الشاويش «فرقع» يتهم

قرَّر «تختخ» في ذلك الصباح ألَّا يخرج من المنزل؛ فقد كانت نظرةٌ واحدة إلى الشارع كافيةً ليعرف مدى الحرارة التي تَصبُّها الشمس على الطرقات … حتى غرفته التي أغلق نوافذها كانت حارة … لهذا استلقى على كرسي متكاسلًا، وأخذ يقرأ في كتاب «سندباد مصري» الذي استعاره من مكتبة والده من تأليف الدكتور «حسين فوزي». كان كتابًا ممتعًا عن تاريخ مصر … لا يُقدِّم التاريخ مسلسلًا كما اعتادَت الكتب التاريخية … لكنه يُقدِّمه في شكل حكايات وقصص وشخصيات ومواقف.

ولكن هذا الوقت الممتع الذي كان «تختخ» يتمنَّى أن يستمرَّ طويلًا قطعه صوتٌ آتٍ من الدور الأول للفيلا. كان صوت الشاويش «علي» أو «فرقع» كما اعتاد المغامرون الخمسة أن يسموه.

أغلق «تختخ» الكتاب ووقف … إن حضور الشاويش إلى منزلهم معناه مشكلات قادمة، وأن هذه المشكلات تتعلَّق به وبأصدقائه في الأغلب. وفكَّر «تختخ» بسُرعةٍ فيما يمكن أن يُغضب الشاويش منهم، لكنه لم يتذكَّر شيئًا واحدًا … فهم منذ فترةٍ طويلةٍ بلا مغامرة يشتركون فيها، أو لغزٍ يحلُّونه؛ ممَّا كان يُثير الشاويش ضدَّهم.

وقطع عليه حبل أفكاره صوت والده يستدعيه … فأسرع يرتدي حذاءه، ونزل مُسرعًا وهو يحمل الكتاب في يده. كان الشاويش يجلس وقد احمرَّ وجهه، واشتعلَت عيناه غضبًا، وكان والد «تختخ» مُتجهِّمًا هو الآخر … واقترب «تختخ» منهما وقد خانه ذكاؤه؛ فلم يستطِع أن يعرف ما الذي يمكن أن يُغضبهما معًا … وأَذِن والد «تختخ» له بالجلوس، ثم قال: إن للشاويش «علي» شكوى منكم … إذا كانت صحيحةً فسيكون حسابك عندي عسيرًا.

نظر «تختخ» إلى الشاويش فرآه ينظر إليه في غضبٍ شديد، فقال: آسف جدًّا يا أبي، ولكني لا أذكر أنني — أو أحدًا من الأصدقاء الخمسة — قد ارتكب شيئًا يُغضِب الشاويش … لقد كانوا معي حتى أمس … ولو كان هناك أي شيء لقالوا لي … انفجر الشاويش قائلًا بصوتٍ مرتفع: طبعًا سوف تُنكرون كل شيء … وتزعمون أنكم لا علاقة لكم بالموضوع!

قال «تختخ» بهدوء: أي موضوع؟

ردَّ والده: لقد وجد الشاويش على جدار منزله كتابةً بذيئةً عنه … لا أذكر ما هي بالضبط!

عاد الشاويش يصيح: لقد كتبوا على جدار منزلي أني … أنني حمار … تتصوَّر يا أستاذ أني حمار … وغبي … ولا أفهم شيئًا؟!

اتسعَت عينا «تختخ» دهشةً وقال: نحن كتبنا هذا الكلام؟!

الشاويش: طبعًا … طبعًا … لقد وقَّعتم عليه باسمكم … المغامرون الخمسة … «تختخ» … «محب» … «نوسة» … «عاطف» … «لوزة»!

تختخ: أؤكد لكَ أننا لم نكتب شيئًا … وأنتَ تعرف أننا نحبكَ ونحترمك، ولا يمكن أن نُقدِم على مثل هذا العمل.

الشاويش: إنكار … طبعًا تُنكر … ولكنكم فعلتم هذا؛ لأنكم لم تشتركوا في حل اللغز الذي أعمل فيه!

تختخ: مرةً أخرى أؤكد لكَ يا حضرة الشاويش أننا لا يمكن أن نُقدِم على هذا العمل، ولا نعرف عن أي لغز تتحدَّث!

الشاويش: ليس في المعادي أولاد يُطلِقون على أنفسهم اسم المغامرين الخمسة إلا أنتم … وليس هناك أولاد يمكن أن يُعاكسوني إلا أنتم … إنكم — منذ كوَّنتم هذه المجموعة التي تتدخَّل في عملي — تُسبِّبون لي المشكلات، وتُحاولون أن تُبيِّنوا أنكم أذكى مني … ولكني في هذه المرة سأُثبت العكس!

ابتسم «تختخ» قائلًا: لكن يا حضرة الشاويش كيف غاب عنك ذكاؤك المعروف؟ … هل يُعقل أن يرتكب إنسانٌ جريمة، ثم يكتب اسمه مكانها؟! … هل سمعتَ مرةً عن لصٍّ سرق شيئًا، ثم ترك اسمه وعنوانه في مكان السرقة؟!

خفَّت ثورة الشاويش فجأةً وكأنها ورقة مشتعلة صُبَّ عليها دلو من الماء البارد، وأخذ ينظر إلى «تختخ» وقد توقَّف لسانه في حلقه. والتفتَ «تختخ» إلى والده فوجد آثار الغضب قد زالت عن وجهه، وحلَّت محلها علامات الارتياح لهذا السؤال، فمضى «تختخ» يقول: إنكَ تعرف يا حضرة الشاويش أننا نحترم القانون … وأنتَ مُمثِّل القانون، فكيف نسخر منك؟! وإذا افترضنا أننا حاولنا هذا حقًّا، فهل كنا نكتب أسماءنا على هذا الكلام البذيء؟!

عاد الشاويش يتحدَّث وقد انطلقَت الكلمات من فمه كالرصاص: ومن الذي تظنه فعلها؟ من هو؟ هل تعرفه؟

ردَّ «تختخ»: من أين لي أن أعرفه، وأنا لم أسمع الحكاية إلا الآن؟ ومع ذلك فسوف أعرفه قريبًا جدًّا.

الشاويش: كيف؟

تختخ: لا تشغل بالكَ بما سوف أفعله … دعنا نتصرَّف، وسوف نُخطرك في خلالِ فترةٍ قصيرة باسم هذا الوقح الذي يُحاول أن يُوقِع بيننا وبينك!

قال الوالد وهو يقف: هل أنت مقتنع يا حضرة الشاويش؟

شرب الشاويش بقية كوب عصير الليمون الذي كان أمامه، ثم وقف قائلًا: إنني آسف إذا كنتُ قد أزعجتك، وسوف أنتظر أن يفي «توفيق» بوعده. وانصرف الشاويش، وسار معه «تختخ» فأوصله إلى الباب، ثم عاد فأخذ التليفون معه وصعد إلى فوق، ثم اتصل بالأصدقاء وطلب منهم الحضور إليه في المنزل، وبعد أن انتهى من حديثه عاد إلى كتابه.

مضى ربع ساعة، ثم سمع «تختخُ» أصوات الدرَّاجات وهي ترن، فنزل لمقابلة أصدقائه، ثم صعدوا جميعًا إلى غرفة العمليات، وعندما جلسوا قال «تختخ»: إننا مُتَّهمون بتهمةٍ سخيفةٍ أعلم جيدًا أننا أبرياء منها … ولكن إثبات هذه البراءة محتاج إلى بعض الجهد.

وعندما أحاطَت العيون المتسائلة ﺑ «تختخ» روى لهم ما حدث بينه وبين الشاويش «علي»، فصفَّقت «لوزة» بيدَيها صائحة: لغز … لغز … لغز! …

فمطَّ شقيقها «عاطف» شفتَيه قائلًا: لغز! أي لغز؟! … هل اتهام الشاويش «فرقع» بأنه حمار لغز؟! …

ردَّت «لوزة»: أشم رائحة لغز.

عاطف: لا بد أنكِ مصابة بزكام.

صفَّق «محب» بيدَيه قائلًا: هذا يكفي … لا تُضيِّعوا وقتنا في هذا الكلام، ودعونا نُناقش ماذا نفعل؟

تختخ: أمامنا مُهِمَّة واحدة … هي مراقبة منزل الشاويش. إن من كَتَب هذه الكلمات ونسبها إلينا يقصد الإضرار بنا … ويجب أن نعرفه!

نوسة: أقترح أولًا أن نذهب إلى منزل الشاويش لنرى هذه الكتابة. إن معرفة الخط جزء من خطتنا للإيقاع بهذا الذي كَتَب ما كَتَب.

عاطف: لا أفهم.

نوسة: كيف لا تفهم؟! إننا يجب أن نُحدِّد هل هو خط رجلٍ كبير أو صبي صغير؟ … وهل هو مُتعلِّم أو لا؟

لوزة: هيَّا بنا، لقد ضِقتُ بالبقاء في المنزل بلا حركة حتى أصبحتُ لا أستطيع تحريك قدميَّ!

تختخ: ولكن الحر شديد الآن … ولو خرجت في الشمس …

قال «عاطف» بسرعة: ستسيح طبعًا … ويذهب بعض هذا الشحم الغزير الذي يُغطِّي جسمك، وستخس وتصبح رشيقًا كالغزال!

قالت «لوزة»: إني لا أسمح لكَ بأن تقول عن «تختخ» هذا الكلام!

تختخ: ليس مُهمًّا على كل حال … ولكني لن أخرج في هذه الشمس القاسية … دعونا ننتظر حتى المساء.

لوزة: سأخرج أنا وأعود إليكم فورًا.

نوسة: إنكِ وحدكِ لن تتمكَّني من معرفة ما نطلب. لا بد أن نذهب جميعًا، وأنا أُوافق «تختخ» أن ننتظر حتى المساء.

لوزة: وماذا نفعل حتى المساء؟

تختخ: أنا شخصيًّا سوف أبقى؛ لأنني أُريد الانتهاء من قراءة هذا الكتاب الذي أحببته كثيرًا.

محب: سنعود إلى منازلنا إذن.

تختخ: ونلتقي في المساء في حديقة «عاطف» كالمعتاد.

لوزة: ولكن قبل أن تغرب الشمس، وإلا فلن نُشاهد شيئًا على الإطلاق.

تختخ: فلْيكن موعدنا السادسة.

انصرف الأصدقاء، وعاد «تختخ» إلى كتابه … ومضت ساعة، ثم دقَّ جرس التليفون بجواره، وظنَّ «تختخ» أنه تليفون لوالده … ولكنه لمَّا رفع السمَّاعة دُهش أن سمع صوت «عاطف» يتحدَّث. قال «عاطف» في صوتٍ حزين: آسف يا «تختخ»، لقد خالفتُ الاتفاق … فقد أصرَّت «لوزة» ونحن عائدان إلى المنزل أن نذهب إلى منزل الشاويش ونرى الكتابة … وتحت إلحاحها قبلتُ أن أذهب معها … وعندما نزلنا من فوق الدرَّاجات ووقفنا نتأمَّل الخط فُوجئنا بقطعة من الطوب تُلقى علينا، وقد أصابَت «لوزةَ» في رأسها!

ارتاع «تختخ» عند سماع هذا الكلام فقال: وهل الإصابة كبيرة؟!

عاطف: لا … كانت طوبةً صغيرة، وقد فزعَت «لوزة» … وأسرعتُ أنا لمحاولة معرفة من الذي قذفنا بالطوبة، لكني لم أجِد أحدًا، وفضَّلت أن أعود بها إلى المنزل فورًا؛ لأضع بعض المطهِّرات على الجرح، وأربط لها رأسها.

تختخ: إنني قادم فورًا!

وأسرع «تختخ» إلى درَّاجته، وانطلق مُسرعًا وقد نسي الشمس والحر … وخلفه انطلق كلبه الأسود الذكي «زنجر»، وقد أحسَّ برغم حرارة الشمس بالسعادة لأنه سيجري قليلًا.

عندما وصل «تختخ» إلى منزل «عاطف» كانت «لوزة» تجلس في الحديقة، وقد ربطَت رأسها بالشاش وبدا وجهها شاحبًا، فتأثَّر «تختخ» كثيرًا، واحتضنها، وأخذ يربت على كتفها وهو يسأل نفسه:

هل الذي كتب الكلام البذيء على جدران منزل الشاويش هو نفسه الذي قذف «لوزة» بالطوبة؟ إن معنى ذلك أن هناك ثأرَين له، وعقابًا رادعًا لما فعل.

وبعد أن اطمأن «تختخ» لحالة «لوزة» أسرع يقفز على درَّاجته، وانطلق جريًا إلى منزل الشاويش «علي». وعندما اقترب منه أخذ يتلفَّت حوله لعلَّه يرى أحدًا يشتبه فيه، ولكن حرَارة الجو كانت قد جعلَت الناس يأوون إلى بيوتهم؛ فلم يكن بقرب المنزل سوى رجل وسيدة يسيران في هدوء … ووقف «تختخ» بجوار منزل الشاويش «علي» … وأخذ يتأمَّل الكتابة … كان من الواضح أنها كتابة صبي … فقد كان الخط رديئًا، وكان الكاتب قد استخدم الطباشير في الكتابة بخطٍ كبير … وقرأ «تختخ» المكتوب، وأحسَّ بالدماء تتصاعد إلى رأسه، ولا سيما عندما قرأ اسمه تحت الكلمات البذيئة التي لا يمكن أن تصدر عنه.

وقف «تختخ» يُفكِّر قليلًا، ولكن حرارة الشمس القاسية أجبرَته على ترك المكان، فركب الدرَّاجة واستدار عائدًا، كان منزل الشاويش يقع في منطقةٍ مزدحمةٍ بالمساكن، وتتفرَّع أمامه عدة شوارع ضيقة. وأخذ «تختخ» يتحرَّك في اتجاه أحد هذه الشوارع … فجأةً أحسَّ بشيء يمر بجوار أذنه، ثم يسقط على بُعد أمتار منه. كانت قطعةً من الطوب قد قُذِفت بشدة ومهارة، وكادت تُصيبه لولا حُسن حظه … ودار «تختخ» فجأةً على درَّاجته ونظر خلفه … ولكن الشوارع كانت خالية … لم يكن هناك إلا الرجل وزوجته يسيران على مبعدة.

ونظر «تختخ» إلى «زنجر» فوجده ينظر إليه في دهشة كأنما يسأله عن العدو المجهول الذي قذفه بقطعة الطوب … وعاد «تختخ» يأخذ طريقه إلى منزله وقد استغرقته الخواطر والأفكار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢