الفصل الرابع

الحب الاثيم في باريس

 باريس في ١٥ سبتمبر سنة ١٩٣٠

الإنسان في عُرف المناطقة حيوان ناطق، لأن أرسططاليس عرّفه كذلك. وفي مقدورنا أن نقول: الإنسان حيوان مخدوع. وكنت أحب أن أقول: حيوان مغرور، ولكني وجدت التعبير الأول أدق وأصدق في تحديد ذلك الحيوان الخادع المخدوع الذي اسمه إنسان!

الإنسان حيوان مخدوع؛ لأنه يخدع نفسه بما يسميه «تجارب واختبارات» فالرجل الذي تستهويه امرأة فاجرة فتقوده إلى بؤرة الفساد في باريس ثم تسرق ما يملك من عين أو نقد يرجع إلى بيته أو مثواه وهو يخدع نفسه بعبارة «هذه تجربة»، أو «ما ذهب من مالك ما وعظك» على حد المثل الذي كنا نعطيه لتلامذة المدارس الثانوية ليضاف إلى موضوعات الإنشاء. والشاب الذي يحمله جنون الشباب على غشيان المواخير القذرة ثم يحمل مرضًا يعيا في برئه الأطباء، يجرّ رجليه على شواطئ السين وهو يدمدم: «هذه تجربة، هذا اختبار لمكاره الحياة» وذلك كله خداع في خداع، والرجل هو الخادع وهو نفسه المخدوع.

لا أذكر أن فكرة تملكتني وسيطرت علي كما استبدت بي هذه الفكرة، فأنا موقن أن غنيمة التجارب ضرب من الإفلاس أو هي الإفلاس، وإلا فما نفع التجارب إذا كنا سنظل طول حياتنا عبيدًا للأهواء والشهوات، وسخرية في يد الهوى القاهر، أو النزق الغلاب.

هذه تجربة! إي والله! ولكن متى تنفع؟ وهذا اختبار، ولكن متى يفيد؟

التجارب المرة تنفع صاحبها في شيء واحد، ذلك بأنها تعطيه لونًا من ألوان الأنين تكبر به قيمته عند من يستمعون لأحاديث البؤس والشقاء. والحكماء في العالم كله قوم أفنوا أنفسهم وخسروا شبابهم وثروتهم، ثم أقبلوا يتحدثون إلى الناس بما يجب أن تتحلى به مجموعة الحيوانات التي تتكون منها فصيلة الإنسانية. ونحن حين نستمع لأقوال الحكماء في صمت وخشوع لا نفعل ذلك اعترافًا بفضل الحكمة، ولكننا نقبل عليها بأنفس مهددة بنفس المصير الذي تخوفنا منه حكمة الحكماء، فالواعظ يبكي نفسه حين يعظ، ولكنه يوهمنا بأنه يبكي إشفاقًا بنا، ورحمة لنا، وخوفًا علينا، ونحن نوهمه أننا نبكي لبكائه، وننزل عند حكمته، والواقع أننا نبكي أنفسنا حين نسمع أخبار من أشقتهم الرذيلة وأفناهم الإسراف، لأننا ننحدر إلى نفس الهاوية، ونهوي إلى ذلك القرار الذي يعز منه الخلاص.

•••

طالما تحدث الناس عن الحب في باريس، ولذلك رأيت أن أكتب هذا المقال لأن أكثر المتحدثين عن الحب في باريس يخوضون فيما لا يعرفون، وهذه فائدة جديدة للتجارب أستطيع بها أن أستطيل على القراء فأدعي العلم وأصمهم بالجهل البسيط، راجيًا ألا تجرحهم هذه الكلمة، وألا يستكثروا على رجل أشقته دنياه، وحمله شبابه على أن يطأ جمرات الشهوات، أن يعزي نفسه بكلمة «جربت» و«شاهدت»، إلى آخر ما في القاموس مما يتصل بهذه التعابير!

الحب في باريس نوعان: حب شريف، وحب أثيم.

والحب الشريف الذي يعرفه الباريسيون غير الهوى العذري الذي يجد القارئ آثاره في كتاب (مدامع العشاق) فنحن نعرف أن الهوى العذري آية من آيات الوجد المنزه عن الآثام والشهوات ونعرف أن العشاق العذريين قوم يجدون لذتهم الباقية في النوح والحنين، ويجدون غذاءهم الروحي في التغني بمثل هذه الأبيات:

سقى بلدًا أمست سُليمى تحله
من المزن ما تروى به ونسيم
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه
يحل به شخص عليَّ كريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربه
لديَّ وإن شط المزار نعيم
ومن لامني فيه حميم وصاحب
فرد بغيظ صاحب وحميم

الهوى العذري الذي تحدث عنه العرب وأنطق الشعراء بأجمل وأروع ما أوحى الحب النبيل من آيات الشعر الوجداني هو غير الحب الشريف الذي يعرفه الباريسيون، وأكثر الألفاظ مقول بالتشكيك له عند كل قوم مدلول!

لكن ما هو ذلك الحب الشريف؟

هو الذي يجري بين فتى وفتاة، أو رجل وامرأة، لغرض غير مادي، وتقع حوادثه في الأوساط المعروفة بالاستقامة وحسن السمعة. وهو حب معقد كل التعقيد لا يفهمه إلا من راضوا أنفسهم على مكارهه، واكتووا بناره. وهذا النوع من الحب يخالف الهوى العذري، لأنه يستبيح أشنع الذنوب والآثام. ولكنه مع ذلك يجري فيه الأرق، وتسيل من أجله المدامع، وتُعرف فيه نكايات الوشاة والعذال، وتتخذ من أجله الرسل، وتدون له المكاتبات. وعلى الجملة هذا النوع من الحب هو الذي خلق شعراء فرنسا وكتابها وفنانيها وفلاسفتها أيضًا. ولا يوجد في فرنسا رجل عبقري لم يمسه الحب بعذاب أليم.

وهذا الحب شريف لأنه يقع غالبًا في ظروف قاهرة لا يمكن منها الفرار، ففي فرنسا نساء جميلات حبتهن الطبيعة بأكرم ما تهب من ألوان السحر والفُتون. والمرأة الجميلة في فرنسا خطر على عالم القلوب، وأقسى الأفئدة يلين ويتفجر بالعطف والحنان أمام تلك الظباء الأوانس اللائي يخطرن من حين إلى حين في الأحياء المرحة الجذلة التي تفيض وتزخر بأسباب الطيش والجنون. ونحن والله أرق أكبادًا من أن نرمي عشاق الجمال القاهر بالفسق والفجور. فهم قوم مساكين منحهم الله عيونًا تنظر، وقلوبًا تشعر، وأكبادًا تتوجع، وأحشاء تتفتت، وقال لهم كونوا شعراء فكانوا، وهو سبحانه يقول للشيء كن فيكون، فكيف بالإنسان الذي تغنيه الإشارة، وتكفيه اللمحة؟ إنه يفهم جيد الفهم أن الجمال خُلق ليُعشق، فليس بعيدًا أن يُسرف فيعبد الجمال من دون الله.

هذا النوع من الحب طبيعي لا يمكن حربه ولا دفعه لأنه في الفطرة، ولا يمكن أن يقال إنه خاص بفرنسا من دون الأمم؛ فهو حظ مشاع بين جميع الشعوب، ولكل أمة منه نصيب، حتى مصر! وإني لأحسب أنه ألزم للإنسان من ظله، وأنفع له من الماء والهواء.

•••

أما الحب الذي انفردت به باريس فهو الحب الأثيم، وهو الحب الذي تغلب فيه الدعارة والفجور، وهو حب له ظاهر خلاب جذاب لأنه يشبه الحب الشريف من بعض الوجوه، ففيه أيضًا تعاطف وتراحم وحنان. وإنك لتدخل حدائق باريس في المساء فتجد مئات العشاق متعانقين فوق المقاعد مظللين بالأشجار المورقة، ومحروسين بالحشائش الخضر. وكم من مرة تأملت هذه المناظر المريبة وأنا وافر الإعجاب بما يملك أهل باريس من أسباب الحرية المطلقة التي لا نجد قبسًا من شعاعها في مصر. ولكن ماذا تخفي هذه المناظر، ماذا تخفي، ماذا تخفي من عوامل الضعف والتدهور والانحطاط؟!

إن في باريس طوائف من الفتيات ألجأهن الفقر والعوز إلى مرافقة الشبان، أو حملتهن أزمة الزواج على الإسراع بالتعرف إلى الرجل الذي جبن عن مجابهة تكاليف الحياة الزوجية الشريفة، وقنع بما تحمله إليه المصادفات من غنائم الإثم والفسوق، هؤلاء الفتيات الفقيرات خطر على باريس وزوار باريس، وهن خطر محقق على الشبان المصريين والشرقيين الذين حرمتهم التقاليد الإسلامية من الأنس بالمرأة الفاجرة، فكم من شاب مصري أسلم شرفه وعرضه لامرأة بغي في أول ليلة دخل فيها باريس، وكم من شاب مصري جاء باريس ليتعلم فظل جاهلًا ثم عاد إلى أهله يحمل أشنع وأوبأ ما عرف الطب من جراثيم الأمراض. والفرنسيون يعلمون علم اليقين أن عاصمتهم موبوءة، وأن الحي اللاتيني حي الطلبة بنوع خاص هو مهد الوباء، ومن أجل ذلك رأيت منهم من يتباهى بأنه لم يعد إلى ذلك الحي منذ كان طالبًا. ومن الأساتذة من لا يعرف من ذلك الحي غير السوربون والمعاهد الملحقة بجامعة باريس.

وبعد ذلك فلمن أكتب المقال؟ إن ذلك الحيوان المخدوع الذي اسمه إنسان سيعلل نفسه دائمًا ويخدعها بما يسميه التجربة، فهل أستطيع أن أقترح فقط على صديقنا الدكتور الديواني مدير البعثة المصرية في باريس أن يضع نظامًا يفرض فيه الكشف الطبي على الطلبة المصريين من حين إلى حين، علهم يتقون الله في أنفسهم فيفرون من أوباء الحب الأثيم؟

مصر في باريس

أصبحت مدينة الطلبة عنوانًا على مجد الأمم، فلكل أمة دار يأوي إليها أبناؤها المغتربون، فلأمريكا وبلجيكا واليابان دور في مدينة الطلبة، حتى الأرمن لهم دار! أما مصر فمسكوت عنها في تلك البقعة الجميلة. وقد اقترح بعضهم مرة في مجلس النواب على وزير المعارف أن يفكر في إنشاء دار مصرية بمدينة الطلبة في باريس، ولكن قيل يومئذ إنه من الخير للطلبة المصريين أن ينبثوا في الأوساط الفرنسية.

وهم قد انبثوا بالفعل، ولكن أين؟ في الحانات والقهوات!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤