الفصل الثالث

القضاء على الاسترقاق على جانبي الأطلسي

من الممكن اعتبار الحملة الجهادية لإنجلترا ضد الاسترقاق، التي لم تعرف كللًا أو زهوًا أو تمجيدًا، على الأرجح ضمن ثلاث أو أربع صفحات فاضلة تمامًا في تاريخ الأمم.

ويليام ليكي،
«تاريخ الأخلاق الأوروبية»1

شرف الأمم

كان لعصر الاستكشافات الأوروبية، والذي كانت لحظته المفصلية «اكتشاف» كولومبوس للعالم الجديد، نتيجتان إنسانيتان عظيمتان في نصف الكرة الغربي: الأولى؛ الاستيطان الأوروبي للأمريكتين، وما أعقبه من تدمير لمجتمعات الهنود الحمر؛ والثانية، نقل التقاليد المتوسطية لرقيق المزارع إلى الجزر والبر الرئيسي لكتلة اليابسة الشاسعة الواقعة على الحافة الغربية للأطلسي. كان تطوير المزارع يتطلب إمدادات ضخمة من العمالة في المناطق المدارية، وهي عمالة لم يكن السكان الأصليون للمنطقة راغبين في توفيرها، ونظرًا لاعتيادهم على النظام البيئي للمنطقة ومعرفتهم بجغرافيتها؛ كان من السهل عليهم نسبيًّا الفرار من سيطرة المستوطنين الأوروبيين. وبالإضافة إلى ذلك، لقي عدد كبير من الهنود مصرعهم نتيجة تعرضهم لأمراض كانت قد ظهرت في العالم القديم بعد أن جاء أجدادهم إلى الأمريكتين، وهي مصائب لم يتمتعوا بأي مناعة طبيعية تُذكر للتصدي لها، فكان نظام المزارع في حاجة إلى مصدر بديل للعمالة إذا كانت ستقوم له قائمة.

في الوقت ذاته، كان الارتباط الأوروبي بأفريقيا آخذًا في النمو، وكانت الإمدادات من الأسرى كبيرة بالفعل بسبب الحرب الداخلية التي مزقت العديد من المجتمعات الأفريقية. وعلى مدار قرون من الزمان، وبمجرد توافر الطلب على الرقيق في العالم الجديد، طورت مجتمعات في غرب أفريقيا بتطوير اقتصادات قائمة على أساس الإغارة على الرقيق والاتجار فيهم، وقد بيع ملايين الأشخاص إلى قلاع تجارة الرقيق الأوروبية الواقعة في المنطقة الساحلية بغرب أفريقيا. وفي مطلع القرن التاسع عشر، كان استرقاق الشعوب غير الأوروبية محوريًّا لاقتصاد الأطلسي، ممثلًا حلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا والأمريكتين، فكان متشابكًا تشابكًا معقدًا مع الاقتصادات الداخلية للعديد من المجتمعات، كما كان جزءًا أساسيًّا من التجارة العالمية. قليلة هي الثورات الأخلاقية التي كانت لها تبعات مثل تلك الثورة التي قضت على الاسترقاق المنظم للأفارقة وأصحاب الأصول الأفريقية في عالم الأطلسي.

كان القضاء على العبودية مهمة غير عادية، وقد حظيت أهميتها بتقدير المفكرين في جميع أنحاء العالم. وفي الواقع، يلجأ المفكرون التقدميون، حتى في نقاشاتهم حول عادة ربط الأقدام في الصين، إلى عقد مقارنة في بعض الأحيان ما بين كفاحهم وحركة تحرير الزنوج من العبودية في الغرب.

أعتقد أن أوجه التشابه ليست واضحة. نعم، كانت كل من حركة التحرير من العبودية والحركة المناهضة لعادة ربط الأقدام حملة عظيمة لها طابع أخلاقي شُنت ضد تقاليد راسخة. إلا أن الاسترقاق كان قد جعل جنسًا ما تَبَعًا لجنس آخر، وقد استتبع هذا إخضاع السود إخضاعًا منهجيًّا للخزي؛ في حين أن عادة ربط الأقدام، على الرغم من أن جميع ضحاياها كن من النساء، كانت تُمارَس داخل طائفة الهان الصينية، كما كانت مؤشرًا لسمو المكانة، لا انحطاطها. صحيحٌ أن قصر عادة ربط الأقدام على النساء كانت دليلًا على إخضاعهن للرجال، إلا أن دونية مكانة المرأة لم تكن تعني تعريضها للعار. في الواقع، غالبًا ما تحمل المرأة شرف أسرتها حتى بالرغم من أنها تفعل ذلك بطرق تختلف عن الرجل، وهي قضية سأعود لها في الفصل التالي.

ثمة وجه آخر للتناقض: من الواضح أن الاسترقاق لم يكن محل استحسان من الرقيق، في حين أن المرأة كانت تؤيد على وجه العموم عادة ربط الأقدام وتنشرها. ولكن ثمة رابط تاريخي واحد واضح بين الاسترقاق وعادة ربط الأقدام؛ وهو أن معارضي الممارستين، في الثقافة الخاصة بكل منهما، يعتبرون الممارستين تهديدًا لشرف الأمة التي سمحت بوجودهما.

إن موضوع الشرف القومي مبحث لا مناص منه في أدبيات حركة التحرير من العبودية، كما سنرى. ولكننا سنلحظ أيضًا خيوطًا أخرى من الحجج مطمورة أكثر من غيرها تحت سطح المناقشات الدائرة حول وضع حدٍّ للاسترقاق على جانبي الأطلسي، وهذه الخيوط تربط الشرف بأنواع أخرى من الهوية.

الشرف البريطاني وتجارة الرقيق

في عام ١٨٠٧، ألغى برلمان المملكة المتحدة تجارة الرقيق في الإمبراطورية البريطانية؛ وفي عام ١٨٣٣، سن البرلمان تشريعًا يقضي بوضع حد للاسترقاق الاستعماري؛ وفي عام ١٨٣٨، نفض البرلمان يده من «تمهين الزنوج» الذي كان قد أعقب الاسترقاق في جزر الهند الغربية، ليعتق في النهاية رقاب ما يزيد على ثلاثة أرباع المليون من الرقيق. وبعد مرور قرن على هذه الأحداث، رأى معظم المؤرخين البريطانيين — أو بالأحرى، معظم المؤرخين البريطانيين الذين تدبروا الأمر — أن في هذا انتصارًا للإحسان على المصلحة الشخصية. وبعدها، في عام ١٩٤٤، كتب إريك ويليامز (الذي صار فيما بعد أول رئيس للوزراء في ترينداد وتوباجو) في كتابه «الرأسمالية والاسترقاق»، يقول إن كل خطوة خطتها عملية الإلغاء تعكس المصالح الاقتصادية لبريطانيا العظمى. كان عملًا يقع ضمن التقليد الكاريبي العظيم للمقاومة على طريقة «كاليبان». كانت أطروحة ويليامز أن نهاية تجارة الرقيق كانت إحدى تدابير التجارة الحرة، وأن نهاية الاسترقاق لم تأتِ إلا عندما صار سكر جزر الهند الغربية الذي كان ينتجه الرقيق غير مربح. أما بالنسبة لأصحاب حركة الإلغاء، فقد كان توجههم الإنساني انتقائيَّ الطابع؛ حيث تجاهلوا معاناة الرقيق خارج حدود الإمبراطورية، وكذلك تجاهلوا معاناة عمال المناجم والعاملين في الزراعة داخل حدودها. كان الخطاب الأخلاقي لحركة الإلغاء، إلى حد ما، غطاءً — أو ما قد نعته وينتشيلسي بصفة «الحجب» — لمصالح اقتصادية حقيقية على أرض الواقع؛2 أي باختصار، لا علاقة للإلغاء بالإحسان من قريب أو بعيد.
إن قصة ويليامز تتفق مع النظر إلى السياسة على أنها السعي المنطقي وراء المصلحة الشخصية لأفراد أو لفئة أو لأمة؛ فهو يقر ﺑ «واقعية» سياسية كانت متشككة في أي حديث يدور حول ما أسماه «المستوى الأخلاقي أو السياسي الرفيع».3 ويمكن تلخيص هذا اللغز المحيِّر الخاص بتحرير العبيد في ملاحظة وحيدة بسيطة: لقد جانب ويليامز الصواب. فإلغاء العبودية أبعد ما يكون عن خدمة المصالح الاقتصادية البريطانية، وكان بحق مناهضًا لتلك المصالح؛ وكان مناصروه مدركين لهذا التصور. قد نكون على درجة كبيرة من التشكك تحول دون موافقتنا ويليام ليكي زعمه الشهير أنه «من الممكن اعتبار الحملة الجهادية لإنجلترا ضد الاسترقاق، التي لم تعرف كللًا أو زهوًا أو تمجيدًا، على الأرجح ضمن ثلاث أو أربع صفحات فاضلة تمامًا في تاريخ الأمم»، ولكن من المؤكد أنها لم تكن نتيجة «للمصلحة الشخصية، من منظور ضيق».
كانت بريطانيا إمبراطورية تجارية بحرية عظيمة تجني أرباحًا طائلة من تجارتها العالمية، وقد صار الدليل على أن هذه القرارات كانت تتعارض مع مصالحها الاقتصادية دليلًا دامغًا، وكانت قد بلغت إمدادات الرقيق من غرب أفريقيا ذروتها في عصر الإلغاء؛ فالأسعار كانت في انهيار.4 وعلى الرغم من تأييد العديد من مستلهمي روح آدم سميث للتفوق الاقتصادي للعمالة الحرة، فإن تجربة الرقيق المعتوقين في سيراليون في أوائل القرن التاسع عشر لم تعضِّد مزاعمهم. وفي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا طرفًا في مختلف مراحل حركة الإلغاء، كانت منتجات عمالة الرقيق تزداد أهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي، وبالنسبة للاستهلاك والإنتاج البريطاني.
كان لسيمور دريشر — أحد أكبر مؤرخي حركة التحرير من العبودية — حجة قوية بأنه من الواضح أن الأمر لم يقتصر على عدم توافر سبب اقتصادي للتخلي عن الاسترقاق من ناحية العرض فحسب، بل وكذلك عدم توافر السبب من ناحية الطلب؛ فقد شهد إنتاج السكر — الذي كان غالبيته من صنع الرقيق — ارتفاعًا، مع انخفاض لفترة وجيزة نتيجة الثورتين الفرنسية والأمريكية خلال الفترة من ثمانينيات القرن الثامن عشر (الذي سيشهد بداية أول حركة واسعة النطاق مناهضة للاسترقاق في بريطانيا، كما سنرى) وحتى عام ١٨٤٠، عندما تحقق إلغاء العبودية بالفعل في الإمبراطورية.5 كما يشير دريشر إلى أن حجم القطن الذي كان ينتجه الرقيق من أجل صناعة إنجليزية مزدهرة للقطن قد زاد في الفترة من عام ١٧٨٧ وحتى عام ١٨٣٨ من ٧٠ بالمائة إلى ٩٠ بالمائة تقريبًا. وفي تلك الفترة، لم يتوافر أي مصدر إمداد بديل لأي من المنتجَيْن اللذين كانت تنتجهما العمالة الحرة.
وذات مرة، أشار ويليام ماكنيل — وهو رائد في الدراسات التاريخية العالمية — إلى أن نمو سكان بريطانيا في مطلع القرن التاسع عشر جعل عمالة الرقيق تفقد أهميتها، وأن هذا كان سببًا وراء تنامي المشاعر المناهضة للاسترقاق. إلا أن وجهة نظره لم تعضدها الأدلة والبراهين. فإذا كان الاكتظاظ السكاني البريطاني هو المسئول، ينبغي أن نتوقع وصول صافي معدلات الهجرة النازحة من إنجلترا إلى أدنى مستوياتها عند انتشار ظاهرة الاسترقاق، ووصولها إلى أعلى مستوياتها عند القضاء عليها، ولكن العكس صحيح؛ فكما يقول دريشر: «لقد «انطلقت» حركة التحرير من العبودية البريطانية في الوقت ذاته الذي سجلت فيه صافي معدلات الهجرة أدنى مستوياتها على مدار ثلاثة قرون.»6 أي باختصار، كان دزرائيلي على حق عندما لخَّص بازدراء الحملات المناهضة للاسترقاق في إنجلترا بقوله: «كانت حركة الطبقات المتوسطة للقضاء على الاسترقاق فاضلة الأخلاق، ولكنها كانت تفتقر للحكمة.»7
ويسبق ثناء ليكي الشهير على الفضيلة البريطانية في كتابه «تاريخ الأخلاق الأوروبية»، الذي افتتحت به هذا الفصل، فقرة أقل شهرة بعض الشيء:
إن من مزايا الجنس الأنجلوساكسوني أنه أنتج دون غيره رجالًا من صنف «واشنطن» أو «هامبدن»، رجالًا لا يعنيهم المجد، ولكن يعنيهم الشرف بشدة، رجالًا جعلوا من السلطة المطلقة لاستقامة الأخلاق المبدأ التوجيهي لحياتهم، رجالًا أثبتوا في أحلك الظروف أنه لا مغريات الطموح ولا فوران العاطفة تجعلهم يحيدون قيد أنملة عن الطريق الذي يمليه عليهم الواجب.8

توجد العديد من الأسباب التي تحول دون قبولنا لهذه الصياغة ليس أقلها أنها صياغة تفترض أمرًا نستطيع الآن أن نجد ما ننكره على أساسه؛ ألا وهو، أن كونك ممن «يعنيهم الشرف» دليل على استقامة الأخلاق. فالشرف والأخلاق — كما رأينا في استعراض تاريخ المبارزة — نظامان منفصلان؛ من الممكن المواءمة بينهما، كما هو الحال هنا؛ ولكن، كما لاحظنا، من الممكن أن يتخذ كل منهما سبيلًا في اتجاه معاكس للآخر. ومع ذلك، فإن إصرار ليكي على أن الشرف يمثل أهمية لحركة إلغاء العبودية البريطانية بطرق عدة، لهو نفاذ بصيرة منه، كما سأحاول إقناعك.

الأخلاقيات لا تكفي

حتى نفهم حركة تحرير العبيد، نحتاج إلى أن نستوعب أولًا أنها تطلَّبت ما هو أكثر من القناعة بأن الاسترقاق خطأ أخلاقي. وكما فعلنا مع عادة ربط الأقدام، ما ينبغي أن نشرحه هنا هو لماذا أقدم أشخاص على التصرف بناءً على تلك القناعة، في الحياة السياسية للأمة. فقد انتشرت المشاعر المناهضة للاسترقاق على نطاق واسع قبل الانطلاقة الفعلية لحركة الإلغاء بفترة لا بأس بها.

إن الروح التي سادت أواخر القرن الثامن عشر تتعارض والاسترقاق لأسباب عدة، تأتي في مقدمتها على وجه التحديد اعتراضات مسيحية. لقد كانت جماعة الكويكرز من المعارضين للاسترقاق منذ وقت مبكر، وهي جماعة كان يؤمن أعضاؤها بأن الكل سواسية أمام الله؛ لأن الكل سواسية في تلقي نوره الإلهي. فقد ألقى جورج فوكس خطبة دينية مناهضة لاتخاذ الناس رقيقًا عندما زار أمريكا الشمالية في عام ١٦٧١، وفي عام ١٧٧٥، أسست «جمعية الأصدقاء» الدينية أول جمعية مناهضة للاسترقاق في العالم في فيلادلفيا، وكان بنجامين فرانكلين رئيسها الشرفي منذ عام ١٧٨٧. إلا أن حركة «الصحوة الإنجيلية» داخل الطائفة الأنجليكانية كانت أكثر أهمية من الجمعية، على الأقل من ناحية العدد، وقد خرجت منها ميثودية «المراتب الدنيا»، والمستوحاة من الوعظ الديني لكل من جون وتشارلز ويزلي بداية من أربعينيات القرن الثامن عشر، كما خرج من عباءتها الروح الإصلاحية لطائفة «كلابهام» الناجحة والمثقفة بداية من تسعينيات القرن نفسه.

بيد أن الاسترقاق أثار كذلك حفيظة أصحاب التوجهات الأكثر علمانية في حركة التنوير، التي تجسدت معارضتهم للاسترقاق في مقالة حول تجارة الرقيق منشورة في كتاب «الموسوعة» (١٧٥١–١٧٧٧) لصاحبيه ديديرو ودلمبير، ويعد أول موسوعة حديثة. تؤكد المقالة على أنه «إذا كان من الممكن إيجاد مبرر لمثل هذا النوع من التجارة على أساس مبدأ من مبادئ الأخلاق، فليس ثمة جريمة إذن — مهما بلغت درجة فظاعتها — لا يستطيع المرء أن يضفي عليها مشروعية».9 أما إيراسموس داروين في كتابه «حب النباتات» (١٧٨٩) — وهو عمل ذو طابع تنويري غير معتاد يهدف إلى نشر المعرفة العلمية من خلال الشعر — فقد قطع حديثه بالْتِفاتة مناهضة للاسترقاق.
وحتى الآن في بساتين أفريقيا، وبصرخة بشعة،
يتفشَّى «الرق» الرهيب، وتُفك كلاب الجحيم من عقالها،
… أنصت إليه أيها السيناتور! أنصت إلى هذه الحقيقة السامية:
«إن من يسمح بالقمع، شريك في الجرم.»10
بالتأكيد لم يكن داروين نفسه أنجليكانيًّا. (في الواقع، في كتابه «زونوميا»، على ذكر «الخوف من الجحيم»، كتب يقول: «نجح العديد من الواعظين المتكلِّفين من بين الميثوديين في أن يبثوا روح الرعب هذه، وأن يحيوا حياة مريحة على ما يدخل جيوبهم من حماقة من يعيرونهم آذانهم».)11 إلا أن المشاعر ذاتها التي كان يعبر عنها الشطر الأخير في قصيدة داروين كانت تلقى صدى في قلوب المسيحيين. فقد كان القلق بشأن عواقب المشاركة في «أي» جريمة يعتري البروتستانتيين الإنجليز في أواخر القرن الثامن عشر، سواءٌ كانوا من الكالفينيين الذين يبحثون عن دليل على الاختيار الإلهي المقدَّر سلفًا، أو من الأرمينيين الذين يخشون زوال نعمة الرب.12

وبحلول منتصف القرن الثامن عشر، كانت كل من الجماعات الدينية والمعادية للدين قد أدركت تمام الإدراك أن الاسترقاق فعل خاطئ. لذلك، وكما كان الحال مع المبارزة ومع عادة ربط الأقدام، لم تكن الحجة الأخلاقية القوة الدافعة للحركة المناهضة للاسترقاق: فقد كانت الحجج موجودة بالفعل قبل أن تبدأ الحركة في الأصل.

كانت جماعة الكويكرز مَنْ بدأت تنظيم هذه المشاعر وتحويلها إلى حركة عن طريق رفع التماس إلى البرلمان تطالب فيه بتحرير العبيد في عام ١٧٨٣، ولكن ينبغي إلقاء الضوء على نقطة ما هنا كذلك؛ ففي السبعينيات من القرن الثامن عشر، وعلى الرغم من أن جماعة الكويكرز كانت بالفعل قد جعلت من إصرارها على الامتناع عن امتلاك الرقيق والتجارة فيهم علامة مميزة لها، فإنها لم تشن حملات صريحة ضد الاسترقاق، على الرغم من رفضها الاعتراف به لوقت طويل، كما رأينا. ولا يوجد ما يدعو للدهشة في هذا الأمر، فقد كانت الكويكرز طائفة صغيرة. ففي عام ١٦٦٠، في نهاية الثورة البيوريتانية، ربما يكون قد وصل عدد أعضاء الجماعة إلى ٦٠ ألفًا، إلا أن هذا العدد شهد انخفاضًا ملحوظًا بعد ذلك، وبحلول عام ١٨٠٠، وصل عدد أعضاء «جمعية الأصدقاء» إلى ٢٠ ألف عضو.13 كان العديد من الأعضاء من الشخصيات الناجحة، وقد اعتمدوا في أمنهم ومعاشهم على التسامح في مجتمع كان — كما رأينا في الفصل الأول — قد قطع على نفسه عهدًا بالولاء لتعاليم «كنيسة إنجلترا» ليكون شرطًا من شروط تولي المناصب العامة. ولكن في الثمانينيات من القرن الثامن عشر، تولت جماعة الكويكرز قيادة حملات دعائية حول شرور تجارة الرقيق.14

تحولت جماعة الكويكرز من فكرة إلغاء العبودية بوصفها خليقة من خلائق المجتمع، إلى فكرة الإلغاء بوصفها حملة قومية، وكان لهذا التحول أثر على الدينامية الداخلية للحركة. جاء هذا التحول تحت ضغط من جماعة الكويكرز الأمريكية بقيادة أنطوني بينيزيه الذي كان ينتمي إلى «اجتماع فيلادلفيا»؛ كان لا بد أن يقدموا على ما قاموا به إذا كانوا يبغون الحفاظ على تماسك مذهب الكويكرية عبر الحدود الإقليمية، وقد كان التضامن — التكافل — إحدى قيمهم ومشاغلهم الأساسية. واستمرت الكويكرز في حركتها الإلغائية عندما اكتشفت أن الالتماس قد لقي ترحابًا على عكس توقعاتها، فمن ناحية لأنه لم يسبق أن رفع أحد من قبل التماسًا مناهضًا للاسترقاق أمام البرلمان، كما أن الساسة وجدوا في الالتماس فرصة يستغلونها للبرهنة على إنسانيتهم عن طريق الثناء على الكويكرز، وفي الوقت ذاته، يستمرون في عدم الإقدام على اتخاذ أي خطوة لمنع التجارة. حتى هذه اللحظة، لم يكن للشرف علاقة بالمسألة.

نشرت الكويكرز اللندنية في عام ١٧٨٤ كتابًا بعنوان «قضية إخواننا الأفارقة المضطهَدين»؛ وعندما لم يبدر عن البرلمان أي رد فعل تشريعي للكتاب، نظمت الحركة أول حملة مناهضة للاسترقاق في بريطانيا، وقد نثرت في الصحافة البريطانية بذور مواضيع مناهضةٍ للاسترقاق.15 إلا أن الشيء الذي حقق بالفعل نجاحًا عمليًّا في نهاية الأمر كان الحملة القومية للالتماسات المعروضة على البرلمان، بقيادة «جمعية تفعيل إلغاء تجارة الرقيق»، التي كان على رأسها القادة الملهمون: توماس كلاركسون، وجرانفيل شارب، وويليام ويلبرفورس (وجميعهم من رجال الكنيسة الأنجليكانية الإنجيلية).16

نظمت الجمعية اجتماعات بغرض جمع التوقيعات على الالتماسات في جميع أنحاء البلاد، وصارت الاجتماعات تشهد أحداثًا لها طابع تنافسي؛ فقد سمحت الحملة في المدن الصناعية الجديدة المزدهرة، في منطقة ميدلاندز وفي الشمال — مثل بيرمينجهام، وستوك أون ترنت، ومانشستر — بانضمام أعضاء جدد من أقطاب المجتمع مثل جوسياه ويدجوود؛ بغرض التعبير عن افتخارهم بسمعتهم المدنية التي اكتسبوها حديثًا. فويدجوود — وهو الصديق المقرب لإيراسموس داروين (فابنته سوزانا زوجة روبرت، ابن إيراسموس) — كان قد جنى ثروة طائلة من تطوير أول مصنع فخار بريطاني في بيرسلم في ستافوردشير، وكان المسئول عن صناعة الميدالية الشهيرة المناهضة للاسترقاق والمرسوم عليها صورة أفريقي راكع أمام شعار يقول: «ألست رجلًا وأخًا؟» كما كان المسئول عن انتشارها. (فثروته الطائلة تلك هي التي سمحت لحفيده، تشارلز داروين، بأن يكرس حياته كعالم بالتاريخ الطبيعي.)

وإذا كان هذا هو الحال على مستوى القادة، فقد كان للحركة عدد ضخم من الأتباع داخل «الطبقات المتوسطة». (ففي نهاية عام ١٧٨٧، تمكنت مدينة مانشستر، التي كان يبلغ تعداد سكانها ٥٠ ألفًا لا غير، بما في ذلك الأطفال، من جمع ١١ ألف توقيع تقريبًا في أول التماس جماهيري مناهض للاسترقاق.)17 كانت إحدى مقاييس نجاح الحركة هي الحقيقة القائلة بأنه في مطلع التسعينيات من القرن الثامن عشر، انضم عدد يتراوح بين الثلاثمائة ألف والأربعمائة ألف إلى حملات مقاطعة السكر الذي تنتجه مزارع الرقيق، وكان هذا بإيعاز من حجج وردت في كتابات مثل ما كتبه ويليام فوكس في عام ١٧٩١ تحت عنوان «خطاب إلى شعب بريطانيا العظمى، حول المنفعة العائدة من الامتناع عن استخدام سكر الهند الغربية وشراب الرم القادم من مزراعها».18
وبحلول أواخر القرن الثامن عشر، كان فن الرواية في بريطانيا يحتفي بما أطلق عليه هنري ماكينزي «رجل العواطف»، وهو عنوان روايته التي نشرها عام ١٧٧١. كانت الفقرة المناهضة للاسترقاق — التي كثيرًا ما نُقلت عنه، والمستوحاة من فصل في رواية للورنس ستيرن «رحلة عاطفية» (١٧٦٨) وبطلها طائر زرزور حبيس — نموذجًا تقليديًّا لافتراض جديد يقضي بأن الرجال، مثلهم مثل النساء، ينبغي أن تتحرك مشاعرهم — إلى حد البكاء في بعض الأحيان — أمام معاناة الآخرين، بما في ذلك معاناة الرقيق على وجه الخصوص.19 فكتب ستيرن يقول:

عندما نظرت إلى أعلى … رأيت … طائر زرزور معلقًا في قفص صغير. قال الطائر: «لا أستطيع الخروج … لا أستطيع الخروج.» قلت له: أخشى، أيها المسكين! أنني لا أستطيع أن أطلق سراحك. قال الطائر: «لا.» … «لا أستطيع الخروج … لا أستطيع الخروج.»

أقسم أن عاطفتي لم تُوقَظْ بِرِقَّة أكثر من هذا من قبل؛ كما لا أذكر واقعة في حياتي مثلها جعلت مزاجي المهلهل، الذي كان عقلي فقاعة له، يعود إلى طبيعته …

وأقول لك فلتتنكر كما تشاء أيها «الاسترقاق!» ستظل كأسًا مريرًا! وعلى الرغم من أن الآلاف على مر العصور قد أُجبروا على تجرعك، فإنك تظل مريرًا ولا تكاد تستساغ!20
فبإضافتك اسمك إلى قائمة عشرات الآلاف من الأسماء التي تذيل الالتماسات المقدمة إلى كنيسة ويستمينستر، كان من شأنك أن تكف عن الاختباء وتظهر نفسك بوصفك رجل عواطف أو امرأة عواطف، وقد صارت «عاطفتك … تُوقظ برقة»، وصرت مثلًا أعلى للفضيلة. وإذا اقتبست الكلمات الأخيرة لويليام كاوبر في «شكوى زنجي» (كتبها على الأرجح في عام ١٧٨٨)، فبإمكانك أن:
تثبت أن لديك مشاعر إنسانية،
قبل أن تشكك بكل فخر في مشاعرنا نحن!21

الحرية: بريطانيا في مواجهة أمريكا

ولكن يمكنك أن ترى في نفسك حاميًا للشرف البريطاني. لقد كان الموالون لبريطانيا دائمي التأكيد على زعمهم بأن الاسترقاق يتنافى والقانون البريطاني في المجادلات عبر الأطلسي التي أفضت إلى «إعلان الاستقلال»؛ فقد كانت بريطانيا دولة يغلب عليها خطاب «الرجل الإنجليزي الحر الطليق»؛ فقد حمل قرار اللورد مانسفيلد في قضية سومرست لعام ١٧٧٢ (أيًّا كانت دلالتها باعتبارها مسألة متعلقة بالقانون التقني) رسالةً أدرك مؤيدو الاسترقاق ومعارضوه على حد سواء أن فحواها تتلخص في أن أي مُستَعبَد يغدو حرًّا بمجرد أن تطأ قدمه أرضًا بريطانية. ولأن الأمريكيين كانوا من ملاك الرقيق فقد جعلهم هذا الأمر غير جديرين بالحرية، من وجهة نظر المؤيدين للجانب البريطاني. وفي عام ١٧٦٩، كتب جرانفيل شارب — صاحب الحملة المناهضة للاسترقاق — يقول إن «الذين لا يتورَّعون عن حبس حرية الآخرين من خلال الاسترقاق، لا يملكون سوى حق يتسم بالتحيز والغبن إلى حد بعيد في المطالبة بأوجه الحماية التي تكفلها قوانين الحرية.» (وجدير بالذكر أن شارب كان ممن يؤيدون بالفعل الاستقلال الأمريكي عن الحكم البريطاني.)22
وقد لاقت هذه الحجة صدًى في المستعمرات لسبب بسيط: فكما أشار المبجل مورجان جودوين قبل سنوات، كانت تحدو المزارعين «رغبة» غير عادية في أن «يُحسِن الآخرون الظن بهم». وجاء رد هنري لورون، كبير موردي الرقيق في جنوب كارولينا، في عام ١٧٨٦ في صورة تشبيه للاحتجاجات الإنجليزية ﺑ «شخص ورِع، في ظاهره ورِع، يُحرِّم الزنى في بيته، ويحتفظ بعدد كبير من العشيقات خارجه».23
وكما أشار المؤرخ كريستوفر ليزلي براون في بحثه الوقور «رأس المال الأخلاقي: أسس حركة إلغاء العبودية البريطانية»، كانت القوة الدافعة للحركة واضحة وصريحة؛ فقد كان لا بد للاتهامات البريطانية للأمريكيين بالنفاق أن تسفر بدورها عن اتهامات أمريكية للبريطانيين بالنفاق بشأن الاسترقاق، فإذا كان الأمريكيون ملاك رقيق، فالبريطانيون تجار رقيق. ويقول براون: «عاد الاستهجان البريطاني للاسترقاق في جزر الكاريبي إلى بريطانيا مرة أخرى في صورة تساؤلات حول أشكال الظلم التي تُمارَس يوميًّا في إنجلترا.»24 هكذا كانت بداية الخطاب البريطاني المناهض للاسترقاق بصفته حركة سياسية منظمة.
كانت المقدمة المنطقية المسكوت عنها لكل تلك الحجج جلية. يقول براون: «من شأن طريقة تعامل كل من الأفراد والمجتمعات — بل والأمم كذلك — مع الاسترقاق أن توفر معيارًا منصفًا لتقييم سياستهم. ولا يحق لأحد أن يشن حملة تنادي بالحرية السياسية إلا من نأوا بأنفسهم عن العبودية.»25 ويؤكد جرانفيل شارب على نقطة؛ ألا وهي، أن الاسترقاق وتجارة الرقيق كانتا مصدر «عار لا يُمحى»، ضمن خطايا أخرى ارتكبتها الإمبراطورية. فلقد كانتا «مهمة «قومية» قد تُسفر عن توجيه اتهام بذنب «قومي».26 فكما يذود المرء عن شرفه الشخصي في وجه أشخاص آخرين، يذود المرء عن الشرف القومي في وجه الأمم الأخرى. واستطاع فريدريك دوجلاس، أحد كبار دعاة حركة التحرير من العبودية من الأمريكيين الأفارقة، أن يلج إلى لب الموضوع في خطاب كتبه لهوراس جريلي في عام ١٨٤٥ يشرح فيه السبب وراء شعوره بأهمية شن حملة لصالح حركة تحرير العبيد الأمريكية في بريطانيا، وكان يشن مثل تلك الحملات بالفعل. فكتب يقول إنه «يوجد استرقاق في الولايات المتحدة؛ لأنه يتمتع بسمعة حسنة، ويتمتع الاسترقاق بهذه السمعة الحسنة في الولايات المتحدة لأنه ليس بسيئ السمعة خارج الولايات المتحدة كما يجب أن يكون».27
الشرف البريطاني، وخزي الاستعمار؛ شرف ليفربول ومانشستر؛ شرف الطبقات الوسطى الحاصلة على التمكين حديثًا؛ كلها عوامل ساهمت في تحريك من تجاوزوا الفكرة الأخلاقية الشائعة القائلة بأن الاسترقاق شر، ليؤسِّسوا حركة لإرغام البرلمان على القضاء تمامًا على تجارة الرقيق. وربما كان البرلمان سيقضي بالفعل بإلغاء تجارة الرقيق في وقت سابق لما تم بالفعل لولا تدخل الثورة الفرنسية وما أعقبه من اكتساب الراديكالية اليعقوبية لأهمية كبرى في بريطانيا. إلا أن أي حكومة تساورها مخاوف بشأن الحفاظ على سلطة الطبقات الحاكمة تحذر بالضرورة أي حركات كبرى تسلك منحًى راديكاليًّا.28 وعليه، لم تُجرِّم الحكومة البريطانية تجارة الرقيق البريطانية إلا في عام ١٨٠٧، وكانت بريطانيا حينها تخوض حربًا ضد الدولة الفرنسية حديثة العهد بالإمبريالية تحت حكم نابليون.

شرف ويلبرفورس

عاود الشرف القومي الظهور باعتباره الموضوع الرئيسي للمرحلة الثانية من الحركة البريطانية المناهضة للاسترقاق، عندما بدأ الهجوم المنظم على فكرة الاسترقاق في حد ذاتها، وذلك بعد فترة توقف دامت خمسة عشر عامًا تقريبًا عقب إلغاء تجارة الرقيق. ففي عام ١٨٢٣، استهل ويليام ويلبرفورس كتابه «مناشدة باسم دين مواطني الإمبراطورية البريطانية وعدالتهم وإنسانيتهم بالنيابة عن الرقيق الزنوج في جزر الهند الغربية» بالكلمات التالية:
إلى كل مواطني الإمبراطورية البريطانية، الذين يجلُّون نعمة الرب، أو الذين هم على دراية بمصالح بلادهم أو شرفها؛ إلى كل من يكن أي احترام للعدالة، أو لديه أي مشاعر إنسانية، إليك أوجه خطابي بكل احترام.29

قد تبدو مناشدة ويلبرفورس باسم الشرف البريطاني مجرد إيماءة مجازية، فقد ذكرها مباشرة بعد الواجب تجاه الرب والمصلحة القومية، على الرغم من أن ثلاثتهم يأتون بعد الاعتبارات الأخلاقية للعدالة والإنسانية. بيد أنه بالنسبة لويلبرفورس وأصحابه الإنجيليين (الطائفة التي عُرِفت باسم «قديسي كلابهام»، في إشارة لا تخلو من التهكم)، لم يكن ثمة مجال للشرف بعيدًا عن الدين والأخلاقيات. ففي مثلهم العليا، للخزي سبيل وحيد هو الإخلال بالواجب المسيحي (الذي يتوافق مع الأخلاقيات)، ويكمن الشرف في الوفاء بهذا الواجب.

وإذا ما سلَّمنا بأن «قديسي كلابهام» قد أجمعوا على ضرورة أن يأتي الشرف في مرتبة ثانوية للأخلاقيات، فقد يبدو الأمر وكأنهم تخلوا عن منظومة الشرف بأكملها. إلا أن ويلبرفورس كان يملك الإجابة على السؤال الذي يطرح نفسه بشأن العلاقة التي تجمع ما بين الأخلاقيات والشرف معًا. ففي عام ١٧٩٧، كان ويلبرفورس قد شرع بالفعل في العمل العام الذي كرسه لدفع الفضيلة قدمًا وقمع الرذيلة، فذهب إلى أن الكتاب المقدس يعلِّم المسيحيين الحيطة من «الرغبة في التقدير، والتمييز الإنساني، والشرف». وعلى الرغم من ذلك، عندما «يكون التقدير الدنيوي والشرف … منحة من الرب إلينا لم نطلبها، جزاءً على أعمال خيرة في جوهرها، علينا أن نقبلها كما أرادت العناية الإلهية لها أن تكون … سلوى في الحاضر، ومثوبة على الفضيلة».30
هل هذا مفهوم الشرف نفسه الذي حرَّك السادة النبلاء من الإنجليز؟ حسنًا، لا يمكن لنظرة الآخرين أن تكون «سلوى في الحاضر» و«مثوبة» إلا إذا كانت مصدرًا للمتعة؛ وهذه المتعة التي يرجع مصدرها إلى تقدير الآخرين جزءٌ أساسي من التجربة الذاتية للشرف. ما يخشاه ويلبرفورس هو أن اهتمامنا بنظرة الآخرين لنا من شأنه أن يذكي نيران «المشاعر الفطرية من فخر وأنانية داخلنا». ولكن إذا أدركنا مدى ضآلتنا في عيني الرب، فسيقودنا هذا الإدراك إلى «تواضع غير مصطنع». وحتى عندما يستحق ما نفعله الإعجاب، ينبغي أن نعترف بأن العزة للرب وحده.31 أما عن الطريقة التي بوسعنا أن نجمع بها بين الحصول على السلوى من تقدير الآخرين لنا وبين الإقرار بأن الشرف كله للرب وحده، فهو أمر، في اعتقادي، لم ينل الشرح الكافي.

تمكَّن القديس توما الأكويني، في رؤية كلاسيكية للمسألة، من تقديم طريق مختصر وملائم على نحو رائع عندما قال: «الشرف نتيجة التميز. إلا أن الحكم بتميز أي امرئ يكون فوق أي اعتبار بناءً على الفضيلة … وبالتالي، فإن الشرف بالمعنى الصحيح يشير إلى ما تشير إليه الفضيلة ذاتها.» («الخلاصة اللاهوتية»، ٢أ، ٢أﻫ، ١٤٥، ٢). إلا أنه في عالم الانحلال الأخلاقي، يكتسب الشرف نزعة يُستعصى السيطرة عليها؛ فلن يخضع طويلًا للفضيلة. لهذا السبب عبَّر العديد من الكتاب الدينيين عن قلقهم تجاه الطريقة التي يمكنهم التوافق بها حول هذه المسألة.

وحيثما كان هناك تعارض بين الفضيلة والشرف، كان ويلبرفورس، الذي أفزعه لجوء صديقه ويليام بيت إلى إشهار مسدس المبارزة، يعلم أيهما يختار. بيد أنه من المنطلق المسيحي نفسه، يمكن للشرف الجمعي أن يملك سلطة أخلاقية، حيث إن المعيار الذي يحكم الأمم باسم الشرف هو معيار الاستقامة المسيحية. وحتى لو كان في الانشغال بالشرف الشخصي قدر من مراعاة الذات، فإن ويلبرفورس كان يرى أن الاهتمام بالشرف القومي من شأنه أن يرتقي بنا إلى ما وراء أنفسنا. فحالما ترى الشرف من منظور شرف الرجل الإنجليزي، سيقودك هذا المنظور إلى نزعة وطنية، وبطولة، وتضحية بالذات في سبيل قضية أسمى.

وعليه، استطاع «قديسو كلابهام» أن يشاركوا في إرساء أسس للشرف، وإن كان على هذا النحو المسهب في الناحية الأخلاقية. ارتبط التقدير في كثير من الأحيان في القرن الثامن عشر بهرمية اجتماعية ما، كما رأينا سابقًا؛ إلا أننا نتعلم من ويلبرفورس أنه يمكن لمعيار التقدير أن يكون معيارًا أخلاقيًّا. بل أكثر من ذلك، يمكن لفئة أخلاقية الطابع أن تخلق عالمًا للشرف خاصًّا بها. كان ويلبرفورس وأصحابه الإنجيليون يتحدثون عمن هم أرفع منهم شأنًا من الأرستقراطيين الأكثر تحررًا بعبارات تعكس كيف كان من السهل على التُّقاة من خارج طبقة النبلاء أن يحطوا من قدر أنفسهم أمام من هم من المفترض أن يكونوا أرفع منهم شأنًا. ولا شك أن هذا كان جزءًا مما جال في خاطر إريك ويليامز عندما صادق على رأي نقاد ويلبرفورس؛ ألا وهو، ثمة «شيء من الصلف يحيط بهذا الرجل، وبحياته، وبدينه».32

مناشدات للطبقات الأقل مكانة

من الجدير بالذكر أن الشرف القومي لم يكن وحده على المحك في مسألة مناهضة الاسترقاق في بريطانيا؛ فالواجب المسيحي والأخوة التي تجمع البشر كافة في ظل أبوة رب إبراهيم كلاهما كان أيضًا موضوعًا رئيسيًّا. أول نجاح حقيقي لاقته الحركة كان في عام ١٨٠٧، بنهاية تجارة الرقيق البريطانية نتيجة إلى حد ما لتأكيد ويلبرفورس المستمر على أن دعم بريطانيا للاسترقاق يضعضع من زعمها أنها أمة مسيحية. نجد أن المناشدة نفسها — التي ربما استمدت قوة أكبر مع انتشار الروح الإنجيلية — موجودة في العشرينيات من القرن التاسع عشر، عندما تحول اهتمام الحملة من تجارة الرقيق إلى الاسترقاق الاستعماري في حد ذاته. وقد جاء الخطاب الثالث في سلسلة «خطابات بشأن ضرورة القضاء العاجل على الاسترقاق الاستعماري البريطاني: موجهة في الأساس إلى الطبقات الأقوى تأثيرًا» في عام ١٨٢٦ ليؤكد على أنه من الواجب المسيحي الامتناع عن استخدام منتجات الرقيق (في تكرار للحجة التي دفعت بمئات الآلاف إلى مقاطعة منتج السكر في أولى جولات المعارضة لتجارة الرقيق في أوائل التسعينيات من القرن الثامن عشر) قائلًا: «حتى ننال العفو من جريمة تشجيع الاسترقاق والمساهمة في استمراره، وحتى نكفر عن إهمالنا في الماضي، ينبغي ألا نمتنع عن استهلاك منتجات الرقيق كافة فحسب، بل وأن نصمم بكل ما أوتينا من قوة على أن نقنع الآخرين باتخاذ القرار نفسه.»33 يستأنف كاتب الخطابات مجهول الهوية سرد حججه، التي قد تبدو مألوفة إلى حد ما لمن يتذكر النقاشات التي دارت حول العقوبات المفروضة على جنوب أفريقيا، فيقول إن مقاطعة السكر الذي تنتجه الهند الغربية من شأنه أن يساعد بحق في وضع حد للاسترقاق، لا أن يؤدي إلى إفقار المزارعين، وبالتالي إلى معاملة الرقيق بوحشية أكبر.
أما في الخطاب الخامس الموجه إلى «الطبقات الأقوى تأثيرًا»، فيتقدم الكاتب بما يشبه الاستراتيجية الجديدة. عنوان الخطاب هو «حول أهمية الجمعيات بغرض الحصول على تعاون الطبقات الأقل مكانة». يصف الخطاب نتائج استطلاع رأي للعاملين في مدينة صناعية وللقاطنين في أكواخ ريفية فقيرة، فيقول: «لقد دافع عن قضية العتق أمام مجلس الشيوخ كل من الحكماء والمفوهين والنبلاء. والآن يدافع عنها النساء والأطفال في الورش والأكواخ». ويستطرد الكاتب قائلًا إن بوادر حملة قومية، من واقع الخبرة حتى اللحظة الراهنة، مبشرة بالخير إلى حد بعيد، ويقول: «جاءت نتيجة الزيارات الشخصية لأبناء الطبقات الفقيرة والعمالية خصوصًا لتقول إن تسعًا من كل عشر أسر تبنت بكل سرور قرار الامتناع الكامل عن استهلاك السكر الذي تنتجه الهند الغربية.» وفي رسالة لاحقة، أكد الكاتب، باستخدامه حروفًا بارزة، على أنه «لا يستطيع الاسترقاق أن يستمر لعام آخر إذا عبَّرت الطبقة المتوسطة ولو لمرة واحدة عن قرارها الحاسم المناهض له». إلا أنه، في هذا الصدد، يشير إلى حقيقة وجود العديد والعديد من أبناء الطبقات العليا والمتوسطة الذين هم على دراية بأهوال الاسترقاق، ولكنهم في الوقت نفسه لا يقدمون على فعل شيء. ويضيف الكاتب أنه في المقابل «لا يعد نشر المعلومات حول الموضوع قيد البحث بين أبناء الطبقات الأقل مكانة جهدًا ضائعًا، كما هو الحال مع الغالبية العظمى ممن هم أرفع منهم مقامًا في المعرفة والمنزلة الاجتماعية».34

تلك حجج عالِمٍ بفن الجدل والمناظرة. يعجز هذا الحديث عن عمال تحدوهم مشاعر الحماسة والتعاطف عن إعطاء صورة كاملة، إلا أنه يبدو في الحقيقة أن ثمة قدرًا كبيرًا من الفعالية المناهضة للاسترقاق تسري بين الإنجليز سواءٌ كانوا رجالًا أو نساءً من أبناء «الطبقات الأقل مكانة» في تلك الحقبة بين نهاية تجارة الرقيق وإلغاء الاسترقاق الاستعماري بعد ذلك بربع قرن؛ والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا؟

طبقة عاملة جديدة

يمكننا البدء باسترجاع عدة عناصر ذكرها المؤرخ البريطاني العظيم إي بي طومسون في القصة التي رواها في كتابه «نشأة الطبقة العاملة الإنجليزية». في جو من المنافسة المحتدمة بين الطبقات الأرستقراطية والمتوسطة والفقيرة، نشبت خلافات حول حق الاقتراع، الذي كان من الملابسات الأساسية المحيطة بالمبارزة التي دارت بين ويلينجتون ووينتشيلسي. كانت قوانين التكتلات لعامي ١٧٩٩ و١٨٠٠ نتيجة، كرد الفعل، لبدايات حركة اتحاد نقابات العمال، التي كانت بوحي من الحركة اليعقوبية في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر. كان الهدف من تلك القوانين حظر مثل تلك النقابات، وكان أثرها دفع المزيد من منظمات الطبقتين المتوسطة والعمالية راديكالية الطابع إلى العمل سرًّا. وعندما أُلغيت قوانين التكتلات في عام ١٨٢٤، نظمت النقابات الشرعية الجديدة من فورها إضرابات كانت بمنزلة ناقوس الخطر للمحافظين في حكومة اللورد ليفربول ولأصدقائهم في مجال الأعمال التجارية. ومن ثم، استهل الربع الثاني من القرن التاسع عشر بتمرير قانون تكتلات جديد في عام ١٨٢٥.

وفي مطلع التسعينيات من القرن الثامن عشر، انضم الحرفيون والعمال إلى مجموعة صغيرة من الراديكاليين بغرض تكوين ما أسموه «جمعيات المراسلة» في مدن إنجلترا وبلداتها. وقد جاءت تلك الجمعيات على طراز «لجان مراسلات الثورة الأمريكية»، التي كانت تسجل قرارات المجموعات المختلفة وتوزعها على من يشاركونهم الرأي، فكانت تلعب دورًا رئيسيًّا في التعبير عن الحاجة إلى تحول سياسي. استهل الحرفيون والعمال نشاطهم بجمعية «مراسلات لندن» في عام ١٧٩٢، فوضعوا على رأس أولوياتهم إصلاح البرلمان وتوسيع دائرة حق الاقتراع؛ فكانوا من أوائل ضحايا قوانين التكتلات السابقة. وفي خضم القلاقل التي تمخَّضت عن قانون الإصلاح الكبير لعام ١٨٣٢، تمكَّن خلفاؤهم من جمع حشود ضخمة في حملة لصالح التغيير.

وفي عام ١٨٣٠، حشد اتحاد بيرمينجهام السياسي ١٥ ألفًا من الحضور في اجتماعه التأسيسي؛ وبحلول عام ١٨٣٢، ومع أسبوع أحداث الشغب التي دارت في الفترة ما بين ٩ و١٥ مايو الذي كانت إنجلترا فيه على شفا الثورة، كانت المنظمات المؤيدة للإصلاح قد تمكَّنت من جذب حشود ناهزت المائتي ألف. ساهمت مثل تلك الاجتماعات في زيادة الضغوط التي أفضت إلى أولى هذه الإصلاحات البرلمانية، واعتاد البرلمان على تلك الفكرة الجديدة أنه في وسعه أن يستجيب لقرارات الأمة، وليس توجيهها. ولم تكن هذه السابقة من الحكمة في شيء في رأي المحافظين. فقد كتب دزرائيلي لاحقًا عن حركة الإلغاء ككل يقول: «كان ينبغي على الأرستقراطية المثقفة التي نصَّبت نفسها على رأس حركة لم تبدأها في الأصل أن تتولى عملية التوجيه للأخطاء الشريفة التي وقع فيها مجتمع حسن النية وإن كان ضيق الأفق، لا التصديق عليها.» وقد كان المجتمع حسن النية الذي يرمي إليه هو «الطبقات المتوسطة».35

إلا أن قانون الإصلاح الكبير، الذي حظي بموافقة ملكية في يونيو عام ١٨٣٢، جاء مخيبًا للآمال لمن كانوا يأملون في منح الطبقات العمالية حق الاقتراع؛ فالواقع أنه بما أن شروط المِلكية الجديدة كانت تستثني أي شخص يملك أرضًا تقل قيمتها عن عشرة جنيهات أو يستأجرها، فإن القانون — من وجهة النظر هذه — لم يعكس أي إصلاح على الإطلاق. وقد عرَّف قانون الإصلاح الكبير هوية الطبقة العاملة بأنها الطبقة التي لم يصل الإصلاح لأصحابها، وقد جاء التعريف كرد فعل في جزء منه. وفي السنوات التالية زادت مشاعر السخط، ونظَّم عمال إنجلترا ومؤيدوهم صفوفهم في صورة مجموعات مثل «النادي العالمي للحق في الاقتراع»، الذي أُنشئ «في إطار الاجتماع العام للجنة المركزية للاتحادات الراديكالية المتروبوليتانية، والذي عُقد في مكتب ترو صن، يوم الجمعة الموافق العاشر من يونيو عام ١٨٣٦، بغرض تأسيس نادٍ للرجل العامل».

كان الغرض من تأسيس النادي يوحي بأن الشعور بالفخر الحقيقي بالانتماء للطبقة العمالية ما زال في طور النشوء؛ ولكنه كان يعكس في الوقت نفسه أنه من الممكن أن تخاطب الرجل العامل وتناشده بهذه الطريقة، وعن طريق مناشدة المصالح المشتركة التي تجمع العمال:
الأهداف: السمو بالصفات الأخلاقية، والفكرية، والسياسية للطبقات العمالية؛ وتوفير فرص أكبر لتطوير العلاقات الودية فيما بين هذه الطبقات وبعضها البعض؛ وعقد ميثاق أكثر متانة فيما بين الطبقات العمالية وبين رجال يتمتعون بالعلم والنزاهة السياسية والأخلاقية يرغبون في مناصرة قضية مشتركة تجمعهم بإخوانٍ لهم أقل ثراءً بغرض جعل السعادة في متناول الجميع؛ والتقليل من الحدة التي تظهرها الطبقات الأرستقراطية والمتوسطة في التعامل مع الفئة العمالية تمهيدًا لوضع حد نهائي لهذه الحدة؛ وإثبات قدرة الطبقات العمالية على إدارة شئونها الخاصة أمام كافة أعدائها … وأخيرًا، ترسيخ مبدأ المساواة الكاملة في تشريع القوانين وتطبيقها، بوصفها الضمانة الوحيدة لتأمين إعطاء الثواب العادل للصناعة وللجدارة الحقيقية، ولتحقيق السلام والوفرة والأمن العالمي والسعادة.36

لم يدُم «النادي العالمي للحق في الاقتراع» طويلًا، ربما لأن أمين صندوقه كان الأيرلندي الراديكالي غريب الأطوار فيرجس أوكونر، الذي لم يكن ينتمي للطبقة العمالية بل كان بروتستانتيًّا من ملاك الأراضي في مقاطعة كورك، وكان قد خسر مقعده في البرلمان عام ١٨٣٥ لعدم الوفاء بشروط الملكية اللازمة لعضوية البرلمان. وفي وقت لاحق من ذلك العام، انضم أوكونر إلى «جمعية لندن للرجال العاملين»، التي كان قائدها، ويليام لوفيت، أحد العمال الستة الذين انضموا إلى أعضاء البرلمان الستة الذين أصدروا ميثاق الشعب في عام ١٨٣٨. تمثل المبادئ الستة لميثاقهم، وهي العناصر التي صارت تعرف باسم «الميثاقية»، المبادئ الأساسية في رسم ملامح الصراعات السياسية حول الإصلاح القومي على مدار العقد التالي، ثم انهارت الحركة الميثاقية، التي كان يرأسها وقتئذٍ أوكونر الذي صار عقله أكثر اضطرابًا (حيث أُودع في عام ١٨٥٢ في مصحة للأمراض العقلية على إثر مشاجرة في مجلس العموم)، ذلك بعد اجتماع عام وضخم كان الأخير للحركة، ضم عشرات الآلاف من المؤيدين في كينيجتون عام ١٨٤٨. وعلى الرغم من تأجج روح الثورة في أرجاء أوروبا في ربيع ذلك العام وصيفه، ظلت إنجلترا هادئة.

ركزت الغالبية العظمى من الأعمال القديمة التي أرَّخت لهذه الفترة على العداء بين مناصري الطبقة العاملة ومؤيدي تحرير العبيد؛ وهو صراع لخَّصته كتابات ويليام كوبيت، الذي سوف أتناوله بعد قليل. إلا أنه لم يكن من الصعب أن نجد مؤيدين نشطاء لحركة التحرير من العبودية بين صفوف أعضاء تلك الجمعيات العمالية.37 يقول طومسون إنه بحلول زمان الحركة الميثاقية، كان وعي الطبقة العاملة قد تشكَّل. فكتب يقول في نهاية كتابه العظيم «نشأة الطبقة العاملة الإنجليزية»: «انتقالك من عام ١٨٣٢ إلى عام ١٨٣٣ معناه عبورك إلى عالم للطبقة العمالية فيه حضور يمكن أن تستشعره في كل مقاطعة في إنجلترا، بل وفي معظم مجالات الحياة.» ويستطرد قائلًا:
يجوز أن يُنظر إلى الوعي الطبقي الجديد للفئة العمالية من زاويتين؛ فمن ناحية، كان ثمة وعي بوحدة المصالح التي تجمع بين العاملين في أكثر المهن تنوُّعًا ومن مختلف مستويات التحصيل، التي عبرت عنها الحركة النقابية العامة فيما بين عامي ١٨٣٠ و١٨٣٤ على نطاق غير مسبوق … ومن ناحية أخرى، كان ثمة وعي بوحدة تلك المصالح الخاصة بالطبقة العاملة، أو «الطبقة المنتجة»، في مقابل مصالح غيرها من الطبقات …38
وسواءٌ أنشأ العاملون طبقة مفردة أم لا، وأيًّا كان المغزى من وراء هذه الطبقة، الغالب أن هؤلاء العاملين كانوا يعانون من رُهاب الغرباء، ولم يكونوا ليتوانوا عن المجاهرة بعنصريتهم تجاه السود، مثلهم مثل أفراد الطبقات الإنجليزية المتوسطة والعليا. ولكن هذا لم يمنع وجود العديد ممن كانوا يعارضون الاسترقاق فيما بينهم. وفي رأيي، ترجع معارضتهم للاسترقاق إلى سبب غاية في البساطة؛ ألا وهو، أنه ليس ثمة ما يعبر عن فكرة أن العمل أمر مشين أكثر من استرقاق الزنوج في المزارع في العالم الجديد، وقد كان العمل السمة الأساسية المميزة للطبقة العمالية. لقد ربط الاسترقاق بين اغتراب الرقيق عن أصولهم والخزي المُلحَق بهم وبين العمل الذي يقومون به في مزراع الرق ومصانعه في العالم الجديد.39 فكان للاسترقاق معنى لا لبس فيه، وهو أن الأعمال اليدوية تعادل المعاناة والخزي؛ وبالتالي جاز استخدام الاسترقاق في الحديث عن معاناة من لم يقعوا فعليًّا تحت طائلته.
كانت جريدة «ويكلي بوليتيكال ريجستر»، التي ظل ويليام كوبيت يكتب بها على مدار العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر، على قائمة القراءات الضرورية للردايكاليين من جميع الطبقات، وللحرفيين المتعلمين أبطال القصة التي يدور حولها كتاب طومسون «نشأة الطبقة العاملة الإنجليزية»؛ كما كانت من ضمن القراءات الضروري روايتها على أسماع العديدين من الإخوان الأقل حظًّا في التعليم الذين كانوا يطالبون بقراءتها بصوت عالٍ في الجمعيات العمالية. كان كوبيت قد فرَّ في عام ١٨١٧ إلى أمريكا لمدة عامين (خشية سجنه بتهمة التحريض)، وكان قد أمضى في السجن وقتًا أقل من تلك المدة بقليل في وقت سابق في شبابه؛ وكان دائم المقارنة بين وضع فقراء الريف في إنجلترا، السيئ في نظره في أغلب الأحيان، ووضع الرقيق الزنوج في الأمريكتين. سأختار مثالًا من بين عشرات الأمثلة التي ضربها كوبيت؛ في قرية هامبشير في بوركلي في صباح يوم الإثنين الموافق السادس من نوفمبر عام ١٨٢٥، وقد منحته الأمطار «الوقت لأن يتأمل الصحف»، قادته قصة عن المشاكل التي يعاني منها تجار القطن في نيويورك إلى الملاحظة التالية: «إن الرقيق الذين يزرعون القطن ويجمعونه يتغذون على نحو جيد. إنهم لا يعانون. إن من يعاني هم أولئك الذين يغزلونه وينسجونه ويصبغونه …»40 و«هؤلاء» كانوا في إنجلترا.
كثيرًا ما جادل كوبيت بأنه نادرًا ما يلاحظ النخبة من مؤيدي إلغاء العبودية معاناة العاملين في الزراعة من البِيض في وطنهم في الوقت الذي يتشدقون فيه بالكلام عن معاناة الزنوج خارج البلاد؛ وكثيرًا ما كان يلجأ إلى استخدام لغة عنصرية في الحديث عن الرقيق السود. وعشية إلغاء تجارة الرقيق، «انفجر في مجلة «إدنبرة ريفيو» منددًا بالليبراليين بسبب مناصرتهم لإلغاء تجارة الرقيق» عام ١٨٠٥، مذكرًا إياهم بوقائع «السجن والضرب والجلد والتعذيب والشنق وجرائم القتل المقننة زيفًا، التي يتعرض لها الرقيق البيض في أجزاء معينة من أوروبا»؛41 وفي عام ١٨٠٦، قطع وعدًا بقوله: «ما داموا يثيرون هذه المسألة، بكل ما فيها من نفاق، لإغاثة ٥٠٠ ألف من السود، فسأذكرهم في كل مرة بالمليون والمائتي ألف فقير في إنجلترا وويلز.»42 وقد جاء رده على شن ويلبرفورس حملته من جديد، التي بدأت بالمنشور الذي ذكرته آنفًا والصادر عام ١٨٢٣، في صورة مخاطبة قائد عملية العتق مباشرة:

ويلبرفورس

أجد اسمك أمام ناظري في منشورٍ مُراءٍ … وفي الوقت الحالي، سأكتفي بالإشارة إليه … لأسألك: أي لياقة، وأي منطق، وأي إخلاص في وسع المرء أن يجده في طرحك لهذا الشيء، في الوضع الراهن لهذا البلد؟43

ربما كان حديث كوبيت مرارًا وتكرارًا عن فكرة أن فقراء الإنجليز هم الرقيق الحقيقيون وهم أصحاب المعاناة الحقيقية، لغرض الوقيعة بين مصالح الرقيق ومصالح الطبقات العمالية الإنجليزية؛ إلا أن أثره كان لفت الانتباه إلى القمع الذي يجمع بين الفئتين. وفي نهاية المطاف، عندما انتُخِب كوبيت عضوًا في البرلمان بعد الإصلاحات في عام ١٨٣٢، شن حملته بصفته من مؤيدي إلغاء العبودية هو الآخر، وفاز بمقعد أولدهام أمام منافسه أحد أصحاب المزارع في الهند الغربية.

الديمقراطية والشرف

تتفق مسيرة كوبيت المهنية باعتباره صحفيًّا راديكاليًّا مع نقطة كنت قد أشرت إليها في موقع سابق، فيما يتعلق بالمبارزة، حول دور الصحف في تشكيل ردود أفعال الطبقة العاملة تجاه سلوكيات الطبقة الأرستقراطية. فقد لفتت الصحافة الأنظار إلى مشاعر الاحتقار تجاه أشخاص عاديين تُفهم ضمنيًّا من عملية إقصائهم لا من المبارزة فحسب، بل ومن غيرها من الامتيازات المقصورة على السادة النبلاء، وفي ذلك تعريضٌ لميثاق الشرف الخاص بالسادة النبلاء لهجوم تشنه الديمقراطية. ومن اللافت للنظر أن مواثيق الشرف لم تمنح المرأة سوى دور من الدرجة الثانية على أحسن تقدير؛ فقد حابت الأقوياء في حين لم تلتفت إلا التفاتًا طفيفًا إلى فضائل العاديين من الرجال والنساء. وفي عصر كان أكثر ديمقراطية انبثق مع نشأة الطبقة العاملة الإنجليزية، ما كان من بُدٍّ من تساؤل الناس حول ما إذا كان في وسع الشرف أن يكون متسقًا مع ذلك الاكتشاف الحديث والعظيم؛ ألا وهو، المساواة الأساسية بين البشر كافة في نظر الأخلاقيات.

تقدم عدد من الفلاسفة مؤخرًا بطرح مفاده أنه من الأفضل دومًا في المناقشات التي تدور حول المساواة أن تسأل أولًا: «المساواة في ماذا؟» وتحظى هذه الرؤية باستحسان هائل باعتبارها اقتراحًا فلسفيًّا، إلا أنني أعتقد أنها ليست نقطة انطلاق سليمة تاريخيًّا. فعندما صارت المساواة، مع الحرية والإخاء، أحد الشعارات الثلاثة العظيمة للثورة الفرنسية، لم يكن هذا بسبب وضوح رؤية الناس حول ما يرجونه من وراء هذه المساواة. ما كانوا يعلمونه علم اليقين هو ما «يناهضونه»؛ ألا وهو، معاملة الناس معاملة سيئة لمجرد أنهم لم يُولَدوا نبلاء، والنظر إلى الشخص العادي نظرة كلها تعالٍ. فالمساواة بمفهومها المثالي في العصور الحديثة تبدأ باختصار بفكرة وجود أشياء محددة «ليست» بالمبدأ السليم الذي تقوم عليه معاملة الأشخاص على نحو يتنافى مع المساواة، ثم لا تلبث أن تنتقل تدريجيًّا إلى فكرة تحديد الأشياء التي تعبر «بالفعل» عن ذلك المبدأ السليم. ومن ثم، صار التمييز في حاجة إلى تبرير؛ التمييز بمعنى التفريق في طريقة التعامل مع الناس على أساس هويتهم الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، في أعقاب الثورتين الفرنسية والأمريكية، بدأ الناس في الاعتراض على الفكرة التي تقضي بأن المكانة الاجتماعية عند الميلاد أساس سليم للتمييز؛ وعلى مدار القرن المنصرم، صار يُنظَر على نحو متزايد إلى كلٍّ من العرق والنوع على أنهما أساس غير مبرَّر للتمييز كذلك.

ومع ظهور مثل هذه الأفكار حول ما لا يصلح لأن يكون أساسًا مناسبًا للتمييز، ظهرت أفكار حول ما يصلح لأن يكون كذلك. ومن ضمن هذه الأفكار فكرة الجدارة، حيث ينبغي أن تستند فرص التوظيف على أساس الموهبة، لا على أساس المكانة أو العلاقات. بيد أن التوظيف، على أهميته الواضحة، لم يكن سوى أحد السياقات التي كانت تُطرح في إطارها قضية المساواة. فالمساواة تمس مجالات أخرى في حياتنا العامة، وفي الهيئات الحكومية، وفي المحاكم والأجهزة البيروقراطية الإدارية، وفي المناقشات العامة.

أما فيما يتعلق بما تتطلبه المساواة على نحو لا يقبل الجدل، فربما نحتاج إلى أن نتدبر فكرة بدأت هي الأخرى في قلب ثورات ديمقراطية، إلا أنه صار لها أهمية عالمية مع «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الصادر في عام ١٩٤٨. ولهذه الفكرة أهمية كبيرة في تحديد كيف ينبغي أن نرى الشرف في عصرنا الحالي. إنه ما نطلق عليه اسم «الكرامة».

يبدأ الإعلان العالمي — في الجملة الأولى من ديباجته — بالتأكيد على أن «الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة» هو «أساس الحرية والعدل والسلام في العالم».44 ربما تبدو فكرة الكرامة المتأصلة لكل فرد قبل قيام الثورات الديمقراطية فكرة سخيفة لغالبية المفكرين. ففي نسخة من قاموس الدكتور جونسون، الذي طُبع في ذات وقت مبارزة ويلينجتون تقريبًا، تجد تعريف «الكرامة» بأنها «السمو في المرتبة؛ العظمة في المظهر؛ السمو في الهيئة …»45 يستحيل أن تكون أي سمة من هذه السمات متأصلة في أي شخص كان، مع الأخذ في الاعتبار أنها أشياء يحظى بها البعض لأن البعض الآخر لا يتمتع بها؛ فلا سبيل للحصول على «السمو في المرتبة» إلا إذا كان مَن حولك أدنى منك في المرتبة. وكما قال إدموند بيرك في عام ١٧٩٠، ردًّا على «زخارف خطابية» لسياسي فرنسي ثوري زعم أن «كل المهن مشرِّفة»:
عندما نؤكد على كون شيء ما مشرِّفًا، فنحن نعني ضمنًا أن هذا الشيء يتمتع ببعض سمات التميز لصالحه. إن مهنة مثل مهنة حلاق النساء، أو صانع الشمع من شحوم الحيوانات يستحيل أن تربطها أي علاقة بمسألة الشرف، ناهيك عن عدد من المهن الحقيرة الأخرى.46
لستَ في حاجة إلى أن تعلم ما يفعله صانع الشمع من شحوم الحيوانات حتى تفهم الفكر العام وراء كلامه. إن المغزى من كلام بيرك هو نفسه ما أشار إليه توماس هوبز قبل سنوات عديدة بإيجاز عندما قال: «إن الرجال في تنافس مستمر لنيل الشرف والكرامة.»47 فالكرامة، بالنسبة للمفكرين أمثال هوبز وبيرك، شيء هرمي الطابع على نحو جوهري، مثلها في ذلك مثل الشرف.

ولذلك، فإن الصورة التي عليها الكرامة اليوم، في هذه العصور الأكثر ديمقراطية من سابقتها، مختلفة عما كانت عليه في الماضي، فهذه الصلة الوطيدة بين الشرف والكرامة، التي تتضح في جمع هوبز بينهما، تشير إلى نقطة يمكن التوقف عندها للتفكير حول ما حلَّ بالكرامة، وبخاصة الصلة التي تربط بين الكرامة والاحترام.

تكمن إحدى سبل فهم ما طرأ على كلمة «الكرامة» في أنها صارت تشير إلى حق يُحترم يتمتع به المرء بفضل إنسانيته، وسأسرد بعض الحقائق البشرية التي نوليها أهمية في إقرارٍ منا بالكرامة الإنسانية: الإنسان لديه القدرة على خلق حياة لها قيمة؛ نحن نستطيع أن نعاني ونحب ونبتكر؛ نحن نحتاج إلى الغذاء والمأوى وإقرار الآخرين بنا. وهذه الحقائق، التي يمكن أن نطلق عليها «أسس» الكرامة، من شأنها أن تكفل التعامل مع الناس بطريقة تحترم مثل هذه الاحتياجات والقدرات الإنسانية الأساسية.48 يعيد هذا إلى الأذهان تمييز ستيفان داروال بين الاحترام الإقراري والاحترام التقديري. كنا نناقش في أغلب الوقت أشكال الاحترام التي تنبثق من التقييم الإيجابي، أو ما أطلقنا عليه اسم «التقدير». وقد صارت الكرامة، بمفهومها الحديث، حقًّا في الاحترام الإقراري، الذي نولي بمقتضاه بكل بساطة أهمية لهذه الحقائق الأساسية بشأن البشر.

يذهب البعض إلى أنه لا يجوز إطلاق كلمة «الشرف» إلا على الأشكال الهرمية للحق في الاحترام. ثمة سبب وراء هذا الاعتقاد، بعيدًا عن إصرار مدافع مخلص مثل إدموند بيرك عن الهرمية الاجتماعية؛ ألا وهو، أن العديد من أشكال الشرف الأكثر لفتًا للنظر بداية من «الإلياذة» وانتهاءً بالميثاق الأخلاقي البشتوني، أو «بشتون والي»، هي هرمية في جوهرها؛ فالمسألة ليست مسألة اشتراطات مصطلحية فحسب؛ فأنا أعتقد أن في التدبر في المواثيق التي تمنح حق الاحترام من حيث كونها هرمية أو غير هرمية نفعًا كبيرًا. وهذا الكتاب الحجة التي تؤيد هذه الرؤية.

وبالتالي فإن ما يجعل ثقافتنا الحالية ديمقراطية الطابع هو أننا في زمننا الحاضر نفترض مسبقًا أن البشر كافة أيًّا كانوا يتمتعون بالحق في الاحترام، دون اقتصار هذا الحق على أصحاب المكانة الرفيعة. ولكن أن نمنح الجميع احترامًا إقراريًّا لا يتعارض على الإطلاق مع منحنا احترامًا تقديريًّا أكبر للبعض دون غيرهم؛ لأنها كلها أشكال مختلفة للاحترام. من الآن فصاعدًا، لن أستخدم كلمة «كرامة» إلا لوصف نوع واحد من أنواع الشرف، وهو الحق في الاحترام الإقراري. ونستطيع أن نقول إن اختصاص البعض بالاحترام لا يتعارض والإقرار بكرامة الجميع دون تمييز. فتلك الكرامة لا تتطلب أشكال التقييم النسبية التي نجدها في أشكال الشرف الأخرى الأكثر تنافسية. إنها ليست بالشيء الذي «تجنيه»، والاستجابة الملائمة لكرامتك ليست فخرًا بقدر ما هي احترام للذات. فعلى كلٍّ، إذا كانت إنسانيتك تخوِّل لك حق الاحترام، فمن الأولى أن تخوِّل لك حق نيل الاحترام حتى من نفسك!

ثمة اختلافات مهمة بين الكرامة — بمفهومها هذا — وأشكال الشرف الأخرى، إلا أن شيئًا في غاية الأهمية يجمعها؛ إذا عجزت عن التصرف بطريقة تتفق مع كرامتك، فإن الناس ومعهم كل الحق سيكفون عن احترامك. فأنت لست في حاجة إلى أن تكسب كرامتك الإنسانية، فلست مضطرًّا إلى الإقدام على عمل استثنائي لتحصل عليها. ولكنك إذا فشلت في أن تفي بالتوقعات والمتطلبات الخاصة بإنسانيتك، فإنك قد تفقدها. ومن هذا المنطلق، تعد الكرامة مثلها مثل الشرف الملكي للأمير هال، الذي لم يبذل الأمير أي جهد للحصول عليه ما عدا التباهي، إلا أنه كان معرَّضًا لفقدانه إذا عجز عن الالتزام بالمعايير التي تخوله إياه. وكما هو الحال مع الشرف، إذا فقدت كرامتك، فإن ما ينبغي أن تشعر به هو الخزي.

كون هذا النوع من الشرف النسبي بعيدًا تمام البعد عن الكرامة من حيث المفهوم لا يعني بالضرورة أنه يمثل تهديدًا للكرامة. أما إذا كنت قلقًا بشأن ما إذا كانت ثقافة التقدير من شأنها ألا تترك مساحة للاحترام لمن لم يحققوا أي إنجاز استثنائي، فإن مفهوم «الكرامة» يمنحك جوابًا حديثًا. إن ما يترتب على الالتزام بالكرامة الإنسانية، في رأيي، هو أننا ينبغي أن نتجنب خلق عوالم للشرف ومواثيق للشرف تمنح مكانة عالية للناجحين بطريقة توحي بعدم احترام بقية الناس.

وفي مجتمع أنكر على العاملين حقهم في الاحترام، كانت المطالبة بالكرامة لهم اقتراحًا راديكاليًّا. ومع تطور الحجج التي تنادي بالمساواة في الكرامة للطبقات العمالية، بدأت المرأة هي الأخرى في إيجاد الحجة التي تضمن لها احترامًا أكبر في الحياة العامة والتنظيم له. وفي كل حركة من هذه الحركات، سواءٌ الخاصة بالمساواة السياسية للعاملين أو المساواة السياسية للنساء كافة، لم يكن الهدف هو الشرف النسبي الذي يقوم على أساس الإنجازات الخاصة، بل كان الهدف الكرامة التي تقوم على أساس أنه يحق للمرأة وللعامل أن يشاركا السادة النبلاء فيها. وحتى يتسنى لهما ذلك، شارك كل من العمال والمرأة في حملات عامة، منظمة وجلية للغاية.

كرامة العامل

عند الإشارة إلى مدى قدرة مؤيدي تحرير العبيد، لا بد أن نتذكر ما قاموا به من حشد واستنفار استثنائي. كانت إلغاء العبودية إلى حد بعيد من موضوعات الالتماسات الأكثر طرحًا على الإطلاق أمام الحكومة في نصف قرن من الزمان، بداية من أولى زخات الهجوم على تجارة الرقيق وانتهاءً بصدور مشروع قانون إلغاء تجارة الرقيق. ويقول سيمور دريشر في هذا الصدد إنه في عام ١٨٢٩، كانت نسبة مقدمي الالتماسات من بين الإنجليز المناهضين لتحرير الكاثوليكيين خمسة ملتمسين مقابل واحد؛ في حين أنه في عام ١٨٣٣، وصلت نسبة الموقعين لصالح الإلغاء الفوري لتجارة الرقيق خمسة وسبعين توقيعًا مقابل توقيع واحد.49 وربما كانت أكثر الأرقام إثارة للعجب عند تأملها هو ما أشار إليه دريشر من أن نسبة الرجال البريطانيين الذين تجاوز عمرهم خمسة عشر عامًا، والذين وقعوا على الالتماسات المناهضة للاسترقاق عام ١٨٣٣ تتعدى على الأرجح العشرين بالمائة. وإذا أردت أن تحصد النسبة نفسها من توقيعات تلك الفئة من الذكور في الولايات المتحدة في عام ٢٠١٠، فإن هذا يعني أن عليك أن تنجح في إقناع ما يزيد على ثلاثة وعشرين مليون شخص، مع الامتناع عن استخدام خدمات الإنترنت!
كانت الجولات المستمرة من المحاضرات والاجتماعات التي ينظمها مؤيدو إلغاء العبودية في المدن والقرى جزءًا أساسيًّا من الإثارة التي كانت تميز الحملات المناهضة للاسترقاق. وقد وصف المؤرخ البريطاني جيمس والفين الاجتماعات التي لا تُعد ولا تُحصى التي عُقدت بالجزر البريطانية، وكيف أنها كانت تكتظ بالحضور مع وصول الحملة المؤيِّدة لمشروع قانون إلغاء تجارة الرقيق إلى أَوْجها.

في مايو من عام ١٨٣٠، نجح الاجتماع العام لجمعية مناهضة الاسترقاق في اجتذاب ٢٠٠٠ شخص مع عدم قدرة ١٥٠٠ شخص آخرين على الدخول. تكررت الصورة نفسها مع كل اجتماع تعقده جمعيات مناهضة الاسترقاق في مناطق بعيدة بُعد كورك. ويقال إن قاعة «كالرد كلوث» المحلية في ليدز قد ملأها ٦٠٠٠ شخص. ومع عقد اجتماع مشابه في مطلع عام ١٨٣١ الجديد في إدنبرة، كتبت صحيفة «ذا سكوتسمان» تقول: إنه «أحد أكبر الاجتماعات التي عُقدت في هذه المدينة الفكرية على الإطلاق وأكثرها جدارة بالاحترام».

كما كانت القاعات تعجُّ بالحضور في المدن الصغيرة ذات الأسماء الإنجليزية الرنانة من أمثال وبيرن، ونيوبورت باجنل، وبولدوك، وهتشين.50 وقد ذكرت «لجنة الوكالة»، وهي اللجنة المسئولة عن إدارة الحملة، في تقريرها لعام ١٨٣١ أنها عينت خمسة محاضرين «لتمهيد السبيل أمام تعبيرٍ أشمل عن الشعور العام، عندما يحين الوقت المناسب لذلك، عن طريق نشر واسع النطاق لمعرفة دقيقة حول طبيعة الاسترقاق الاستعماري وآثاره».51 لم تكن هذه المعرفة التي اضطلعوا بنشرها دقيقة فحسب، بل كانت مكثفة كذلك؛ حيث كانت الاجتماعات تمتد لقرابة الست أو السبع ساعات، وعلى الرغم من أن الشخصيات المحلية البارزة كانت تعبر عن رأيها في هذه الاجتماعات، فإن الناطق بلسان الوكالة كان يستغرق في حديثه ثلاثة أضعاف الوقت الذي يستغرقه أحد كبار الشخصيات.

ويعود الفضل إلى هذه الحملات في إشعال حماسة البريطانيين ليتمكنوا من حشد مليون ونصف المليون من التوقيعات في الدورة البرلمانية الأخيرة التي سبقت إلغاء العبودية في عام ١٨٣٣، ولا يمكن الحصول على مثل هذه الأعداد دون مناشدة كافة طبقات الشعب، فدائمًا ما كانت تتوافر حجة ما محورها الشرف كفيلة بأن تدفع بالإنجليزي والإنجليزية، من أي طبقة اجتماعية كانت، إلى طاولة الالتماس للتوقيع. كان الجميع على أتم الاستعداد لأن يدلوا بشهادتهم أمام الجيران وأمام القادة البرلمانيين بأن الإنجليز الأحرار قد اجتمعوا على قلب رجل واحد في مقتهم للاسترقاق، وبذلك يستطيعون المطالبة بنصيبهم في شرف أمتهم. فقد استطاع العمال، بمشاركتهم في هذه الشعائر الجماهيرية العظيمة التي شهدتها ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أن يطالبوا بحقهم في الاحترام «بصفتهم» عمالًا، وهي الطريقة نفسها التي اتبعها صناع ميدلاندز والمنطقة الشمالية للمطالبة بحق مدنهم (وطبقتهم) في الاحترام من خلال المشاركة في الحركة المناهضة لتجارة الرقيق في جيل سابق. كانت الطبقة العاملة الجديدة لها مصالح اقتصادية بكل تأكيد، وبوسعنا أن نتناقش حول ما إذا كانت هذه المصالح تتماشى مع مصالح الرقيق أم لا؛ إلا أن الطبقة العاملة كانت تحتاج إلى أن ترسم لنفسها صورة تتيح لها فرصة التمتع باحترام الذات، كما هو حالنا جميعًا.

إذن، أخذ الشرف ثلاث صور على الأقل أثناء عملية التحرير من العبودية البريطانية: الأولى؛ كانت عندما لعب الشرف القومي دورًا أساسيًّا في المناقشات التي دارت حول إلغاء العبودية. أما الثانية، فكانت عندما دفع شرف المدن الصناعية الجديدة، في منطقة ميدلاندز والمنطقة الشمالية من إنجلترا، سكان هذه المناطق، سواءٌ من الطبقات العالية أو المتوسطة، إلى التنافس فيما بينهم في سباق رفع الالتماسات الأسرع أو الأكبر حجمًا إلى البرلمان. وأعتقد أن أغلب من سبروا أغوار هذه القضايا سوف يقبلون هذه المزاعم، ولكنني أود أن أضيف إلى هذه التفسيرات المتفق عليها بوجه عام فكرة تقضي بأن مشاركة العمال البريطانيين كانت مرتبطة باستثمار جديد رمزي الطابع في كرامتهم هم أنفسهم.

وأتفق مع تفسير هيجل بأنه ربما يستطيع الوعي الإنساني أن يُوجَّه من تلقاء نفسه، إلا أن الأمر يتطلب كذلك حوارًا مع وعي الآخرين. فعند التطرق في الحديث إلى الشرف، أحيانًا ما تجد أن احترام الذات بالنسبة للباحثين عن الشرف يتمتع بنفس درجة أهمية احترام الآخرين. إن الاهتمام بكرامة العامل فيما بين الطبقات العمالية يرتبط بالطريقة التي ينظرون بها لأنفسهم بنفس درجة ارتباطه بالطريقة التي ينظر إليهم بها الآخرون، فالاسترقاق بالنسبة للعديد منهم مثير للامتعاض، ولا يرجع السبب وراء امتعاضهم إلى أنهم بصفتهم بريطانيين يهتمون بشرف أمتهم، وليس بدافع الضمير المسيحي فحسب، ولا لكونهم في منافسة مع الرقيق (فهم ليسوا كذلك)؛ كان مصدر امتعاضهم أنهم — مثلهم مثل الرقيق — يعملون وينتجون بعرق الجبين.

مر عقدان من الزمان على إلغاء الاسترقاق البريطاني، وترتب على الإجماع العام في المملكة المتحدة حول ظلم الاسترقاق عواقب هائلة من الناحية العملية؛ ففي بريطانيا العظمى في مستهل الحرب الأهلية الأمريكية، ظهرت مشاعر تعاطف هائلة بين أفراد الطبقة الأرستقراطية المحافظة تجاه أصحاب المزارع في الولايات الجنوبية وبين الذين تماهوا معهم، وقد وصفت صحيفة «مورنينج ستار» اللندنية الموقف بحق في ١٢ مايو عام ١٨٦٢ عندما قالت: إن «أرستقراطية الدم تعترف برابطة أشبه برابطة النسب تصلها بأرستقراطية اللون».52 إلا أن البريطانيين لم يتدخلوا لمساندة الولايات الجنوبية الإحدى عشرة التي انفصلت عن أمريكا. ولو حدث هذا، كما كان يراود حكومة اللورد بالمرستون بالفعل، لكانت نتيجة الحرب الأهلية بعيدة كل البعد عما آلت إليه الأمور. إلا أنه بمجرد صدور «إعلان تحرير الرقيق» عام ١٨٦٣ وسماحه لمؤيدي الولايات الشمالية باعتبار الحرب مجرد صراع ضد الاسترقاق، جاء رأي الطبقات العمالية والمتوسطة ليشكل عائقًا أمام أفكار الطبقة العليا المطالبة بالتدخل.53 لم تعد الطبقة الأرستقراطية صاحبة الأطيان هي الطبقة الحاكمة، ومع اتساع رقعة الإمبراطورية البريطانية خلال القرن التاسع عشر، صار إلغاء أشكال استرقاق المواطنين الأصليين في كل من أفريقيا وآسيا أحد الأهداف السياسية الإمبراطورية.
وفي ١٧ أغسطس عام ١٨٤٦، انضم فريدريك دوجلاس وويليام لويد جاريسون (وهما من كبار مؤيدي إلغاء العبودية الأمريكيين في زمانهم)، إلى ويليام لوفيت وهنري فينسنت، والأول هو مؤسس جمعية عمال لندن المناصرين للحركة العمالية للإصلاحات الديمقراطية والانتخابية، أما الثاني فخطيبها الرائد، وتقابلوا في مبنى «كراون آند آنكور» في شارع ستراند في لندن، للإعلان عن تحالف جديد لمناهضة الاسترقاق. كان التحالف محاولة لخلق قاعدة بريطانية لجناح إلغاء العبودية الأمريكي «الجاريسوني» الأكثر راديكالية، ولكنها محاولة باءت بالفشل قبل أقل من عام.54 إلا أنه في مساء ذاك اليوم من شهر أغسطس، وبعد إلقاء جاريسون ودوجلاس خطبهما النارية التي اشتهرا بها على أسماع جمهور مُنصت في ذهول، كان يمكنك لوهلة أن تتخيل تحالفًا دوليًّا يجمع ما بين العمال البريطانيين من ناحية وثلاثة ملايين من الرقيق الأمريكيين من ناحية أخرى، في كفاح مشترك لإعلاء كرامة العامل. وفي الغرفة نفسها التي تجرع فيها بوزويل وجونسون كئوسهما، أنصت جمهور من الممتنعين عن المسكرات في جدٍّ إلى فينسنت، الذي أطلق عليه السير هنري مولزورث لقب «ديموسثينيز الحركة الجديدة»، وهو يختتم الاجتماع الذي استمر لست ساعات بخطاب حول القضية المشتركة التي تجمع بين الرقيق والطبقة العاملة البريطانية. وقد وصف أحد كتاب سيرة دوجلاس بنبرة تفيض بالأسى فشل التحالف المناهض للاسترقاق في إطلاق حركة دولية للعمال بأنه «إحدى أكبر الفرص الضائعة في حياة دوجلاس».55

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠