الفهد السابع

تسلَّل «تختخ» في الظلام بخفة النمر … وتسلَّق إحدى الأشجار القريبة من الفهود الستة، وكانت أصوات ضحكاتهم ما تزال ترتفع، وحديثهم لا ينقطع. كانوا يتصوَّرون أنهم عملوا كلَّ شيء أرادوه … ولم يتصوَّروا أن الخطر يكمن قريبًا منهم … وقبل أن يتبيَّنوا ما حدث كان «تختخ» قد تقدَّم من أحدهم، وبقوة وسرعة أزاحه من حيث يجلس، ففقد توازنه وسقط على الأرض … ولم تكن المسافة بعيدة؛ فقد كان «تختخ» حريصًا على ألَّا يُصيبهم بجراح … وأطلق «تختخ» صيحة البومة … فتقدَّم «محب» مُسرعًا وتلقَّف الفهد قبل أن يُفيق ووجَّه له ضربةً قاضية … وسقط الفهد الثاني … وكان «زنجر» … الأسود قد انفرد بالكلب الأبيض في الظلام … وارتفع صياحهما وهما يتعاركان، ودبَّت الفوضى في الفهود، وأخذوا يتسابقون في الجري وهم يتصايحون: ماذا حدث؟! ما هذا؟! ولكن «تختخ» و«محب» … لم ينطقا بحرف … كانا يقومان بالعمل لرد الإهانة التي لحقَت بالمغامرين الخمسة … وكان الفهود يتساقطون وقد أصابهم الرعب والفزع … وبعضهم انطلق يجري وهو يعرج في الحديقة الواسعة … وعندما انتهى «تختخ» من مُهمَّته أطلق صيحة البومة مرةً أخرى، ثم أسرع إلى السور، ولحق به «محب» … ثم «زنجر» … وقفز الثلاثة السور الواطئ إلى الشارع … ثم استقلَّ الصديقان درَّاجتيهما، وقبع «زنجر» في سلته سعيدًا … وانطلق الثلاثة وقد أحسُّوا بارتياحٍ كبير … لقد أدَّوا المهمَّة وعلَّموا الفهود السبعة أن المغامرين الخمسة لا يُهزمون!

عندما وصل الصديقان إلى منزل «محب» توقَّفا قليلًا، ومدَّ «محب» يده يصافح «تختخ» ويشد على يده، وقال «تختخ»: إن المهمَّة لم تنتهِ بعد … إن هؤلاء الأولاد يعرفون سرًّا هامًّا … ونحن لن نكتفي بضربهم؛ فهذا لا يُهمُّنا كثيرًا، إنما المهم حقًّا أن نعرف ما هو السر … وأن نحله قبلهم، ونُثبت لهم مرةً ثانية أننا لا نُهزم.

محب: وما هي خطتك؟

تختخ: ليس الآن … إنكَ مُتعب وأنا كذلك، وعلينا أن نرتاح الليلة، ونُفكِّر فيما ينبغي عمله … وسنجتمع غدًا صباحًا في موعدنا عند «عاطف»، ويُطرح الموضوع كلُّه للمناقشة على الأصدقاء، ونرى ما يمكن عمله.

محب: تصبح على خير.

تختخ: إلى اللقاء.

عندما وصل «تختخ» و«زنجر» إلى البيت وضع «تختخ» لكلبه الشجاع الذكي كميةً مضاعفة من اللحم والعظم؛ تقديرًا للدور الذي قام به، ثم صعد إلى غرفة العمليات، فخلع ثيابه وأخذ دشًّا باردًا وجلس يُفكِّر.

عندما اجتمع المغامرون الخمسة في صباح اليوم التالي كانوا جميعًا في أحسن حالاتهم؛ فقد أخذ «محب» … يقص عليهم ما حدث الليلة الماضية … وكيف ذهب للانتقام للمغامرين الخمسة مُندفعًا دون تروٍّ فوقع في أيدي الفهود وحبسوه في مخزن الأخشاب، حتى حضر «تختخ» و«زنجر».

ومضى «محب» … يصف المعركة التي وقعَت في الظلام مع الفهود، وكيف فزعوا وأخذوا يتساقطون كأوراق الشجر بين يدَيه … وكان «عاطف» و«نوسة» و«لوزة» يتابعون الحديث باهتمامٍ وانفعال … ويضحكون كلما سمعوا اللحظات المثيرة التي مرَّت ﺑ «محب» و«تختخ» و«زنجر».

ولم يكَد «محب» ينتهي من قصته حتى حدث ما لم يكن في الحسبان … فقد سقطَت أمامهم قطعةٌ من الطوب قُذفَت بمهارةٍ بحيث تسقط بينهم تمامًا … ولم تكن قطعة طوب عادية؛ فقد كانَت مغطاةً بورقةٍ وملفوفةٍ بدوبارة، والتفتَ «تختخ» سريعًا ليرى من الذي قذف الطوبة، واستطاع أن يُلاحظ ولدًا طويلًا نحيلًا يتوارى مُسرعًا … وعلى كل حالٍ لم يكن «تختخ» في حاجةٍ ليُحاول معرفة الذي قذف الطوبة … فلا شكَّ أنه أحد الفهود السبعة.

كانت رسالةً من الفهود السبعة قرأَتها «نوسة» على الأصدقاء بصوت مرتفع:

«من الفهود السبعة إلى المغامرين الخمسة … لقد استطعتُم في الظلام وبالخديعة أن تُوقعوا بنا … وأن تضربونا وتُسبِّبوا لنا الفزع … وقد خطفنا واحدًا منكم واستطعتُم إطلاق سراحه … ثم خطفتُم أنتم واحدًا منَّا … ونحن نطلب منكم إطلاق سراحه فورًا، وإلا سيكون انتقامنا منكم سريعًا ورهيبًا!»

نظرَت «نوسة» إلى «تختخ» فقال: إنني و«محب» لم نخطِف أحدًا، ولو خطفناه لقلنا لكم … ولكن المغامرين الخمسة لا يخطفون أحدًا، وليس هذا أسلوبنا في حل الألغاز.

عاطف: وماذا تتصوَّر إذن؟

تختخ: احتمالان لا ثالث لهما … إمَّا أنهم يُحاولون إيجاد سببٍ للاصطدام بنا مرةً أخرى … وإمَّا أن طرفًا ثالثًا في هذه المغامرة هو الذي خطف الفهد السابع.

محب: إنني أُرجِّح الاحتمال الثاني … فقد اصطدموا بنا قبلًا دون سبب، وهم ليسوا في حاجةٍ إلى سببٍ لصدام جديد!

لوزة: إذن فهذا الفهد السابع خُطِف بواسطة العصابة!

عاطف: أي عصابة؟! إننا لم نسمع في كلِّ ما دار من حديثٍ شيئًا عن عصابةٍ من أي نوع! إنكِ تحلمين بالعصابات والمغامرات كما يحلم الجوعان بالطعام!

لوزة: لقد عرفنا أن الفهود السبعة يعرفون سرًّا خطيرًا لا يعرفه أحد غيرهم … وأن هذا السر لا يعرفه حتى رجال الشرطة … أليس هذا ما سمعه «تختخ» أمس عندما كان يستمع إلى الفهود في الظلام؟

تختخ: هذا صحيح.

لوزة: هذا السر الذي لا يعرفه رجال الشرطة لا بد أنه سِرٌّ عن شيء خارج عن القانون، يقوم به شخص أو أشخاص خارجون على القانون … وهؤلاء نُسمِّيهم عصابة … أليس كذلك؟

ابتسم «تختخ» و«محب» و«نوسة»، واحمرَّ وجه «عاطف» وقال: إن عقلكِ يُشبه العقل الإلكتروني!

تختخ: فعلًا … واستنتاجها صحيح … فما دام هناك سر خطير يُهم رجال الشرطة معرفته، فلا بد أن هناك خارجين على القانون … أو عصابة … وليس ثمَّة شكٌّ أن هذه العصابة هي التي خطفَت الفهد السابع!

نوسة: ونحن مُتَّهمون بخطفه!

محب: والفهود السبعة سيُوقعون بنا عقابًا شديدًا!

عاطف: وما العمل؟

تختخ: ليس هناك إلا محاولة إقناع هؤلاء الفهود بالحقيقة!

محب: كيف؟!

لوزة: هذا ما يجب أن نُفكِّر فيه.

تختخ: أولًا هناك إجراءات أمن لا بد أن نقوم بها لحماية أنفسنا من انتقامهم … فلا يسير أحدٌ منَّا وحده، وبخاصةٍ بعد غروب الشمس، وأن نكون على اتصالٍ مستمرٍّ إذا جدَّ جديد … والآن فكِّروا في طريقة للاتصال بالفهود السبعة!

نوسة: إنني أقترح أن تذهب إليهم كما ذهبتَ أمس ليلًا.

محب: هذه مغامرة ليست مأمونة … فقد لا يستمعون إليه وينتقمون منه!

لوزة: هناك وسيلة فعَّالة جدًّا!

التفتَ إليها الأصدقاء جميعًا فقالت: نُحاول معرفة رقم تليفون منزل أحد الفهود السبعة، ثم نتحدَّث معه!

تختخ: هذه فكرة جيدة … وإذا لم نتمكَّن فلن أتردَّد في الذهاب إليهم.

عاطف: في هذه الحالة نذهب أنا وأنت و«محب» … ولكن لا تذهب وحدك!

نوسة: إنكم تتحدَّثون عن حلول صعبة، هنا حل آخر أسهل!

مرةً أخرى انتبه المغامرون، وقالت «نوسة»: لنذهب الآن إلى ذلك الولد الذي يسكن قُرب منزل الشاويش «علي» والذي قذف «لوزة» و«تختخ» بالطوب، وسوف نُقنعه أن يحمل رسالةً منَّا إلى الفهود.

تختخ: معقول جدًّا! هاتِ ورقةً وقلمًا يا «عاطف» ودعنا نكتب الرسالة. وأسرع «عاطف» إلى داخل المنزل، ثم عاد ومعه الورقة والقلم، وتناقش الأصدقاء فيما يكتبونه في الرسالة، ثم تولَّى «تختخ» كتابتها.

إلى الفهود السبعة

ليس من أساليبنا خطف أحد. إننا لا نعرف شيئًا عن زميلكم المخطوف، ونعتقد أنه خُطف بسبب السر الخطير الذي تعرفونه، ونقترح أن تشركونا معكم في معرفة هذا السر حتى نستعيد الفهد المأسور، ومن المهم أن تعرفوا أننا لا نخشاكم، وأن تهديدكم لنا لا معنى له.

المغامرون الخمسة

بقيَت «نوسة» و«لوزة» في الحديقة، وانطلق المغامرون الثلاثة إلى منزل «سعد» القريب من منزل الشاويش «علي»، وفي الطريق قال «محب»: لقد نسينا الشاويش «علي» تمامًا، وقد وعدنا أن نُقدِّم له الولد الذي كتب الكلام السخيف على جدار منزله، ولكننا لم نفِ بوعدنا.

تختخ: معك حق … ولْننتظر يومَين آخرَين، فإذا لم نستطِع حل اللغز الذي يعرفه الفهود السبعة فسوف نُبلغ الشاويش الحقيقة.

واقترب الأصدقاء من منزل «سعد»، وكان «تختخ» متأكِّدًا أنه الولد نفسه الذي قذف الرسالة إليهم. وصعد «محب» إلى مسكنه، واستطاع إقناع «سعد» أن يحمل رسالة المغامرين الخمسة إلى الفهود السبعة. وعندما نزل «محب» قال: إنه خائف ومُرتعش؛ فهذه أول مرة يشتركون في مغامرة، ولم يسبق أن خُطِف أحدهم … ويبدو أن والد الفهد المخطوف قد أبلغ الشرطة، وأن الشاويش «علي» مشترك في العملية كلها.

تختخ: هل تعتقد أن الشاويش يعرف السر أيضًا؟

محب: هذا ممكن!

وسار الأصدقاء معًا وعادوا إلى حيث كانَت «لوزة» و«نوسة» تجلسان معًا في الحديقة، فتحدَّثوا معًا قليلًا، ثم تفرَّقوا على موعد في المساء على أمل أن يتصل بهم الفهود السبعة.

بعد الغداء جلس «تختخ» يكتب بعض مذكِّرات عن المغامرة كما اعتاد أن يفعل، ولم تمضِ لحظاتٌ حتى سمع جرس التليفون يدق، ثم سمع صوت الخادمة وهي تقول: هناك شخص يُريد التحدُّث إلى «توفيق» ولكنه لم يذكر اسمه.

نزل «تختخ» مُسرعًا إلى التليفون، ووضع السمَّاعة على أذنه، وسمع من يقول: هل أنت «تختخ»؟

تختخ: نعم، من المتحدِّث؟

الصوت: أنا زعيم الفهود السبعة!

تختخ: ولماذا لا تقول اسمك؟

الصوت: لا أحد يعرف اسمي حتى الفهود السبعة.

دُهش «تختخ» كثيرًا، ثم قال: المهم … ماذا تُريد؟

الصوت: إنني لم أُصدِّق ما جاء في رسالتكم!

تختخ: أنت حر في أن تُصدِّقه أو لا تُصدِّقه!

الصوت: ومع ذلك فلا مانع عندي من مقابلتكَ وحدك.

تختخ: تعالَ الليلة إلى الغابة … أقصد الحديقة التي جئتُ إليها أنا أمس، وسوف نتحدَّث معًا.

تختخ: وما الموعد؟

الصوت: في العاشرة.

ودون كلمة أخرى وضع السماعة … وأسرع «تختخ» إلى الاتصال بالمغامرين الخمسة، وأبلغهم ما حدث، وقال إنه سيذهب وحده إلى الموعد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢