الفصل الثاني عشر

أن نكون حاضرين أثناء الفعل

ستكون جميلةً هذه الأرضية الخشبية! أما الجدران فقد أصبحت جاهزة؛ إنها رائعة، بيضاء بزخارف ذهبية اللون تمتدُّ بفرَحٍ حتى أرابيسك الشرفة. يتقدَّم العُمَّال الثلاثة بنشاطٍ وهدوء في عملهم، يدفعهم همُّ التفاصيل الصغيرة والإتقان؛ راقِبوا حركة العامل في الجهة اليُسرى؛ إنه يتعامل مع مِقصِّه الخشبي بكثيرٍ من الإتقان والدقة. في نفس الوقت يتبادل زميلاه الحديث وهما يُمرِّران المِسحَج على الأرضية. هل هما يتكلَّمان عن هذه الأرضية الخشبية التي قاما بصناعتها من الخشب الخام؟ أم أنهما يتساءلان عن أجرهما، أم عن التنزُّه بالقارب الذي سيقومان به يوم الأحد في نهر المارن في منطقة نوجان قُرب باريس؟ أم عن الحب، أم الانتخابات، أم الحياة التي تجري؟

لقد رسم كايبوت في هذه اللوحة أشكالَ الفعل المختلفة؛ العفوي، والمُتعمَّد؛ الفردي والجماعي. إنه يقترح علينا أيضًا توقُّف الفعل بعد قليل؛ إنها فترة الاستراحة المُستحَقَّة لعُمَّال الأرضية هؤلاء؛ كي يتذوَّقوا رشفة كأس نبيذ ممزوجة برائحة نشارة الخشب وعرَق التَّعَب.

figure
لوحة «كاشطو الأرضية» (١٨٧٥) لجوستاف كايبوت (١٨٤٨–١٨٩٤)، وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد ١٫٠٢ × ١٫٤٧ متر، متحف أورسيه، باريس.

عندما أرقص، فأنا أرقص. وعندما أنام، فأنا أنام. لكن عندما أتنزَّه وحيدًا في بُستانٍ جميل، تغيب أفكاري مرارًا في أحداثٍ غريبة، لكنني أستطيع في لحظات أخرى أن أُعيدَها ثانيةً إلى نُزهتي، إلى البستان، إلى جمال لحظة الوحدة هذه، وأيضًا أعيدها إليَّ.

مونتين، «مقالات»

ضرورة الفعل للتأمُّل

أن نكون وحيدين ومُنفصِلين عن العالم؛ نعم، هذا ما تبدو عليه تمارين التأمُّل بالفعل. لكن ذلك سيكون لوقتٍ مُحدَّد، وكأننا نأخذ نفَسًا بين نشاطٍ وآخر لأننا نعود دائمًا لمباشرةِ نشاطٍ ما. في الحقيقة إنَّ التأمُّل يُحِبُّ الفعل بشكلٍ من الأشكال؛ فلولا الفعل لن يكون للتأمل معنًى. إننا نتأمَّل قبلَ أن نقوم بنشاط، وبعد القيام به. وحتى «أثناء» الفعل نستطيع أن نتأمَّل، وهكذا نستطيع أن نُنهِيه، أو لا، ونحن بحالة تأمُّل بوعي كامل.

يجب علينا أن ننتبه لهذه الفكرة: «التأمل دون أي فعل»، وننظر إليها مثل الخضراوات والحبوب التي دون تربة والتي تنمو في بيوتٍ بلاستيكية في خليطٍ من المواد المُغذِّية الذي لا يُشبِه بأيٍّ من الأشكال التربةَ الحقيقية. يجب علينا أن نشكَّ دومًا بهذه الأفكار النظرية لهؤلاء الذين لا يحتكُّون بواقع الفعل اليومي. كتب جوته يقول: «يجب أن نضع الفعل تحت اختبار التفكير، والتفكير في تجربة الفعل.» لكن يجب ألا يكون الفعل عبدًا للأفكار، بأن يكون محصورًا بهدفه فقط («لقد انتهيتُ تقريبًا! هذا يأخذ كثيرًا من الوقت …») أو أن يُحدِّده الحُكم عليه («هذا جيِّد»، «هذا مُتعِب …»).

علينا أن نُحرِّر الفعل، بأن نسمح له بأن يكون من وقتٍ لآخر ما هو عليه فقط.

أن نُحرِّر الفعل باتِّباع أسلوب «لا شيء إلا …»

لنُحرِّر أفعالنا، ونُكثِّفها في نفس الوقت؛ لكي تكون «لا شيء إلا» ما هي عليه. علينا أن نأكل فقط (دون أن نقرأ، أو أن نستمع إلى الراديو في نفس الوقت)، وأن نسير فقط (دون أن نتحدَّث بالهاتف، أو أن نقوم بالتفكير واستباق ما سنقوم به لاحقًا)، وأن نستمع إلى الآخرين فقط (دون أن نُحضِّر أجوبَتنا، أو أن نُطلِق أحكامًا على ما يُقال لنا). ورغم البساطة الظاهرية لهذا، فإنه صعب المَنال بشكلٍ لا يوصف. فقد اعتدْنا على القيام بعدَّة أشياء في نفس الوقت. إننا في الحياة اليومية اعتدْنا أن نأكل ونحن نقرأ، أن نسير ونحن نُهاتِف الآخرين. وفي ذهننا يحدُث الأمر ذاته؛ فنقوم بشيءٍ ونحن نُفكِّر بشيءٍ آخر (نأخذ حمَّامنا في الصباح ونحن نُفكِّر بيوم عملنا الذي ينتظر). ومن ثَم، نقوم بعمل كلِّ شيء في حالةٍ من الغياب الكامل، بدلًا من الوعي الكامل.

figure

يُوصِي الوعي الكامل بالتبنِّي السليم والبسيط لأفعالنا، ليس بشكلٍ دائم ولكن بشكل مُنتظِم. إنه يدعونا مثلًا إلى تناوُل وجبة في الأسبوع في حالة وعي كامل (بصمت، دون أن نقرأ، وبلا راديو أو أحاديث)، أو الممارسة المُتكرِّرة للمشي في وعي كامل؛ بهدوء، ببطء، ونحن نشعُر بجسدنا وهو يسير، ونتلقَّى كلَّ ما يُحيط بنا، في بحر من الأحاسيس التي تعتمِر في دواخلنا. علينا أن نسير من أجل السير، دون غضب، دون استعجال. علينا أن نقوم بغسل أواني الطبخ ورمْي الأوساخ في حاوية القمامة، ونحن في حالة وعي كامل … إلخ.

فوائد أن نكون حاضرين أثناء الفعل

لماذا نقوم بكل هذه الجهود؟ لماذا لا نقبل في النهاية أن نعيش حياتَين في نفس الوقت، بأن نُنجِز شيئَين في كل لحظة؟ لأننا في الحقيقة، حين نسعى للعيش مرَّتَين، نُخاطِر بأن نعيش مرتَين أقل لأنهما ستخلقان ضغطًا مُضاعَفًا، وحزنًا مُضاعَفًا، وغضبًا مُضاعَفًا، وفراغًا مُضاعَفًا.

من المهم النجاة من «جنون إنهاء العمل». وحين نقوم بنشاطٍ ما يجِب ألا يكون تركيزنا على «الفعل» فقط، ولكن أن نكون بحالة «حضور» أثناء العمل. إن الحضور أثناء الفعل يزيد إحساسَنا بكوننا بشرًا، بأننا موجودون في هذا العالم، ويُبعِد عنا هذه الأفعال التلقائية التي ننسى سريعًا أننا قُمنا بإنجازها. إنه يُساعِدنا أيضًا على الاقتراب أكثر من جوهر ما نقوم به. أن نكون حاضرين مثلًا أثناء تناوُل وجبتِنا يُساعِدنا على تذوُّقها بشكلٍ أفضل. والحضور أثناء الاستماع يُساعِدنا على الإصغاء فعلًا إلى ما يقوله هذا الشخص الذي يُحدِّثنا، فلا نقوم بنفس الوقت بالحكم على ما يقوله أو التظاهر بالاستماع ونحن في الحقيقة في صدد تحضير ردودنا.

يُساعِدنا الحضور أثناء الفعل، في النهاية، على إدراك إلى أيِّ مدًى تكون بعض أفعالنا بلا جدوى؛ فمثلًا يُساعِدنا الحضور ونحن على المائدة على إدراك اللحظة التي لا نعود فيها بحاجة إلى الطعام والشراب. إنه يُساعِدنا أيضًا على إدراك اللحظة التي يصير فيها الحديث بلا جدوى؛ أي، في أي لحظة يُفضَّل أن نصمُت وفي أي لحظة يُمكِن أن نتكلم.

عدَم إطاعة الإلحاحات

لقد تكلَّمْنا في الفصل السابق عن الإلحاحات التي تدعونا لإيقاف جلسة التأمُّل كي نقوم بما هو «عاجل». قد يحدث الشيء نفسه أثناء قيامنا بنشاطٍ ما (خاصةً عندما يكون هذا النشاط مُجهِدًا، أو مُملًّا، أو مَصدرًا للضغط). قد تأتينا مثلًا بشكلٍ مُفاجئ الرغبةُ بأن نتفقد بريدنا الإلكتروني أو هاتفنا، لعلَّنا تلقَّينا رسالة، أو الرغبة بالاتصال بأحدٍ ما، أو أخذ فنجان قهوة، أو ربما الرغبة بالحديث مع أحد الزملاء في العمل، أو تناوُل قطعة حلوى … إلخ.

figure

يُساعِدنا التأمُّل بالوعي الكامل على الانتباه لظهور هذه الأشياء قبل أن نقوم بإطاعتها، ويطلب منا ألا «نتماهى» معها، وأن نفهمها: «أوَّه، يبدو أنَّ لديَّ رغبة بإيقاف ما أقوم به الآن؛ لأنه عمل مُجهِد.» وأن نُقرِّر بشكلٍ حيادي إذا كنا سنستجيب لها أو لا: «هل من الضروري أن أستجيب لهذه الرغبة المُلِحة؟» في معظم الأوقات لا يكون الأمر جديرًا بالاهتمام أو ضروريًّا. إلحاحٌ ما فقط، لحظيٌّ كالعادة (افعل، افعل، افعل …) أو أنه رغبة في الهروب ممَّا نقوم به عندما يكون العمل صعبًا، أو حين تُثيرنا أو تلفت انتباهَنا فكرةٌ ما، أو عندما يُصيبنا المَلل، وحتى في الحالات العادية، حين نكون تحت تأثير مُنبِّهات خارجية قوية. وهكذا فإننا سنستجيب بسهولةٍ لهذا الإلحاح أو ذاك عندما يأتي فجأة، ونقوم بالفعل كي نرتاح.

من الأفضل أن نُدرِك الإلحاحات البسيطة في البداية، وسيُساعِدنا ذلك فيما بعدُ على إدراك تلك الأكثر تعقيدًا؛ مثلًا، الردُّ بعنفٍ عندما ينقُدنا الآخرون، الاجترار الذهني عندما نكون حزانى، القلق في أوقات التردُّد. إن مرونة الوعي الكامل تُساعِدنا بكلِّ بساطة على تطوير سلوكنا بشكل أفضل أمام تعقيدات الحياة.

أن نتعلم عدم إطاعة الإلحاحات لهو فعلٌ بسيط في الإيضاح، وفي الحرية الذاتية.

التوقف عن الفعل

ماذا لو قُمنا بشكلٍ مُتكرِّر بترك أرواحنا تتنفَّس بين فعلٍ وآخر؟ مثلًا، نتوقف قليلًا بعد اتصال هاتفي، ولا نُجري اتصالًا آخر بعده فورًا، بل نتوقف، ونُغمِض أعيننا للحظة؛ كي نشعُر بتنفُّسنا ونُفكِّر قليلًا بما قيل في المكالمة. وبعد مغادرة الأصدقاء، لا نقوم فورًا بترتيب كلِّ المنزل قبل أن نخلد للنوم؛ بل نتوقف قليلًا، ونُغمِض أعيننا، ونشعُر بتنفُّسنا ونُفكِّر بهذه اللحظة المليئة بالأحاديث والمشاعر. وبعد مُشادَّة مع أحد المعارف القريبين، لا نقوم بإخفاء حالتنا النفسية وحُزننا خلفَ نشاطٍ ما، وإنما نتوقَّف، ونُغمِض أعيننا للحظة، ونشعُر بتنفُّسنا ونُفكِّر بما حدث لهذه العلاقة العزيزة على قلوبنا.

وماذا لو نتعلم، بعد القيام بأفعالنا بحالة وعي كامل، الحضورَ الكاملَ في لحظة عدم القيام بشيء بعدَها مباشرةً؟ هذا يعني أن نتعلم التوقُّف عن نشاطٍ ما لسببٍ آخر غير التعب؛ أن نُمارِس اللافعل.

إن اللاحركة في تمارين التأمُّل تُعلِّمنا كثيرًا عن مفهوم اللافعل هذا. فعندما نكون في حالة حضور، جالسين دون حركة، في حالة من اليقظة والتقبُّل، نفهم أحيانًا أن حالة اللاحركة هذه ليست فعلًا إضافيًّا، كما أنها ليست فعلًا نقوم به «مُجبَرين»، وكأنه مفروض على جسدنا وإنما هي فعلٌ «قصدي». وهكذا نتركها تملأ جسدنا، ليس عن طريق التحكم به وإنما عبر الابتعاد والمُراقبة؛ مراقبة هذه الفكرة التي تدعوك كي تتحرَّك، كي تحكَّ أنفك، كي تقِف وتذهب. راقِبها جيِّدًا، وقرِّر فعلًا بأن تستجيب لها أو لا.

في كلِّ الأحوال، لا تَتْبعها فورًا، مهما يكن، انتظر قليلًا. وابقَ دون حركة.

«اللاحركة، هي ليست نشاطًا آخر، أفرِضه على جسدي، ولكنها غيابٌ للفعل يملأ كياني.» هذا ما يقوله لنا أحد الحكماء في هذا المجال. هذا هو الأمر! إنه هذا السكون الذي يتنفَّس من خلاله وعْيُنا. إنه مصنوع من العدول وليس من الإكراه.

اللافعل والحُريَّة

لكن العدول عن الفعل، وعدم القيام بأيِّ شيءٍ هي مسألة صعبة التحقيق! يبدو الأمر بسيطًا في البداية، لكنه ليس كذلك أبدًا. إنَّ حولنا كثيرًا من الأشياء التي تُنادينا، وكثيرًا من الأشخاص الذين يُحاوِلون التواصُل معنا! إنهم كثيرون لدرجة أننا يُمكِننا أن نقضيَ كلَّ حياتنا ونحن نستجيب لهم. وهكذا نموت دون أن نكون قد عشنا، ونكون قد قضينا حياتنا ونحن نقوم بما يجب فعله. لهذا بالضبط نحن بحاجةٍ إلى اللافعل.

اللافعل هو تنفُّس النشاط. هو كالصمت بعد الضجة. إنه أن نُحاوِل في عدة أوقاتٍ من يومنا عدم المرور بسرعةٍ إلى شيءٍ آخر، إلى نشاط آخر. إنه أن نُقرِّر أخْذ ما يكفي من الوقت، ليس كي نُفكِّر، بل كي نشعُر، وأن نترك أنفسنا تمتلئ بالإنجاز الذي قُمنا به، وأيضًا تمتلئ بحضور اللحظة.

إنه يسمح لنا بزيادة مساحة حُريَّتِنا. فمع الوقت والممارسة أستطيع أن أشعُر بالفرق بين التصرُّف بردَّة فعل (أي، أن أستجيب بعمًى إلى إلحاحاتي) وبين الاستجابة (بحالة وعي). وسأتعلَّم كيف أختار الاستجابة لمُتطلبات يومي، بوعي كامل، بدلًا من القيام بردود فعل دون وعي منِّي. لهذا السبب تمتلك الممارسات المُتكرِّرة للتأمُّل القُدرة على إحداث تغييرٍ جذري في علاقتنا مع العالم، ولهذا السبب أيضًا، فإنها تُوضِّح ما يُسمِّيه بعضهم ﺑ «المواطنة الداخلية».

«الدرس الثاني عشر»

علينا الاعتياد على الحضور أثناء كل ما نفعله؛ قبل العمل، أو تناوُل الطعام، أو الاتصال بأحد المعارف، علينا أن نأخُذ عدَّة لحظات ونقوم بالتنفُّس بحالة وعي كامل. علينا أن نكون بحالة تواصُلٍ هادئ مع ما سنقوم به. إنها ليست رغبة بالقيام بحديث فائق الأهمية أو الوصول إلى حالة عاطفية مُعقَّدة، وإنما ببساطة أن نكون في حالة حضور ذهني. ومن المهم أيضًا أن نقُوم كلَّ يومٍ وكلَّ أسبوع بتمارين «لا شيء إلا …» لا شيء إلا تناول الطعام (تناول وجبة ونحن بحالة وعي كامل)، لا شيء إلا المشي (السير دون التفكير بوجهة الطريق)، لا شيء إلَّا تنظيف الأسنان (دون التفكير باليوم الذي ينتظرنا، أو باليوم الذي قضيناه).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠