في الوقت المناسب

أعمل «تختخ» فكره سريعًا؛ فأمامه دقائق ثمينة يجب أن يستغلَّها … فخلال تقييد العصابة ﻟ «محب» عليه أن يضع خطته … وكانت خطته تقضي أن يشد وثاق «عقلة» مرةً أخرى بأسرع ما يستطيع ويضعه مكانه. وهكذا عاد به مُسرعًا إلى الغُرفة التي كان مأسورًا فيها، ثم ربط يدَيه وقدمَيه كما كان، وخلال ذلك كان يُلقي إليه بتعليماته: تظاهر بأنك نائم … لا تقُل كلمةً واحدةً ممَّا حدث. إننا معرَّضون لخطر شديد!

ولم يكَد «تختخ» ينتهي من شد وثاق «عقلة» حتى سمع صوت خطوات في الدهاليز … وبقفزةٍ كان خارج الغرفة، وبقفزةٍ أخرى كان في إحدى الغرف المجاورة … وكان أحد أفراد العصابة يقود «محب» وقد كمَّم فمه، وأوثق ذراعَيه، ودخل به إلى الغُرفة التي بها «عقلة» … وتذكَّر «تختخ» قشر المنجة الذي تركه هناك، وأحسَّ بقلبه يقع بين قدمَيه … هل يلفت هذا القشر نظر الرجل؟ … أو لعلَّه يتصوَّر أن أحد زملائه أعطى ثمرة المنجة ﻟ «عقلة»؟! وقف مكانه متوتِّرًا … وسمع أصواتًا غاضبةً في الغرفة … وأدركَ أن «محب» يُقاوم، وكان يتمنَّى ألَّا يُقاوم حتى لا يتعرَّض لمخاطر.

بعد لحظاتٍ خرج الرجل وهو يُغمغم غاضبًا … ثم مرَّ أمام الغرفة التي بها «تختخ»، ومضى على ضوء بطارية دون أن يلتفت إلى الغرفة التي كان بابها مواربًا و«تختخ» خلفه.

لم يكَد صوت أقدام الرجل يختفي حتى قفز «تختخ» إلى الغرفة التي بها المغامران، وأطلق ضوء بطَّاريته، وقال بصوت هامس: مرحبًا «محب»!

رفع «محب» عينه غير مُصدِّق … ولكنه لم يستطع الكلام؛ فقد كان فمه مُكمَّمًا، ولمعَت في عينَيه دمعة إعجاب بالمغامر السمين الذي لا يُهزم … وفي لحظات قليلة كان «تختخ» قد فكَّ وثاق «محب» و«عقلة» وقال: ماذا حدث ﻟ «زنجر»؟ لقد سمعتُه يعوي!

محب: لقد استطاع الفرار … وإن كنتُ أظن أنه لن يبتعد فسوف يعود سريعًا!

تختخ: وكيف حضرت؟

محب: كنتُ أجلس في الشرفة عندما سمعتُ صوت «زنجر» في الحديقة، وأدركتُ على الفور أنه يستدعيني، فنزلتُ فورًا، وركبتُ الدرَّاجة، وأخذتُه معي … وذهبتُ إلى الحديقة الكبيرة، ولكنه جذبني ناحية الفيلا فأدركتُ أنكَ هنا … وقفزتُ السور، ولكني قبل أن أفعل أي شيء سمعتُ جرسًا، ثم وجدتُ الرجال يقفزون إلى الحديقة كالشياطين!

تختخ: لقد كان جرس إنذار؛ فهناك سلك ممتد في الحديقة لا يمكن أن تراه في الظلام، ولكن لحسن الحظ رأيتُه على ضوء البطارية.

محب: وما هو الموقف؟

تختخ: هناك خمسة رجال تقريبًا يقومون بعملية التزييف، ويبدو أنهم سينتهون من العمل الليلة بعد وقتٍ قليل كما سمعت، وهم جميعًا مُسلَّحون بالمسدَّسات وتبدو عليهم الشراسة.

محب: ماذا ترى؟

تختخ: أملنا أن نهرب فورًا ونتصل برجال الشرطة … أو نُهاجمهم، وهذا ما لا نستطيعه لأنهم أكثر عددًا وهم مسلَّحون أيضًا!

محب: لقد رأيتُ سيارةً بجوار سور الفيلا أُخفيَت بمهارةٍ وراء كوم القش … ولا بد أنها سيارتهم.

تختخ: عندي فكرة معقولة … أن نخرج فورًا ونقوم بإفساد السيارة بأية وسيلة، ثم نُسرع بإبلاغ رجال الشرطة، وسوف يُضيِّعون وقتًا وهم يُحاولون إصلاح السيارة، ولعلَّ رجال الشرطة يصلون في الوقت المناسب!

ونظر «تختخ» في ساعته … كان منتصف الليل تمامًا … فقال: لقد قابلتُ زعيم الفهود السبعة … وستُدهش إذا عرفتَ أنه الولد المشلول الذي يُدعى «وحيد»، وكثيرًا ما رأيناه على كرسيه المتحرِّك في شوارع المعادي!

والتفتَ «تختخ» إلى «عقلة» قائلًا: وبالمناسبة … كيف رأيتَ رجال العصابة وهم يُديرون المطبعة؟ إنهم يعملون تحت الأرض!

تحدَّث «عقلة» لأول مرة قائلًا: في البداية كانت المطبعة في الدور الأول، وقد استطعتُ من خلال شيش النافذة أن أراهم يعملون، وعندما قبضوا عليَّ نُقلَت المطبعة إلى هذا المكان!

تختخ: هل سألوكَ عمَّا إذا كنتَ قد أفشيتَ سرَّهم؟

عقلة: نعم سألوني، ولكني أكَّدتُ لهم أنني لم أقُل لأحد، وهكذا اكتفَوا بحجزي هنا حتى ينتهوا من عملهم، وقد فهمتُ منهم هذا الصباح أن هذه آخر ليلةٍ لهم في الفيلا، ثم يُغادرونها ولا يعودون إليها بعد ذلك!

تختخ: لقد اتفقتُ مع «وحيد» أن ينتظرني حتى منتصف الليل، فإذا لم أعُد إليه فعليه أن يتصل برجال الشرطة، ولكن لأن حركته بطيئة فلن يستطيع العودة إلى منزله والاتصال بهم إلا بعد نصف ساعة على أحسن تقدير، وقد تنصرف العصابة قبل ذلك!

محب: تعالَ نخرج ونُنفِّذ خطة إفساد السيارة؛ فقد تُعطِّلهم وقتًا كافيًا.

تختخ: هيا، وخذوا حذركما فالسلَّم مكسور!

واتجه الثلاثة في صمتٍ شديد إلى السلَّم ونزلوا بحذر، وكان صوت الماكينة يأتي من الغرفة الداخلية البعيدة التي في طرف الدهليز المظلم، وقرَّر «تختخ» أن يذهب إلى قُرب الغرفة ليرى الرجال عن قرب، وهمس بخطته إلى «محب»، وطلب منه أن ينتظره هو و«عقلة». كانت الأرض مُتربة فلم يخشَ أن يسمعوا صوت قدمَيه، وبخاصةٍ وهو يرتدي حذاءً من المطَّاط اللين، فانطلق في حذرٍ وقطع الدهليز، واقترب من الغرفة … كان صوت الماكينة أكثر ارتفاعًا … والضوء في الغرفة باهرًا … وكان الرجال يتحدَّثون في مرح، وقال أحدهم: لقد طبعنا حتى الآن نحو ٥٠٠ ألف جنيه … نصف مليون جنيه … لقد أصبحنا أثرياء!

ردَّ آخر: المهم هو تصريف المبلغ.

قال ثالث: لا تخشَ شيئًا … إن التزييف مُتقن للغاية … بل إن هذه النقود أفضل من النقود التي يُصدرها البنك المركزي!

وسمعهم «تختخ» يضحكون … والتصق بالجدار، ثم ألقى ببصره إلى الداخل، واستطاع أن يرى الماكينة، كانت صغيرةً على غير ما توقَّع … وكان بجوارها الرجل ذو الكتف المرتفعة … الذي رآه يُعِد «الساندويتشات»، ورجل آخر أنيق جدًّا وسمين، ومنظره يدل على أنه في حالة مُيسَّرة، ولا ينتمي كثيرًا إلى هذه الفئة من اللصوص. وكان هذا الأنيق يقوم بوضع رزم النقود في حقيبة … وكان بجواره حقيبة أُخرى يبدو أنه انتهى من ملئها … اكتفى «تختخ» بما شاهد … ثم انسحب مُسرعًا عائدًا إلى الصالة، ومنها خرج الثلاثة بواسطة الباب السري إلى الحديقة، وعلى ضوء البطارية استطاعوا تجاوز سلك الإنذار.

قال تختخ: أين السيارة؟

ردَّ «محب»: في الناحية الأخرى من السور؛ فقد دُرتُ حولها قبل أن أدخل.

أسرع الثلاثة إلى حيث قادهم «محب» … ووجدوا السيارة السوداء تقف، وقد اختفَت تقريبًا تحت كوم من القش، فقال «تختخ»: لن نستطيع فتح الموتور … والحل هو تفريغ العجلات ببطء حتى لا تُحدث صوتًا!

اتجه كل واحدٍ منهم إلى عجلة، ورفعوا الصمَّام، ثم ضغطوا على المسمار الرفيع، وسرعان ما كان الهواء يتسرَّب من الإطارات الثلاثة، وهبطَت السيارة حتى نامَت على الأرض تقريبًا، وقال «تختخ» مُبتسمًا لأول مرة في هذه الليلة العصيبة: لن يستطيعوا استخدام السيارة مُطلقًا … المهم أن يصل رجال الشرطة في الوقت المناسب!

لم يكَد «تختخ» ينتهي من جملته حتى سمعوا صوت أقدام الرجال … فأسرعوا يختفون وراء الأعشاب النامية حول الفيلا … وشاهدوا على ضوء النجوم البعيدة رجلَين يحملان صندوقًا ثقيلًا، لم يشكُّوا في أن ماكينة التزييف فيه … ثم ظهر رجل يحمل حقيبة … ورابع يحمل حقيبةً أخرى … ثم عرف «تختخ» الرجل الخامس السمين الأنيق، وقد جاء وحده وبيده حقيبة متوسِّطة.

اقترب الرجال من السيارة، ودخل الأنيق فيها بعد أن فتح بابها، وأدار الموتور، وأخذ الرجال يضعون الحقائب داخل السيارة، ثم اتجهوا إلى الشنطة الخلفية لوضع صندوق الماكينة.

دارَت السيارة … ثم بدأ السائق الأنيق يُحاول الحركة … ولكن السيارة تحرَّكَت ببطء شديد، وأخذ الموتور يزمجر، ولكن السيارة لم تتحرَّك بعيدًا … وأدركَ الرجل الحقيقة، وشاهده «تختخ» ينزل، ثم ينحني ويُضيء بطَّاريته ويفحص الإطار الأول … ثم الثاني … ثم الثالث، ثم أخذ يشتم ويسب، وصاح ببقية الرجال فنزلوا مُسرعين، وأخذوا يَجرون حول السيارة كالمجانين، وهم يفحصون الإطارات ويتساءلون عن اليد التي عبثَت بها … ثم قال الرجل الأنيق: لقد نسينا الولدَين اللذَين قبضنا عليهما! اذهب يا «بيومي» إليهما.

أسرع أحد الرجال الخمسة إلى الفيلا … ووقف الأربعة الباقون يتحدَّثون في ضيقٍ شديدٍ وهم يطرحون مختلِف الحلول للمشكلة … وفجأةً عاد «بيومي» وهو يصيح: لقد هربا!

الزعيم: كيف؟!

الرجل: لقد وجدتُ الحبال مفكوكةً ولا أحد هناك!

صاح الأنيق الذي كان واضحًا أنه زعيم العصابة: إنكم حمير! … إنني أتعامل مع أغبياء! من المسئول عمَّا حدث؟!

صمت الرجال جميعًا، ثم قال أحدهم: لا وقت الآن للحديث … إن هذَين الولدَين سوف يُبلغان الشرطة، ولا بد أن سياراتهم ستُحيط بنا بعد دقائق!

فتح الرجال أبواب السيارة، وحملوا الحقائب وانطلقوا مُسرعين، كان الزعيم أسبقهم، فمَرَّ أمام المغامرين الثلاثة مُسرعًا … وبعده بمسافة مَرَّ رجلان يحملان إحدى الحقائب … وبعد مسافة أخرى مَرَّ رجلان، وأحسَّ «تختخ» أن العصابة ستهرب دون أن يقبض عليها، وبسرعةٍ مدَّ ساقه في الظلام أمام الرجلَين الآخرَين؛ فسقطا أرضًا، وهما يسبَّان ويلعنان … وقد تدحرجَت الحقيبة مبتعدةً في الظلام. صاح أحدهما: ماذا حدث؟!

قال الثاني وهو يقف: لا أدري … يبدو أن هناك خشبة أو قطعة من الصخر في الطريق!

قال الأول: وأين الحقيبة؟

الثاني: لا أدري … تعالَ نبحث عنها.

وفي تلك اللحظة ارتفعَت أصوات سيارات الشرطة من بعيد، فصاح واحد منهما: وقعنا!

وأسرع الاثنان يجريان … ولكن «تختخ» قفز على أحدهما … وقفز «محب» على الآخر … ولم يتردَّد «عقلة» فانضمَّ إلى الصراع الدائر … كان «تختخ» حريصًا على أن يظل مُشتبكًا مع الرجل حتى لا يترك له فرصةً لإخراج مسدَّسه … أمَّا «عقلة» فقد انضمَّ إلى «محب» ودار الصراع بين الخمسة لحظات، ثم بدَت أضواء السيارات، وسمعوا صوتًا يقول: لا أحد يتحرَّك!

توقَّف الصراع … وتقدَّم رجال الشرطة رافعين أسلحتهم، وظهر «زنجر» يجري … وخلفه ظهر «عاطف»، فصاح «تختخ»: إنه «زنجر»! لقد عرف أنني و«محب» في مأزق فأسرع إلى «عاطف»!

قال «عاطف» وهو يتجه إلى «تختخ»: هذا صحيح، لقد جاء منذ ساعة يلهث، واتصلتُ بك وﺑ «محب» تليفونيًّا، ولمَّا لم أجدكما أدركنا أنكما في مأزق، واتصلتُ بالمفتش «سامي» الذي وجَّه إلى هنا ثلاث سيارات نجدة، وحضرتُ معهم لأدلَّهم على المكان!

انضمَّ رجال الشرطة إلى المجموعة … وكانوا قد قبضوا على رجل واحد من العصابة.

فقال «تختخ»: هناك رجلان ناقصان!

الضابط: لم نعثر إلا على هذا الرجل، كان يُحاول الفرار ومعه حقيبة ثقيلة!

تختخ: لقد فرَّ زعيم العصابة، ورجل آخر نحيف ذو كتف مرتفعة.

الضابط: سنُطاردهم فورًا.

تختخ: لا تنسَ أن تأخذ الحقيبة الثانية … إن في الحقيبتَين نصف مليون جنيه.

الضابط: نصف مليون ماذا؟!

تختخ: نصف مليون جنيه … مزيَّفة!

•••

في صباح اليوم التالي اتصل «وحيد» ﺑ «تختخ» تليفونيًّا، وطلب منه أن يأتي مع بقية المغامرين الخمسة لتناول الشاي في منزله … وقَبِل «تختخ» الدعوة؛ فقد كان يعرف صعوبة انتقال «وحيد».

كان «وحيد» … و«عقلة» يجلسان معًا وحدهما، فقال «تختخ» وهو يقدم الأصدقاء إلى «وحيد»: وأين بقية الفهود؟

وحيد: لقد قرَّرتُ حلَّ جماعة الفهود السبعة … فقد أخفقنا تمامًا في حل أول لغز عرض لنا!

تختخ: في الواقع إن إخفاقكم يعود إلى أسباب … منها أنكم تضعون أنفسكم مكان رجال الشرطة وهذا خطأ؛ فنحن نُساعد رجال الشرطة ولا نقوم بعملهم … وفي كل مرة يكون من الواجب إبلاغهم بشيء لا بد أن نُبلغهم فورًا … ثانيًّا: أنكم لا تحترمون الآخرين؛ فقد حاولتم الإيقاع بيننا وبين الشاويش «علي»، وهو صديق لنا برغم ما يحدث بيننا وبينه أحيانًا من مشاكل … ثالثًا: حاولتُم ضربنا وفعلًا أصبتم «لوزة» وضربتم «عاطف» … وهذا أسلوب سيئ جدًّا … فنحن مثلًا لا نضرب أحدًا مُطلقًا بلا سبب. وبالمناسبة، سوف نمسح الكتابة التي كتبتموها على جدار منزل الشاويش، ولن نُبلغه أنكم الذين فعلتم ذلك … فنحن لا نُحب إيقاع الأذى بأحد.

وحيد: الحقيقة أننا وقعنا في أخطاء كثيرة … ونحن نعترف للمغامرين الخمسة بالذكاء والشجاعة والنبل … فقد عرَّضتَ نفسك للمخاطر لإنقاذ «عقلة».

تختخ: إن مُهمَّتنا إنقاذ المظلومين والذين يقعون في مأزق.

وبدأ الشاي يدور على الأصدقاء … وأخذوا ينظرون إلى الحديقة العجيبة التي دارَت فيها مغامرتهم الأخيرة، ثم طلبَت «لوزة» أن تتحدَّث إلى «تختخ» على انفراد، وبعد حديثٍ قصيرٍ عاد «تختخ» إلى الاجتماع، وقال: لقد اقترحَت «لوزة» أن نضُمَّك أنت و«عقلة» إلى المغامرين الخمسة … ولا مانع عندي أن نستعين بكما في بعض الألغاز. ما رأي «محب» و«عاطف» و«نوسة»؟

وافق الأصدقاء الثلاثة بحماس، وهزَّ «زنجر» ذيله فقال «تختخ»: و«زنجر» البطل موافق أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢