الفصل الأول

اندثار المبارزة

… المساواة حتمية.

القاعدة الرابعة عشرة من كتاب
«الممارسة الأيرلندية للمبارزة ومغزى الشرف»

مواجهة مربكة

عقارب الساعة تشارف على الثامنة من صباح يوم ٢١ مارس ١٨٢٩. وصل دوق ويلينجتون — رئيس وزراء بريطانيا — على صهوة حصانه عند مفترق طرق جنوب نهر التيمز، على مسافة نصف ميل تقريبًا من جسر باترسي. وسرعان ما لحق به زميله في الوزارة، السير هنري هاردينج — وزير الحرب — أعقبه بعد فاصل زمني قصير، طبيب الدوق في مركبته.

وبينما تبادل الرجال الثلاثة التحية، تحرك الطبيب صوب ساحة كبيرة مفتوحة تسمى باترسي فيلدز، مارًّا بمزرعة صغيرة، حاملًا مسدسين يخفيهما تحت معطفه، ليواريهما عن الأنظار وراء سياج من الشجيرات. والمعروف عن باترسي فيلدز أنه المكان الذي يقصده السادة للمبارزة، وما كان ليصعب على أي شخص يرقب تسلسل الوافدين أن يفهم ما يدور. فالدوق شخصية معروفة لأي لندني تقريبًا، بوجهه الذي يعلوه أنف روماني كبير وجبينه العالي. فهو ذائع الصيت منذ انتصاراته الأولى على جيوش نابليون في إسبانيا قبل عشرين عامًا. ولا بد أن الفضول كان سيقتل أي متفرج رغبةً في معرفة من الوافد التالي.

وعلى أي حال، فمجرد وصول أحد السادة النبلاء ومعه شاهد المبارزة وطبيبه هو إيذان بوصول غريمٍ وشاهد المبارزة الخاص به هو الآخر. والسؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه مع ظهور شخص مثل دوق ممشوق القوام، مشهود له بالشرف، يُضرب به المثل في خدمة الملك والوطن، يستعد لمبارزة، هو: من الذي تجرأ واعتدى على شرفه؟

وسرعان ما يكون للسؤال جواب بوصول إيرل وينتشيلسي، وشاهد المبارزة من طرفه، إيرل فالموث. واسم إيرل وينتشيلسي التعميدي هو جورج ويليام فينش-هاتون. (كان حفيده هو دانيس فينش-هاتون، الأرستقراطي الإنجليزي الوسيم الذي لعب دوره روبرت ردفورد في فيلم «خارج أفريقيا».) يعد فينش-هاتون أقل شهرة من الدوق بكثير، وقد شاعت سمعته القبيحة نتيجة معارضته النشطة على مدار عام أو عامين لحركة تهدف إلى رفع بعضٍ من الأعباء القانونية عن كاهل الكاثوليكيين في بريطانيا (وهي أعباء دائمًا ما كانت موجودة على نحو أو آخر منذ حركة الإصلاح الديني). وهو خطيب ملهم، طالما تحدث داخل البرلمان وخارجه عن الحاجة إلى حماية دين آبائه وتقاليدهم. وكان قائدًا لتلك الفئة من الإنجليز الذين ظلوا يعتقدون بحماس أنه لا يمكن أن يجمع المرء بين ولاءٍ لبريطانيا وولاءٍ للبابا في روما في قلب واحد. كان إيرل وينتشيلسي طويل القامة، أسود الشعر، قوي البنية، وكان في أواخر الثلاثينات من عمره؛ أي يصغر الدوق بعشرين عامًا على الأقل. ولا بد أن موكبه مع إيرل فالموث كان مهيبًا، ففالموث كان ضابطًا سابقًا بالجيش، مثله.

وقف دوق ويلينجتون بعيدًا في تحفظ في حين احتدم النقاش بين شاهدي المبارزة؛ فالموث وهاردينج. ثم حشى الطبيب المسدسين اللذين كان قد أخفاهما وراء سياج الشجيرات. كانت هذه مهمة هاردينج، إذا توخينا الدقة، إلا أن هاردينج كان قد فقد يده اليسرى في الحروب النابليونية، أما اللورد فالموث فكان قد حشى بالفعل واحدًا من المسدسين اللذين أحضرهما معه. اختار هاردينج البقعة التي سيقف فيها الدوق، ثم خطى اثنتي عشرة خطوة، وأعطى توجيهًا للورد وينتشيلسي بأن يأخذ موقعه. اعترض ويلينجتون على الموقع الأول قائلًا: «اللعنة! لا تجعله يقف قريبًا من الخندق. إذا أصبته، سيسقط فيه!»1

وأخيرًا، عندما أخذ كل منهما موقعه، أعطى هاردينج الدوق مسدسه، وأعطى فالموث وينتشيلسي مسدسه، وأخذ هاردينج خطوات للوراء، ثم بعد عدة إجراءات شكلية أخرى، قال بحزم: «أيها السادة، هل أنتما مستعدان؟ أطلقا النار!» رفع الدوق مسدسه، وتردد للحظة تعود لعدم إبداء الإيرل أي بادرة للاستعداد، ثم أطلق النار. لم يصب وينتشيلسي بأذى. وعندها رفع الإيرل مسدسه بكل تصميم فوق رأسه وأطلق النار في الهواء.

وقد قال طبيب ويلينجتون لاحقًا في روايته لما دار بين شاهدي المبارزة:

ظل الدوق في مكانه، في حين اندفع اللورد فالموث واللورد وينتشيلسي مباشرة نحو السير هنري هاردينج، ووجه اللورد فالموث له الكلام قائلًا: «إن لورد وينتشيلسي، بعد أن تلقَّى طلقات النار من الدوق، يجد نفسه في ظروف مختلفة عن تلك التي كان فيها سابقًا، وهو الآن يجد نفسه قادرًا على أن يعوض الدوق بالطريقة التي يريدها.»

كان فالومث يتبع العرف السائد الذي يقضي بأن التواصل لا يكون إلا من خلال شاهدي المبارزة، وعليه كان الدور على السير هنري، بصفته شاهد الدوق، ليجيب. مرت ثوانٍ يحفُّها التوتر قبل أن يقول هاردينج:
«يتوقع الدوق اعتذارًا صادقًا، واعترافًا كاملًا بالخطأ الذي اقترفه الإيرل عندما نشر الاتهام الذي وجهه إليه.» عندها أجاب اللورد فالموث: «اعتذار بين كامل بكل معنى الكلمة.» ثم أخرج من جيبه ورقة تحمل اعترافًا من اللورد وينتشيلسي بخطئه …2
وبعد مناقشات محتدمة وتعديل اقترحه الطبيب، وافقت كافة الأطراف على نسخة من الاعتذار الذي كان قد أعده فالموث بعد إدخال بعض التعديلات الطفيفة عليه.

تقدم الدوق وانحنى أمام إيرل وينتشيلسي وإيرل فالموث، وعندها قام إيرل فالموث، الذي يبدو أنه شارك على مضضٍ في هذه الأحداث، بشرح كيف أنه كان يرى منذ بداية الأمر أن وينتشيلسي قد جانبه الصواب. عندها قال هاردينج بكل صراحة إن رأيه هو أنه ما كان لفالموث أن يقبل أن يكون شاهد مبارزة لوينتشيلسي ما دام كان هذا رأيه؛ وعندما حاول فالموث أن يشرح وجهة نظره مرة أخرى، تدخل الدوق هذه المرة قائلًا: «عزيزي اللورد فالموث، هذه أمور لا شأن لي بها!» ثم لمس طرف قبعته بإصبعيه في تحية وقال: «عمت صباحًا يا عزيزي اللورد وينتشيلسي. عمت صباحًا يا عزيزي اللورد فالموث.» ثم امتطى حصانه.

إذا ما بحثنا في هذا التبادل المشين لإطلاق النار وما تلاه من حديث، فإننا نستطيع أن نفهم التغير الذي طرأ على ثقافة الشرف في بريطانيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. إن موت المبارزة في بريطانيا — أي اختفاء نوع من الممارسات كان يحدد ملامح حياة النبلاء على مدار ثلاثة قرون تقريبًا — يمثل أول ثورة أخلاقية أود أن أسلط عليها الضوء. ومن شأن قصة ويلينجتون ووينتشيلسي التي دارت على أرض باترسي فيلدز أن تتيح لنا فرصة مشاهدة بعض الضغوط التي ساهمت في القضاء عليها تمامًا.

تحديات دستورية

تعود أسباب المبارزة إلى معارضة وينتشيلسي الصريحة لمشروع القانون الذي كان يحاول ويلينجتون تمريره في مجلس اللوردات؛ قانون الإغاثة الكاثوليكية، الذي كان يقضي بالسماح للكاثوليكيين بعضوية البرلمان البريطاني لأول مرة منذ أكثر من مائة وخمسين عامًا. ففي يونيو عام ١٨٢٨؛ أي قبل هذه الأحداث بسنة واحدة، فاز دانيال أوكونل، الأيرلندي الوطني ومؤسس الرابطة الكاثوليكية، التي كانت تسعى إلى تحسين أحوال الكاثوليكيين في أيرلندا، بعضوية البرلمان البريطاني. كان يتمتع أوكونل وسياساته بشعبية كاسحة في أيرلندا — كما أوضحت الانتخابات — وكان من شأن وجوده في لندن أن يتيح للأيرلنديين مساحة للتعبير عن آرائهم في المجلس التشريعي. ولكنه حُرِم من دخول مجلس العموم لكونه كاثوليكيًّا … ما لم يبدِ استعداده لأن يقسم بأن «التشفع بمريم العذراء أو غيرها من القديسين وتقديسهم، وأن ذبيحة القداس، كما هو متعارف عليه في كنيسة روما، هي كلها ضرب من ضروب الخرافات والوثنية …» وبطبيعة الحال، لا يمكن لأي كاثوليكي يحترم ذاته أن يقسم مثل هذا القسم، ومن الواضح كذلك أن هذا هو السبب وراء مثل هذا الطلب. ويعكس إقصاء أوكونل بعيدًا عن البرلمان صور الإقصاء العديدة الأخرى التي كان يعاني منها أي أيرلندي كاثوليكي، رجلًا كان أو امرأة، على أرض وطنه. والتهبت عواطف الأيرلنديين حول هذه القضية حتى إن الحديث تطرق في بعض الأوساط إلى إشعال حرب أهلية.

وكحال معظم أعضاء حزب المحافظين في بريطانيا — بما في ذلك السير روبرت بيل الذي كان مسئولًا عن توجيه حركة سير مشروع القانون في مجلس العموم — عارض ويلينجتون فكرة تحرير الكاثوليكيين ذات مرة، ولم يكن لأي من الرجلين أن يغير رأيه بسهولة. فالدوق وُلد في أيرلندا وشغل منصب رئيس وزرائها عندما كان سياسيًّا شابًّا، وبالتالي كان أفضل من يقدِّر دقة الموقف في هذه الجزيرة التي يسودها الاضطراب. لقد غيَّر موقفه من فكرة تحرير الكاثوليكيين؛ لأنه — كما قال في خطابه حول القراءة الثانية لمشروع القانون في مجلس اللوردات، وهو الخطاب الذي أثنى عليه الكثيرون واصفين إياه بواحد من أفضل خطاباته في مسيرته البرلمانية — يبدو أن أيرلندا «على شفا حرب أهلية». وقد عقَّب رئيس الحكومة، وسط تهليل من ذلك المجلس الموقر، قائلًا: «وهنا لا أجد ما أقوله سوى أنه إذا كان في وسعي أن أجنِّب وطني الذي أعشق ترابه شهرًا واحدًا من حربٍ أهليةٍ بأي ثمن، لضحيت بحياتي نفسها لأجل هذا الأمر.»3

إلا أن جورج ويليام فينش-هاتون، الإيرل العاشر لوينتشيلسي، كان مستعدًّا لأن يفترض الأسوأ، ودائمًا ما كان يعلن — خاصة مع اقتراب موعد التمرير النهائي لمشروع القانون — أن دوق ويلينجتون يدبر هجومًا على الدستور البروتستانتي. وفي هجوم شرس في فبراير عام ١٨٢٩، حث وينتشيلسي «الإخوة البروتستانتيين!» على أن يأخذوا «موقفًا جريئًا دفاعًا عن الدستور البروتستانتي والديانة البروتستانتية …»؛ لأن «مجلس الشيوخ الموقر يضم بين جنباته أعضاءً منحلين على أتم الاستعداد لأن يقدموا عند ضريح الخيانة والتمرد قربانًا هو الدستور الذي كافح ومات من أجله أجدادنا»، مطالبًا بني وطنه أن يرفعوا التماسًا إلى الملك والبرلمان. وقد وصف نفسه بكل تواضع ﺑ «الخادم الأمين والمطيع» لإخوته البروتستانتيين، إلا أن توقيعه «وينتشيلسي ونوتينجهام» — حيث إنه كان الإيرل الخامس لنوتينجهام كذلك — الذي ذيَّل به المنشور، ربما لم يكن على نفس الدرجة من التواضع.

وفي خطاب نُشر في صحيفة «ذا ستاندارد» في ١٦ مارس؛ أي قُبيل موعد التمرير النهائي لمشروع القانون بأسبوع تقريبًا، شن وينتشيلسي هجومًا على دوق ويلينجتون كان فيه أكثر تحديدًا. فقد زعم أن رئيس الحكومة كان مرائيًا عندما قدم الدعم المالي لإقامة كينجز كوليدج لندن بوصفها مؤسسة أنجليكانية في محاولة منه لموازنة الأمر بعد إنشاء جامعة لندن ذات الطابع العلماني. وقد وصف وينتشيلسي مساهمة الدوق في هذا المشروع — الذي قد يبدو بروتستانتيًّا — بأنها «ستار» يتيح له «التخفي وراء قناع التحمس لصالح الديانة البروتستانتية» بغرض «الاستمرار في مكائده التي يحيكها في الخفاء لانتهاك حرياتنا، وفرض الباباوية داخل كل وزارة من وزارات الدولة».4
لا شك أن وينتشيلسي كانت تحركه مشاعر قوية تجاه الكنيسة الإنجليزية. فقد وصفه تشارلز جرفيل — الكاتب في مجلس الخاصة، وهي الهيئة التي تضم كبار المستشارين السياسيين للملك كافة، في الفترة من عام ١٨٢١ إلى عام ١٨٥٩ — بأنه «نظير لا أهمية شخصية له، ولكنه نصيرٌ راسخ الإيمان بالكنيسة والدولة».5 بيد أن رفع أصابع الاتهام في وجه بطل الحروب ضد نابليون و«مخلِّص أوروبا» والظافر في موقعة ووترلو، ورميه بالرياء بشأن عقيدته الحقيقية وبخيانة الدستور، كلها ولا شك — كما جاء على لسان السادة في نوادي لندن الذين تردد بينهم ذلك الاتهام — أمور تدل على التمادي الشديد.
ويبدو أن اتهامات وينتشيلسي المنشورة قد أثارت ثائرة ويلينجتون الذي أصر على اعتذار الإيرل له … الأمر الذي رفضه الأخير بعد تبادل متعجل للرسائل. وعليه، أرسل الدوق في ٢٠ مارس رسالة لوينتشيلسي تفيض بالازدراء يتساءل فيها: «هل من الممكن أن يقبل وزير الملك أن يهينه أي شخص كان لمجرد أنه تراءى له أن ينسب إليه دوافع مشينة أو إجرامية بناءً على تصرفاته باعتباره فردًا؟» وعلى الفور، أعقبه بإجابته: «لا أشك ولو للحظة في القرار الذي يتحتم عليَّ أخذه. ولا تلومنَّ إلا نفسك يا سيادة اللورد!» وهنا أصر على أن يمنحه وينتشيلسي «الشرف الذي يحق لكل رجل أن يطلبه ولا يحق لأي رجل أن يرفضه».6 وفي صباح اليوم التالي، تقابل الدوق والإيرل مصحوبين بشاهدي المبارزة في باترسي فيلدز.

كانت قد مرت أسابيع قليلة على هذه الواقعة عندما منح الملك جورج الرابع تصديقه الملكي على قانون الإغاثة الكاثوليكية، وأمر بنفاذه. أشيع وقتها أن الملك صاحب الميول المناهضة للكاثوليكية قد بكى وهو يوقع على مشروع القانون. فقد أجبره تهديد ويلينجتون بالاستقالة على الإذعان.

فيمَ كان يفكر؟

كانت هذه الملابسات التي أسفرت عن تحدي ويلينجتون للإيرل. ولكن فلنتأمل النقاط التالية. لم يكن الدوق متحمِّسًا للمبارزة. بل إنه في واقع الأمر لم يبارز قط قبل هذه الواقعة، ولم يبارز أبدًا بعدها على العكس من العديد من ضباط الجيش في زمانه، وعلى الرغم من حياته المهنية العسكرية المتميزة. ويبدو أنه — عندما كان قائدًا ميدانيًّا في أثناء الحروب النابليونية — كان يرى أن قمع المبارزة تمامًا بين صفوف الجيش من شأنه أن ينال من الشرف العسكري البريطاني. إلا أنه في عام ١٨٤٣؛ أي بعد مرور أربع عشرة سنة على واقعة المبارزة سيئة السمعة عندما كان لا يزال قائدًا عامًّا في الجيش، أُدخلت تعديلات على «قواعد الحرب» تقضي بفرض عقوبات مشددة على كل من يشارك في مبارزة في كافة فروع القوات المسلحة، وذلك بعد حشد تأييد العديد من الشخصيات المرموقة مثل الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا العزيز. وقد صار الدوق أيضًا عضوًا بارزًا في رابطة مناهضة المبارزة في وقت لاحق من حياته.

علاوة على ذلك كانت المبارزة مجرَّمة قانونًا. فقد كتب السير ويليام بلاكستون، في الستينيات من القرن الثامن عشر، في كتابه «ملاحظات حول قوانين إنجلترا»، يقول إن القانون الأنجلوساكسوني العام في إنجلترا «قد نسب جريمة القتل وفرض عقوبة لها» على المتبارزين وشاهدي المبارزة، الذين «استهتروا بحياتهم وحياة إخوانهم».7 وكذلك، فإن كلًّا من القانون الكنسي والتعاليم الأخلاقية المسيحية يعارضان المبارزة.
ويجب ألا نغفل الآثار «السياسية» المترتبة على المبارزة. فقتل الدوق كان سيعني أن تفقد الدولة رئيسًا للوزراء، وأن يخسره الملك في خضم أزمة دستورية في حادث غير قانوني يدور حول القضايا المتنازع عليها في تلك الأزمة نفسها. توجد عدة أمور كانت ستساهم في المزيد من زعزعة الاستقرار في مناخ يسوده الاضطراب بالفعل. فلو قَتل الدوق وينتشيلسي، كان سيحاكم بتهمة القتل أمام مجلس اللوردات. (وقد كان ذلك مصير اللورد كارديجان الذي حُوكم في عام ١٨٤١ بتهمة إصابة كابتن تاكت بجرح في مبارزة بينهما؛ وقد بُرِّئت ساحة كليهما.)8 على أقل تقدير، كان سيُجبر الدوق على الاستقالة من الوزارة، كما كان مصير اثنين من الساسة الأنجلو-أيرلنديين، وهما كانينج وكاسلرايه، حيث أُجبر الأول على الاستقالة من منصب وزير الخارجية والثاني من منصب وزير الحربية بعد خوضهما مبارزة قبل ذلك بعقدين من الزمان. وسواء قتل الدوق وينتشيلسي أو حدث العكس، فلا شك في أن مجلس اللوردات كان سيجيز قانون الإغاثة الكاثوليكية.

ولو عُقدت محاكمة، لكان اللوردات في موقف لا يحسدون عليه. فالثورة الفرنسية وإعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة في عام ١٧٩٣ كلها أمور ساهمت في رفع راية النزعة الجمهورية مرفرفة في أوروبا. أما النادي الجاكوبي السياسي، وهي المنظمة الراديكالية الرائدة في الثورة الفرنسية، فقد نشر أفكارًا جديدة حول الحرية والمساواة في جميع أنحاء فرنسا سرعان ما وجدت أنصارًا لها في إنجلترا كذلك. وفي مطلع القرن التاسع عشر، اتخذت الحكومة البريطانية بانتظام تدابير لمواجهة تهديد النزعة الجاكوبية؛ خوفًا من تنامي موجة من العداء ليس للملكية فحسب، بل وأيضًا للأرستقراطية والامتيازات الموروثة كافة.

تلت هزيمة ويلينجتون لنابليون في موقعة ووترلو فترة من ارتفاع معدلات البطالة، تفاقمت بفعل «قوانين الحبوب» التي كان هدفها الحفاظ على أسعار الحبوب رخيصة. ساهمت هذه القوانين في الحفاظ على المصالح الاقتصادية للمزارعين الذين كانوا يزرعون القمح وغيره من المحاصيل في المملكة المتحدة، ولكنها رفعت أسعار الغذاء بالنسبة لفقراء إنجلترا. وقد أدى انعدام شعور الطبقات الحاكمة بمعاناة من هم أردى منهم حالًا إلى منح المطالبات ذات الطابع الراديكالي مزيدًا من الزخم. وفي عام ١٨١٩، تجمَّع أكثر من ٥٠ ألف رجل وامرأة في ساحة سانت بيترز فيلد في مانشستر للمطالبة بإصلاح برلماني. وعندما رفض الجمع الانصياع لقرار المأمور بضرورة التفرق، تعرض أعضاء من العسكريين الذين كان يمثلهم ويلينجتون، لرجال ونساء عُزَّل في الشوارع، وقد أسفرت هذه المواجهات عن مقتل بضعة رجال وثلاث نساء، نصفهم طُعنوا بالسيوف قبل أن تزهق أرواحهم. وقد أُطلق على هذه المذبحة «موقعة بيترلو»، وهي إشارة ليست بالخفية إلى المذبحة التي شهدها أعظم انتصارات ويلنجتون.

وبحلول عام ١٨٢٩، وفي الوقت الذي كان فيه قانون الإغاثة الكاثوليكية محل نقاش، كان العديد من أعضاء البرلمان والمواطنين يحرضون النفوس صوب المزيد من الإصلاحات الحقيقية، وكانوا يلاقون مقاومة من برلمان غير تمثيلي إلى حد بعيد، تسيطر عليه الطبقة الأرستقراطية غير المنتخبة. فلم تكن هذه باللحظة المناسبة التي تتساهل فيها السلطات في التعامل ولو مع خرق واحد من الأرستقراطيين للسلام في الوقت الذي تتعامل فيه بكل عنف مع الطبقات الأدنى. وفي حالة رفض زملاء الدوق التماس العذر له، وهو فرض مستبعد الحدوث، كان سيقع العبء البغيض على كاهل الملك، حيث إن إصدار حكم بالإعدام على ويلينجتون كان غير وارد من الأصل.

باختصار، كانت المبارزة مخالفة لميول ويلينجتون، وللقانون المدني، وللتعاليم المسيحية، وللحصافة السياسية على ما يبدو. وربما يتبادر إلى ذهنك سؤال: ماذا كان يفعل رئيس وزراء الملك، الذي هو أيضًا رئيس كنيسة إنجلترا، في باترسي الساعة الثامنة من صباح ذاك اليوم الربيعي المنعش؟ وما الذي كان يدور في ذهنه يا ترى؟ كانت الإجابة التي سيمنحها لك زمرة الفضوليين المتفرجين على المبارزة؛ أن آرثر ويلسلي، فارس باث وبارون دورو أوف ويلينجتون وفيكونت ويلينجتون أوف تالافيرا وويلينجتون وإيرل ويلينجتون وماركيز ويلينجتون ودورو ودوق ويلينجتون (لاستيفاء مجموعة ألقابه كاملة) كان يدافع عن شرفه مثله في ذلك مثل أي سيد نبيل.

نماذج الاحترام

طبقًا لمجموعة المبادئ التي كانت تحكم مجتمع ويلينجتون وطبقته الاجتماعية، كان من حقه — باعتباره سيدًا نبيلًا — أن يُعَامل بالاحترام الواجب لأي سيد، وهو امتياز انتهكه وينتشيلسي على نحو صارخ باتهاماته العلنية. إذن، تكمن في جوهر الشرف فكرة بسيطة: تمتع المرء بالشرف معناه أنه جدير بالاحترام.

ولكن ما الذي نقصده بالشرف؟ لقد ميز الفيلسوف ستيفن داروال مؤخرًا بين طريقتين مختلفتين في الأساس لاحترام شخص ما. الطريقة الأولى، التي أطلق عليها اسم «الاحترام التقييمي»، تعني أن يقوم المرء بإصدار حكم إيجابي لصالح شخص ما وفقًا لمعيار معين. وتصرُّف المرء على نحو جيد وفقًا لمعيار معين يعني أنه يتصرف بطريقة أفضل من أغلب الآخرين. نحن نحترم رافايل نادال على أساس مهاراته في التنس، أو ميريل ستريب على أساس أدائها التمثيلي. (وسأشير لهذا النوع من الاحترام بكلمة «تقدير».) ولا يُحتمل أن يكون ويلينجتون غير مبالٍ بهذا النوع من الاحترام. فبصفته جنديًّا، طالما كان مراعيًا لأعلى معايير الأداء العسكري. وما ناله من شرف بناءً على هذه المعايير له طابع تنافسي: فقد ناله لأنه كان أفضل من سواه في أدائه. والغالبية العظمى من ألقابه نالها تقديرًا لهذه الإنجازات.

بيد أنه ثمة نوع آخر من الاحترام، وهو «الاحترام الإقراري»، الذي يتضمن (نظريًّا) معاملة الناس بطريقة تمنحهم الاعتبار المناسب لواقع ما يمثلونه. فعندما نحترم أصحاب النفوذ — مثل القاضي في المحكمة، أو ضابط الشرطة أثناء القيادة في الشارع — فنحن نتعامل معهم بحذر؛ لأنهم يتمتعون بالصفة التي تخوِّل لهم إجبارنا على فعل شيء ما. فاحترامنا لهم هو «إقرار» بحقيقة هذا النفوذ. ولكننا قد نحترم شخصًا مرهف الحس عن طريق التحدث إليه برفق، أو نحترم امرأة تعاني من إعاقة ما عن طريق مساعدتها إذا ما طلبت يد العون. بعبارة أخرى، إن احترام الناس من هذا المنطلق لا يتطلب وضعهم في مرتبة عالية خاصة.

ونظرًا لوجود العديد من الحقائق التي نعترف بها ونتجاوب معها عند تعاملنا مع الآخرين، فإن «الاحترام الإقراري» من شأنه أن يتلوَّن باختلاف المشاعر، وكذلك يمكن أن يصاحب اتجاهات إيجابية كانت أو سلبية. فعندما قال الإمبراطور الروماني كاليجيولا: «دعهم يكرهون ما داموا يخافون.» فقد كان يعبِّر عن بهجة ذات طابع منحرف بحصوله على نوع من أنواع الاحترام. ولكنه لم يكن الاحترام الإيجابي الذي يصحب الشرف.

ونخلص من ذلك إلى أن الاحترام الإقراري الذي يمثل أهمية بالنسبة للشرف يعني أكثر من مجرد «منح الاعتبار المناسب لواقع ما يمثله» شخص ما. فهذا النوع من الاحترام يتطلَّب — وخاصة كما نتصوره في زمننا هذا — اتجاهًا إيجابيًّا. وأعتقد أن هذا الاتجاه، في الواقع، من النوع الذي نظهره عند تقديرنا لشخص ما تقديرًا رفيعًا. ولذلك، فمن الآن وصاعدًا، عندما أتحدث عن «الاحترام الإقراري»، فإنني أقصد الاحترام الذي يتضمن ارتفاع شأن الشخص المقدَّر بناءً على الواقع. وعلى الرغم من توافر هذا الشرط في «التقدير» كذلك، فإنه يظل مهمًّا — كما سنرى — من أجل التمييز بين الأسس المتباينة لإصدار الحكم المرتبط بهذه الأنواع المختلفة من الاحترام.

يوازي هذين النوعين من الاحترام، سواءٌ «التقدير» أو «الاحترام الإقراري الإيجابي»، نوعان من الشرف. فهناك الشرف تنافسي الطابع، الذي له درجات؛ وهناك ما نسميه «الشرف بين النظراء»، وهو ما يحكم العلاقات بين من يقفون على قدم المساواة. (وهذا نوع من التمييز المفاهيمي؛ فلا يمكنني الجزم بإمكانية الفصل بين هذين النوعين من الاحترام بهذه الدقة عند التطبيق الفعلي.) وما من درجات في نوع «الشرف بين النظراء»؛ فإما أن تناله وإما لا.

لقد وُلِد الملك هنري الخامس — ملك إنجلترا — أو الأمير هال في مسرحية شكسبير، ليجد نفسه أهلًا للشرف لنسبه الملكي، ولكنه كان يشعر بالفخر بالشرف التنافسي الذي ناله على وجه الخصوص نتيجة بطولاته العسكرية في معركة أجينكورت، التي هزم فيها جيشُه جحافلَ الملك الفرنسي («أنا جندي، وهذا خير لقب يليق بي.» كما قال في المشهد الثالث من الفصل الثالث من المسرحية). فهذا الملك المحارب من القرن الخامس عشر لم يكن حاكمًا فحسب، بل كان قائدًا لجيشه كذلك، فأضاف لشرفه الملكي، الذي لم ينله عن استحقاق، شرفًا عسكريًّا استحقه عن جدارة.

يعد أدب الفروسية زاخرًا بقصص المثل العسكرية: فهناك حكايات فرسان الملك آرثر ومائدته المستديرة التي هي من أساسيات تعليم أي فتى إنجليزي من الطبقة العليا وحتى القرن العشرين. فلننظر مثلًا إلى مسرحية «موت آرثر»، وهي واحدة من أوائل النصوص الأدبية التي تقص هذه الحكايات. كتبها السير توماس مالوري في أوائل الخمسينيات من القرن الخامس عشر على الأرجح عندما كان سجينًا في برج لندن، الذي حل عليه ضيفًا كذلك الملك هنري السادس، ابن الملك هنري الخامس وولي عهده. وتحكي المسرحية قصة السير تريسترام الذي يقول إنه حارب «حبًّا لعمي الملك مارك، وحبًّا لبلدي كورنوول، ولأضيف لشرفي شرفًا».9 أما الملك هنري الخامس، فيقول في مسرحية شكسبير، في واحدة من أشهر خطبه على الإطلاق، قبيل معركة أجينكورت:
… أما إذا كان الطمع في الشرف خطيئة،
فإن روحي أشد الأرواح إثمًا.
(الفصل الرابع، المشهد الثالث)

إلا أن الشرف التنافسي، من النوع الذي ناله السير تريسترام والأمير هال ودوق ويلينجتون على أثر بطولاتهم العسكرية، لم يكن نموذج الشرف الذي تدعمه المبارزة. لقد عامل ويلينجتون وينتشيلسي على أنه سيد نبيل عندما تحداه في مبارزة. ففي تحديه إظهار لاحترام إقراري له، فقد عامل وينتشيلسي بطريقة منحته (طبقًا لمعايير مجتمعه) التقييم الإيجابي المناسب لمكانته باعتبار الإيرل سيدًا من النبلاء. وعلى الرغم من أنه من الجلي أن ويلينجتون يستحق قدرًا كبيرًا من الاحترام التقديري باعتباره أكبر القادة العسكريين نجاحًا (وواحدًا من أعظم رجال الدولة) في عصره، فإنه لم يطلب من وينتشيلسي سوى الاحترام الإقراري الذي يستحقه لكونه سيدًا نبيلًا. لقد كان هذا احترامًا بين سيدين متكافئين.

إن الشرف بين النظراء هو نوع من الشرف إما أن يناله أصحاب المكانة المناسبة، إذا ما حافظوا على مبادئه، وإما لا ينالونه البتة. ولقد كان الاحترام الواجب إظهاره في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر في إنجلترا من النوع الذي يتبادله من هم على قدم المساواة، على أساس من الإقرار لا التقدير. فالاحترام الواجب لسيد نبيل هو الاحترام نفسه الواجب إظهاره لغيره من السادة النبلاء على حد سواء. وما دمت تتمتع بالمكانة الاجتماعية المناسبة، فأنت أهل للاحترام الذي يجب إظهاره لأي سيد نبيل، الاحترام الذي يليق بالسادة النبلاء، وهو احترام لا يزيد لكونك ناجحًا نجاحًا عسكريًّا لا يُضاهَى مثل دوق ويلينجتون، أو لكونك مجرد أحد أرباب الأراضي من المرتبة الدنيا.

من المهم أن نستوعب أنه على الرغم من أن الشرف استحقاق للاحترام — وأن الخزي يأتي بفقدان هذا الحق — فإن أي شخص يتمتع بالاحترام يعنيه قبل كل شيء أن يكون «أهلًا» لهذا الاحترام، قبل أن ينال هذا الاحترام. إن من يريد أن ينال الاحترام فحسب، لن يهتم بكونه يرقى بالفعل لمستوى المعايير أو لا؛ كل ما سيعنيه هو أن «يظن» الآخرون أنه يرقى لمستوى المعايير. سيكون همه الحفاظ على سمعته، لا الحفاظ على شرفه. فحتى تصبح أهلًا للشرف، لا بد أن «تفهم» ميثاق الشرف وأن «تلزم» نفسك به: هذان الشرطان أساسيان في تعريف فرانك هندرسون ستيوارت، عالم الأنثروبولوجيا، لفكرة «مفهوم الشرف».10 فالشخص الذي يتمتع بالشرف بحقٍّ يُعنَى بالشرف ذاته فوق كل شيء، لا بما يُثاب به من التزامه الشرف. فأنت تشعر بالخزي عندما تقصر في التزامك بمعايير ميثاق الشرف؛ وإنك تشعر بهذا الخزي أيضًا — أتذكر ديكارت — سواء عرف الناس بتقصيرك هذا أم لا.
إن الخزي هو الشعور المناسب لسلوك منافٍ للشرف. (ونتيجة لهذا الرابط بين الشرف والخزي، فإن إحدى طرق التعبير عمن ليس أهلًا للشرف هي نعته بالوقاحة أو قلة الحياء.) إن أبلغ رد من الآخرين على خرقك للمبادئ هو أن يكفوا عن احترامك أولًا، ثم أن يعاملوك بعدم احترام بالفعل. إن ما نكنه في صدورنا لمن ارتكبوا فعلة مخزية هو الازدراء؛ وستأتي الفرصة لاحقًا في هذا الكتاب لأن أستخدم كلمة مهجورة إلى حد ما في اللغة الإنجليزية وهي كلمة contemn، التي تعني النظر إلى شخص ما ومعاملته باحتقار، تمامًا مثل فعل honor، الذي يعني النظر إلى شخص ما ومعاملته باحترام.

أما ما ينبغي أن تشعر به عندما تتمتع بالشرف (أو تتصرَّف بشرف)، فهي مسألة أكثر تعقيدًا. فالفخر يقابل الخزي، وعليه فربما تعتقد أن مشاعر الفخر هي رد الفعل المناسب لسلوكك الموافق للشرف. إلا أن الفخر يبدو مناسبًا أكثر عندما تقوم بشيء خارج عن المألوف؛ فغالبًا ما يشعر الشخص الذي يتمتع بالشرف أن ما قام به هو ما كان واجبًا عليه لا أكثر. فإذا كنت تتمتع بالشرف بحق، فإنك لن تشعر بالفخر لالتزامك بمعاييرك؛ لأن هذا الالتزام سيصبح طبيعيًّا بالنسبة لك. فالشرف يتحقق عندما يصبح الالتزام أمرًا مفروغًا منه.

إذن، من بين الصعوبات التي ينطوي عليها الفخر أن التواضع قد يكون جزءًا من ميثاق الشرف. في الفصل الثاني، سأناقش سببًا آخر لتعقُّد الصلة بين الفخر والشرف — في العالم المسيحي على الأقل — أكثر من تعقد علاقة الشرف بالخزي؛ وتحديدًا، تقليد يقضي بالعداء الأخلاقي لمشاعر الفخر (أو الغرور كما يطلق عليه عند استهجان الآخرين وتحقيرهم)، وهي خصومة ترجع إلى عصر الرواقيين.11 وقد وضع هنري الخامس يده على المشكلة بوضوح عندما قال، بعدما تلقَّى تقارير حول مبلغ ما حققه من نصر في أجينكورت: «أعلنوا في الجيش أن الموت جزاء من يفخر/أو يخص بالمدح أحدًا غير الله؛ فالحمد له وحده.» (الفصل الرابع، المشهد الثامن).
ولكن ثمة مجتمعات أخرى — مثل الإغريق في الماضي السحيق، أو قبائل الأشانتي، حيث ترعرعتُ، حتى في يومنا هذا — تعتقد أن الفخر والتفاخر طالما كانا مصاحبين للشرف بطبيعة الحال.12 توجد مقولة شهيرة بلغة أبي مغزاها أن «شرف المرء كالبيضة؛ إذا لم تحسن حملها، فإنها تسقط وتنكسر». وربما كان جزءًا من حسن حملك لشرفك تذكيرك للناس دومًا بأنك تعرف قدرك حق المعرفة. ففي «الإلياذة»، لم يرتكب أخيل ما ينال من شرفه عندما أقر الأمر الواقع قائلًا:
ألا ترى أي رجل أنا، وكم أنا بهي وقوي؟ أنا ابن لأب عظيم، وأمي من الآلهة.13
إلا أن مثل هذا التباهي في عالم ويلينجتون يعتبر سلوكًا لا يليق بالسادة النبلاء. فأنت تعبر عن قدرك بالأفعال لا بالأقوال التي تتغنى بامتداح الذات. فبالنسبة له، لا تكون الاستجابة العاطفية السليمة لشرفه بالتفاخر، ولكن بمجرد احترام الذات.

قلت سابقًا إن من يتمتع بالشرف يُعنى بالشرف لذاته، لا لمجرد جني ثمار اجتماعية لاعتباره شريفًا. ولا شك أن مشاعر مثل الخزي (والفخر) يعضدها أن تكون على مرأى ومسمع من الآخرين، ولا سيما إذا كانوا ممن يهمنا احترامهم أكثر من سواهم. إلا أن الشرف يتطلب التوافق مع المعايير طلبًا للشرف ذاته، لا لمجرد حسن الصيت وثماره. فمن كان هدفه حسن الصيت لذاته، فإنه قد سلك طريقًا مختصرًا لا يمُتُّ للشرف بصلة.

وهذا سبب من أسباب أهمية الأمانة بالنسبة للشرف. (فكلمة Honestus اللاتينية قد تَعني «الأمانة» وقد تعني «شريفًا».) فقد كانت الاتهامات بالكذب أحد أهم أسباب الدعوة إلى المبارزة. إن الثمار التي تعود على المرء من حسن الصيت أمرٌ أساسي، وكذلك مغريات الحصول على سمعة حسنة عن غير استحقاق. وربما كان هذا هو سبب أن عقوبة فقدان الاحترام — بما في ذلك الازدراء وما يترتب عليه من نبذ من المجتمع — غالبًا ما تكون قاسية.

ومما يدعم الفكرة المطروحة هنا أن وينتشيلسي اتَّهم ويلينجتون بعدم الأمانة، في محاولة منه لتشتيت الانتباه بعيدًا عن دعمه للكاثوليكيين عن طريق تقديم مساهمات مادية لدعم قضية بروتستانتية. ولو كانت اتهامات وينتشيلسي في محلها، لكان أمرًا مخزيًا. فالميثاق ينص على ضرورة أن يبرئ المرء ساحته حال الإعلان عن مزاعم من هذا النوع: لا بد أن يثبت أنها عارية تمامًا عن الصحة. وأولى طرق تحقيق هذا يكون عن طريق طلب الاعتذار العلني والحصول عليه. وإذا ما قُوبِل الاعتذار بالرفض، فإن الميثاق نفسه يطالبك بتحدي موجِّهِ الاتهام بمبارزة، وهذا إن دل على شيء، فإنه يؤكد — ضمن أمور أخرى — على استعدادك لأن تضحي بحياتك في سبيل ألا يظن الناس أنك متهم بمثل هذه التهمة المخزية.

المبارزة تعبر عن مزيج غير متناغم إلى حد ما من الاهتمام بأن يُظهر الآخرون الاحترام للمرء، والاهتمام بأن يكون المرء أهلًا لهذا الاحترام. إن بداية المبارزة إهانة من نوع ما: إظهار لعدم الاحترام. ولكن إذا كنت أهلًا للاحترام، فلماذا تهتم لمجرد إظهار شخص ما عدم الاحترام لك؟ أليس من المنطقي ألا تهتم لمثل هذا الأمر ما دام إظهار عدم الاحترام هذا ليس له ما يبرره، كما كان الحال مع وينتشيلسي؟ والإجابة هي أنه في عالم ويلينجتون، كان ميثاق السيد النبيل يؤكد على ضرورة أن ترد على مثل هذه الإهانات حتى تكون أهلًا للاحترام. فعلى كل رجل يتمتع بالشرف أن يكون على أهبة الاستعداد دومًا للذود عن شرفه؛ بل وأن يضحي بحياته نفسها ليضمن حصوله على الاحترام الذي يستحقه. لقد اعتقد كل من ويلينجتون ووينتشيلسي أنهما، بالمبارزة، يدافعان عن شرفهما.

عوالم الشرف

بالطبع أن تحظى بالاحترام يقتضي وجود شخص ما يحترمك. ولأنه ثمَّ رابط من حيث المفهوم بين الشرف ونيل الاحترام، فمن الممكن أن نتساءل: من الذي يهمك أن تحظى باحترامه؟ عادة لا يهمك الحصول على احترام الناس جميعًا بصفة عامة، وإنما احترام فئة اجتماعية محددة، يمكن أن أسميها «عالم الشرف»، وهي مجموعة من الناس تسلِّم بالمبادئ نفسها. فالملك هنري الخامس في مسرحية شكسبير على سبيل المثال، مثله مثل شخصيته التاريخية التي يلعب دورها، لا يكترث كثيرًا لرأي الفلاحين، فطاعتهم له أمر مفروغ منه، ولا ريب أنهم يقدرونه تقديرًا عاليًا. واحترامهم له ومعاملته باحترام من المسلمات بالنسبة له. ومن ناحية أخرى، فهو لن يهتم إذا لم ينل احترام الغرباء القادمين من بلد بعيد مثل «ساراسين» مثلًا، وذلك لأنه من الجائز أن يعجز هؤلاء الغرباء عن فهم المبادئ التي يحيا هو بها.

فقولك إن شخصًا ما يتمتع بالشرف يعني أنك تقر بأنه يستحق الاحترام وفقًا لمبادئ عالم الشرف الخاصة به. ولكنه أمر مضلل أن تقول إن شخصًا ما يتمتع بالشرف في الوقت الذي لا تتقبل فيه تلك المبادئ. من الأفضل في مثل هذه الظروف أن تقول إن فلانًا أو فلانة نال الشرف في «عالم الشرف» هذا أو ذاك. بيد أنه إذا جمعتنا، أنا وأنت، مبادئ واحدة للشرف، فلن نلجأ إلى الإشارة لنسبية المسألة بهذه الطريقة. ففي عالم شرف مشترك، قولك: «نحن نحترمه.» له نفس الأثر العملي لقولك: «إنه شخص يتمتع بالشرف.»

وإذا ما نظرنا إلى عالم شرف دوق ويلينجتون ومعاييره، سنلحظ أن ثلاثة من عشرة رجال سبقوا ويلينجتون في رئاسة الوزراء قد شاركوا في مبارزات، وهم اللورد شيلبيرن، وويليام بيت الصغير، وكانينج، ويمكن أن نضيف للقائمة كلًّا من تشارلز فوكس وإيرل باث، وكلاهما كان مرشحًا لرئاسة الوزراء. وهناك بييل — رئيس الوزراء الذي خلف الدوق — الذي أعلن عن استعداده لقبول التحديات.14 كانت أكثر هذه الوقائع شهرة عندما قصد كانينج ساحة المبارزة في عام ١٨٠٩ لمواجهة فيكونت كاسلرايه، عندما كانا عضوين في الحكومة ذاتها. وعلى الرغم من أن تلك الواقعة أدت إلى استقالتهما من الحكومة، فإن كليهما تابع حياته السياسية مع اختلاف المسارات: فكاسلرايه بدأ عقدًا من العمل كمبعوث خارجي في عام ١٨٠٩، بتوجيه التحالفات مع بريطانيا التي كانت سببًا وراء هزيمة نابليون؛ أما كانينج، فخلفه في المنصب ليصبح بعدها رئيسًا للوزراء لبضعة أشهر عام ١٨٢٧.

لم تفرض أي عقوبات على أي من المشاركين في واقعة ويلينجتون ووينتشيلسي. يبدو أنه لم يكن مقدرًا لوينتشيلسي وفالموث بلوغ العظمة، وبالتالي فإن الثابت بالأدلة المتوافرة لدينا عدم تعرض أي منهما لملاحقة قانونية؛ إلا أن ويلينجتون استمر في منصب رئاسة الوزراء، وكذلك صار هاردينج حاكمًا للهند، ليعود إلى إنجلترا في عام ١٨٥٢ فيخلف الدوق في قيادة الجيش، وهو المنصب الذي شغله في أثناء حرب القرم، بعد ذلك بسنوات قليلة.

لقد نالت واقعة المبارزة استحسان صفوة الساسة في الجمهورية الأمريكية الجديدة، التي تعد ثقافتها امتدادًا للثقافة البريطانية. فقبل هذه الأحداث بربع قرن تقريبًا، في يوليو ١٨٠٤، تقابل اثنان من أشهر ساسة الجمهورية الأمريكية الأولى، هما ألكسندر هاميلتون وآرون بير، في مبارزة مميتة في مرتفعات ويهاوكن في نيوجيرسي، وقُتل فيها هاميلتون. كان هاميلتون واحدًا من مؤلفي «الأوراق الفيدرالية» (١٧٨٨) التي كانت — وما زالت — مرجعًا لما يرِد في الدستور الأمريكي من معانٍ ومفاهيم؛ وكان وزيرًا سابقًا للخزانة أيضًا. أما بير فكان نائبًا للرئيس الأمريكي. وكانت وفاة هاميلتون وهو في ريعان شبابه، حيث مات قبل أن يبلغ الخمسين من عمره، فضيحة من أكبر فضائح هذا الزمان. وُجِّهت لبير تهمة القتل في كل من نيوجيرسي ونيويورك، إلا أنه لم يحاكم محاكمة فعلية، بل استمر حتى نهاية ولايته في منصبه نائبًا للرئيس، رغم أنف العديدين ممن أعلنوا اعتراضهم على ما فعل.

إن عدم تعرض بير لأي تبعات قانونية على أثر ما اعتبرته نيوجيرسي جريمة، مثلها في ذلك مثل بريطانيا، لم يكن ليدهش أحدًا في إنجلترا. فلم يحدث في القرن الذي سبق أحداث المواجهة بين ويلينجتون ووينتشيلسي على أرض باترسي فيلد أن لاحق القضاء سيدًا نبيلًا بريطانيًّا كان يحترم مواثيق الشرف أو وجه له تهمة قتل خصم في مبارزة.15 كان التطور الطبيعي للأمور، إذا أسفرت المبارزة عن مقتل أحد الطرفين، أن يختفي أثر الطرف الثاني بعيدًا في دولة أخرى مترقبًا رفع دعوى قضائية ضده. وإذا لم تُرفع دعوى قضائية، كان يعود إلى وطنه في هدوء ويمارس حياته الطبيعية. أما إذا تعرض لملاحقة قانونية، وكانت تصرفاته كلها في إطار المقبول، فإنه كان يضع الحقائق بين أيدي هيئة محلَّفين تضم مجموعة من أقرانه، وعلى الأرجح كان القاضي يتعاطف معه، ويبرِّئه المحلفون حتى لو لم يتعاطف القاضي. وفي حالة إدانته وإصدار حكم بإعدامه، وهو أمر مستبعد الحدوث، فإن علاقاته داخل المحكمة كان من شأنها في أغلب الأحوال أن تحصل له على عفو. فالمبارزة كانت حقًّا طريقة لأن تفلت من العقاب على جريمة قتل.

لم يكن السبب أن السلطات كانت تأنف من أن تصدر حكمًا بالإعدام. فقد كان الطبيعي أن يشهد العام الواحد من أعوام القرن الثامن عشر ما يقرب من المائة حكم بالإعدام في إنجلترا وويلز؛ وفي منتصف القرن ذاته، شهدت تايبرن وحدها، وهي مكان لتنفيذ أحكام الإعدام العلنية في لندن، أكثر من ثلاثين حكمًا بالإعدام في عام واحد. ولم يكن الحكم بالإعدام على سيد نبيل، حتى إن كان عضوًا من أعضاء مجلس اللوردات، مجرد احتمال قانوني؛ ففي عام ١٧٦٠، أُعدم عضو من أعضاء مجلس اللوردات في تايبرن، وهو إيرل فيريرس. وإنما السبب وراء عدم إدانة المتبارزين هو أن المعيار القانوني الرسمي كان يتعارض تمامًا مع الإجماع الاجتماعي بين صفوة البريطانيين.

ولا شك أنه منذ أن كان ويلينجتون في صباه كانت المبارزات في زيادة مطَّردة، ويرجع هذا في جزء منه إلى أن مطلع القرن التاسع عشر شهد فترة مطولة من الحروب. فقد شارك نحو نصف مليون بريطاني في الحروب بين الإنجليز والفرنسيين في الفترة ما بين إعدام الملك لويس السادس عشر في عام ١٧٩٣ ومعركة ووترلو.16 وقد عاد الضباط من أوروبا مشرَّبين بثقافة الشرف العسكري.

تغيير القواعد

إن الطريقة التي جرت بها مبارزة ويلينجتون إن دلت على شيء فإنها تعكس أعرافًا نشأت في أوائل القرن السادس عشر في إيطاليا، وجُمعت هذه الأعراف ودُوِّنت في وثائق مثل وثيقة المبارزة الأيرلندية أو ميثاق المبارزة الذي «توافق عليه في كولنميل سامر أسيز في عام ١٧٧٧ عدد من السادة النبلاء مفوضي مقاطعات تيبراري وجالواي ومايو وسليجو وروزكومن، مع توصية باعتماده العام في كافة أنحاء أيرلندا» — الذي عُرف وقتها أيضًا باسم «الوصايا الست والعشرين».17 ولم يكن يحتاج ويلينجتون في تحديه — الذي نقله عنه السير هنري هاردينج، شاهده على المبارزة والعسكري المحنك منذ أيام الحملات العسكرية في البرتغال وإسبانيا التي جعلت منه بطلًا قوميًّا — سوى أن يذكر طلبه للترضية بصفته سيدًا نبيلًا حتى يُفهم. فقد وفَّر هاردينج عربة لنقل الدكتور جون روبرت هيوم، طبيب ويلينجتون، ولكنه أخفى عنه شخصية من استدعاه من أجله. (وكان هذا عرفًا سائدًا؛ لأن المبارزة كانت أمرًا غير قانوني، وإخباره كان سيزج به في الملاحقة القانونية باعتباره شريكًا في الجريمة إذا ما أخذت الأمور منحًى سيئًا.) ومن ثم، عندما وصل الطبيب الصالح، أدهشه، كما أخبر دوقة ويلنجتون فيما بعد، أن يجد مطبوبه يستعد لأن يطلِق النار وأن يُطلَق النار عليه. وقد قال ويلينجتون لهيوم ضاحكًا: «أحسب أنك لم تتوقع أن أكون الشخص الذي طلب وجودك.» ورد الطبيب: «بالفعل يا سيدي اللورد، أنت بكل تأكيد آخر شخص كنت أتوقع وجوده هنا.»18

ويدور خلاف حول التأويل السليم لما جرى بعد أن صاح هاردينج: «أيها السادة، هل أنتما مستعدان؟ أطلقا النار!» فقد أطلق ويلينجتون النار أولًا، كما رأينا في القصة، ووفقًا لبعض الروايات، أطلق النار في الهواء عن عمد. ولكن، من الصعب تخمين ما إذا كان قد أخلص نيته لإصابة الإيرل، حيث إنه من المعروف أن المسدسات المستخدمة في المبارزات لم يكن من الممكن الوثوق بها لدرجة كبيرة، وعلى أي حال، فإنه من المعروف أيضًا أن الدوق لم يكن يجيد التصويب، رغم أنه كان قائدًا عسكريًّا عظيمًا.

والمثير للدهشة أن المراسلات المتبادلة بين سيدات المجتمع الإنجليزي في ذاك الوقت كانت زاخرة بقصص وحكايات حول حوادث الدوق في أثناء رحلات الصيد. فقد كتبت الليدي بالمرستون من ميدلتون، مقر الإيرل، وكونتيسة جيرسي، في ١٦ يناير عام ١٨٢٣، تقول: «لم يكن الحظ حليف الدوق في ويرستاد. لقد أمطر وجه لورد جرانفيل بتسع طلقات، ولحسن الحظ لم يصب عينيه، ولكن الطلقات كانت مؤلمة للغاية …»19 (وربما يشعر القارئ أن الذي تخلى عنه الحظ هو اللورد جرانفيل!) كما كتبت فرانسيس، أو الليدي شيلي، تقص ما جرى بعدما أصاب الدوق كلبًا وواقي حذاء مراقب الطرائد. ولم يكتف بذلك، بل أنهى هذا الفصل من الحوادث بإصابة سيدة عجوز كانت من عدم الحكمة عندما قررت أن تغسل الملابس بالقرب من نافذة مفتوحة. وقد صرخت: «لقد أُصبت يا سيدتي الليدي!» فأجابتها الليدي شيلي: «هي إذن أكثر لحظات حياتك مدعاة للفخر والزهو! لقد اصطفاك القدر لأن تصابي بطلقة من دوق ويلينجتون العظيم!»20

ولكن لا خلاف حول ما حدث بعدما أطلق الدوق النار. فقد صوَّب وينتشيلسي مسدسه نحو السماء وأطلق رصاصة لا لبس في أنها لم تكن موجهة صوب رئيس الوزراء. وكانت هذه ممارسة معروفة في المبارزات الهدف منها الإشارة إلى أن صاحبها لا يريد أن يُكمل المبارزة.

إلا أن هذه الممارسة كانت مثارًا للخلاف. فالقاعدة الثالثة عشرة من «ميثاق المبارزة» كانت واضحة تمامًا عندما أقرت أنه «من غير المقبول إطلاق النار نحو الأرض أو في الهواء تحت أي ظرف من الظروف». وقد أوضحت القاعدة نفسها السبب وراء ذلك: «ينبغي على صاحب الدعوة إلى المبارزة ألا يدعو إليها دون أن تكون هناك إهانة وُجِّهت له، كما ينبغي على الطرف الموجَّه إليه الدعوة إلى المبارزة، إذا كانت قد صدرت عنه الإهانة المشار إليها، أن يتقدم بالاعتذار قبل أن يأتي إلى ساحة المبارزة. وعليه، فإن أي «لهو صبياني» لا بد أن يُنظر إليه على أنه منافٍ للشرف من ناحية أو أخرى، ومن ثم، تُعد هذه الممارسة محظورة.»21 إلا أن السادة النبلاء في أيرلندا أبدوا اعتراضهم وبشدة حول هذه القاعدة. فالهدف من وراء هذه الممارسة كان جليًّا. إن مجرد وجود سيد نبيل في ساحة المبارزة لهو خير دليل على استعداده الكامل للموت ذودًا عن شرفه، وهذا تأكيد على أنه يلتزم بواحدٍ من معايير الشرف. وبالرغم من كون المخاطرة بالحياة مظهرًا من مظاهر الشرف، فإن القتل دفاعًا عن الشرف لا يعكس في الواقع سوى مهارة في التصويب أو حسن الحظ على أقل تقدير. إن الرجل الذي يعرِّض حياته للخطر وفي الوقت نفسه لا يبذل جهدًا ليدافع عن نفسه لهو رجل أثبت شجاعته بكل وضوح.
وقد كتب وينتشيلسي خطابًا لشاهده في المبارزة، اللورد فالموث، في الليلة التي سبقت المبارزة يعرب فيه عن نيته لأن يطلق الرصاص في الهواء. ولم يكن اللورد فالموث ليشارك في هذه المبارزة لو لم تكن هذه نية وينتشيلسي بالفعل، حيث إنه كان يعتقد (كما كان أغلب الناس) أن وينتشيلسي كان مدينًا للدوق بالاعتذار. كتب وينتشيلسي يقول: «بعد الطلقة الأولى، سأوضح للدوق أنني مستعد لأن أتقدم وقتئذٍ بخالص التعبير عن أسفي.» وعلى الرغم من أنه اعترف في الخطاب ذاته أنه ما كان ينبغي أن ينشر ذاك الخطاب في المقام الأول، فإنه أصر في نفس الوقت على استحالة الاعتذار بالطريقة التي اقترحها السير هنري هاردينج؛ لأن الاعتذار بهذه الطريقة «كان من شأنه أن يعرضني لاتهامات تصبح حياتي بعدها بلا قيمة على الإطلاق.»22
ما هي هذه «الاتهامات»؟ إن الإشارة لهاردينج في خطابه تفسر الأمر. فما إن أرسل هاردينج خطابًا بالنيابة عن ويلينجتون إلى وينتشيلسي، حتى صار جليًّا أنه سيكون شاهِدَ المبارزة الذي يستدعيه الدوق. وبمجرد أن حدث ذلك، كان من الممكن أن يُنظر إلى اعتذار وينتشيلسي باعتباره محاولة من جانبه لتفادي المبارزة. إلا أن اللورد فالموث قدم للطبيب هيوم تفسيرًا مختلفًا بعد المبارزة، فهو يرى أن وينتشيلسي «ما كان باستطاعته تقديم أي اعتذار يليق بحجم الإهانة التي صدرت عنه ويليق بشخصه وبما يُعرف عنه من شرف قبل أن يتلقَّى أولًا طلقة الدوق».23 ومن ثم، شعر وينتشيلسي أن الاعتذار وقتها كان أمرًا منافيًا للشرف على الرغم من كونه مخطئًا، وأن تعريض نفسه لخطر الإصابة برصاصة، ثم إطلاقه لرصاصته في الهواء يعقبه الاعتذار ليس بالمتعارض مع الشرف. الأمر إذن بكل بساطة هو أن اتهام وينتشيلسي لويلينجتون ظلمًا جعله يعتقد أنه مدين للدوق بفرصة لأن يطلق النار عليه.
وإذا كان هذا ما دار في خلد وينتشيلسي بالفعل، فإن بعض معاصريه اعتقدوا أنه لم يتعامل مع الموقف كما ينبغي. فقد كتب جون كام هوبهاوس — وهو صديق اللورد بايرون وعضو راديكالي في البرلمان — في مذكراته يقول: «أعتقد أنه ليس من العدل في شيء أن يلغي الشخص المتهَم المبارزة قبل أن يعرض نفسه لطلقتي رصاص؛ وفي يوم الإثنين الذي تلا هذه الواقعة، عندما كنت أتحدث مع رئيس البرلمان حول هذا الشأن في مكتبه، رأى الأخير أن اللورد وينتشيلسي لا يملك حق إطلاق الرصاص في الهواء، بل كان ينبغي عليه تلقي رصاصة ثانية من الدوق … والواقع أن تبادل إطلاق الرصاص لم يعد بأي نفع على أي من الطرفين.»24 والمثير للاهتمام في هذه المبارزة أنه حتى وينتشيلسي وفالموث لم يملكا قصة واحدة متسقة لما جرى في ذاك اليوم، بل إن من هم في دائرة معارفهم لم يتفقوا على وجهة نظر واحدة لما كان ينبغي فعله أو عدم فعله، فلم يعد ميثاق المبارزة يسري كما كان يفترض.

اعتراضات تقليدية

إذا أخذنا بعين الاعتبار التناقض الواضح في آراء المجتمع البريطاني حول المبارزة، فإنه من المجدي أن نتدبر الاعتبارات التي دفعت كلًّا من القانون والأخلاقيات المسيحية المتعارف عليها إلى معارضة هذه الممارسة. إن أحد مصادر المبارزة الأووربية الحديثة هو ما يعرف باسم «القتال القانوني»، الذي يسمح لأعضاء الطبقة الحاكمة العسكرية، والسادة أرباب الأراضي فما فوقهم، بتسوية المنازعات القانونية بالسلاح، شريطة أن يقوم «بمنحهم ساحة» لوردٌ إقطاعي يتمتع بقدر لا بأس به من الأهمية، مثل دوق بورجاندي أو ملك.

وقد أعلن الباباوات اعتراضهم على مبدأ «القتال القانوني» في وقت مبكر؛ ففي منتصف القرن التاسع، كتب البابا نيقولا الأول في خطاب وجهه إلى الإمبراطور تشارلز الأصلع يدين هذا المبدأ.25 وكذلك أخذ المجلس الكاثوليكي الروماني في ترنت على عاتقه في عام ١٥٦٣، في نهاية عصر الإصلاح، في جلسته الأخيرة شجب «المبارزة، ذلك العرف البغيض الذي هو من عمل الشيطان، فالقتل الدموي للجسد من شأنه أن يقود إلى تدمير الروح …»26 وكان الافتراض الذي تستند إليه هذه الممارسة أن الرب سيمنح النصر للفارس صاحب القضية العادلة.
كان هذا هو الشكل الأول للقتال الذي عارضته الكنيسة. أولى هذه الاعتراضات كان يتعلق بمسألة من الأخلاقيات الإنجيلية. ففي إنجيل لوقا، الإصحاح ٤، من الآية ٩ وحتى الآية ١٢، وضع إبليس المسيحَ على «جناح الهيكل» في بيت المقدس، وَقَالَ لَه:
إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلُ؛
لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ …
فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «إِنَّهُ قِيلَ: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلهَكَ».

اقتبس المسيح مقطعًا من سفر «التثنية»، الإصحاح ٦، الآية ١٦، الذي يشير إلى الواقعة عندما هدد بنو إسرائيل الرب برجم موسى بالحجارة إذا لم يأتِ لهم الرب بماء في الصحراء. إن تجربة الرب في هذا السياق تعني محاولة إكراهه. ومن ثم، ففي القتال القانوني تجربة للرب بنفس الطريقة السابقة، يشارك فيها كل من اللورد ومن منحهم ساحة القتال.

إلا أن أبرز هذه الاعتراضات كان خرق الوصية السادسة (أو الخامسة، إذا كنت كاثوليكيًّا أو لوثريًّا): «لا تقتل.» ففي الخروج للمبارزة من أجل الشرف تخطيطٌ للقتل العمد لرجل أثار حفيظتك أو آخر أثيرت حفيظته، وكلاهما في نظر المسيحية ليس بالسبب الكافي لسلب روح إنسان.

وامتدت هذه الاعتراضات على القتال القانوني لتشمل المبارزة الحديثة. وتكمن المشكلة في أن أي مبارزة «تدور» في أساسها حول إهانة «س» من الناس لشرف «ص» من الناس، ولكن لو سلَّمنا بالتدخل الإلهي في الموقف، فلا علاقة لنتيجة هذه المبارزة بكون «س» أو «ص» هو المخطئ في الأساس. وتتضح هذه المشكلة على وجه الخصوص عندما تكون الإهانة سبب المبارزة هي الاتهام بالكذب. فعندما سخر «تاتشستون» — المهرج في مسرحية «كما تحب» التي كتبها شكسبير في عام ١٦٠٠ تقريبًا — من تشابك المواقف في المبارزة، أعرب عن سخريته عن طريق تمثيل شجار نشب بينه وبين «أحد رجال الحاشية الملكية»، بدأه المهرج بالسخرية من لحية الرجل، ولكن الشجار لم يتطور إلى مرحلة المبارزة إلا بعد سبع مراحل عندما اتهم الرجلُ المهرجَ بالكذب في المشهد الرابع من الفصل الخامس. بيد أن المبارزة لم تفلح في التثبت من الحقيقة؛ أما الاستعداد للرد على اتهام «بالكذب البين» عن طريق تحدي المتهم في مبارزة فلا يعني أي شيء سوى أن الداعي للمبارزة على استعداد لأن يعضد كلمته بالسيف سواءٌ كان ما يقوله حقيقة أو باطلًا.

تثبت المبارزة أنك تتمتع بالشجاعة الكافية أو التهور الكافي لأن تقاتل، وبالتالي يمكنها أن تنفي عنك إهانة محددة وهي كونك جبانًا. ولكن سواء قَتلت خصمك أو قُتِلت، فلن يثبت هذا أنك الأشجع. إن قَتْل إنسان إهانة للقانون الأخلاقي، وكذلك التعرض للقتل إهانة للمصلحة الذاتية العاقلة؛ وكلتا المخاطرتان حصيلة ثانوية للعملية. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يستحق الهدف الظاهري للمبارزة — وهو الذود عن الشرف — كل هذا الثمن؟

منذ البداية، كان هناك مشككون. فقد كتب فرانسيس بيكون في «اتهام يمس المبارزات» (١٦١٤)؛ أي قبل أكثر من قرنين من تحدي ويلينجتون لوينتشيلسي، يقول متذمرًا: «إنها لنهاية تعيسة أن ترى شبابًا واعدًا، يحدوهم الأمل، فهم «أبناء النهار»، كما جرى التعبير … يُطرحون بعيدًا ويُدمَّرون بهذا الأسلوب العبثي؛ ولكن أن تراق كل هذه الدماء النبيلة والوديعة في سبيل مثل هذه التفاهات هو الأمر الأجدر بالرثاء …»27

وعندما تحوَّلت المبارزة من قتال قانوني لا يتم إلا بإذن الملك إلى فعل سري وغير قانوني تحت زعم أنه حق مكفول للنبلاء، ظهرت مشكلة أخرى: لقد صارت المبارزة «إهانة للذات الملكية». وعليه؛ كان من ألد أعداء المبارزة رجال مثل فرانسيس بيكون والكاردينال ريشاليو، وهو الشاب الفرنسي المعاصر لبيكون، وكلاهما لعب دورًا في توسيع نطاق سلطة الدولة، وكان من أساليبهما في تحقيق ذلك إخضاع النبلاء — أصحاب المطالبة بالشرف على نحو مستقل — لنفوذ نظام الملكية الشامل الآخذ في الاتساع.

كان الكاردينال — وهو رئيس وزراء الملك لويس الثالث عشر — مشهورًا بكونه السبب وراء إعدام كونت بوتفيل في عام ١٦٢٧، عندما تجاهل المراسيم الملكية الجديدة التي تؤكد ضرورة الالتزام بقوانين موجودة بالفعل تحرم المبارزة. (وكان الكونت قد شارك في أكثر من عشرين مبارزة من قبل، ومن ثم كانت دهشته من هذا الإصرار الجديد على تطبيق نص قانون قديم.) وكان لويس — وهو من أشد المتحمسين لمُثُل الفروسية والمروءة — قد تردد قبل أن يوافق على محاولات تطبيق الحظر القانوني للمبارزة، والموجود منذ زمن طويل، وذلك بعدما أقنعه الكاردينال ريشاليو بأن إراقة دماء النبلاء أمر باهظ الثمن. (وكان قد لقي أكثر من ثمانية آلاف رجل حتفهم أثناء المبارزة في عصر أبيه.) وقد كتب اللورد هيربرت، لورد تشيربري، وكان يشغل منصب السفير البريطاني في بلاط الملك لويس، في مذكراته يقول إنه من بين «الفرنسيين في ذلك الوقت» ما كنت «لتجد رجلًا جديرًا بالاهتمام لم يقتل رجلًا آخر في مبارزة».28 وكما كتب أميلوت دي هوساي، المؤرخ وكاتب المذكرات الفرنسي، يقول: «كان الحوار الطبيعي بين أشخاص يلتقون في الصباح هو: «هل تعلم من تبارز بالأمس؟» أما بعد العشاء، فكان السؤال: «هل تعلم من تبارز هذا الصباح؟»»29
ومن وجهة نظر الدولة الحديثة، التي كانت تنمو جنبًا إلى جنب مع زيادة المبارزات، فإن المبارزة تعد — كما وصفها فرانسيس بيكون بكل براعة — «تهمة تجرؤ». فالمبارزة:
تعد — وبكل وضوح — إهانة للقانون، وكأنه ثمة قانونان، أحدهما نوع من أنواع القوانين ذات الطابع الرسمي، والآخر قانون الحفاظ على السمعة، كما يطلقون عليه؛ بمعنى ألا تجد كنيسة القديس بولس وكنيسة ويستمينستر، اللتين تمثلان منبر الوعظ ومحاكم العدل، مفرًّا من تطبيق القانون … السائد في مثل تلك المجالس الموقرة؛ في الوقت الذي لا تجد فيه حوليات القانون وكتب التشريع مفرًّا من إيجاد متسع بين صفحاتها للنشرات الفرنسية والإيطالية …30
في الوقت الذي كان يسطِّر فيه بيكون هذه الكلمات، كانت «المشاجرات السرية فيما بين عظماء الرجال»31 قد صارت أمرًا شائعًا بدرجة مفجعة في بلاط الملك جيمس الأول؛ مما دفع الأخير إلى إصدار مرسوم لا يجرم «القتال على نحو فردي» في المنازل أو خارجها فحسب، بل يمتد ليشمل إصدار التحديات للمتبارز أو نقلها، أو القيام بدور شاهد المبارزة، أو توفير ساحة للمبارزة. كان بيكون يشغل منصب النائب العام لما يقارب السنة عندما أصدر كتابه «اتهام يمس المبارزات» الذي ضم جزءًا من مرافعته في قضية نظرتها محكمة ستار تشامبر.
في هذه القضية التي اختارها بيكون لتوضيح وجهة نظر الملك، كانت ثمة تهمتان: «تهمة موجهة إلى ويليام بريست، وهو سيد نبيل، لكتابته خطاب تحدٍّ في مبارزة وإرساله مع عصا يُحَدِّد على أساسها طول السلاح؛ أما التهمة الأخرى فموجهة إلى ريتشارد رايت، وهو سيد نبيل دون رتبة الفارس، لحمله الرسالة المذكورة والعصا المشار إليها وإرسالهما إلى الطرف المخاطب في التحدي للمبارزة.» وقد استوفى هذان الطرفان الحد الأدنى من شروط المبارزة، وهي أنهما سيدان نبيلان. وقد اعترف بيكون أمام القضاة قائلًا: «كنت أتمنى لو أن القضية كانت تضم سادة أرفع شأنًا لتصب عليهم أيها القاضي سخطك.»32 ولكن كانت المسألة ملحة ولم يكن وقتها أمامه سوى هذه القضية. وبالإضافة إلى ذلك، «لا ضير في بعض الأحيان في الحكومة أن يوجه اللوم للأعظم شأنًا عن طريق جعل الأقل شأنًا عبرة، كما يُضرب الكلب أمام الأسد». كانت المبارزة قد صارت بالفعل في أوائل القرن السابع عشر نظامًا لتحقيق المساواة، وكان بيكون — المعارض لها — هو من يصر على التمييز بين السادة على أساس المكانة الاجتماعية.

حوار التنوير

تعد أكثر الحجج وضوحًا للسماح بالمبارزة بالنسبة لنا اليوم أن المبارزة على الأرجح تصرُّفٌ حرٌّ يصدر إراديًّا عن المشاركين فيه. إن أول من تقدَّم بهذا الاقتراح على حد علمي هو ويليام هازليت، كاتب المقالات والناقد الإنجليزي الشهير. فقد كتب هازليت قبل مبارزة ويلينجتون بعامٍ أو عامين تقريبًا يعبر عن رأيه الذي يقضي بضرورة أن تكون المبارزة مشروعة لأنها تضم «عاقلين راشدين مختارين»،33 إذا جاز استخدام التعبير الحديث. ولكن كانت تعد هذه الفكرة غاية في التطرف في مطلع القرن التاسع عشر؛ مما أدى إلى تعذر سحب التشريع الصادر ضد ممارسة ذلك السلوك السيئ لمجرد أن أذاه لا يطول إلا من أقدم على الأمر طوعًا.
ويعد أفضل دفاع عن المبارزة، كانت تتداوله الأطر الفكرية في ذلك الوقت، متماشيًا مع النظرية النفعية للعقاب. فقد كتب جيرمي بنثام — الفيلسوف والإصلاحي النفعي الكبير — في عام ١٨٢٣، يقول: «إن العقاب بكل صوره يعد في حد ذاته شرًّا.»34 فربما للوهلة الأولى يبدو وكأن إنزال العقاب بشخص ما، ما هو إلا إضافة لشر جديد على الشر الذي ارتكبه بالفعل. ولكن — وكما أضاف بنثام في سياق نقاشه — إن العالم الذي يضم مؤسسات عقابية معلومة ومدارة على نحو لائق لهو عالم خالٍ من كافة أشكال الشرور الأخرى التي لا يمكننا تجنُّبها بدون تلك المؤسسات. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشر الذي يمثله العقاب تفوقه الشرور الأخرى التى يردعها، فيجوز أن نؤيد منطقيًّا العقاب استنادًا إلى هذا السبب.

ولننظر الآن إلى المبارزة. إن المجتمع الذي يعامل أفراده بعضهم البعض باحترام، الذي لا تُلَطخ فيه السمعة بالأكاذيب، والذي توصل سادته إلى صيغة يراعون في إطارها أخلاقهم، لهو أفضل من مجتمع لا تُراعى فيه تلك الأخلاق. إن نظام المبارزة يمنح السادة النبلاء حافزًا قويًّا لمراعاة الأخلاق الحميدة لا يُستهان به. ولكن المبارزة تختلف عن العقاب في نقطة غاية في الأهمية. قد تدافع عن العقاب بصفته أداة ردع لأنه ممارسة من الممارسات التي تطبقها المؤسسات العامة للصالح العام، وعلى النقيض، كي تؤدي المبارزة التي هي ممارسة تتسم بالخصوصية مهمتها، يتعيَّن على المتبارزين أن يؤمنوا بأنها تخدم غاية ما تخصهم دون غيرهم، حيث إن إقناع أناس آخرين بضرورة الحفاظ على شرفهم عن طريق تعريض حياتهم للخطر ليس بالأمر الذي تجد غالبية الناس مستعدين لأن يتقبَّلوه في العادة. فما الذي يجبرني على أن أدخل معك في عراك مميت لمجرد أن أجعل أناسًا آخرين مهذبين؟ إن الإحساس بالشرف هو الشيء الوحيد الذي من شأنه أن يمنح المرء مثل تلك الأسباب الخاصة للمبارزة. ففي قلب هذا التقليد يكمن السبب الواضح وراء إطلاق مثل هذا التحدي وقبوله؛ لأنه إذا لم تفعل، ستفقد حقك في أن تنال احترام أقرانك. ولكن تبرير المبارزة على أساس أنها رادع للسلوك الفظ بمثابة إلقاء نظرة من خارج عالم الشرف.

إلا أن مثل هذه الحجج كانت تتردد وبكثرة في القرن الثامن عشر بين الرجال الذين اتفقوا على أن هذه الممارسة غير أخلاقية، أو غير منطقية، أو هي كلا الوصفين معًا. فقد كتب الدكتور ويليام روبرتسون — المؤرخ وعالم اللاهوت الاسكتلندي ورئيس جامعة إدنبره، يقول في كتابه «تاريخ حكم الإمبراطور تشارلز الخامس»: إن هذه الممارسة «لا يبررها أي مبدأ من مبادئ العقل»، ولكن:
لا بد من الاعتراف بأن هذا العرف العبثي هو المسئول إلى حد ما عن اللطف والتهذيب غير العاديين اللذين نلمسهما في آداب اللياقة الحديثة، وعن ذلك الاهتمام الذي يفيض بالاحترام والذي يظهره شخص ما لآخر، والذي يجعل المخالطة الاجتماعية في الوقت الحاضر أكثر راحة ولياقة مما هي عليه فيما بين أكثر الأمم عراقة.35
ومن الواضح أن هذا الفكر الشائع في عصر التنوير، الذي يقضي بأن المبارزة عمل ليس من المسيحية ولا من العقلانية في شيء، ولكنه في الوقت نفسه له دور في تحسين آداب اللياقة على أقل تقدير، قد أثار حفيظة ديفيد هيوم، الفيلسوف الرائد لحركة التنوير في اسكتلندا. ففي عام ١٧٤٢، أضاف هيوم إلى مقاله «حول نشأة الفنون والعلوم وتطورهما» نقاشًا يدور حول المبارزة، كان الهدف منه دحض الادعاء بأن هذا التقليد يعود بالنفع على «تهذيب الأخلاق».
كان هيوم لاذعًا في رده؛ فقد قال: «لا تجد في الحديث الذي يدور عادة فيما بين أكثر الريفيين سذاجة كل هذا الكم من الوقاحة الذي تجده في أي حوار يدور حول المبارزات.» وقد كان معارضًا لقيام ميثاق الشرف، في تمييزه بين رجل الشرف ورجل الأخلاق، وفي تحديده لمنظومة معيارية للشرف تختلف عن منظومة الأخلاقيات، بالسماح لمن نعتهم «بالفاسقين» و«المبذرين» بالاحتفاظ بمكانتهم في مجتمع ينبغي عليه نبذهم.36
وفي العام ذاته، ندَّد فرانسيس هاتشسون، المعروف بأنه الأب الروحي لحركة التنوير الاسكتلندية، بالمبارزة في كتابه «مقدمة قصيرة للفلسفة الأخلاقية» الذي تُرجم إلى الإنجليزية في عام ١٧٤٥. فالمبارزة رد لا يتناسب في قسوته البالغة مع الكذب والتشهير؛ «فالموت عقاب بشع على مجرد كلمات حقيرة». وعلى أي حال فإن «ربة الحظ المسئولة عن هذا القتال عمياء وغريبة الأطوار مثلها مثل سائر ربات الحظ».37
والحق أن نتائج هذه المبارزات كانت في أغلب الوقت رهن الحظ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مسدسات المبارزة في القرن الثامن عشر، التي كان معروفًا عنها أنه لا يمكن الاعتماد عليها، وكذلك تبادل إطلاق النار من مسافة عادة ما كانت تتراوح بين الاثنتي عشرة والخمس عشرة ياردة. وقد استشهد جوزيف هاميلتون في كتابه الشهير «دليل المبارزة»، الذي ظهر في الأسواق مباشرة عقب مبارزة ويلينجتون، بتعليق «كاتب مرموق» أوضح وجهة نظره على نحو لاذع عندما استخدم التشبيه التالي:
إذا ما ألقيت القبض على رجل قتل زوجتي، ثم قدمته للمحاكمة كما ينبغي عليَّ أن أفعل، فكيف يكون الحال إذا قضى هذا القاضي بأن أقترع أنا والمجرم على من ينبغي أن يُشنق.38
ويقول آدم سميث في كتابه «محاضرات حول فلسفة التشريع» (١٧٦٢) إن المبارزات ما زالت قائمة لأن القانون لا يمنح المرء الحماية الكافية من إهانات لشرفه تكون هي سبب المبارزة، وعليه؛ فإن هذه النقطة تعد من أوجه القصور التي يعاني منها القانون. يقول: «بما أن الإهانة الصادرة كان هدفها تعريض الشخص المهان للفضيحة والسخرية، فلابد أن يكون العقاب المناسب للشخص الذي صدرت عنه الإهانة هو تعريضه للسخرية نفسها، وذلك باستخدام المشهرة (وهي آلة خشبية للتعذيب)، وبتوقيع الحبس أو الغرامة عليه، على نحو قهري وفقًا للظروف المحيطة بواقعة الإهانة.»39 وهنا يعود سميث ليؤكد على نقطة كان هاتشسون قد أوضحها، وهي أن الحكومة مسئولة عن التأكد من أن القانون ينص على تعويض عن الأضرار التي يسعى السادة إلى الحصول على ترضية مناسبة مقابلها. وإذا تقاعس «الحكام المدنيون» عن تحقيق هذا، فإن هاتشسون يؤكد أن «النصيب الأكبر من الذنب»، الناتج عن المبارزة، يقع على عاتقهم. ويتفق كل من سميث وهيوم على عدم جدوى العمل على الإقناع بأن المبارزة أمر سيئ في حد ذاته. وفي رأيي، هذا الأمر يليق بكتاب دراسي تمهيدي حول الفلسفة.
ويليام جودوين، المحلل الفلسفي في القرن الثامن عشر، لم يركز في ملحق بكتابه «بحث حول العدالة السياسية» (١٧٩٣) الذي تناول فيه المبارزة، على الإجابة عن سؤال حول كون المبارزة أمرًا عقلانيًّا من عدمه، فهذه بالنسبة له من المسلَّمات، بل ركَّز على توضيح كيف أن رفض التحدي يحتاج إلى شجاعة أكبر من قبولها. ويتساءل: «أي هذين الموقفين أصدق اختبارًا للشجاعة: المشاركة في ممارسة يستنكرها حكم العقل؛ لأننا لا نستطيع تحمل العواقب المترتبة على تنفيذ هذا الحكم؛ أم القيام بما نؤمن بصحته، ومواجهة عواقب الأمور أيًّا كانت والمترتبة على ممارسة الفضيلة؟»40 وبذلك يكون جودوين في الواقع قد صاغ حجة ضد المبارزة بمنطق الشرف. حتى الدكتور جونسون، الذي لا يمكن القول إنه كان أحد المتحمسين لحركة التنوير، اعترف بصحة رأي جيمس بوزويل، في واحدة من النقاشات التي دارت بينهما في هيبرايدز حول المبارزة، والقائل بأنه «لا يمكن تفسير منطقية» المبارزة.41 وعندما علَّق فولتير، في حاشية لكتابه «القاموس الفلسفي»، على أن المبارزة أمر «يحظره العقل والدين والقوانين كافة»، فقد كان يعبر عن إجماع فكري.42
ولكننا نسيء فهم هذا الإجماع إذا عجزنا عن أن نرى بعيون السادة النبلاء ما في الشرف من مغريات. فقد قال هيوم في كتابه «تاريخ إنجلترا» إن المبارزة «أراقت دماء كثيرة تحت الحكم المسيحي هي من أزكى الدماء خلال فترة تجاوزت القرنين من الزمان»، ولكنه لا يملك إلا أن يعترف بأن القواعد «العبثية» التي تحكم المبارزة هي في الوقت ذاته مبادئ «سخية» (أي نبيلة)، وأضاف أنه «بصرف النظر عن صرامة القانون وسلطة العقل، فإن القوة السائدة للعرف هي على درجة من البأس تجعلها أبعد ما تكون عن التسفيه».43 ويعتقد هيوم أن المبارزة هي رد على إهانة حقيقية. ولا ينفي هاتشسون وجود ركائز حيوية تقوم على أساسها المبارزة، ولكنه يؤكد على أن المبارزة ليست بالسبيل العقلاني للدفاع عن هذه الركائز.

والثابت أن تلك الحجج لم تحقق نجاحًا كبيرًا فيما بين جمهور السادة النبلاء. فعلى سبيل المثال، قَبِل جيمس بوزويل — وهو ليس كاتب سيرة جونسون فحسب، بل أيضًا سيد نبيل من نبلاء اسكتلندا بصفته لورد أوكسينليك — بالتحدي للمواجهة في العديد من المبارزات، على الرغم من أنه كان قد أجبر جونسون على الاعتراف بأنها تفتقر للعقلانية. كان ابنه — السير ألكسندر بوزويل — أيضًا أحد آخر ضحايا المبارزات في اسكتلندا، حيث لقي حتفه في مارس ١٨٢٢ إثر مبارزة في أوكترتول في فايف.

إلا أن بوزويل الأب نجح في أن يدرك بوضوح ماهية الصراع فيما بين الواجب المسيحي وقوانين الشرف في واحد من الهوامش الرائعة التي كان يذيِّل بها كتابه «حياة جونسون»:
لا بد أن نعترف بأن أحد المفاهيم السائدة حول الشرف هي أن أي سيد نبيل يوجه إليه تحدٍّ يجد نفسه أمام بديل مروِّع، وأحد البراهين الواضحة على هذا الأمر هو نص ورد في وصية الراحل الكولونيل توماس، الذي كان عقيدًا في الحرس، كتبه في الليلة التي سبقت سقوطه صريعًا في مبارزة وقعت في ٣ سبتمبر ١٧٨٣: «في المقام الأول، أودع روحي بين يدي الله القدير، وكلي أمل في رحمته وعفوه عن هذه الخطوة الفاسقة التي (طبقًا للأعراف التي لا أجد لها تبريرًا لهذا العالم الخبيث) أجد نفسي مضطرًا للقيام بها.»44
وهكذا، باءت بالفشل مساعي المنطق القوي والحجج الأخلاقية في زعزعة كيان هذا التقليد. ما المسئول عن انهيارها؟ يكمن الجواب في العواقب التي ترتبت على واقعة ويلينجتون ووينتشيلسي.

العواقب

حالما أطلق وينتشيلسي رصاصته في الهواء، مُرضيًا بذلك مفهومه الغريب بعض الشيء عن آداب اللياقة، سلَّم إلى ويلينجتون خطابه من خلال شاهد المبارزة الخاص به، الذي كان قد كتبه قبل أن تبدأ المبارزة، معربًا فيه عن عميق ندمه. وكان رد ويلينجتون: «هذا لا يكفي. فما هذا باعتذار!» هنا صمم هاردينج على استئناف تبادل إطلاق النار ما لم يُعدَّل الخطاب بطريقة تبرز اعتذار وينتشيلسي. وعندها، تدخل الطبيب هيوم باقتراح مفيد للغاية بأن يضيف وينتشيلسي كلمة «اعتذار» بالفعل للخطاب. واستجاب كل من وينتشيلسي وفالموث لهذا الطلب. وكان الطبيب شاهدًا على الوثيقة بعد المراجعة، وقد تضمَّنت وعدًا من وينتشيلسي بنشر نص ذلك الاعتذار في جريدة «ستاندرد»، في نفس الصفحة التي كان قد نشر فيها اتهامه لويلينجتون الذي ترتبت عليه هذه المبارزة.

وبكل تأكيد، صارت هذه الأحداث مثار حديث لندن بأكملها؛ فقد أعلن العديد عن صدمتهم من مشاركة رئيس الوزراء في مبارزة، وصرحت صحيفة «ذا تايمز» بأن المبارزة لم تكن ضرورية، في حين علقت صحيفة «مورنينج هيرالد» على الأحداث على نحو قاطع قائلة: «لا عجب أن يخرق العامة القانون ما دام يخرقه واضعوه أنفسهم، وهم العظماء أصحاب النفوذ وذائعو الصيت، في تحدٍّ سافر وعلى مرأى من الجميع.»45 ولكن تعجب البعض الآخر من مشاركة رجل بمكانة الدوق الرفيعة لا بسبب عدم مشروعية مثل هذه المشاركة، ولكن لأنها جعلته يبدو سخيفًا، حتى إن رسام كاريكاتير غير معروف نشر رسمًا للرجال الخمسة، فيه وينتشيلسي يرقص فوق عريضته المناهضة للكاثوليكية في الوقت الذي يطلق فيه الدوق الرصاص مصيبًا ذيل معطفه. وتحت صورة ويلينجتون، مكتوب:
عندما تقدم الدوق إلى الساحة المغطاة،
نحو عدو بلا طموح يستعد للرضوخ
هل، وهو المبجل صاحب العطف الملكي،
يقبل بإهانة كل من …؟ … كلا، أبدًا!
أما تحت صورة وينتشيلسي فمكتوب: «إفساد التعاليم الأساسية للمسيحية».46 وفي الخلفية، يقدم فالموث ورقة لهاردينج، مكتوبًا عليها كلمة واحدة: «اعتذار». أما الأثر الكلي للرسم فهزلي.
وقد كان لمثل هذه التعليقات في الجرائد ورسوم الكاريكاتير أثر بالغ في تغيير رد الفعل تجاه المبارزات. فكان انتشار الصحافة الشعبية وزيادة أعداد الذين يعرفون القراءة والكتابة من بين أبناء الطبقة العاملة، ولا سيما نمو الحس الديمقراطي، كلها أمور ساهمت في تسليط الضوء على حقيقة أن السادة النبلاء كانوا يعيشون على هامش القانون. فعندما كانت المبارزة ممارسة أرستقراطية مقصورة على من ينتمون لهذه الطبقة ويمارسونها، لم يكن ثمة مجال أمام توجهات الأشخاص العاديين لصياغة عالم الشرف الخاص بالمبارزة. فقد كان للصحافة الحديثة دور في لمِّ شمل كافة أبناء بريطانيا في مجتمع واحد من المعرفة والتقييم.47
وعلى الرغم من هذه المسحة الخفيفة من السخرية، كان من الواضح أن ويلينجتون قد خرج من هذه المبارزة أفضل حالًا من خصمه. فقد عبَّر هاردينج في باترسي فيلدز عن استيائه الشديد من رفض وينتشيلسي الاعتذار على الرغم من عدم وجود لبسٍ في كونه مخطئًا. كان هذا جوهر اعتراضه الذي قرأه على الأطراف الأساسية في المبارزة بمجرد أن استقروا في مواقعهم. وقد أكد هاردينج، في كل الأحاديث التي تبادلها مع فالموث، سواءٌ قبل المبارزة أو بعدها، على أن إجبار الدوق على ضرورة تبادل إطلاق النار أمر يفتقر للِّياقة في رأيه. وقد عكست محاولات اللورد فالموث المستميتة كي يوضح لكل من هاردينج وويلينجتون وحتى الطبيب هيوم أسباب قبوله القيام بدور شاهد وينتشيلسي على المبارزة، إدراكَه أنهم اعتقدوا أن مشاركته في المبارزة بلا قيمة.
fig1
شكل ١-١: «كينجز كوليدج — مقال تطبيقي.» صاحبه مجهول الهوية. (ربما كان توماس هاويل جونز). نشره إس دابليو فوريس، ٤١ بيكاديلي، ١٨٢٩. أرشيف الكاريكاتير البريطاني، جامعة كنت (www.cartoons.ac.uk) (نسبته لجونز مصدرها الموقع الإلكتروني لجامعة كينجز كوليدج لندن: http://kcl.ac.uk/depsta/iss/archives/wellington/duel17.htm).

ويعد خطاب هاردينج الذي ألقاه قبل المبارزة نموذجًا رائعًا للتصرف بتسامح. فبعد أن أكد على تحمل وينتشيلسي وفالموث وحدهما المسئولية الكاملة عما آل إليه الخلاف من شططٍ، أخبرهما بضرورة أن يتحمَّلا وحدهما عواقب الأمور. وأنهى خطابه قائلًا: «ربما لا ألجأ الآن إلى استخدام تعبيرات الاشمئزاز التي كنت قد استخدمتها في أثناء تطور الموقف تعبيرًا عن رأيي بشأن سيادتكما؛ وذلك لأنني أرغب في محاكاة دوق ويلينجتون في ذوقه وهدوئه.» (بالطبع، قولك إنك تُحجم عن وصف سلوك شخص ما بأنه مقزز هي طريقة غير مباشرة للتعبير عن اشمئزازك. وقد سجل الطبيب هيوم فيما بعد أنه سمع وينتشيلسي يهمهم لنفسه بشيء ما حول استخدامه «لغة عنيفة للغاية».) وعندما حاول فالموث مرة ثانية تبرير إصرار وينتشيلسي على المبارزة، قاطعه هاردينج بطريقة تقطر امتعاضًا، قائلًا: «حقًّا يا سيدي اللورد فالموث، أنا لا أغبطك مشاعرك!» ويكاد المرء يلحظ نبرة السخرية التي كان يحاول أن يخفيها.

ووفقًا لرواية الطبيب هيوم، فإن انفعال فالموث الشديد يجري على العكس من موقف هاردينج السديد الثابت. وربما ملأت الدموع عيني فالموث في نهاية الأمر، حسبما روى الطبيب وإن لم يكن متأكدًا من ذلك. إن موقف هاردينج موقف صريح ومباشر، وهو أن الدوق — باعتباره رجل شرف — كان مؤمنًا بأنه لا مفر من الدعوة للمبارزة، ولكن فرض مثل هذا الموقف عليه هو أمر وضيع.

وقد تناقل عدد كبير من الناس مشاعر هاردينج الأخيرة على نطاق واسع؛ وهي مشاعر الاستياء من رفض وينتشيلسي تفادي المبارزة عن طريق الاعتذار، فقد كان ملخص تشارلز جرفيل لرد الفعل (على الأقل فيما بين الأوساط العليا) ملخصًا مباشرًا في صراحته: «لا تضاهي الدهشة التي تسببت فيها هذه الأحداث أي دهشة أخرى. فالكل بالطبع يرى الأحداث من منظور مختلف؛ الكل يلقي اللوم على اللورد وينتشيلسي، ولكنهم منقسمون في موقفهم حول ما إذا كان ينبغي على الدوق المشاركة في المبارزة أم لا.» وربما كان نعت جرفيل لوينتشيلسي بصفة «المهووس» أكثر مساهمة له لافتة للنظر.48
بيد أن ثمة تغيير وقع. لا شك في أن أبناء جيل سابق كانوا سيعتقدون أن ويلينجتون قام بما يمليه عليه الموقف. وقلما نجد مقاطع نثرية مكتوبة في ذلك الوقت تعكس التوتر بين ثقافة الشرف والعالم الجديد الناشئ بوضوح أكثر من تقييم تشارلز جرفيل الشخصي الصريح لقرار ويلينجتون بتحدي وينتشيلسي في مبارزة؛ ولا بد من الإشارة إلى أن جرفيل اشترط نشر رأيه بعد وفاته.
أعتقد أنه ما كان ينبغي على الدوق أن يتحداه في مبارزة؛ كان موقفًا غاية في الصبيانية، وهو المشهود له برفعة الشأن، ولا سيما أن حياته موضع اهتمام العامة لدرجة كان ينبغي معها أن يقابل وينتشيلسي وخطابه بالازدراء الذي يستحقانه. إن حكمه على الأمور قد جانبه الصواب، إلا أنه خطأ يُغتفر ولا شك، فلا يسعنا إلا أن ننظر بإكبار إلى شجاعته التي أبت عليه أن يحتمي وراء ستار من حصانات يستمدها من شخصيته العظيمة ومكانته المرموقة، وكذلك إلى بساطته وتواضعه اللذين جعلاه يتنازل وينزل بمستواه إلى مستوى اللورد وينتشيلسي، في الوقت الذي كان من الممكن أن يتظاهر بالغطرسة ورفعة الشأن ويعامله بعدم اكتراث، دون أن يعرِّض نفسه لأي حط من قدر شرفه. ولكن، أعود لأؤكد أن موقفه كان أدنى من مقامه؛ وقد انعكس عليه سلبًا، فكان موقفًا سخيفًا.49
هل جرفيل ملتزم بأيديولوجية المبارزة؟ لقد غض الدوق طرفه عن الخطر الواضح على الصالح العام، والكامن في مخاطرته بحياته. فقد وصف جرفيل التحدي بكونه «صبيانيًّا» و«سخيفًا»، ولكنه عاد وأشار إلى الخطأ الذي ارتكبه الدوق بأنه «يُغتفر». إلا أنه في عالم الشرف، يعد تعريض المرء نفسه للسخرية والاستهزاء واتخاذ مواقف أدنى من مقامه خطيئة مهلكة. ويظهر ارتداد جرفيل عن ثقافة المبارزة القديمة بوضوح في تجاهله لمبدأ هو أن كافة السادة سواسية على أرض المبارزة. إن القاعدة ٣٨ من القانون الملكي، التي تقدم بها ويليام هاميلتون في كتابه «دليل المبارزة» الذي سبق وأشرت إليه، تنصُّ وبكل وضوح على أن: «الأطراف … بمجرد التقائهم، قد اعترفوا بأنهم متساوون …» وعلى الرغم من أن هذا القانون كان شيئًا مستحدثًا؛ إذ كان بمثابة محاولة أخرى في مطلع القرن التاسع عشر للتخفيف من حدة تناقضات المبارزة، كان هذا العنصر بالأخص أمرًا تقليديًّا. وإذا كانت هناك اختلافات في المكانة الاجتماعية حتى فيما بين السادة النبلاء أنفسهم، حيث إن كل عضو من أعضاء مجلس اللوردات كان يخصص له مكان وفقًا للأسبقية، كان هناك أيضًا شعور هام، كما أكدت سابقًا، يجمعهم بأنهم ينتمون جميعًا لطبقة واحدة؛ وربما يكون هذا هو السبب وراء تسمية النظراء بهذا المسمَّى. وفي عالم الشرف، فإن المساواة بين السادة، التي تتجلى في المبارزات، تعلن رفعة شأنهم المشتركة فوق عامة الشعب. فإذا انتفى وجود هذا العنصر، انهار النظام برمته.

شكوك جرفيل بشأن ما إذا كان ينبغي على ويلينجتون أن يطلب من وينتشيلسي مواجهته تعكس وجود توتر معين داخل قواعد سلوك السادة النبلاء. فمن ناحية، يوجد ولا شك تأكيد هرمي واضح على قلة شأن أصحاب «الطبقات الدنيا»؛ ومن ناحية أخرى، توجد «المساواتية» فيما بين مقامات النبلاء. عندما قال جرفيل إن الإيرل لم يكن على نفس مستوى الدوق، وبالتالي فإن الدوق كان «ينزل بمستواه» بمعاملته له باعتباره ندًّا له، أيًّا كان معنى كلمة «مستوى» بالنسبة لجرفيل، فإنه كان يستند في حجته إلى معيار غير لائق. بل إن رفض أحد المثل العليا، وهو وجود شكل من أشكال المساواة يربط أعظم الدوقات بأبسط أرباب الأراضي في الريف، هو رفض للسمة الوحيدة التقدمية التي كانت تميز نظامًا يحتضر. فوفقًا لثقافة المبارزة، أي سيد نبيل — ولا شك أن وينتشيلسي كان كذلك — جدير بالاهتمام. لقد قضى جرفيل بأن موقف ويلينجتون موقف صبياني بناءً على معيار لا علاقة له بالشرف الذي يجمع النبلاء، والذي كان سببًا في استمرار المبارزة لوقت طويل.

ولا بد من الإشارة إلى أن الملك جورج ما أظهر قط مثل هذا الجمع بين النقيضين، بل استمر في مؤازرته لتقليدٍ أوروبي طويلٍ يقضي بإظهار التسامح الملكي في التعامل مع جنوح النبلاء نحو خرق القوانين التي كان من المفترض أنها تعكس إرادة الحاكم. كان ويلينجتون في ويندسور في وقت الظهيرة ليرفع إلى البلاط تقريرًا حول ما جرى. ويخبرنا جرفيل في هذا الشأن بأن الملك كان «في غاية السرور والرضا عن مسألة وينتشيلسي».50 وفقًا لمحرر صحيفة «ليتراري جازيت»، فإن جلالته كان يرى أنه إذا أخذ في الاعتبار موقف ويلينجتون بالغ الدقة، فإن «كونه جنديًّا … جعل المسار الذي سلكه مسارًا محتومًا».51 كان الملك يعلم أن النبلاء من العسكريين يشغلون مكانة مؤثرة في عالم الشرف، وربما كان هذا هو السبب وراء تحيز آراء العديد من عامة الرجال والنساء لموقف ويلينجتون. وقد أخبرت دوقة ويلينجتون ابنها أنه في وقت سابق «كان الغوغاء … يسيئون إلى والدك إساءة بالغة، وها قد عادوا إلى التهليل له».52

ويكاد يكون من المؤكد أن هذا كان بالضبط ما خطط له زوجها الدوق. فوسط مناخ يسوده التوتر المحيط بالنقاش الدستوري، ومع تنامي حالة الاستياء العام في كل من إنجلترا وأيرلندا، كان تحول ويلينجتون إلى قضية الإغاثة الكاثوليكية قد أثار قلق العديد من أبناء وطنه المحافظين. وكان قد تلقَّى العديد من الطعنات من جراء موقفه هذا. فكان اختياره للإيرل غريب الأطوار بمزاعمه المثيرة للسخرية كي يرمز إلى محقريه اختيارًا ينم عن الدهاء وحصافة الرأي. فقد كتب إلى دوق باكينجهام بعد مرور شهر على الأحداث، في زعم يقع بين الاعتراف والزهو بأنه عندما نشر وينتشيلسي «الخطاب الثائر» «أدركت على الفور المزية التي منحني إياها».

كانت المبارزة بالنسبة لويلينجتون — كما هي بالنسبة لوينتشيلسي — محاولة لصياغة الرأي العام، على الرغم من أن المخاطر بالنسبة للدوق كانت أعظم ولا شك. فهو، على حد قوله، يسعى لتحويل مسار التعاطف الشعبي نحوه في مواجهة التلميحات والشائعات التي يروجها معارضو قراره السياسي، وقد نجح تمامًا باعترافه في تحقيق أغراضه. لقد وقع وينتشيلسي في الفخ الذي كان قد نصبه له؛ فقد ادعى الأخير ادعاءات خرقاء، أتبعها برفضٍ للتراجع عنها يفيض بالإهانة، ثم أجبر الدوق على تعريض حياته للخطر. وعلى أثر كل هذه الحماقات، سعى رئيس الوزراء إلى جَعْل الأمر يبدو وكأنه لم يفعل ما فعل إلا من منطلق القيام بالواجب المفروض عليه كعادته. وقد انتهى الدوق إلى أنه «انقشع أخيرًا جو الافتراءات وتشويه السمعة الذي كان يلازمني لفترة طويلة … إنني راضٍ عن الطريقة التي أملى عليها بها الصالح العام أن أقوم بما قمت به في الوقت الحالي».53

وربما إذا ما أخذنا بالمظاهر كانت رؤية ويلينجتون للأحداث تمثل أكثر صور التخلي عن المبادئ خزيًا؛ فالأمر الذي بدا وكأنه دفاع على مضض عن الشرف الشخصي، أعيدت صياغته في هذا الخطاب بكلمات قاسية فظة تعكس قدرًا كبيرًا من التلاعب، لتصبح المسألة مسألة حسابات سياسية بل وحتى مناورات. لقد استُغل أنقى تجسيد لميثاق الشرف في خدمة أغراض سياسية مبتذلة.

ما الذي قضى على المبارزة؟

السؤال إذن؛ كيف صارت المبارزة بمرور الوقت محل ازدراء الناس؟ كيف أصاب الوهن مجموعة من المعايير بالدرجة التي سمحت لفرد من الطبقة الأرستقراطية مثل تشارلز كافنديش فولك جرفيل بأن يرى مشاركة الدوق في المبارزة عملًا «صبيانيًّا»؟ لقد عرضنا بعض هذه العناصر؛ ظهور الدولة الإدارية، ومعها زيادة الاهتمام بالالتزام بالقانون على نحو نظامي؛ والصحافة الشعبية، التي حولت تقليدًا كان مقصورًا على مجموعة بعينها إلى مسرحية يشاهدها غرباء هدفهم التسلية؛ والضعف الذي حل بعقيدة المساواة داخل إطار من رفعة الشأن، التي كانت تجمع النبلاء في قبضة متينة. ولكن هل تعد هذه العناصر أعراضًا لتحول أكبر؟

كانت واحدة من أكثر الإجابات وجاهة هي تلك التي قدمها في جي كيرنان، المؤرخ الشهير للمبارزات الأوروبية. فقد قال إن الطبقة التي كانت تستمد المبارزة منها معياريتها فقدت شيئًا فشيئًا مكانتها المحورية في الحياة البريطانية العامة. لقد ظهرت طبقة جديدة في مطلع القرن التاسع عشر بدأت تحل محل الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، وفقًا لرأي ماركس الشهير؛ وهذه الطبقة كان قوامها رجالًا مثل بييل الذي كان مصدر ثروة عائلته ما كان يسميه الأرستقراطيون «التجارة» على سبيل الذم. كانت قد بدأت بيروقراطية الدولة الحديثة في صياغة أدوات جديدة لها، مثل الإحصائيات، التي كان يديرها طبقة من المسئولين كانت آخذة في النمو وكانت تتسم بمهنية عالية.

يؤمن أي رجل أعمال بضرورة أن يدير أعماله بنظام وتدبير، كما أنه يعرف عن أي بيروقراطي أنه يفضل أن تدار الأمور بطريقة مرتبة. لقد ساند العديد من أبناء تلك الطبقات الجديدة الإصلاحات البرلمانية؛ فقد كانوا يريدون أن يحرموا أبناء الطبقة العليا المنعَّمة ملاك الأراضي الزراعية من حقهم التقليدي في تخصيص مقاعد لهم في مجلس العموم، وأن يضعوا حدًّا لعملية شراء الأصوات، وأن يقوموا بتوسيع نطاق حق الانتخاب. وكان قانون الإغاثة الكاثوليكية واحدًا من أساليب الكرِّ والفر الاستراتيجية في تلك المعركة. ففي حين سُمح للكاثوليكيين بدخول البرلمان، رفع مشروع القانون متطلبات المِلكية الخاصة بالتصويت على مقاعد أي مقاطعة في أيرلندا خمس مرات أكثر من السابق؛ أي من أربعين شلنًا (وهو ما كان عليه الحال في إنجلترا على مدار أربعمائة عام) إلى عشرة جنيهات؛ مما أسهم في زيادة ممارسة الضغط لمصلحة الإصلاح الانتخابي الذي أفضى إلى قلاقل كانت السبب وراء تمرير «مشروع قانون الإصلاح الكبير» بعد ثلاث سنوات لا غير في عام ١٨٣٢.

إن التوتر الذي شاب العلاقة بين الشرف والتزام القانون كان عنيفًا لدرجة كبيرة بالنسبة لويلينجتون على وجه الخصوص؛ لأنه لم يكن يمتهن مهنة عسكرية فحسب، بل كان كذلك أحد المسئولين الإداريين في الدولة لفترة طويلة، وينتمي لعائلة شغل أفرادها مناصب إدارية رفيعة في الدولة كذلك. كان أخوه الأكبر، ماركيز ويلزيلي، واحدًا من كبار الموظفين في الدولة في ذلك الوقت. كان الحاكم العام للهند، وسفير بريطانيا في إسبانيا أثناء حروب شبه الجزيرة، كما شغل منصب وزير الخارجية. أما ويليام، أخوه الثاني، فكان إيرل مورنينجتون، ووزير أيرلندا، ولاحقًا مدير دار سك النقود تحت قيادة اللورد ليفربول، ثم انضم إلى إخوته في مجلس اللوردات بصفته لورد ماريبورو في عام ١٨٢١. أما الأخ الأصغر، هنري، فقد كان سفيرًا في فرنسا وانضم لإخوته في عام ١٨٢٨ بصفته لورد كولي.

الدوق نفسه، بالإضافة إلى سيرة حياته المهنية الاستثنائية في العسكرية، كان قد شغل منصب سفير بريطانيا في فرنسا، وأول مندوب مفوض في مؤتمر فيينا، وعضو مجلس الملك الخاص منذ عام ١٨٠٧، وبالطبع كان الوزير المسئول عن أيرلندا؛ وكان قد انضم إلى البرلمان الأيرلندي بصفته عضوًا في سن الواحد والعشرين. وربما كان أبناء عائلة ويلزيلي — بصفتهم ينتمون للطبقة الأرستقراطية ولديهم روابط عسكرية — يؤيدون المبارزة، ولكن كونهم يشغلون مناصب في الحكومة جعلهم يعارضون المبارزة لنفس الأسباب التي ذكرها كل من بيكون وريشليو.

كان فرانسيس بيكون قد تنبأ بآلية زوال المبارزة في الوقت الذي كانت فيه المبارزة الحديثة تخطو أولى خطواتها، وذلك في خطابه الذي ألقاه أمام البلاط، والذي ذكره في كتابه «اتهام يمس المبارزات»:
أعتقد (أيها السادة اللوردات) أن الرجال كريمي الأصل، رفيعي الشأن، سيديرون ظهورهم لهذه الممارسة، عندما تبدأ في الانحطاط لمستوى الحلَّاقين الجراحين والجزارين، وغيرهم من أصحاب المهن البسيطة.54

كانت المبارزة قضية تتعلق بالشرف. كانت ترتكز في وجودها على طبقة ذات نفوذ يستطيع أبناؤها ترسيخ مكانتهم عن طريق ممارستهم لفعل يجرمه القانون مع عدم الوقوع تحت طائلته في الوقت الذي يعجز غيرهم عن ذلك. وكانت من العلامات التي دلَّت على الضعف الذي بدأ ينهش في مكانة هذه الطبقة ارتفاع وتيرة المبارزات في مطلع القرن التاسع عشر التي كان أطرافها رجالًا، لم يكونوا من السادة النبلاء، ولكنهم صاروا سادة بفضل عضوية في مهنة من المهن أو لنجاح حققوه في مهنة ما. وحالما أتيحت الفرصة أمام «أصحاب المهن البسيطة» لممارسة المبارزة، لم تعد المبارزة قادرة على أن تحقق التميز لممارسيها.

كانت نظرة بيكون للمبارزة نظرة تستشرف المستقبل، في وقت كانت المبارزة في أوجها في القرن الثامن عشر. وإذا أردت نظرة للماضي، يمكنك أن تستمع لما قاله ريتشارد كوبدن — عضو البرلمان الليبرالي العظيم — في خطابه الذي ألقاه في روشدال عام ١٨٥٩، وكان يستعيد فيه ذكريات وقت كانت فيه المبارزة «طريقة [معتادة] للرد على شكل محدد من أشكال الإهانة». فيقول كوبدن لجمهور ناخبيه في روشدال:
أتذكر كيف أن مجموعة من معاوني تجار الأقمشة الكتانية عقدوا العزم في صباح يوم أحد … على أن يبدءوا عقد مبارزات فيما بينهم؛ وما إن بدأ معاونو التجار في المبارزة، حتى فقدت بريقها في أعين أبناء الطبقات العليا … واليوم، ما من شيء أكثر سخافة من أن يفكر أي نبيل من النبلاء أو سيد نبيل في الرد على إهانة ما عن طريق التقاتل في مبارزة.55
كان رأي كوبدين أن نبوءة بيكون تحققت حتى ولو جاءت متأخرة؛ فقد أدى لجوء «الرجال البسطاء» للمبارزة إلى هجر الطبقة الأرستقراطية لها. وتذكرنا نبرة السخرية في كلامه كيف أن المبارزة — في عصر ازدهرت فيه الديمقراطية — كانت رمزًا غير محبب للنفوس للامتيازات التي كانت تتمتع بها الطبقة الأرستقراطية. وقد قال أوسكار وايلد في عبارته الشهيرة إنه ما دام يوجد من يعتبر الحرب أمرًا خبيثًا، ستظل تتمتع بجاذبية خاصة. واستطرد قائلًا: «عندما يراها الناس أمرًا سوقيًّا، ستفقد شعبيتها.» ينطبق الكلام نفسه على المبارزة، ويمكن أن نضيف أن السوقية المتزايدة للمبارزة كانت السبب وراء ظهور طبيعتها الخبيثة على نحو جلي. فما دامت لا تواجه هذه الممارسة سوى اتهامات بالجنون أو الفساد، ستظل مزدهرة، ولكن حالما تصير المبارزة محط ازدراء، ستتداعى وتنهار.
كان ويلينجتون في «أيام مايو»، في الفترة ما بين ٧ و١٥ مايو ١٨٣٢؛ أي بعد مرور ثلاث سنوات على واقعة المبارزة، قد عجز عن تشكيل حكومة للملك ويليام الرابع، الملك الجديد؛ فقد كادت مقاومة الدوق للإصلاحات الانتخابية، أو بالأحرى مقاومة العديد من المحافظين أمثاله في مجلس اللوردات لها، أن تدفع بريطانيا إلى حافة الثورة. وانتشرت أعمال الشغب انتشار النار في الهشيم، ومعها أُجبر الأرستقراطيون القدامى على الموافقة على تقديم تنازلات تمثلت في «قانون الإصلاح الكبير»، الذي كان علامة فارقة لأولى الخطوات نحو نهاية سيادة مجلس اللوردات، وبداية عصر مجلس العموم الذي صار أكثر تمثيلًا لطبقةٍ متوسطةٍ ناشئةٍ تضم المشتغلين بالتجارة والمهن الحرفية. وقد كتب جون ستيوارت مِل في عام ١٨٤٠ يقول: «إن حكومة إنجلترا تتحول تدريجيًّا من حكومة القلة إلى حكومة ربما ليست حكومة الأغلبية، ولكنها بالتأكيد حكومة الكثيرين … لتتحول من حكومة أرستقراطية مخلوط بها قلة من العوام، إلى نظام حكم الطبقة المتوسطة.»56
شارك العديد من الرجال الجدد ويليام ويلبرفورس في معتقداته البروتستانتية، وقد عمل ويلبرفورس لعقود طويلة لا من أجل القضاء على الرق والدفاع عن الأخلاقيات العامة، فحسب، بما في ذلك حملته ضد المبارزة، بل أيضًا من أجل تحقيق الإصلاحات البرلمانية. وقد اضطر ويلينجتون وقرناؤه إلى عدم معارضة مشروع القانون بعد أن تلقوا تهديدًا، تحت ضغط مستمر من إيرل جراي وحكومته، بإيجاد أنداد جدد يحصدون أغلبية الأصوات منهم. وعندما اجتمع البرلمان الجديد، ما كان في وسع سمو الدوق إلا أن يعلِّق قائلًا: «لم أرَ في حياتي قط هذا العدد الكبير من الأشخاص الذين يثيرون المتاعب.» وتعكس هذه الكلمات المفرطة في الغرور والتكبر، مثلها مثل كلماته حول المبارزة مع وينتشيلسي، حجم الفجوة التي تفصل بين مشاعره وروح العصر. وقد كتب جون كام هوبهاوس، صديق بايرون، في عام ١٨٦٥، بعد عمر مديد، معلقًا على قرار ويلينجتون يقول: «من الصعب للغاية إصدار حكم عادل ومنصف حول مجريات الأمور فيما يتعلق بالمبارزة خاصة في مثل هذا الزمان، وبعد انقضاء سنوات عدة على تغير الآراء وتغير الاستخدام.» ويستمر في حديثه حول المبارزة وكأنه يتحدث عن ممارسات من ثقافة غريبة قائلًا: «إن المبارزة، مثلها مثل مصارعة الثيران بالكلاب، وملاكمة المحترفين، ومهارشة الديكة، وغيرها من الممارسات الهمجية، كانت تحكمها قواعد كان من غير الجائز خرقها دون تلقي قدر من التعنيف والانتقاد …»57

المبارزات الأخيرة

كل ما ذكرته من تغيرات كان موطنها بريطانيا العظمى. أما في أماكن مختلفة مثل الولايات المتحدة، وروسيا، وألمانيا، وإسبانيا، فقد لقت المبارزة نفس المصير ولكن بطرق مختلفة، باختلاف السياقات الاجتماعية والسياسية في هذه المجتمعات المتباينة، كما يمكن للقارئ أن يتوقع. بالطبع لم يختفِ الشرف باختفاء المبارزة في الجزر البريطانية أو في غيرها من الأماكن. بيد أنه، وبعد قرون طويلة من المحاولات، أخيرًا نجح البيروقراطيون، الذين استمعنا لشكواهم في كتاب بيكون «اتهام يمس المبارزات»، في تحقيق مرادهم. وربما كانت كلمات الكاردينال نيومان في عام ١٨٥٢ أكثر ما يدل على التغير الشديد الذي طرأ على معنى كلمة «سيد نبيل»، حيث لم يجد غضاضة في أن يقول: «يكاد يكون تعريف «السيد النبيل» أن تقول إنه شخص لا يتسبب في ألم أبدًا.»58 فإذا كان هذا معنى أن يكون المرء سيدًا نبيلًا، فلا يوجد ما هو أكثر من المبارزة تنافيًا وهذا المعنى.
وفي منتصف القرن التاسع عشر، لم يعد من الممكن الذود عن الشرف عن طريق المبارزة في الجزر البريطانية. فقد ذكر جيمس كيلي، في كتابه حول تاريخ المبارزة الأيرلندية، كابتن يدعى سميث، لقي حتفه بطلق ناري في ١٨٣٣ في فيرموي «إثر «نقاش محتدم» حول الجَدارات النسبية لمختلف أجزاء الجيش»؛ كما ذكر في كتابه للورد لندنديري، واللورد عمدة دبلن، ومعارضيهما وكيف أنهما خرجا من ساحة المبارزة دون أي إصابات في الثلاثينيات من القرن نفسه.59 بعد هاتين الواقعتين، لا توجد سوى إشارات هنا وهناك سرعان ما اندثرت.
كان آخر السادة الذين قُدموا للمحاكمة بتهمة المبارزة في اسكتلندا في أغسطس عام ١٨٢٦؛ والجدير بالذكر أنه لم يكن متحمسًا للمبارزة، وكان تاجر كتان في كيركالدي (أو مجرد بائع، كما أصر ويلينجتون أن يُطلق عليه على الأرجح)، في حين كان خصمه الذي أجبره إجبارًا على المبارزة مصرفيًّا وضابطًا سابقًا بالجيش. لقي صاحب البنك حتفه، وبُرئت ساحة التاجر.60
أما آخر مرة أطلق فيها أحد السادة الرصاص على آخر في ساحة رد الشرف في إنجلترا فكانت عام ١٨٥٢، عندما تواجه كل من جورج سميث (صديق بنجامين دزرائيلي، والشخص الذي أوحى له ببطل روايته كونينجسبي)، وكولونيل يدعى روميلي — وكلاهما كان عضوًا في البرلمان عن كانتربيري — خلال نزاع انتخابي فيما عُرف في إنجلترا باسم المبارزة الأخيرة.61 ويحكي كيرنان عن هذه المبارزة قائلًا إنها كانت «حدثًا هزليًّا كما هو متوقع، حيث اضطر الرجلان وشاهِدَا المبارزة الخاصان بهما إلى أن يتقاسموا عربة تقلهم إلى ساحة المبارزة في ويبريدج». وإنه لمشهد مضحك حقًّا أن ترى سيدين وشاهديهما يترجلون من القطار ليركبوا معًا في سيارة أجرة تنقلهم إلى ساحة من المفترض أن يتبادلا على أرضها إطلاق النار على بعضهما البعض. وقد علق أحد المراقبين بقوله: «لقد تناول الواقعة مقالٌ ظريفٌ نُشر في مجلة «ذا تايمز»، ونجحت السخرية أخيرًا في تحقيق ما عجزت عنه مبادئ الأخلاق، وهي القضاء على المبارزة. «تُرد الدعوى وسط موجة من الضحك».»62
إن المبارزة المفضلة لديَّ ضمن المبارزات الأخيرة في إنجلترا كانت تلك التي جرت بين السير ويليام جريجوري، زوج الليدي جريجوري، الأديبة الأيرلندية الشهيرة، في ساحة أوسترلي بارك في عام ١٨٥١، وبين عضو آخر من أعضاء نادي «تيرف»، في خلاف شديد التعقيد حول إخفاء ملكية حصان عمدًا. وقد كتب السير ويليام في وقت لاحق في مقدمته حول هذه الواقعة يقول إنه يريد من ابنه أن يتفهم أسباب إقدامه على مثل هذا العمل «السخيف جدًّا، الخاطئ جدًّا، المتناقض تمامًا مع الرأي العام».63 إن وصف المبارزة — التي أُجلت بضعة أيام لحين ينتهي السير ويليام من جني مكاسبه التي حققها من وراء حصان السباق الخاص به — بهذه الكلمات من شأنه أن يجعل القارئ المعاصر يعتقد أنه وصف يثير الضحك عن غير قصد. وها هو السير روبرت بيل، الشاهد على المبارزة الخاص بالسير ويليام، ونجل رئيس الوزراء المتوفى حديثًا، يتعجب بصوت مسموع عما إذا كان الموت هو الجزاء الأوفى للكذب بشأن حصان. وقبل هذا التعجب بلحظات قليلة كان قد قال: «بالطبع … إذا ما نجونا من الموت شنقًا، سيكون حتمًا علينا قضاء ما تبقى من عمرنا من سنوات بعيدًا خارج البلاد.» ويخبرنا السير ويليام كيف أنهم «تناقشوا حول محل إقامتهم في المستقبل». ويا ليت روبرت جريجوري، ابن السير ويليام، (الذي كتب الشاعر ييتس في وفاته في الحرب العالمية الأولى قصيدته «طيار أيرلندي يتنبأ بوفاته») وعى الدرس من وراء هذه القصة.
عندما سُئل جاي كرواتشباك، في رواية إيفلين واه، «ضباط وسادة»، التي تدور أحداثها في الحرب العالمية الثانية، عما سيفعله إذا ما دعاه أحدهم لمبارزة، كان جوابه المقتضب: «سأضحك.»64 هكذا كانت النهاية. إلا أن الضحك كان قد بدأ بالفعل عندما تعرض دوق ويلينجتون العظيم للسخرية والاستهزاء بسبب تحديه ذلك «المجنون»، إيرل وينتشيلسي ونوتنجهام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠