الفصل الرابع والعشرون

أن نختبِر تمدُّد الذات وانحلالها

ماذا يحدُث هنا؟ ماذا تفعل هذه اليد اليُسرى تحت الطاولة؟ من أين أتى هذا الحجر الغريب الشكل، بفجواته الصغيرة؟ هل جاء من القمر؟ ولماذا اليد اليُمنى ساكنة هكذا كعنكبوت، وقد توقَّفَت عن الحركة ولم يعُد لها أي دلالة؟ ثم نجد رأس هذا الرجل الأنيق، الذي ينحلُّ بالتدرُّج في كُرةٍ من ضوءٍ أصفر، وكأنها شمس عقلية تسطع فجأة … إنه يُشبِه الضوء الذي كان يسطع في نافذة الفيلسوف الذي يتأمَّل، في لوحة رامبرانت. هل تتذكَّرون؟ إنها لوحةٌ تحكي قصة اختفاء، أو حالة تحوُّل. وبعد قليلٍ سيبدأ هذا الطقم الأنيق (الحياة الجدية) بتفريغ مُحتواه بالكامل. وهذه الرُّوح التي تغلي كالشمس (الحياة الغامضة) سوف تفيض عن هذا الجسد وتتركه. إنها لوحة عن توهُّج الذهن، وسرعان ما سيكون هناك ضوء فقط على القماش، ثم لا شيء.

figure
لوحة «مبدأ اللذَّة» (١٩٣٧) لرينيه ماجريت (١٨٩٨–١٩٦٧)، وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد ٠٫٧٩ × ٠٫٦٣٥ متر، مؤسسة إدوارد جيمس سابقًا، ساسيكس.

تنتشر حياتي وتتبخَّر وتُصبِح كأوراق الشجر، وإبَرِ الجليد التي تتلألأ كأحجارٍ كريمة على العُشب والقَشِّ في صباحٍ شتوي … وعبر بساطةِ ما نُسمِّيه عادةً الفقر، تتكثَّف حياتي وتترتَّب، وتُصبِح كونًا شاملًا لا شكلَ له، كما كان عليه في البداية.

هنري ثورو، «مذكرات (فبراير ١٨٥٧)»

تَمدُّد

يبدو الوعي الكامل كأنه امتدادٌ لذواتنا؛ لأننا نمتصُّ كلَّ ما حولنا، نتشرَّبه ونصير هو؛ كدائرةٍ تتوسَّع حتى تحتوي كلَّ شيء. نحن في مركز هذا العالم، لكنه بقِيَ عالمًا غيرَ واضح الحدود، وبدَتْ حدوده كلُّها مُثيرة للخوف.

يبدو أن الحال لم يتغير؛ فقد بدأتُ تمريني شاعرًا بالضيق، ومُنكمِشًا حول أفكار، أو انفعالات، أو آلام عميقة، فقمتُ بالتوقُّف للحظة، وجلستُ وأغمضتُ عينيَّ. هناك الآن طنينٌ في الأُذنَين؛ انزعاج، ارتباك، فوضى، تشتُّت. كلُّ هذا الجهد للوصول إلى هنا؟ سأُوقِف التمرين؟ لا سأُكمِل. وأُكمِل تمريني، لكنني لا أصِل إلى شيء. لا أستطيع أن أُغيِّر ما أشعُر به الآن، لا أستطيع أن أمنع شيئًا أو أحمي نفسي مما هو موجود الآن. كلُّ هذا، ربما، بل بالتأكيد، له سببٌ وجيه لبقائه. إذن عليَّ أن أفتح ذاتي، أن أُوسِّعها، أن أدعو وأطلُب من ضيوفٍ آخرين ليحضروا في وَعيي، فلا أبقى وحيدًا في هذه الفوضى العارمة، ولكن يجب أن أسمح لها بالوجود أيضًا. يجب أن أتنفَّس، وأعي تنفُّسي.

تُوجَد أصواتٌ حولي. يجب أن أَعِيها، وأَعِي كلَّ جزءٍ صغير من جسدي. عليَّ أن أبدأ بالشعور بأن الضيق بدأ ينفكُّ عني، وأشعُر أنني أستطيع أن أفتح عينيَّ، كي أتأمَّل الجدار، الأشياء، السماء. وأمتص كلَّ ما يمر. وأجد أن الفوضى، والضيق، والأحاسيس غير المُريحة لا تزال هنا، وكذلك كل الإزعاجات الخارجية التي سبَّبَتْها؛ لكن تبدو كلها أصغرَ حجمًا، وأقلَّ أهمية. وأستمر بابتلاع كلِّ ما حولي، مثل العملاقَين جارجانتوا وبانتاجرويل؛ غولٌ نفسيٌّ يبتلِع ببطءٍ العالم والواقع، وكلَّما التهمتُ شعرتُ أنني أكثرُ هدوءًا. ولكن بعد فترة وجيزة يحضرني سؤالٌ ما: مَن يبتلعُ مَن؟

figure

انحلال

كثيرًا ما نختبِر في التأمُّل بالوعي الكامل أحاسيس تتكرَّر في تمارينه، إنها تلك المتعلقة بانهدام الحواجز بيننا وبين الخارج؛ إنها أحاسيس بالاندماج مع ما يُحيط بنا، بانتشار العالم في دواخلنا. هل هذا الشعور يُثير الخوف؟ بالعكس، إنه شعورٌ مُريح ومُطَمْئن لأننا نُدرِك إلى أي حدٍّ يكون الانعزال مع الأنا في النهاية خيارًا سيِّئًا.

تذكَّروا عندما ذكرنا كيف تطرح البوذية في لُغتها التصويرية والشعرية ما يُسمَّى «النظرة العميقة»، التي تُساعِدنا على إدراك الطبيعة الحقيقية للظواهر، وخاصةً «فراغها»؛ إننا كأقواس قزح؛ نُوجَد، ونتحلَّل، ونتشكَّل من جديد.

يأتيني هذا الشعور خصوصًا عندما نقوم بجلسات تأمُّل في حديقة مستشفى سانت-آن عندما يكون الجوُّ لطيفًا. نخرج من القسم، لِنَجد أنفسنا فورًا واقفين على العشب بأقدامٍ عارية، مغمورين بالضجة البعيدة لباريس التي تصل إلينا من وراء الجدران العالية للمستشفى، وفي مَسبحِ الضجة هذا الذي لم نعُد نُميِّز فيه أي حدود. إنه تمرين التمدُّد، والحضور الكثيف، دون الأنا. إنه يُشبِه الخروج من الذات، دون أن يكون ذلك موتًا. إننا لا نشعُر أننا مُتنا، ولكننا بالعكس أحياء بكثافة. ولا نشعُر أننا سنختفي، وإنما على العكس ننتشِر في كلِّ شيءٍ حولنا، ويصير وجودنا جليًّا. نشعُر كأنَّنا «مثل السنابل التي تنمو أو المطر الذي يسقط»، وذلك بحسب كلمات إتي هيليسم.

اهجُر كلَّ شيء. اهجُر كلَّ ما تعرفه، اهجر، اهجر. ولا تخَف من أن تبقى دون أي شيء؛ لأنه في النهاية سيكون هذا اللاشيء بقُربك …

تحرُّر

نشعر أنَّنا حينها خفيفون لدرجة العدَم. ولكن لا، ليس الأمر كذلك بالضبط. ليس الأمر نوعًا من الحركة باتجاه العدم، وإنما نحوَ انتماءٍ يتجاوزنا.

يُذكِّرني ذلك بمصطلح «مجال النو» للباحث اللاهوتي المسيحي تايار دي شاردن. فكما نذكر المجال الجوي لطبقة الهواء المُحيطة بالأرض، أو المُحيط الحيوي للطبقة الحية من النباتات والحيوانات التي تُغطِّي سطح الأرض، نستطيع أن نتكلم عن مجال النو («النو» في اللغة الإغريقية تعني الذكاء، والعقل، والفكر) لكي نتحدَّث عن الطبقة غير المرئية، غير الملموسة ولكن الحقيقية، لكل أفكار البشر، والتي تُشكِّل «الذكاء الكلي»، الذي هو مجموع ذكاء جميع البشر.

هذا يُذكِّرني بالصورة المجازية للطوافة وعبور النهر؛ فبعد عبور النهر، أو البحيرة، أو المحيط، تُصبِح الطوافة، التي كانت حتى هذه اللحظة شديدة الأهمية، غير مُفيدة ومُزعِجة. ولكي نُكمِل طريقنا في الأرض الجديدة التي وصلنا إليها، يتوجَّب علينا أن نتركها مكانها دون ندَمٍ ونأخذ معنا ما هو أساسي فقط.

أذكر كلام الحكيم الذي قال: «اهجُر كلَّ شيء. اهجُر كلَّ ما تعرفه، اهجر، اهجر. ولا تخَف من أن تبقى دون أيِّ شيءٍ لأنه في النهاية سيكون هذا اللاشيء بقُربك …»

أذكر أيضًا هذا القول لسيمون فاي: «إن المرء الذي تأخُذ روحه الكون أجمع جسدًا، يصير هو هذا الكون.» وأُفكِّر بهذا الفرق بين الأبدية والخلود. إننا نعرف أن الخلود لن يكون من نصيبنا، لكننا حين نعيش ونختبر اللحظة الحاضرة بوعي كامل، ونشعُر أنَّنا قد حقَّقناها، فهذه هي الأبدية. إنها موجودة، ونحن نشعُر بها.

«الدرس الرابع والعشرون»

يَهدم الوعي الكامل الحدود غير المفيدة، كتلك التي تفصِلنا عن بقية العالم. إننا نخاف أن نختفي يومًا ونتحلَّل، ولكننا إذا اختبرنا ذلك عشرات المرَّات، فبالتأكيد سنكون أقلَّ خوفًا. إنَّ التأمُّل بالوعي الكامل هو أن نتواصَل مع العالم بقوةٍ لدرجة أن المسافة بين ذاتنا وما هو خارجها يصير بلا معنًى، بلا فائدة، وزائدًا عن الحاجة. علينا أن نُهيِّئ أنفُسنا للعودة من حيث أتَينا، كموجةٍ ستختفي عمَّا قريب في المحيط. إذن لا تُوجَد حدود بعد الآن، وإنما روابط فقط.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠