الفصل الرابع

حروب على المرأة

أي شرف يكمن في فتح النار على امرأة عزلاء؟

أسما جهانجير1

إغواء ثم هجر

في الفيلم الكوميدي «سيدوتا إي أباندوناتا» (١٩٦٤) للمخرج بيترو جيرمي، الذي تقع أحداثه في مدينة صغيرة في صقلية، يتم «إغواء ثم هجر» فتاة في الخامسة عشرة من عمرها تدعى أجنيس أسكالوني على يد ببينو كاليفانو، خطيب أختها.2 وعندما يكتشف الأب، دون فينشينزو، الأمر، يهرع إلى كاليفورنيا حيث بيت العائلة، وغاية أمله أن يقنع العائلة بضرورة إدخال بعض التعديلات الصغيرة على خططهم؛ فبدلًا من أن تتزوج الأخت الكبرى، يتزوج ببينو من الأخت الصغرى. وأخيرًا، يقطع السينيور كاليفانو، والد الشاب، على نفسه عهدًا، متفهمًا كيف أنه على دون فينشينزو أن يذود عن شرف عائلته، إلا أن ببينو يرفض العرض ويهرب (بمباركة من والديه) ليختبئ عند أحد أبناء عمومته.

يعقب هذا هرج ومرج، يُرسَل في أثنائه أخو أجنيس للبحث عن ببينو وقتله، ولكنه يُمنى بالفشل، ويُلقَى القبض عليه. يوجه إليه القاضي تهمة الشروع في القتل، ولببينو تهمة هتك عرض قاصر. ويبقى السبيل الوحيد لتفادي السجن هو أن يتزوج ببينو من أجنيس. ويقدم العرف السائد حلًّا بسيطًا؛ ألا وهو، ينظم ببينو وبعض من أصدقائه عملية اختطاف لأجنيس على مرأى ومسمع من الجميع. وهكذا، فإن إغواءه سرًّا لأجنيس، وهو الأمر الذي لا يمكن الإعلان عنه للقاصي والداني، يمكن أن يستعاض عنه بهذه الحجة العلنية للزواج. ويفترض الجميع أن المجتمع سيقبل بزواج الشاب والشابة، عقب عملية الاختطاف، حفاظًا على شرف أجنيس وعائلتها.

في أثناء أحداث الفيلم، نرى بولينزا — قائد الشرطة القادم من البر الرئيسي الإيطالي — يعبر من وقت لآخر، عن غيظه الشديد من فرط حركة عائلة أسكالوني وعائلة كاليفانو ذهابًا وإيابًا، ويتحسَّر على العالم المجنون للشرف الصقلي. (في مشهد من المشاهد في قسم الشرطة، ينظر بولينزا إلى خريطة لإيطاليا، ويضع يده على جزيرة صقلية حاجبًا إياها، متمتمًا: «هذا أفضل! هذا أفضل كثيرًا!» متخيلًا تحسن حال وطنه لو اختفت هذه الزائدة المزعجة.) وعندما تبلغ خطة الاختطاف أسماع بولينزا، يدرك ما ينبغي فعله، فيشد الرحال مع ضابط الشرطة الشاب الذي يعاونه في الحفاظ على القانون، تاركين البلدة وراءهم، تجنبًا لهذه الفوضى العارمة.

وفي ظهيرة يوم قائظ، يستلقي الرجلان تحت ظل شجرة زيتون تحميهما من شمس صقلية الحارقة، ويحاول بولينزا أن يشرح لمعاونه الشاب، بيسيجاتو، حقيقة ما يحدث (ويلعب دور بيسيجاتو ممثل على درجة من شقر الملامح ملفتة للنظر، للتأكيد على حقيقة أنه ليس بصقلي الأصل هو الآخر).
بولينزا : سيخطف الفتاة اليوم. ماذا ستفعل؟
بيسيجاتو : سألقي القبض عليه فورًا.
بولينزا : رائع! ثم يتزوجها هو في اليوم التالي، وينجو بفعلته دون عقاب، في حين تظهر أنت بمظهر الأحمق. حاول أن تفهم! إن الزواج يبطل كل ما سبقه: الخطف، والاغتصاب، وهتك عرض قاصر. كل هذا مذكور في المادة ٥٤٤ من القانون. إن الزواج يعيد السجل ناصع البياض. إنه أفضل من العفو. أما كنت تعلم هذا؟ الأطفال هنا يتعلمون هذا منذ نعومة أظفارهم.
بيسيجاتو : فليتزوجها إذن!
بولينزا : ولكنه لا يريد الزواج منها.
بيسيجاتو : إذن، لماذا يخطفها؟
بولينزا : حتى يضطر إلى الزواج منها. الجميع متورط في هذا المخطط.
بيسيجاتو : ولكنه ليس متورطًا؟
بولينزا : بلى، إنه متورط هو الآخر.
بيسيجاتو : مع كامل احترامي، يا سيدي، ولكني عاجز عن الفهم.
بولينزا : لن تفهم يا بيسيجاتو. إنها مسألة شرف. إنها دومًا مسألة شرف.
إن «سيدوتا إي أباندوناتا» فيلم هزلي تدور أحداثه حول مسألة غاية في الجدية. فهوس دون فينشينزو بأن يظل اسم عائلة أسكالوني لا تشوبه شائبة يفترض ضِمنًا أحد أكثر الأفكار شيوعًا حول مسألة الشرف في جميع أنحاء العالم؛ فهناك العديد والعديد من المجتمعات التي تعتبر ممارسة أي شابة الجنس قبل الزواج أمرًا يلطخ شرفها، بل وشرف عائلتها بأكملها.

ليست المسألة مسألة عواطف فحسب، أو مسألة فخر وعار بالنسبة لعائلة أسكالوني. إذا فشل دون فينشينزو في حل المشكلة بطريقة تعيد لعائلته شرفها، فإن سائر بناته وأبنائه لن يتمكنوا من الحصول على زيجة محترمة؛ وسيكون هو نفسه محط سخرية الآخرين؛ أما زوجته فستكون مثار شفقة وأسف، ولن يستطيع أن يرفع رأسه عاليًا وسط مجتمعه. سيفقد احترام نظرائه. ففي عالمه، ثمة سبيل وحيد للخروج من هذه الورطة: على الغاوي أن يتزوج من الابنة الصغرى (وعلى دون فينشينزو أن يبحث عن زوج آخر لابنته الكبرى). وعندما يحاول ببينو الفرار من مصيره المحتوم، فإن ميثاق الشرف نفسه يقضي بضرورة أن يقتله أحد أفراد عائلة أسكالوني.

ربما تثير درجة العنف الأبوي في عائلة أسكالوني دهشة البعض من المشاهدين المعاصرين. فدون فينشينزو يضرب بناته وابنه، ويتنمَّر على زوجته، التي بدورها لا تمنعه في أغلب الأحوال من ضرب أولاده، والغالب كذلك أن الجميع يعتبر استعراض الأب سلطته عن طريق تقريعه الغاضب وقبضته الباطشة أمرًا من المسلَّمات. إن صفة الذكورة في هذا العالم أساسها القدرة على العنف، حتى أخو أجنيس، المخنث إلى حد ما، مُطَالبٌ بأن يلاحق ببينو ومعه بندقيته بصرف النظر عن ممانعته.

وإمعانًا في التأكيد على ما هو بديهي، تجد أن ميثاق الشرف الذي يتبعه دون فينشينزو في حياته يطالب الرجل بأمور تختلف عن المرأة. وتتضح ازدواجية المعايير في هذه المنظومة بجلاءٍ في مشهد تتوسطه مائدة العشاء في بيت عائلة كاليفانو، حيث يتوسَّل ببينو إلى والديه ألا يجبراه على الزواج من الشابة التي تحمل ابنه بين أحشائها.
ببينو : أجبني على سؤالي: بكل صراحة، هل كنت ستتزوج أمي لو كانت قد فعلت ما فعلته أجنيس؟
الأب : وما علاقة هذا بالأمر؟
الأم : لقد حاولتَ معي.
الأب : وماذا في ذلك؟ من حق الرجل أن يحاول ومن واجب المرأة أن ترفض.
ببينو : بالضبط. إن أجنيس لم ترفض، أليس كذلك؟ … لن أتزوج من عاهرة كهذه.
الأب : لقد قطعت على نفسي عهدًا أمام دون فينشينزو!
الأم : لم تجب على سؤاله. لو كنت قد سلمتُ لك نفسي، هل كنت ستتزوجني؟
الأب : بالطبع لا!

يفترض هذا الميثاق أن أي رجل يتمتع بحرية السعي دومًا لممارسة الجنس مع النساء اللاتي لا تربطه بهن رابطة الزواج، وأنه «من واجب المرأة أن ترفض»؛ ولهذا السبب، إذا أفلح الرجل، يصير الخزي من نصيب المرأة، فهي من خرقت القواعد. يشتهي ببينو أجنيس الجميلة، ويرغب باستماتة أن يمارس الجنس معها، ولكنها إذا وافقت على ممارسة الجنس معه دون زواج، فهي «عاهرة»، وبالتالي، لا يستطيع الزواج منها، حتى وإن كانت لم تمارس الجنس إلا معه دون غيره، وحتى وإن كانت تحمل طفله.

في تلك الأيام، كانت المادة ٥٤٤ من قانون الجنايات الإيطالي، الذي أشار إليه قائد الشرطة، يعترف بنوع من الزواج، أو «الزواج الإصلاحي»، وهو الزواج الذي «يصلح» مفسدة نتيجة للاغتصاب، حتى وإن كان الزواج من قاصر. هذه فكرة قديمة، يمكنك أن تجدها في سفر «التثنية» [٢٢: ٢٨-٢٩]:

إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ فَتَاةً عَذْرَاءَ غَيْرَ مَخْطُوبَةٍ، فَأَمْسَكَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَوُجِدَا، يُعْطِي الرَّجُلُ الَّذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا لأَبِي الْفَتَاةِ خَمْسِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَتَكُونُ هِيَ لَهُ زَوْجَة مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أَذَلَّهَا. لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلَّ أَيَّامِهِ.

لم يكن «الزواج الإصلاحي» مجرد أداة من أدوات الحبكة الروائية في الأفلام. ففي اليوم التالي لعيد الميلاد المجيد من عام ١٩٦٥ (كان قد مر أكثر من عام بقليل على ظهور فيلم «سيدوتا إي أباندوناتا») تعرضت شابة اسمها فرانكا فيولا، في السابعة عشرة من عمرها، للخطف والاغتصاب على يد محتال حقير يدعى فيليبو ميلوديا في بلدة صغيرة في صقلية اسمها ألكامو، كان قد عاونه في اعتدائه عليها بضعة من أصحابه. وكانت قد رفضت مرارًا في الماضي محاولاته استمالتها، إلا أن ميلوديا كان قد تعلَّم، كما توقع السينيور بولينزا «منذ نعومة أظفاره»، أنه بمجرد ممارستهما للجنس، ستدرك أنه لا سبيل لإنقاذ شرف عائلتها إلا عن طريق زواجها منه، وبمجرد زواجهما، ستحميه المادة ٥٤٤ من أي عواقب قانونية لجريمة الاغتصاب.

لكن يبدو أن فيليبو ميلوديا كان قد استخفَّ بفرانكا فيولا؛ فقد أخبرت أهلها أنها لن تتزوجه، وبمساعدة والدها، أصرت على أن توجه له تهمة باغتصابها. وتحملت أسرتها حرمانهم من مخالطة الناس وفقدان الاحترام الذي يكون دومًا ثمن الخروج عن مواثيق الشرف، ولأنهم تحدَّوا الميثاق، تعرض والدها لتهديدات بالقتل، كما أُشعلت النيران في حظيرتهم ومزرعة الكروم الخاصة بهم، إلا أن الدعوة القضائية استمرت، وأُلقي القبض بالفعل على ميلوديا وسبعة من المتواطئين معه. مرت ثلاث سنوات، تزوجت بعدها الآنسة فيولا من جوسيبي رويسي، حبيبها منذ الصغر، والرجل الذي كانت مخطوبة له منذ كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وفي حفل الزفاف، كان يحمل بندقية لحمايتهما.3
لا شك أن هذه الواقعة كانت لها أصداء أكبر؛ فقد غطَّى الإعلام الوطني الاحتفال. كما أرسل لهما رئيس إيطاليا هدية بمناسبة زواجهما، وألقى البابا بولس السادس موعظة.4 عاش جوسيبي رويسي وفرانكا فيولا بعيدًا عن ألكامو في السنوات الأولى من زواجهما، إلا أنهما عادا مرة ثانية في أوائل السبعينيات من القرن العشرين للعيش هناك. حاولت فرانكا في السنوات التالية أن تبقى بعيدًا عن الأضواء، وأن تحيا حياة طبيعية في ألكامو؛ بيد أنه في عام ٢٠٠٦ قالت لصحفي إن نصيحتها لمن يجد نفسه بصدد قرار مهم أن «اتبع قلبك دومًا».5

تعرضت فرانكا فيولا للاغتصاب في سن السابعة عشرة، وعندما بلغ عمرها ضعف هذه السنين تقريبًا، أُلغيت المادة ٥٤٤ أخيرًا في عام ١٩٨١.

عائلات قتلة

في بقاع أخرى من العالم (وأزمنة أخرى كذلك)، كانت عقوبة الخزي الذي يجلبه فقدان أنثى لعذريتها قبل الزواج أشد من هذا بكثير. في الفيلم، تقبل أجنيس بالمصير المحتوم الذي نجت منه فرانكا فيولا؛ وتُجبر على الزواج من رجل عاملها بازدراء، إلا أنه ثمة أماكن عديدة أخرى وأزمنة مختلفة لا يقتصر فيها استعادة شرف العائلة على قتل الرجل الذي أغوى الفتاة فحسب، بل والفتاة نفسها أيضًا. ففي صقلية، كما هو الحال في مجتمعات أخرى، مسيحية ومسلمة، في منطقة حوض البحر المتوسط، وكذلك في بقاع أخرى من الأرض، كان هذا هو الميثاق المتَّبَع. ففي بعض المجتمعات، تفقد الفتاة شرفها وتتعرض لهذه العقوبة الفتاكة حتى لو كانت ضحية اغتصاب مثل فرانكا فيولا.

يشتمل هذا الميثاق الذي يحكم جرائم الشرف المزعومة هذه على عناصر يستطيع أغلب الناس حول العالم التعرُّف عليها. وحتى في الغرب المتقدم، في الولايات المتحدة وفي أوروبا، يتطلب جهدًا مضنيًا إقناعُ الرجال والنساء بأنه ينبغي ألا يعامل الاغتصاب على أنه مصدر عار للضحية. وليست المسألة مسألة قناعة في نفس المرأة المغتصبة بأنها «من جلبت على نفسها» هذا الخزي، وإنما يرتبط الخزي الذي تشعر به بإحساسها بقلة حيلتها لكونها ضحية. ليس الشعور المسيطر عليها هو الشعور بالذنب لاعتقادها أنها ارتكبت خطأً ما، وإنما هو التذكير بالمذلة التي تعرضت لها، وهذه المذلة — وقد أشار سفر «التثنية» إلى أن المغتصب يذل ضحيته — تجعلها عرضًة لأن تفقد احترام من يعلمون باغتصابها، بصرف النظر عن افتقار مثل هذا الموقف للعقلانية؛ فالواقع أن المذلة من شأنها أن تفقدها احترامها لنفسها (مرة أخرى، دون أدنى سبب وجيه).

وافتراض أن عجزك عن مقاومة عبء بدني أكرهك عليه شخص آخر يعكس أنك أدنى منه بطريقة أو بأخرى (ولا يقتصر الأمر على الاعتداء الجنسي فحسب) هو افتراض شائع جدًّا. هذه المنظومة من المشاعر والتوجهات تحمل في طياتها أثرًا لفكرة تجعل المرأة المغتصبة مثلها مثل الرجل الذي تفوق عليه رجل آخر في هجوم ما؛ فكلاهما فقد شرفه. إن الضعف — حتى وإن كان نتيجة لظلم واقع — مصدر للعار.

في الولايات المتحدة، ما زال العديد من الآباء والأمهات يعانون من القلق على بناتهم أكثر من أبنائهم إزاء المغامرات الجنسية قبل الزواج. ويمكن أن تجد تفسيرًا منطقيًّا لهذا القلق؛ نظرًا لأن الفتاة أكثر عرضة للخطر، فحياة الفتاة تتأثر بالحمل على عكس الفتى، إلا أنني أعتقد أن ما يدور في الأذهان في الواقع هو ما دار بذهن ببينو ووالده حين قال: «من حق الرجل أن يحاول ومن واجب المرأة أن ترفض.» فليس ضبط النفس من شيم الرجال، أما المقاومة فأمر يليق بالأنثى.

ولكن أيًّا كانت أفكارنا ومشاعرنا تجاه ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، فمن الصعب على الغالبية العظمى منا أن نتفهم ما قد يراه البعض رد فعل مناسبًا، وهو أن يكون القتل جزاء الابنة غير المتزوجة التي تختار أن تمارس الجنس أو الابنة المتزوجة التي تمارس الزنى. ولكن الأصعب أن نتفهم إقدام أحدهم على قتل ابنته أو أخته، سواءٌ كانت متزوجة أو لا؛ لأنها قد تعرضت للاغتصاب.

بيد أنه وفقًا للتقديرات التي أعلنها تقرير الأمم المتحدة الصادر في عام ٢٠٠٠، حوالي ٥٠٠٠ امرأة وفتاة تُقتل سنويًّا على يد أقربائها للأسباب المذكورة آنفًا.6 إن جرائم القتل هذه يطلق عليها «جرائم الشرف»؛ لأنها من وجهة نظر مرتكبيها طريقة لاستعادة شرف العائلة الذي مُرِّغ في التراب عن طريق ممارسة إحدى أفراد العائلة الإناث الجنس خارج إطار الزواج، برغبتها أو رغمًا عنها. وفي باكستان في عام ٢٠٠٣، ووفقًا لأحد مستشاري رئيس وزراء البلاد، حوالي ١٢٦١ امرأة لقيت حتفها للأسباب نفسها. (ثمة اتفاق عام على أن هذه الإحصائيات الرسمية تنقل صورة أقل من الحقيقة من حيث حجم الدمار الفعلي.)7

تناولنا حتى هذه اللحظة ثورات انقضت. في هذا الفصل، سأعود إلى الحاضر وإلى ممارسة متعلقة بالشرف في أمسِّ الحاجة إلى التغيير. إن البحث عن سبيل لفهم جرائم الشرف، مثله مثل أي عالم من عوالم الشرف، يتطلب جهدًا لفهم مواثيقه، وعلى الرغم من وجود نمط عام يجمع بين جرائم الشرف عبر الثقافات المختلفة، فإن دراسة السمات الخاصة بالأماكن والأزمنة من شأنه أن يساعدنا على فهم أفضل لما هو عرضة للخطر. ولكن في وسعنا أيضًا أن نتعلم شيئًا، كما سنرى، من التاريخ الذي تعرضنا له بالفعل. فهدفي هنا وضع مفهومنا الجديد للشرف تحت تصرف عرض نتقدم به ربما يكون وسيلة من وسائل تحقيق تقدم في القضاء على جرائم الشرف. ولنتمهل قليلًا في تصديق المثل الفرنسي الساخر، فليس معنى أن «تفهم كل شيء» أن «تغفر كل شيء» دائمًا.

حياة سامية ساروار ووفاتها

في عام ١٩٨٩، أقام غُلام ساروار خان مهمند — أحد أكبر رجال الأعمال الناجحين في بيشاور، وهي عاصمة الإقليم الحدودي الشمالي الغربي في باكستان — حفل زفاف مهيبًا لابنته سامية. حضر الحفل ألف من المدعوِّين، من بينهم ثلاثة من رؤساء الوزراء الإقليميين في باكستان، وحاكم بتعيين من الحكومة الفيدرالية، والعديد من صفوة رجال الأعمال بالمدينة. كان العريس، عمران صالح، ابن أخت زوجته، وكانت هذه العائلة البشتونية عصرية وناجحة؛ فقد كانت سلطانة، زوجة غلام ساروار مهمند، طبيبة، وكذا كان عمران، ابن أختها. أما سامية ساروار، فقد درست القانون في وقت لاحق، في حين اختارت أختها دراسة الطب. في ١٩٩٨، انتُخِب ساروار نفسه ليكون رئيسًا لغرفة سرهاد للتجارة والصناعة في بيشاور ليبدأ أولى مدتي تكليفه في هذا المنصب.8
لكن لم تكن الزيجة ناجحة على الرغم من كل هذه المقدمات المبشرة بالخير؛ فقد أخبرت سامية ساروار محاميتها في وقت لاحق أن زوجها كان يؤذيها جسديًّا على نحو بالغ؛ مما دفع والديها في نهاية المطاف إلى تقبل فكرة أنها ينبغي أن تتركه، سامحين لها بالعودة إلى بيتهما في عام ١٩٩٥، وكانت وقتها حاملًا بابنها الثاني، واتصل الطبيب صالح في وقت ما بعد رحيلها ليخبرهما بعدم رغبته في عودتها إليه. لم يقع ناظرا سامية عليه بعدها أبدًا، إلا أن والديها كانا معارضين معارضة مستميتة لفكرة الطلاق، فقد حكت أنهما قالا لها: «بوسعك أن تحصلي على أي شيء تريدينه، إلا الطلاق.»9 كان السبب واضحًا وصريحًا: الطلاق سيهدد «شرف» العائلة.10 فتبعات فقدان الشرف في شمال باكستان، كما هي الحال في صقلية، تعني صعوبة ترتيب زيجة لأختها ولبنات العموم والأخوال، كما تعني مواجهة والديها وأقاربهما لصعوبات اجتماعية.

يبدو أن سامية ساروار، في وقت ما، في السنوات التالية، ومع اختفاء زوجها من الصورة تمامًا، وقعت في حب رجل آخر. كانت وقتها تدرس القانون؛ وبالتالي كانت تعرف بكل تأكيد أن لديها الحق القانوني الذي يخول لها التماس الطلاق من زوج اعتدى عليها جسديًّا ثم هجرها. وفي مارس من عام ١٩٩٩، وحين كان والداها مسافرين إلى مكة ليؤديا فريضة الحج، فرت سامية إلى لاهور، انتقلت لتعيش في داستاك، وهو الملجأ الوحيد الخاص الموجود في لاهور والمخصص للنساء المعتدَى عليهن، وكانت قد اتخذت ترتيباتها مع محامية باكستانية متخصصة في حقوق الإنسان تُدعى هينا جيلاني لتبدأ في إجراءات رفع قضية لطلب الطلاق من زوجها.

وعلى مدار الأسابيع القليلة التالية، تمكَّن والدا سامية من إقناعها وإقناع محاميتها بأنهما مستعدان أخيرًا لأن يتقبلا فكرة الطلاق، وذلك بعد أن قدما الأوراق اللازمة إلى سياسي مرموق من المعارضة تولى نقل الخبر السعيد لسامية ومحاميتها؛ وعليه، وفي السادس من أبريل عام ١٩٩٩، وافقت سامية على مقابلة والدتها في مكتب محاميتها، فلم تكن راغبة على حد قولها في أن تتعامل مع والدها. كان من المفترض أن تحضر والدتها بمفردها، إلا أنها وصلت متكئة على ذراع رجل ملتحٍ، قصير القامة، ممتلئ البنيان. ووفقًا لرواية هينا جيلاني، قالت السيدة ساروار إنه سائقها، وإنها تحتاج إليه لأنها لا تقوى على السير بمفردها.11
وبمجرد دخولهما المكتب رغم معارضة المحامية، أخرج السائق، ويدعى حبيبُ الرحمان، مسدسًا وأطلق النار على سامية ساروار ليصيبها في رأسها. وفي خضم الذعر الذي أعقب ذلك، أصيب حبيبُ الرحمان نفسه برصاصة أطلقها حارس أمن، في حين اختطف عم سامية، يونس ساروار — الذي كان ينتظر في الخارج — إحدى المساعدات القانونيات في المكتب، وفر بها ومعه والدة سامية، في سيارة أجرة. قالت المساعدة القانونية فيما بعد إن السيدة ساروار كانت «هادئة ورابطة الجأش أثناء عملية الهروب، وقد تركت وراءها جثة ابنتها المقتولة غارقة في دمائها وكأنها غريبة عنها».12 وللأسف يبدو أنه في باكستان من مصلحتك ألا تصغي لنصيحة فرانكا فيولا أن «اتبع قلبك دومًا».

جميع أبطال هذه الأحداث الدرامية من الباكستانيين المرموقين. هينا جيلاني واحدة من كبار محاميات حقوق الإنسان في باكستان، تشاركها في مكتب المحاماة، أختها أسماء جاهنجير، رئيسة لجنة حقوق الإنسان في باكستان والمقرر الخاص للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفًا. (يبدو أن السيدة جاهنجير قد اضطرت إلى تأجيل سفرها لحضور اجتماع في جنيف؛ وذلك للمساعدة في التعامل مع ما ترتب على واقعة القتل خارج نطاق القضاء هذه التي وقعت أحداثها في مكتبها.) كان الوسيط الذي كانت مراجعته لأوراق طلب الطلاق المزعوم هي السبب وراء موافقة سامية ساروار على تلك المقابلة هو اعتزاز إحسان، المحامي المرموق ووزير العدل الأسبق، وكان وقتذاك يشغل منصب زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ.

ونظرًا لأن سامية ساروار كانت تمارس حقها القانوني سعيًا للطلاق عندما قُتلت أمام شهود، ونظرًا لأن القتل بالطبع مجرَّم قانونًا في باكستان، لك أن تتصور الإدانة العالمية التي تلت الأحداث. تحدَّث إلى أجهزة الإعلام كل من بناظير بوتو وعدد من القادة السياسيين التقدميين منددين بالواقعة؛ كما نظمت منظمات حقوق الإنسان في اليوم التالي مظاهرات احتجاج عامة في عدة مدن باكستانية كبرى.13 بيد أنه عندما تقدم عضو في مجلس الشيوخ الباكستاني باقتراح قرار يدين العائلة، لم يحصل على الاستجابة التي كان يتمنَّاها.
كان عضو مجلس الشيوخ سابق الذكر، ويُدعى إقبال حيدر، وهو محامٍ ومن نشطاء حقوق الإنسان وينتمي لحزب الشعب الباكستاني، قد أدانه زملاؤه في البرلمان من الإقليم الحدودي الشمالي الغربي، وبخاصة أعضاء حزب أوامي الوطني، الذي يستمد قوته من المناطق البشتونية في باكستان، وعاصمتها بيشاور، معقل عائلة ساروار. ربما كان دفاع هؤلاء عن تقاليد الشرف البشتوني أمرًا متوقعًا، إلا أن حزب أوامي الوطني كان أبعد ما يكون عن التمسك بالتقاليد؛ فقد كان يميل نحو التوجه العلماني في الطيف السياسي الباكستاني، وكان ثابتًا أيضًا في موقفه المعارض لطالبان في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي. كان السيناتور أجمل خاتاك — رئيس الحزب في ذلك الوقت — من كبار مفكري وشعراء البشتو، كما كان في وقت من الأوقات معروفًا عنه أنه شخصية تقدمية، خاصة مع مساندته لثوارٍ يساريين من أمثال كاسترو وتشي جيفارا.14 وعلى الرغم من ذلك، كان يحاضر زملاءه عن آراء البشتو في الشرف، كما كان يظهر بمظهر المدافع عن جرائم القتل بسبب الشرف.15 كان اعتزاز إحسان من بين الأربعة سيناتورات المؤيدين لاقتراح القرار، وهو السيناتور الذي زُج به في القضية عندما وافق على التوسط بين سامية ساروار وعائلتها.16
كان الشعور السائد في بيشاور هو الاستياء من فكرة تدخل غرباء في شئون أسرة محلية. لقد تلطخ الشرف البشتوني على يد غرباء تدخلوا فيما لا يعنيهم. شنت غرفة التجارة برئاسة والد سامية هجومًا على هينا جيلاني وأسماء جاهنجير، مطالبة بمعاقبتهما بموجب «الشريعة الإسلامية والقَبَلية» بتهمة «تضليل النساء في باكستان والمساهمة في تشويه صورة البلاد في الخارج». كما أصدر بعض الزعماء الدينيين في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي بإصدار فتاوى دينية بتكفير المرأتين.17 لم تصدر أي أحكام قانونية ضد أي من أطراف جريمة قتل سامية ساروار، ولا يزال والدها شخصية مرموقة في بيشاور. وفي نوفمبر عام ٢٠٠٩، عيَّنه وزير التجارة الباكستاني مستشارًا للجنة المسئولة عن اتفاقية تجارية جديدة مع أفغانستان.18

طريقة قبائل البشتون

يعيش أكثر من ٤٠ مليون بشتوني في باكستان وأفغانستان، معظمهم في مناطق على جانبي الحدود، ويعتبر البشتون أنفسهم من سلالة سلف مشترك واحد، أما نظامهم القبلي فهو ما يسميه علماء الأنثروبولوجيا «نظام البدنة الانقسامي»، حيث يتضامن أقرب الأقربين ضد أبناء العمومة الأبعد نسبًا، وذلك وفقًا للمثل البدوي: «أنا على أخي، أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وأخي وابن عمي على الغريب.» وكلما تباعد السلف المشترك، زاد بالطبع حجم التجمع، ولنظام النسب البشتوني درجات عدة مؤلفة من مستويات مختلفة على جانب من الأهمية للحياة العملية.

تستمد التجمعات القبلية الأساسية الأربعة مرجعية تعود تقاليدها من النسل المباشر لقيس عبد الرشيد، وهو الرجل الذي يزعم جميع البشتون أنه جدهم الأكبر، ويبدو أن قيسًا كان معاصرًا للنبي محمد، وقد سافر إلى مكة ونقل الإسلام إلى أفغانستان، وعادة ما يكون للتقسيمات الفرعية العديدة المنبثقة عن تلك التجمعات الأربعة نسبٌ نظريٌّ ما يربطها بطرف من نسل قيس في الأجيال القليلة الأولى. وفي نهاية هذا التسلسل الهرمي، توجد تجمعات عائلية أصغر تضم رجلًا وأبناءه وزوجاتهم وأبناءهم وأحفادهم.

في الريف، يحيا البشتون حياة تقليدية؛ يمارسون الزراعة في قرى صغيرة تضم عددًا قليلًا من الناس، عادةً ما ينتمون لعدة عائلات ممتدة. ويتبع البشتون في الريف وفي المدينة ميثاقَ حياةٍ يطلقون عليه اسم «بشتون والي»، أو طريقة البشتون. وكما هو الحال في العديد من مثل هذه المواثيق القبلية، يؤكد البشتون والي وبشدة على ضرورة الحفاظ على شرف المرء عن طريق الولاء للعشيرة، والشجاعة في المعارك، وحسن ضيافة الزائرين، والثأر عند الإهانة، والانتقام عند الإصابة، سواءٌ كانت الإهانة أو الإصابة موجهة للمرء نفسه أو لأفراد في عائلته أو قبيلته.19 فيكمن في قلب البشتون والي السمعة الحسنة للمرء ولعائلته أو قبيلته، وقد عبَّرت عنها مفردات غنية تدور كلها حول الشرف، بعضها مقتبسٌ من العربية.
انتقلت هذه الأفكار، التي كانت قد نشأت في ثقافة قبلية ريفية، إلى الحياة الحضرية المعاصرة. وبعد مرور ثلاثة عقود على الحروب في أفغانستان، بدايةً من الغزو السوفييتي في نهاية عام ١٩٧٩، ووصولًا إلى الحرب الأمريكية ضد طالبان، يتماهى العديد من البشتون في باكستان بقوة مع أقاربهم على الجانب الآخر من الحدود. وقد أفرز أيضًا وجود أجانب من العسكريين والمدنيين المصممين فيما يبدو على أن يعيدوا تشكيل الحياة في الإقليم ردًّ فعل قوميًّا لم يكن بالمستبعد. فثمة تأكيد شديد على التهديد الذي يمثله الضغط الأجنبي على البشتون والي. ويظهر هذا الضغط في باكستان من خلال أنشطة جماعات حقوق الإنسان التي تشن الحملات تأييدًا لحقوق المرأة ومعارضةً لممارسات مثل جرائم القتل بسبب الشرف. والنتيجة توجيه نشطاء حقوق الإنسان الباكستانيين أبًا عن جد، من أمثال هينا جيلاني المحامية، انتقادات لمقتل سامية ساروار؛ مما يتسبب في أن ينهال عليهم بدورهم وابل من الشكاوى والتذمر من التدخل الغربي، وفي قلب هذه الشكاوى تصميم على أن الغرب يفتقدون الإحساس بالشرف.20
سامية ساروار من البشتون، إلا أن قتلها كان من الجائز أن يقع في أي بقعة من بقاع باكستان. ثمة تقاليد مماثلة تجمع متحدثي اللغات الأُردية والسندية والبنجابية، كما هو حال من يتحدثون اللغات الأقل انتشارًا في البلاد؛ ففي لغة إقليم السند، وهي المقاطعة التي تضم كراتشي، عاصمة باكستان المالية وأكبر مدنها على الإطلاق، كلمة «كارو» وتعني حرفيًّا «الرجل الأسود»، ومؤنثها «كاري»؛ أي «المرأة السوداء». تستخدم هاتان الكلمتان للإشارة إلى من يمارس الجنس خارج إطار الزواج؛ وبالتالي، فكلمة «كارو-كاري» من أكثر الكلمات شيوعًا في باكستان للإشارة إلى جرائم الشرف، التي ترتكب في جميع أنحاء البلاد كما أشرت سابقًا، على الرغم من أن المقابل لهذه الكلمة في الباشتو هو «تور-تورا».21

نحن الآن أمام مفارقة باتت مألوفة لنا؛ فباكستان جمهورية إسلامية، نشأت لتكون موطنًا لمسلمي الهند بعد الصراعات الطائفية التي سبقت استقلال الهند، وثمة شبه إجماع عالمي بين فقهاء الإسلام على أن جرائم الشرف ليست من الإسلام في شيء، ومثلما كانت المبارزة في أَوْجها مخالفة للقانون والدين في بريطانيا العظمى المسيحية، فإن جرائم الشرف ليست مخالفة للقانون في باكستان فحسب، بل ومخالفة لتعاليم الدين في بلد مثلها مثل بريطانيا لديها دين ثابت الأركان. من بين أسباب هذا التجريم أن الشريعة الإسلامية تملك الأدوات التي تنظم من خلالها مسائل العفة الجنسية، وفي تطبيق العائلات للميثاق الخاص بها دون الرجوع إلى المحاكم الشرعية إعلانٌ لاستقلال هذه العائلات عن قواعد الدولة وعن الدين المنظم، كما كان حال السادة النبلاء مع المبارزة. وبالطبع دخل على الدين الإسلامي بعض التعديلات التي كانت تختلف باختلاف المجتمعات التي انتقل إليها، كحال الأديان الأخرى حول العالم. لدى معتنقي البشتون والي قناعة بأن البشتون والي لا يخالف الإسلام في شيء البتة، بل ويعتقدون أن الإسلام نفسه ما هو إلا إحدى طرق البشتون، فهم يؤمنون بأن جدهم الأكبر عاد من مكة ومعه هذا الدين. ولكن، كما أقول، ثمة إجماع واسع في جميع أنحاء العالم الإسلامي على أنه لا يوجد في القرآن ولا في السنة النبوية ولا في الحديث ما يعضد قتل الرجل للمرأة في الأسرة الواحدة.

لا شك في أن هذا الأمر مفهوم تمامًا في باكستان على وجه الخصوص؛ ففي صيف عامي ٢٠٠١ و٢٠٠٢، عقد أمير إتش جفري — وهو طالب دراسات عليا باكستاني يعمل على إعداد رسالة دكتوراه في مجال الاتصالات — سلسلة من الحوارات بالإنجليزية والأُردية تهدف إلى وضع مقتل سامية ساروار وردود الفعل له في سياقه الثقافي الكامل. ويذكر جفري حوارًا رائعًا دار بينه وبين مُلا يُدعى أباد في مسجد بإسلام آباد. في البداية، يعترف هذا المعلم الديني لطلبته الذين يجلسون من حوله بأنه عندما يرى امرأة غير منقبة، «أود لو أن بوسعي أن أقطعها إربًا أو أزوجها لأحدهم …» وعندما سأله جفري — مذهولًا — عما إذا كان هذا يتفق مع الإسلام، علت حُمرة الخجل وجه المُلا الذي سكت برهة عن الكلام، ثم نظر إلى طلبته من حوله وغمغم قائلًا إن «الإسلام لا يسمح بذلك، ولكن عليك في بعض الأحيان أن تضرب مثلًا يُحتذى به».

كان هذا الحوار الفرصة الوحيدة التي سنحت للدكتور جفري في باكستان على مدار صيفين من البحث، والتي عثر فيها على عالم من علماء أي من الطوائف الإسلامية «يغض الطرف علنًا» عن شيء مثل جرائم القتل.22 وفي مناقشة دارت بين سائق سيارة أجرة بشتوني وإحدى زبائنه من المتعلمات حول تعليم المرأة، لخَّص السائق الأمر تلخيصًا جميلًا: «أقول، يا والدي: إنه من المفترض في الإسلام أن يطلب الرجل والمرأة العلم، فهذا أمر لازم. أجابني: نعم، ولكن من يكترث بالإسلام عندما يتعلق الأمر ﺑ «الغيرة»؟»23
ما من سلطة خارج عائلة سامية ساروار تجيز قتلها رسميًّا، بيد أنه في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي، تأتي جرائم الشرف على الأرجح نتيجة لقرار تتخذه «الجيرجاس»، أو المحاكم العرفية التي تتمتع بسلطة فعلية واسعة في المناطق القبلية، حيث تكاد لا تُطبَّق الأوامر القضائية التي تصدرها الحكومة الباكستانية. قُبَيل مقتل سامية ساروار ببضعة أسابيع، أصدرت «الجيرجاس» حكمًا بإعدام شابة معاقة ذهنيًّا تبلغ من العمر ستة عشر عامًا اسمها لال جميلة ماندوخل، وذلك عقب «جلسة محاكمة» عُقدت في قريتها. كان رجل قد اغتصبها مرارًا على مدار ليلتين في قرية قريبة من قريتها، وعندما عادت إلى قريتها، كان قرار شيوخ مجتمعها أنها قد جلبت الخزي على قومها. سُحلت من دارها وأُطلق الرصاص عليها على مرأى ومسمع من حشد كبير من الناس.24 وبصرف النظر عن كون جرائم الشرف تتفق مع الإسلام أو لا، فإنها لا تزال جزءًا من طريقة البشتون في بقاع شتى.

قوانين البشتون

كانت بداية النظام القانوني الحديث لباكستان إرثًا استعماريًّا؛ فقد كان محمد علي جِناح — مؤسس الدولة الباكستانية — محاميًا تلقى تدريبه في بريطانيا، كما كان على الأرجح يميل إلى الدستور العلماني. إلا أن جِناح تُوفي بعد فترة وجيزة من اعتراف بريطانيا بتقسيم الهند في عام ١٩٤٧، مانحة كلًّا من الهند وباكستان استقلالهما. كانت باكستان في أول الأمر عبارة عن قسمين منفصلين جغرافيًّا، أحدهما في الغرب والآخر إقليم مختلف ثقافيًّا إلى حد ما في البنغال في أقصى الشرق. استغرقت الجمعية التأسيسية، التي كانت تمثل فعليًّا برلمان باكستان في تلك الفترة، ما يناهز العقد من الزمان للاتفاق على الدستور، وعندما توصل الأطراف إلى اتفاق في عام ١٩٥٦، جاء الدستور دستورًا لجمهورية إسلامية. وفي العقود التالية، وبعد سلسلة من الانقلابات وحرب أسفرت عن انقسام باكستان إلى دولتين مستقلتين هما باكستان (في الغرب) وبنجلاديش (في الشرق)، جاء القانون الأساسي الباكستاني ليكون رسميًّا قانونًا إسلاميًّا. أما الدستور الحالي، الذي صُدِّق عليه في عام ١٩٧٣، فيستعير ديباجته من دساتير سابقة، مُقرًّا بأن القانون الأساسي يهدف إلى «تأسيس نظام»، فيه:
يستطيع المسلمون تنظيم حياتهم على الصعيدين الفردي والجماعي وفقًا لتعاليم الإسلام ومتطلباته كما نص عليها القرآن الكريم والسنة …25
كما ينشئ الدستور محكمة للشريعة الفيدرالية مؤلفة من فقهاء القانون المسلمين التقليديين، أو «العلماء»، ومن قضاة المحاكم العليا العادية، وتتمتع هذه المحكمة بسلطة تخول لها مراجعة مجالات واسعة من التشريع وإبطالها إذا ما وجدت أنه قد «قبَّحه الإسلام».

وفي عام ١٩٧٩، اتخذ الجنرال ضياء الحق، الحاكم العسكري لباكستان، خطوات أبعد من ذلك عن طريق سن قوانين عُرفت باسم «تشريع الحدود» صارت جزءًا من سياسة تتجه نحو المزيد من الأسلمة. كان هدف القانون الجديد — ضمن أمور أخرى — المواءمة بين الممارسات الباكستانية ومفهوم الجنرال للشريعة، وبخاصة فيما يتعلق بفعل «الزنى»، أو ممارسة الجنس خارج إطار الزواج. كان أحد آثار هذه المواءمة إفساح المجال أمام أحكام من الشريعة تحد على نحو ملحوظ من الحماية القائمة التي يكفلها القانون للمرأة. فعلى سبيل المثال، صار على المرأة التي تقدمت ببلاغ بالاغتصاب أن تأتي بأربعة شهود ذكور على الواقعة؛ فإن عجزت عن ذلك، تسقط التهمة عن المتهَم. ولكن بما أن في الإبلاغ عن واقعة الاغتصاب اعترافًا من المرأة بممارسة الجنس خارج إطار الزواج، فإن ذلك يعرضها للمساءلة القانونية بتهمة «الزنى»، بِناءً على الاتهام الصادر منها ذاتها؛ وهذا يعني أنها قد تُجلَد مائة جلدة أو تُرجَم بالحجارة حتى الموت لأنها زانية.

ومن الضروري أن نشير إلى أنه في الحالات القليلة التي أصدرت فيها المحاكم الابتدائية أحكامًا في ملابسات كهذه، كانت المحكمة الشرعية الفيدرالية تراجع تلك الأحكام وتطرحها جانبًا. ولكن لا شك في أن تشريع الحدود جعل مسألة توجيه الاتهام بالاغتصاب أمرًا شديد الخطورة على المرأة في باكستان.

ثم جاء الرئيس غُلام إسحاق خان خلفًا للجنرال ضياء، واتخذ خطوات إضافية من خلال تطبيق مفهوم لقانون الشريعة عن طريق سن تشريع خاص بمسألتي «القصاص» و«الدية»، وهو التشريع الذي حل محل قسم كبير من القانون الجنائي الذي كانت قد ورثته باكستان عن القانون العام الإنجليزي. ترتب على هذه التغييرات اعتبار جرائم القتل، وغيرها من صور الأذى الجسدي الأقل خطورة، جرائم في حق شخص ما وأسرته أو أسرتها، بدلًا من اعتبارها جرائم في حق الدولة. وبموجب هذا التشريع، من حق الضحية أو ورثته المطالبة بالحق في «القصاص»، الذي يعني أن يُلحَق بمرتكب الجريمة الأذى نفسه الذي ألحقه بالضحية. وعليه، في حالة جريمة القتل، يجوز لأهل الضحية أن يطالبوا بموت مرتكب الجريمة.

في سورة «المائدة» في القرآن الكريم، وهي مصدر هذا التشريع، تقول الآية ٤٥:

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ.

وبالتالي فإن هذا التشريع يسمح للضحية أو الورثة أن يتنازلوا عن حقهم في «القصاص»، وأن يقبلوا التعويض على سبيل ما يُعرف باسم «الدية». أما الطريقة التي يتفاوض من خلالها الضحية أو الورثة بغرض التسوية فتُعرف باسم «التراضي».
لا يتفق الجميع على أن هذه هي الطريقة السليمة لتطبيق الشريعة؛ فقد ذهبت اللجنة الوطنية لوضع المرأة في باكستان إلى أن التفسير الصحيح لهذا التقليد يمنح حق عقوبة القصاص لا للضحية أو الورثة فحسب، بل للدولة كذلك. وبالطبع، إذا صح هذا، سيكون على الأسرة من ناحية والحكومة من ناحية أخرى أن يتجاوزا عن العقوبة. ويمنح هذا التفسير الدولةَ الحقَّ في أن تقرر معاقبة شخص إلا إذا تم «التراضي» بينه وبين ورثة الضحية، إذا ما توافر لديها سبب العدالة للإقدام على هذا الفعل. يعلم أعضاء اللجنة الوطنية لوضع المرأة أنه، في حالة جرائم الشرف، يكون ورثة الضحية هم في الأغلب مرتكبي الجريمة، وبالطبع في قضية ساروار، ما يتردد هو أن شقيق سامية، بصفته وريثًا لها، قد تنازل عن العقوبة المفروضة على والديه.26
كان من المفترض أن يترتب على تشريع القصاص والدية تغييران للأفضل في الموقف القانوني للمرأة في باكستان: الأول؛ هو أن هذا التشريع حل محل تقليد في القانون العام الإنجليزي كان يسمح بالدفع «بالاستفزاز الخطير المفاجئ»، الذي طالما فُسِّر في باكستان على أنه مطالبة للمحكمة باستعمال الرأفة خاصة تجاه من قَتَلوا باسم الشرف. للأسف، رفضت المحكمة العليا في باكستان أن تلتفت إلى هذا التغيير. ففي قرار صدر عام ١٩٩٥، صرحت المحكمة العليا بأن المحكمة الأدنى درجة قد جانبها الصواب عندما تجاهلت دعوى المدعى عليه بأن جريمة القتل «وقعت تحت استفزاز خطير ومفاجئ، حيث إنه ضبط المُتوفَّى في وضع مخل مع زوجته في الساعات الأولى من النهار»، وأمرت بإخلاء سبيل القاتل.27
أما عن التغيير الكبير الثاني، فقد نهى القانون صراحةً عن ممارسة صورة من الصور التقليدية للدية، وهي تزويج امرأة من أسرة القاتل لرجل في أسرة الضحية كشكل من أشكال «بدل» الدية. وللأسف، يبدو أن هذه الممارسة استمرت على الرغم من كل شيء، وخاصة في المناطق الريفية بعيدًا عن أعين الحكومة، بل إن القانون الذي صدر في عام ٢٠٠٥ تجريمًا لهذه الزيجات لم يكن على ما يبدو ذا تأثير كبير، وينبغي أن تذكِّرنا هذه الحقائق بأنه لا جدوى من مجرد إدخال تغييرات على القوانين بغرض تحسين الأوضاع ما لم تطبَّق تلك التغييرات بالفعل؛ ولا سبيل لتحقيق هذا إلا بتغيير التوجهات العامة. فتصحيح مسار القانون ما هو إلا خطوة البداية، كما كان الحال مع المبارزة.28
أسفرت تلك القضايا الأكثر إثارة للجدل الخاضعة لتشريع الحدود ضجة هائلة داخل باكستان وخارجها؛ فعلى سبيل المثال، عندما تعرضت صفية بيبي، وهي خادمة عمياء تبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة، للاغتصاب على يد ابن رب عملها في ولاية البنجاب عام ١٩٨٣، أُخلي سبيله؛ لأنها عجزت عن التعرف عليه وفقًا لمعايير الشريعة؛ ولكن بما أنها كانت حبلى وغير متزوجة، كان هذا دليلًا دامغًا على ارتكابها «الزنى». حكم القاضي بجلد الفتاة الحبلى ثلاثين جلدة لا غير … وقال إن هذا بدافع الشفقة لأنها فاقدة للبصر. (وأخيرًا، وعلى أثر موجة من الاحتجاج، راجعت المحكمة الشرعية الفيدرالية قرار المحكمة ونقضته.) فقد أصر نعيم شاكر، المحامي الباكستاني، إصرارًا في محله على أن «قضية صفية بيبي قد جلبت الخزي على الأمة بأكملها عندما بُث خبر» إدانتها على شبكات الإعلام العالمية.29
وهنا بالطبع مربط الفرس. فلا شك أن تلك الاستراتيجية التي يمكن أن نطلق عليها اسم «الخزي الجمعي» قد مارست ضغطًا على حكومة باكستان بوجه عام، وعلى السلطات السياسية بوجه خاص؛ بغرض التخفيف من انتهاكاتها الفاضحة لحقوق الإنسان الخاصة بالمرأة؛ ففي عام ٢٠٠٤، مرر البرلمان الباكستاني قانونًا لتعديل القانون الجنائي يوضح حقيقة أن القتل بسبب الشرف يعد في واقع الأمر جريمة، ولسن الحد الأدنى للعقوبات لمثل تلك الجريمة. إلا أن هذا القانون لم يغير حقيقة أن جرائم الشرف لا يزال من الممكن التراضي فيها عن طريق الدية؛ ففي ١٥ نوفمبر عام ٢٠٠٦، وبعد سنوات طوال من الضغوط التي مارسها نشطاء حقوق الإنسان في الداخل والخارج، أجرى البرلمان الباكستاني تعديلًا على تشريع الحدود عن طريق إصدار قانون حماية المرأة الذي ألغى شرط وجود أربعة شهود ذكور. (وكما هو متوقَّع، لم يرُق هذا التعديل للأصوليين.)30
إلا أن النظام القانوني ذاته دائمًا ما يعتبر ارتكاب جرائم القتل تلك باسم الشرف سببًا كافيًا لتخفيف حكم الإعدام؛ وفي حالات شتى، يمضي مرتكبو هذه الجرائم أو من ساعدوهم إلى حال سبيلهم دون ملاحقة قانونية.31 ففي أغسطس من عام ٢٠٠٨، في قرية نائية تدعى بابا كوت في بلوشستان، أصدر تجمع لشيوخ القرية حكمًا بالموت على ثلاث شابات أَرَدنَ الزواج ضد إرادة أسرهن. وعندما أبدت اثنتان من أقربائهن المسنات اعتراضهما على الحكم، انضمَّتا إلى قائمة المحكوم عليهن بالإعدام. أُلقيت الجثث الخمس في خندق لا يحمل أي علامة مميزة. وليس من المؤكد أن جميعهن كُنَّ قد فارقن الحياة عندما أهيل عليهن التراب.
وفي مشهد يعيد للأذهان الجدل الذي دار حول قضية سامية ساروار، تقريبًا قبل عقد من الزمان، هبَّ السيناتور إسرار الله زهري — ممثل هذا الإقليم — مدافعًا أمام مجلس الشيوخ في باكستان عن تلك «التقاليد التي ترجع إلى قرون من الزمان».32 (ويذكرني هذا بقصة، قد يكون مشكوكًا في صحتها، حول مسئول استعماري بريطاني أمر عائلة هندية بألا تسمح بحرق أرملة في مراسم جنازة حرق جثة زوجها الراحل. فأبدى الهنود اعتراضهم قائلين: «ولكن يا سيدي، هذه عاداتنا.» فأجاب المسئول: «ومن عاداتنا نحن إعدام القتلة.») وعليه، لا بد أن يستمر هذا المزج بين مناشدات نشطاء حقوق الإنسان الباكستانيين باسم الشرف القومي وبين شكاوى من هم خارج باكستان من طريقة المعاملة تلك.
إن إحدى صور ردود الأفعال من داخل باكستان هي التذمر من أن أمثال هينا جيلاني — الذين يلفتون الانتباه لتلك المشكلات — يدمرون سمعة البلاد، كما فعل رئيس الغرفة التجارية في بيشاور. ولكن عندما تقترف أمة ما أمرًا على هذه الدرجة من الفداحة، يصبح التلويح به أمام أعين المجتمع الدولي السبيل الوحيد الذي «ينبغي» أن يسلكه أي وطني يهتم بالعدالة وبشرف أمته. فتقول بينا ساروار — الفنانة والصحفية وصانعة الأفلام الوثائقية الباكستانية — لكل من يريد إخراس ألسنة المحتجين إنهم «يحتاجون إلى أن يسألوا أنفسهم: من المسئول؛ أهم من ارتكبوا العنف أم هم ضحاياه؟ وما الذي من شأنه أن يجعل منا أمة أفضل وأقوى؛ أهي معالجة المسألة أم دفن رءوسنا في الرمال؟»33

قضايا جدلية

هل من الممكن أن نستشرف من الثورات الأخلاقية الثلاثة التي تناولناها بالفعل ما يُحتمل أن ينتظر باكستان من تغيير؛ تلك الثورات التي كان لتغيير أفكارها الخاصة بالشرف أثره في تحويل مسار المجتمعات في اتجاه التطور الأخلاقي؟ فقد ظلت كل ممارسة من تلك الممارسات، سواءٌ المبارزة، أو الاسترقاق على جانبي الأطلسي، أو عادة ربط الأقدام لدى الصينيين، مهجورة لأجيال متعاقبة. ولكن، وكما رأينا، لم يكن ما حدث تغييرًا طرأ على المعتقدات الأخلاقية بقدر ما كان ثورة شهدتها الممارسات؛ ثورة لعب الشرف فيها دورًا محوريًّا. لم يكن الجديد هو الحجج الأخلاقية، بل كان الجديد هو الرغبة في الانصياع لهذه الحجج.

بالطبع، اختلف الدور الذي اضطلع به الشرف في هذه الثورات الأخلاقية الثلاثة؛ وبالتالي، أدركنا أنه ثمة أكثر من آلية تربط بين الشرف والتطور الأخلاقي. ولكن، لنبدأ بملاحظة بعض السمات المشتركة فيما بين هذه الثورات الأخلاقية شديدة التباين.

أولًا؛ اعتمدت الممارسة القديمة غير الأخلاقية ذاتها على مجموعة من مواثيق الشرف. هذا أمر واضح فيما يتعلق بالمبارزة. أما فيما يتعلق بعادة ربط الأقدام، علينا أن نتذكر أنها كانت ممارسة تتعلق بالشرف في الأصل، بغرض ضمان المكانة الاجتماعية من ناحية، وضمان عفة نساء الطبقة الرفيعة في طائفة الهان من ناحية أخرى؛ كما علينا أن نذكر أن رق المزارع في العالم على جانبي الأطلسي لم يكن نظامًا اقتصاديًّا فحسب، باعتباره مصدرًا للعمالة، بل كان منظومة للشرف كذلك، حيث كان العمل اليدوي من نصيب الجنس الممتهن شرفه، في الوقت الذي عزز فيه البيض شرفهم، حتى وإن كانوا ينتمون لأدنى طبقات المجتمع، وذلك من خلال هويتهم لانتمائهم لجنس لا يجوز استرقاقه قانونًا. إذن فالعنصر الأساسي في هذه الحالات كافة هو أنه كان لا مفر من تغيير مواثيق الشرف إذا كان لتلك الممارسات أن تختفي. كان لا بد أن يتوقف اعتبار المبارزة أداة في يد السادة النبلاء للمطالبة بأحقيتهم بالشرف الذي يليق بمكانتهم، كما كان لا بد للرابط بين العمل والأصول الأفريقية من ناحية وبين امتهان الشرف من ناحية أخرى أن ينقطع. (ولا تزال هذه الأخيرة في سبيلها للتحقق.)

أما السمة الثانية المشتركة فهي أن ميثاق الشرف قد واجهته تحديات أخلاقية ودينية قبل اندلاع الثورة بكثير. وأخيرًا؛ تجتمع الحالات الثلاث كلها في أنه مع نهاية الثورة، كان الشرف قد جُنِّد بنجاح لينضم إلى الأخلاق. صارت المبارزة أمرًا سخيفًا، ومحط سخرية، ومن ثم مصدرًا للعار، وصار من كان فيما مضى يلتمس الشرف عن طريق ربط أقدام بناته، يستعرض الشرف ذاته عن طريق رفضه لعادة ربط الأقدام. أما البريطانيون، فقد استمدوا إحساسهم بشرفهم القومي من الدور الذي لعبته أمتهم في القضاء على نظام العمالة القسرية الذي اتسع ليشمل ثلاث قارات.

ولكن كما أشرت آنفًا، تظل هذه الحالات الثلاث على درجة مهمة من التباين في الوقت نفسه. ولكي ندرك السبب وراء هذا التباين، علينا أن نتذكر ما كنت قد أشرت إليه في الفصل الثاني؛ ألا وهو، أن للهوية أهمية بالنسبة للشرف من زاويتين مختلفتين: الأولى؛ أن ميثاق الشرف يصوغ اختياراتك عن طريق تحديد ما ينبغي على شخص يتمتع بهويتك أن يقوم به. فهو يحدد مجموعة من ممارسات الشرف، والثانية؛ أن الميثاق يتيح الفرصة أمامك لأن تصبح جزءًا من الشرف المستمَد من إنجازات الآخرين الذين يشاركونك الهوية.

إن هذه الصلة الثانية التي تربط بين الهوية والشرف؛ أي تقاسم الاحترام من خلال الهوية المشتركة، لم يكن لها دور كبير في عملية التخلي عن المبارزة؛ فلم يكن السادة النبلاء من الإنجليز في حاجة إلى إقناع غيرهم من السادة بأن يكفوا عن المبارزة لاعتقادهم أنها تجلب الخزي لكل سيد إنجليزي. لقد كان السبب وراء تغيير ممارسات الشرف الخاصة بهم هو أن هذه الممارسات لم تعد مجدية، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن عالم الشرف في إنجلترا في منتصف القرن التاسع عشر كان قد تحول إلى الديمقراطية، ومع هذا التحول، صارت مطالبة السادة النبلاء بأحقيتهم بهذا التقليد الخاص موضع احتقار، لا احترام. إذن، لم يتخلَّ السادة النبلاء عن شرفهم، بل أعادوا تعريف مواثيق الشرف الخاصة بهم بغرض التأقلم مع الظروف الاجتماعية الجديدة.

لكن المثقفين الصينيين المناهضين لعادة ربط الأقدام حاولوا بالفعل أن يثنوا زملاءهم من المثقفين عن هذه العادة؛ لاعتقادهم أن هذه الممارسة تجلب الخزي عليهم جميعًا. إذن، هذه إحدى سبل مراجعة ممارسات الشرف، بل والعديد من أنواع المعايير كذلك. فمن الممكن أن يقرر أشخاص أصحاب هوية معينة (وهم في هذه الحالة الصينيون) أن يحاولوا حمل كل من يشاركونهم الهوية على أن يكفوا عن فعلٍ ما لأن هذا الفعل يجلب الخزي لهم جميعًا، كما يمكن أن تحدوهم الرغبة في أن يعْدِل أصحاب هوية مختلفة عن ممارسة ما بدافع الشرف الجمعي، كما كان الحال مع الطبقات العمالية البريطانية التي أرادت أن يتخلى كل من ملاك الرقيق الاستعماريين والولايات المتحدة عن ممارسة الاسترقاق. لقد أرادت الطبقات العمالية المناهضة للاسترقاق، التي لم يشارك أي منها قط في ممارسة الاسترقاق، أن يضع أشخاص آخرون حدًّا للاسترقاق؛ لأن في طياته تكمن قلة احترام لهم أنفسهم، وهذا مصدر للعار. إن التحول الديمقراطي للثقافة الذي قضى على المبارزة هو نفسه الذي قوَّض الاسترقاق. وبالتالي، كان للشعور بالشرف الجمعي، في الحالتين الأخيرتين، لكون صاحب هذا الشعور صينيًّا أو شعور من ينتمون للطبقات العمالية، دور في مساعدة تلك الحركات على أن تترسخ جذورها، على الرغم من اختلاف آليات عمل كل منها.

وما هذه إلا بعض الملاحظات التاريخية النظرية. لكن لنفترض أنك تريد أن تستخلص دروسًا يمكن الاستفادة منها في قضية جرائم الشرف، التي تعد ممارسة من ممارسات الشرف المنافية للأخلاق، مثلها في ذلك مثل المبارزة، وعادة ربط الأقدام، والاسترقاق. إن إحدى سبل التغيير التي تعلَّمناها من قصة ربط الأقدام هي إقناع الناس بأن ممارسة الشرف هذه مصدر عارٍ لهم أمام عالم للشرف أوسع نطاقًا. وهذه هي استراتيجية الخزي الجمعي التي لمسناها في باكستان. لم تنجح هذه الاستراتيجية في الصين فحسب، بل في المرحلة الأولى من الحملة البريطانية لمناهضة الاسترقاق كذلك، عندما كانت حركة وطنية قادتها الطبقة المتوسطة دفاعًا عن الشرف البريطاني.

فلنتذكر معًا الطريقة التي تنتهجها هذه الاستراتيجية. يوجِّه الناس في الداخل أنظار بني وطنهم إلى الأذى الذي يعود على سمعتهم القومية في الخارج من ممارسة ما للشرف. تحتاج هذه الاستراتيجية إلى حرصٍ في التطبيق؛ لأن من شأنها أن ينتج عنها ردة فعل قومية دفاعية عنيفة، هدفها أخذ هذه الممارسة محل النقد والذود عنها بحماسة متجددة لسبب محدد هو أنه ثمة أجانب لا يفقهون شيئًا قد أعلنوا عن معاداتهم لها. لهذا السبب ينبغي ألا تكون مساهمات الغرباء نابعة من عدم فهم. ومن ثم، تأتي أهمية الإصرار على أن جرائم الشرف تتنافى مع الإسلام؛ أي إن الخزي لا يلحق بالإسلام، وإنما بباكستان وبإخفاقها في تطبيق مُثُلٍ وثيقة الصلة بالمسلمين في الوقت الذي يزعم فيه دستورها تلك المُثُل محور ذلك المشروع القومي؛ فالإسلام حليفٌ في معركة الكفاح ضد جرائم الشرف.

وبالطبع، لا تقتصر مشكلة جرائم الشرف على باكستان، فبإمكانك أن تجد المشكلة ذاتها عند جارتيها أفغانستان والهند. أما في تركيا، التي تملك بالفعل قوانين تحرم هذه الجرائم، فلا تزال المشكلة قائمة خاصة فيما بين الأكراد في معاقلهم في مدنٍ مثل أنقرة وإسطنبول حيث يمثل الأكراد الأغلبية، وفي الريف كذلك. ولا تزال تُقتل النساء أو تُشوه بالأحماض في العالم العربي، بداية من مصر ووصولًا إلى المملكة العربية السعودية، ومن الأردن والأراضي الفلسطينية وحتى العراق، وكل ذلك باسم الشرف. ولا تخلو إيران من التهديدات نفسها، فكلها مجتمعات مسلمة تُجرِّم القتل، وإن كان القانون فيها متساهلًا للغاية في التعامل مع الجرائم التي يبررها الشرف.

يستقر النازحون من هذه الأماكن في أوروبا وأمريكا الشمالية، ويجلبون معهم معايير جرائم الشرف. تواجه الأسر المهاجرة التحدي المتمثل في التكيُّف مع المجتمعات الجديدة من حولهم وأفكارها التي تختلف تمامًا عن أفكارهم حول كيف ينبغي أن تتصرف المرأة الشابة وكيف ينبغي أن تُعامَل، وأمام هذا التحدي، يصبح التهديد بجرائم الشرف إحدى الوسائل التي يفرض بها الأب والأخ سطوتهما على الابنة أو الأخت التي تقاوم ما يزعم هؤلاء الرجال أنها سنن أسلافها.

يكمن التحدي الحقيقي في هذه الأماكن كافة في حماية المرأة من تلك المخاطر في نفس الوقت الذي تُراجَع فيه مواثيق الشرف؛ مصدر هذا التهديد. وليس كل مرتكبي هذه الجرائم من بين المسلمين؛ فقد سُجِّلت بعض الحالات بين أبناء طائفة السيخ (في جنوب آسيا وفي المجتمعات المهاجرة)، وكذلك بين مسيحيي فلسطين، إلا أن غالبية مرتكبي جرائم الشرف في واقع الأمر من المسلمين. وعندما يكون هذا هو الحال بالفعل، بإمكاننا أن نبدأ النقاش بالإشارة إلى أنهم بذلك يخالفون دينهم ويجلبون له الخزي.

إلا أنه من الحماقة أن نغض الطرف عن حقيقة تقضي بوجود جوانب أخرى لطريقة التعامل مع الحياة الجنسية في القانون والمجتمع في دولة مثل باكستان تنتهك حقوق الإنسان وتتمتع في الوقت ذاته بأساس متين من التعاليم الإسلامية. ففي تناولنا لجرائم الشرف، لا حاجة لنا إلى أن نجادل ضد الإسلام التقليدي، ولكن ثمة قضايا أخرى يصعب التعامل معها دون التطرق إلى مثل هذا المنحى. فأحد تأويلات اشتراط الرسول أن يكون دليل إثبات واقعة «الزنى» شهادة أربعة رجال (أو اعتراف أحد مرتكبي الواقعة) هو رفع معيار دليل الإثبات لدرجة تجعل من النادر توافره. وفي اعتقادي أن الفرضية التي تقول إن الرسول قد وضع مثل هذه المعايير الصعبة في محاولة منه للتخفيف من قسوة العقوبات الموجودة في مواثيق الشرف الأولى للعرب فيما يتعلق بالجنس لهي فرضية معقولة جدًّا. فقبل كل شيء، تبدأ جميع سور القرآن ما عدا واحدة بوصف الله بصفته الرحمن الرحيم.

وعلى الرغم من ذلك، ما زالت المجتمعات المسلمة ترجم الزاني والزانية حتى الموت، استنادًا إلى التفسير المباشر لسور القرآن الكريم والحديث الشريف. وإذا أرادت جمهورية إسلامية أن تعترف بحقوق الإنسان المكفولة لمواطنيها، فسيكون عليها أن تتنصل من هذا الجانب من تقاليد المسلمين، إلا أننا نعلم أن الأديان تستطيع أن تلتمس طرقًا للتعامل مع مثل هذه الأشياء. فتجد في العهد القديم، في سفر «اللاويين» (٢٠ : ١٠):

وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَإِذَا زَنَى مَعَ امْرَأَةِ قَرِيبِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ.

فقد كانت شريعة موسى، مثلها مثل الشريعة الإسلامية، ترى أن الرجم هو الأسلوب الأمثل لتنفيذ هذا الحكم؛ إلا أنه لا يوجد اليوم أي طائفة مسيحية أو يهودية رئيسية معاصرة ترغب في أن تطبق أي دولة هذه السياسة.34

تغيير أسس الشرف

إن استراتيجية الخزي الجمعي تحتاج إلى ائتلاف يجمع بين القوى الداخلية والقوى الخارجية حتى يُكتب لها النجاح، كما رأينا في الصين على وجه الخصوص. وفي سعينا لإقامة مثل هذا الائتلاف، يمكننا أن نستفيد من القياس على حركة مناهضة الاسترقاق التي قادتها الطبقة العاملة، التي نجحت في حشد مجموعة من الناس عن طريق جعلهم يدركون كيف أن ممارسة الشرف في بقعة من بقاع الأرض، وهي ممارسة لا يد لهم فيها على نحو مباشر، قد جلبت عليهم الخزي. سأطلق على هذه الاستراتيجية «الارتباط الرمزي»، وهي أن تحمل الناس على المشاركة في الكفاح ضد ممارسة ما عن طريق حملهم على رؤية كيف أن هذه الممارسة تفترض مسبقًا إخلالهم هم أنفسهم بالشرف. وتعد هذه الاستراتيجية واحدة من الطرق الرئيسية التي نجحت في استنفار القوى الخارجية. فقد صارت المنظمات النسوية الدولية من أهم حلفاء من يكافحون ضد جرائم الشرف داخل باكستان (وغيرها من البلدان)، بعد أن أصبحت طرفًا في القضية؛ لأنها أدركت أن ممارسة «الكارو-كاري» في الأساس تعامل المرأة على أنها أقل استحقاقًا للاحترام، وأقل استحقاقًا للشرف، من الرجل. ولا شك في أنها تتعامل مع القضية باعتبارها مسألة عدالة، إلا أن الحافز وراء ذلك يكمن بدرجة كبيرة في المعنى الرمزي لجرائم الشرف باعتبارها تعبيرًا عن تبعية المرأة؛ فمن الواضح أن في جرائم الشرف إدانة لشرف المرأة في كل مكان، فهي تعكس قناعة بأن المرأة ليست أهلًا لأبسط صور الاحترام.

إن ممارسة جرائم الشرف، التي عادة ما تقع المرأة تحت طائلتها، على الرغم من أنها صالحة للتطبيق على الرجل من الناحية النظرية، تخدم غرض ترويع العديد من النساء وإرغامهن على الإذعان لسوء المعاملة الزوجية، كما أنها تمنح الرجل طريقة للتخلص من امرأة لم تعد تلائمه مع ضمان إفلاته من العقوبة. والسجلات الباكستانية مليئة بالقضايا التي تخفَّت فيها جرائم قتل عادية تحت غطاء جرائم الشرف.35 ومن ثم، فإن المرأة عُرضة للتهديد من زوجها وأخيها وأبيها وحتى ابنها، وكأن لسان حالهم يقول: افعلي ما تؤمرين به، وإلا سنتهمك بالزنى ونقتلك، وعلى الأرجح سنفلت من العقاب. لقد أرادت سامية ساروار أن تُطلَّق من زوجها، وهو الرجل الذي افترقت عنه لسنين وسنين؛ من أجل أن تتزوج من رجل أحبته. وقد كانت الأخلاقيات العادية، والشريعة الإسلامية، والقوانين الباكستانية كلها تكفل لها هذا الحق، ولكن نظرًا لأن الطلاق من شأنه أن يهدد شرف عائلتها، أطلق عليها الرصاص جهارًا نهارًا قاتلٌ كانت قد أحضرته أمها. والأسوأ أن تدبير العائلة لقتلها كان له أبلغ الأثر بالفعل في إنقاذ شرف تلك العائلة. ربما يكون قاتلها قد لقي حتفه في المعركة التي تلت وفاتها، إلا أنه ثمة ما يدعو للشك في أنه كان سيُعدم لارتكابه جريمة قتل لو كان قد نجا.36 لقد أثنى الساسة في مجلس الشيوخ الباكستاني على اهتمام العائلة بشرفها، ووصفوا سامية ساروار (المرأة المتزوجة ذات التسع والعشرين ربيعًا) بكلمة «باتشي» أي «الفتاة الصغيرة»، ووصفوا ملجأ النساء اللاتي تعرضن للضرب، حيث كانت تقيم سامية، «وكرًا للدعارة».37 لقد أرادوا أن يلصقوا الخزي بالمرأة الميتة، ويغدقوا الشرف على عائلتها.
لطالما عملت المرأة العادية في باكستان في الزراعة والخدمة في المنازل، وقد انضمت إليها المرأة الأعلى مكانة أيضًا، وصارت تشغل وظائف على نحو متزايد، فصارت تحصل على مؤهلات علمية كما كان حال سامية ساروار ووالدتها، وصارت تساهم في الاقتصاد القومي، كما صارت تتحدث على مشهد من الناس، وصار الناس ينصتون لها. ثمة نساء، أمثال بناظير بوتو رئيسة الوزراء الراحلة، وهينا جيلاني محامية سامية ساروار المرموقة، صارت لهن مساهمات في الحياة العامة في باكستان لا لسبب غير أنهن تحررن من ميثاق شرف يمجِّد احتجاب المرأة عن العامة. ولن يجلس أمثال هؤلاء النساء اللاتي يتمتعن بتلك الخبرات مكتوفات الأيدي في الوقت الذي تتعرض فيه أخواتهن للقتل، وكان هذا واضحًا في الاحتجاجات واسعة النطاق التي تلت مباشرة مقتل سامية ساروار. فربما كان الشائع أن المرأة في الريف الباكستاني تعوزها المنظمات المحلية التي تمد لها يد العون وتوفر لها ملاذًا آمنًا تأوي إليه، إلا أن المرأة الحضرية تستطيع أن تهرب إلى ملجأ مثل «داستاك»، حيث باستطاعتها أن تحصل على دعم المنظمات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان.38 وفي مثل هذه الظروف، تصبح مواثيق الشرف، التي تُستغل في الإبقاء على المرأة في مكانها دون حراك، تحت وطأة الضغوط المتزايدة.
وهنا نستطيع أن نعود للدرس المستفاد من نهاية المبارزة، عندما أُجبر عالم للشرف على أن يدرك أن مواثيق شرفه لم تعد تجدي. خضعت ممارسات الشرف للمراجعة، فتحوَّلت من ممارسات حكر على النبلاء العسكريين إلى مواثيق حديثة أكثر تمدنًا تتبع منظور نيومان الحديث للسيد النبيل، وهي مواثيق تتلاءم على نحو أفضل مع ما عليه العالم اليوم. لا شك في أن تقبل العديد من الباكستانيين المعاصرين لفكرة «الشرف» بمفهومه الحديث، حيث يشغل الاحترام الحقيقي للمرأة مكانة مهمة في الشرف الذكوري، يأتي على نفس درجة الصعوبة التي واجهتها إنجلترا في مطلع القرن التاسع عشر عندما كان عليها تقبُّل ميثاق يليق بكرام النفوس يدور في فلك فكرة تجنب إيذاء الآخرين، أو درجة الصعوبة التي واجهتها الصين في عام ١٨٨٠ في مواجهة ميثاق للزواج ينتقص من قدر المرأة مربوطة القدمين، إلا أنها مفاهيم في سبيلها للقبول بالفعل؛ فبعد مقتل سامية ساروار، تساءلت أسماء جاهنجير: «أي شرف يكمن في فتح النار على امرأة عزلاء؟»39 وعلى صفحات الموقع الإلكتروني www.nohonor.org الذي روَّج لنفسه بالكلمات التالية: «العرب والمسلمون ضد جرائم «الشرف».» كان الشعار، لا شرف في جرائم الشرف، خير تعبير عن الموقف بحق.
في الثورات السابقة، لم تُقابَل القوة المحفزة على الشرف بالاعتراضات، بل بتغيير المسار؛ وعليه يبدو أن أفضل سبيل هو عدم البحث عن حجج ضد الشرف، بل العمل من أجل تغيير أسس الشرف، وتغيير المواثيق التي تحدد مفهوم الشرف. لقد أصابت أسماء جاهنجير في السؤال الذي طرحته، وسيكون معها الحق في أن تصمم على أنها واحدة من بين أوائل الباكستانيين الكثيرين الذين طرحوا هذا السؤال. في الفصل الأول، كنت قد استشهدت بسؤال مشابه طرحه ويليام جودوين حول المبارزة. تذكر أنه تساءل عما إذا كانت مقاومة الضغوط الاجتماعية التي تجبر المرء على المبارزة تنطوي على شجاعة أكبر من مجرد الخضوع لها. كان جودوين يحاول أن ينظم صفوف الشرف في مواجهة المبارزة، كما كانت تحاول أسماء جاهنجير مع زملائها من النشطاء أن تنظم صفوف الشرف في مواجهة «الكارو-كاري».

إن العنف المُمَارس ضد المرأة مشكلة متفشية في أنحاء الكرة الأرضية، وما جرائم الشرف إلا أحد أشكاله العديدة، إلا أنني أعتقد أن إصلاح الشرف مرتبط بكافة أشكال العنف الذي يضفى عليه الطابع الجنسي، وأعتقد أيضًا، بوجه خاص، أن كل مجتمع في حاجة إلى الحفاظ على مواثيق يكون فيها الاعتداء على المرأة، أو الاعتداء على أي شخص كان، في نطاق الأسرة الواحدة، منافيًا للشرف ومصدرًا للعار.

الشرف بصفته مشكلة وحلًّا

يتضح لنا من الحالات الثلاث شديدة التباين التي تدارسناها كيف أن التغيرات التي تطرأ على مواثيق الشرف من شأنها أن تعيد تشكيل الشرف، محفزة إياه على خدمة الخير؛ ففي حالة المبارزة، أسفرت المراجعات التي خضعت لها مفاهيم الشرف الذي يليق بالسادة النبلاء في بريطانيا في منتصف القرن التاسع عشر عن ثقافة جديدة تحوَّل فيها مصدر التهديد الأساسي لشرف السادة النبلاء، وهو احتمال فقدان الشرف وإلحاق الخزي، من كونه سببًا للمبارزة إلى كونه مأخذًا على تلك الممارسة. وفي الصين في مطلع القرن الماضي، كان شرف المرأة الصينية ذات المكانة الثقافية الرفيعة يحتِّم عليها أن تُربَط قدماها، إلا أن التغيرات التي طرأت على الطريقة التي يُنظر بها إلى شرف الأمة فيما بين أبناء طبقة المثقفين أدى إلى تحفيز نوع من أنواع الشرف، وهو الشرف القومي، لمواجهة منظومة الشرف الأرستقراطي القديم التي كانت مواثيقه تحتم ربط الأقدام. لقد شكَّل المفكرون — الذين أرادوا أن تحتل دولتهم مكانتها بين دول العالم الحديث — ثقافة الشرف من جديد بحيث صارت الأقدام المربوطة مصدرًا للإحراج، بل والخزي، لا الشرف، وذلك خلال جيل واحد. ففي نهاية القرن التاسع عشر، كان من الصعب على عائلة من الطبقة الراقية من الهان الصينية أن تجد زوجًا مناسبًا لفتاة ذات أقدام طبيعية، وفي الثلاثينيات من القرن العشرين، أصبح العكس صحيحًا في أغلب بقاع الصين. أما الطبقات العمالية الإنجليزية في منتصف القرن التاسع عشر، فقد وجدت نفسها، في أثناء رحلتها للبحث عن شرف أبنائها من العمال، متحالفة ضد ثقافة الاسترقاق، التي كانت تربط بين الحرية (وبياض البشرة) وبين الشرف من ناحية، وبين الاسترقاق (وسواد البشرة) وبين الخزي من ناحية أخرى.

ثمة نقطة أخرى لافتة للنظر بشأن هذه الأمثلة الثلاثة؛ فكلها ثورات، جاءت كلها بسرعة مدهشة مثلما جاءت نهاية عادة ربط الأقدام؛ فقد بدأت حركة القضاء على تجارة الرقيق في الثمانينيات من القرن الثامن عشر، وترسخت جذورها في التسعينيات من القرن ذاته، وهذان هما العقدان اللذان شهدا تجارة الرقيق الإنجليزية في أوجها.40 ومن الناحية التاريخية، يمكن تشبيه كل واحدة من تلك اللحظات بالتجارب المعملية في المدارس الثانوية، تنتشر فيها مادة متبلرة ضئيلة جدًّا بسرعة في سائل. إن نقطة الذروة بالنسبة للمبارزة لم تكن بعيدة عن لحظة نهايتها. ولذلك عندما نتأمل جرائم الشرف، وهي ممارسة أقدم من الإسلام ولا تزال منتشرة في أماكن عديدة في أفريقيا وآسيا، ينبغي أن نتذكر أن تلك العادات العتيقة الأخرى، التي كانت تبدو هائلة ومستمرة وراسخة، قد احترقت في النهاية في غمضة عين.

في المشهد الختامي من «سيدوتا إي أباندوناتا»، ينهار الدون فينشينزو كاليفانو من فرط الإجهاد الذي يلاقيه من ترتيبات زواج ابنته الصغرى المُحجِمة عن الارتباط بببينو، وهو على فراش الموت، يجبر محاميه وطبيبه على أن يعدانه ألا يخبرا أحدًا بأمر وفاته إلا بعد إتمام الزواج، وفي اللحظات الأخيرة من الفيلم، نرى أجنيس وقد وقفت أمام المذبح في حالة من اللامبالاة، مستسلمة لقدرها، ونرى أختها وقد قصت شعرها وصارت راهبة واهبةً نفسها للمسيح. وتمر لحظات، ويأتي المشهد الأخير بصورة لتمثال نصفي يرتكز فوق قبر الدون فينشينزو، منقوش عليه كلمتان: «الشرف والعائلة». لقد قدَّم ثلاثة أفراد من عائلة أسكالوني تضحيات في سبيل الشرف. ولكن الفيلم، على كآبته، فيلم كوميدي ساخر. كان الفيلم تصويرًا لظواهر شهدتها الثقافة الإيطالية جعلت من الممكن لفرانكا فيولا أن تقاوم ثقافة الشرف في مجتمعها. ولم تكن فكرة الفيلم إثبات أن مثل تلك الممارسات خاطئة فحسب، حيث ينتج عنها زيجات خالية من الحب، وأحلام محبَطة، ومعاناة وموت، بل كانت فكرته إثبات أنها ممارسات عبثية بل وسخيفة كذلك؛ فهي تجعل من صقلية أضحوكة. وهكذا يُثبَت خطأ الفكرة على نحو عبثي.

إن الدرس المستفاد هو أننا قد يحالفنا النجاح في تحرير المرأة من جرائم الشرف في باكستان إذا ما عملنا على إعادة تشكيل الشرف أكثر مما لو حاولنا مجرد دق ناقوس الأخلاقيات. إن الخزي، بل وأحيانًا السخرية المحسوبة، قد تتحول إلى أدوات نحن في حاجة إليها. ولا يعني هذا أن المناشدات باسم الأخلاق — باسم العدالة وباسم حقوق الإنسان — ليست ذات صلة. ينبغي أن يكون الهدف من وراء النضال في سبيل مُنَاهضة جرائم الشرف هو تشجيع المزيد من الباكستانيين على إدراك حقيقة أن بلدهم موصومة بالخزي بسبب سماحهم بوقوع هذا الظلم. إن الحديث عن الخطأ الكامن في جرائم القتل تلك أمر ضروري لتفسير السبب وراء اعتبارها مصدرًا للعار، كما كان الحال مع الحديث عن الخطأ الكامن في كل من عادة ربط الأقدام والاسترقاق ومحاولة إثبات أنهما مصدر خزي لكل من الصينيين والإنجليز على التوالي. ويحدوني الأمل في أنه عندما تحين اللحظة الحاسمة، سيأتي التغيير على جناح ثورة؛ أي سيكون تغييرًا كبيرًا في فترة وجيزة من الزمن.

لقد بدأ نساء، ورجال أيضًا، في باكستان بالفعل يطرحون السؤال التالي: كيف يتسنى لرجل يقتل امرأة من آل بيته أن يكون جديرًا بالاحترام؟ وبالفعل أيضًا بدأ المفكرون الحداثيون يطرحون السؤال نفسه الذي كان قد طرحه كانج يووي بشأن عادة ربط الأقدام ولكن هذه المرة بشأن جرائم القتل؛ ألا وهو، كيف يمكن للعالم أن يحترمنا ونحن نرتكب مثل هذا الفعل الشنيع؟ ويجري هذا السؤال على ألسنتهم لا لأن عالمهم قد اتسع ليشمل سائر الإنسانية فحسب، بل لأنهم يريدون أن يكون عالمهم هو الآخر، جديرًا بالاحترام من وجهة نظرهم. لا بد من أن ينقلب الشرف على جرائم الشرف كما انقلب على المبارزة وعلى عادة ربط الأقدام وعلى الاسترقاق. فلنستمر مهما كلَّفنا الأمر في تذكير الآخرين بأن جرائم الشرف غير أخلاقية وغير قانونية وغير منطقية وغير دينية. ولكنني أعتقد أن مجرد إدراك هذه الحقائق لن يستطيع من تلقاء نفسه أن يوائم بين أفكار الناس وأفعالهم. فجرائم الشرف لن تذهب بلا عودة إلا عندما ندرك كم هي منافية للشرف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠