الفصل الثالث والعشرون

أن نُحِب

إن سمعان قد فهم الأمر منذ وقتٍ طويل؛ فهِم أنَّ هذا الطفل هو السيد المسيح، وأنه سيُغيِّر كلَّ شيءٍ على هذه الأرض. لقد عرف كلَّ ذلك سمعان، وقد عرف أيضًا أنه لن يكون ذلك دون تلك الآلام اللانهائية للمسيح، ومن ثَم لوالدته. ومن ثَم، سيقول لمريم: «وأنتِ أيضًا يجوز في نفسكِ سيف.» لقد عرف أن المسيح سيحمل ثورة الحُب للأرض. ولم يسبقه أحدٌ بإعلانِ أنَّ الله هو الحُب، وأن الله يريد أن يسود الحُب دون مشاركة. لم تكُن الآلهة القديمة تُهيمِن على قلب الإنسان إلا بالقوَّة والخوف. لكن المسيح تكلَّم عن إله الرحمة اللانهائية، والمملكة التي ستأتي معه. إن هذه الرسالة — أولوية الحُب المُطلَقة — ستُغيِّر العالم الغربي. في نفس الوقت، في الشرق، كانت رسالة بوذا تتحدَّث عن أهمية العطف، وعن ذلك الطريق الذي سيُخفِّف آلام البشر جميعًا.

figure
لوحة «سمعان في المعبد» (١٦٦٩) لرامبرانت (١٦٠٦–١٦٦٩)، وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد ٠٫٩٨٥ × ٠٫٧٩٥ متر، المتحف الوطني، ستوكهولم.

عندما كان سمعان يحمل يسوع بين ذراعَيه ليُقدِّمه إلى المعبد، كانت لديه رغبة عارمة بمُعانَقته وتقبيله. أراد أن يشكُره على كل ما سيحمله معه، وأن يُواسِيه على كلِّ الآلام التي سيُعانِيها. لكنه لم يفعل ذلك في البداية. لم يكن يتوجَّب عليه أن يلمسه بيدَيه العاريتَين، وإنما استخدم الغطاء الخاص بالصلاة عند اليهود، والذي تحوَّل فيما بعد، في الطقوس المسيحية إلى الحجاب الطقسي الذي يحمل به القسُّ جسد المسيح في القربان المُقدَّس. إنه شديد التأثُّر كَونُه قد رأى أخيرًا السيد المسيح الذي انتظره طويلًا، ويقول البركة التي نَنشُدها في صلاة النوم والتي هي كالآتي: «الآن تُطلِق عبدك يا سيد حسبَ قولك بسلام؛ لأن عينيَّ قد أبصرتا خَلاصك.» يستطيع سمعان أن يموت الآن في سلام لأن الحب سينتشر.

لن أتكلم ولن أُفكِّر في شيء؛ ولكنَّ الحبَّ اللانهائي سيصعد إلى روحي …

آرتور رامبو، «إحساس»

حليب الرقَّة الإنسانية

إنه تعبير شكسبير، في مسرحية «ماكبث» تقوله الليدي ماكبث نادمةً على امتلاك زوجها لهذه الصفة الإنسانية، وهي تدفعه لقتْل ملك اسكتلندا دنكان: «أخافُ من طبيعتك؛ إنها مليئة بشكلٍ زائد بحليب الرقَّة الإنسانية، وستمنعك من سَلكِ الطريق الأقصر.» إن «حليب الرقَّة الإنسانية» هذا تراه باعتباره شيئًا يجِب أن يُوبَّخ عليه أو يَندم على وجوده فيه. إنه لن يمنع عملية القتل، لكنه سيقود ماكبث إلى الندم، وزوجته إلى الجنون. يُذكِّرنا هذا التعبير أنَّنا كائنات تعتمِد على التواصُل والحُب. فبِدُون هذا الغذاء العاطفي، سنكون في خطر، فلن نكبُر، ولن نزدهر. وبدونِ حبٍّ سنعيش الألم؛ سنتصلَّب، ونغُوص في الجنون والمرض.

قد تدفعنا الحياة إلى نسيان أو إهمال هذا البُعد لدَينا؛ لهذا يدعونا التأمُّل بالوعي الكامل إلى التواصُل معه بشكلٍ مُتكرِّر. علينا أن نفعل ذلك كي نستطيع أن نُخفِّف آلامنا وآلام الآخرين، ولكي نفهم ونستخدِم طاقته الرائعة بشكلٍ أفضل.

يُوجَد حولي عددٌ هائل من الأشخاص الذين يُحِبونني، ويُساعِدونني، ويضحكون في وجهي ويُعطونني. هم يقومون بذلك الآن، وسيقومون به غدًا. عليَّ أن أكون واعيًا لهذا الدَّين، وأن أفرح به وأُعبِّر عنه بالامتنان. ويجب أن أُبقِي وعيي بشكلٍ مُتكرِّرٍ حاضرًا لذلك، حتى الشعور به جسديًّا؛ إنه تأمُّل الامتنان. يُوجد ثلاث خطوات في تأمُّل الامتنان؛ إدراك أهميته، والتوقُّف للحظة كي نذهب أبعدَ من التفكير به فقط، وتركه ينتشر في جسدنا، بوصفه شعورًا وليس فكرةً فقط؛ ثم بالتأكيد التعبير عنه أمام هؤلاء الذين يُحِبوننا ويُساعِدوننا. فهو فكرة، وشعور، وسلوك.

وبشكلٍ أوسع أيضًا، إنه لَأمرٌ جوهري أن نَعِيَ الأهمية القصوى والمُطلَقة للحُبِّ بكلِّ أشكاله (الإيثار، والإعجاب، والحنان، واللُّطف، والعطف، والكرم …) ومن المُهم جدًّا أن نختار الحُبَّ موضوعًا للتأمُّل، وأن نُمارِسه كلَّ يوم. هذا السعي لمُساعَدة البشر يُسمُّونه في المسيحية «الإحسان» وفي البوذية «حُب الغَير». ولكن من الواضح أن الأمر يتعلَّق بنفس الفعل؛ إنه فهمٌ، وتلقٍّ، وممارسةُ حُبِّ الآخرين.

figure

التأمُّل وصِلات الحُب

تقوم عادةً التعاليمُ البوذية، التي دوَّنَت حالات الحُب، بمُقارَبةِ ممارسةِ حبِّ الغَير عبرَ أربعة أنواعٍ من التمارين التأمُّلية، التي يجب فهمها على أنها لحظاتُ تحضيرٍ لممارسةٍ فعليةٍ لاحقة.

لدَينا، أولًا، تمارين التأمُّل الخاصة بحب الآخرين، والتي تقوم على التفكير بالأشخاص الذين نُحِبُّهم، والشعور بهذا الحُب بشكلٍ فعلي في هذه اللحظة. ليس هذا أن نقول فقط إننا نُحِبُّهم، وإنما أن نترك هذا الحُب (أو هذه العاطفة، أو التقدير) يكبُر في داخلنا، وذلك حتى نشعُر بتأثيراته الفيسيولوجية في جسدنا. تُشبِه هذه الحالةُ تلك اللحظةَ التي تُراقِبون فيها طفلًا نائمًا، أو تنظرون فيها إلى شخصٍ تُحِبونه. سيُشارِك حينها كلُّ جسدكم حالةَ الحبِّ هذه وليس فقط أفكاركم. في هذه التمارين التأمُّلية، سنُحاوِل أن نُعطيَ هذا الحب أكبر مساحةٍ مُمكِنة في وعينا، ونسعى كي يكون جسدنا شديدَ الحساسية لتلقِّي صدى هذا الشعور.

يجب ألا نملك فقط «أفكارًا» حول العطف، أو «الرغبة» بالتعاطف، وإنما أن نمتلك بشكلٍ فعلي «مَشاعرَ» الشفقة هذه.

ثم لدَينا تمارين التأمُّل الخاصة بالعطف، والتي نُوجِّه فيها تفكيرنا نحوَ المُعاناة التي يشعُر بها (أو يُمكِن أن يشعُر بها) الأشخاص القريبون منَّا. يجب أن نترك هذا يملأ وَعْيَنا حتى يسكن داخلنا. ونتمنَّى من كل قلبنا أن تخفَّ عنهم أو تزول. هنا، أيضًا، يجب أن يذهب هذا التمنِّي إلى أبعدَ مِن أن يكون فكرةً سطحية وعابرة. يجِب أن يخرج منَّا، ونُحِسُّ به بكُلِّيَّتنا، لا أن نملك فقط «أفكارًا» حول العطف، أو «الرغبة» بالتعاطف، وإنما أن نمتلك بشكلٍ فعلي «مَشاعرَ» الشفقة هذه. عندما نعلم أن شخصًا يُعاني، أو أنه مُصابٌ بمرضٍ ما أو أنه قد تُوفِّي، ماذا نفعل حينها؟ هل نتوقَّف من أجله ولو عدَّة دقائق؟ هل نأخذ فعلًا وقتًا كي ندَعَ صورة هذا الشخص تدخل فينا؟ أو الوقت الكافي كي نمتلئ بمشاعر العطف والحبِّ نحوَه؟ خُذوا وقتكم للقيام بذلك؛ إنها تمارين التأمُّل الخاصة بالعطف.

figure

أما تمارين التأمُّل الخاصة بالفرَح الإيثاري، فهي أن نعتاد وبالتدرُّج على أن نفرح بصدقٍ لسعادة الآخرين. إنه الابتهاج أمام ما هو جيِّد للآخرين. إنه أن نفرح عند رؤية الأطفال حتى لو لم يكونوا أطفالنا، والضحك والفرح عندما نرى عاشقَين مُتعانِقَين، أو أناسًا يتحدَّثون أو يُساعِد بعضهم بعضًا. ألا يُوجد شيء آخر؟ … ماذا نفعل تجاه العُنف والتعامُل السيِّئ؟ إن تمارين التأمُّل الخاصة بالفرح الإيثاري تُساعِدنا على ألا ننسى، حين نرى العُنف وسوء المعاملة، أنَّ هناك أيضًا اللُّطف، والسعادة، والحب. إننا نعلم ذلك لكن مُمارَسته والشعور به في وعي كاملٍ يُعطي قوةً أكثر لقناعاتنا.

وأخيرًا، هناك تمارين التأمُّل الخاصة برَباطة الجأش، التي تدعونا كي نتمرَّن لكي نبقى قادرين على تمنِّي الخير للإنسانية جمعاء، وحتى لهؤلاء البعيدين جدًّا عنَّا، وللذين لا نعرفهم، وحتى لذوي الطباع السيِّئة والذين سبَّبوا لنا المُعاناة. إنها تدعونا أن نتمرَّن على أن نتمنَّى لهم الخير، ونتعاطف معهم، ونفرح لهم عندما يكونون سعداء. تُعطينا هذه التمارين التأمُّلية بشكلٍ غير مباشرٍ الشعورَ والقناعةَ بأنَّ المُعاناة هي دائمًا سبب السلوك السيِّئ. فإذا كان الإنسان سعيدًا ولم يكن يُعاني كثيرًا، فإنه لن يُسبِّب المُعاناة لمَن حوله.

أيَّ نوعٍ من البذور نريد أن نزرع في دواخلنا؟

نستطيع أن نصير أبطالًا في اللامُبالاة، والحسد والغيرة، والأنانية في مشاعرنا. يكفي ألا نقوم بأيِّ جهدٍ عندما تظهر هذه المشاعر داخلنا وأن نترك لها كلَّ المكان، وأن تملأ بشكلٍ كاملٍ وعْيَنا. حينها سنكون مُتأكِّدين أنها ستصير أكثر قوة وحضورًا. أن نتركها حرةً داخلنا لن يُهدِّئها؛ بالعكس ستُشبِّث جذورها عميقًا في أرواحنا. إن التنفيس لن ينفع عندما يتعلق الأمر بالمشاعر المُثيرة للاضطراب.

لكنَّنا نستطيع أيضًا أن نصير أبطالًا في الغَيرية، وتمنِّي الخير للآخرين، والتعاطُف ورَباطة الجأش. يكفي أن نقوم بشكلٍ مُتكرِّر وعميق بإعطاء كل هذه المشاعر مكانًا في دواخلنا. وهذا كل ما في الأمر.

«الدرس الثالث والعشرون»

يُعطي التأمُّل بالوعي الكامل تجسيدًا لنِيَّاتنا الجيِّدة. ستزداد دوافعنا الخيِّرة تجاه القريبين منَّا والبعيدين عنَّا عندما نُعبِّر عنها بالسلوك والكلام. ويُمكِنها أيضًا أن تكتمل في السر في دواخلنا. علينا أن نأخذ الوقت الكافي، وبشكلٍ مُتكرِّر، كي نشعر بالحب، وبالعطف، وبالشكر، وبكل العواطف الجميلة التي وهبتْنا الحياة. يجب ألا يكون هذا على هيئة نيَّات غير واضحة («يجب أن أقول له ذلك») أو أفكار سريعة ونفعيَّة («من حُسن حظي أنَّ هناك مَن يُحِبني») وإنما حالات تأملية طويلة، ومُتكرِّرة ومُتجذِّرة في أجسادنا. وسيُغيِّر ذلك كلَّ شيء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠