الفصل الثامن

قوة مدنية عظيمة … وأكثر أم أقل؟

كان أهم دوافع إنشاء الجماعةِ السلامُ بين فرنسا وألمانيا والدول الأعضاء الأخرى ورخاء مواطنيها، لكن في حين أن العلاقة المتبادلة بينها كانت عميقة جدًّا، كانت العلاقات مع الجيران ومع البلدان البعيدة أيضًا شديدة الأهمية، فبدأ منطق الولاية الاحتياطية، القاضي بضرورة تولي الجماعة مسئولية ما يمكنها فعله بشكل أفضل من الدول الأعضاء، عند عملها منفردة، يسري على الشئون الخارجية والداخلية.

كانت علاقات الجماعة الخارجية، اتساقًا مع صلاحياتها، مُركَّزة في الأصل في الميدان الاقتصادي، لكن كانت هناك أيضًا أهداف سياسية منذ البداية؛ فبالنسبة لألمانيا، المتاخمة للكتلة الشيوعية، وفي ظل خضوع ألمانيا الشرقية للسيطرة السوفييتية، كانت الأولوية هي التضامن في مقاومة الضغط السوفييتي. أما الفرنسيون فكانت لديهم رؤية أوسع للجماعة كقوة في العالم. وكانت العلاقات مع الولايات المتحدة عنصرًا محوريًّا، يراها مونيه على هيئة شراكة بين الجماعة والولايات المتحدة، ويريدها ديجول لتحدي السطوة الأمريكية. كانت رؤية مونيه مشتركة على نطاق واسع، وصار يُنظر إلى الجماعة باعتبارها «قوة مدنية عظيمة» محتملة.

مضى كثيرون في فرنسا أبعد من ذلك، فتصوروا أوروبا قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية في ميدان الدفاع. وكانت هذه الرؤية تواجه مقاومة — بوجه عام — في البلدان الأخرى. لكن التعاون في السياسة الخارجية تطور إلى النقطة التي سماه الاتحاد عندها «السياسة الخارجية والأمنية المشتركة». وقد انضمت بريطانيا، التي ظلت طويلًا تعارض بعناد العمل الاتحادي المشترك في ميدان الدفاع، إلى فرنسا عام ١٩٩٩، في تدشين قدرة دفاعية اتحادية متواضعة. ولا يزال هذا عنصرًا ثانويًّا، وإنْ كان متزايد الأهمية، في علاقات الاتحاد الخارجية، وتظل سياسات الاتحاد الاقتصادية الخارجية أكثر أهمية بكثير.

في هذه الأثناء، كان العالم قد بدأ يتحول إلى مكان أكثر خطرًا يشتمل على مصادر زعزعة الاستقرار كتغير المناخ، والتدهور البيئي، والجريمة العابرة للحدود، والفقر، وما ينشأ عن ذلك من هجرة جماعية، وإرهاب، إضافة إلى صور انعدام الأمن العسكري. البساطة النسبية التي وسمت المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حلَّت محلها السيادة الأمريكية، واحتمالُ بروز عالم متعدد الأقطاب بدأت فيه الصين — وربما الهند فيما بعدُ — تنضم إلى الولايات المتحدة كقوتين عملاقتين، مع ضرورة أن تؤخذ روسيا هي والقوى الصاعدة الأخرى أيضًا بعين الاعتبار. ويشهد توازن القوة الاقتصادية ثنائية القطب، تحت هيمنة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحولًا سريعًا — أيضًا بجانب اقتصادات البرازيل وروسيا والهند والصين — إلى اقتصاد عالمي متعدد الأقطاب. هذا هو العالم الذي يجب أن يجد فيه الاتحاد الأوروبي مكانه. وهذه ليست بالمهمة البسيطة كما أثبت تأثير حرب العراق سنة ٢٠٠٣ ومفاوضات جولة الدوحة التجارية المتعثرة.

بلغ الأوروبيون — بوجه عام — مرحلة في تاريخهم، وبالأخص في تجربة العيش معًا في سلام في كنف الاتحاد الأوروبي، يثمِّنون فيها بشدة الأمن والطمأنينة في العلاقات بين الدول؛ ومن هنا يؤيدون إنشاء نظام آمن متعدد الأطراف في العالم. وعلى الرغم من أن قدرات الاتحاد العسكرية تلعب دورًا متناميًا في وظائف كحفظ السلام؛ فإن سياساته الخارجية الاقتصادية والبيئية والمتعلقة بالمعونات، إضافة إلى خبرته في إقامة العلاقات السلمية بين الدول لها قدرة كبيرة على المساهمة في أمنه ورخائه، وأمن العالم ككلٍّ ورخائه. ومن هذا المنظور، يمكن تعلُّم الكثير من خبرة الاتحاد حتى الآن؛ لذا نستعرض في هذا الفصل دواعي تأسيس هياكله المعنية بالتعامل مع سائر دول العالم وكيفية تأسيسها، وفي الفصل التاسع كيفية توسُّعه من ١٥ دولة في أوروبا الغربية ليضم معظم الدول الأوروبية، وفي الفصل العاشر كيفية تطوير سياساته للتعامل مع سائر دول العالم.

(١) العلاقات الاقتصادية الخارجية

أعطت معاهدة روما الجماعة تعريفتها الجمركية الخارجية الموحَّدة كأداة للسياسة التجارية، وتسمَّى بلغة الاتحاد «السياسة التجارية المشتركة». ولم تكن هذه نتيجة متوقعة سلفًا؛ إذ أراد البعض احتفاظ الدول الأعضاء بتعريفاتها القائمة، والتي كانت دون المتوسط في ألمانيا ودول بنلوكس، وأعلى منه في فرنسا وإيطاليا. لكن الفرنسيين أصروا على التعريفة الموحدة لأسباب؛ منها: خشيتهم المنافسة من الصادرات الرخيصة المتسربة خلال الدول المنخفضة التعريفة، ومنها أيضًا: رغبتهم في أن تكون لدى الجماعة أداة يمكن أن تبدأ بها في التحول إلى قوة في الشئون العالمية.

ظل هذا موضوعًا فرنسيًّا مُلحًّا، فكان أحد دوافع الحراك صوب العملة الموحدة بغية تحدي سطوة الدولار، كما تواصل بمحاولة بناء قدرة دفاعية أوروبية (صُكَّ لها مصطلح «القوة الأوروبية»)، في مقابل مجرد «فضاء» أوروبي منشغل بشئون الأعمال. فلم يتصور أولئك الفرنسيون الذين كانوا من كبار معتنقي الحمائية، ولا البريطانيون الذين انتقدوا آنذاك التعريفة الموحدة كأداة حمائية، أنها ستكون في واقع الأمر الشرارة التي أطلقت جولة كينيدي للتخفيضات الجمركية، التي كانت الخطوة الأولى على الطريق إلى دور الجماعة بصفتها أكبر نصير لتحرير التجارة العالمية؛ ومن ثَمَّ أيضًا على الطريق إلى إظهار قوة امتلاك أداة مشتركة للسياسة الخارجية.

أُبديت تلك القوة في ميدان الزراعة أيضًا، لكن مع تحقيق نتائج أقل حظًّا بكثير، واستُخدم نظام رسوم الواردات وإعانات الصادرات بطريقة حمائية بامتياز، على حساب مستهلكي الجماعة وعلاقاتها التجارية الدولية، بما في ذلك صادراتها الصناعية ذاتها، لكن السياسة التجارية الخارجية — بوجه عام — كانت ذات نفع كبير لمواطنيها وللتجارة الدولية على السواء.

تُدار العلاقات التجارية الخارجية إدارةً ذات فاعلية بمعرفة مؤسسات الاتحاد؛ حيث يتولى المجلس إقرار السياسات، والموافقة على الاتفاقيات بموجب إجراء الأغلبية المشروطة، وتجري المفوضية المفاوضات في إطار ولاية السياسات التي تتقرَّر على هذا النحو، وبالتشاور مع لجنة خاصة يعينها المجلس. وتختص المحكمة بالمسائل القانونية. ولا تلعب البرلمانات عادة دورًا كبيرًا فيما يتعلق بالمفاوضات التجارية، فيما عدا الموافقة الرسمية على النتائج. لكن المعاهدات لم تنصَّ حتى على استشارة البرلمان الأوروبي في مسائل السياسة التجارية، وإنْ كان يملك حق إعطاء موافقته على اتفاقيات الانتساب، والأهم معاهدات الانضمام، أو حبس هذه الموافقة عنها، على الرغم من أن البرلمان يلعب دورًا كبيرًا في العلاقات الخارجية بوجه أعم.

عندما صيغت معاهدة روما، كانت التجارة في السلع هي الأهم على الإطلاق. وأما التجارة في الخدمات فكانت أقل أهمية، ولم يَرِد ذكرها في الفصل المعني بالسياسة التجارية المشتركة، لكن الخدمات تؤلِّف الآن نحو ثلث التجارة العالمية كافة، ومع ذلك فعلى الرغم من نجاح نظام الاتحاد العادي من حيث سريانه على التجارة في السلع، تخضع التجارة في الخدمات لإجراءات يغلب عليها الطابع الحكومي الدولي. وفي حين أن زخم المفاوضات الناجحة بشأن التجارة في السلع ساعد الاتحاد على اجتياز سلسلة من الجولات التجارية، فإن هذه الإجراءات يمكنها مع ذلك إضعاف قدرته على التفاوض بفاعلية بشأن الخدمات؛ لذا طبقت معاهدة نيس التصويت بالأغلبية المشروطة على التجارة في جميع الخدمات، عدا ميادين الثقافة، والخدمات السمعية البصرية، والتعليم، والصحة والخدمات الاجتماعية، وبعض خدمات النقل.

figure
رسم بياني (٨): حصص الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين واليابان وغيرها من التجارة العالمية عام ٢٠١٠.

أصبحت المعونات الإنمائية أيضًا أداة رئيسة من أدوات سياسة الاتحاد الخارجية التي انطلقت، بناء على إصرار فرنسي كذلك، بنصِّ معاهدة روما على إنشاء صندوق لِما كانت آنذاك مستعمرات الدول الأعضاء. نما الصندوق منذ ذلك الحين على نحو صار معه الاتحاد يقدِّم معونات لبلدان في كل أصقاع العالم الأقل نموًّا. وهكذا صار الاتحاد الأوروبي، هو ودوله الأعضاء، أكبر مصدر للمعونات في العالم وبفارق كبير. أما داخل أوروبا، فباتت أدوات التجارة التي يملكها الاتحاد وسياسة المعونات، إضافة إلى احتمالات العضوية، نفوذًا خارجيًّا مهمًّا يدعم التحول الناجح للدول الأعضاء الجديدة من أوروبا الوسطى والشرقية. وكان من حسن الحظ حقًّا أن أصرَّت فرنسا أصلًا على منح الجماعة أدوات لسياستها الخارجية.

صارت البيئة أيضًا، وبالأخص تغيُّر المناخ، ميدانًا مهمًّا للتفاوض الدولي. وعلى الرغم من أن سياسة الاتحاد الخارجية تظل خاضعةً لإجراء ذي طابع حكومي دولي أكبر من سياسته التجارية، فإن الاتحاد الأوروبي مع هذا — وكما سنرى في الفصل العاشر — كان له تأثير حاسم على مفاوضات مكافحة الاحترار العالمي وتدمير طبقة الأوزون.

لا يلعب الاتحاد الأوروبي بعدُ دورًا مماثلًا في النظام النقدي الدولي، على الرغم من الإمكانية التي تتيحها أزمة منطقة اليورو؛ فالترتيبات المؤسسية لتنفيذ سياسة نقدية خارجية ليست قوية بما يكفي في الوقت الحالي لتمكينها من ممارسة ثقلها المحتمل، على الرغم من أن البنك المركزي الأوروبي أصبح بالفعل لاعبًا مهمًّا في النقاشات بشأن السياسات.

(٢) السياسة الخارجية

استُحدث التعاون في مجال السياسة الخارجية بين الدول الأعضاء عام ١٩٧٠ كعنصر تعميق وتوسيع لاشتمال بريطانيا وأيرلندا والدنمارك، وأُعطي هذا النشاط اسم «التعاون السياسي الأوروبي»؛ حيث استخدمت وزارات الشئون الخارجية كلمة «سياسي» لتمييز ما تراه «سياسة رفيعة» عن أمور كالاقتصاد، الذي من الواضح أنه يُعتبر وضيعًا. لكن السياسات الاقتصادية الخارجية للجماعة كانت بالفعل أهم بكثير من أي شيء سيحققه التعاون السياسي الأوروبي خلال السنوات التالية، ولا سيما مع إصرار فرنسا — في السنوات التي تلت ديجول — على الإبقاء على التعاون السياسي الأوروبي ليس حكوميًّا دوليًّا فحسب، بل أيضًا منفصلًا عن الجماعة تمام الانفصال.

حقَّق التعاون السياسي الأوروبي فعلًا نتيجة مبكرة هامة عندما أدرجت الدول الأعضاء حقوق الإنسان على جدول أعمال «مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا»، وقبل الاتحاد السوفييتي النص الذي تم تبنيه في النهاية، والذي تبيَّن — على الرغم من أن أحدًا لم يعتبره آنذاك ذا شأن كبير — أنه عضَّد الاضطراب الذي ساهم في حل الكتلة السوفييتية. وبوجه أعم، ابتكر دبلوماسيو الدول الأعضاء طرقًا للعمل سويًّا قُدِّر لها أن تُفرز كثيرًا من المواقف المشتركة حيال طائفة واسعة من الموضوعات، في العلاقات مع الدول الأخرى وفي الأمم المتحدة أيضًا. وبحلول عام ١٩٨٥، كانت فرنسا مهيأة لقبول الحاجة إلى تقريب التعاون السياسي الأوروبي إلى الجماعة، فاشتُمل عليه في القانون الأوروبي الموحد.

تمثَّل التطور الشكلي التالي الذي شهده التعاون في مجال السياسة الخارجية في تضمينه في معاهدة ماستريخت، لينضم بذلك إلى الجماعة بصفته «الركيزة الثانية» للاتحاد الأوروبي. فقد أثار احتمال توحيد ألمانيا قلق فرنسا التي خشيت احتمال تخفيض ألمانيا — بعد أن تصير أكبر حجمًا — الشراكةَ الفرنسية الألمانية، واتباعها سياسة شرقية مستقلة. وكما أيَّد الفرنسيون العملة الموحدة لإرساء ألمانيا في إطار الجماعة، أرادوا سياسة خارجية مشتركة للحد من استقلالية ألمانيا في العلاقات مع الشرق. أما الألمان، الذين كانوا بعيدين عن معارضة هذا الطرح، فقد رأوه جزءًا من مخطط قيام أوروبا موحدة بطريقة فيدرالية. ورأى كلٌّ من الرئيس ميتران والمستشار كول في وجود سياسة خارجية مشتركة، بجانب العملة الموحدة، ترسيخًا للسلام الدائم في أوروبا؛ لذا اقترحا عقد مؤتمر حكومي دولي حول «الاتحاد السياسي» بالتوازي مع المؤتمر المعني بالاتحاد الاقتصادي والنقدي.

fig22
شكل ٨-١: كول وميتران يدًا بيد بين المقابر التي تضم رفات مليون جندي فرنسي وألماني.

وعندما سألتهما السيدة تاتشر عما يعنيانه بالاتحاد السياسي لم تتلقَّ إجابة واضحة. كان أحد الأسباب أن الاثنين، على الرغم من اتفاقهما على فكرة انتهاج سياسة خارجية مشتركة (أحد العنصرين اللذين استُعمل لهما المصطلح)، كانا مختلفَيْن بشأن إصلاح المؤسسات (العنصر الآخر)، ذلك أنه على الرغم من رغبة الفرنسيين في تقوية العناصر الحكومية الدولية، وبالأخص المجلس الأوروبي، كان الألمان يريدون التحرك صوب نظام فيدرالي بتقوية البرلمان؛ لذا كان من الصعب أن يتحدثا بصوت واحد عن هذا الأمر. لم تكن تاتشر تريد أي الاثنين، وعلى الرغم من قبولها التعاون السياسي الأوروبي القائم، لم تكن تريد أن تكون لمؤسسات الجماعة يد فيه. وبينما كانت ألمانيا تتصور أن تسير السياسة الخارجية في اتجاه تحولها إلى أحد اختصاصات الجماعة، عارضت فرنسا أيضًا هذه الفكرة، فكانت المحصلة «الركيزة الثانية» الحكومية الدولية المعنية «بالسياسة الخارجية والأمنية المشتركة».

أُعطيت السياسة الخارجية والأمنية المشتركة اسمًا أفخم من «التعاون السياسي الأوروبي» ومؤسسات أكبر. وفي أعقاب أداء أوروبا السيئ في حرب الخليج، ذُكر الدفاع في المعاهدة، لكن بعبارات مبهمة لاستيعاب كلٍّ من الرغبة الفرنسية في إنشاء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة، والمعارضة البريطانية لأي شيء من هذا القبيل خشية إضعاف الناتو؛ لذا لم يَنتج الكثير عن استخدام كلمة دفاع، كما لم تتمخض السياسة الخارجية والأمنية المشتركة في الحقيقة آنذاك عن نتائج أحسن كثيرًا مما حقَّقه التعاون السياسي الأوروبي قبل ذلك؛ لذا كانت هناك محاولة ثانية، في إطار معاهدة أمستردام، لاستحداث ركيزة ثانية مُرضية.

أوضحت معاهدة أمستردام عددًا من الجوانب، من ضمنها مجموعة من الأهداف العامة للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة، وإمكانية استخدام التصويت بالأغلبية المشروطة في بعض الحالات، فضلًا عن التعاون المعزز. الأمر الأشد أهمية كان محاولة النص على نظام أبسط للتمثيل الخارجي، وذلك باستحداث منصب ممثل سامٍ؛ وهو منصب سيشغله أمين عام أمانة المجلس؛ بمعنى أنه منصب حكومي دولي. وقد سمح هذا، مقرونًا بزيادة القدرات التخطيطية داخل الأمانة، للممثل السامي، وهو أمين عام حلف شمال الأطلسي السابق خافيير سولانا، بإبراز صورة أقوى كثيرًا للاتحاد في المنظمات الدولية.

figure
رسم بياني (٩): كيف يُمثَّل الاتحاد الأوروبي فيما يخص السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.

غير أن معاهدة أمستردام والترقيعات الطفيفة التي أدخلتها معاهدة نيس كانت لا تزال غير كافية للتصدي للمشكلات البنيوية المستمرة التي واجهتها السياسة الخارجية والأمنية المشتركة؛ لذا ركزت عملية لايكن صراحة على ضرورة الانخراط في إعادة تنظيم جوهرية للتمثيل الخارجي؛ مما أفضى في النهاية إلى معاهدة لشبونة التي أنهت نظام ركيزة ماستريخت، وحاولت خلق شخصية خارجية واحدة. كان المنوط بهذا المنصب الجديد، وهو «الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشئون الخارجية والسياسة الأمنية»، الربط بين المفوضية والمجلس؛ إذ سيكون شاغله نائب رئيس المفوضية ورئيس هيئة الشئون الخارجية بالمجلس، إضافة إلى حضوره المجالس الأوروبية. بإيجاز، كانت لدى الممثل السامي إمكانية أن يصبح لاعبًا سياسيًّا دوليًّا أساسيًّا، ولا سيما بدعم من موارد دائرة جديدة؛ هي «الدائرة الأوروبية للشئون الخارجية» التي تمثل في جوهرها سلكًا دبلوماسيًّا أوروبيًّا. وباستخدام الإطار القانوني للمواقف والأعمال المشتركة للمجلس، كان هناك مجال كبير لصياغة موقف أوروبي مميز في العالم.

بينما ساعدت إعادة التنظيم على تقليل قدرٍ مما اتصف به النظام في السابق من تعقيد وتكرار دون داعٍ، من العدالة أيضًا أن نقول إن اختيار كاثرين أشتون لتكون أول من يشغل منصب الممثل السامي دلَّ أيضًا على تواصل الحدود التي سعى الزعماء الوطنيون إلى فرضها؛ فبدلًا من اختيار شخصية بارزة بالغة النشاط، دلَّ قرار اختيار البارونة كاثرين أشتون على الدور الذي يغلب عليه الطابع الإداري لهذا المنصب؛ ومن ثَمَّ انحصر معظم عملها حتى الآن في تولي إنشاء هياكل لشبونة الجديدة وتعبئتها بدلًا من القيام بعمل بارز. والحقيقة أن الدورين المؤسَّسِيَّيْن الثنائيَّيْن أسفرا عن تقسيم لمحور التركيز بقدر ما أسفرا عن توحيد للسياسة.

سوف يستمر الدمج التدريجي للتمثيل الخارجي على الأرجح، ولا سيما ما إن تتمكن المؤسسات الجديدة من الاستقرار وتطوير هوياتها المؤسسية، كما سيلعب يقينًا الدور المتنامي للبرلمان الأوروبي في التأثير على مخصصات الميزانية دورًا في هذا، لكن الأرجح أن الأمن سيكون المجال الذي ستُلمس فيه أبرز النتائج.

(٣) الأمن

شجع الوعي بضرورة أن يوفر الاتحاد دعمًا عسكريًّا فاعلًا لسياسته المشتركة في يوغوسلافيا السابقة الحكومات على تقوية قدرته في ميدان الدفاع؛ لذا فعلى الرغم من إدراكها اعتمادها على حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة للدفاع ضد أي تهديد كبير يواجه أمنها، استَخدمت في معاهدة أمستردام لغة أقوى نوعًا ما منها في معاهدة ماستريخت فيما يخص قدرة الاتحاد ذاته؛ حيث تصوَّرت «الصياغة التدريجية لسياسة دفاعية مشتركة ربما تؤدي إلى إقامة دفاع مشترك» غرضه المباشر اشتمال المهام الإنسانية، وحفظ السلام، و«إدارة الأزمات بما في ذلك صنع السلام.»

تم التوصل إلى هذا الاتفاق على دور حلف شمال الأطلسي، بصعوبة، في مواجهة البلدان التي رغبت في إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الصورة، وأبرز ممثليها فرنسا. وقد برهنت التجارب الصعبة في البلقان، ولا سيما في كوسوفو، على أن الأوروبيين — على الرغم من إنفاقهم العسكري البالغ ثلثي إنفاق الأمريكيين — لم يقدروا إلا على تقديم عُشر القوة النيرانية التي قدَّمها الأمريكيون، كما كان تأثيرهم على سير العمليات محدودًا بالمثل. وهذا دفع البريطانيين والفرنسيين، الذين قدموا المساهمة الأوروبية الرئيسة، إلى إطلاق مبادرتهم الدفاعية. كانت خبرة الفرنسيين في حروب الخليج والبلقان قد أثبتت أن عليهم الاقتراب من حلف شمال الأطلسي بدرجة أكبر إذا أرادوا تقديم مساهمة عسكرية فاعلة. أما البريطانيون فصاروا من جانبهم يرون ميزة العمل مع الفرنسيين؛ وبعد أن رفضت الحكومة أن تكون عضوًا مؤسسًا في منطقة اليورو، رأت الدفاع كميدان يمكن أن يُضمن فيه لبريطانيا دور محوري في إطار الاتحاد.

كانت النتيجة هي المقترح المشترك بإنشاء قوة رد سريع تابعة للاتحاد الأوروبي يبلغ قوامها ما بين ٥٠ ألف و٦٠ ألف فرد، والذي تبناه المجلس الأوروبي في هلسنكي في ديسمبر ١٩٩٩، كما وُوفق على دمج اتحاد غرب أوروبا في الاتحاد. بدأ الاتحاد الأوروبي يضع لبنات «سياسة أوروبية للأمن والدفاع» (يشار إليها الآن باسم «السياسة الأوروبية المشتركة للأمن والدفاع») لتكون بمثابة الذراع الأمنية للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة، فأسس هيكلًا للتخطيط الدفاعي وهيئة الأركان، مع مشاركة وزراء الدفاع بجانب وزراء الخارجية في مؤتمرات المجلس، ولجنة عسكرية تمثل «رؤساء أركان القوات المسلحة» بالدول الأعضاء، وهيئة أركان عسكرية داخل أمانة المجلس؛ وحوَّل اللجنة السياسية المسئولة أمام المجلس إلى لجنة سياسية وأمنية. بدأت التحضيرات لإنشاء قوة للرد السريع مهمتها حفظ السلام، وإدارة الأزمات بشكل مستقل «في الحالات التي لا ينخرط فيها حلف شمال الأطلسي ككلٍّ»، وإنْ كانت ستظل هناك عادةً حاجة إلى مرافق الحلف — التي تعني عمليًّا المرافق الأمريكية — كالنقل الجوي والاستخبارات باستخدام الأقمار الصناعية؛ مما يعني الموافقة الأمريكية على أي عمليات كبيرة. وهكذا تخفَّفت مخاوف الحكومة البريطانية بشأن إضعاف حلف شمال الأطلسي، وطُمئنت النمسا وفنلندا وأيرلندا والسويد، وهي دول دأبت على الحيادية، بأحكام تجيز لأيٍّ من الدول الأعضاء اختيار عدم المشاركة في أي عمل أو المشاركة فيه. وأعادت لشبونة التأكيد على هذه الأهداف واضعةً السياسة الأوروبية المشتركة للأمن والدفاع تحت سيطرة الممثل السامي.

يبيِّن هذا الصعوبات التي تواجه قدرة الاتحاد الدفاعية؛ إذ يجب أن توافق كتلة حرجة من الدول الأعضاء على أي عمل قبل أن يتسنَّى القيام به؛ وبالنسبة للعمليات الكبيرة التي تحتاج إلى مرافق حلف شمال الأطلسي؛ ومن ثَمَّ الموافقة الأمريكية، ربما لا يوافق الأمريكيون على ما يريد الأوروبيون فعله؛ مما سيثير توترات داخل الحلف. وفي حال توافر موافقة الكتلة الحرجة الأوروبية والموافقة الأمريكية كلتيهما، ربما تكون الترتيبات الحكومية الدولية أضعف من أن تطلق عملية ناجحة وتديرها. وعلى الرغم من أن حلف شمال الأطلسي هو أيضًا نظام حكومي دولي؛ فإن الزعامة الأمريكية المهيمنة جعلته ينجح. لكن لا يوجد بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي طرف مهيمن، وعلى الرغم من أن هذا الواقع يتيح مزيدًا من إمكانية تطوير الاتحاد إلى ديمقراطية عاملة؛ فإنه في الوقت نفسه سيجعل من النظام الحكومي الدولي في ميدان الدفاع نظامًا تصعب إدارته.

لم يكن يُتوقع سير تطوُّر الاتحاد بسلاسة في ميدان شديد الحساسية يمس السيادة، لكن الاتحاد واجه مواقف أصعب بعد هجوم القاعدة الإرهابي على الولايات المتحدة في سبتمبر ٢٠٠١، عندما تمزقت العلاقات بين الدول في حلف شمال الأطلسي وداخل الاتحاد نفسه؛ حيث تبنى الأمريكيون نهجًا أحاديًّا حيال «الحرب على الإرهاب»، مقرونًا بالتدخل في العراق في مارس ٢٠٠٣. كما شهدت الدول أعضاء الاتحاد انقسامًا حادًّا؛ حيث تزعَّمت الحكومات البريطانية والإيطالية والبولندية والإسبانية المُسانَدة للتدخل الأمريكي، بينما كان الفرنسيون والألمان، وانضم إليهم بعدها بقليل الإيطاليون والإسبان بعد تغيُّر حكومتيهم، أبرز المعارضين لهذا التدخل. ربما كان متوقَّعًا أن يعوق هذا استمرار تطوير قدرة الاتحاد في ميدان الأمن العسكري، وكذلك العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي، وقد أخَّر فعلًا تقدم السياسة الأوروبية للأمن والدفاع لبعض الوقت، لكن الاتحاد واصل تطوير قدرته في ميدان الأمن، وبحلول عام ٢٠٠٤ كان قادرًا على الحلول محل قوة حفظ السلام التابعة للحلف في البوسنة، وإنشاء «وكالة الدفاع الأوروبية» لتحسين كفاءة إنتاج الأسلحة، وإنشاء مجموعات قتالية قوام الواحدة ١٥٠٠ فرد؛ بهدف نشرها في غضون ٥ أيام من صدور قرار من المجلس بشن عملية.

مع تطوير الاتحاد قدرته في ميدان الأمن، سيصبح شيئًا أكثر من مجرد قوة مدنية عظيمة، لكن لقوته في الجوانب الاقتصادية والبيئية والجوانب الأخرى من السياسة الخارجية — التي تُسمَّى بأسلوب فيه شيء من التلطُّف «القوة الناعمة» — أهمية شديدة بالفعل، ولديها إمكانية إضافية عظيمة بوصفها قوة لإيجاد عالم أكثر أمنًا وازدهارًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١