور من البناء المصْمَت ارتفاعه ثماني عشرة قدمًا، وكان مصقولًا بشدة من الداخل والخارج؛ بحيث لا يَسمح بوجود موطِئ قدم لأيِّ متسلِّق، مهما كان خبيرًا. فوق السور كان ثَمة سياجٌ من قضبان حديدية ارتفاعه خمس أقدام، وُضع كإجراء احترازي إضافي، وكان كل قضيب منها ينتهي بطرَف حاد. كان السور نفسُه يوصَف بأنه الفاصل النهائي بين الحرية والسجن؛ لأنه حتى لو استطاع السجينُ الهرب من زنزانته، فيبدو من المستحيل عليه أن يجتازَه.

كان فِناء السجن، المحيطُ بمبنى السجن من الجهات الأربع، يبلغ عرضه خمسًا وعشرين قدمًا، وهي المسافة الفاصلة بين المبنى والسور، وكان في النهار بمنزلة ساحةِ تريُّض للسجناء المسموح لهم بالتمتُّع بقدر من الحرية. لكن ليس أولئك الموجودين في الزنزانة رقم ١٣. وفي كل وقت من أوقات النهار كان ثَمة حراسٌ مسلَّحون في الفناء، وعددهم أربعة، وكل واحد منهم يُراقب أحدَ جوانب مبنى السجن.

وفي الليل كان الفناء يُضاء على نحوٍ باهرٍ يُضاهي ضوء النهار؛ فعلى كل جانب من الجوانب الأربعة كان يوجد ضوء قوسي كبير يعلو سور السجن ويمنح الحراس رؤية واضحة. كانت الأضواء كذلك تُضيء في سطوع السياج الحديدي الذي يعلو السور. كانت الأسلاك التي تُغذِّي الأضواء القوسية تمتد على جانب مبنى السجن في مواسير عازلة وتخرج من الطابق العلوي إلى الأعمدة التي تحمل الأضواء القوسية. رأى آلة التفكير كل هذه الأشياء وفهمها، رغم أنه لم يكُن قادرًا إلا على التطلُّع من نافذة الزنزانة ذات القضبان المتقاربة عن طريق الوقوف على فراشه. كان هذا في صباح اليوم التالي على سجنه. وقد عرف، أيضًا، أن النهر موجود في مكانٍ ما بعد السُّور؛ لأنه سمع الضجيج الخافت لقاربٍ بخاري وحين نظر إلى السماء رأى أحد طيور النهر، ومن الاتجاه ذاته تناهى إلى مسامعه صوتُ صِبيةٍ يلعبون والقرقعة العارضة لكرة مضروبة بمضرب، وقد علِم وقتها أن ثمةَ مساحةً مفتوحةً تفصل بين السجن والنهر؛ أي ملعب.

كان سجن تشيزم يُعَد من السجون المَنيعة تمامًا؛ إذ لم ينجح شخص في الهروب منه. وقد كان بمقدور آلة التفكير وهو جالس على فراشه، بعد أن رأى ما رآه، أن يفهم السبب؛ فرغم أن جدران الزنزانة كانت مبنية حسب تقديره منذ عشرين عامًا، فإنها كانت سليمة تمامًا، وكانت قضبان النافذة من الحديد الجديد ولا يوجد عليها أي صدأ، ورغم أن قضبان النافذة كانت موضوعة من الخارج، فإن النافذة نفسها كان من الصعب المرور منها لأنها كانت صغيرة.

ومع ذلك، لم يشعر آلة التفكير بالإحباط لرؤية هذه الأشياء، وبدلًا من ذلك فقد ضيَّق عينَيه ونظر إلى الضوء القوسي الكبير — كان في وضح النهار وقتها — وتتبَّع بعينَيه السلك الذي يمتد بينه وبين المبنى، وقد خمَّن أن السلك الكهربائي من المؤكَّد أنه يمتد إلى الأسفل على جانب المبنى، على مسافةٍ غير بعيدة عن زنزانته. هذا أمر ربما يستحق المعرفة.

كانت الزنزانة رقم ١٣ تقع في الطابق نفسه الذي فيه مكاتب السجن؛ بمعنى أنها لم تكن في القبو ولا في أحد الأدوار العليا. كانت ثمةَ أربع درجات فقط تؤدِّي إلى طابق المكاتب؛ ومن ثَم فمن المؤكَّد أن هذا الطابق لا يعلو عن الأرض إلا ثلاث أقدام أو أربعًا فقط. لم يكُن بمقدوره رؤية الأرض تحت النافذة مباشرة، لكن كان بوسعه أن يراها ممتدةً حتى السور. ستكون مسافة السقوط بين النافذة والأرض آمنة، وهذا أمر جيد.

بعد ذلك أخذ آلة التفكير يتذكر كيف جاء إلى الزنزانة. أولًا، كان هناك كشك الحراسة الخارجي، وهو جزء من السور، كانت ثمةَ بوابتان مصنوعتان من قضبان حديدية، عند هذه البوابة كان ثمةَ حارسٌ متأهِّب على الدوام، وكان يسمح للأشخاص بدخول السجن بعد قدرٍ كبير من صلصلة المفاتيح والأقفال، ثم يُسمح لهم بالخروج حين يؤمَر بذلك. كان مكتب المأمور يقع في مبنى السجن، ولكي يصل المرء إلى ذلك المكتب من فناء السجن كان عليه المرور ببوابة من الصلب المصمَت لا يوجد بها إلا فتحة رؤية وحيدة، ولكي يأتي المرء من هذا المكتب الداخلي إلى الزنزانة رقم ١٣، التي كان آلة التفكير موجودًا بها حينذاك، يتعيَّن عليه أن يمرَّ بباب خشبي ثقيل وبابَين حديديَّين إلى ردهات السجن، وبالطبع يجب أن نضع في الحسبان باب الزنزانة رقم ١٣ ذا القفل المزدوج.

وهكذا، حسب ما يذكر آلة التفكير، فقد كان هناك سبعة أبواب يجب اجتيازها قبل أن يخرج المرء من الزنزانة رقم ١٣ إلى العالم الخارجي ويصير حرًّا، لكن في مُقابِل ذلك كانت هناك حقيقة مُفادها أنه نادرًا ما كان يتعرَّض للمقاطعة؛ فقد كان أحد الحراس يأتي عند باب زنزانته في السادسة صباحًا حاملًا إفطار السجن، ثم يأتي ثانية عند الظهيرة، ومرة ثالثة في السادسة مساءً، وفي التاسعة يأتي من أجل إجراء جولة تفتيش. هذا كل ما في الأمر.

قال آلة التفكير في نفسه مُمتدحًا هذا الأمر: «إن منظومة السجن هذه جيدة التنظيم على نحوٍ يُثير الإعجاب. سيتعين عليَّ دراستها قليلًا بعد خروجي، لم تكن لديَّ فكرةٌ عن أن هذا القدر من الحرص يُمارَس في السجون.»

لم يكن ثمةَ وجودٌ لشيء في زنزانته، أي شيء، باستثناء فِراشه المعدني، الملحومة أجزاؤه جيدًا لدرجة أنه ليس باستطاعةِ أيِّ رجلٍ أن يكسر منه جزءًا إلا باستخدام مِزلجة أو مبرد، ولم يكن لديه أيٌّ منهما، بل لم يكن هناك وجود لكرسي أو طاولة صغيرة أو إناء، لا شيء! كان السجَّان يقف بالخارج ريثما يتناول طعامه، ثم يأخذ منه الطبق والمِلعقة الخشبيَّين اللذَين استخدمهما.

استقرت هذه الأشياء في عقل آلة التفكير واحدًا تلو الآخر، وبعد تدبُّرِ آخر الاحتمالات، شرع في تفحُّص زنزانته، وقد تفحَّص الأحجار والإسمنت الموجود بينها بداية من السقف ونزولًا إلى الجدران الأربعة. دق بقدمه على الأرضية بحرصٍ مرة تلو الأخرى، لكنها كانت أرضية خرسانية مصمَتة تمامًا. وبعد انتهاء الفحص جلس على حافة الفراش الحديدي واستغرق في التفكير لوقت طويل؛ فقد كان البروفيسور أوجستوس إس إف إكس فان دوسين، آلة التفكير، لديه ما يفكِّر فيه.

قاطَعه أحد الجرذان؛ إذ ركض على قدمه، ثم اندفع إلى ركنٍ مُظلِم من أركان الزنزانة، وقد شعر بالذعر، وبعد قليل أخذ آلة التفكير يُحملِق في ثبات في عتمة الركن الذي اختفى فيه الجرذ، واستطاع أن يتبيَّن أعينًا سوداء دقيقة عديدة تحدِّق فيه. أحصى منها ستة أزواج، ومن المرجَّح أنه كان يوجد المزيد، لكنه لم يكن يرى جيدًا.

بعد ذلك لاحَظ آلة التفكير، من مَقعده على الفراش، للمرة الأولى الجزءَ السُّفلي من باب الزنزانة. كانت ثمةَ فتحةٌ عرضُها بوصتان بين الباب الحديدي والأرضية. ظل آلة التفكير ينظر في ثبات إلى الفتحة، ثم تراجَع فجأةً نحو الركن الذي رأى فيه الأعين الدقيقة. سُمِع صوتٌ مرتفع لوقع أقدام صغيرة، وأصوات عدة جرذان مذعورة، ثم ساد الصمت.

لم يخرج أي جرذ من الباب، ومع ذلك فقد خلَت الزنزانة منها. من المؤكَّد إذن أن ثمةَ مخرجًا آخر، مهما كان صغيرًا. جثا آلة التفكير على يدَيه وركبتَيه وشرع في البحث عن البقعة، مُتحسِّسًا المكان المُظلم بأصابعه الطويلة الرفيعة.

وفي النهاية أتى بحثه بثماره؛ إذ عثر على فتحة صغيرة في الأرضية، في نفس مستوى الخرسانة. كانت تامة الاستدارة وأكبر قليلًا في الحجم من الدولار الفضي. كان هذا هو الطريق الذي خرجت منه الجرذان. وضع أصابعه في الفتحة، وبدت له أنها ماسورةُ تصريفٍ غير مُستخدَمة، وكانت جافة ومُغبَرة.

بعد أن شعر بالرضا عن وصوله إلى هذا التفسير، جلس على الفراش مجدَّدًا لمدة ساعة، ثم أجرى عمليةَ فحصٍ ثانية للمكان خارج الزنزانة عبر النافذة الصغيرة. كان أحد الحُراس الخارجيين يقف أمامه مباشرة، إلى جوار السور، وتصادَف أنه كان ينظر نحو نافذة الزنزانة رقم ١٣ حين ظهر رأس آلة التفكير، غير أن العالِم لم يلحظ الحارس.

حلَّ وقت الظهيرة وجاء السجَّان حاملًا الغداء المكوَّن من طعام بسيط إلى درجة منفِّرة. في منزله لم يكن آلة التفكير يتناول أكثر من بضع لُقَيمات يُقِمن صلبه، وفي السجن كان يأكل ما يقدَّم له من دون نقاش، وأحيانًا كان يتحدَّث إلى السجَّان الذي وقف بالخارج يُراقِبه.

سأله: «هل جرَت أي تجديدات هنا في السنوات الأخيرة؟»

رد السجَّان: «لا شيء محدَّد، بُنيَت أسوار جديدة من أربعة أعوام.»

«هل من تغييرات في السجن ذاته؟»

«جرى دهان الأجزاء الخشبية بالخارج، وأعتقد أنه جرى تركيب منظومة صرف صحي جديدة منذ سبعة أعوام تقريبًا.»

قال السجين: «آه! كم يبعد النهر عن هنا؟»

«نحو ثلاثمائة قدم. يوجد ملعَب بيسبول للصِّبية بين السور والنهر.»

لم يكن لدى آلة التفكير شيءٌ إضافي ليقوله حينها، لكن حين كان السجَّان مُتأهبًا للانصراف طلب منه بعض الماء.

وفسَّر قائلًا: «أشعر بعطش شديد هنا. هل سيكون مُمكنًا أن تترك قليلًا من الماء في وعاء من أجلي؟»

رد السجَّان: «سأسأل المأمور.» ثم انصرف.

بعد نصف ساعة عاد حاملًا الماء في وعاء خزفي.

ثم أخبر السجين: «يقول المأمور إنك تستطيع الاحتفاظ بهذا الوعاء، لكن عليك أن تُريه لي متى طلبتُ منك ذلك، وإذا كُسِر فلن تُمنَح وعاءً آخر.»

قال آلة التفكير: «أشكرك، لن أكسره.»

ذهب السجَّان لمباشرة أعماله، ولجزء بسيط من الثانية فحسْب بدا أن آلة التفكير كان يُريد السؤال عن شيء، لكنه أحجم عن ذلك.

بعد ساعتَين سمع ذلك السجَّان ذاته، في أثناء مروره أمام باب الزنزانة رقم ١٣، ضوضاء بالداخل وتوقَّف. كان آلة التفكير جاثيًا على يدَيه وركبتَيه في أحد أركان الزنزانة، ومن الركن ذاته كانت تصدُر عدة صرخات مذعورة. نظر السجَّان بكل اهتمام.

سمع السجين يقول: «آه، أمسكت بك.»

سأله بحدة: «أمسكت بماذا؟»

جاءه الرد: «أحد هذه الجرذان. أترى؟» وبين أصابع العالِم الطويلة رأى السجَّان جرذًا رماديًّا صغيرًا يُناضِل من أجل الإفلات. قرَّبه السجين من الضوء ونظر إليه من كثب.

ثم قال: «إنه جرذ ماء.»

سأله السجَّان: «أليس لديك ما تفعله أفضل من مطاردة الجرذان؟»

رد قائلًا: «من العار أن تكون هذه الجرذان هنا من الأساس. خذ هذا الجرذ واقتله. ثمةَ عشراتٌ في المكان الذي أتت منه.»

أخذ السجَّان الجرذ المُتلوي الذي يُحاوِل التملُّص وألقاه أرضًا بعنف. أطلق الجرذ صرخة واحدة ورقد ساكنًا. في وقتٍ لاحقٍ نقل السجَّان هذا الموقف إلى المأمور، الذي اكتفى بابتسامة، لكن في وقت لاحق من ظهيرة هذا اليوم نظر الحارس الموجود أمام نافذة الزنزانة رقم ١٣ ورأى السجين ينظر منها، ثم رآه يرفع يده نحو القضبان ويُلقي شيئًا أبيض اللون إلى الأرض، تحت نافذة الزنزانة رقم ١٣ مباشرة. كان ذلك قطعةً ملفوفة من الكتان، من الجلي أنها مأخوذة من قميص أبيض، وكان ملفوفًا حولها ورقةٌ نقدية من فئة خمسة دولارات. نظر الحارس إلى الأعلى صوب النافذة مجدَّدًا، لكن وجه السجين كان قد اختفى.

أمسك الحارس اللِّفافة والورقة النقدية بابتسامة عريضة وحملهما إلى مكتب المأمور، وهناك جلسا يَفكَّان شفرةَ ما هو مكتوب عليها بنوع غريب من الحبر، غائمًا في مواضع كثيرة، وعلى الخارج كان مكتوبًا ما يأتي:

«على من يعثر على هذه اللفافة أن يُسلِّمها إلى د. تشارلز رانسوم.»

قال المأمور ضاحكًا: «هكذا إذن، لقد فشلت خطة الهروب رقم واحد.» ثم بعد قدر من التفكير أضاف: «لكن لماذا يُوجِّهها إلى د. رانسوم؟»

سأله الحارس: «ومن أين حصل على القلم والحبر اللذَين كتب بهما؟»

تبادَل المأمور والحارس النظرات؛ فلم يكن ثمةَ حلٌّ واضح لهذا اللغز. درس المأمور الكتابة بحرص، ثم هز رأسه.

«حسنًا، لنرَ ما كان يعتزم قوله للدكتور رانسوم.» هكذا قال بعد قدر من الانتظار، وهو لا يزال يشعر بالحيرة، وفرد الجزء الداخلي من قطعة الكتان.

«حسنًا، لو كان هذا — ماذا — ما رأيك في ذلك؟» هكذا تساءل مُتحيرًا.

نظر الحارس إلى قطعة الكتان وقرأ المكتوب:
Epa cseot d’net niiy awe htto n’si sih. T.

قضى المأمور ساعة وهو يُفكِّر مُتعجبًا في نوعية الشفرة المستخدَمة، ثم نصف ساعة مُفكِّرًا في السبب الذي يدعو السجين إلى محاولة التواصل مع د. رانسوم، الذي كان سبب وجوده هنا من الأساس، وبعد ذلك كرَّس المأمور شيئًا من تفكيره للسؤال المتعلِّق بالمصدر الذي حصل منه السجين على أدوات الكتابة، وعن نوعية مادة الكتابة التي لديه، وإذ كان عازمًا على توضيح هذه النقطة، فقد فحص قطعة الكتان مجدَّدًا. كانت قطعة مقطوعة من قميص أبيض ولها حواف مُنسَّلة.

الآن صار مُمكنًا تفسير قطعة الكتان، لكن الأمر لم يكن كذلك فيما يخص الشيء الذي استخدمه السجين في الكتابة. كان المأمور يعلم أنه سيكون من المستحيل أن يحصل السجين على قلمِ حبرٍ جافٍّ أو قلم رصاص، فضلًا عن أنه لم يُستخدَم قلم حبر جاف أو قلم رصاص في عملية الكتابة هذه. ماذا إذن؟ قرَّر المأمور أن يحقِّق في الأمر بنفسه. كان آلة التفكير سجينه، وكان لديه أوامر تقضي باحتجاز السجناء، وإذا حاوَل هذا السجين الهرب عن طريق إرسال رسالة مشفَّرة إلى شخصٍ ما بالخارج، فسيَمنع هذا، تمامًا كما كان سيمنعه في حالة أي سجين آخر.

عاد المأمور إلى الزنزانة رقم ١٣ ووجد آلة التفكير جاثمًا على يدَيه وركبتَيه على الأرض، مُنهمكًا في العملية المروِّعة المتمثِّلة في الإمساك بالجرذان. سمع السجين وقع خطوات المأمور واستدار نحوه بسرعة.

قال في غضب: «إنه أمر مَشين، تلك الجرذان. هناك عشرات منها.»

قال المأمور: «لقد استطاع رجال آخرون العيش هنا. ها هو قميص آخر من أجلك؛ دعني آخذ ذلك الذي ترتديه.»

«لماذا؟» هكذا تساءل آلة التفكير بسرعة. لم تكن نبرتُه طبيعية، وكان أسلوبه يشي باضطراب حقيقي.

قال المأمور في غلظة: «لقد حاولتَ التواصل مع د. رانسوم، وبصفتك سجيني فمن واجبي أن أمنعك من هذا.»

ظل آلة التفكير صامتًا لبرهة.

ثم قال أخيرًا: «لا بأس. افعل ما يُمليه عليك الواجب.»

ابتسم المأمور ابتسامة عريضة، ونهض السجين من الأرض وخلع قميصه الأبيض، ووضع بدلًا منه قميص المساجين المقلَّم الذي جلبه المأمور له. أمسك المأمور بالقميص في تلهُّف، ثم عمد على الفور إلى مقارنة قطعة الكتان المكتوبةِ عليها الشفرةُ بمواضع ممزَّقة معيَّنة على القميص، بينما أخذ آلة التفكير ينظر في فضول.

سأله: «كان الحارس مَن جلبها لك، أليس كذلك؟»

رد المأمور بنبرة انتصار: «بلى بالتأكيد، وهذا يضع نهاية لمحاولة هربك الأولى.»

شاهد آلة التفكير المأمور وهو يُثبِت، عن طريق المقارنة، وعلى نحوٍ أثار الرضا داخله، أن قطعتَين فقط من الكتان منتزَعتان من القميص الأبيض.

قال المأمور: «أيُّ مادةٍ استخدمتَها في الكتابة؟»

قال آلة التفكير في حدة: «أعتقد أن من واجبك أن تكتشف هذا بنفسك.»

أوشك المأمور على التحدث بكلمات قاسية، غير أنه أمسك لسانه وأجرى تفتيشًا دقيقًا للزنزانة وللسجين بدلًا من ذلك. لم يجد أي شيء على الإطلاق، ولا حتى عود ثقاب أو خلَّة أسنان يُمكِن استخدامها بدلًا من القلم. أحاط غموضٌ مُشابه بالسائل الذي كُتبَت به الرسالة المشفَّرة، ورغم أن المأمور غادر الزنزانة رقم ١٣ والضيقُ بادٍ عليه، فإنه كان يُمسِك بالقميص الممزَّق في انتصار.

«حسنًا، لم تخرج من هنا عن طريق كتابة ملحوظات على قميص، هذا أمر مؤكَّد.» هكذا أخبر نفسه ببعض الرضا عن الذات، ثم وضع قطع الكتان على مكتبه انتظارًا للتطورات، وأضاف: «لو هرب ذلك الرجل من تلك الزنزانة فسأستقيل بحق السماء.»

في اليوم الثالث من الحبس، حاوَل آلة التفكير تقديم رشوة كي يخرج من محبسه. كان السجَّان قد جلب له طعام العشاء وكان يستند إلى الباب ذي القضبان ينتظر انتهاءه من تناوُله، وحينها بدأ آلة التفكير يُحاوِره.

فسأله: «إن مواسير الصرف الخاصة بالسجن تقود إلى النهر، أليس كذلك؟»

قال السجَّان: «بلى.»

«أعتقد أنها صغيرة الحجم.»

رد السجَّان مُبتسمًا: «أصغر من أن يزحف فيها شخصٌ ما، لو كان هذا ما تفكِّر فيه.»

عمَّ الصمت إلى أن انتهى آلة التفكير من وجبته، وبعد ذلك قال:

«أنت تعلم أنني لست مُجرمًا، أليس كذلك؟»

«بلى.»

«وأن من حقي أن أحصل على حريتي لو أنني طلبت هذا؟»

«نعم.»

فقال السجين وهو يُضيِّق عينَيه ويدرس وجه السجَّان: «حسنًا، لقد أتيت إلى هنا وأنا أُومِن أنني أستطيع الهرب. ما رأيك لو حصلتَ على مكافأة مالية لو ساعدتني على الهرب؟»

نظر السجَّان، الذي تصادَف أنه رجل نزيه، إلى الجسد الهزيل الضعيف للسجين، وإلى الرأس الضخم الذي تعلوه كتلة الشعر الأصفر، وشعر بالأسف قليلًا لحاله.

ثم قال أخيرًا: «أعتقد أن مثل هذه السجون لم تُشيَّد بحيث يستطيع أمثالك الهرب منها.»

قال السجين في إلحاح، في لهجةٍ تُقارِب التوسل: «لكن هل لك أن تفكِّر في اقتراح مساعدتي على الهرب؟»

قال السجَّان على نحوٍ مُقتضَب: «كلا.»

قال آلة التفكير مُلحًّا: «خمسمائة دولار. أنا لست مُجرمًا.»

قال السجًّان: «كلا.»

«ألف؟»

قال السجَّان: «كلا.» ثم بدأ يبتعد مُسرعًا كي يهرب من الإغراء، ثم استدار وقال: «حتى لو منحتَني عشرة آلاف دولار فلن أستطيع إخراجك؛ إذ يجب عليك اجتياز سبعة أبواب، وأنا لا أمتلك إلا مفاتيح بابَين فقط.»

وفي وقتٍ لاحقٍ أخبر المأمور بكل ما حدث.

قال المأمور وهو يبتسم ابتسامة عريضة: «فشلت الخطة رقم اثنين. أولًا رسالة مشفَّرة، ثم الرشوة.»

حين كان السجَّان في طريقه إلى الزنزانة رقم ١٣ في السادسة صباحًا، وهو يحمل الطعام مجددًا إلى آلة التفكير، توقَّف قليلًا وقد اندهش لسماع صوت احتكاك؛ احتكاك معدن بمعدن. توقَّف الصوت مع صوت خطواته، وبعد ذلك استأنف السجَّان، الذي كان بعيدًا عن مرمى بصر السجين، خطواته، وبدا صوت الخطوات وكأنها لرجلٍ يبتعد عن الزنزانة رقم ١٣، لكن في حقيقة الأمر كان السجَّان واقفًا في مكانه.

بعد مرور لحظات سمع السجَّان مجدَّدًا صوت الاحتكاك، فتحرَّك بحرص على أطراف أصابعه نحو الباب واختلس النظر عبر القضبان. كان آلة التفكير واقفًا على الفراش الحديدي يُحاوِل التعامل مع قضبان النافذة الصغيرة، وبدا واضحًا من حركة ذراعَيه إلى الأمام وإلى الخلف أنه كان يستخدم مبردًا.

عاوَد السجَّان التحرك في حرص عائدًا إلى المكتب، واستدعى مأمور السجن، ثم عاد الاثنان إلى الزنزانة رقم ١٣ على أطراف أصابعهما. كان صوت الاحتكاك المتواصل لا يزال مسموعًا. استمع المأمور إلى أن اطمأن إلى أنه فهم الموقف جيدًا ثم ظهر بغتة أمام الباب.

ثم قال وثمةَ ابتسامةٌ تعلو وجهه: «حسنًا؟»

نظر آلة التفكير إليه من موضعه على الفراش ثم قفز بغتة إلى الأرض، وهو يبذل جهدًا حثيثًا لإخفاءِ شيءٍ ما. دخل المأمور الزنزانة وهو يمد يده إلى الأمام.

ثم قال: «أعطِني إياه.»

قال السجين في حدة: «كلا.»

قال المأمور في إلحاح: «هيا، أعطِني إياه، لا أريد أن أفتشك مجدَّدًا.»

كرَّر السجين رده: «كلا.»

سأله المأمور: «ما كان هذا؟ مبردًا؟»

صمت آلة التفكير ووقف ينظر مُضيقًا عينَيه إلى المأمور بينما بدا على وجهه شيء من الإحباط بدرجةٍ ما أو بأخرى. ظهر على وجه المأمور قليل من التعاطف.

ثم سأله في هدوء: «لقد فشلت الخطة رقم ثلاثة، هذا أمرٌ مُؤسف، أليس كذلك؟»

لم يردَّ السجين بشيء.

قال المأمور آمرًا: «فتِّشه.»

فتَّش السجَّان السجينَ بحرص، وفي النهاية وجد قطعة من المعدن طولها نحو بوصتَين مخبَّأة بمهارة داخل نطاق البنطال، وكان أحد جانبَيها مُنحنيًّا على شكل هلال.

قال المأمور وهو يأخذها من السجَّان: «عجبًا! من كعب حذاءك!» ثم ابتسم في سرور.

واصل السجَّان عملية التفتيش وعثر في الجانب الآخر من نطاق البنطال على قطعة معدنية أخرى مُماثلة للأولى، وكان واضحًا من حوافِّها أنها قد تآكلت بفعل احتكاكها بقضبان النافذة.

قال المأمور: «لا يُمكِنك أن تقطع القضبان بهاتَين القطعتَين.»

قال آلة التفكير في حزم: «كنت سأتمكَّن من هذا.»

قال المأمور في دماثة: «ربما كنت ستَستغرِق ستة أشهر.»

ثم هز المأمور رأسه ببطء بينما كان ينظر إلى الوجه المحمرِّ قليلًا لسجينه.

ثم سأله: «أأنت مُستعِد للاستسلام؟»

جاءه الرد الفوري: «أنا لم أبدأ بعد.»

بعد ذلك أُجرِيت عملية تفتيش شاملة للزنزانة؛ فشرع الرجلان في تفتيشها بحرص، وفي النهاية قلبوا الفِراش رأسًا على عقب وفتَّشاه. لم يعثرا على شيء. صعد المأمور نفسه على الفِراش وفحص قضبان النافذة التي كان يَبرُدها السجين، وحين نظر إليها كان مسرورًا.

«لقد جعلتَها أكثر لمعانًا قليلًا فحسب عن طريق حكِّها بشدة.» هكذا قال للسجين الذي بدا عليه الخجل قليلًا. أمسك المأمور بالقضبان الحديدية بيدَيه القويتَين وحاوَل هزَّها؛ كانت القضبان راسخةً تمام الرسوخ داخل الجرانيت الصلب، ثم تفحَّص كل واحد منها على حِدَة ووجدها جميعًا مُرضِية، وفي النهاية نزل من على الفراش.

ثم قال ناصحًا: «استسلِم أيها البروفيسور.»

هز آلة التفكير رأسه نفيًا وغادر المأمور والسجَّان الزنزانة مجدَّدًا، وبينما كانا يجتازان الرَّدهة جلس آلة التفكير على حافة الفراش واضعًا رأسه بين يدَيه.

قال السجَّان: «سيكون مجنونًا لو حاوَل الهروب من تلك الزنزانة.»

قال المأمور: «بالطبع لن يستطيع الخروج، لكنه رجل بارع، وأودُّ أن أعرف ما تعنيه هذه الشفرة.»

في الرابعة من صباح اليوم التالي دوَّت صرخة رعب مُريعة تُزلزِل القلوب في أرجاء السجن الكبير، كانت صادرة من إحدى الزنازين، على مقربة من وسط السجن، وكانت تشي بالرعب والكرب والخوف العظيم. سمع المأمور الصرخة وركض في رفقة ثلاثة من رجاله في الردهة المُفضِية إلى الزنزانة رقم ١٣.

وبينما كانوا يركضون دوَّت الصرخة مجدَّدًا، وانتهت على نحوٍ يُشبِه العويل. ظهرت الأوجه الشاحبة للمساجين عند أبواب الزنازين بالأدوار العلوية وهي تحدِّق إلى الأسفل في تعجُّب وخوف.

دمدم المأمور قائلًا: «إنه ذلك الأحمق بالزنزانة رقم ١٣.»

ثم توقَّف وأخذ يحدِّق بينما أضاء أحد السجانين مصباحًا. كان «ذلك الأحمق بالزنزانة رقم ١٣» راقدًا بأريحية على فراشه، مُستلقيًا على ظهره فاغرًا فاه، وهو يُشخِّر، وبينما كانوا ينظرون دوَّت الصرخة مجدَّدًا، من موضعٍ ما بالأعلى. شحب وجه المأمور قليلًا بينما بدأ يصعد الدرَج، وفي الطابق العلوي بالزنزانة رقم ٤٣، الواقعة فوق الزنزانة رقم ١٣ مباشرة لكنها تعلوها بطابقَين، وجد رجلًا يجثم مُرتعدًا في ركن الزنزانة.

قال المأمور بلهجةٍ آمِرة: «ما الخَطب؟»

«حمدًا لله أنك أتيت.» هكذا قال السجين، ثم ألقى نفسه نحو قضبان زنزانته.

قال المأمور بلهجةٍ آمِرة: «ما خَطبك؟»

ثم فتح الباب ودلف إلى الداخل. جثا السجين على ركبتَيه وتعلَّق بجسد المأمور. كان وجهه شاحبًا من الرعب، وعيناه مُنتفختان بشدة، وكان يرتعد، وأمسكت يداه الباردتان بيدَي المأمور في قوة.

قال مُتوسلًا: «أخرِجوني من هذه الزنزانة، أخرجوني.»

قال المأمور بنفادِ صبر: «ما خَطبك على أي حال؟»

قال السجين: «لقد سمعتُ شيئًا … شيئًا.» وأخذت عيناه تجولان في عصبية في أرجاء الزنزانة.

«ماذا سمعت؟»

تمتم السجين: «لا يُمكِنني إخبارك.» ثم أردف في هبَّةِ ذعرٍ مفاجئة: «أخرِجوني من هذه الزنزانة؛ ضعوني في أي مكان، أخرجوني من هنا.»

تبادَل المأمور ورجاله الثلاثة النظر.

تساءل المأمور: «من هذا الشخص؟ ما هي تهمته؟»

قال أحد السجَّانين: «جوزيف بالارد. إنه مُتهَم بإلقاء ماء النار على وجه امرأة، وقد لقيَت حتفها نتيجة لهذا.»

قال السجين وهو يلهث: «لكن ليس باستطاعتهم إثبات ذلك، ليس باستطاعتهم إثبات ذلك، ضعوني أرجوكم في زنزانة أخرى.»

لم يزَل مُتشبثًا بالمأمور، فأبعد المأمور يدَيه عنه في غلظة، ثم توقَّف لبعض الوقت ينظر إلى البائس المُرتعِد، الذي بدا وكأنه يتَّسم بذلك الخوف الجامح اللاعقلاني لطفل.

وأخيرًا قال المأمور: «انظر هنا يا بالارد. إن سمعت شيئًا، فأنا أريد أن أعرف ما هو. أخبرني الآن.»

جاءه الرد: «لا أستطيع، لا أستطيع.» وكان ينتحب.

«من أين أتى؟»

«لا أدري. من كل مكان، ومن لا مكان. لقد سمعته وحسب.»

«ماذا كان؟ أهو صوت بشري؟»

توسَّل السجين: «أرجوك لا تُجبِرني على الجواب.»

قال المأمور في غلظة: «يجب أن تُجيب.»

قال السجين وهو ينتحب: «كان صوتًا، لكنه ليس صوتًا بشريًّا.»

كرَّر المأمور كلامه: «صوت، لكنه ليس بشريًّا؟»

فسَّر الرجل قائلًا: «كان صوتًا مكتومًا، وبعيدًا، وشبحيًّا.»

«هل أتى من داخل السجن؟»

«لم يبدُ أنه يأتي من أي مكان، لقد كان هنا، هنا، في كل مكان. لقد سمعته، لقد سمعته.»

لنحوِ ساعةٍ حاوَل المأمور معرفة القصة كاملة، لكن بالارد صار عنيدًا على نحو مُفاجئ، ولم يقُل شيئًا، فقط التمس أن يُنقَل إلى زنزانة أخرى، أو أن يبقى سجَّانٌ على مقربة منه حتى طلوع النهار. رُفضَت هذه المطالب بغلظة.

في النهاية قال المأمور: «إذا سمعتَ مزيدًا من هذه الأصوات، فسأضعك في زنزانة ذات جدران مُبطَّنة.»

بعد ذلك مضى المأمور في طريقه، وهو يشعر بالحيرة والأسف. جلس بالارد عند باب زنزانته حتى طلوع النهار ووجهه مُتعَب وشاحب من الخوف، وقد ضغط نفسه قبالة القضبان، وأخذ ينظر إلى السجن بعينَين واسعتَين محدِّقتَين.

في ذلك اليوم، اليوم الرابع من احتجاز آلة التفكير، بثَّ ذلك السجين المتطوِّع قدرًا كبيرًا من النشاط؛ إذ قضى معظم وقته عند النافذة الصغيرة بزنزانته، وكان أول ما فعله أن ألقى قطعة أخرى من الكتان إلى الحارس، الذي التقطها كما يُمليه عليه الواجب وأخذها إلى المأمور. كان مكتوبًا عليها:

«لم يتبقَّ إلا ثلاثة أيام.»

لم يكن المأمور مُتفاجئًا بالمرة ممَّا قرأه؛ إذ فهم أن آلة التفكير كان يقصد أن ثمةَ ثلاثة أيام متبقِّية من فترة سجنه، واعتبر الملحوظة مصدرًا للتفاخر.

لكن كيف كُتبَت هذه الملحوظة؟ أين وجد آلة التفكير قطعة جديدة من الكتان؟ أين؟ أخذ يتفحص قطعة الكتان بحرص. كانت بيضاء اللون، ذات ملمس ناعم، وكأنها مأخوذة من قميص. أخرج القميص الذي كان قد أخذه من قبل ووضع قطعتَي الكتان على الموضعَين الممزَّقَين. كانت القطعة الثالثة زائدة تمامًا عن الحاجة؛ إذ لم يكن ثمةَ موضعٌ ممزَّق مُقابِل لها، ومع ذلك فقد كانت من الخامة ذاتها.

قال المأمور بصوت مرتفع: «من أين؟ من أين جاء بشيءٍ يكتب به؟»

وفي وقت لاحق من اليوم الرابع تحدَّث آلة التفكير، عبر قضبان نافذته، إلى الحارس المسلَّح خارجها.

سأله: «أي يوم من أيام الشهر هذا؟»

أجابه الحارس: «الخامس عشر.»

أجرى آلة التفكير بعض الحسابات الفلكية في عقله، وشعر بالسعادة من أن القمر لن يظهر إلا بعد الساعة التاسعة من تلك الليلة. بعد ذلك وجَّه سؤالًا آخر:

«من يعتني بالأضواء القوسية؟»

«رجلٌ ما من الشركة.»

«أليس لديكم كهربائي في المبنى؟»

«نعم.»

«أعتقد أن بمقدوركم توفير بعض المال لو كان لديكم كهربائي خاص بكم.»

رد الحارس: «ليس هذا من شأنك.»

لاحظ الحارس وجود آلة التفكير عند نافذة الزنزانة على نحوٍ متكرِّر خلال ذلك اليوم، لكن دائمًا ما كان وجهه يبدو كسولًا وكان ثمةَ توقٌ معيَّن في العينَين الضيقتَين القابعتَين خلف النظارة، وبعد مرور بعض الوقت تقبَّل وجود الرأس الشبيه برأس الأسد كشيءٍ طبيعي. كان قد رأى مساجين آخرين يفعلون الأمر عينه، لقد كان الحنين إلى العالم الخارجي.

في ظهيرة ذلك اليوم، قُبَيل انتهاء وقت النوبة لحارس النهار، ظهر الرأس من النافذة مجدَّدًا، وأمسكت يد آلة التفكير شيئًا من بين القضبان، سقط ذلك الشيء على الأرض والتقطه الحارس، كان ورقة نقدية من فئة خمسة دولارات.

قال السجين: «إنها لك.»

كالمعتاد، أخذ الحارس ما وجده إلى المأمور. نظر المأمور إليها في ريبة؛ إذ كان ينظر إلى كل شيء يأتي من الزنزانة رقم ١٣ بشك.

أوضح الحارس قائلًا: «قال إنها لي.»

قال المأمور: «أعتقد أنها إكرامية من نوعٍ ما، لا أرى ما يمنعك من قبولها …»

ثم توقَّف بغتة؛ إذ تذكَّر أن آلة التفكير داخل الزنزانة رقم ١٣ وبحوزته ورقة نقدية من فئة خمسة دولارات، وورقتان نقديتان من فئة عشرة دولارات؛ أي ما مجموعه خمسة وعشرون دولارًا. كانت قطعة الكتان الأولى التي جاءت من الزنزانة ملفوفًا حولها ورقة نقدية من فئة خمسة دولارات. لا يزال المأمور يحتفظ بها، وكي يتأكد من الأمر أخرج الورقة النقدية الأولى ونظر إليها. كانت ورقة من فئة خمسة دولارات، لكن ها هي ورقة نقدية أخرى من فئة خمسة دولارات، بينما كان آلة التفكير يمتلك ورقتَين نقديتَين من فئة عشرة دولارات فقط.

فكَّر أخيرًا وهو يُطلِق تنهيدة ارتياح: «ربما قام أحدهم بتبديل الورقة النقدية بفئة أصغر من أجله.»

لكنه حسَم قراره على الفور؛ إذ عزم على تفتيش الزنزانة رقم ١٣ كما لم تُفتَّش زنزانة في العالم من قبلُ قط؛ فعندما يتمكن رجل من الكتابة كما يحلو له، ومن تغيير النقود، ومن فعل أمور أخرى لا تفسير لها مُطلَقًا، هذا يعني أن ثمةَ خطأً فادحًا في هذا السجن؛ ومن ثَم فقد اعتزم دخول الزنزانة ليلًا؛ ستكون الثالثة صباحًا وقتًا ممتازًا. من المؤكَّد أن آلة التفكير يفعل كل الأشياء العجيبة التي يفعلها في وقتٍ ما، ويبدو الليل أنسب الأوقات على الإطلاق.

وهكذا ذهب المأمور خلسةً إلى الزنزانة رقم ١٣ في الثالثة صباحًا، ووقف أمام الباب لبرهةٍ يستمع. لم يكن ثمةَ صوتٌ فيما خلا صوت التنفس المُنتظِم للسجين. فتحت المفاتيح القفل المُزدوج مُصدِرةً صوتًا بسيطًا، ثم دخل المأمور وأغلق الباب خلفه، وفجأةً سلَّط ضوء مصباحه في وجه الشخص المُنبطِح أرضًا.

لو كان المأمور قد ظنَّ أنه سيُفاجئ آلة التفكير فقد كان مُخطئًا في ظنه هذا؛ إذ فتح ذلك الشخص عينَيه بهدوء، ومد يده كي يُمسِك بنظارته، وتساءل بنبرة مُحايدة قائلًا: «من هذا؟»

لن يكون مُجديًا وصف عملية التفتيش التي قام بها المأمور؛ فقد كانت دقيقة؛ إذ لم يترك بوصة من الزنزانة أو الفراش إلا وفحصها. وقد وجد فتحة في الأرضية، ومدفوعًا بالأمل دسَّ أصبعه فيها، وبعد لحظة من تلمُّس طريقه سحب منها شيئًا ونظر إليه في ضوء المصباح.

صاح قائلًا: «يا له من شيءٍ مقزِّز!»

كان الشيء الذي أخرجه هو جرذ؛ جرذ ميت. خمدت حماسته كما لو كان شبورةً بددَتها أشعة الشمس، غير أنه واصَل عملية التفتيش. أما آلة التفكير فلم ينبس ببنت شفة، ونهض من مكانه وركل الفأر نحو الردهة خارج الزنزانة.

صعد المأمور على الفراش وفحص القضبان الحديدية الموجودة بالنافذة الصغيرة. كانت سليمة تمامًا، كما كان كل قضيب من قضبان الباب سليمًا.

بعد ذلك فتَّش المأمور ملابس السجين، بدايةً بحذائه. لا يوجد شيء مخبَّأ فيها! بعد ذلك فتَّش نطاق البنطال، لكنه لم يجد شيئًا! بعد ذلك فتَّش جيوب البنطال، وأخرج من أحد الجانبَين بعض الأوراق النقدية وفحصها.

قال لاهثًا: «أوراق نقدية من فئة خمسة دولارات!»

قال السجين: «هذا صحيح.»

«لكن، لكن كان معك ورقتان نقديتان من فئة عشرة دولارات وورقة واحدة من فئة خمسة دولارات، كيف فعلت هذا؟»

قال آلة التفكير: «هذا شأني الخاص.»

«هل استبدلها أيٌّ من رجالي من أجلك، فلتصدُقني القول بشرفك.»

صمت آلة التفكير لجزء من الثانية.

ثم قال: «كلا.»

سأله المأمور: «حسنًا، هل تصنعُها؟» فقد كان مُستعدًّا لتصديق أي شيء.

قال السجين مجدَّدًا: «هذا شأني الخاص.»

حدَّق المأمور في العالِم البارز وهو يستشيط غضبًا، كان يشعر — بل كان يعلم — أن هذا الرجل كان يسخر منه، ومع ذلك لم يكن يعلم كيف. لو كان سجينًا حقيقيًّا لحصل منه على الحقيقة، لكن حينها ربما ما كانت هذه الأمور التي حدثت وتستعصي على التفسير لتتضح بهذه الصورة الجلية. لم يتحدث أيٌّ من الرجلَين لوقت طويل، ثم فجأةً استدار المأمور في غضب وغادر الزنزانة، مُغلقًا بابها في عنف، ولم يجرؤ على الكلام وقتها.

نظر المأمور إلى الساعة، وكانت تُشير إلى الرابعة إلا عشر دقائق صباحًا، وما أوشك على دخول الفراش حتى تردَّد دويُّ صرخة مُفزِعة في أرجاء السجن. أعاد إضاءة المصباح، مُغمغِمًا ببضع كلمات ليست شديدة التأنق لكنها معبِّرة للغاية، وأسرع عبر السجن مجدَّدًا إلى الزنزانة الواقعة في الطابق العلوي.

مرة ثانية، كان بالارد يضغط جسده إلى الباب الحديدي، وهو يصرخ ويصرخ بأعلى صوته، ولم يتوقف إلا حين سلَّط المأمور ضوء مصباحه داخل الزنزانة.

صرخ قائلًا: «أخرجوني، أخرجوني. لقد فعلتُها، لقد فعلتها، لقد قتلتُها. أبعِدوه عني.»

سأله المأمور: «نُبعِد ماذا عنك؟»

«لقد ألقيتُ ماء النار على وجهها، لقد فعلتُها، أعترف بهذا. أخرِجوني من هنا.»

كان بالارد في حالةٍ يُرثى لها؛ وجرى إخراجه إلى الردهة بدافع الشفقة لا أكثر، وهناك تكوَّر على نفسه في أحد الأركان، وكأنه حيوان مكروب، وقد ضم يدَيه على أذنَيه. استغرق نصف ساعة كي يهدأ بما يكفي بحيث يستطيع الكلام، وبعد ذلك تحدَّث على نحوٍ غيرِ متماسك عما جرى، وقال إنه في الليلة السابقة في تمام الرابعة صباحًا سمع صوتًا؛ صوتًا كئيبًا مكتومًا أشبه بالعويل.

سأله المأمور: «ماذا قال هذا الصوت؟»

قال السجين لاهثًا: «ماء النار، ماء النار، ماء النار. لقد اتهمني. ماء الناء! لقد ألقيتُ ماء النار، ولقيت المرأة حتفها!» كان حديثه أشبه بعويل طويل مُزلزِل.

ردَّد المأمور في حيرة: «ماء النار؟» كان الأمر مُستعصيًا على فهمه.

«ماء النار. هذا كل ما سمعت، هاتان الكلمتان وحسب، تتكرران عدة مرات. كانت هناك أشياء أخرى كذلك، لكنني لم أسمعها.»

سأله المأمور: «كان هذا ليلة أمس، أليس كذلك؟ ماذا حدث الليلة؟ ما الذي أخافك الآن؟»

قال السجين لاهثًا: «كان الأمر عينه. ماء النار، ماء النار، ماء النار!» ثم غطَّى وجهه بيدَيه وجلس يرتعد، ثم غمغم قائلًا: «لقد ألقيت ماء النار عليها، لكنني لم أقصد قتلها. لقد سمعت الكلمات فحسب. كانت الكلمات تتهمني، تتهمني.» ثم صمت.

«أسمعت شيئًا آخر؟»

«نعم، لكنني لم أفهم إلا القليل، فقط شذرات، كلمة أو كلمتَين.»

«حسنًا، ماذا سمعت؟»

«سمعت كلمتي «ماء النار» ثلاث مرات، ثم سمعت صوتًا طويلًا مُتأوهًا، ثم سمعت «قبعة مقاس رقم ٨»، سمعت هذا مرتَين.»

كرَّر المأمور: «قبعة مقاس رقم ٨. ما هذا بحق الشيطان؟ قبعة مقاس رقم ٨؟ إن أصوات الضمير التي تُوجِّه الاتهامات لم تتحدَّث قط عن قبعات مقاس رقم ٨، هذا على حد علمي.»

قال أحد السجَّانين بلهجة حاسمة: «إنه مجنون.»

قال المأمور: «أصدقك. من المؤكَّد أنه كذلك. لقد سمع شيئًا على الأرجح وشعر بالخوف. إنه يرتجف الآن. قبعة مقاس رقم ٨! ما هذا بحق اﻟ…»

حين حلَّ اليوم الخامس من احتجاز آلة التفكير، كان القلق باديًا على وجه المأمور؛ إذ كان يترقب نهاية الأمر كله. لم يستطع منع نفسه من الشعور بأن سجينه المميَّز كان يستمتع بوقته، ولو كان هذا صحيحًا، فإن آلة التفكير لم يفقد شيئًا من حس الدعابة لديه؛ ذلك لأنه في اليوم الخامس ألقى رسالة مكتوبة على قطعة أخرى من الكتان، مدوَّن عليها عبارة «لم يتبقَّ إلا يومان.» كما ألقى نصف دولار.

كان المأمور يعلم — علم اليقين — أن السجين الموجود في الزنزانة رقم ١٣ لم يكن يمتلك أي أنصاف دولارات؛ فمن المستحيل أن يكون معه نصف دولار، تمامًا كما كان من المستحيل أن يكون معه قلم وحبر وقماش كتان، ومع ذلك فقد كانت هذه الأشياء موجودة بالفعل. كان ذلك أمرًا واقعًا، وليس نظرية، وهذا أحد الأسباب التي جعلت القلق باديًا على وجه المأمور.

أيضًا ظل ذلك الإحساس المُريع العجيب المُرتبط بالكلمات «ماء النار» و«قبعة مقاس رقم ٨» عالقًا في ذهنه بقوة. لم تكن هذه الكلمات تعني شيئًا بطبيعة الحال؛ فهي محض هذيان من قاتل مجنون دفعه الخوف إلى الاعتراف بجريمته، ومع هذا فقد كان ثمةَ كثيرٌ من الأشياء التي «لم تكن تعني شيئًا» تحدُث داخل السجن منذ أن أُودِع آلة التفكير فيه.

وفي اليوم السادس تلقَّى المأمور بطاقة تُفيد بأن د. رانسوم والسيد فيلدنج سيكونان في سجن شيزم في المساء التالي، الخميس، وإذا لم ينجح البروفيسور فان دوسين وقتها في الهرب — وهو ما افترضا أنه لم يَحدث بعدُ نظرًا لأنهما لم يسمعا منه — فسيُقابِلونه هناك.

ابتسم المأمور ابتسامة عريضة وقال: «إذا لم ينجح في الهرب!»

بث آلة التفكير النشاط في مأمور السجن في ذلك اليوم عن طريق ثلاث رسائل، كانت مكتوبة على قماش الكتان المعتاد، وكانت تدور في العموم حول الموعد المفترض في الثامنة والنصف من مساء الخميس، وهو الموعد الذي حدَّده العالِم عند وقت دخوله السجن.

بعد ظهيرة اليوم السابع مر المأمور بالزنزانة رقم ١٣ ونظر داخلها. كان آلة التفكير مُستلقيًا على الفراش الحديدي، يبدو غيرَ مُستغرِق في النوم، وبدت الزنزانة، بنظرة عابرة، تمامًا كحالها دائمًا، وكان المأمور مُستعدًّا لأن يُقسِم أنه لن يُغادِرها أي رجل بين هذه الساعة — وكانت الرابعة عصرًا وقتها — والساعة الثامنة والنصف من تلك الليلة.

في طريق عودته مارًّا بالزنزانة، سمع المأمور صوت التنفس المُنتظِم مجدَّدًا، ثم اقترب من الباب ونظر بالداخل. لم يكن ليفعل هذا لو كان آلة التفكير ينظر إليه، لكن كان الوضع الآن مختلفًا.

تسلَّل شعاع ضوء عبر النافذة العليا وسقط على وجه الرجل النائم. للوهلة الأولى، بدا للمأمور أن السجين يبدو مُنهَكًا ومُتعَبًا، حينها تقلَّب آلة التفكير قليلًا، فأسرع المأمور بالخروج إلى الردهة وهو يشعر بالذنب، وفي تلك الليلة، بعد السادسة مساءً، رأى السجَّان.

سأله: «أكلُّ شيء على ما يُرام في الزنزانة رقم ١٣؟»

رد السجَّان: «نعم سيدي، لكنه لم يأكل كثيرًا.»

شاعرًا بأنه أدى واجبه كما ينبغي، استقبل المأمور د. رانسوم والسيد فيلدنج بعد السابعة بقليل. كان ينوي أن يعرض عليهما الرسائل المكتوبة على قطع القماش الكتاني وأن يسرد عليهما القصة الكاملة لفاجعته، والتي كانت قصة طويلة، لكن قبل أن يحدث هذا دخل الحارس الآتي من جانب السجن المُطِل على النهر إلى المكتب.

وقال مُعلِمًا المأمور: «الضوء القوسي في جانبي من فناء السجن لا يعمل.»

صاح المأمور: «اللعنة! إنه نحس ذلك الرجل؛ فقد حدث كل هذا منذ مجيئه.»

عاد الحارس إلى مكانه في الظلام، واتصل المأمور بشركة الإنارة الكهربائية.

ثم قال عبر الهاتف: «هذا سجن تشيزم. أرسلوا ثلاثة رجال أو أربعة إلى هنا بسرعة من أجل إصلاح الضوء القوسي.»

كان الرد مُرضيًا بالتأكيد؛ إذ وضع المأمور السماعة وذهب لتفقُّد الفناء، وبينما جلس د. رانسوم والسيد فيلدنج ينتظرانه، دخل حارس البوابة الخارجية حاملًا رسالة مُرسَلة بعلم الوصول. تصادَف أن لاحظ د. رانسوم العنوان المكتوب عليها، وحين خرج الحارس نظر إلى الرسالة بتمعُّن أكبر.

ثم هتف: «إنها من جورج!»

سأله السيد فيلدنج: «ما هذا؟»

قدَّم د. رانسوم الرسالة للسيد فيلدنج، فنظر إليها في تمعُّن.

وقال: «مصادفة. لا بد أنها كذلك.»

كانت الساعة تُناهِز الثامنة مساءً حين عاد المأمور إلى مكتبه، كان فنِّيو الكهرباء قد وصلوا في إحدى العربات، وكانوا يعملون الآن. ضغط المأمور على زر الاتصال الذي يربطه بحارس البوابة الخارجية عند السور.

سأله عبر جهاز الاتصال: «كم عدد فنِّيي الكهرباء الذين دخلوا؟ أربعة؟ ثلاثة عمال في أردية عمل والمُشرِف عليهم؟ مِعطف عباءة وقبعة حريرية؟ حسنًا. احرص على أن يكون عدد الرجال المُغادِرين أربعة فحسب. هذا كل ما في الأمر.»

ثم استدار إلى د. رانسوم والسيد فيلدنج.

«علينا توخِّي الحذر هنا، على وجه التحديد …» ثم حمل صوته نبرة ساخرة وهو يُكمِل قائلًا: «لدينا علماء مُحتجَزون هنا.»

أمسك المأمور الرسالة المُرسَلة بعلم الوصول بإهمال، ثم بدأ يفتحها.

«بعد أن أقرأ هذه الرسالة أيها السيدان أريد أن أخبركما بشيء عن قيصر العظيم!» ثم أنهى عبارته وهو ينظر إلى الرسالة، ثم جلس فاغرًا فاه وهو لا يتحرك من فرط الدهشة.

سأله السيد فيلدنج: «ما الأمر؟»

قال المأمور مُندِهشًا: «رسالة مُرسَلة بعلم الوصول من الزنزانة رقم ١٣. دعوة على العشاء.»

«ماذا؟» هكذا قال الرجلان معًا وهما ينهضان.

جلس المأمور شاعرًا بالدُّوار، وحدَّق في الرسالة للَحظة، ثم نادى بحِدَّة على الحارس الموجود في الردهة الخارجية.

«أسرِع إلى الزنزانة رقم ١٣ وانظر إن كان النزيل موجودًا بها أم لا.»

ذهب الحارس كما أُمِر، بينما فحص د. رانسوم والسيد فيلدنج الرسالة.

قال د. رانسوم: «إنه خطُّ يدِ فان دوسين، لا ريب في ذلك. لقد رأيته كثيرًا.»

حينها دق جهاز الاتصال بالبوابة الخارجية، وأمسك المأمور، وهو في حالةٍ تُقارِب الغشية، السماعة.

«مرحبًا! صحفيان؟ اسمح لهما بالدخول.» ثم استدار فجأة إلى د. رانسوم والسيد فيلدنج وأضاف: «عجبًا، لا يستطيع الرجل الخروج. من المؤكَّد أنه في زنزانته.»

في هذه اللحظة عاد الحارس.

وقال: «إنه لا يزال في غرفته. لقد رأيته. إنه راقد في فراشه.»

«أرأيتما؟ كما أخبرتكما تمامًا.» هكذا قال المأمور، ثم تنفَّس في حرية وأضاف: «لكن كيف أرسل تلك الرسالة؟»

سُمِع صوت طرقة على الباب الحديدي الذي يفصِل بين فناء السجن ومكتب المأمور.

قال المأمور للحارس: «إنهما الصحفيان. اسمح لهما بالدخول.» ثم خاطب الرجلين الآخرين قائلًا: «لا تقولا شيئًا عن هذا الأمر أمامهما؛ لأن هذا سيفتح عليَّ بابًا يستحيل إغلاقه.»

انفتح الباب ودخل منه الرجلان القادمان من البوابة الأمامية.

قال أحدهما: «مساء الخير أيها السادة.» كان هذا الرجل يُدعى هاتشينسون هاتش، وكان المأمور يعرفه جيدًا.

ثم قال الرجل الآخر في انفعال: «حسنًا؟ ها أنا ذا.»

كان هذا هو آلة التفكير نفسه.

كان ينظر مُضيقًا عينَيه إلى المأمور، الذي جلس فاغرًا فاه، وللَحظة من الوقت لم يكن لدى هذا المسئول ما يقوله. كان د. رانسوم والسيد فيلدنج يشعران بالذهول، لكنهما لم يعرفا ما كان المأمور يعرفه. كانا مذهولَين فحسب، أما هو فقد شلَّته المفاجأة. أخذ هاتشينسون هاتش، الصحفي، يستوعب المشهد كله بعينَين جشعتَين.

وأخيرًا، قال المأمور وهو يلهث: «كيف … كيف … كيف فعلتها؟»

«فلتعودوا معي إلى الزنزانة.» هكذا قال آلة التفكير بصوته المُنفعِل الذي يعرفه زملاؤه من أهل العلم جيدًا.

تقدَّم المأمور، الذي لا يزال في حالة أقرب إلى الغشية، الطريق.

قال آلة التفكير آمرًا: «سلِّط ضوء مصباحك هناك.»

فعل المأمور ذلك. لم يكن ثمةَ شيءٌ غير عادي في مظهر الزنزانة، وهناك، هناك على الفراش كان يرقد جسد له هيئة آلة التفكير. هذا مؤكَّد! ها هو الشعر الأصفر! نظر المأمور مجدَّدًا إلى الرجل الواقف إلى جواره وتعجَّب من غرابة خيالاته.

وبيدَين مرتعشتَين فتح باب الزنزانة، ودلف آلة التفكير إلى الداخل.

قال: «انظر هنا.»

ثم ركل القضبان الحديدية في الجزء السفلي من باب الزنزانة، فخرجت ثلاثة منها من مكانها، أما الرابع فانكسر وتدحرج بعيدًا في الردهة.

«وهنا أيضًا.» هكذا قال السجين السابق بينما كان يقف على الفراش كي يصل إلى النافذة الصغيرة، وعندما حرَّك يده بين الفتحات، خرج كل قضيب من مكانه.

«ما هذا الذي في الفراش؟» هكذا قال المأمور الذي كان يستوعب الأمر ببطء.

جاءه الرد: «شَعر مُستعار. فلتقلب الغطاء.»

فعل المأمور ذلك. وأسفل الغطاء كانت ترقد لفة ضخمة من الحبل القوي، طولها ثلاثون قدمًا أو نحو ذلك، وخنجر، وثلاثة مبارد، وسلك كهربائي طوله عشر أقدام، وزوج من الزرديات الحديدية القوية، ومِطرقة صغيرة، ومِقبضها، ومسدَّس من طراز ديرنجر.

قال المأمور بلهجةٍ آمِرة: «كيف فعلت هذا؟»

قال آلة التفكير: «أيها السادة أنتم مُرتبِطون بتناول العشاء معي في التاسعة والنصف. هيا بنا وإلا فسنتأخر.»

قال المأمور في إصرار: «لكن كيف فعلتها؟»

قال آلة التفكير: «إياك أن تخالَ أن بمقدورك احتجاز شخص قادر على استخدام عقله. هيا بنا، سنتأخر.»

اتسم حفل العشاء في منزل بروفيسور فان دوسين بقلة الصبر، وبالصمت بعض الشيء. كان الحضور هم د. رانسوم، وألفريد فيلدنج، والمأمور، والصحفي هاتشينسون هاتش، وقُدِّم الطعام في الدقيقة عينها التي حدَّدها البروفيسور فان دوسين قبل ذلك بأسبوع، ووجد د. رانسوم الخرشوف شهيًّا، وأخيرًا انتهى العشاء ونظر آلة التفكير إلى د. رانسوم وضيَّق عينَيه بقوة.

ثم قال: «أتُؤمِن بصحة الأمر الآن؟»

رد د. رانسوم قائلًا: «نعم.»

«أتُقِر بأن الاختبار كان عادلًا؟»

«نعم.»

وكان ينتظر مع الآخرين، خاصة المأمور، الاستماع إلى التفسير.

قال السيد فيلدنج: «أعتقد أنك ستُخبرنا كيف …»

وقال المأمور: «نعم، أخبرنا كيف.»

عدَّل آلة التفكير وضع نظارته، ثم ألقى نظرتَين على جمهوره مُضيقًا عينَيه، وبدأ يروي القصة، وقد رواها من البداية بصورة منطقية، ولم يسبق لرجل أن تحدَّث إلى جمهور على هذه الدرجة من الاهتمام.

بدأ حديثه قائلًا: «كان اتفاقي يقضي بدخولي زنزانة، وألا أحمل معي إلا ما يجب ارتداؤه، وأن أُغادِر الزنزانة في غضون أسبوع. لم تسبقْ لي رؤية سجن تشيزم، وحين دخلت الزنزانة طلبت مسحوق أسنان، وورقتَين نقديتَين من فئة عشرة دولارات وورقة من فئة خمسة دولارات، كما طلبت تلميع حذائي، وحتى لو كانت هذه الطلبات قد رُفضَت فما كان الأمر لِيهمَّ كثيرًا، لكنكم وافقتم عليها.

كنت أعلم أنه لا يوجد في الزنزانة شيء تعتقدون أن بوسعي استخدامه لمصلحتي؛ لذا حين أغلق المأمور الباب عليَّ كنت عديم الحيلة فيما يبدو، ما لم أتمكن من تحويل ثلاثة أشياء بريئة المظهر إلى مصلحتي. كانت هذه أشياء مسموحًا بها لأي مسجون محكوم عليه بالإعدام، أليس كذلك أيها المأمور؟»

رد المأمور قائلًا: «مسموح بمسحوق الأسنان وتلميع الحذاء نعم، لكن ليس المال.»

واصل آلة التفكير حديثه قائلًا: «أي شيء سيكون خطيرًا في يد شخص يعرف كيف يستخدمه. لم أفعل في الليلة الأولى شيئًا باستثناء النوم ومطاردة الجرذان.» ثم حدَّق في المأمور وأضاف: «حين أُثير الأمر كنت أعلم أنني لن أستطيع فعل شيء في تلك الليلة؛ لذا انتظرت اليوم التالي. كنتم تظنون أيها السادة أنني أريد وقتًا كي أرتِّب هروبي بمساعدة خارجية، لكن لم يكن هذا صحيحًا. كنت أعلم أنني أستطيع التواصُل مع أي شخص شئت، وقتما شئت.»

حدَّق المأمور فيه للحظة، ثم باشر التدخين في صمت.

أكمل العالِم حديثه قائلًا: «أيقظني السجَّان في السادسة من صباح اليوم التالي جالبًا طعام الإفطار، وقد أخبرني أن موعد الغداء في الثانية عشرة ظهرًا، والعشاء في السادسة مساءً، واستنتجتُ أنني بين هذه الأوقات سأكون بمفردي تمامًا؛ لذا شرعتُ بعد الإفطار على الفور في دراسة البيئة المحيطة من خلال نافذة الزنزانة، وقد أنبأَتني نظرة واحدة بأنه من غير المجدي محاولة تسلُّق السور، حتى لو قرَّرت مُغادرة الزنزانة عبر النافذة؛ إذ لم يكن غرضي مغادرة الزنزانة وحدها وإنما السجن كله. بالطبع كان باستطاعتي تجاوُز السور، لكن كان وضع خطة لهذا الأمر سيَستغرِق مني وقتًا أطول؛ ولهذا تخلَّيت عن الأفكار المتعلِّقة بهذا الأمر.

وقد علمت من هذه الملاحظة الأولية أن النهر كان يقع على ذلك الجانب من السجن، وأنه يوجد ملعب هناك، وقد أكَّد لي السجَّان هذه التخمينات لاحقًا. علمت وقتها أمرًا مهمًّا؛ أن أي شخص يُمكِنه الاقتراب من جانب سور السجن من ذلك الجانب من دون جذب أي انتباه، وضعت هذا الأمر في حسباني وتذكَّرته جيدًا.

لكن كان أكثر الأشياء الخارجية جذبًا لانتباهي هو سلك التغذية الممتد إلى المصباح القوسي، والذي كان يمر على مسافة أقدام قليلة — ثلاث أقدام أو أربع — من نافذة زنزانتي. كنت أعلم أن هذا الأمر مُفيد لو وجدتُ أن من الضروري قطع الكهرباء عن المصباح القوسي.»

سأله المأمور: «آه، لقد قطعت الكهرباء عن المصباح إذن؟»

استأنف آلة التفكير حديثه دون أن يُعِير انتباهًا لهذه المقاطعة قائلًا: «بعد أن عرفت كل ما يُمكِنني معرفته من النافذة، تدبرتُ فكرة الهروب من السجن كله، وقد تذكرتُ كيف أتيت إلى الزنزانة، وعلمت أن هذا هو السبيل الوحيد. كان ثمةَ سبعةُ أبواب تفصلني عن العالم الخارجي؛ لذا فقد تخليتُ، في ذلك الوقت فحسب أيضًا، عن فكرة الهرب بهذه الطريقة، كما لم يكن بمقدوري اختراق الجدران الجرانيتية الصلبة للزنزانة.»

توقَّف آلة التفكير للحظةٍ وأشعل د. رانسوم سيجارًا جديدًا، وعلى مدار دقائق ساد الصمت، ثم واصل العالِم الهارب من السجن حديثه قائلًا:

«بينما كنت أفكِّر في هذه الأمور ركض جرذ فوق قدمي. أوحى لي هذا بأفكار جديدة. كان يوجد ما لا يقل عن نصف دستة جرذان داخل الزنزانة، وكان باستطاعتي رؤية عيونها اللامعة، ومع هذا فقد لاحظت أنه لم يأتِ أيها من تحت باب الزنزانة، وقد أخَفتُها عمدًا وراقبت باب الزنزانة كي أرى ما إن كانت تخرج بهذه الطريقة، لكنها لم تفعل ذلك، ومع ذلك فقد اختفت. من الواضح أنها سلكت طريقًا آخر، وكان الطريق الآخر يعني فتحة أخرى.

بحثتُ عن هذه الفتحة ووجدتها؛ كانت ماسورة صرف قديمة، لم تُستخدَم منذ وقت طويل، وكانت مسدودة جزئيًّا بالأوساخ والأتربة، لكن كان هذا هو الطريق الذي تدخل منه الجرذان وتخرج. كانت تأتي من مكانٍ ما. أين؟ عادةً ما تمتد مواسير الصرف إلى خارج السجن، وكانت هذه الماسورة تمتد غالبًا إلى النهر، أو على مقربة منه؛ ومن ثَم فمن المؤكَّد أن الجرذان كانت تأتي من هذا الاتجاه، وبما أنها قطعت جزءًا من الطريق فقد خمَّنتُ أنها كانت تقطع الطريق كله؛ لأنه من المرجَّح بشدةٍ عدمُ وجود فتحة في الماسورة المصنوعة من الحديد أو الرصاص باستثناء المخرج.

حين عاد السجَّان حاملًا طعام الغداء أخبَرني بأمرَين مهمَّين، رغم أنه لم يعلم هذا؛ أحدهما هو أنه جرى تركيب نظام صرف صحي جديد في السجن منذ سبع سنوات، والآخر أن النهر كان على مسافة ثلاثمائة قدم. حينها علمتُ علم اليقين أن الماسورة كانت جزءًا من النظام القديم، كما علمتُ أنها كانت تميل قليلًا ناحية النهر، لكن هل كانت الماسورة تنتهي في الماء أم اليابسة؟

كان هذا هو السؤال التالي الذي يجب حسمُه، وقد حسمته عن طريق الإمساك بعدد من الجرذان في زنزانتي. اندهش السجان حين رآني مُنهمِكًا في هذا العمل، وقد تفحصتُ ما لا يقل عن دستة منها؛ كانت كلها جافة تمامًا، وأتت من خلال الماسورة، وأهم ما في الأمر أنها لم تكن جرذانًا منزلية، وإنما جرذان حقل. كانت الفتحة الأخرى للماسورة إذن تنتهي في اليابسة، خارج أسوار السجن. إلى الآن كل شيء على ما يُرام.

بعد ذلك علمت أنني لو أردت العمل بحُرية على هذه النقطة، سيتعين عليَّ أن أجذب انتباه المأمور إلى اتجاه آخر. أترى، حين أخبرتَ المأمور أنني أتيت إلى هنا كي أهرب فقد جعلت الاختبار أشد صعوبة؛ لأنه صار عليَّ أن أُضلِّله.»

نظر إليه المأمور بعينَين حزينتَين.

«الأمر الأول هو أن أجعله يفكِّر في أنني أُحاوِل التواصُل معك يا د. رانسوم؛ لذا فقد كتبت رسالة على قطعة من الكتان قطعتُها من قميصي، ووجَّهتها إلى د. رانسوم، ولففتُ ورقة نقدية من فئة خمسة دولارات حولها وألقيتها من النافذة. كنت أعلم أن الحارس سيأخذها إلى المأمور، لكنني كنتُ آمل أن يُرسِلها المأمور إلى الشخص الموجهة إليه. أرأيتَ هذه الرسالة أيها المأمور؟»

أخرج المأمور الرسالة المشفَّرة.

ثم تساءل: «ما الذي تعنيه على أي حال؟»

قال آلة التفكير: «اقرأها على نحوٍ معكوس، بداية من الحرف T في التوقيع، وتغاضَ عن الفواصل بين الكلمات.»
فعل المأمور هذا وبدأ يتهجَّى الكلمات: «T – h – i – s أي This» ثم درسها لدقيقة وقرأها وهو يبتسم:
This is not the way I intend to escape؛ بمعنى «ليست هذه هي الطريقة التي أنوي الهرب بها.»

ثم أضاف وهو لا يزال يبتسم: «حسنًا، ما رأيك في هذا؟»

قال آلة التفكير: «كنت أعلم أن هذا سيَجذب انتباهك، وهو ما حدث حقًّا، وإذا اكتشفتَ ما تعنيه الرسالة حقًّا فسيكون هذا نوعًا من التوبيخ اللطيف.»

تساءل د. رانسوم بعد أن تفحَّص قطعة الكتان وناوَلها إلى السيد فيلدنج: «بمَ كتبتها؟»

«بهذا.» هكذا رد السجين السابق وهو يُمدِّد قدمه. كان يرتدي الحذاء الذي ارتداه في السجن، وإن كان الورنيش قد زال من عليه تمامًا. «كان ورنيش الحذاء، المرطَّب بالماء، هو الحبر الذي استخدمته، وكان الطرف المعدني لرباط الحذاء بمنزلة سن القلم.»

نظر المأمور إلى أعلى وانفجر ضاحكًا فجأة، مدفوعًا بمشاعر الارتياح والاستمتاع،

ثم قال بنبرة إعجاب: «أنت أعجوبة، استمر.»

أكمل آلة التفكير حديثه قائلًا: «عجَّل هذا بتفتيش زنزانتي على يد المأمور، كما كنت أريد. كنت حريصًا على جعل المأمور يعتاد تفتيش زنزانتي، وبعد أن يفشل على الدوام في العثور على شيء، سيستاء ويَستسلِم، وقد حدث هذا أخيرًا، بصورة عملية.»

احمرَّ وجه المأمور خجلًا.

«بعد ذلك أخذ المأمور مني قميصي الأبيض وأعطاني قميص السجن. كان راضيًا حين رأى أن هاتَين القطعتَين هما المأخوذتان فقط من القميص، لكن بينما كان يُفتِّش زنزانتي كنت أمتلك قطعًا أخرى من هذا القميص، حجمها نحو تسع بوصات، ملفوفة على صورة كرة صغيرة داخل فمي.»

تساءل المأمور: «تسع بوصات من القماش؟ من أين جاءت؟»

أجابه قائلًا: «إن قماش الصدر الخاص بكل القمصان البيضاء المُنشَّاة يتكون من ثلاث طبقات؛ لذا فقد مزقتُ الطبقة الداخلية، تاركًا طبقتَين فقط على الصدر. كنت أعلم أنك لن تراها. هذا كل ما في الأمر.»

ساد الصمت لبرهة، ثم قلَّب المأمور نظره بين الرجال وهو يَبتسِم ابتسامة خجولة.

قال البروفيسور فان دوسين: «بعد أن تخلصتُ من المأمور مؤقتًا عن طريق إلهائه بالتفكير في شيء آخر، كنت أعلم، بحكم المنطق، أن الماسورة تنتهي في مكانٍ ما بالملعب الموجود خارج السجن، وكنت أعلم أن عددًا كبيرًا من الصِّبية يلعبون هناك، وكنت أعلم أن الفئران تأتي إلى زنزانتي من هناك. هل بوسعي التواصُل مع شخص بالخارج باستخدام الأشياء المتاحة لي؟

رأيتُ أنه من الضروري أولًا أن أمد خيطًا طويلًا ويعتمد عليه بقدرٍ ما؛ ولهذا …» ثم جذب ساقَي بنطاله ليُوضِّح أن الجزأين العُلويَّين لجوربَيه، المصنوعَين من خيوط قطنية مبرومة قوية، لم يكونا موجودين، وأضاف: «لقد فككتهما — بعد ذلك لم يكن الأمر صعبًا — وهكذا صار لدي بسهولة ربع ميل من الخيط يُمكِنني الاعتماد عليه.

بعد ذلك، كتبت بصعوبة شديدة على نصف القماش الكتاني المتاح لي رسالةً أفسِّر فيها موقفي لهذا الرجل.» ثم أشار إلى هاتشينسون هاتش، وأضاف: «كنت أعلم أنه سيُساعِدني؛ بسبب قيمة المقال الإخباري الذي سيَكتبه بهذا الشأن. ربطتُ في إحكام هذه الرسالة في ورقة نقدية من فئة عشرة دولارات — ما من طريقة مؤكَّدة أكثر من هذا تضمن بها جذب انتباه أي شخص — وكتبت على قطعة الكتان: «على من يعثر على هذه الرسالة أن يسلِّمها إلى هاتشينسون هاتش، صحيفة «ديلي أمريكان»، والذي سيُمنَح عشرة دولارات أخرى لقاء المعلومة.»

كان الأمر التالي هو إخراج هذه الرسالة إلى ذلك الملعب، حيث يكون بوسع أحد الصِّبية أن يعثر عليه. كانت هناك طريقتان، لكنني اخترت الطريقة المُثلى؛ أمسكت بأحد الجرذان — لقد صرتُ بارعًا في الإمساك بها — ثم ربطت قطعة الكتان والنقود في إحدى قوائمه، وربطت الخيط المبروم في أخرى، ثم أطلقته داخل ماسورة الصرف. خمَّنتُ أن الخوف الطبيعي لدى ذلك القارض سيدفعه إلى الركض حتى خارج الماسورة، ثم على الأرض حيث سيتوقَّف على الأرجح كي يقرض الكتان والنقود.

من اللحظة التي اختفى فيها الجرذ داخل الماسورة صرتُ قلِقًا. كنت أُجازِف مجازفة شديدة؛ فربما يقرض الجرذ الخيط، الذي أمسك أحد طرفَيه، أو ربما تقرضه جرذان أخرى، أو ربما يُغادِر الجرذ الماسورة ويترك قطعة الكتان والنقود في مكانٍ لا يجدهما فيه أحد، وقد يحدث ألف أمر آخر، وهكذا بدأت ساعات عصيبة، لكن حقيقةَ أنه ركض حتى إنه لم يتبقَّ إلا بضع أقدام من الخيط في زنزانتي جعلتني أظن أنه خارج الماسورة. وقد عرَّفتُ السيد هاتشينسون تمامًا بما سيفعله عند ورود الرسالة إليه. كان السؤال هو: هل سأصل إليه؟

بعد أن فعلت هذا، كل ما كان بوسعي هو الانتظار ووضع خُطَط أخرى تحسُّبًا لفشل هذه الخطة. حاولت على نحوٍ مفضوح أن أقدِّم رشوة للسجَّان، وعلمت منه أنه يحتفظ بمفاتيح بابَين فقط من الأبواب السبعة التي تفصل بيني وبين الحرية. بعد ذلك فعلتُ شيئًا آخر كي أُثيرَ أعصاب المأمور؛ إذ نزعت الدعامتَين الحديديتَين من كعبَي حذائي وتظاهرتُ بأنني أُحاوِل نشر قضبان نافذة زنزانتي. شعر المأمور بالحنق بسبب هذا، كما عوَّد نفسه على هز قضبان نافذة زنزانتي كي يرى إذا كانت ثابتة أم لا، وقد كانت كذلك … حينذاك.»

ابتسم المأمور ثانية وقد توقَّف عن الشعور بالدهشة.

أكمل العالِم حديثه قائلًا: «بهذه الخطة فعلت كل ما بوسعي ولم يكن بوسعي شيء سوى انتظار ما سيحدث. لم يكن بوسعي أن أعلم ما إذا كانت رسالتي قد وصلت إلى وجهتها أو عُثِر عليها، أو ما إذا كان الفأر قد قرضها تمامًا، ولم أجرؤ على أن أجذب عبر الماسورة الخيطَ الرفيع الوحيد الذي يربطني بالعالم الخارجي.

حين ذهبتُ إلى الفراش في تلك الليلة لم أستطع النوم؛ خوفًا من أن تأتي إشارة الجذب الخفيفة عبر الخيط والتي تُنبئني بأن السيد هاتش قد تسلم الرسالة. وفي الثالثة والنصف صباحًا، حسب اعتقادي، شعرت بإشارة الجذب هذه، ولم يَسبق لسجين ينتظر حكم الإعدام أن رحَّب بإشارة كهذه بمثل هذه الحماسة.»

ثم توقَّف آلة التفكير عن الحديث واستدار إلى الصحفي.

ثم قال: «حريٌّ بك أن توضِّح ما فعلت.»

قال السيد هاتش: «جلب لي الرسالةَ المكتوبة على قطعة الكتان صبيٌّ صغير كان يلعب البيسبول، وقد رأيت على الفور قصة مُثيرة في الأمر؛ لذا منحت الصبي عشرة دولارات، ثم ابتعت بضع بكرات من الحرير، وبعض الخيوط المجدولة، ولفة من السلك الخفيف المرن. ذكر البروفيسور في رسالته أنه يتعيَّن عليَّ أن أطلب ممَّن أوصل الرسالة أن يدلني على الموضع الذي التقطها منه بالضبط، وأخبرني بأن أبدأ بحثي من هذا الموضع، بداية من الساعة الثانية صباحًا، وإذا وجدت الطرف الآخر للخيط، كان يتعين عليَّ أن أجذبه برفقٍ ثلاث مرات، ثم مرة رابعة.

بدأتُ بحثي مُستعينًا بمصباح كهربائي صغير، وبعد مُضي ساعة وعشرين دقيقة وجدت طرف ماسورة الصرف التي كادت الأعشاب البرية تُخفيها. كانت الماسورة كبيرة الحجم عند هذا الطرف؛ إذ بلغ قطرها اثنتَي عشرة بوصة. بعد ذلك وجدت طرف الخيط المجدول، فجذبته وعلى الفور جاءني الجواب.

بعد ذلك ربطتُ الحرير بهذا الخيط وبدأ البروفيسور فان دوسين يجذبه إلى زنزانته. كاد قلبي يتوقف خوفًا من أن ينقطع الخيط، وقد ربطتُ في طرف الخيط الحريري الخيط المجدول، وحين جُذِب هذا ربطتُ فيه السلك. بعد ذلك جُذب السلك عبر الماسورة وبهذا صار لدينا خط يعتمد عليه، لا تستطيع الجرذان قرضه، يمتد من نهاية الماسورة وحتى الزنزانة.»

رفع آلة التفكير يده، فتوقف هاتش عن الحديث.

قال العالِم: «كل هذا حدث في صمت تام، لكن حين أمسكتُ السلك في يدي كدت أصيح فرحًا. بعد ذلك أجرينا تجربة أخرى، كان السيد هاتش مستعدًّا لها؛ فقد اختبرت الماسورة كأنبوبٍ ينقل الكلام. لم يكن بوسع أيِّنا أن يسمع بوضوح، لكنَّني لم أجرؤ على التحدث بصوت مرتفع خوفًا من جذب الانتباه في السجن. وفي النهاية تمكَّنت من إفهامه ما كنت أريده فورًا، وقد بدا أنه يجد صعوبة في الفهم حين طلبت منه حمض النيتريك، وكرَّرت كلمة «ماء النار» عدة مرات.

حينها سمعتُ صرخة تصدر عن زنزانة بالطابق العلوي، وقد علمت على الفور أن أحدهم سمع ما أقول، وحين سمعتك وأنت آتٍ في طريقك سيادة المأمور، تصنَّعتُ النوم، وإذا دخلت زنزانتي حينذاك كان من شأن خطة هروبي أن تَنتهي وقتها، لكنك مررت أمام الباب، وكنتَ وقتها أقرب ما تكون للإمساك بي.

بعد أن أنشأنا خط النقل المُرتجَل هذا، من السهل رؤية كيف كنت أنقل الأشياء إلى داخل الزنزانة ثم أُخفِيها متى شئت. كل ما كان عليَّ فعله هو أن أُسقِطها داخل الماسورة، وأنت، سيدي المأمور، لم يكن بوسعك الإمساك بالسلك بأصابعك؛ لأنها أكبر مما ينبغي. أما أصابعي، كما ترى، فهي أطول وأرفع، علاوةً على ذلك فقد حميتُ الجزء العلوي من الماسورة بجثة فأر، كما تذكر.»

قال المأمور وهو عابس: «أذكر هذا.»

«فكرتُ أنه لو حاوَل أي شخص فحص الفتحة فسيُهدِّئ هذا الفأر من حماسته. لم يستطع السيد هاتش أن يُرسِل لي أي شيء مُفيد عبر الماسورة إلا في الليلة التالية، رغم أنه أرسل لي ورقتَين نقديتَين من فئة خمسة دولارات على سبيل التجربة؛ لذا فقد واصلتُ مباشرة الأجزاء الأخرى من خطتي. بعد ذلك تصوَّرت خطة الهرب التي نفَّذتها أخيرًا.

ومن أجل تنفيذ هذه الخطة بنجاح، كان من الضروري لحارس الفناء أن يعتاد رؤيتي وأنا أُطِل من نافذة الزنزانة، وقد رتبتُ هذا الأمر عن طريق إلقاء رسائل مكتوبة على قطع من الكتان إليه، والحديث بنبرة مُتفاخِرة؛ كي أجعل المأمور يعتقد، لو أمكن، أن أحد مُساعِديه كان يتواصَل مع الخارج من أجلي. كنت أقف في النافذة لساعات أحدِّق منها؛ حتى يتمكَّن الحارس من رؤيتي، ومن حين لآخر كنت أتحدث معه. وبهذه الصورة علمتُ أن السجن لا يوجد به فنِّيو كهرباء مُتخصِّصين، وإنما كان يعتمد على شركة الإنارة عند حدوث أي خلل.

مهَّد لي هذا الطريق إلى الحرية تمامًا. وفي مطلع أمسية يومي الأخير من الحبس، حين عم الظلام، خططتُ لقطع سلك الكهرباء الذي كان يبعد عن النافذة أكثر من بضع أقدام، وقد وصلت إليه باستخدام سلكٍ وُضع ماء النار على طرفه. كان هذا من شأنه أن يجعل هذا الجزء من السجن مُظلمًا تمامًا بينما يبحث فنِّيو الكهرباء عن موضع القطع، كذلك كان من شأنه أن يجلب السيد هاتش إلى فناء السجن.

كان ثمةَ شيءٌ واحد إضافي يتعيَّن فعله قبل أن أبدأ بالفعل في تحرير نفسي، وكان هذا الأمر هو ترتيب التفاصيل النهائية مع السيد هاتش عبر أنبوب الكلام، وقد فعلت هذا بعد نصف ساعة من مغادرة المأمور زنزانتي في اليوم الرابع من فترة حبسي. وجد السيد هاتش صعوبة كبيرة في فهمي مجدَّدًا، وكرَّرت كلمة «ماء النار» له عدة مرات، ولاحقًا العبارة «قبعة مقاس رقم ٨» — هذا هو مقاسي — وكانت هذه هي الكلمات التي جعلت السجين الموجود في الطابق العلوي يعترف بجريمة القتل، كما أخبرني أحد السجَّانين بهذا في اليوم التالي. لقد سمع السجين أصواتًا، مختلطة بطبيعة الحال، عبر الماسورة، والتي وصلت إلى زنزانته، وبما أن الزنزانة الواقعة أعلى مني مباشرة كانت خاوية، لم يسمع أحد آخر هذه الكلمات.

بالطبع كانت عملية قطع القضبان الحديدية من النافذة والباب سهلة نسبيًّا بفضل حمض النيتريك، الذي حصلت عليه عبر الماسورة في زجاجات، لكنه استغرق وقتًا. وساعة تلو أخرى في اليوم الخامس والسادس والسابع كان الحارس أسفل منِّي ينظر إليَّ بينما كنت أعمل على إذابة القضبان عن طريق ماء النار الموضوع على طرف قطعة من السلك، وقد استخدمتُ مسحوق الأسنان لمنع ماء النار من الانتشار، وكنت أنظر بعيدًا شاردَ الذهن أثناء عملي، ومع مرور كل دقيقة كان ماء النار يخترق القضبان المعدنية أكثر، وقد لاحظتُ أن السجانين دائمًا ما يختبرون سلامة الباب عن طريق هز الجزء العلوي، وليس القضبان السفلية مُطلَقًا؛ لذا قمت بقطع القضبان السفلية، تاركًا إياها مُعلَّقة في مواضعها عن طريق شرائط رفيعة من المعدن، لكن كان في ذلك قدر كبير من التهور؛ لم يكن بإمكاني أن أهرب بوسيلة أسهل من هذه.»

جلس آلة التفكير صامتًا لبضع دقائق.

ثم واصل حديثه قائلًا: «أعتقد أن هذا يوضِّح كل شيء؛ فأيًّا كانت النقاط التي لم أشرحها، كان الهدف فحسب هو إرباك المأمور والسجانين، وقد جلبت الأشياء الموجودة في فراشي كي أُرضِي السيد هاتش فحسب، الذي أراد تزويق القصة. بطبيعة الحال، كان الشَّعر المستعار ضروريًّا لخطتي، وهناك الرسالة المُرسَلة بعلم الوصول التي كتبتها ووجهتها إلى المُرسَل إليه وأنا في زنزانتي مُستخدِمًا قلم السيد هاتش، ثم أرسلتها إليه وقد أرسلها بدوره عن طريق البريد. هذا كل ما في الأمر حسب ظني.»

سأله المأمور: «لكن كيف خرجت من السجن ثم عدتَ من البوابة الأمامية إلى مكتبي؟»

قال العالِم: «الأمر بسيط للغاية. لقد قطعت سلك الكهرباء باستخدام ماء النار كما قلت، وعندها انطفأ ضوء المصباح؛ ولهذا حين جرى تشغيل التيار الكهربائي، لم يعمل المصباح، وكنت أعلم أن معرفة مكمن الخطأ وإصلاحه سيستغرق بعض الوقت. وحين غادر الحارس كي يُبلِّغك بالأمر كان الفناء مُظلمًا؛ ولذا خرجت زحفًا من النافذة — بصعوبة نظرًا لصغر حجمها — وأعدت القضبان وأنا واقف على إفريز ضيق وظللت قابعًا في الظلام إلى أن وصل فنِّيو الكهرباء، وكان السيد هاتش أحدهم.

حين رأيتُه تحدَّثتُ إليه وناوَلني قبعة وقفازًا وثياب عمل، وقد ارتديت كل هذا وأنا على مسافة عشر أقدام منك سيادة المأمور بينما كنتَ واقفًا في الفناء، ولاحقًا ناداني السيد هاتش، بصفتي أحد العمال، وخرجنا معًا من البوابة لجلب شيء من العربة. سمح لنا حارس البوابة بالخروج دون ممانعة بوصفِنا اثنَين من العمال الذين دخلوا للتو. غيَّرنا ملابسنا وعاودنا الظهور، وطلبْنا مقابلتك، ثم قابلناك، هذا كل ما في الأمر.»

ساد الصمت بضع دقائق، وكان د. رانسوم أول مَن تحدَّث.

فقال مُتعجبًا: «رائع! مُذهِل للغاية.»

تساءل السيد فيلدنج: «كيف استطاع السيد هاتش المجيء برفقة فنِّيي الكهرباء؟»

رد آلة التفكير قائلًا: «إن والده مدير الشركة.»

«وماذا لو لم يكن السيد هاتش موجودًا بالخارج كي يُساعِدك؟»

«كل سجين له صديق بالخارج على استعداد لمساعدته على الهرب لو استطاع.»

سأله المأمور في فضول: «وماذا، لو افترضنا، أنه لم يكن هناك نظام صرف قديم؟»

قال آلة التفكير في غموض: «كان هناك سبيلان آخران للهرب.»

بعد عشر دقائق دق جرس الهاتف، وطلب المُتصِل التحدث مع المأمور.

سأله المأمور على الهاتف: «الأضواء سليمة، مفهوم. أمر طيب. السلك مقطوع بجوار الزنزانة رقم ١٣؟ نعم، أعلم هذا. عدد فنِّيي الكهرباء أكثر من العدد المفترض بشخص واحد؟ ما هذا؟ خرج اثنان؟»

استدار المأمور مُواجِهًا الآخرين وعلى وجهه علامات الحيرة.

«لقد سمح لأربعة من فنِّيي الكهرباء بالدخول، ثم سمح بخروج اثنين، والآن يوجد ثلاثة هناك.»

قال آلة التفكير: «كنت أنا الشخص الزائد.»

قال المأمور: «آه، فهمتك.» ثم قال للمتحدِّث على الهاتف: «اسمحوا للرجل الخامس بالخروج، لا غبار عليه.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠