الفصل الثاني

تحرير الأقدام الصينية

لا يوجد ما يجعلنا محط سخرية أكثر من عادة ربط الأقدام.

كانج يووي1

مذكرة للعرض على العرش

في عام ١٨٩٨، رفع مفكر صيني اسمه كانج يووي مذكرة إلى القصر الإمبراطوري في بكين بخصوص عادة ربط الأقدام. لم يكن هذا بالأمر الاستثنائي، فعلى مدار قرون عديدة، كان من يدير الإمبراطورية الصينية هم مجموعة من الأدباء المثقفين اختيروا بعناية بعد أن اجتازوا امتحانات تنافسية قاسية، ليصبحوا بعدها حكامًا على مقاطعات الصين المختلفة، أو ما يعرف بالماندرين؛ أي كبار الموظفين في الصين. وكان يُستدعى «الجينشي»، وهم مَن اجتازوا بتفوق نظام الاختبار هذا بمستوياته العديدة، إلى بكين للعمل في الحكومة، أو إلى أكاديمية هانلين (إذا كان أداؤهم مميزًا) لدراسة كلاسيكيات الكونفوشيوسية وتطبيق الدروس المستفادة منها في مواجهة مشكلات زمنهم. كانت المذكرات (أو ما اصطُلِح على تسميته «العرائض») طريقة التواصل بين المثقفين والإمبراطور مثلما فعل كانج، وكانت تُكتب بأسلوب كلاسيكي أنيق لتنساب بين قنوات البيروقراطية وتشق طريقها بتمهل إلى أعلى. فإذا اعتُبرت المذكرة على درجة من الأهمية، كان من الجائز أن ينتهي بها المطاف بالفعل إلى القصر الإمبراطوري، سواءٌ كان ذلك بطريقة مباشرة أو بعد إعادة صياغتها في صورة مقترحات تتحول إلى مراسيم تحكم النظام الإمبراطوري.

كان كانج عضوًا بارزًا في مجموعةٍ من مثقفي فترة أواخر القرن التاسع عشر، الذين كانوا يؤمنون بحاجة الصين الماسة إلى التحديث على الرغم من تشبعهم بكلاسيكيات الكونفوشيوسية العتيقة. فهم — على العكس من المحافظين القائمين على إدارة النظام البيروقراطي الوطني — يؤمنون بأنه لكي يدخل بلدهم عصرًا جديدًا، فهناك الكثير مما يجب تعلمه من الغرب. كان كانج نفسه مؤيدًا لحكم أسرة تشينج، إلا أنه كان يؤمن بضرورة إجراء تغييرات دستورية.

كانت هناك حقيقة واحدة راسخة تدور في فلكها كل هذه الرسميات المعقدة للنظام الإمبراطوري في ذلك الوقت؛ وهي الإمبراطورة الأرملة تسي شي. كانت امرأة غير عادية بكل المقاييس، وصلت إلى المدينة المحرمة، معقل الحكم الإمبراطوري في قلب مدينة بكين، في صيف ١٨٥٢ وهي في السادسة عشرة من عمرها، لتصبح واحدة من المحظيات العديدات للإمبراطور الجديد. وقد حكم الصين آنذاك أسرة غريبة عنها أصلها من إقليم منشوريا على مدار أكثر من مائتي عام، وكان الإمبراطور الجديد شيان فنج ثامن حكام الصين من سلالة تشينج. كان الإمبراطور السابق قد تُوفي قبل ذلك بعامين، وانتظر الإمبراطور ابن الواحد والعشرين ربيعًا، فترة حداد مناسبة قبل أن يبدأ في تكوين مجموعته الخاصة من المحظيات.

وقع الاختيار ذلك العام على ستين من فتيات المانشو من بين آلاف الأسماء التي تقدمت صاحباتها من كافة بقاع الإمبراطورية، وذلك على أساس القوائم التي أعدها مسئولون محلِّيون لرفعها إلى العاصمة. كانت تحتوي هذه القوائم على وصف لأصل كل فتاة على حدة، بالإضافة إلى تحليل فلكي لها قائم على أساس تاريخ ميلادها، وكذلك وصف لشخصيتها وتعليمها ومظهرها.

كانت مهمة أرملة الإمبراطور السابق وقتذاك استعراض قوائم المحظيات الجديدات وتصنيفهن. ويبدو أن تسي شي لم تنل إعجاب أرملة الإمبراطور السابق، فقد وضعت الإمبراطورة الأرملة الفتاة الجديدة في أسفل قائمة المحظيات. ولم يستدعها الإمبراطور شيان فنج لأول مرة لحجرة نومه لتمارس المهمة الموكلة إليها إلا بعد مرور ثلاث سنوات.

ويبدو أن الفتاة نالت على الفور إعجاب الإمبراطور على العكس من موقف الإمبراطورة الأرملة منها. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تسي شي رحلة أسرع من لمع البرق في الارتقاء في النفوذ والمقام. فبحلول عام ١٨٥٦، كانت قد منحت الإمبراطور ولي عهده الأول والأوحد؛ وعندما أتم الطفل عامه الأول، منحها الإمبراطور مكانة إمبراطورية لا تعلوها سوى مكانة الإمبراطورة الأرملة تشيان.

تُوفي زوجها الإمبراطور في عام ١٨٦١، تاركًا وراءه الإمبراطور الجديد وعمره لا يتجاوز الخمس سنوات. وبذلك دخلت الإمبراطورية مرحلة تقاسمت فيها السلطة رسميًّا تسي شي والإمبراطورة الأرملة تشيان من ناحية، ومجموعة من الحكام الذكور من ناحية أخرى. (وقد عُرفت المرأتان باسم الإمبراطورة الأرملة الشرقية والإمبراطورة الأرملة الغربية، حيث كانت تسكن كل واحدة منهما طرفًا من طرفي المدينة المحرمة.)

تمكنت تسي شي، وسط الصراعات السياسية المعقدة التي تلت وفاة الإمبراطور، عن طريق إحكام قبضتها على السلطة واستخدام مهاراتها في كسب ولاء من حولها، من التفوق على من سواها شيئًا فشيئًا. وعندما لقي ابنها حتفه في سن صغيرة جراء إصابته بمرض الجدري، وضعت ابن أخيها ذا الأربع سنوات على العرش ليكون الإمبراطور جوانج زو. ومن المفارقات أن كلمة «جوانج زو» بالصينية تعني «الخلافة المجيدة»، فقد كان الإمبراطور الصغير من نفس جيل الإمبرطور السابق، وقد كان ذلك خرقًا لتقاليد المانشو. ولم يكن للفتى الصغير حق في الحصول على هذا اللقب، بيد أن والده كان من المناصرين للإمبراطورة تسي شي وسط المكائد التي كانت تحاك في أروقة البلاط.

كانت تسي شي امرأة جميلة، تتمتع بجاذبية شخصية خارقة، كما كانت ذكية وصُحبتها ممتعة. وقد قال عنها السير روبرت هارت، وهو أيرلندي شغل منصب المفتش العام في الجمارك الصينية في الفترة من ١٨٦٣ وحتى ١٩١١، إنها تتحدث «بصوت مفعم بالأنوثة الساحرة».2 وقد قالت عن نفسها ذات مرة في وقت متأخر من حياتها إنها كانت مثار غيرة العديد من الناس في شبابها «لأنني كنت أُعتبر امرأة جميلة في ذلك الوقت».3 وكانت بحق شخصية ذات هيبة خاصة عندما كانت تضع الرداء الإمبراطوري الأصفر اللامع، المصنوع من الحرير الخالص، والمزخرف بتطريزات دقيقة باللون الأسود والأحمر والأخضر والأزرق، وذلك على الرغم من قصر قامتها التي لم تتعد الخمسة أقدام، (مثلها في ذلك مثل الملكة فيكتوريا، التي حكمت تلك الإمبراطورية الأخرى التي كانت مصدر تحدٍّ لتسي شي في النصف الآخر من الكرة الأرضية.)

حكمت تسي شي الصين منذ وفاة زوجها وحتى مماتها لفترة قاربت نصف القرن، إلا مائة يوم، وقد كان حكمها «من وراء الستار»، كما تجري العبارة على لسان الصينيين. فقد كان البلاط يزخر في أي وقت من الأوقات بأمراء المانشو الذين كانوا يملكون التأثير عليها وعلى الأمة. وعندما كانت تغير الحكومة توجهاتها، كان ذلك يرجع إلى تحول دعمها من مجموعة إلى أخرى. وفي الوقت الذي تعلمت فيه الصين كيفية التعامل مع التجاوزات المتزايدة من القوى الخارجية، تمكنت تلك المرأة صغيرة الحجم من التصدي لكافة التحديات الداخلية لسلطتها؛ إلا أنه من الصعب أن نقول الشيء نفسه بشأن حكمها على العالم الخارجي.

ففي عام ١٨٨٩، بلغ الإمبراطور جوانج زو، الذي كانت تحكم تسي شي البلاد من خلاله، سن الثامنة عشرة، وبدأ يحكم البلاد بنفسه، على الأقل رسميًّا. (وكان هذا في حد ذاته دليلًا على إحكام الإمبراطورة قبضتها على السلطة؛ فقد كان من حقه أن يتحرر من وصايتها ببلوغه سن السادسة عشرة وفقًا للعرف السائد.) إلا أن الإمبراطورة الأرملة كانت في الواقع قريبة من مقاليد السلطة. وفي أبريل من عام ١٨٩٥، مُنيت الصين بهزيمة بحرية على أيدي اليابانيين، أُجبرت على أثرها على توقيع معاهدة شيمونوسكي المذِلة. كانت هذه هي الملابسات التي أحاطت بوصول كانج، وهو في سن السابعة والثلاثين، مع العديد من الدارسين الشباب النابهين، إلى بكين لاجتياز اختبارات «الجينشي». وقد أرسل عريضته ذات العشرة آلاف كلمة إلى العرش، حتى قبل أن يخضع للاختبار، الأمر الذي يعتبر خرقًا لأحد البروتوكولات، وقد ذيَّل العريضة بتوقيع مائة من «الجورن»، وهم الذين اجتازوا الاختبارات الإقليمية، تمهيدًا لخوض اختبار «الجينشي» الأكثر صعوبة.

استحث الموقعون على العريضة العرشَ على مقاومة اليابان، وتقدموا بحزمة من المقترحات لعمل إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية. وقد ظلَّ كبار أعضاء النظام البيروقراطي مصدر إحباط لطموحهم لسنوات عديدة. وكان الإمبراطور مدركًا لضرورة إحداث تغييرات جذرية، إلا أنه لم يكن يملك السلطة الكافية أو الاستقلالية اللازمة لأن يُملي إرادته على المسئولين المفترض أنهم لا يملكون له إلا النصح، بعيدًا عن نفوذ الإمبراطورة الأرملة أو أرستقراطيي المانشو المحافظين الذين كانت تساندهم الإمبراطورة.

أعقبت هذه الفترة مائة يوم، فيما بين الحادي عشر من يونيو والحادي والعشرين من سبتمبر من عام ١٨٩٨، بدأ فيها الإمبراطور سلسلة من الإصلاحات الحقيقية، وكانت العرائض التي يرسلها كانج يووي مصدر إلهام له بدرجة كبيرة.4 وعلى مدار الأيام المائة تلك، وقفت الإمبراطورة تراقب الإمبراطور وهو يصدر ما يناهز الأربعين مرسومًا؛ فقد ألغى «المقال ثماني الأقسام» الشهير، وهو شكل من أشكال النثر القديم شديد الرسمية الذي كان يمثل جزءًا من نظام الاختبار التقليدي.5 كان الإمبراطور يسعى لأن يحقق انفتاحًا في التعليم الصيني على العلوم الغربية من دراسات حديثة في التجارة والهندسة والتعدين. وقد تقدم باقتراح بشأن إدخال إصلاحات على الطريقة المستخدمة في وضع الموازنة التي عفا عليها الزمن، وكذلك بشأن تعزيز السلاح البحري. وقام بفصل كبار المسئولين الخارجين عن طوعه. بل وسعى أيضًا من أجل «القضاء على الوظائف عديمة الجدوى في كل من بكين والمقاطعات الأخرى»، على حد وصف مبعوث تبشيري بريطاني كان يعيش في بكين في ذلك الوقت وعلى الرغم من سذاجته إلا أنه كان معجبًا بتلك الإصلاحات.6
وقد التقى الإمبراطور — في سابقة من نوعها — كانج بالفعل، ولم يكن كانج وقتها سوى موظف صغير في لجنة التجارة. أعطت المقابلة كانج دفعة للأمام جعلته يرسل فيضًا من الكتابات إلى البلاط الإمبراطوري في تلك الأيام المائة، سواءٌ عن طريق عدد من كبار المسئولين، أو من خلال قنوات كانت فيما يبدو سرية وغير رسمية. (وكانت الصداقة التي جمعت بينبين كانج ووينج كانج ووينج تونج، المعلم الخاص للإمبراطور جوانج زو، عاملًا لا يمكن إغفاله.)7
ووسط خضم هذه الأحداث الجسام، وجد كانج متسعًا في عريضته لأن يثير قضية عادة ربط الأقدام، قائلًا إن تعديل مكانة المرأة أمرٌ محوريٌّ في عملية إصلاح الصين.8 ومن الواضح أن هذه القضية كانت تعني الكثير له. وقد لخَّص حجته في عدة صفحات تدور حول ضرورة أن يبدأ العرش إصلاحاته بحظر عادة ربط الأقدام.
عقد كانج في عريضته مقارنة بين الصينيين والأجانب، ولم تكن المقارنة في مصلحة الصينيين، حيث كتب يقول: «إنني أنظر إلى كل من الأوروبيين والأمريكيين، فأجدهم في منتهى القوة والعنفوان؛ لأن أقدام أمهاتهم لم تتعرض للربط، وبالتالي أنجبن ذرية قوية. والآن وقد تحتَّم علينا الدخول في منافسة مع أمم أخرى، صار إخراج جيل ضعيف أمرًا محفوفًا بالمخاطر.»9 إلا أن الحجة الأساسية التي بنى عليها نقاشه كانت تتمحور حول كيف أنه في عادة ربط الأقدام تدمير لسمعة الصين القومية. قال: «إن الدول كافة تربطها علاقات دولية، وتعقد هذه الدول مقارنات فيما بين مؤسساتها السياسية، حتى إذا ارتكبت الواحدة منها هفوة، صارت محط سخرية واحتقار الدول الأخرى.» واستطرد قائلًا:
ليس هذا بالزمن الذي يسمح لنا بالتوحد تحت قاعدة واحدة في منأى عن العالم. لقد ضاقت الصين بمن فيها، وأصبحت مرتعًا لمدمني المخدرات وصارت شوارعها تعج بالمتسولين. لقد صار الأجانب يلتقطون الصور ويهزءون منا بسبب تلك المظاهر، وينتقدوننا لهمجيتنا. لا يوجد ما يجعلنا محط السخرية أكثر من عادة ربط الأقدام. إنني، خادمك المطيع، أشعر بخزي عظيم.10

مرت أربع سنوات أخرى قبل أن تصدر تسي شي أخيرًا مرسومًا تحث فيه على وضع حد لعادة ربط الأقدام، وقد عجَّت تلك الفترة الانتقالية بالأحداث؛ وسنرى كيف أن عريضة كانج لم يكن لها أي دور يذكر في اتخاذ القرار. فقد فشلت عريضة كانج، إلا أن حجته القائلة بأن عادة ربط الأقدام عار على جبين الأمة نجحت نظرًا لوجود العديد من أبناء الطبقات المتعلمة ممن شاركوه خوفه على شرف الأمة، وقد ساهموا في رسم معالم تحول الصين من إمبراطورية إلى دولة حديثة.

إن المثقفين الذين شكَّل أسلافهم وجه الإمبراطورية على مدار أكثر من ألفي عام، كان لهم دور حيوي في الإجهاز على تقاليد ممعنة في القدم تمامًا مثلما كان لهم دور في الإبقاء عليها. أود أن أبحث في السياق الذي دفع كانج وزملاءه نحو الاعتقاد بأن شرف الصين متوقف على وضع حد لهذا التقليد المغرق في القدم. فثورتهم التي أطلقوا أولى شراراتها، التي كان لها الفضل في القضاء على ممارسة شكَّلت حياة النخبة في الصين لنحو ألف سنة، هي ثاني الثورات الأخلاقية التي سأتناولها بالبحث.

الشرف والهوية

بدأنا بحثنا في الشرف بالمبارزة، وفيها يكون الشرف الشخصي في خطر. سيد نبيل كان يقصد ساحة القتال من أجل الذود عن شرفه، كما جرت العادة. ولكن ثمة سادة نبلاء لجئوا إلى المبارزة من أجل الدفاع عن شرف النساء؛ سواءٌ كانت أم أو أخت أو ابنة، أو حبيبة أو زوجة، وأحيانًا (في أزمنة سابقة) النساء المتحالفات مع السادة. لقد جعلوا شرفهم رهن الدفاع عن شرف نسائهم؛ فهم يطعنون في شرف السيد النبيل الذي تحدوه في مبارزة، وذلك لأنه خدش حياء سيدة، وفي ذلك انتهاك لميثاق الشرف؛ هم إذن ينقذون شرفها عن طريق إلحاق الخزي بمن أراد بها سوءًا. وعليه، منظومة الشرف من شأنها أن تضعك في موضع المُساءلة حتى إذا لم تقترف ذنبًا أو لم يقترف أحد خطأً في حقك. فالشرف ليس بالأمر الشخصي فحسب، حتى وفقًا لهذه الصورة البسيطة.

إن شرف المرء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجوانب من الهوية يستقي منها عضويته في فئة اجتماعية ما بطرق عديدة، فكما رأينا في الفصل السابق، يذهب المرء للقتال ولو في مبارزة من أجل الذود عن شرفه الشخصي «بصفته» سيدًا نبيلًا، حيث لا يستطيع أحد أن يصدر مثل هذا التحدي إلا إذا كان سيدًا نبيلًا، كما لا يستطيع أحد أن يقبله إلا إذا كان هو الآخر سيدًا نبيلًا. وعمومًا، حق السيد في نيل احترام سيد آخر (أو سيدة أخرى) أساسه الامتثال لمنظومة لها متطلباتها الخاصة. فإذا ارتكب أحدهم مخالفة ضد هذه المنظومة، فإنه يفقد حقه في الاحترام. إن الهوية الجماعية ترسم ملامح الشرف الشخصي؛ لأن احترام شخص ما أو ازدراءه هو نتاج طريقة تفكير المرء بصفته عضوًا ينتمي إلى فئات اجتماعية مختلفة.

وعليه فإن الهوية تستمد أهميتها من دورها في تحديد ما تفرضه مواثيق الشرف من متطلبات. (سأشير في بعض الأحيان إلى ما يتطلبه الشرف أو يسمح به بتعبير «ممارسات الشرف».) إن أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا الأمر هي تلك المتعلقة بالجنس. فتحديد طبيعة ما يفرضه ميثاق الشرف من متطلبات وكذا تحديد السلوك الصادر عن شخص ما، وما إذا كان هذا السلوك يستوجب الاحترام (أو الازدراء)، كلها أمور مرهونة بكون الشخص رجلًا أو امرأة. كما أن الطبقة الاجتماعية تلعب دورًا أساسيًّا هي الأخرى. ففي إنجلترا في القرن الثامن عشر، كانت مواثيق الشرف تُلزم الرجال أبناء الطبقات الراقية بقبول التحدي في مبارزة إذا ما صدر عن سيد نبيل. أما في الصين في القرن التاسع عشر، فكانت مواثيق الشرف الخاصة بها تُلزم النساء من بنات الطبقات الراقية بربط أقدامهن. وفي كلتا الحالتين، كان ما تنص عليه مواثيق الشرف من سلوكيات منوطًا بالمكانة الاجتماعية والجنس؛ كما أن طريقة التعامل مع الطرف الآخر كانت متوقفة على هويته بدوره. يتزوج الرجل الجدير بالاحترام من امرأة ذات قدمين مربوطتين؛ ولا تتزوج امرأة ذات قدمين مربوطتين إلا من سيد نبيل. يقبل السيد التحدي في مبارزة من سيد آخر، ولكنه لا يقبل التحدي نفسه من رجل من «الطبقات الدنيا» أو من سيدة بكل تأكيد. وأي مخالفة لتلك القوانين تستتبع إنزال عقوبة فقدان الشرف على المخالف، التي بدورها تعني فقدان الحق في الاحترام، كما رأينا من قبل.

عندما تقوم منظومة للشرف على أساسٍ من التقدير (لا الإقرار فحسب)، فإن توزيع التقدير يصبح أمرًا نسبيًّا. كان هذا جليًّا بما فيه الكفاية في ثقافة الشرف المهني التي كانت سائدة في زمن دوق ويلينجتون، حيث كان المعيار الأساسي للتقدير هو البسالة العسكرية. بيد أن الحُكم القائم على التقدير يتطلب — في أغلب الأحيان إن لم يكن كلها — المقارنة مع ما أسماه الفيلسوفان جيفري برنان وفيليب بيتي «مجموعة مرجعية»، أيًّا كانت المعايير.11 فلنفرض أنك ممرض وأنني أقدِّر عطفك وكرمك؛ قد تكون درجة العطف والكرم التي أمنحها التقدير في الممرض أو الممرضة أقل من درجة العطف الناكرة للذات في والدٍ محب أو والدة محبة، وربما تكون أعلى من درجة عطف أي رجل عادي فاعل للخير. سيكون تقدير أفعالك وفقًا للمعايير المناسبة لجماعتك متوقفًا على ما يمكن توقعه من سلوكياتٍ من ينتمون لهذه الجماعة.

فالهوية الاجتماعية لا تعمل على تحديد القوانين التي يجب أن يلتزم بها المرء فحسب، ولكنها تعمل كذلك على تحديد ملامح من يدخل المرء معهم في منافسة من أجل نيل الشرف؛ فميثاق الشرف في الواقع يُثيب من يستحقون التقدير بوجه خاص في جماعة اجتماعية ما، ويُثيب أيضًا من يقومون بأكثر من المطلوب منهم تقديمه؛ وبالتالي، فإن ميثاق الشرف يوفر الحافز لمن يرغب في أن يذهب «أبعد من حدود الواجب والمفروض».

إلا أنه توجد مسألة أخرى بخلاف الهوية تستمد أهميتها من الشرف؛ وهي على القدر نفسه من الأهمية وإن كانت ذات طبيعة مختلفة عنها تمامًا؛ ألا وهي، أنه يجوز أن ينال المرء «نصيبًا» من الشرف أو الخزي الذي يناله من يشاركهم الهوية. فعندما يطلب الملك هنري الخامس في مسرحية شكسبير من أتباعه في أثناء الحصار المفروض على ميناء هارفلير في عام ١٤١٥ أن «صيحوا في هجومكم: الله ينصر هنري وإنجلترا والقديس جورج.» هم يعلمون أن قائدهم لا يحمل على عاتقه مهمة الدفاع عن شرفه الشخصي فحسب، بل شرف وطنه بأكمله.
هلموا هلموا يا أنبل الإنجليز …
لا تسيئوا إلى شرف أمهاتكم،
وأثبتوا أن الذين تدعونهم آباءكم هم الذين أنجبوكم.
(الفصل الثالث، المشهد الأول)
فالملك هنري يذكرهم بأنهم مثله يذودون عن شرفهم وشرف أمة بأكملها، فمن شأن كل إنجليزي عادي على أرض المعركة، حتى وإن كان في الأصل فلاحًا لا يمت للأشراف بصلة، أن يكون له نصيب من الشرف من خلال مشاركته في الهجوم على مدينة هارفلير ذات الأسوار العالية، وذلك «بصفته» جنديًّا. وقد أوضح الملك الأمر ذاته في معركة أجينكورت التي تلت هذه المعركة بشهرين على الأكثر عندما قال:
نحن قلة سعيدة، نحن عصبة متآخية.
فلعمري إن من يُسفَك دمه اليوم معي فهو أخي.
ومهما كان وضيع النسب،
فإن هذا اليوم سيرفعه إلى مقام السادة.
(الفصل الرابع، المشهد الثالث)
إن القتال في أجينكورت جنبًا إلى جنب مع هاري «سيرفع» مقامك «إلى مقام السادة»؛ فسيجعل من يقاتل سيدًا نبيلًا؛ أي سيمنحه هوية اجتماعية جديدة. (هذا يقلل نوعًا ما من الشعور بأن الملك يبالغ في التعبير على ما يبدو!) فقبل أن ينال المرء نصيبه من الشرف لكونه يتمتع بهوية اجتماعية محددة، لا بد أولًا من معرفة طبيعة شخصيته، وبعدها يُحدَّدُ نوع الشرف المتاح أمامه.

ببساطة، نحن عرضة لأن ننال الشرف أو نخسره من خلال نجاح من نشاركهم الهوية أو فشلهم. عندما يصل إلى من في إنجلترا خبر النصر الذي تحقق في أجينكورت، سيملؤهم الفخر بشرف إنجلترا؛ وعندما يصل خبر الهزيمة إلى أسماع الفرنسيين، سيشعرون بالخزي الذي لحق بشرف فرنسا. يأتيني الفخر الذي أشعر به عندما يدافع جنود وطني عن مدنيين أبرياء ضد رجال يحاولون ذبحهم في بلد بعيد لأنني أشارك في صنع شرف وطني. تتكرر التجربة نفسها مع جماعات من أنواع مختلفة، سواءٌ على أساس الدين أو الطبقة الاجتماعية أو الانتماء إلى عائلة شهيرة. (فيمكنك أن ترى على العديد من السيارات في الولايات المتحدة ملصقًا مكتوبًا عليه: «والد فخور لطالب نال مرتبة الشرف».) لقد تحركت مشاعر كانج يووي، وسعى لأن يحرك مشاعر الآخرين من حوله، عندما شعر بالخطر الذي يتهدد الشعب الصيني بأكمله بوصفهم شركاء في صنع شرف وطنهم. يهدف هذا الفصل من الكتاب إلى البحث في الثورة الثانية التي شهدها التاريخ الأخلاقي للجنس البشري؛ ولكن هذه المرة، لم يرسم ملامحَ التغيير التحولاتُ التي عصفت بمشهد الشرف الشخصي، وإنما رسمتها تحولات طرأت على أفكار متعلقة بشرف شعب ما.

بدايات «اللوتس الذهبي»

تضاربت الآراء حول أصول نشأة عادة ربط الأقدام. ثمة تقاليد تربط بداياتها بالملك الشاعر لي يو، آخر حكام تانج الجنوبية، الذي صمد في وجه حكم أسرة سونج حتى عام ٩٧٥. (إن صح هذا الزعم، فإن بداية عادة ربط الأقدام تعود إلى ألف وخمسمائة عام تقريبًا بعد وفاة كونفوشيوس.) وقد أورد هاورد ليفي، وهو من أوائل من ألَّفوا كتابًا حول عادة ربط الأقدام في التاريخ الحديث، إشارةً إلى نص جاءت في عمل لمعلق في القرن الثاني عشر، إلا أن هذا النص قد فُقد. يصف هذا النص «المحظية المفضلة في بلاط» لي يو، وهي امرأة تُعرف بلقب «البتول الرقيقة»، وقد كانت «جميلة نحيلة الخصر، كما كانت راقصة موهوبة. وقد أمر بتصميم زهرة لوتس يبلغ طولها ستة أقدام مصنوعة من الذهب من أجلها … وقد أُمِرت البتول الرقيقة بربط قدميها بقماش من الحرير الأبيض حتى تبدو قدماها وكأنهما طرفا هلال. ثم أخذت ترقص في قلب زهرة اللوتس، وتدور حول نفسها وكأنها سحابة ترقى في السماء».12 وسواءٌ أكانت تلك القصة حقيقة أم خيالًا، تبقى فكرة أن القدم المربوطة للمرأة الصينية قد صارت تُعرف بزهرة اللوتس أو الزنبقة الذهبية.
ومنذ ذلك الحين، صارت عادة ربط الأقدام علامة من علامات رفعة الشأن في مجتمع شديد الهرمية. وفي أواخر القرن الثالث عشر، كتب ليفي يقول: «شعرت العائلات التي كانت تتمتع بنسب أرستقراطي أنها مضطرة إلى أن تربط أقدام فتياتها … في إشارة صريحة إلى انتمائهن إلى الطبقات الراقية.» كان هذا التمييز بصورته تلك أمرًا جائز التحقق، حيث إن سيدات الطبقات الراقية، سواءٌ كُنَّ من الأرستقراطيات في البلاط أو النبيلات في المقاطعات المختلفة، لم تكن مضطرات إلى العمل في الحقول مثل الفلاحات، أو السير لمسافات طويلة إلى الأسواق، بل الواقع أن أقدامهن المربوطة كانت سببًا وراء عدم المكوث بعيدًا عن البيت، وفي ذلك ضمانة لعفتهن، كما ورد في دراسة في القرن الرابع عشر (وقد كانت هذه حجة من الحجج التي صارت تردد مرارًا وتكرارًا على مر القرون).13

إن اللوتس الذهبية مرتبطة منذ بداياتها بشرف المرأة، وقد كان الشرف أحد أهم متطلبات الزيجة المحترمة، التي كانت نتاج ترتيبات بين العائلات، لا نتاج اختيارات شخصية؛ ولذلك كان حتمًا على المرأة الصينية التي ترغب في الزواج من رجل يتمتع بمكانة اجتماعية ما أن تربط قدميها. كما صار الرجل يشتهي المرأة صغيرة القدمين. وقد تحملت المرأة هذا التقليد المؤلم، وصارت شاهدة على تحمل أجيال وأجيال من الفتيات لهذا الألم؛ الابنة وابنة الخال والخالة والحفيدة؛ لاعتقادها في أن القدم بالغة الصغر هي بكل بساطة قدم جميلة.

ربما لن يشارك الكثيرون المرأة الصينية هذا الاعتقاد، ولا سيما إذا ما اطَّلعوا على صور لمنظر القدم المربوطة عارية من القماش الذي يلفها؛ هذه الصور التي صارت جزءًا أساسيًّا من حملاتٍ شُنَّت فيما بعد لمناهضة هذه الممارسة. ولكن لا بد أن نتذكر أمرًا، وهو أن الغالبية لم يطَّلعوا على هذا المنظر، حيث إنه دائمًا ما كانت القدم المربوطة تُغطَّى بأحذية أنيقة، ذات ألوان زاهية، ومطرزة.

والواقع أن مهارة صنع الأحذية وتطريزها كانت إحدى سمات المرأة الصينية ذات الحسب والنسب، وكانت تصنع أحذيتها بنفسها باستخدام ألوان تلائم مناسبات عدة، منها الاحتفالات والحداد والحياة اليومية، وكذلك النوم. وقد كانت حياكة مجموعة من الأحذية جزءًا من ترتيبات الزواج، وكانت تأخذها العروس معها لبيت الزوجية. كما كانت الحماة تبني جزءًا من حكمها على عروس ابنها على أساسٍ من جودة الأحذية التي صحبتها معها لبيت زوجها. ولم يكن يطَّلع الزوج على قدمي زوجته إلا في خصوصية تامة. وكان للسيدة أرتشيبالد ليتل — وهي سيدة إنجليزية كانت واحدة من أهم المناهضين لعادة ربط الأقدام، وسنلقاها فيما بعد — ملاحظةٌ قالت فيها: «عندما كان الرجل الصيني يداعب قدمي عروسه، كان يحب أن يوهم نفسه بأنها في واقع الأمر كما هي في ظاهرها: دقيقة، مخملية، ورائعة التطريز.»14

ولم تكن المرأة نفسها ترى زهرتي اللوتس الذهبيتين خاصتها إلا عندما كانت تفك الرباط الطويل لتغسل قدميها، وترش عليهما مسحوق الشب، وتعيد ربطهما قبل أن تضع حذاء النوم الأحمر عند الخلود للنوم، أو عندما كانت تستعد لأن تضع ملابسها الصباحية الراقية وتلبس حذاءها الذي سيلمحه الآخرون من أسفل تنورتها. إلا أنه ينبغي ألا نفترض أن منظر القدم وهي عارية كان السبب وراء مشاعر النفور والاشمئزاز منها؛ فالحقيقة أبعد ما تكون عن هذا الافتراض. توجد العديد من الصور التي كانت تتداولها المرأة الصينية بكل فخر واعتزاز في مطلع القرن العشرين لتعرض زهرتي اللوتس الذهبيتين خاصتها؛ وكانت كلمات الإطراء على هذه الأقدام الدقيقة المنسحقة، التي لم تكن تُكشف إلا في جلسات خاصة، موضوعًا أساسيًّا اعتادت الكتابات الصينية أن تتطرق إليه على مدار قرون طويلة.

انتشار العرف

كانت الأسرة الحاكمة بالطبع صينية، وذلك قبل أن يستولي المانشو على الإمبراطورية؛ وكان الإمبراطور الصيني المتوَّج على رأس المجتمع لديه آلاف مؤلفة من النساء الموجودات خصيصًا ليسهروا على خدمة أغراضه الجنسية. وكانت المدينة المحرمة — حيث يقطن الإمبراطور — تغلق أبوابها ليلًا في وجه الجميع، ما عدا الإمبراطور، وأغواته المخصيين، وزوجاته، ومحظياته. وكان هذا أحد تفسيرات جيري ماكي، العالم السياسي، للسبب وراء ترسخ ظاهرة مثل ظاهرة عادة ربط الأقدام وانتشارها في ظل الظروف المحيطة.

إن إمبراطورًا محاطًا بكل هذا الحشد من النساء من شأنه أن يعمل على ضمان نسب ما يحملنه من نسل إليه وحده. أما الزوجات والمحظيات، فمن ناحيتهن سيكون من المستبعد أن تحمل غالبيتهن أي أطفال من الإمبراطور بسبب عددهن الهائل، كان هذا سببًا أدعى لأن «يبحثن عن إخصاب سري من رجال أكثر توفرًا» من الإمبراطور. سينتج عن هذا حتمًا صراع دائم بين الإمبراطور من ناحية الذي سيحاول ضمان إخلاصهن له، وبين النساء من ناحية أخرى اللاتي لديهن من الأسباب ما يدفعهن إلى محاولة الخروج عن سيطرة الإمبراطور. وقد كان إخصاء جميع الرجال العاملين في البلاط انعكاسًا لهذا الموقف. كما كانت محاولة تقييد حركة النساء عن طريق ربط أقدامهن دليلًا على هذا الصراع.

وكان رأي العالم السياسي ماكي أنه ما إن يستقر العمل بهذا النظام حتى تنتشر آثاره في أنحاء الإمبراطورية بأكملها.
إن الطبقة الأدنى مباشرة من الطبقة الحاكمة، التي تتنافس فيما بينها من أجل إمداد الإمبراطور بالزوجات والمحظيات، ستبذل قصارى جهدها لأن تحاكي هذه الممارسة التي ابتدعها الحاكم من أجل ضمان إخلاص نسائه له، بل وتتمادى في محاكاتها إلى أبعد الحدود حتى تؤمن طريقة للدخول إلى البلاط محققة مكاسب اقتصادية واجتماعية وإنجابية. وستملأ النساء الصاعدات من الطبقة الأدنى الثانية الفراغ الموجود في الطبقة الأدنى الأولى، واللاتي سينتقل إليهن لا محالة عرف ضمان الإخلاص نفسه، وهلم جرًّا … ليتغلغل العرف في طبقات المجتمع كافة.15
هكذا انتشرت عادة ربط الأقدام باتجاه الجنوب في ظل حكم أسرة يوان منغولية الأصل (١٢٧١–١٣٦٨) فيما بين أفراد الطبقات الراقية على أقل تقدير. وقد زادت شعبيتها فيما بين أفراد الطبقات العليا تحت حكم أسرة مينج، كما هو واضح في الرواية الجنسية التي تحمل عنوان «جين بينج مي»، والمعروفة في الإنجليزية باسم «زهرة اللوتس الذهبية» أو «زهرة البرقوق في المزهرية الذهبية»، وقد ظهرت في أواخر القرن السادس عشر. وتحكي الرواية قصة هسي-مينج، التاجر الغني، الذي يبحث عن زوجة جديدة له، ويجد الوسيط في عملية البحث ضالته عندما سنحت له:
فرصة رفع تنورة السيدة قليلًا، فكشفت عن قدمين فاتنتين بالغتي الصغر، لا يزيد طول الواحدة منها عن ثلاث بوصات ولا عرضها عن طول إبهام اليد، مستدقة الرأس، مرتفعة المشط. كان يكسوهما زوج من الأحذية قرمزي اللون، مطرز بالذهب في رسم يشبه السحاب، وكان كعبه العالي من الحرير الأبيض. وقد رآهما هسي-مينج بارتياح كبير.16

لم يُلقِ المانشو بالًا إلى عادة ربط الأقدام، والمانشو هم من أطاحوا بأسرة مينج في عام ١٦٤٤، وأسسوا آخر حكم لأسرة إمبراطورية، وهي أسرة تشينج (١٦٤٤–١٩١٢)، بيد أنهم حاولوا من وقت لآخر أن يجتثُّوا زهرة اللوتس الذهبية من جذورها بدرجات متفاوتة من الحماسة.

كان أول مرسوم لهم يقضي بإلغاء عادة ربط الأقدام قد صدر مباشرة بعد بلوغهم كرسي الحكم. إلا أن هذا التقليد كان أبعد ما يكون عن الاندثار، بل انتشر أكثر فأكثر بين الصينيين، حتى إن بعض الأرستقراطيين من المانشو تجاهلوا القرار الرسمي بحظر هذه الممارسة؛ مما أدى إلى إلغاء المراسيم التي صدرت بإبطال هذا التقليد بعدما أثبتت عدم فعاليتها. توجد تقارير حول عادة ربط الأقدام في القرن التاسع عشر تداولتها بعض الأقليات التي عاشت في ظل الإمبراطورية، مثل اليهود في مقاطعة هونان، وبعض المسلمين الذين كانوا يقطنون خارج مقاطعة جانسو. امتنع بعض المنغوليين وبعض أهل التبت عن اتباع هذه الممارسة، كما حذا حذوهم شعب الهاكا في جنوب الصين. وعمومًا، لم تكن هذه الممارسة منتشرة بكثرة فيما بين أبناء الطبقة الفقيرة، وبخاصة في الجنوب، في الأقاليم كثيفة الزراعة التي كان للمرأة فيها دور رئيسي في حقول الأرز. ولكن توجد قصص وحكايات عن بعض المتسولات والسقاءات اللاتي كانت أقدامهن مربوطة في المنطقة الحضرية في هونان، وكذلك في العديد من المناطق الحضرية في الشمال.17
وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، كانت المرأة الصينية، وخاصة المنتمية للطبقات الراقية، قد قضت أكثر من ألف عام تقريبًا تربط قدمي بناتها، على الرغم من أن هذه العادة كان يصدر بشأنها من آن لآخر مرسوم إمبراطوري يحظر ممارستها على مدار أكثر من قرنين من الزمان. كانت المرأة صاحبة القدمين الطبيعيتين محط سخرية الآخرين، في حين كانت المرأة صاحبة القدمين الصغيرتين، وخاصة أولئك اللاتي كان لديهن أصغر زهرتي لوتس ذهبيتين، لا يتعدى طول الواحدة منها البوصات الثلاث، محلَّ تقدير وثناء، فقد كانت قدماها تجذبان إليها اهتمامًا جنسيًّا. كانت صفحات الروايات الصينية والكتيبات الجنسية زاخرة بالحديث عن الرجال الذين كان يثيرهم جنسيًّا المشية المترنحة للمرأة ذات القدمين المربوطتين، أو الذين كانت تستثيرهم مداعبة القدم المربوطة بعد أن يفك عنها الرباط؛ كما كانت تصف الأوضاع الجنسية المختلفة التي كانت تتيح للرجال مداعبة أقدام عشيقاتهم العارية من الرباط. فكان الأمر وكأن تلك الروايات والكتيبات تتنافس فيما بينها في مسابقة القدم الصغيرة، التي كانت تتيح لجمهورها فرصة للتعليق على «الحجم الدقيق والشكل الانسيابي» لزهرات اللوتس الذهبية بدثارها المصنوع من الحرير، وكذلك لتقييمها.18

آلام الربط

الفتيات اللائي كانت تُربط أقدامهن لم يكن سن الواحدة منهن يتجاوز الثلاث أو الأربع سنوات. وإذا كان الهدف من الربط جعل القدم أقرب ما تكون لحجم زهرة اللوتس الذهبية، فإنه كان يتسبب في آلام مبرحة. فالربط كان يسحق أصغر أربعة أصابع عن طريق ثنيها أسفل باطن القدم، كما كان يضغط على مؤخرة عظم الكاحل باتجاه باطن القدم كذلك؛ مما يجبر عظام القدم على أخذ شكل قوس أشد تحديبًا من أي قدم طبيعية، مخلفًا ما يشبه الفلق. وعادة ما تحتاج القدم المربوطة بهذا الشكل إلى تطهيرها من الدماء والقيح؛ وأحيانًا كانت تتعفَّن القدم وتنفصل عنها الأصابع. ومع مرور الوقت، بعد شهور أو سنين، يقل الشعور بالألم، ربما لأن الأعصاب الحسية تكون قد أُتلفت للأبد، بيد أن المشي كان عادة ما يمثل صعوبة بالنسبة للفتاة ذات القدمين المربوطتين. وقد تقدَّم بعض أطباء الإرساليات التبشيرية في أواخر القرن التاسع عشر، الذين كان لديهم — ولا شك — مآرب عرقية شخصية بعض الشيء، بعدة تقارير حول حالات من ربط الأقدام أسفرت عن تقرحات أو غَنْغرينَةٍ في القدم أو فقدان إحدى القدمين أو كلتيهما، أو الوفاة في أسوأ الحالات.19
ومن الواضح أن بلوغ الطول المثالي للقدم بحيث لا يتعدى الثلاث بوصات كان أمرًا نادر الحدوث، خاصة خارج الطبقات الراقية، فقد كان الفلاحون والعاملون يلجئون إلى طريقة في الربط أقل إحكامًا، كما كانت عملية الربط تبدأ عندما تصبح الفتاة أكبر سنًّا؛ فكانت بذلك تسبب عرجًا أقل وألمًا أيسر. وقد أكد زوج امرأة طاعنة في السن، كانت قدماها قد تعرضتا للربط، أن قدم المرأة العاملة التي يبلغ طولها خمس بوصات ولكنها أقل تشويهًا من سواها لم تكن تعيقها عن المشي أو نقل الحمولات الثقيلة، أما القدم ذات البوصات الثلاث فكانت تعيق حركة صاحبتها لمسافات طويلة. وعادة ما كانت تُحمل المرأة صاحبة القدم ذات البوصات الثلاثة على محفات، كما كانت تتعكز على الخدم عند المشي. إلا أن أغلب السيدات المربوطة أقدامهن كُنَّ لا يحتجن إلى مثل تلك المساعدات.20
ونظرًا لأن الرباط كان يلازم القدم ليلًا ونهارًا، كان يصدر عن القدم المربوطة رائحة مميزة، كان يجدها البعض كريهة للغاية، في حين أن البعض الآخر كان غريب الأطوار لدرجة تجعل الرائحة مثيرة جنسيًّا بالنسبة له. كان ثمة رجل من المتحمِّسين لعادة ربط الأقدام في القرن الثامن عشر وقد اختار لنفسه اسمًا مستعارًا هو «طبيب زهرة اللوتس العطرة»، وقد كتب دراسة بعنوان «منوعات حديقة ذهبية»، تضمنت مجموعة من الملاحظات غير المتصلة ببعضها البعض حول عادة ربط الأقدام، وكان من بينها، الملحوظة التالية الفريدة من نوعها:
ألم لا يطاق في مسمار القدم؛ وتنطلق منها رائحة كريهة عندما تزيل فجأة رباط القدم.21
إذن، كان الجميع يدرك ولا شك أن ربط القدم كان يحد من حركة الفتاة ويجعلها خاضعة لإرادة عائلتها وللرجال، وكان أيضًا يسبب لها آلامًا مبرحة.
وما إن بدأت هذه الممارسة حتى ظهر مفكرون وأدباء يعارضونها. ثمة إشارة إلى كاتب في أثناء حكم أسرة سونج (٩٦٠–١٢٧٩) كتب يقول: «إنهن طفلات لم يتجاوز عمر الواحدة منهن الأربع أو الخمس سنوات، طفلات بريئات لم يرتكبن أي جرم، يُنزِل بهن آلامًا لا حدود لها.» كما يوجد قول مأثور مفاده: «زوج من الأقدام الصغيرة، نهران من الدموع.» حتى من كان يؤيد هذه الممارسة اعترف أنها تتسبَّب في ألم للفتيات؛ فقد كان لطبيب زهرة اللوتس العطرة ملاحظتان توجيهيتان في هذا الشأن:
أمر يدعو لشيء من الاستياء: أم تحب ابنتها ولكنها مع ذلك مضطرة إلى ربط قدميها.
لا أطيق أن أسمع: صرخات فتاة صغيرة عند ربط قدميها لأول مرة.22

وكما كان الحال مع المبارزة، لم يكن اكتشاف حجج داحضة لعادة ربط الأقدام بأي حال من الأحوال هو ما وضع حدًّا لها. فالحجج كانت واضحة منذ البداية، وكانت معروفة للقاصي والداني منذ الأيام الأولى لزهرة اللوتس الذهبية.

آخر أيام الإمبراطورية

يحتاج المرء إلى أن يرى هذا التغير في سياق تغيرات أخرى عديدة عصفت بالصين في أواخر القرن التاسع عشر، مع انهيار حكم أسرة تشينج حتى يتسنَّى له فهم الأسباب وراء انتهاء ممارسة مثل عادة ربط الأقدام في مطلع القرن العشرين. كانت أسرة تشينج من سلالة المانشو، وقد بدأت عندما تمكَّنت أخيرًا الدولة المنشورية المنظمة، التي أسسها خان نورهاشي في أوائل القرن السابع عشر، من تحقيق أملها المنشود باحتلال المملكة الوسطى. وحالما استعادت الدولة سيطرتها على الأمور، بعد التغلب على العصابات التي كانت تعيث فسادًا في منطقة الشمال، وبعد هزيمة المتمرد لي زي تشينج الذي كان قد نهب بكين، بسط المانشو سيطرتهم على جميع أنحاء الإمبراطورية.

وعلى الرغم من غزوهم الإمبراطورية، فقد حافظوا على بنية الحكومة الصينية؛ وبخاصة نظام اختبارات الخدمة العامة الذي كان مسئولًا عن إنشاء طبقة المفكرين الذين تلقوا تدريبهم عن طريق دراسة كلاسيكيات الكونفوشيوسية، والحفاظ على بقائها.23 وقد أوكل الإمبراطور تشيان لونج — الذي حكم الصين من ١٧٣٦ وحتى ١٧٩٩ — إلى ما يزيد على الثلاثمائة وخمسين باحثًا وقرابة الأربعة آلاف ناسخ، مهمة فهرسة الثقافة الأدبية الصينية في ٢,٣ مليون صفحة مما عُرف باسم «سيكو كوانشو» أو «المكتبة الكاملة للأقسام الأدبية الأربعة»، وهي مهمة استغرقت فترة منذ عام ١٧٧٣ وحتى عام ١٧٩٨ (إلا أنه أمر كذلك بحظر نشر عدة آلاف من المجلدات التي اعتبرها مثيرة للاعتراض من زوايا عدة). وكان من أهم التعيينات في البلاط تعيين المعلم الخصوصي للإمبراطور المنشوري، الذي كان ضمن مهامه توجيه الإمبراطور في دراسته للتقاليد الفلسفية الصينية.
كان أكثر المثقفين نجاحًا هو من اجتاز الاختبار، وحصل على ألقاب، وشرَّف أسرته، وحصل على الإعفاء من الخدمة العامة، ونال حق ارتداء ملابس مميزة.24 وعلى مَرِّ القرون، نجح المثقفون المتقاعدون، بعد عودتهم إلى منازلهم، في تشكيل طبقة اجتماعية راقية خاصة بهم منتشرة في جميع أنحاء الإمبراطورية.25 وقد اعتبر أبناء هذه الطبقة رفيعة الشأن أن من السمات المميزة لرجال طبقتهم الإلمام بثقافة الكلاسيكيات، وإتقان مهارة نظم الشعر والكتابة النثرية، وكذلك حسن الخط وفن الرسم. فإذا كان السيف السمة الأبرز للسادة النبلاء الإنجليز في القرن الثامن عشر، فإن السادة النبلاء في الصين كانوا يوقرون القلم على مدار آلاف السنين، أو بالأحرى، كانوا يوقرون فرشاة الخط. كان يمضي السيد الإنجليزي في القرن الثامن عشر أغلب وقته في الريف، وكان في وقت الحرب في خدمة ملكه قبل كل شيء وأي شيء. أما السيد الصيني فكان مفهومه عن الحياة أن يعيش في المدينة وأن يخدم إمبراطوره في دواوين الحكومة، سواء في مقاطعته أو بين أرجاء العاصمة الإمبراطورية أو عاصمة المقاطعة التي يقطنها.
وقد صار مجتمع تشينج شيئًا فشيئًا أكثر تحفظًا وتزمتًا ثقافيًّا. كان هذا الأمر في شق منه ردة فعل لقناعة سادت عقب انهيار حكم أسرة مينج بأن هذا الانهيار كان نتيجة لعدم الالتزام بالتعليمات الكونفوشيوسية الخاصة بالواجب على نحو صارم وما تلاه من انهيار أخلاقي عام وشامل. وكان الالتزام المتزايد بالمثل الكونفوشيوسية الصارمة في تكوينها جليًّا بطرق شتى. فعلى سبيل المثال، كانت أرامل الطبقات الراقية خلال القرن الثامن عشر وفي جزء من القرن التاسع عشر ترفضن الزواج مرة أخرى؛ حتى إن بناء الأقواس التذكارية تكريمًا للأرامل المخلصات كان قد أخذ منحى جعله «يخرج عن نطاق السيطرة»، كما وصفته المؤرخة باتريشيا إيبري، «ففي عام ١٨٢٧، أصدرت الحكومة مرسومًا بعدم بناء أي أقواس تذكارية إلا إذا كانت جماعية، وفي عام ١٨٤٣، أصدرت مرسومًا آخر يقضي بعدم تكريم أي أرملة ببناء قوس تذكاري على قبرها إلا إذا ذهبت إلى أقصى الحدود وانتحرت بعد وفاة زوجها».26
اجتمع هذا التوجه المحافظ مع ازدياد قوة الحكومة المركزية لينتجا معًا مجتمعًا مستقرًّا ومتقدمًا تكنولوجيًّا وفقًا للمعايير العالمية، إلا أنه كان مجتمعًا شديد الهرمية والاستبداد. وفي الوقت الذي وسَّع فيه ثلاثة من الأباطرة من أسرة تشينج في الفترة من ١٦٦٢ وحتى ١٧٩٥ أرجاء إمبراطورياتهم وعزَّزوا سيطرتهم على أنحاء البلاد، كان قد بدأ العالم من حولهم في الانقضاض عليهم؛ فالصين كانت تربطها علاقات تجارية تمتد لقرون من الزمان بكل من اليابان وكبرى الإمبراطوريات البحرية الأوروبية، مثل البرتغال وهولندا وبريطانيا. إلا أنهم كانوا ينظرون إلى هؤلاء الأجانب على أنهم أدنى منهم مقامًا. ففي عام ١٧٩٣، استجاب الإمبراطور تشيان لونج — متقبلًا أيديولوجية رعاياه من صينيي إقليم هان — لاستهلال دبلوماسي من بريطانيا وكأنه مجرد ضرب من ضروب تقديم فروض الثناء من إحدى الأمم العديدة ذات المرتبة الثانية التي تُجل الصين:

أنتم، أيها الملك، تعيشون بعيدًا في غياهب العديد من البحار، ولكنكم على الرغم من ذلك لا يسعكم إلا أن تستجيبوا لرغبتكم التي يحدوها التواضع في أن تنهلوا من تراث حضارتنا، وقد أوفدتم إلينا بعثة تقدم إلينا بوافر الاحترام مذكرة من جانبكم … وإمعانًا في إثبات إخلاصكم، أرسلتم كذلك عطايا من منتجات بلدكم.

وعلى الرغم من أن الإمبراطور تكرم وتعطف وقبل «عطايا» الملك جورج الثالث، فقد شعر بالحاجة إلى أن يؤكد على عدم قبوله إياها إلا بعد أن أدرك الغاية من وراء هذه العطايا، فاستطرد قائلًا: «وكما يتسنى لسفيركم أن يرى بنفسه، فإنه لا يعوزنا شيء. إنني لا أعول البتة على قيمة الأشياء، مهما بلغت درجة غرابتها أو إبداعها، ولا حاجة لي بمنتجات بلدكم.»27 وسواءٌ كان الرد مفتعلًا أو لا، لا شك في أن سوء التفاهم هذا مثير للضحك.

وبعد مرور نصف قرن، صارت بريطانيا، بجيشها الحديث وتكنولوجيا أسطولها البحري الجديدة، في موقع يهدد الصين وهي على بعد نصف العالم منها. أما الولايات المتحدة، فكانت تستخدم سفنًا بخارية جديدة محملة بأسلحة نارية تؤهلها لأن تستعرض عضلاتها أمام المحيط الهادي. وفي عام ١٨٥٤، أجبر العميد البحري بيري اليابانيين على وضع حد لحالة العزلة التي فرضتها على نفسها لأكثر من قرنين من الزمان. وبعد هذه الواقعة ببضعة عقود، وفي أثناء إحياء «ميجي»، كانت اليابان نفسها قوة اقتصادية وعسكرية حديثة عظمى. وكانت موجة التصنيع تغير ملامح العالم، وكان لعجز الصين عن مواكبة هذا التقدم أثره على تقويض مكانتها بالمقارنة بغيرها من الدول.

لم تدرك الصين مقدار الخطر الذي يتهددها والقادم من اتجاه الأجانب وتحديثهم لأنفسهم إلا مع حرب الأفيون الأولى في مطلع الأربعينيات من القرن التاسع عشر. كانت مصالح بريطانيا التجارية قد نجحت في تطوير تجارة مربحة عن طريق زراعة الأفيون في الهند وبيعه للصين. وفي أواخر القرن الثامن عشر، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد توسعت وبشدة في إمدادها الصين بالمخدر الذي كانت تصنعه في البنغال، ضاربة برغبات الإمبراطور عرض الحائط، عن طريق نظام تهريب معقد؛ فقد كان الإنجليز في حاجة إلى أي شيء يقدمونه للصين مقابل الشاي الذي حولوه إلى المشروب المنبه الأول في إنجلترا. وفي عام ١٨٣٩، قرر حكام أسرة تشينج أنه لم يعد من المقبول استمرار السماح بدخول الأفيون إلى الصين خاصة مع الضرر الذي يعود منه على الشعب وعلى خزانة الدولة، فقد كان يخرج من خزانتها مئات الآلاف من الكيلوجرامات من الفضة سنويًّا في تجارة الأفيون. فأرسل الإمبراطور مسئولًا محنكًا رفيع المستوى، يدعى لين زيكسو، إلى ميناء جوانجتشو، وهي المدينة الوحيدة التي كان مسموحًا للأوروبيين بالعيش فيها وممارسة التجارة، حتى يؤكد على ضرورة وضع حد لاستيراد الصين للأفيون بعد عقود من الفشل.

وفي مايو عام ١٨٣٩، أُجبِر تشارلز إليوت — كبير مراقبي التجارة البريطاني — على تسليم المخزون البريطاني من الأفيون إلى الصين بغرض إعدامه. وبعد مرور شهرين على هذه الواقعة، دمَّر بحارة بريطانيون من مثيري الشغب معبدًا وقتلوا رجلًا صينيًّا على ساحل مدينة كاولون. وعندما طالبت السلطات الصينية بتسليم البحارة للمحاكمة، رفض إليوت. عندها أصرَّ الصينيون على أن توافق بريطانيا على التوقف الكامل لتجارة الأفيون بالإضافة إلى الاعتراف بسيادة المحاكم الصينية. وبدلًا من الانصياع لتلك المتطلبات، أمر إليوت البريطانيين بمغادرة جوانجتشو، ووقف أي شكل من أشكال التجارة مع الصين.

وفي صيف عام ١٨٤٠، انطلق أسطول كبير من السفن البريطانية من سنغافورة بغرض إجبار الصين على إعادة التجارة بينهما وفقًا للشروط السابقة بقوة السلاح. وقد كان الأسطول يضم بين جنباته أربعة زوارق حربية تعمل بالبخار، بالإضافة إلى ما يزيد على الأربعين سفينة تحمل على متنها أربعة آلاف من جنود السلاح البحري البريطاني والهندي. ويبدو أن لين لم يكترث لأمرهم كثيرًا، حيث رفع تقريرًا بشأن وصولهم عندما رست سفنهم في يونيو على مقربة من ميناء ماكاو. وقد قال للإمبراطور في تقريره إنه على ما يبدو أنهم قد جاءوا للتجارة في الأفيون، وإنه يعتقد أنه لا داعي للخوف منهم. «هذا كل ما يقومون به، وكما تعلم جلالتك، ليس في وسعهم فعل أي شيء.»28

وما كان أبعد ظنه عن الواقع؛ فقد مر عامان اشتبكت فيهما الصين وبريطانيا في عدة معارك بحرية، سقطت على إثرها شنغهاي في يد البريطانيين، وفُرض الحصار على نانجينج، وأعلنت الصين استسلامها، وأُجبر الصينيون عند توقيعهم على معاهدة نانجينج على الموافقة على بنود هي قمة الإذلال؛ فقد كان على الصين أن تدفع تعويضات هائلة من الفضة، وأن تفتح أمام البريطانيين خمسة «موانئ بموجب المعاهدة»، وأن تخفض التعريفات الجمركية، وأن تتنازل عن هونج كونج، وأن توافق على تطبيق القانون البريطاني على رعايا بريطانيا في الصين. كما نصت المعاهدة على اعتبار بريطانيا «الدولة الأكثر استحقاقًا للتفضيل»؛ الأمر الذي كان يعني أن أي تنازلات تقدمها الصين لأي قوة أخرى لا بد أن تمنح مثلها لبريطانيا.

وفي العقود التالية، فرض الأوروبيون إملاءات أخرى على الشروط التي تحكم التجارة، بما في ذلك إجبار الصين على فتح المزيد من الموانئ وعودة تجارة الأفيون. وقد تحققت لهم تلك الأهداف عن طريق فرض سيطرتهم العسكرية على البر والبحر. وفي عام ١٨٤٦، في حركة كان لها أبلغ الأثر في عادة ربط الأقدام، أصرت الحكومة الفرنسية على السماح بدخول الإرساليات التبشيرية إلى الصين كافة.29

وقد تقلصت سلطة أباطرة المانشو بشدة في تلك العقود أمام البنود التأديبية المنصوص عليها في معاهدة نانجينج، وكم التنازلات التي لا حدود لها التي كانت تُفرض بقوة السلاح، واستمر هذا الحال حتى التوقيع على معاهدة شيمونوسكي التي استغلت كانج يووي وزملاءه بعد أكثر من نصف قرن. وقد ساءت الأمور أكثر فأكثر خاصة مع سلسلة من الثورات الداخلية التي جاء على رأسها «تمرد تايبينج» في الفترة من ١٨٥٠ وحتى ١٨٥٤، بقيادة هونج شيو تشوان الذي ينتمي لأسرة تعمل في الزراعة من شعب الهاكا تعيش في جوانجدونج، وكان قد تلقى قسطًا كافيًا من التعليم يؤهله لأن يخضع للاختبارات الإمبراطورية (لكن ليس بالقدر الكافي ليجتازها). (وشعب الهاكا مجموعة عرقية تعيش في جنوب إقليم هان الصيني.)

كان هونج قد اطَّلع على الديانة المسيحية، وأعلن أنه الأخ الأصغر للسيد المسيح بعد أن تراءى له رجل أبيض في منتصف العمر. وقد أطلق على المملكة الأرضية التي كان ينادي بها والتي كانت عاصمتها نانجينج اسم «تاي بينج تيان جاو» أو «المملكة السماوية للسلام الكبير»، وهي التسمية التي استقت منها حركة التمرد اسمها، إلا أن السلطات الصينية كانت تشير إلى أصحاب تمرد تايبينج باسم «قطَّاع الطرق طويلي الشعر»؛ وذلك لأنهم كانوا يطيلون شعرهم على الطريقة الصينية القديمة، لا على شكل ذيل الفرس الذي كان يفرضه المانشو على قاطني هان من الصينيين.

تعلم هونج الممارسات المسيحية على يد إرسالية تبشيرية، وقد ولع بالصلوات والترانيم، كما اعتنق نظامًا متزمتًا شديد الصرامة يعادي كل ما يمت بصلة للكحوليات والأفيون والدعارة، وكان مصممًا على وضع حد للتقاليد الصينية بما في ذلك الأضرحة والمعابد القديمة (التي كان يراها ممارسات وثنية)، وكذلك القضاء على عادة ربط الأقدام؛ وهي قضيتنا الأساسية. وقد مزج هونج بين معارضته لتلك التقاليد الصينية ومشاعره المناهضة بشدة للمانشو. وعندما احتلت قوى تايبينج نانجينج في عام ١٨٥٣، قتلوا كل من وقع في الأسر من المانشو من رجال ونساء وأطفال على حد سواء، وكانت بعض عمليات التصفية هذه مروعة في وحشيتها.

وقد مهدت مشاعر هونج العدائية تجاه عادة ربط الأقدام الطريقَ أمام حملات لاحقة من إرساليات تبشيرية أكثر تعصبًا جاءت من أوروبا والولايات المتحدة. وربما كان بكل بساطة يعبر عن عداء شعب الهاكا التقليدي لتلك الممارسة.30 كان متمردو تايبينج يؤمنون كذلك بضرورة تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، وهي رؤية لم تكن تحظى بتأييد الاتجاه التبشيري المسيحي؛ لذلك كان من الصعب الفصل في الأسباب التي كانت وراء معارضته لعادة ربط الأقدام: أهي مسألة تتعلق بمبادئ الأخلاق المسيحية، أم هي نتيجة طبيعية لبداية توجه نسوي ما؟ فكما أشرت سابقًا، كان استخدام عادة ربط الأقدام لتقييد المرأة «في مكانها» فكرة سائدة في الصين قبل عام ١٨٥٠.

كان هونج على درجة كبيرة من الهرطقة، حيث كانت رؤياه الأولى للسيد المسيح وهو يأمره بتدمير الشياطين تدميرًا، مما لم يتِح للمسيحيين الأوروبيين المجال لأن يعتبروه حليفًا لهم بعد أن استقروا في المدن الساحلية مثل شنغهاي. وعندما اقترب متمردو تايبينج من شنغهاي في مطلع الستينيات من القرن التاسع عشر، صدتهم القوى الأوروبية بحسم. ولم يمر وقت طويل حتى ظهر مفكر كونفوشيوسي من هانان يدعى زينج جوفان، كان قد ساءه كثيرًا، كما كان حال الكثيرين من صينيِّي هان، ما رآه من هونج من ارتداد عن التعاليم الكونفوشيوسية، فقرر حشد جيش هائل جديد يضم ما يزيد على مائة ألف جندي للقضاء على المتمردين. وعندما تمكن زينج أخيرًا من هزيمة متمردي تايبينج، كان هونج قد وافته المنية؛ إلا أن ثورة تايبينج كانت قد نجحت في لفت انتباه العديدين إلى بعض مظاهر الضعف. وقد اضطر زينج إلى التقدم بجيشه للقضاء على ثورات أخرى في بقاع مختلفة.

شعر البعض في بكين بغصة نتيجة للهزائم التي لحقت بهم على يد الأجانب، كما أرعبتهم تهديدات المتمردين للحكومة، فما كان منهم إلا أن توصلوا إلى قناعة بضرورة التعلم من سائر العالم من حولهم؛ فأسسوا حركة أطلقوا عليها اسم «حركة تعزيز الذات»، قادها عدد من الشخصيات المعروفة في البلاط مثل الأمير يي شين، وهو من سلالة المانشو. وقد تولى تنفيذ هذه السياسات على مستوى الأقاليم رجال مثل زينج جوفان وطلبته. وقد كوفئ زينج على نجاحه في قمع ثورة تايبينج عن طريق منحه سلطات أكبر.31 كتب لي هونج-تشانج، وهو زميل لزينج وأصغر منه سنًّا، إلى بكين في عام ١٨٦٤، يشرح كيف أن الصين واجهت «أكبر أزمة في تاريخها منذ توحيدها تحت حكم الإمبراطور الأول في ٢٢١ قبل الميلاد».32 كان الحل الذي طرحه لي هو أن تبدأ الصين في استعارة التقنيات الغربية وتدريب شعبها على استخدامها وصناعة مثلها. فتحت الحكومة الباب أمام الصحافة، وأنشأت أيضًا مدرسة للترجمة، وترسانات لبناء السفن ومصانع، ومناجم للفحم ومغازل للقطن، كما استوردت الأسلحة والسفن الحديثة. بنت الصين أول خط سكة حديدية وأول مكتب للرسائل البرقية، كما افتتحت سفارات لها في معظم عواصم العالم بداية من طوكيو وصولًا إلى واشنطن.

بدأ الرجال والنساء الصينيون بالسعي وراء الدراسة في الخارج في اليابان، وحتى في أوروبا والولايات المتحدة. بيد أن الإمبراطورة الأرملة لم تعضد قط هذه التغييرات، بل استغلت المتمسكين بالتقاليد الكونفوشيوسية لضرب مؤيدي التغيير. واجه أصحاب «حركة تعزيز الذات» الكثير من المعارضة على يد العديد من المفكرين المثقفين الذين لم يخدعهم الشعار صيني المظهر «تعزيز الذات»؛ فقد رأوا أنه شعار يعني اعتناق التوجه التحديثي التغريبي الذي كان يعتنقه اليابانيون بالفعل. وكحال العديد من المؤمنين بفكر بارتلبي، لم يكن هؤلاء التقليديون من محبذي هذا التوجه.

ولم يقتصر الأمر على كراهية أصحاب التوجه التحديثي من الصينيين، بل امتدت كراهيتهم للمسيحيين الأجانب بوصفهم خطرًا يتهدد مكانتهم بوصفهم الصوت المثقف الذي يعبر عن حضارتهم. وبالطبع كانت ممارسة عادة ربط الأقدام واحدة من النقاط العديدة التي أثارت معارضة الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وبخاصة النساء فيها.

استجابة طبقة المفكرين

لم تكن الصين تخلو من المسيحيين من قبل: يوجد على سبيل المثال، ماتيو ريتشي (الذي وصل إلى الصين في عام ١٥٨٢)، وإخوانه من اليسوعيين. ولكن دخولهم كان بقرار من الصين. كانوا يرتدون الملابس الصينية، وإذا أرادوا أن يدخلوا بكين، كان ذلك شريطة ألا يعودوا إلى وطنهم أبدًا. وقد شهدت أواخر القرن التاسع عشر أول مرة يُسمح فيها للتبشيرية المسيحية بدخول الصين تقريبًا دون قيد أو شرط. وأنشأت الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية القادمة من أوروبا وأمريكا الشمالية الكنائس والمدارس، كما كانت سببًا في تحول العديد من الصينيين إلى الديانة المسيحية، وبخاصة الفقراء منهم، كما جرت العادة في تاريخ الإرساليات التبشيرية المسيحية. كان البروتستانتيون — على عكس الكاثوليكيين — يرسلون الرجال والنساء على حد سواء للتبشير؛ وقد أخذت المبشِّرات على عاتقهن مهمة تعليم المرأة الصينية ونهضتها، وكُنَّ يمشين بثقة على أقدامهن كبيرة الحجم.

منذ جيل سبق، كشفت فيرجينيا تشاو — وهي خريجة جامعة كولومبيا — عن تفجُّر ثورات محدودة مناهضة لعادة ربط الأقدام فيما بين أبناء طبقة المفكرين قبل وصول المسيحيين إلى الصين؛ فقد سلطت فيرجينيا الضوء على شاعر من أسرة مينج عاش في القرن السابع عشر كتب قصائد يمتدح فيها الأصابع السمينة لقدم مرأة المانشو. وفي أواخر القرن الثامن عشر، كتب يوان مي — وهو شاعر وفنان كان معجبًا بشِعر المرأة وكان يقبل بالمرأة طالبة عنده — خطابًا لصديق يبحث عن محظية ذات أقدام من اللوتس الذهبية، يقول له إنه في اتِّباعه لذوق الشاعر لي يو (الذي كانت محظيته «البتول الرقيقة» مصدرًا أسطوريًّا لفكرة اللوتس الذهبية) يحاكي نموذجًا لا يليق به أن يحاكيه، فهو يحاكي «آخر الملوك في مملكة منيت بالهزيمة».33 وقد أشار الشاعر تشيان يونج — وهو شاب معاصر له أصغر منه سنًّا، (على طريقة الكلاسيكية الكونفوشيسية التي كانت مسئولة عن كل تلك النصب التذكارية للأرامل) — إلى أنه لم يرد ذكر عادة ربط الأقدام في الكلاسيكيات، وأضاف أنه ثمة علاقة تاريخية تربط بين انتشار عادة ربط الأقدام وضعف الأسر الحاكمة. وقد استطرد تشيان يونج — في منطق من التفكير أدركه فرانسيس بيكون فيما بعد — يقول إنه على الطبقات الراقية أن تقاطع هذه الممارسة؛ لأنها صار يتبعها أراذل القوم.34
وأشارت تشاو إلى لي روزهان، صاحب رواية «أزهار في المرآة» (التي نُشرت في عام ١٨٢٨، ولكن بدأت كتابتها في الأغلب قبل عقدين من هذا التاريخ)، وتعتبر روايته المقابل الصيني لرواية «رحلات جليفر». في هذه الرواية، أعرب لي عن تعاطفه مع موقف المرأة بصفة عامة عندما كتب يصف «مملكة المرأة» بأسلوب هجائي ساخر، وكان في وصفه متعاطفًا مع معاناة التاجر لين، الذي وقع عليه الاختيار ليكون «محظية» للمرأة «الملك»، وقد تعرض لآلام ربط القدمين وما فيه من إهانة لكرامته. وبعد أيام من الألم، مزَّق التاجر لين الأربطة الحريرية وخلع حذاءه المطرز، وقال: «اذهبي إلى «ملكك» وأخبريها أن تأمر بقتلي على الفور، أو أن تطلق سراح قدمي …»35
إلا أن المقاومة المنظمة، وعلى الرغم من تلك الانتقادات السابقة، لم تبدأ بالفعل إلا بعد تدخلات من الإرساليات التبشيرية. بدأت المدارس المسيحية تفتح أبوابها أمام الفتيات في الستينيات من القرن التاسع عشر في العديد من المناطق بالصين. فقد أنشأت إرسالية الكنيسة مدرسة للفتيات في عام ١٨٦٧ في هانج تشو، في دلتا نهر يانجتسي، اشترطت «منذ البداية»، كما كتبت السيدة أرتشيبالد ليتل تقول: «ينبغي فك الرباط عن قدم الفتيات، كما ينبغي ألا تُجبَر أي فتاة على الزواج ضد رغبتها …» وتكرر الأمر نفسه، عندما فتح الميثوديون النظاميون مدارس للفتيات في بكين، حيث اشترطوا فك الرباط عن أقدام فتياتهن.36
وفي عام ١٨٧٤، وجه المبجل جون ماكجاون من جمعية إرسالية لندن — الذي كان قد شن حملة ضد عادة ربط الأقدام استمرت لأكثر من خمسة عشر عامًا — مع زوجته دعوة إلى اجتماع للمسيحيات في مدينة شيامن (التي كانت تعرف بالإنجليزية وقتها باسم أموي) التي تطل على ساحل تشانج تشو، في مقاطعة فوجيان. وقد قال: «في نهاية الاجتماع، وقَّعت تسع نساء على تعهد بالقضاء على هذه الممارسة الوثنية داخل بيوتهن وخارجها عن طريق رسم صليب أمام الأسماء التي كان قد كتبها لنا قس صيني.»37 وبمرور الوقت، انضم إليهن نساء أخريات معظمهن من الطبقة العاملة، وقد تعهدن بعدم ربط أقدام بناتهن وبفك الرباط المؤلم عن أقدامهن أنفسهن.38 إلا أن التقدم كان يخطو خطوات بطيئة. وعلى مدار عقود من الزمان، استمر الزوجان ماكجاون في إضافة أعضاء إلى «جمعية كفوا عن عادة ربط الأقدام»، وهو الاسم الذي كان يذكِّر بجمعيات «كفوا عن تدخين الأفيون» التي سبقت بأكثر من قرن جهود مكافحة الإدمان لما عُرف فيما بعد باسم حركة «مدمنو الكحول مجهولو الهوية».39 فقد كانت هذه أولى الرابطات المناهضة لعادة ربط الأقدام في الصين.
وبداية من ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأت الحركة تحصل على الدعم من أعداد متزايدة من شباب الصين من الرجال والنساء الذين كانوا قد عادوا للصين بعد الانتهاء من دراستهم في الخارج. وكانت الحركة تشتمل على شابات من بنات الطبقات الراقية ومن بنات التجار الأثرياء، اللاتي أرسلهن ذووهن إلى اليابان، وعدن مصممات على تعليم جيل جديد من الفتيات الصينيات جسديًّا وذهنيًّا من أجل عالم أكثر تحررًا. كانت هذه البراعم الأولى للحركة النسوية في الصين، وقد آلين على أنفسهن أن يحققن المساواة بين الرجل والمرأة. وقد ركَّزت المدارس التي أنشأنها على التربية البدنية من خلال ممارسة الرياضة والتمرينات، التي تتطلب ألا تكون أقدام الطالبات مربوطة.40
أما الإرساليات، فقد حاولت جاهدة من ناحيتها أن تخاطب المفكرين؛ فأسست صحفًا ومجلات، بما في ذلك صحيفة «وانجو جونجباو»، أو «ذا ريفيو أوف ذا تايمز» الصينية، التي أسسها المبجل يونج جون ألن من إرسالية الأسقفية الميثودية الجنوبية الأمريكية في عام ١٨٦٨، وقد كان يحررها بنفسه حتى وفاته في عام ١٩٠٧. وقد فتحت صحيفة «وانجو جونجباو» نافذةً على أفكار العالم الخارجي وأحداثه أمام المفكرين والمثقفين تتيح لهم فرصة الاطِّلاع على خيارات جديدة للتعامل مع الأزمات في مجتمعهم. ولم يكن عمل المبجل تيموثي ريتشارد — العضو في رابطة الإرسالية المعمدانية — أقل تأثيرًا؛ فقد حرَّر صحيفة «شي باو»، أو «ذا إيسترن تايمز» الصينية، في تيانجين لفترة بدأت منذ عام ١٨٩٠، بناءً على دعوة وجهها له المفكر العظيم لي هونغ-تشانج.41
وقد أدرك ريتشارد قبل أي من الإرساليات البروتستانتية أن مفتاح الصين يكمن في مفكريها. فكان يرتدي ملابسهم نفسها، وكان يبذل الوقت والمال والجهد في كتابة الأدب المسيحي وترجمته ونشره، سواء من تعاليم وخطب، وكذلك العهد الجديد، كما كان يعد نفسه عن طريق دراسة النصوص التي كانت تمثل أساس التدريب على اجتياز الاختبارات القومية. كان قد راعه حجم المجاعة التي كان يعاني منها الصينيون في مقاطعتي شاندونج وشانشي في السبعينيات من القرن التاسع عشر، كما ساءه عجز حكم المانشو ونوابهم من كبار الموظفين في الدولة عن التعامل مع تلك الكارثة. وقد خلص من ذلك إلى أن الصين في حاجة ماسة إلى الاطلاع على العلوم الحديثة قبل كل شيء، التي تعد، مع المسيحية، إحدى ثمار الحضارة الغربية. فكتب في كتابه «تأملات في الحضارة الغربية» يقول:
شعرت أن ما يميزها عن الحضارة الصينية أنها تسعى لاكتشاف يد الرب في الطبيعة، ولتطبيق قوانين الطبيعة في خدمة البشرية … وكنت على قناعة أنه إذا أتيحت لي فرصة إلقاء محاضرات على أسماع المسئولين والمفكرين، وتمكنت من إثارة اهتمامهم بمعجزات العلم، فإنني سأدلهم على طرق عدة من شأنهم أن يستغلوها في توظيف قوى الرب في الطبيعة لخير بني وطنهم. وبهذه الطريقة، أكون قد تمكَّنت من إقناعهم بمد خطوط للسكك الحديدية وحفر مناجم ومنع تكرار وقوع المجاعات وإنقاذ شعبهم من براثن الفقر.42
كانت هذه المسيحية التحديثية برؤيتها أن العلم والتكنولوجيا في خدمة احتياجات الإنسان هي التي استجاب لها المفكرون المحدثون. وقد أعلن كانج يووي، «الجينشي» الذي كتب العريضة المناهضة لعادة ربط الأقدام التي افتتحنا بها هذا الفصل من الكتاب، قائلًا ذات مرة: «إنني مدين بتحولي إلى الإصلاح وبمعرفتي بالإصلاح في الأساس لكتابات اثنين من التبشيريين، وهما المبجل تيموثي ريتشارد … والمبجل الطبيب ألن …»43 ولكن لا بد من توضيح نقطة مهمة وهي أنه قد تحول إلى الإصلاح، لا إلى المسيحية.
والواقع أن المجال الوحيد الذي لم تحقق فيه الإرساليات التبشيرية المسيحية تقدمًا ملحوظًا كان مجال اعتناق الصينيين للمسيحية. فقد كتب جون كينج فيرتشايلد وميريل جولدمان يقولان إنه «بحلول عام ١٨٩٤، أثمرت جهود الإرسالية التبشيرية البروتستانتية إنشاء ١٣٠٠ إرسالية، هي في الأساس بريطانية وأمريكية وكندية، كما تمكَّنت من الحفاظ على ٥٠٠ محطة لها، في كل منها كنيسة ومساكن ومُصلًّى وجوقة ترتيل، وعادة ما يكون بها مدرسة صغيرة، ومستشفى أو مستوصف على أقل تقدير، وذلك في حوالي ٣٥٠ مدينة مختلفة». إلا أنه في بلد كان يبلغ تعداد سكانه أكثر من ٤٠٠ مليون نسمة، لم يتعدَّ عدد من اعتنقوا المسيحية من الصينيين ستين ألفًا.44 فقد كانت البشرى التي تحملها الإرساليات للعديد من الصينيين المتعاطفين هي الحداثة الغربية، لا الخلاص من خلال السيد المسيح.
لا شك أن الصحف والدوريات التغريبية كانت تمثل نافذة للمفكرين أمثال كانج على عالم أكثر مدنية؛ بل إن الجيل الثاني من الجمعيات المناهضة لعادة ربط الأقدام كان أصحابه من قراء تلك الصحف والدوريات. وقد كتب كانج في سيرته الذاتية كيف أن صحيفة «وانجو جونجباو» كانت المسئولة عن تعريفه بالأفكار الغربية بداية من عام ١٨٨٣، وأنها كانت ما دفعه لأن يبدأ التفكير في عادة ربط الأقدام.45 كما كتب عن الحزن الذي اعتصر قلبه عندما كان يرى الألم الذي تعانيه أخواته الفتيات من جرَّاء ربط أقدامهن. وعندما حان الوقت لربط قدمي ابنته، رفض تمامًا السماح بذلك، وحاولت أسرته أن تثنيه عن قراره، فكان رد فعله إنشاء «جمعية أقدام بلا وثاق» أو «بو جوزو هوي» في مدينة جوانجتشو في عام ١٨٩٤، بمساعدة مفكر آخر من المفكرين المثقفين كان قد سافر إلى أمريكا ولم يكن راغبًا في أن يربط قدمي ابنته هو الآخر. نقل كانج مقر عملياته إلى شنغهاي في وقت لاحق، وكان قد تعدى عدد أعضاء الجمعية العشرة آلاف عضو.46 وفي عام ١٨٩٨، تقدم بالتماس إلى الإمبراطور وهو ما بدأنا به قصتنا؛ فكان رجاءً له بوضع حد لعادة ربط الأقدام للأبد.
كان ماكجاون ممثلًا لبرنامج الإرسالية في الوقت الذي كان فيه كانج ممثلًا لطبقة المفكرين الإصلاحيين الجدد. بيد أن صوتًا مهمًّا آخر انضم إلى حركة «القدم الطبيعية» في أواخر مراحل تطورها؛ كان صوت المرأة المغتربة ابنة الطبقة العليا، والزوجة الثرية لرجل الأعمال والمسئول في الموانئ التجارية التي تقع على طول الساحل. ففي التسعينيات من القرن التاسع عشر، تقابلت السيدة أرتشيبالد ليتل مع السيد ماكجاون في شنغهاي. وقد كان مصدر إلهام لها بحيث انطلقت تحشد النساء المغتربات من الطبقات الراقية في شنغهاي، واجتمعت بهن في لقاء تحدث فيه ماكجاون إليهن، كما أسست جمعية وطنية جديدة مناهضة لعادة ربط الأقدام، أطلقت عليها اسم «تيانزو هوي»، الذي كانت ترجمة السيدة ليتل له إلى الإنجليزية «جمعية القدم الطبيعية». (إلا أن المبجل ماكجاون كان يفضل ترجمة الاسم إلى «جمعية القدم السماوية»، بغرض التأكيد بدون شك على المغزى الديني من وراء الإقلاع عن تلك العادة المتنافية مع تعاليم المسيحية.)47 كما ساعدهما تيموثي ريتشارد عن طريق عمل كتيبات مناهضة لعادة ربط الأقدام ونشرها.
كانت السيدة ليتل قد انتقلت للعيش في الصين عام ١٨٨٧، بعد زواجها من السيد أرتشيبالد ليتل، وهو رجل إنجليزي وصل إلى الشرق قبل ثلاثين عامًا تقريبًا من هذا التاريخ. كان قد صار رجل أعمال ناجحًا عندما تزوج من السيدة ليتل، واستقر المقام به في تشونج تشينج، في سيشوان. كانت أليشيا بيويك سابقًا، أو السيدة ليتل بعد زواجها، قد حققت نجاحات مهنية بالفعل قبل أن تتزوج، حيث كانت كاتبة لروايات ساخرة تنتقد الحياة الفارغة من كل معنى وهدف، التي كان يحياها الأغنياء، وكذلك الحماقات التي كانت تُرتكب في سوق الزواج.48 كانت إذن شابة يافعة تحيا حياة مستقلة، وقد تمكَّنت بمساعدة زوجها من شن حملة نشطة ضد عادة ربط الأقدام في جميع أنحاء الصين.

فطنت السيدة ليتل إلى أن رهن الجهود المناهضة لعادة ربط الأقدام بالديانة المسيحية في مجتمع تسوده التعاليم الكونفوشيوسية يضر القضية أكثر مما ينفعها، ربما لأنها لم تكن تنتمي لأي إرسالية. وكانت جولاتها في أنحاء الصين تخاطب المفكرين كما كانت تخاطب غيرهم. وفي عام ١٩٠٠، نجحت في كسب لي هونج-تشانج في صفِّها، وكان وقتها يشغل منصب الحاكم العام لمدينة جوانجتشو.

كما فطن العديد من أفراد طبقة المفكرين الآخرين إلى الاستنتاج نفسه الذي توصلت إليه السيدة ليتل. ففي عام ١٨٩٧، نشر تشانج تشيدونج — الحاكم العام لمقاطعتي هونان وهوبي — مقالة تؤيد الحملة المناهضة لعادة ربط الأقدام، التي صارت واحدة من أهم الأسلحة في ترسانة جمعية «القدم الطبيعية».49 وفي أحد اجتماعات السيدة ليتل في ووهان، عاصمة هوبي، وكانت قد زينت القاعة «بلافتات عملاقة» مستخدِمةً أسلوب تشانج الأدبي الذي «لا يضاهيه» أسلوب، «تكرم أحد كبار المسئولين العسكريين بدراسة هذه اللافتة دون أن يتنازل فيما يبدو وينصت إلى كلمة واحدة من كلماتي الحكيمة، إلا أنه اضطر اضطرارًا إلى أن ينضم إلى جمعيتنا في نهاية الأمر …»50 كانت قيادة جمعية تيانزو هوي قد انتقلت إلى أيدٍ صينية عندما رحلت السيدة ليتل إلى إنجلترا مع زوجها المريض في عام ١٩٠٧.51 وسرعان ما اختفت الجمعية من الوجود، لا بسبب غياب الدعم، ولكن بسبب انتشار حججها وبراهينها على الأقل فيما بين أفراد الطبقات العليا.
كان المفكرون أصحاب الفكر التحديثي للصين في معالجتهم للمشكلات التي تواجه مجتمعهم في نهاية القرن التاسع عشر، مثلهم مثل معارضيهم، يحدوهم ولاء عميق لأمتهم ولتقاليدها الفكرية العريقة. وقد أصرَّ العديد من أصحاب التوجه التحديثي على التمييز بين «تي» (أو المادة) و«يونج» (أو التطبيق)؛ كانوا يؤمنون، كما جاء على لسانهم، بفكرة «تعلم المبادئ الأساسية من الصين، وتعلم التطبيقات العملية من الغرب».52 وأشاروا في هجومهم الذي شنوه على عادة ربط الأقدام إلى أنها ممارسة غريبة عن زمن كونفوشيوس، بل واستمرت في كونها غريبة عن الصين لأكثر من ألف عام بعد وفاته. ولكن البعض أشار كذلك إلى أن الحجج والمنشورات التي بثتها الإرساليات وجمعية تيانزو هوي كان لها أبلغ الأثر في طريقة تفكيرهم؛ والفضل الأكبر في ذلك يعود إلى أن تلك الحجج والمنشورات قد سلطت الضوء على كيف أن عادة ربط الأقدام تتسبب في فقدان الصين وحضارتها للاحترام.

عوالم الشرف

تحدثت في الفصل السابق عن كيف أن للشرف عالمَه؛ ألا وهو مجموعة من الناس تعترف بنفس المواثيق، ويسعى كل من ينتمي إلى هذه المجموعة إلى الحصول على احترام من بها. ولكن لا بد أن ندرك أن عالم الشرف ليس بالضرورة قاصرًا على المجتمع الذي ينتمي إليه المرء. فالملك هنري الخامس، مثلًا، على يقين بأنه يستحق احترام الأمراء الأجانب. ويشتمل عالم الشرف الخاص بك على أشخاص يفهمون ميثاق الشرف ويعترفون به، حتى إن كان الميثاق لا يفرض الكثير من المطالب على أصحابه كما كان الحال مع فلاحي إنجلترا. لم يضم عالم الشرف لمفكري الصين في مطلع القرن التاسع عشر أي شخص من أي مكان آخر؛ إلا أن عريضة كانج توضح كيف بدأ البعض منهم على الأقل بحلول نهاية القرن نفسه في اعتبار أنفسهم جزءًا من عالم أكبر وأوسع يضم أممًا تعمل على تقييم مجتمعات بعضها البعض. وقد صار عالمهم يضم اليابانيين والأوروبيين والأمريكيين الذين كان تقييمهم الانتقادي للصين سببًا في تقويض استحقاق الصين للاحترام.

ستجد في أي عالم من عوالم الشرف أن البعض يُعرَفون بأنهم نظراؤك في الشرف؛ ذلك لأن الميثاق يفرض عليهم المتطلبات نفسها التي يفرضها عليك. فبالنسبة للأمير هال، يعد نظراؤه في الشرف من منظور الشرف العسكري هم السادة النبلاء … لا السادة النبلاء الإنجليز فحسب، بل السادة النبلاء كافة. وأي سيدة نبيلة تعتبر أن نظراءها في الشرف هن السيدات النبيلات بصفة عامة، حتى إن حَكَمَتهنَّ قواعد غاية في التباين. ونظرًا لأن البعض يعتقد أن أي ميثاق للشرف ليس بالضرورة نتاجًا لمجتمع محدد أو مكان بعينه، فإنهم قد يحسبون عن طريق الخطأ أن شخصًا ما قد صار نظيرًا لهم في الشرف، في حين أنه ليس كذلك. فعالم الشرف الخاص بك يضم بين جنباته ما هو أبعد من نظرائك في الشرف؛ وكما رأينا، ثمَّ العديد من مواثيق الشرف التي تفرق في متطلباتها بين الرجل والمرأة (كما هو الحال مع العفة)، على الرغم من أن الرجل والمرأة كلاهما ينتمي لعالم الشرف الخاص بتلك المواثيق. كانت إحدى الطرق التي حققت الإرساليات من خلالها نجاحًا ملموسًا هي التأكيد على أنهم يعتبرون طبقة المفكرين جزءًا من عالم الشرف الخاص بهم. فقد ساند الأشخاص أمثال المبجل ريتشارد، الذي كان يُكِنُّ كل الاحترام للموروثات الكونفوشيوسية، والذي اختار بمحض إرادته أن يرتدي ما يرتديه المفكرون الصينيون، الفكرةَ القائلة بأن الغربيين والصينيين تحكمهم المعايير نفسها، بل ومن الجائز جدًّا أن يكونوا نظراء في الشرف.

انتفاضة الملاكمين وعواقبها

تلك المائة يوم الخاصة بالإصلاح في عام ١٨٩٨ — والتي منحت كانج لحظة من التأثير لم يُعرفْ لها مثيل — بدأت فجأة مثلما انتهت، ولم يتقبل البيرقراطيون في البلاط وفي العاصمة التغييرات الجذرية التي اقترحها الإمبراطور؛ لقد كانوا من صنع الاختبارات القديمة، وكانت العلوم الحديثة هي الشيء الذي يجهلونه تمامًا، كما لم يكن يعنيهم مسألة الاستغناء عنهم. انتظر المحافظون حتى حصلوا على دعم الإمبراطورة الأرملة، وحينها قاموا بانقلاب. كان الحظ حليف كانج الذي نجح في الهروب إلى اليابان، في حين أُعدِم ستةٌ من قادة الإصلاح الآخرين بما فيهم شقيق كانج، وعادت الإمبراطورة الأرملة مرة أخرى إلى قلب السلطة، جالسة «وراء الستار» رغم أن الإمبراطور كان على مرأى ومسمع من الجميع.53 لذلك كانت الإمبراطورة الأرملة في موضع المسئولية عندما شهدت أسرة تشينج الثورة الكبيرة والأخيرة — ثورة الملاكمين — التي انطلقت شرارتها الأولى في صيف عام ١٩٠٠؛ وقد كان صيفًا حارًّا وطويلًا.54

كان «الملاكمون» (وهو الاسم الذي عُرف به أعضاء «جمعية الحق والقبضات المتآلفة» في الغرب) يؤمنون بأن السبب الرئيسي وراء العديد من المشكلات التي يعاني منها مجتمعهم هو وجود الأجانب في بلادهم على نحو خارج عن المألوف؛ فقد كان الوجود الأجنبي يعيق التدفق المناسب للطاقة، ويخل بالانسجام بين المستوطنات البشرية والطبيعة — أو ما يعرف باسم «الفنج شوي» — بسبب خطوط السكك الحديدية وأسلاك الرسائل البرقية التي جلبوها معهم، كما أنه أغضب الأجداد. كان من الواضح أن «الملاكمين» يحصلون على تأييد فصيل بعينه في البلاط الإمبراطوري، وهم المانشو المحافظون «ذوو القبعات الحديدية»، الذين ظنوا أنه باستطاعتهم استغلال الحركة لتخليص البلاد من التأثير الخبيث للأجانب نهائيًّا وللأبد. ولكن يبدو أن فصيلًا آخر، الذي كان مقره زونجلي يامن، كما كان المسئول عن العلاقات الخارجية، قد أدرك أن استفزاز القوى الأوروبية واليابان أبعد ما يكون عن الحكمة. وقد ثَبت أن الفصيل الذي كان على علم بالأجانب كان على حق، فعندما أرسلت الأمم الغربية قواتها لإعادة النظام إلى بكين، سحقت بكل سهولة أي مقاومة أبداها الصينيون كما سطت على البلاط وعلى المدينة.

كان لي هونج-تشانج — العضو في حركة «تعزيز الذات» — طرفًا في مفاوضات التسوية، وكانت شروط الاتفاقية مجحفة كحال أي شروط فُرضت على الصين في أثناء سلسلة حروبها الفاشلة المتعاقبة الطويلة مع الغرب. ولكن بقيت الإمبراطورة الأرملة تسي شي في موقعها، وبقيت معها أسرة تشينج تترنَّح لعقد آخر من الزمان.55
بحلول عام ١٩٠٢، أصدرت الإمبراطورة الأرملة بنفسها مرسومًا مناهضًا لعادة ربط الأقدام، كان يسلط في مضمونه الضوء على كون الممارسة غير صحيَّة؛ بيد أنها لم تأمر بوقفها على الفور، وإنما اكتفت بمجرد الحث على ذلك؛ فقد «ناشدت» الإمبراطورة «أبناء الطبقات الراقية والوجهاء من الصينيين» أن «يوصوا عائلاتهم ومن يعملون تحت إمرتهم بصدقٍ بالامتناع من ذلك الوقت فصاعدًا عن هذه الممارسة الشريرة، ومن ثمَّ يقضون على هذه العادة شيئًا فشيئًا للأبد». تعمدت الإمبراطورة أن تتجنَّب تمامًا كلمات مثل «نحظر»، واستطردت «حتى لا يجد المسئولون غير الشرفاء وأتباعهم الحجة لأن يرهبوا رعاياها من الصينيين أو أن يقمعوهم …»56 لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسمي هذا المرسوم مطالبة بالإلغاء، إلا أنه يمكن أن نعتبره خطوة أولى؛ فقد جاء ليعكس كم الضغوط التي كان يمارسها الأجانب على العرش؛ هؤلاء الأجانب الذين كانوا قد نجحوا بالفعل في توطيد أقدامهم في إمبراطوريتها. وفي ١٤ نوفمبر من عام ١٩٠٨، مات الإمبراطور؛ وما لبثت الإمبراطورة الأرملة أن لحقت به بعد أقل من يوم. ولم يكن إمبراطور الصين الأخير قد بلغ الثالثة من عمره؛ وبحلول عيد ميلاده السابع — في فبراير من عام ١٩١٢ — تنازل عن منصبه إمبراطورًا للصين.
انتهى عصر الأسرة الحاكمة لتبدأ الجمهورية الجديدة، بقيادة الحداثيين الذين كان قد تلقى العديد منهم تعليمه في الغرب أو في اليابان، وكانت الجمهورية الجديدة تعبِّر عن رأيها بحزم أكبر. ففي مارس من عام ١٩١١، أصدر صن ياتسن أمرًا بحظر عادة ربط الأقدام باعتبارها عرفًا وحشيًّا ومدمرًا.57 وكان هذا العرف رمزًا من رموز عديدة — مثل ذيل الفرس — اختُص بها العالم الإمبراطوري القديم وغيَّرها النظام الجمهوري الجديد. وبصرف النظر عن فترة الرئاسة القصيرة للرئيس يوان شيكاي — صاحب التوجه المحافظ الذي حاول إعادة إحياء الفكر الكونفوشيوسي بصفته فلسفة قومية — كان حكام الصين اللاحقون، سواءٌ كانوا من الشيوعيين أو القوميين، كلهم من الحداثيين الذين عارضوا عادة ربط الأقدام، كما دعوا إلى مساواة المرأة بالرجل، وشجعوا المرأة على المشاركة في الألعاب الرياضية والاعتناء ببدنها.58 بيد أن الصين التي ورثوها كانت قد فقدت بالفعل إيمانها بعادة ربط الأقدام.

مكان الشرف

كما رأينا، كانت للجمعيات المناهضة لعادة ربط الأقدام جذورٌ تمتد إلى الإرساليات التبشيرية المسيحية ونخبة رجال الأعمال الغربيين، كما كان لها جذورٌ تمتد إلى أفراد من طبقة المفكرين، أمثال كانج، الذين رأوا أن الصين في حاجة إلى درجة من التغريب إذا أرادت أن تجد لها حيزًا في العالم الحديث. كان تركيز المفكرين في الأساس على ما فيه صالح الصين أولًا؛ وإذا كان وضع حد لعادة ربط الأقدام يعود بالخير على النساء، فذلك أفضل بكثير ولا شك؛ إذن، فكتاباتهم لها طابع قومي. كانت بعض حججهم وسيلية: فقد كانوا مصممين على أن الخراب الذي تسببت فيه الاجتياحات العسكرية من الخارج كان أشد وطأة بسبب عجز العديد من السيدات عن الجري فرارًا؛ كما كانوا يؤكدون على أن القوة البدنية للمرأة التي تستطيع أن تمارس الرياضة لأن قدميها حرتان طليقتان ستجعل منها أمًّا لأبناء يتمتعون بصحة أوفر. ولكنهم كانوا يعودون دومًا ليؤكدوا على أن عادة ربط الأقدام لا بد أن تنتهي؛ لأنها مصدر عار قومي. وكما رأينا، فقد جعل كانج هذه الحجة نقطة ارتكاز أساسية في عريضته الخاصة بعادة ربط الأقدام.

فبالفعل، تبدأ العريضة، وفقًا لفيرجينيا تشاو، بزعمه أنه «من العار على الصين أن تمارس مثل هذه العادة الوحشية، التي تجعل منها أضحوكة في أعين الأجانب»، وتنتهي بهذه الخاتمة المنمقة:
فإذا تحدثنا عن قانون البلاد، فإنها عقوبة لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال؛ وإذا تحدثنا عن الحفاظ على الوئام العائلي، فإنها تضر بحب الوالدين لأطفالهما، وإذا تحدثنا عن تعزيز الجيش، فإنها تولِّد جيلًا بعد جيل من ذرية ضعاف؛ وأخيرًا، إذا تحدثنا عن الجمال والعادات، فإنها محط سخرية الأجانب. هي إذن عادة غير مقبولة بأي حال من الأحوال.59
يبدأ كانج وينتهي بالحديث عن شرف الأمة، أو بالأحرى، عن الخزي الذي لحق ببلده، فقد كتب ليانج تشيتشاو، ربيب كانج، وأحد رواد الفكر الصيني في مطلع القرن العشرين، في عام ١٨٩٦ يقول: «يبدو أن هذه العادة السخيفة قد ازدهرت جيلًا بعد جيل رغم أنف الحظر الإمبراطوري لها، وصارت مثار سخرية الأجانب.»60
واستمر القلق على شرف الأمة في القرن الجديد، وحتى بعد مضي وقت طويل على دخول الممارسة في طور التراجع الشديد. وقد تساءل كاتب في الثلاثينيات من القرن العشرين عما إذا كان من الأفضل لو سُمح لتلك الممارسة أن تندثر على نحو تدريجي، حيث يحذو الفقراء حذو الأغنياء كما فعلوا مع بداية نشأتها: «لماذا نعكر صفو السلام ونتدخل؟ إذا قلنا إنه لا بد من القضاء على عادة ربط الأقدام لأن الأجانب يسخرون منا بسببها، يجب أن نعترف بأنهم يسخرون منا لأسباب أخرى كذلك.» لقد كانت عادة ربط الأقدام تلاحق الصينيين أينما سافروا. يحكي ليفي قصة امرأة صينية كانت تكسب قوت يومها في شوارع باريس في منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين عن طريق طلب المال مقابل النظر إلى زهرتي اللوتس الذهبيتين الخاصتين بها. وقد كتب يقول: «أثار هذا حفيظة الصينيين المغتربين في باريس، وسجلوا اعتراضهم لدى القنصلية الصينية لكون سلوكها مذلًّا للشرف القومي.» كما كتب جوتو أسارو في عام ١٩٣٩ يلخص الموقف بإيجاز، فقال إن مناهضة عادة ربط الأقدام كانت تستهدف «حفظ «ماء الوجه القومي» للصين».61

العمل معًا

يُسلِّم معظم الناس في العصر الحديث بأن المرء يحفزه اهتمامه بشرف أمته، ومن ثمَّ لن تجد على الأرجح صعوبة في فهم القصة التي أخذت أقصُّها في هذا الفصل، ولكن عندما تتدبر الأمر، ستجد شيئًا عجيبًا بعض الشيء في الفكرة الكامنة وراء القصة، فعلى المستوى الفردي، يمكننا أن ندرك كيف أن الشرف أمر منطقي. فكل واحد منا يحرص على أن يكون جديرًا بالاحترام؛ فالاحترام المُستَحق عن جدارة ذو قيمة جوهرية، وعادة ما يعكس أحكامًا تصدرها عن مدى توفيقك في الحياة وفقًا للمعايير الخاصة بك (فالمعايير المشتركة هي التي تربط أجزاء عالم الشرف ببعضها البعض في المقام الأول). لذا، على المستوى الفردي، يعتبر التشريف الذي يظهره الآخرون لك سببًا لأن تفترض أنك ملتزم بمثلك العليا في حياتك، ولكن ما الذي يجعل جدارتي «أنا» بالاحترام مرتبطة بكون الأشياء التي تُفعل باسم أمتي جديرة بالاحترام؟ الواقع أننا نحصل على تقدير الآخرين إذا كنا ننتمي إلى فئة اجتماعية تستحق التقدير، وأننا نفقد احترامهم لنا أيضًا عندما ننتمي إلى فئة سيئة السمعة. ولكن ألا ينبغي أن نسألهم عن السبب؟ فعندما يبرع شخص ما في عمل قام به باسم بلدي، يصعب إدراك السبب وراء جدارتي بالاحترام، مقابل جدارة ابن بلدي الذي يستحق الثناء والإطراء.

سيكون أحد ردود الفعل لهذا اللغز إنكار أن ما يعترينا عندما نجد أمتنا تستحق عدم الاحترام هو في الواقع شعور حقيقي بالخزي. وربما ما نشعر به هو أقرب ما يكون لما يحدث عندما يُضبطُ شخص ما تهتم لأمره في أثناء قيامه بعمل لا يليق؛ فأنت لا تشعر بالخزي لنفسك، وإنما تشعر بالخزي بالنيابة عنه إذا جاز التعبير. ومثلما قد تجفل في ألم عندما ترى صديقًا يقطع يده بالسكين عن طريق الخطأ في أثناء تقطيعه للبصل مثلًا، قد يعلو وجهك حمرة الخجل نيابة عنه عندما تراه يفعل شيئًا منافيًا للشرف.

من شأن هذا النوع من التعاطف — بالمعنى الدقيق للكلمة؛ أي مشاركة الآخر عواطفه — أن يفسر وبكل تأكيد بعض المواقف التي تحدونا فيها مشاعر على نحو غير مبرر على الإطلاق، أو التي قد لا تجد ما يبررها بالطريقة التقليدية. إلا أن هذا التفسير يصبح غير معقول في حالة مشاعر الفخر والخزي القومي؛ لأنه غالبًا لا يوجد شخص على الإطلاق تشاركه مشاعره متعاطفًا معه بهذه الطريقة. فأين هو الشخص الذي أشاركه مشاعره بالنيابة عنه عندما يمرر الكونجرس قرارًا يتسم بالحماقة؟ أنا لا أعرف أيًّا من أعضاء الكونجرس ممن صوتوا لصالح القرار، ويجوز أنني أعلم أن من أتعاطف معهم في الغالب هم من صوتوا ضده. ولكن حتى مع وجود شخص بعينه نستطيع أن نتماهى معه، مثلًا عندما نشعر بالخزي تجاه فعل مشين ارتكبه أفراد في القوات المسلحة، فإننا نستطيع التمييز بين حمرة الخجل التي تعلو وجوهنا مشاركةً لمشاعر الرجال الذين ارتكبوا هذه الفظائع وبين مشاعر الخزي القومي؛ لأسباب ليس أقلها أننا ما كنا لنشعر بالتعاطف مع هؤلاء الرجال على الإطلاق إذا كانوا قد خانوننا.

أعتقد أنه ثمة طريقة أفضل لفهم الشرف القومي، وتبدأ هذه الطريقة بملاحظة بسيطة: تفعل العديد من الجماعات التي ننتمي لها أشياء على نحو جماعي؛ فعلى سبيل المثال — ولا يقتصر المثال على النظم الديمقراطية فحسب — أحيانًا يكون من المنطقي أن نقول إن الأمة فاعلة لأمر ما. فعندما تذهب دولة ما إلى الحرب، أو تفرض حظرًا تجاريًّا على دولة أخرى، أو ترسل مساعدات إنسانية، أو تدعم قرارًا في مجلس الأمن، كلها أشياء يفعلها مواطنوها مجتمعين لا على نحو فردي. فالفعل يتم باسمهم جميعًا، ولكن في أغلب الأحيان يكون الفعل فعلهم بطرق أكثر عمقًا. فالأفراد الذين يقومون بأفعال باسم بلادهم تشكلهم ثقافة صنعوها معًا تحت قيادة حكومة انتخبها مواطنوها، فإذا كان من المنطقي أن نتحدث عن أهداف بلدنا وصورة العالم التي توجه سعينا وراء تحقيق هذه الأهداف، فسيكون من المنطقي كذلك أن نتحدث عما تفعله الأمة باعتباره أمرًا نفعله — نحن الشعب — معًا.

هل ينبغي علينا أن نفهم أي حديث عما قام به الفاعلون الجمعيون على نحو حرفي أم مجازي؟ وما نوع الفاعلين الجمعيين الذين يصلح أن نتحدث عنهم بهذه الطريقة؟ هذان السؤالان كانا محل نقاش محتدم في الفلسفة الحديثة. لا أود هنا أن أتخذ موقفًا تجاه هذه المسائل. فلا أرغب سوى في أن أبدأ حديثي بالتأكيد على أننا نتحدث بهذه الطريقة «بالفعل»؛ وأنه بصرف النظر عن وجود حجة مقنعة داحضة لهذا الفعل، لدينا حجة كونها عادة تضمن استمراريتها.

ولكن لدينا حجة أفضل؛ ففي رواية جي إم كويتزي الأخيرة «مذكرات عام سيئ»، يكتب بطل الرواية في إحدى مقالاته المنسوخة في النص عن رده على تقرير نشرته مجلة «ذا نيويوركور» بشأن سماح الإدارة الأمريكية بالتعذيب وتقويضها للاتفاقيات التي كانت تحرمه، قائلًا:
ديموسثينيز: إذا كان العبد لا يخاف إلا الألم، فإن أشد ما يخشاه الرجل الحر هو الخزي. وإذا سلمنا بصحة ما تزعمه مجلة «ذا نيويوركور»، فالمسألة تصبح بالنسبة للفرد الأمريكي مسألة أخلاقية: فكيف أتصرف في مواجهة هذا الخزي الذي فُرض عليَّ؟ وكيف أحمي شرفي؟

وها هو تذكير بالسبب وراء احتمال أن يكون الإحساس بالشرف القومي جديرًا بالمحافظة عليه؛ فالشرف القومي — مثله مثل الشرف الفردي — باستطاعته أن يخلق لدينا معًا الحافز لأن نرى إذا ما كان بمقدورنا أن نفعل معًا ما هو صواب. وبالرغم من أن المسألة أخلاقية، فما يشغل كل أمريكي ليس الأخلاقيات فحسب، بل الشرف كذلك. وكما كانت الأمانة في مبارزة ويلينجتون موضع الخلاف، كانت معاناة الفتيات والشابات هي موضع النزاع في حملة كانج يووي، إلا أن الشرف كان ما يدفعه قدمًا. كان الراوي في كويتزي محقًّا في تأكيده على أنه قد نكون قليلي الحيلة أمام هذه المشاعر الجماعية كما نكون أمام اهتمامنا بتقديرنا الشخصي.

ويتأمل الراوي رد فعله لأداء مؤثر لسيمفونية سيبليوس الخامسة: «مشاعر كبيرة وجياشة» كان يقصد مؤلف المقطوعة الموسيقية أن يشعر بها المستمع، فيقول:
كنت أتساءل كيف يمكن أن يكون الوضع لو كنت فنلنديًّا أجلس بين الجمهور في العرض الأول للسيمفونية في هلسينكي قبل قرن تقريبًا، وشعرت بهذه الموجة العالية تغمرني؟ الإجابة: كنت سأشعر بالفخر، الفخر بأن واحدًا منا استطاع أن يؤلف بين تلك الأصوات، الفخر بأننا نحن البشر استطعنا أن نصنع مثل هذا الشيء من عدم. وعلى النقيض كنت سأشعر بالخزي لأننا، الشعب، صنعنا جوانتانامو. إبداع موسيقي من ناحية، وأداة لإنزال الألم والإذلال من ناحية أخرى: إنهما أفضل وأسوأ ما يستطيعه البشر.62
إن عالم الشرف الذي يتناوله جماعة من الناس يشعرون بالفخر أو الخزي بسبب ما تفعله أمتهم أو ما يفعله بنو وطنهم هو العالم الإنساني برمته، وحتى تشعر بهذه العواطف لا بد أن تتمتع بما وصفه «الإعلان الأمريكي للاستقلال»، في واحدة من الصياغات الأنيقة العديدة لتوماس جيفرسون، بأنه «الاحترام اللائق لآراء البشر». لقد دفع قلق كانج يووي بشأن سمعة شعبه إلى أن يفكر في الغرباء باعتبارهم أشخاصًا لاحترامهم أهمية؛ لم تكن مشاعره مشاعر ازدراء لمجموعة من الهمج، وهو الموقف الأساسي لثقافته تجاه العالم خارج حدود بلاده (تذكر موقف الإمبراطور تشيان لونج ورده على هيئة الممثلين الدبلوماسيين للملك جورج الثالث). إن إدراك المرء لبلده باعتبارها عاملًا فاعلًا في عالم أوسع يضم أممًا أخرى يعد إحدى الدعائم النفسية المهمة للقومية الحديثة.63 كما أنه السبب وراء إمكانية استنفار شرف الأمة بغرض خلق حافز لدى مواطنيها.
إن جزءًا مما يحركنا لإنجاز ما تحتاجه بلدنا منا هو شعور بالفخر بالبلد يعتمد على اعتقادنا بأننا «نحن» من قام بإنجازات ضخمة؛ أي إنه يعتمد على شعورنا بأننا جديرون بالتقدير القومي؛ وبأننا في الواقع أمةٌ جديرةٌ بالاحترام. استطاع إرنست رينان — المؤرخ والقومي الفرنسي العظيم — أن يدرك هذا المعنى في مقاله المهم «ما الأمة؟» في عام ١٨٨٢، عندما كتب يقول:
إن الأمة، مثل الفرد، هي ذروة ماضٍ طويل من الجهود، والتضحيات، والتفاني. وكذلك فإن مذهب الأجداد هو أكثرها مشروعية؛ فأجدادنا هم من صنعوا ما نحن عليه. أيُّ ماضٍ تملؤه البطولات، وأي رجال عظام، وأي مجد، وأعني المجد الحقيقي، كل هذا هو رأس مال المجتمع الذي تقوم على أساسه الفكرة القومية.64
في بعض الأحيان توجَّه للوطنية انتقادات على أنها شكل من أشكال الوثنية، ولأن الوطنية تنطوي على إيمان بأمتك، فهي بالفعل شريك في جزء من العوامل النفسية للمعتقد الديني. ومع ذلك، من الصعب أن تؤمن بأمتك ما لم تقدِّر بعض إنجازاتها تقديرًا كبيرًا. لا تتطلب منك الوطنية أن تؤمن بأن أمتك في مصافِّ أفضل الأمم، ناهيك عن كونها الأفضل، إلا أن الوطنية لا تنمو وتزدهر، في ظني، إلا عندما تؤمن بأنه ثمَّة شيء مميز في تاريخ أمتك يجعلك تشعر بالفخر الشديد، كما كان كانج فخورًا بالتقاليد الكونفوشيوسية للصين.

فك الوثاق العظيم

ستظل سرعة زوال عادة ربط الأقدام أمرًا يدعو للدهشة. وقد توصل جيري ماكي، بعد مراجعة ما لدينا من إحصائيات، إلى أن «بداية نهاية عادة ربط الأقدام في الصين كانت بين تمرد الملاكمين في عام ١٩٠٠ والثورة في عام ١٩١١، فيما بين الطبقات العليا في المدن الكبرى بالتأكيد. وعلى الرغم من وجود تباين من مكان لآخر بشأن تاريخ بداية انتهاء عادة ربط الأقدام، فإن الأدلة المتاحة تشير إلى أنه حينما انتهت عادة ربط الأقدام، انتهت سريعًا». واستمرت عادة ربط الأقدام على استحياء في القرن العشرين في أماكن متفرقة؛ إلا أن هذه الممارسة التي استمرت على مدار آلاف السنين اختفت بحق خلال جيل واحد في أغلب البقاع. ويقول ماكي: «قياسًا على بيانات علماء الاجتماع، فإن نسبة المربوطة أقدامهن في تينج-شان، وهي منطقة ريفية محافظة تبعد عن بكين بنحو ١٢٥ ميلًا، قد انخفضت من نسبة ٩٩ في المائة في عام ١٨٨٩ إلى نسبة ٩٤ في المائة في عام ١٨٩٩ لتصل إلى صفر في المائة في عام ١٩١٩.»65

فما الذي قضى على عادة ربط الأقدام نهائيًّا؟ في مجتمع كانت الغالبية العظمى من زيجاته يجري الترتيب لها، كان ثمَّ سبب وجيه جدًّا لتخلي الآباء عن ربط أقدام بناتهم حتى يتوافر رجال جاهزون للزواج منهن. فكانت عبقرية الاستراتيجية التي انتهجتها الجمعيات المناهضة لربط الأقدام تكمن في تناولها لهذه المعضلة على وجه التحديد؛ فقد أوجدت نساءً غير مربوطات الأقدام غير متزوجات ورجالًا مستعدين للزواج منهن في الوقت ذاته. وقد تمكَّنت هذه الاتفاقية المزدوجة التي تقدمت بها الجمعيات المناهضة لربط الأقدام، والتي تقضي بالامتناع عن ربط أقدام بناتك وعن تزويج أبنائك لفتيات مربوطة أقدامهن، من تحقيق المراد منها بالضبط. وبتسليط الضوء على التباين فيما بين الصين وأماكن أخرى، تمكَّنت كذلك من توضيح إمكانية خلق مجتمعات، مثل اليابان، ولكنها في الوقت نفسه مثل الإرساليات التبشيرية المسيحية، تكون فيها المرأة مخلصة وفية، ولو أنها غير مربوطة القدمين.

كانت الآلية التي جعلت من ربط الأقدام عادة جذابة بالنسبة لمن ينتمون لطبقة اجتماعية دنيا تقوم على أساس ممارسة من ينتمون لطبقة اجتماعية أعلى لها. وبالتالي، ما إن أعلن عددٌ كافٍ من الرجال الذين ينتمون لطبقة المفكرين عن حاجتهم إلى زوجات غير مربوطات الأقدام حتى تسارعت وتيرة التوجه نحو فك الرباط عن الأقدام على نحو صار معاكسًا للتوجه نحو ربط الأقدام الذي كان مسئولًا عن انتشار هذه الممارسة في المقام الأول. فببساطة، بما أن عادة ربط الأقدام راسخة في نظام الطبقات الاجتماعية، كان لهجر الطبقات الراقية لهذه العادة أثره في تجريدها من أي جاذبية؛ وهي آلية تعيد للأذهان أصداء ما حدث للمبارزة في إنجلترا وإن كانت في اتجاه معاكس، حيث كانت ممارسة من ليسوا بسادة نبلاء للمبارزة سببًا وراء إضعاف قدرتها على حماية الشرف الرفيع.

ولكن كان لا بد من إقناع عددٍ كافٍ من أبناء الطبقات الراقية — عددٍ كافٍ من المفكرين الصينيين وأسرهم — بالتخلي عن عادة ربط الأقدام؛ حتى يتسنَّى لهذا الانهيار أن يبدأ. وقد كان للغرباء، إلى جانب الصينيين الذين تلقوا تعليمهم في اليابان وفي الغرب، دور حيوي هنا. فعن طريق جذب الانتباه إلى أوجه التباين بين الصين والدول الصناعية المتقدمة، في وقت كان قد فقد فيه أبناء طبقة المفكرين الثقة في قدرة تقاليدهم على الذود عنهم في وجه غرباء حداثيين، تمكنوا من إقناع بعض المفكرين بحاجتهم إلى دفع الإصلاح قدمًا، وكانت نقطة الارتكاز في قصتهم، كما سمعناها بعباراتهم، هي قضية شرف أمتهم.

كان ثمن الإصلاح بالنسبة للعديد من المفكرين باهظًا؛ فقد علق الكاتب مجهول الهوية صاحب «الوقائع السرية للاهتمام باللوتس»، وهو مقال يناقش بكل صراحة الجاذبية الجنسية للقدم المربوطة، قائلًا: «لقد صارت عادة ربط الأقدام في بلادنا نوعًا من الممارسة الرجعية في تاريخ العالم. فلم يسبق للمرأة أن تعرضت في أي مكان لحبسٍ لحريتها أشد قسوة مما تعرضت له جرَّاء هذه العادة؛ لذا كان من الطبيعي أن تُباد وأن تصبح ظاهرة تثير الاشمئزاز.» لكنه يستطرد في شيء من الحسرة قائلًا: «لم أكترث لما بذلتُه من جهدٍ في كتابة هذا المقال من أجل توضيح شيء من فوائد اللوتس وأسرارها المقدسة، التي بقيت حية لألف عام.»66

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠