الفصل الرابع

أن نُغمِض عيونَنا ونُنصِت

لم يُخلَق فنُّ الرسم للعيون فقط؛ إذ تستطيع بعض اللوحات أن تهمس لنا في آذاننا. كهذه اللوحة مثلًا؛ إنها لوحة رُسِمَت كي نُنصِت إليها. إنها رُسِمَت لنُشاهِدها أيضًا بالتأكيد، ولكن على وجه الخصوص كي نستمع إليها.

سنجد صراخ الأطفال الذين يلعبون، ونداء أمهاتهم وهنَّ يقُمْنَ بتهدئتهم. سنسمع أيضًا حفيف أوراق الأشجار الذي تُحدِثه ريحٌ خفيفة، وغناء العصافير، وربما النباح البعيد لكلبٍ أو كلبَين.

ولكن، تُفاجِئنا ضجَّة غريبة، تقترب ببطء؛ تش، تش، تادم … إنها صوت القطار البخاري الذي يظهَر ببطءٍ ثم يملأ المكان بلهاثه، وقرقعة العجلات على السكة الحديدية. تشوت، تشوت … إنه صوت الصفارة التي يُطلِقها السائق، بدافع العادة أو الطرَب وهو يعبُر الجسر. ثم يخفُت صوته ويختفي القطار. ما زلنا نسمع ضجيجه من بعيد، وبعد لحظة … لا شيء. تغيب الضجة وتذوب ببطء، ولا يبقى سوى ذكرى مرور القطار. في أي لحظة بالضبط اختفى صوت القطار؟ كم من الوقت بالضبط قام بلفْتِ انتباهنا؟ قد تكون مثل هذه الأسئلة بلا أهمية. ربما، وقد تكون جديرة بالاهتمام؛ فهي تُوضِّح لنا كيف تُنصِت رُوحنا للحياة، إن كانت تفعل ذلك.

figure
لوحة «قطار في الريف» (١٨٧٠ تقريبًا) لكلود مونيه (١٨٤٠–١٩٢٦)، وهي لوحة زيتية على القماش، بأبعاد ٠٫٥٠ × ٠٫٦٥٣ متر، متحف أورسيه، باريس.

إنها الحياة التي تستمرُّ لحظةً إثر لحظة، وببطءٍ تعود إلى ساحة وَعْينا صرخات الأولاد والأمهات، صوت الريح وغناء العصافير، وربما النباح البعيد لكلبٍ أو كلبَين.

أستمع إلى صوت ذلك العصفور، ليس من أجل غنائه وإنما من أجل الصمْت الذي يليه.

يون نوجوتشي، «ينابيع الحكمة الشرقية»

أصواتٌ من كل نوع

ما الفرق بين الضجة، والأصوات، والموسيقى؟

الضجة هي كل ما يصل إلى آذاننا؛ أي كل إحساس صوتي. أما الصوت فهو ضجة لها معنًى (صوت شخص أو رنين جرس)؛ أي أنه ضجة مُنتظِمة، مُحدَّدة، قام ذهننا بالتعرُّف عليها. أما الموسيقى، فهي مجموعة من الأصوات المُتراكِبة المُنتظِمة والمُتناغِمة.

figure

إننا نسبح في عالم لا نهائي من الأصوات الدائمة، لكننا لا نعي وجودها إلا في بعض الأحيان. يستطيع مهندسو الصوت في السينما والإذاعة إعادة إنتاج تلك الأصوات؛ الأصوات الإنسانية (مثل تلك التي تُوجَد في السوق، أو المطعم، أو المكتب) أو أصوات الطبيعة (مثل شاطئ البحر، أو الغابة الخريفية)، إلخ. وحين نُنصِت بانتباه، نُدرِك تعقيد وجمال هذا العالم الصوتي.

إننا بحاجة إلى هذه الأصوات، خاصةً تلك الأصوات الحقيقية النابعة من الحياة، ومن الطبيعة. إنها الغذاء «الطبيعي» لآذاننا والذي يُقدِّمه لنا بكرمٍ كلٌّ من البحر والجبل والريف. لهذا السبب فهي تمتلك قوةً مُهمَّة في تهدئة روعنا؛ فهي الأصوات الأقدم لجذورنا الأصلية.

لنسمع، ونُنصِت، ونفكر

حين نسمع نكون في حالةِ تلقٍّ؛ إنها حالة «سلبية» أو بالأحرى لا نكون عندها في حالة تدخُّل. في الإنصات يكون انتباهنا في حالة استعداد، يُراقِب بشكلٍ إرادي هذه الأصوات ويُحاوِل تحليلها.

وهنا يبدأ تفعيل الخواطر والأفكار. مثلًا، حين «نسمع» صوت سيارة إسعاف، «نُنصِت» إليه فورًا ونُعطيه معنًى. «نفكر» حينها، بشكلٍ غيرِ واعٍ ربما، أن حادثًا ما قد وقع أو أن هنالك شخصًا مريضًا جدًّا، وربما سنشعُر حينها بالشفَقة، أو بالقلق أو بالحزن.

وحين «نسمع» أصوات خطواتٍ في الشقة التي تعلو شقَّتَنا، «سنُنصِت» بانتباهٍ أكبر ونُحاوِل «معرفة» صاحب هذه الخطوات؛ قد نتخيَّل شخصًا مُحدَّدًا (ربما امرأة إذا كانت ضجَّة حذاء نسائي ذي كعبٍ عالٍ، أو شخص نعرفه ونستطيع التعرف عليه من طريقته في المشي التي اعتدنا عليها). أحيانًا نُطلِق حكمًا؛ فنُحِبُّ هذا الصوت أو لا نُحِبه، ويأخذنا التفكير بكلِّ مدلولاته. إن نتاج أفكارنا هذا انطلاقًا من الأصوات التي نسمعها حولنا قد يُغنِي داخلنا أو يُفقِره. إن سِمة الأصوات تدخل في تنافُسٍ مع إدراكنا لهذا العالم.

وحالما ننطق بالكلام، نترك حينها التجربة الحسية، فلا نُوجَد في عالم الأصوات، إننا نتركه لندخل عالمنا الذهني. لا مشكلة في الأمر، حتى إن ذلك ضروري وأحيانًا حيوي. فأن نشعُر فقط، ليس ذلك كافيًا؛ فيجب أن نفهم أيضًا. لكن من المهم أيضًا أن نفهم ما يحدُث داخلنا، كما هو الحال بالنسبة لكل التداعيات التلقائية لذهننا، والتي يجب أن نتجاوزها لنعود إلى الإنصات الحيادي والمُتلقِّي للحياة. فالعودة إلى الإنصات في حالة الوعي الكامل قد تُمكِّننا أحيانًا من إدراك «ما هو غير مسموع»؛ ذلك الذي لم نسمعه قطُّ لأننا لم نكن نُنصِت فعلًا.

figure

التلقِّي الهادئ للأصوات

عندما يكون الصوت موضوع اهتمامنا في حالة الوعي الكامل، نحرص على تلقِّي كلِّ الأصوات. سنُقاوِم في البدء رغبَتَنا في تصفية ما نتلقَّى («تبًّا، تُشتِّتني هذه الضجة، فسأُحاوِل ألا أُفكِّر بها»)، والحُكم عليه (إنهم مُزعِجون؛ هؤلاء الذين يُحاوِلون تسخين مُحرِّك سيارتهم بالضغط على دوَّاسات السرعة). أُذكِّركم أن حالة الوعي الكامل ليست حالة استرخاء (الاسترخاء يحتاج إلى الصمت والهدوء)، وإنما هي نوع من التأمل (الذي يسعى إلى تطوير إدراكٍ هادئ للعالم). إننا نستطيع ممارستها حتى بوجود ضجة، وحتى لو كنَّا لا نُفضِّل ذلك، يجب تعلُّم كيفية القيام به.

نتمرَّن في حالة الوعي الكامل على إعطاء اهتمامنا للأصوات ببساطة، لما هو أساسي فيها؛ هل هي بعيدة أم قريبة؟ حادَّة أم مُنخفِضة؟ مُستمِرَّة أم مُتقطِّعة؟ هل هناك فترات من الصمت؟ إننا نحرِص على تلقِّي صفاتها الأولية وتلقِّيها كما هي.

من المُؤكَّد أنَّ ذِهننا سيُحاوِل تفسير الأصوات («إنه صوت كذا وكذا»)، وإطلاق الأحكام («هذا مُريح، وهذا مُزعِج»)، وتسلسُل الأفكار التي تليها («هذا يُذكِّرني ﺑ …»، «هذا يجعلني أحلم ﺑ …») كل هذا طبيعي، لا فائدة من الانزعاج منه؛ لأن روحنا تتصرف دومًا على هذا الشكل؛ تُطلِق الأحكام وتلفع بالثرثرة تجاربنا وأحاسيسنا. لن يكون بالأمر سُوءٌ ما دُمْنا نَعيه ونُدرِكه؛ عندما نُركِّز انتباهنا على الأصوات، سنقوم بمراقبة الكيفية التي يقوم بها ذهننا بالتفريق بينها وبين مدلولاتها الفكرية. ثم لا بدَّ من العودة إلى الاستماع البسيط إلى الأصوات دون مدلولاتها. ستعود الأفكار للتدخُّل. هذا طبيعي، بل إنه ممتاز. إن ذلك يُدرِّبنا على إدراك هذه الحركية الدائمة لذِهننا. وعندما تهدأ الأفكار، تتركنا بسلام ونستطيع حينها أن نستمتع من جديدٍ بالإنصات إلى الأصوات حولنا.

في بعض الأحيان، ونحن نقوم بجلسة تأمُّل علاجي جماعي، يحدُث أن يرنَّ هاتف أحد المرضى في الصالة. أقوم حينها، دون أن نُوقِف الجلسة، بتوجيه المرضى بالطريقة الآتية: «إنها صُدفة رائعة، لنبقَ في تمريننا، عيوننا مُغمَضة، ولنُنصِت إلى هذا الرنين، ونُراقِب ما يُحدِثه لدَينا من أفكار؛ «هذا مُزعِج.» «لا بدَّ أنَّ صاحب هذا الهاتف يشعُر بالإحراج الآن.» «هذا ليس جيدًا.» «هل هاتفي مُغلَق؟ أرجو ذلك.» لنُراقِب بهدوء، ونحن نبتسِم، كلَّ ما أحدثه هذا الرنين من أفكار …» وعندما يصل أحد المرضى مُتأخِّرًا، وقد بدأتِ الجلسة، نُبقي أعيُننا مُغمَضة، نستمع له وهو يقوم بتجهيز وضعيَّته للبدء، ونُسلِّي أنفسنا بتسجيل كلِّ الأصوات التي يُحدِثها والأفكار التي تليها في أذهاننا. إنَّ أخْذ مكان المُراقِب الهادئ هو جوهر الممارسة في الوعي الكامل.

الصمت

يُشبِه الصمت في علاقته مع الصوت، علاقة الظلام والضوء، أو النوم واليقظة. إنه وجه آخر لا بدَّ منه. إنَّ الاجتياح المُستمِر للضجة حولنا له تأثير سيِّئ. إنه يُساهِم في تراكُم الإثارة والاهتياج الذي تفرضه علينا هذه الحياة «العصرية». وحتى ولو كانت جديرة بالاهتمام (مثل الأخبار المُتواصِلة في الراديو) وحتى ولو كانت مُتناغِمة (مثل الموسيقى التي نسمعها في كلِّ مكان)، فإن وجودها المُستمِر يُتعِبنا، يُرهِقنا، يمنع روحنا من التنفُّس، ومن العيش بسلام. إنها تلك الثرثرة المُتواصلة التي تأخذ المكان كاملًا على حساب أفكارنا.

علينا إذن أن نتذكَّر قوة الصمت. إنه صدى أصوات الحياة. لا يعني ذلك أن يطغى الصمت طوال الوقت، وإنما أن يُوجَد بين الأصوات، بين الفترات التي لا نستطيع فيها تلافي الضجيج (كالمرور بالسيارة في المدينة)، أو عندما تكون الأصوات ضرورية (كالحديث مع الآخرين أو الموسيقى في حفلة مسائية). إنَّ فترات الصمت هذه تُعتبَر لحظات التقاط أنفاس، أو فترات فاصلة. إنها تزيد من أهمية الأصوات التي نُحِبها، وتُريحنا من تلك التي تُزعِجنا.

مليءٌ بالقوة هذا الصمت، وكذلك قريبه الهدوء. وجودهما لا يعني غياب كلِّ الأصوات، وإنما غياب للأحاديث غير المُهمة، والتداخُلات المُتكلَّفة. بهذه الطريقة يستطيع كلٌّ من الصمت والهدوء مساعدتنا على الإنصات إلى موسيقى الحياة.

«الدرس الرابع»

علينا أن نتوقَّف، ونُغمِض عيوننا ونُنصِت. لنتلقَّى كل الأصوات حولنا؛ المرغوبة منها (غناء عصفور) وغير المرغوبة (ضجيج مُحرِّك). وأيضًا تلك الأصوات داخلنا؛ المُريحة (صوت تنفُّسنا)، والمُزعِجة (طنين الأذن، وصوت أمعائنا). ليس الهدف من تمارين الوعي الكامل السمعي هذه الشعورَ بالراحة بشكلٍ مباشر، وإنما أستطيع القول إنَّ الهدَف منها هو فتح رؤيتنا على هذه العوالم الصوتية حولنا، وما تُحدِثه لدَينا من مشاعر وأفكار وانفعالات، وبالتأكيد الاستمتاع بالصمت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠