قافية الدال

وقال يمدح سيف الدولة، ويرثي ابن عمه أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان، وقد توفي في حمص سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاثمائة:

مَا سَدِكَتْ عِلَّةٌ بِمَوْرُودِ
أَكْرَمَ مِنْ تَغْلِبَ بْنِ دَاوُدِ١
يَأْنَفُ مِنْ مِيتَةِ الْفِرَاشِ وَقَدْ
حَلَّ بِهِ أَصْدَقُ الْمَوَاعِيدِ٢
وَمِثْلُهُ أَنْكَرَ الْمَمَاتَ عَلَى
غَيْرِ سُرُوجِ السَّوَابِحِ الْقُودِ٣
بَعْدَ عِثَارِ الْقَنَا بِلَبَّتِهِ
وَضَرْبِهِ أَرْؤُسَ الصَّنَادِيدِ٤
وَخَوْضِهِ غَمْرَ كُلِّ مَهْلَكَةٍ
لِلذِّمْرِ فِيهَا فُؤَادُ رِعْدِيدِ٥
فَإِنْ صَبَرْنَا فَإِنَّنَا صُبُرٌ
وَإِنْ بَكَيْنَا فَغَيْرُ مَرْدُودِ٦
وَإِنْ جَزِعْنَا لَهُ فَلَا عَجَبٌ
ذَا الْجَزْرُ فِي الْبَحْرِ غَيْرُ مَعْهُودِ٧
أَيْنَ الْهِبَاتُ الَّتِي يُفَرِّقُهَا
عَلَى الزَّرَافَاتِ وَالْمَوَاحِيدِ٨
سَالِمُ أَهْلِ الْوِدَادِ بَعْدَهُمُ
يَسْلَمُ لِلْحُزْنِ لَا لِتَخْلِيدِ٩
فَمَا تُرَجِّي النُّفُوسُ مِنْ زَمَنٍ
أَحْمَدُ حَالَيْهِ غَيْرُ مَحْمُودِ١٠
إِنَّ نُيُوبَ الزَّمَانِ تَعْرِفُنِي
أَنَا الَّذِي طَالَ عَجْمُهَا عُودِي١١
وَفِيَّ مَا قَارَعَ الْخُطُوبَ وَمَا
آنَسَنِي بِالْمَصَائِبِ السُّودِ١٢
مَا كُنْتَ عَنْهُ إِذِ اسْتَغَاثَكَ يَا
سَيْفَ بَنِي هَاشِمٍ بِمَغْمُودِ١٣
يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ يَا مَلِكَ الْأَمـْ
ـلَاكِ طُرًّا يَا أَصْيَدَ الصِّيدِ١٤
قَدْ مَاتَ مِنْ قَبْلِهَا فَأَنْشَرَهُ
وَقْعُ قَنَا الْخطِّ فِي اللَّغَادِيدِ١٥
وَرَمْيُكَ اللَّيْلَ بِالْجُنُودِ وَقَدْ
رَمَيْتَ أَجْفَانَهُمْ بِتَسْهِيدِ١٦
فَصَبَّحْتُهُمْ رِعَالُهَا شُزَّبًا
بَيْنَ ثُبَاتٍ إِلَى عَبَادِيدِ١٧
تَحْمِلُ أَغْمَادُهَا الْفِدَاءَ لَهُمْ
فَانْتَقَدُوا الضَّرْبَ كَالْأَخَادِيدِ١٨
مَوْقِعُهُ فِي فِرَاشِ هَامِهِمْ
وَرِيحُهُ فِي مَنَاخِرِ السِّيدِ١٩
أَفْنَى الْحَيَاةَ الَّتِي وَهَبْتَ لَهُ
فِي شَرَفٍ شَاكِرًا وَتَسْوِيدِ٢٠
سَقِيمَ جِسْمٍ صَحِيحَ مَكْرُمَةٍ
مَنْجُودَ كَرْبٍ غِيَاثَ مَنْجُودِ٢١
ثُمَّ غَدَا قَيْدُهُ الْحِمَامُ وَمَا
تَخْلُصُ مِنْهُ يَمِينُ مَصْفُودِ٢٢
لَا يَنْقُصُ الْهَالِكُونَ مِنْ عَدَدٍ
مِنْهُ عَلِيٌّ مُضَيَّقُ الْبِيدِ٢٣
تَهُبُّ فِي ظَهْرِهَا كَتَائِبُهُ
هُبُوبَ أَرْوَاحِهَا الْمَرَاوِيدِ٢٤
أَوَّلَ حَرْفٍ مِنِ اسْمِهِ كَتَبَتْ
سَنَابِكُ الْخَيْلِ فِي الْجَلَامِيدِ٢٥
مَهْمَا يُعَزُّ الْفَتَى الْأَمِيرَ بِهِ
فَلَا بِإِقْدَامِهِ وَلَا الْجُودِ٢٦
وَمِنْ مُنَانَا بَقَاؤُهُ أَبَدًا
حَتَّى يُعَزَّى بِكُلِّ مَوْلُودِ٢٧

وقال يمدحه، ويذكر هجوم الشتاء الذي عاقه عن غزو خرشنة، ويذكر الواقعة:

عَوَاذِلُ ذَاتِ الْخَالِ فِيَّ حَوَاسِدُ
وَإِنَّ ضَجِيعَ الْخَوْدِ مِنِّي لَمَاجِدُ٢٨
يَرُدُّ يَدًا عَنْ ثَوْبِهَا وَهْوَ قَادِرٌ
وَيَعْصِي الْهَوَى فِي طَيْفِهَا وَهْوَ رَاقِدُ٢٩
مَتَى يَشْتَفِي مِنْ لَاعِجِ الشَّوْقِ فِي الْحَشَى
مُحِبٌّ لَهَا فِي قُرْبِهِ مُتَبَاعِدُ٣٠
إِذَا كُنْتَ تَخْشَى الْعَارَ فِي كُلِّ خَلْوَةٍ
فَلِمْ تَتَصَبَّاكَ الْحِسَانُ الْخَرَائِدُ٣١
أَلَحَّ عَلَيَّ السُّقْمُ حَتَّى أَلِفْتُهُ
وَمَلَّ طَبِيبِي جَانِبِي وَالْعَوَائِدُ٣٢
مَرَرْتُ عَلَى دَارِ الْحَبِيبِ فَحَمْحَمَتْ
جَوَادِي وَهَلْ تَشْجُو الْجِيَادَ الْمَعَاهِدُ٣٣
وَمَا تُنْكِرُ الدَّهْمَاءُ مِنْ رَسْمِ مَنْزِلٍ
سَقَتْهَا ضَرِيبَ الشَّوْلِ فِيهَا الْوَلَائِدُ٣٤
أَهُمُّ بِشَيْءٍ وَاللَّيَالِي كَأَنَّهَا
تُطَارِدُنِي عَنْ كَوْنِهِ وَأُطَارِدُ٣٥
وَحِيدٌ مِنَ الْخُلَّانِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ
إِذَا عَظُمَ الْمَطْلُوبُ قَلَّ الْمُسَاعِدُ٣٦
وَتُسْعِدُنِي فِي غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرَةٍ
سَبُوحٌ لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِدُ٣٧
تَثَنَّى عَلَى قَدْرِ الطِّعَانِ كَأَنَّمَا
مَفَاصِلُهَا تَحْتَ الرِّمَاحِ مَرَاوِدُ٣٨
مُحَرَّمَةٌ أَكْفَالُ خَيْلِي عَلَى الْقَنَا
مُحَلَّلَةٌ لَبَّاتُهَا وَالْقَلَائِدُ٣٩
وَأُورِدُ نَفْسِي وَالْمُهَنَّدُ فِي يَدِي
مَوَارِدَ لَا يُصْدِرْنَ مَنْ لَا يُجَالِدُ٤٠
وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَحْمِلِ الْقَلْبُ كَفَّهُ
عَلَى حَالَةٍ لَمْ يَحْمِلِ الْكَفَّ سَاعِدُ٤١
خَلِيلَيَّ إِنِّي لَا أَرَى غَيْرَ شَاعِرٍ
فَلِمْ مِنْهُمُ الدَّعْوَى وَمِنِّي الْقَصَائِدُ٤٢
فَلَا تَعْجَبَا إِنَّ السُّيُوفَ كَثِيرَةٌ
وَلَكِنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ الْيَوْمَ وَاحِدُ٤٣
لَهُ مِنْ كَرِيمِ الطَّبْعِ فِي الْحَرْبِ مُنْتَضٍ
وَمِنْ عَادَةِ الْإِحْسَانِ وَالصَّفْحِ غَامِدُ٤٤
وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ دُونَ مَحَلِّهِ
تَيَقَّنْتُ أَنَّ الدَّهْرَ لِلنَّاسِ نَاقِدُ٤٥
أَحَقُّهُمُ بِالسَّيْفِ مِنْ ضَرَبَ الطُّلَى
وَبِالْأَمْنِ مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ الشَّدَائِدُ٤٦
وَأَشْقَى بِلَادِ اللهِ مَا الرُّومُ أَهْلُهَا
بِهَذَا وَمَا فِيهَا لِمَجْدِكَ جَاحِدُ٤٧
شَنَنْتَ بِهَا الْغَارَاتِ حَتَّى تَرَكْتَهَا
وَجَفْنُ الَّذِي خَلْفَ الْفَرَنْجَةَ سَاهِدُ٤٨
مُخَضَّبَةٌ وَالْقَوْمُ صَرْعَى كَأَنَّهَا
وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا سَاجِدِينَ مَسَاجِدُ٤٩
تُنَكِّسُهُمْ وَالسَّابِقَاتُ جِبَالُهُمْ
وَتَطْعُنُ فِيهِمْ وَالرِّمَاحُ الْمَكَايِدُ٥٠
وَتَضْرِبُهُمْ هَبْرًا وَقَدْ سَكَنُوا الْكُدَى
كَمَا سَكَنَتْ بَطْنَ التُّرَابِ الْأَسَاوِدُ٥١
وَتُضْحِي الْحُصُونُ الْمُشمَخراتُ فِي الذُّرَى
وَخَيْلُكَ فِي أَعْنَاقِهِنَّ قَلَائِدُ٥٢
عَصَفْنَ بِهِمْ يَوْمَ اللُّقَانِ وَسُقْنَهُمْ
بِهِنْرِيطَ حَتَّى ابْيَضَّ بَالسَّبْيِ آمِدُ٥٣
وَأَلْحَقْنَ بِالصَّفْصَافِ سَابُورَ فَانْهَوَى
وَذَاقَ الرَّدَى أَهْلَاهُمَا وَالْجَلَامِدُ٥٤
وغَلَّسَ فِي الْوَادِي بِهِنَّ مُشَيَّعٌ
مُبَارَكُ مَا تَحْتَ اللِّثَامَيْنِ عَابِدُ٥٥
فَتًى يَشْتَهِي طُولَ الْبِلَادِ وَوَقْتِهِ
تَضِيقُ بِهِ أَوْقَاتُهُ وَالْمَقَاصِدُ٥٦
أَخُو غَزَوَاتٍ مَا تُغِبُّ سُيُوفُهُ
رِقَابَهُمُ إِلَّا وَسَيْحَانُ جَامِدُ٥٧
فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ حَمَاهَا مِنَ الظُّبَا
لَمَى شَفَتَيْهَا وَالثُّدِيُّ النَّوَاهِدُ٥٨
تُبَكِّي عَلَيْهِنَّ الْبَطَارِيقُ فِي الدُّجَى
وَهُنَّ لَدَيْنَا مُلْقَيَاتٌ كَوَاسِدُ٥٩
بِذَا قَضَتِ الْأَيَّامُ مَا بَيْنَ أَهْلِهَا
مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ٦٠
وَمِنْ شَرَفِ الْإِقْدَامِ أَنَّكَ فِيهِمِ
عَلَى الْقَتْلِ مَوْمُوقٌ كَأَنَّكَ شَاكِدُ٦١
وَأَنَّ دَمًا أَجْرَيْتَهُ بِكَ فَاخِرٌ
وَأَنَّ فُؤَادًا رُعْتَهُ لَكَ حَامِدُ٦٢
وَكُلٌّ يَرَى طُرْقَ الشَّجَاعَةِ وَالنَّدَى
وَلَكِنَّ طَبْعَ النَّفْسِ لِلنَّفْسِ قَائِدُ٦٣
نَهَبْتَ مِنَ الْأَعْمَارِ مَا لَوْ حَوَيْتَهُ
لَهُنِّئَتِ الدُّنْيَا بِأَنَّكَ خَالِدُ٦٤
فَأَنْتَ حُسَامُ الْمُلْكِ وَاللهُ ضَارِبٌ
وَأَنْتَ لِوَاءُ الدِّينِ وَاللهُ عَاقِدُ٦٥
وَأَنْتَ أَبُو الْهَيْجَا ابْنُ حَمْدَانَ يَا ابْنَهُ
تَشَابَهَ مَوْلُودٌ كَرِيمٌ وَوَالِدُ٦٦
وَحَمْدَانُ حَمْدُونٌ وَحَمْدُونُ حَارِثٌ
وَحَارِثُ لُقْمَانٌ وَلُقْمَانُ رَاشِدُ٦٧
أُولَئِكَ أَنْيَابُ الْخِلَافَةِ كُلُّهَا
وَسَائِرُ أَمْلَاكِ الْبِلَادِ الزَّوَائِدُ٦٨
أُحِبُّكَ يَا شَمْسَ الزَّمَانِ وَبَدْرَهُ
وَإِنْ لَامَنِي فِيكَ السُّهَى وَالْفَرَاقِدُ٦٩
وَذَاكَ لِأَنَّ الْفَضْلَ عِنْدَكَ بَاهِرٌ
وَلَيْسَ لِأَنَّ الْعَيْشُ عِنْدَكَ بَارِدُ٧٠
فَإِنَّ قَلِيلَ الْحُبِّ بِالْعَقْلِ صَالِحٌ
وَإِنَّ كَثِيرَ الْحُبِّ بِالْجَهْلِ فَاسِدُ٧١

وقال يمدح سيف الدولة ويهنئه بعيد الأضحى سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، أنشده إياها في ميدانه بحلب وهما على فرسيهما:

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ مَا تَعَوَّدَا
وَعَادَاتُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الطَّعْنُ فِي الْعِدَا٧٢
وَأَنْ يُكْذِبَ الْإِرْجَافَ عَنْهُ بِضِدِّهِ
وَيُمْسِي بِمَا تَنْوِي أَعَادِيهِ أَسْعَدَا٧٣
وَرُبَّ مُرِيدٍ ضَرَّهُ ضَرَّ نَفْسَهُ
وَهَادٍ إِلَيْهِ الْجَيْشَ أَهْدَى وَمَا هَدَى٧٤
وَمُسْتَكْبِرٍ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ سَاعَةً
رَأَى سَيْفَهُ فِي كَفِّهِ فَتَشَهَّدَا٧٥
هُوَ الْبَحْرُ غُصْ فِيهِ إِذَا كَانَ سَاكِنًا
عَلَى الدُّرِّ وَاحْذَرْهُ إِذَا كَانَ مُزْبِدَا٧٦
فَإِنِّي رَأَيْتُ الْبَحْرَ يَعْثُرُ بِالْفَتَى
وَهَذَا الَّذِي يَأْتِي الْفَتَى مُتَعَمِّدَا٧٧
تَظَلُّ مُلُوكُ الْأَرْضِ خَاشِعَةً لَهُ
تُفَارِقُهُ هَلْكَى وَتَلْقَاهُ سُجَّدَا٧٨
وَتُحْيِي لَهُ الْمَالَ الصَّوَارِمُ وَالْقَنَا
وَيَقْتُلُ مَا يُحْيِي التَّبَسُّمُ وَالْجَدَا٧٩
ذَكِيٌّ تَظَنِّيهِ طَلِيعَةُ عَيْنِهِ
يَرَى قَلْبُهُ فِي يَوْمِهِ مَا تَرَى غَدَا٨٠
وَصُولٌ إِلَى الْمُسْتَصْعَبَاتِ بِخَيْلِهِ
فَلَوْ كَانَ قَرْنُ الشَّمْسِ مَاءً لَأوَرْدَا٨١
لِذَلِكَ سَمَّى ابْنُ الدُّمُسْتُقِ يَوْمَهُ
مَمَاتًا وَسَمَّاهُ الدُّمُسْتُقُ مَوْلِدَا٨٢
سَرَيْتَ إِلَى جَيْحَانَ مِنْ أَرْضِ آمِدٍ
ثَلَاثًا لَقَدْ أَدْنَاكَ رَكْضٌ وَأَبْعَدَا٨٣
فَوَلَّى وَأَعْطَاكَ ابْنَهُ وَجُيُوشَهُ
جَمِيعًا وَلَمْ يُعْطِ الْجَمِيعَ لِيُحْمَدَا٨٤
عَرَضْتَ لَهُ دُونَ الْحَيَاةِ وَطَرْفِهِ
وَأَبْصَرَ سَيْفَ اللهِ مِنْكَ مُجَرَّدَا٨٥
وَمَا طَلَبَتْ زُرْقُ الْأَسِنَّةِ غَيْرَهُ
وَلَكِنَّ قُسْطَنْطِينَ كَانَ لَهُ الْفِدَا٨٦
فَأَصْبَحَ يَجْتَابُ الْمُسُوحَ مَخَافَةً
وَقَدْ كَانَ يَجْتَابُ الدِّلَاصَ الْمُسَرَّدَا٨٧
وَيَمْشِي بِهِ الْعُكَّازُ فِي الدَّيْرِ تَائِبًا
وَمَا كَانَ يَرْضَى مَشْيَ أَشْقَرَ أَجْرَدَا٨٨
وَمَا تَابَ حَتَّى غَادَرَ الْكَرُّ وَجْهَهُ
جَرِيحًا وَخَلَّى جَفْنَهُ النَّقْعُ أَرْمَدَا٨٩
فَلَوْ كَانَ يُنْجِي مِنْ عَلِيٍّ تَرَهُّبٌ
تَرَهَّبَتِ الْأَمْلَاكُ مَثْنَى وَمَوْحَدَا٩٠
وَكُلُّ امْرِئٍ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ بَعْدَهَا
يُعِدُّ لَهُ ثَوْبًا مِنَ الشَّعْرِ أَسْوَدَا٩١
هَنِيئًا لَكَ الْعِيدُ الَّذِي أَنْتَ عِيدُهُ
وَعِيدٌ لِمَنْ سَمَّى وَضَحَّى وَعِيدَا٩٢
وَلَا زَالَتِ الْأَعْيَادُ لُبْسَكَ بَعْدَهُ
تُسَلِّمُ مَخْرُوقًا وَتُعْطَى مُجَدَّدَا٩٣
فَذَا الْيَوْمُ فِي الْأَيَّامِ مِثْلُكَ فِي الْوَرَى
كَمَا كُنْتَ فِيهِمْ أَوْحَدًا كَانَ أَوْحَدَا٩٤
هُوَ الْجَدُّ حَتَّى تَفْضُلَ الْعَيْنُ أُخْتَهَا
وَحَتَّى يَصِيرَ الْيَوْمُ لِلْيَوْمِ سَيِّدَا٩٥
فَيَا عَجَبًا مِنْ دَائِلٍ أَنْتَ سَيْفُهُ
أَمَا يَتَوَقَّى شَفْرَتَيْ مَا تَقَلَّدَا٩٦
وَمَنْ يَجْعَلِ الضِّرْغَامَ بَازًا لِصَيْدِهِ
تَصَيَّدَهُ الضِّرْغَامُ فِيمَا تَصَيَّدَا٩٧
رَأَيْتُكَ مَحْضَ الْحِلْمِ فِي مَحْضِ قُدْرَةٍ
وَلَوْ شِئْتَ كَانَ الْحِلْمُ مِنْكَ الْمُهَنَّدَا٩٨
وَمَا قَتَلَ الْأَحْرَارَ كَالْعَفْوِ عَنْهُمُ
وَمَنْ لَكَ بِالْحُرِّ الَّذِي يَحْفَظُ الْيَدَا٩٩
إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ
وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا١٠٠
وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا
مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى١٠١
وَلَكِنْ تَفُوقُ النَّاسَ رَأْيًا وَحِكْمَةً
كَمَا فُقْتَهُمْ حَالًا وَنَفْسًا وَمَحْتِدَا١٠٢
يَدِقُّ عَلَى الْأَفْكَارِ مَا أَنْتَ فَاعِلٌ
فَيُتْرَكُ مَا يَخْفَى وَيُؤْخَذُ مَا بَدَا١٠٣
أَزِلْ حَسَدَ الْحُسَّادِ عَنِّي بِكَبْتِهِمْ
فَأَنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهُمْ لِي حُسَّدَا١٠٤
إِذَا شَدَّ زَنْدِيُ حُسْنُ رَأْيِكَ فِيهِمُ
ضَرَبْتُ بِسَيْفٍ يَقْطَعُ الْهَامَ مُغْمَدَا١٠٥
وَمَا أَنَا إِلَّا سَمْهَرِيٌّ حَمَلْتَهُ
فَزَيَّنَ مَعْرُوضًا وَرَاعَ مُسَدَّدَا١٠٦
وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا مِنْ رُوَاةِ قَلَائِدِي
إِذَا قُلْتُ شِعْرًا أَصْبَحَ الدَّهْرُ مُنْشِدَا١٠٧
فَسَارَ بِهِ مَنْ لَا يَسِيرُ مُشَمِّرًا
وَغَنَّى بِهِ مَنْ لَا يُغَنِّي مُغَرِّدَا١٠٨
أَجِزْنِي إِذَا أُنْشِدْتَ شِعْرًا فَإِنَّمَا
بِشِعْرِي أَتَاكَ الْمَادِحُونَ مُرَدَّدَا١٠٩
وَدَعْ كُلَّ صَوْتٍ غَيْرَ صَوْتِي فَإِنَّنِي
أَنَا الصَّائِحُ الْمَحْكِيُّ وَالْآخَرُ الصَّدَى١١٠
تَرَكْتُ السُّرَى خَلْفِي لِمَنْ قَلَّ مَالُهُ
وَأَنْعَلْتُ أَفْرَاسِي بِنُعَمَاكَ عَسْجَدَا١١١
وَقَيَّدْتُ نَفْسِي فِي ذَرَاكَ مَحَبَّةً
وَمَنْ وَجَدَ الْإِحْسَانَ قَيْدًا تَقَيَّدَا١١٢
إِذَا سَأَلَ الْإِنْسَانُ أَيَّامَهُ الْغِنَى
وَكُنْتَ عَلَى بُعْدٍ جَعَلْنَكَ مَوْعِدَا١١٣

وقال بمصر وهو يريد سيف الدولة:

فَارَقْتُكُمْ فَإِذَا مَا كَانَ عِنْدَكُمُ
قَبْلَ الْفِرَاقِ أَذًى بَعْدَ الْفِرَاقِ يَدُ
إِذَا تَذَكَّرْتُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ
أَعَانَ قَلْبِي عَلَى الشَّوْقِ الَّذِي أَجِدُ١١٤

وقال في صباه يمدح محمد بن عبيد الله العلوي المشطب:

أَهْلًا بِدَارٍ سَبَاكَ أَغْيَدُهَا
أَبْعَدُ مَا بَانَ عَنْكَ خُرَّدُهَا١١٥
ظَلْتَ بِهَا تَنْطَوِي عَلَى كَبِدٍ
نَضِيجَةٍ فَوْقَ خِلْبِهَا يَدُهَا١١٦
يَا حَادِيَيْ عِيرِهَا وَأَحْسَبُنِي
أُوجَدُ مَيْتًا قُبَيْلَ أَفْقِدُهَا١١٧
قِفَا قَلِيلًا بِهَا عَلَيَّ فَلَا
أَقَلَّ مِنْ نَظْرَةٍ أُزَوِّدُهَا١١٨
فَفِي فُؤَادِ الْمُحِبِّ نَارُ جَوًى
أَحَرُّ نَارِ الْجَحِيمِ أَبْرَدُهَا١١٩
شَابَ مِنَ الْهَجْرِ فَرْقُ لِمَّتِهِ
فَصَارَ مِثْلَ الدِّمَقْسِ أَسْوَدُهَا١٢٠
بَانُوا بِخُرْعُوبَةٍ لَهَا كَفَلٌ
يَكَادُ عِنْدَ الْقِيَامِ يُقْعِدُهَا١٢١
رِبَحْلَةٍ أَسْمَرٍ مُقَبَّلُهَا
سِبَحْلَةٍ أَبْيَضٍ مُجَرَّدُهَا١٢٢
يَا عَاذِلَ الْعَاشِقِينَ دَعْ فِئَةً
أَضَلَّهَا اللهُ كَيْفَ تُرْشِدُهَا؟!١٢٣
لَيْسَ يُحِيكُ الْمَلَامُ فِي هِمَمٍ
أَقْرَبُهَا مِنْكَ عَنْكَ أَبْعَدُهَا١٢٤
بِئْسَ اللَّيَالِي سَهِرْتُ مِنْ طَرَبِي
شَوْقًا إِلَى مَنْ يَبِيتُ يَرْقُدُهَا١٢٥
أَحْيَيْتُهَا وَالدُّمُوعُ تُنْجِدُنِي
شُئُونُهَا وَالظَّلَامُ يُنْجِدُهَا١٢٦
لَا نَاقَتِي تَقْبَلُ الرَّدِيفَ وَلَا
بِالسَّوْطِ يَوْمَ الرِّهَانِ أُجْهِدُهَا١٢٧
شِرَاكُهَا كُورُهَا وَمِشْفَرُهَا
زِمَامُهَا وَالشُّسُوعُ مِقْوَدُهَا١٢٨
أَشَدُّ عَصْفِ الرِّيَاحِ يَسْبِقُهُ
تَحْتِيَ مِنْ خَطْوِهَا تَأَيُّدُهَا١٢٩
فِي مِثْلِ ظَهْرِ الْمِجَنِّ مُتَّصِلٍ
بِمِثْلِ بَطنِ الْمِجَنِّ قَرْدَدُهَا١٣٠
مُرْتَمِيَاتٌ بِنَا إِلَى ابْنِ عُبَيْـ
ـدِ اللهِ غِيطَانُهَا وَفَدْفَدُهَا١٣١
إِلَى فَتًى يُصْدِرُ الرِّمَاحَ وَقَدْ
أَنْهَلَهَا فِي الْقُلُوبِ مُورِدُهَا١٣٢
لَهُ أَيَادٍ إِلَيَّ سَابِقَةٌ
أُعَدُّ مِنْهَا وَلَا أُعَدِّدُهَا١٣٣
يُعْطِي فَلَا مَطْلَةٌ يُكَدِّرُهَا
بِهَا وَلَا مَنَّةٌ يُنَكِّدُهَا١٣٤
خَيْرُ قُرَيْشٍ أَبًا وَأَمْجَدُهَا
أَكْثَرُهَا نَائِلًا وَأَجْوَدُهَا١٣٥
أَطْعَنُهَا بِالْقَنَاةِ أَضْرَبُهَا
بِالسَّيْفِ جَحْجَاحُهَا مُسَوَّدُهَا١٣٦
أَفْرَسُهَا فَاِرسًا وَأَطْوَلُهَا
بَاعًا وَمِغْوَارُهَا وَسَيِّدُهَا١٣٧
تَاُج لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَبِهِ
سَمَا لَهَا فَرْعُهَا وَمَحْتِدُهَا١٣٨
شَمْسُ ضُحَاهَا هِلَالُ لَيْلَتِهَا
دُرُّ تَقَاصِيرِهَا زَبَرْجَدُهَا١٣٩
يَا لَيْتَ بِي ضَرْبَةً أُتِيحَ لَهَا
كَمَا أُتِيحَتْ لَهُ مُحَمَّدُهَا١٤٠
أَثَّرَ فِيهَا وَفِي الْحَدِيدِ وَمَا
أَثَّرَ فِي وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا١٤١
فَاغْتَبَطَتْ إِذْ رَأَتْ تَزَيُّنَهَا
بِمِثْلِهِ وَالْجِرَاحُ تَحْسُدُهَا١٤٢
وَأَيْقَنَ النَّاسُ أَنَّ زَارِعَهَا
بِالْمَكْرِ فِي قَلْبِهِ سيَحْصِدُهَا١٤٣
أَصْبَحَ حُسَّادُهُ وَأَنْفُسُهُمْ
يُحْدِرُهَا خَوْفُهُ وَيُصْعِدُهَا١٤٤
تَبْكِي عَلَى الْأَنْصُلِ الْغُمُودُ إِذَا
أَنْذَرَهَا أَنَّهُ يُجَرِّدُهَا
لِعِلْمِهَا أَنَّهَا تَصِيرُ دَمًا
وَأَنَّهُ فِي الرِّقَابِ يُغْمِدُهَا١٤٥
أَطْلَقَهَا فَالْعَدُوُّ مِنْ جَزَعٍ
يَذُمُّهَا وَالصَّدِيقُ يَحْمَدُهَا١٤٦
تَنْقَدِحُ النَّارُ مِنْ مَضَارِبِهَا
وَصَبُّ مَاءِ الرِّقَابِ يُخْمِدُهَا١٤٧
إِذَا أَضَلَّ الْهُمَامُ مُهْجَتَهُ
يَوْمًا فَأَطْرَافُهُنَّ تَنْشُدُهَا١٤٨
قَدْ أَجْمَعَتْ هَذِهِ الْخَلِيقَةُ لِي
أَنَّكَ يَا ابْنَ النَّبِيِّ أَوْحَدُهَا١٤٩
وَأَنْكَ بِالْأَمْسِ كُنْتَ مُحْتَلِمًا
شَيْخَ مَعَدٍّ وَأَنْتَ أَمْرَدُهَا١٥٠
فَكَمْ وَكَمْ نِعْمَةٍ مُجَلِّلَةٍ
رَبَّيْتَهَا كَانَ مِنْكَ مَوْلِدُهَا!١٥١
وَكَمْ وَكَمْ حَاجَةٍ سَمَحْتَ بِهَا!
أَقْرَبُ مِنِّي إِلَيَّ مَوْعِدُهَا١٥٢
وَمَكْرُمَاتٍ مَشَتْ عَلَى قَدَمِ الْـ
ـبِرِّ إِلَى مَنْزِلِي تُرَدِّدُهَا١٥٣
أَقَرَّ جِلْدِي بِهَا عَلَيَّ فَلَا
أَقْدِرُ حَتَّى الْمَمَاتِ أَجْحَدُهَا١٥٤
فَعُدْ بِهَا لَا عَدِمْتُهَا أَبَدًا
خَيْرُ صِلَاتِ الْكَرِيمِ أَعْوَدُهَا١٥٥

وقال أيضًا في صباه:

كَمْ قَتِيلٍ كَمَا قُتِلْتُ شَهِيدِ
بِبَيَاضِ الطُّلَا وَوَرْدِ الْخُدُودِ١٥٦
وَعُيُونِ الْمَهَا وَلَا كَعُيُونٍ
فَتَكَتْ بِالْمُتَيَّمِ الْمَعْمُودِ١٥٧
دَرَّ دَرُّ الصِّبَا أَأَيَّامَ تَجْرِيـ
ـرِ ذُيُولِي بِدَارِ أَثْلَةَ عُودِي١٥٨
عَمْرَكَ اللهُ هَلْ رَأَيْتَ بُدُورًا
طَلَعَتْ فِي بَرَاقِعٍ وَعُقُودِ١٥٩
رَامِيَاتٍ بِأَسْهُمٍ رِيشُهَا الْهُدْ
بُ تَشُقُّ الْقُلُوبَ قَبْلَ الْجُلُودِ١٦٠
يَتَرَشَّفْنَ مِنْ فَمِي رَشَفَاتٍ
هُنَّ فِيهِ أَحْلَى مِنَ التَّوْحِيدِ١٦١
كُلُّ خُمْصَانَةٍ أَرَقَّ مِنَ الْخَمْـ
ـرِ بِقَلْبٍ أَقْسَى مِنَ الْجُلْمُودِ١٦٢
ذَاتِ فَرْعٍ كَأَنَّمَا ضُرِبَ الْعَنْـ
ـبَرُ فِيهِ بِمَاءِ وَرْدٍ وَعُودِ١٦٣
حَالِكٍ كَالْغُدَافِ جَثْلٍ دَجُوجِيٍّ
أَثِيثٍ جَعْدٍ بِلَا تَجْعِيدِ١٦٤
تَحْمِلُ الْمِسْكَ عَنْ غَدَائِرِهَا الرِّيـ
ـحُ وَتَفْتَرُّ عَنْ شَنِيبٍ بَرُودِ١٦٥
جَمَعَتْ بَيْنَ جِسْمِ أَحْمَدَ وَالسُّقْـ
ـمِ وَبَيْنَ الْجُفُونِ وَالتَّسْهِيدِ١٦٦
هَذِهِ مُهْجَتِي لَدَيْكِ لِحَيْنِي
فَانْقُصِي مِنْ عَذَابِهَا أَوْ فَزِيدِي١٦٧
أَهْلُ مَا بِي مِنَ الضَّنَى بَطَلٌ صِيـ
ـدَ بِتَصْفِيفِ طُرَّةٍ وَبِجِيدِ١٦٨
كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدِّمَاءِ حَرَامٌ
شُرْبُهُ مَا خَلَا دَمَ الْعُنْقُودِ١٦٩
فَاسْقِنِيهَا فِدًى لِعَيْنَيْكِ نَفْسِي
مِنْ غَزَالٍ وَطَارِفِي وَتَلِيدِي١٧٠
شَيْبُ رَأْسِي وَذِلَّتِي وَنُحُولِي
وَدُمُوعِي عَلَى هَوَاكِ شُهُودِي١٧١
أَيَّ يَوْمٍ سَرَرْتَنِي بِوِصَالٍ
لَمْ تَرُعْنِي ثَلَاثَةً بِصُدُودِ١٧٢
مَا مُقَامِي بِأَرْضِ نَخْلَةَ إِلَّا
كَمُقَامِ الْمَسِيحِ بَيْنَ الْيَهُودِ١٧٣
مَفْرَشِي صَهْوَةُ الْحِصَانِ وَلَكِنـْ
ـنَ قَمِيصِي مَسْرُودَةٌ مِنْ حَدِيدِ١٧٤
لَأْمَةٌ فَاضَةٌ أَضَاةٌ دِلَاصٌ
أَحْكَمَتْ نَسْجَهَا يَدَا دَاوُدِ١٧٥
أَيْنَ فَضْلِي إِذَا قَنِعْتُ مِنَ الدَّهْـ
ـرِ بِعَيْشٍ مُعَجَّلِ التَّنْكِيدِ
ضَاقَ صَدْرِي وَطَالَ فِي طَلَبِ الرِّزْ
قِ قِيَامِي وَقَلَّ عَنْهُ قُعُودِي١٧٦
أَبَدًا أَقْطَعُ الْبِلَادَ وَنَجْمِي
فِي نُحُوسٍ وَهِمَّتِي فِي سُعُودِ١٧٧
وَلَعَلِّي مُؤَمِّلٌ بَعْضَ مَا أَبْـ
ـلُغُ بِاللُّطْفِ مِنْ عَزِيزٍ حَمِيدِ١٧٨
لِسَرِيٍّ لِبَاسُهُ خَشِنُ الْقُطْـ
ـنِ وَمَرْوِيُّ مَرْوَ لِبْسُ الْقُرُودِ١٧٩
عِشْ عَزِيزًا أَوْ مُتْ وَأَنْتَ كَرِيمٌ
بَيْنَ طَعْنِ الْقَنَا وَخَفْقِ الْبُنُودِ١٨٠
فَرُءُوسِ الرِّمَاحِ أَذْهَبُ لِلْغَيْـ
ـظِ وَأَشْفَى لِغِلِّ صَدْرِ الْحَقُودِ١٨١
لَا كَمَا قَدْ حَيِيتَ غَيْرَ حَمِيدٍ
وَإِذَا مُتَّ مُتَّ غَيْرَ فَقِيدِ١٨٢
فَاطْلُبِ الْعِزَّ فِي لَظَى وَذَرِ الذُّلـْ
ـلَ وَلَوْ كَانَ فِي جِنَانِ الْخُلُودِ١٨٣
يُقْتَلُ الْعَاجِزُ الْجَبَانُ وَقَدْ يَعْـ
ـجِزُ عَنْ قَطْعِ بِخُنُقِ الْمَوْلُودِ١٨٤
وَيُوَقَّى الْفَتَى الْمِخَشُّ وَقَدْ خَوَّ
ضَ فِي مَاءِ لَبَّةِ الصِّنْدِيدِ١٨٥
لَا بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي
وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لَا بِجُدُودِي١٨٦
وَبِهِمْ فَخْرُ كُلِّ مَنْ نَطَقَ الضَّا
دَ وَعَوْذُ الْجَانِي وَغَوْثُ الطَّرِيدِ١٨٧
إِنْ أَكُنْ مُعْجَبًا فَعُجْبُ عَجِيبٍ
لَمْ يَجِدْ فَوْقَ نَفْسِهِ مِنْ مَزِيدِ١٨٨
أَنَا تِرْبُ النَّدَى وَرَبُّ الْقَوَافِي
وَسِمَامُ الْعِدَا وَغَيْظُ الْحَسُودِ١٨٩
أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللهُ
غَرِيبٌ كَصَالِحٍ فِي ثَمُودِ١٩٠

وأهدى إليه عبيد الله بن خلكان — من خراسان — هدية فيها سمك من سكر ولوز في عسل، فرد إليه الجامة وكتب عليها هذه الأبيات بالزعفران:

أَقْصِرْ فَلَسْتَ بِزَائِدِي وُدَّا
بَلَغَ الْمَدَى وَتَجَاوَزَ الْحَدَّا١٩١
أَرْسَلْتَهَا مَمْلُوءَةً كَرَمًا
فَرَدَدْتُهَا مَمْلُوءَةً حَمْدَا١٩٢
جَاءَتْكَ تَطْفَحُ وَهْيَ فَارِغَةٌ
مَثْنَى بِهِ وَتَظُنُّهَا فَرْدَا١٩٣
تَأْبَى خَلَائِقُكَ الَّتِي شَرُفَتْ
أَنْ لَا تَحِنَّ وَتَذْكُرَ الْعَهْدَا١٩٤
لَوْ كُنْتَ عَصْرًا مُنْبِتًا زَهَرًا
كُنْتَ الرَّبِيعَ وَكَانَتِ الْوَرْدَا١٩٥

وقال يمدح شجاع بن محمد الطائي المَنبِجي:

الْيَوْمَ عَهْدُكُمُ فَأَيْنَ الْمَوْعِدُ؟
هَيْهَاتَ لَيْسَ لِيَوْمِ عَهْدِكُمُ غَدُ!١٩٦
الْمَوْتُ أَقْرَبُ مِخْلَبًا مِنْ بَيْنِكُمْ
وَالْعَيْشُ أَبْعَدُ مِنْكُمُ لَا تَبْعُدُوا١٩٧
إِنَّ الَّتِي سَفَكَتْ دَمِي بِجُفُونِهَا
لَمْ تَدْرِ أَنَّ دَمِي الَّذِي تَتَقَلَّدُ١٩٨
قَالَتْ وَقَدْ رَأَتِ اصْفِرَارِي: مَنْ بِهِ
وَتَنَهَّدَتْ، فَأَجْبْتُهَا: الْمُتَنَهِّدُ١٩٩
فَمَضَتْ وَقَدْ صَبَغَ الْحَيَاءُ بَيَاضَهَا
لَوْنِي كَمَا صَبَغَ اللُّجْيَنَ الْعَسْجَدُ٢٠٠
فَرَأَيْتُ قَرْنَ الشَّمْسِ فِي قَمَرِ الدُّجَى
مُتَأَوِّدًا غُصْنٌ بِهِ يَتَأَوَّدُ٢٠١
عَدَوِيَّةٌ بَدَوِيَّةٌ مِنْ دُونِهَا
سَلْبُ النُّفُوسِ وَنَارُ حَرْبٍ تُوقَدُ٢٠٢
وَهَوَاجِلٌ وَصَوَاهِلٌ وَمَنَاصِلٌ
وَذَوَابِلٌ وَتَوَعُّدٌ وَتَهَدُّدُ٢٠٣
أَبْلَتْ مَوَدَّتَهَا اللَّيَالِي بَعْدَنَا
وَمَشَى عَلَيْهَا الدَّهْرُ وَهْوَ مُقَيَّدُ٢٠٤
بَرَّحْتَ يَا مَرَضَ الْجُفُونِ بِمُمْرَضٍ
مَرِضَ الطَّبِيبُ لَهُ وَعِيدَ الْعُوَّدُ٢٠٥
فَلَهُ بَنُو عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرِّضَا
وَلِكُلِّ رَكْبٍ عِيسُهُمْ وَالْفَدْفَدُ٢٠٦
مَنْ فِي الْأَنَامِ مِنَ الْكِرَامِ وَلَا تَقُلْ:
مَنْ فِيكَ شَأْمُ سِوَى شُجَاعٍ يُقْصَدُ٢٠٧
أَعْطَى فَقُلْتُ لِجُودِهِ: مَا يُقْتَنَى
وَسَطَا فَقُلْتُ لِسَيْفِهِ: مَا يُولَدُ٢٠٨
وَتَحَيَّرَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ لِأَنَّهَا
أَلْفَتْ طَرَائِقَهُ عَلَيْهَا تَبْعُدُ٢٠٩
فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ كُلًى مَفْرِيَّةٌ
يَذْمُمْنَ مِنْهُ مَا الْأَسِنَّةُ تَحْمَدُ٢١٠
نِقَمٌ عَلَى نِقَمِ الزَّمَانِ يَصُبُّهَا
نِعَمٌ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي لَا تُجْحَدُ٢١١
فِي شَانِهِ وَلِسَانِهِ وَبَنَانِهِ
وَجَنَانِهِ عَجَبٌ لِمَنْ يَتَفَقَّدُ٢١٢
أَسَدٌ دَمُ الْأَسَدِ الْهِزَبْرِ خِضَابُه
مَوْتٌ فَرِيصُ الْمَوْتِ مِنْهُ تُرْعَدُ٢١٣
مَا مَنْبِجٌ مُذْ غِبْتَ إِلَّا مُقْلَةٌ
سَهِدَتْ وَوَجْهُكَ نَوْمُهَا وَالْإِثْمِدُ٢١٤
فَاللَّيْلُ حِينَ قَدِمْتَ فِيهَا أَبْيَضٌ
وَالصُّبْحُ مُنْذُ رَحَلْتَ عَنْهَا أَسْوَدُ٢١٥
مَا زِلْتَ تَدْنُو وَهْيَ تَعْلُو عِزَّةً
حَتَّى تَوَارَى فِي ثَرَاهَا الْفَرْقَدُ٢١٦
أَرْضٌ لَهَا شَرَفٌ سِوَاهَا مِثْلُهَا
لَوْ كَانَ مِثْلُكَ فِي سِوَاهَا يُوجَدُ٢١٧
أَبْدَى الْعُدَاةُ بِكَ السُّرُورَ كَأَنَّهُمْ
فَرِحُوا وَعِنْدَهُمُ الْمُقِيمُ الْمُقْعِدُ٢١٨
قَطَّعْتَهُمْ حَسَدًا أَرَاهُمْ مَا بِهِمْ
فَتَقَطَّعُوا حَسَدًا لِمَنْ لَا يَحْسُدُ٢١٩
حَتَّى انْثَنَوْا وَلَوَ انَّ حَرَّ قُلُوبِهِمْ
فِي قَلْبِ هَاجِرَةٍ لَذَابَ الْجَلْمَدُ٢٢٠
نَظَرَ الْعُلُوجُ فَلَمْ يَرَوْا مَنْ حَوْلَهُمْ
لَمَّا رَأَوْكَ وَقِيلَ: هَذَا السَّيِّدُ٢٢١
بَقِيَتْ جُمُوعُهُمْ كَأَنَّكَ كُلُّهَا
وَبَقِيتَ بَيْنَهُمُ كَأَنَّكَ مُفْرَدُ٢٢٢
لَهْفَانَ يَسْتَوْبِي بِكَ الْغَضَبَ الوَرَى
لَوْ لَمْ يُنَهْنِهْكَ الْحِجَا وَالسُّؤْدُدُ٢٢٣
كُنْ حَيْثُ شِئْتَ تَسِرْ إِلَيْكَ رِكَابُنَا
فَالْأَرْضُ وَاحِدَةٌ وَأَنْتَ الْأَوْحَدُ٢٢٤
وَصُنِ الْحُسَامَ وَلَا تُذِلْهُ فَإِنَّهُ
يَشْكُو يَمِينَكَ وَالْجَمَاجِمُ تَشْهَدُ٢٢٥
يَبِسَ النَّجِيعُ عَلَيْهِ وَهْوَ مُجَرَّدٌ
مِنْ غِمْدِهِ وَكَأَنَّمَا هُوَ مُغْمَدُ٢٢٦
رَيَّانَ لَوْ قَذَفَ الَّذِي أَسْقَيْتَهُ
لَجَرَى مِنَ الْمُهَجَاتِ بَحْرٌ مُزْبِدُ٢٢٧
مَا شَارَكَتْهُ مَنِيَّةٌ فِي مُهْجَةٍ
إِلَّا وَشَفْرَتُهُ عَلَى يَدِهَا يَدُ٢٢٨
إِنَّ الرَّزَايَا والْعَطَايَا وَالْقَنَا
حُلَفَاءُ طَيٍّ غَوَّرُوا أَوْ أَنْجَدُوا٢٢٩
صِحْ يَا لَجُلْهُمَةٍ تُجِبْكَ وَإِنَّمَا
أَشْفَارُ عَيْنِكَ ذَابِلٌ وَمُهَنَّدٌ٢٣٠
مِنْ كُلِّ أَكْبَرَ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةٍ
قَلْبًا وَمِنْ جَوْدِ الْغَوَادِي أَجْوَدُ٢٣١
يَلْقَاكَ مُرْتَدِيًا بِأَحْمَرَ مِنْ دَمٍ
ذَهَبَتْ بِخُضْرَتِهِ الطُّلَا وَالْأَكْبُدُ٢٣٢
حَتَّى يُشَارَ إِلَيْكَ ذَا مَوْلَاهُمُ
وَهُمُ الْمَوَالِي وَالْخَلِيقَةُ أَعْبُدُ٢٣٣
أَنَّى يَكُونُ أَبَا الْبَرِيَّةِ آدَمٌ
وَأَبُوكَ وَالثَّقَلَانِ أَنْتَ مُحَمَّدُ٢٣٤
يَفْنَى الْكَلَامُ وَلَا يُحِيطُ بِوَصْفِكُمْ
أَيُحِيطُ مَا يَفْنَى بِمَا لَا يَنْفَدُ٢٣٥

وقال وقد وشى به قوم إلى السلطان فحبسه فكتب إليه من الحبس:

أَيَا خَدَّدَ اللهُ وَرْدَ الْخُدُودِ
وَقَدَّ قُدُودَ الْحِسَانِ الْقُدُودِ٢٣٦
فَهُنَّ أَسَلْنَ دَمًا مُقْلَتِي
وَعَذَّبْنَ قَلْبِي بِطُولِ الصُّدُودِ٢٣٧
وَكَمْ لِلْهَوَى مِنْ فَتًى مُدْنَفٍ
وَكَمْ لِلنَّوَى مِنْ قَتِيلٍ شَهِيدِ٢٣٨
فَوَا حَسْرَتَا مَا أَمَرَّ الْفِرَاقَ
وَأَعْلَقَ نِيَرَانَهُ بِالْكُبُودِ!٢٣٩
وَأَغْرَى الصَّبَابَةَ بِالْعَاشِقِينَ
وَأَقْتَلَهَا لِلْمُحِبِّ الْعَمِيدِ!٢٤٠
وَأَلْهَجَ نَفْسِي لِغَيْرِ الْخَنَا
بِحُبِّ ذَوَاتِ اللَّمَى وَالنُّهُودِ!٢٤١
فَكَانَتْ وَكُنَّ فِدَاءَ الْأَمِيرِ
وَلَا زَالَ مِنْ نِعْمَةٍ فِي مَزِيدِ٢٤٢
لَقَدْ حَالَ بِالسَّيْفِ دُونَ الْوَعِيدِ
وَحَالَتْ عَطَايَاهُ دُونَ الْوُعُودِ٢٤٣
فَأَنْجُمُ أَمْوَالِهِ فِي النُّحُوسِ
وَأَنْجُمُ سُؤَّلِهِ فِي السُّعُودِ٢٤٤
وَلَوْ لَمْ أَخَفْ غَيْرَ أَعْدَائِهِ
عَلَيْهِ لَبَشَّرْتُهُ بِالْخُلُودِ٢٤٥
رَمَى حَلَبًا بِنَوَاصِي الْخُيُولِ
وَسُمْرٍ يُرِقْنَ دَمًا فِي الصَّعِيدِ٢٤٦
وَبِيضٍ مُسَافِرَةٍ مَا يُقِمْـ
ـنَ لَا فِي الرِّقَابِ وَلَا فِي الْغُمُودِ٢٤٧
يَقُدْنَ الْفَنَاءَ غَدَاةَ اللِّقَاءِ
إِلَى كُلِّ جَيْشٍ كَثِير الْعَدِيدِ٢٤٨
فَوَلَّى بِأَشْيَاعِهِ الَخَرْشَنِيُّ
كَشَاءٍ أَحَسَّ بِزَأْرِ الْأُسُودِ٢٤٩
يُرَوْنَ مِنَ الذُّعْرِ صَوْتَ الرِّيَاحِ
صَهِيلَ الْجِيَادِ وَخَفْقَ الْبُنُودِ٢٥٠
فَمَنْ كَالْأَمِيرِ ابْنِ بِنْتِ الْأَمِيـ
ـرِ أَوْ مَنْ كَآبَائِهِ وَالجُدُودِ٢٥١
سَعَوْا لِلْمَعَالِي وَهُمْ صِبْيَةٌ
وَسَادُوا وَجَادُوا وَهُمْ فِي الْمُهُودِ٢٥٢
أَمَالِكَ رِقِّي وَمَنْ شَأْنُهُ
هِبَاتُ اللُّجَيْنِ وَعِتْقُ الْعَبِيدِ٢٥٣
دَعَوْتُكَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الرَّجَا
ءِ وَالْمَوْتُ مِنِّي كَحَبْلِ الْوَرِيدِ٢٥٤
دَعَوْتُكَ لَمَّا بَرَانِي الْبَلَاءُ
وَأَوْهَنَ رِجْلَيَّ ثِقْلُ الْحَدِيدِ٢٥٥
وَقَدْ كَانَ مَشْيُهُمَا فِي النِّعَالِ
فَقَدْ صَارَ مَشْيُهُمَا فِي الْقُيُودِ
وَكُنْتُ مِنَ النَّاسِ فِي مَحْفِلٍ
فَهَا أَنَا فِي مَحْفِلٍ مِنْ قُرُودِ٢٥٦
تُعَجِّلُ فِيَّ وُجُوبَ الْحُدُودِ
وَحَدِّي قُبَيْلَ وُجُوبِ السُّجُودِ٢٥٧
وَقِيلَ: عَدَوْتَ عَلَى الْعَالَمِيـ
ـنَ بَيْنَ وِلَادِي وَبَيْنَ الْقُعُودِ٢٥٨
فَمَا لَكَ تَقْبَلُ زُورَ الْكَلَامِ
وَقَدْرُ الشَّهَادَةِ قَدْرُ الشُّهُودِ٢٥٩
فَلَا تَسْمَعَنَّ مِنَ الْكَاشِحِيـ
ـنَ وَلَا تَعْبَأَنَّ بِمَحْكِ الْيَهُودِ٢٦٠
وَكُنْ فَارِقًا بَيْنَ دَعْوَى أَرَدْ
تُ وَدَعْوَى فَعَلْتُ بِشَأْوٍ بَعِيدِ٢٦١
وَفِي جُودِ كَفَّيْكَ مَا جُدْتَ لِي
بِنَفْسِي وَلَوْ كُنْتُ أَشْقَى ثَمُودِ٢٦٢

ونام أبو بكر الطائي وهو ينشد فقال:

إِنَّ الْقَوَافِيَ لَمْ تُنِمْكَ وَإِنَّمَا
مَحَقَتْكَ حَتَّى صِرْتَ مَا لَا يُوجَدُ٢٦٣
فَكَأَنَّ أُذْنَكَ فُوكَ حِينَ سَمِعْتَهَا
وَكَأَنَّهَا مِمَّا سَكِرْتَ الْمُرْقِدُ٢٦٤

وقال يمدح محمد بن زريق الطرسوسي:

مُحَمَّدُ بْنَ زُرَيْقٍ مَا نَرَى أَحَدَا
إِذَا فَقَدْنَاكَ يُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَعِدَا
وَقَدْ قَصَدْتُكَ وَالتَّرْحَالُ مُقْتَرِبٌ
وَالدَّارُ شَاسِعَةٌ وَالزَّادُ قَدْ نَفِدَا٢٦٥
فَخَلِّ كَفَّكَ تَهْمِي وَاثْنِ وَابِلَهَا
إِذَا اكْتَفَيْتُ وِإِلَّا أَغْرَقَ الْبَلَدَا٢٦٦

وقال يمدح أبا عبادة بن يحيى البحتري:

مَا الشَّوْقُ مُقْتَنِعًا مِنِّي بِذَا الْكَمَدِ
حَتَّى أَكُونَ بِلَا قَلْبٍ وَلَا كَبِدِ٢٦٧
وَلَا الدِّيَارُ الَّتِي كَانَ الْحَبِيبُ بِهَا
تَشْكُو إِلَيَّ وَلَا أَشْكُو إِلَى أَحَدِ٢٦٨
مَا زَالَ كُلُّ هَزِيمِ الْوَدْقِ يُنْحِلُهَا
وَالسُّقْمُ يُنْحِلُنِي حَتَّى حَكَتْ جَسَدِي٢٦٩
وَكُلَّمَا فَاضَ دَمْعِي غَاضَ مُصْطَبَرِي
كَأَنَّ مَا سَالَ مِنْ جَفْنَيَّ مِنْ جَلَدِي٢٧٠
فَأَيْنَ مِنْ زَفَرَاتِي مَنْ كَلِفْتُ بِهِ
وَأَيْنَ مِنْكَ ابْنَ يَحْيَى صَوْلَةُ الْأَسَدِ!٢٧١
لَمَّا وَزَنْتُ بِكَ الدُّنْيَا فَمِلْتَ بِهَا
وَبِالْوَرَى قَلَّ عِنْدِي كَثْرَةُ الْعَدَدِ٢٧٢
مَا دَارَ فِي خَلَدِ الْأَيَّامِ لِي فَرَحٌ
أَبَا عُبَادَةَ حَتَّى دُرْتَ فِي خَلَدِي٢٧٣
مَلْكٌ إِذَا امْتَلَأَتْ مَالًا خَزَائِنُهُ
أَذَاقَهَا طَعْمَ ثُكْلِ الْأُمِّ لِلْوَلَدِ٢٧٤
مَاضِي الْجَنَانِ يُرِيهِ الْحَزْمُ قَبْلَ غَدٍ
بِقَلْبِهِ مَا تَرَى عَيْنَاهُ بَعْدَ غَدٍ٢٧٥
مَا ذَا الْبَهَاءُ وَلَا ذَا النُّورُ مِنْ بَشَرٍ
وَلَا السَّمَاحُ الَّذِي فِيهِ سَمَاحُ يَدِ٢٧٦
أَيُّ الْأَكُفِّ تُبَارِي الْغَيْثَ مَا اتَّفَقَا
حَتَّى إِذَا افْتَرَقَا عَادَتْ وَلَمْ يَعُدِ٢٧٧
قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الْمَجْدَ مِنْ مُضَرٍ
حَتَّى تَبَحْتَرَ فَهْوَ الْيَوْمَ مِنْ أُدَدِ٢٧٨
قَوْمٌ إِذَا أَمْطَرَتْ مَوْتًا سُيُوفُهُمُ
حَسِبْتَهَا سُحُبًا جَادَتْ عَلَى بَلَدِ٢٧٩
لَمْ أُجْرِ غَايَةَ فِكْرِي مِنْكَ فِي صِفَةٍ
إِلَّا وَجَدْتُ مَدَاهَا غَايَةَ الْأَبَدِ٢٨٠

وقال يمدح علي بن إبراهيم التنوخي:

أُحَادٌ أَمْ سُدَاسٌ فِي أُحَادِ
لُيَيْلَتُنَا الْمَنُوطَةُ بِالتَّنَادِ؟!٢٨١
كَأَنَّ بَنَاتِ نَعْشٍ فِي دُجَاهَا
خَرَائِدُ سَافِرَاتٌ فِي حِدَادِ٢٨٢
أُفَكِّرُ فِي مُعَاقَرَةِ الْمَنَايَا
وَقَوْدِ الْخَيْلِ مُشْرِفَةَ الْهَوَادِي٢٨٣
زَعِيمٌ لِلْقَنَا الْخَطِّيِّ عَزْمِي
بِسَفْكِ دَمِ الْحَوَاضِرِ وَالْبَوَادِي٢٨٤
إِلَى كَمْ ذَا التَّخَلُّفُ وَالتَّوَانِي
وَكَمْ هَذَا التَّمَادِي فِي التَّمَادِي٢٨٥
وَشُغْلُ النَّفْسِ عَنْ طَلَبِ الْمَعَالِي
بِبَيْعِ الشِّعْرِ فِي سُوقِ الْكَسَادِ٢٨٦
وَمَا مَاضِي الشَّبَابِ بِمُسْتَرَدٍّ
وَلَا يَوْمٌ يَمُرُّ بِمُسْتَعَادِ٢٨٧
مَتَى لَحَظَتْ بَيَاضَ الشَّيْبِ عَيْنِي
فَقَدْ وَجَدَتْهُ مِنْهَا فِي السَّوَادِ٢٨٨
مَتَى مَا ازْدَدْتُ مِنْ بَعْدِ التَّنَاهِي
فَقَدْ وَقَعَ انْتِقَاصِي فِي ازْدِيَادِي٢٨٩
أَأَرْضَى أَنْ أَعِيشَ وَلَا أُكَافِي
عَلَى مَا لِلْأَمِيرِ مِنَ الْأَيَادِي٢٩٠
جَزَى اللهُ الْمَسِيرَ إِلَيْهِ خَيْرًا
وَإِنْ تَرَكَ الْمَطَايَا كَالْمَزَادِ٢٩١
فَلَمْ تَلْقَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ عَنْسِي
وَفِيهَا قُوتُ يَوْمٍ لِلْقُرَادِ٢٩٢
أَلَمْ يَكُ بَيْنَنَا بَلَدٌ بَعِيدٌ
فَصَيَّرَ طُولَهُ عَرْضَ النِّجَادِ٢٩٣
وَأَبْعَدَ بُعْدَنَا بُعْدَ التَّدَانِي
وَقَرَّبَ قُرْبَنَا قُرْبَ الْبِعَادِ٢٩٤
فَلَمَّا جِئْتُهُ أَعْلَى مَحَلِّي
وَأَجْلَسَنِي عَلَى السَّبْعِ الشِّدَادِ٢٩٥
تَهَلَّلَ قَبْلَ تَسْلِيمِي عَلَيْهِ
وَأَلْقَى مَالَهُ قَبْلَ الْوِسَادِ٢٩٦
نَلُومُكَ يَا عَلِيُّ لِغَيْرِ ذَنْبٍ
لِأَنَّكَ قَدْ زَرَيْتَ عَلَى الْعِبَادِ٢٩٧
وَأَنَّكَ لَا تَجُودُ عَلَى جَوَادٍ
هِبَاتُكَ أَنْ يُلَقَّبَ بِالْجَوَادِ٢٩٨
كَأَنَّ سَخَاءَكَ الْإِسْلَامُ تَخْشَى
إِذَا مَا حُلْتَ عَاقِبَةَ ارْتِدَادِ٢٩٩
كَأَنَّ الْهَامَ فِي الْهَيْجَا عُيُونٌ
وَقَدْ طُبِعَتْ سُيُوفُكَ مِنْ رُقَادِ٣٠٠
وَقَدْ صُغْتَ الْأَسِنَّةَ مِنْ هُمُومٍ
فَمَا يَخْطُرْنَ إِلَّا فِي فُؤَادِ٣٠١
وَيَوْمَ جَلَبْتَهَا شُعْثَ النَّوَاصِي
مُعَقَّدَةَ السَّبَائِبِ لِلطِّرَادِ٣٠٢
وَحَامَ بِهَا الْهَلَاكُ عَلَى أُنَاسٍ
لَهُمْ بِاللَّاذِقِيَّةِ بَغْيُ عَادِ٣٠٣
فَكَانَ الْغَرْبُ بَحْرًا مِنْ مِيَاهٍ
وَكَانَ الشَّرْقُ بَحْرًا مِنْ جِيَادِ٣٠٤
وَقَدْ خَفَقَتْ لَكَ الرَّايَاتُ فِيهِ
فَظَلَّ يَمُوجُ بِالْبِيضِ الْحِدَادِ٣٠٥
لَقَوْكُ بِأَكْبُدِ الْإِبِلِ الْأَبَايَا
فَسُقْتَهُمُ وَحَدُّ السَّيْفِ حَادِ٣٠٦
وَقَدْ مَزَّقْتَ ثَوْبَ الْغَيِّ عَنْهُمْ
وَقَدْ أَلْبَسْتَهُمْ ثَوْبَ الرَّشَادِ٣٠٧
فَمَا تَرَكُوا الْإِمَارَةَ لِاخْتِيَارٍ
وَلَا انْتَحَلُوا وِدَادَكَ مِنْ وِدَادِ٣٠٨
وَلَا اسْتَفَلُوا لِزُهْدٍ فِي التَّعَالِي
وَلَا انْقَادُوا سُرُورًا بِانْقِيَادِ٣٠٩
وَلَكِنْ هَبَّ خَوْفُكَ فِي حَشَاهُمْ
هُبُوبَ الرِّيحِ فِي رِجْلِ الْجَرَادِ٣١٠
وَمَاتُوا قَبْلَ مَوْتِهِمُ فَلَمَّا
مَنَنْتَ أَعَدْتَهُمْ قَبْلَ الْمَعَادِ٣١١
غَمَدْتَ صَوَارِمًا لَوْ لَمْ يَتُوبُوا
مَحَوْتَهُمُ بِهَا مَحْوَ الْمِدَادِ٣١٢
وَمَا الْغَضَبُ الطَّرِيفُ وَإِنْ تَقَوَّى
بِمُنْتَصِفٍ مِنَ الْكَرَمِ التِّلَادِ٣١٣
فَلَا تَغْرُرْكَ أَلْسِنَةٌ مَوَالٍ
تُقَلِّبْهُنَّ أَفْئِدَةٌ أَعَادِي٣١٤
وَكُنْ كَالْمَوْتِ لَا يَرْثِي لِبَاكٍ
بَكَى مِنْهُ وَيَرْوَى وَهْوَ صَادِ٣١٥
فَإِنَّ الْجُرْحَ يَنْفِرُ بَعْدَ حِينٍ
إِذَا كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى فَسَادِ٣١٦
وَإِنَّ الْمَاءَ يَجْرِي مِنْ جَمَادٍ
وَإِنَّ النَّارَ تَخْرُجُ مِنْ زِنَادِ٣١٧
وَكَيْفَ يَبِيتُ مُضْطَجِعًا جَبَانٌ
فَرَشْتَ لِجَنْبِهِ شَوْكَ الْقَتَادِ٣١٨
يَرَى فِي النَّوْمِ رُمْحَكَ فِي كُلَاهُ
وَيَخْشَى أَنْ يَرَاهُ فِي السُّهَادِ٣١٩
أَشَرْتَ أَبَا الْحُسَيْنِ بِمَدْحِ قَوْمٍ
نَزَلْتُ بِهِمْ فَسِرْتُ بِغَيْرِ زَادِ
وَظَنُّونِي مَدَحْتُهُمُ قَدِيمًا
وَأَنْتَ بِمَا مَدَحْتُهُمُ مُرَادِي٣٢٠
وَإِنِّي عَنْكَ بَعْدَ غَدٍ لَغَادٍ
وَقَلْبِي عَنْ فِنَائِكَ غَيْرُ غَادِ٣٢١
مُحِبُّكَ حَيْثُمَا اتَّجَهَتْ رِكَابِي
وَضَيْفُكَ حَيْثُ كُنْتَ مِنَ الْبِلَادِ٣٢٢

وقال يمدح بدر بن عمار الأسدي الطبرستاني، وهو يومئذٍ يتولى حرب طبرية من قبل أبي بكر محمد بن رائق سنة ٣٢٨:

أَحُلْمًا نَرَى أَمْ زَمَانًا جَدِيدَا
أَمِ الْخَلْقُ فِي شَخْصِ حَيٍّ أُعِيدَا٣٢٣
تَجَلَّى لَنَا فَأَضَأْنَا بِهِ
كَأَنَّا نُجُومٌ لَقِينَا سُعُودَا٣٢٤
رَأَيْنَا بِبَدْرٍ وَآبَائِهِ
لِبَدْرٍ وَلُودًا وَبَدْرًا وَلِيدَا٣٢٥
طَلَبْنَا رِضَاهُ بِتَرْكِ الَّذِي
رَضِينَا لَهُ فَتَرَكْنَا السُّجُودَا٣٢٦
أَمِيرٌ أَمِيرٌ عَلَيْهِ النَّدَى
جَوَادٌ بَخِيلٌ بِأَنْ لَا يَجُودَا٣٢٧
يُحَدِّثُ عَنْ فَضْلِهِ مُكْرَهًا
كَأَنَّ لَهُ مِنْهُ قَلْبًا حَسُودَا٣٢٨
وَيُقْدِمُ إِلَّا عَلَى أَنْ يَفِرَّ
وَيَقْدِرُ إِلَّا عَلَى أَنْ يَزِيدَا٣٢٩
كَأَنَّ نَوَالَكَ بَعْضُ الْقَضَاءِ
فَمَا تُعْطِ مِنْهُ نَجِدْهُ جُدُودَا٣٣٠
وَرُبَّتَمَا حَمْلَةٍ فِي الْوَغَى
رَدَدْتَ بِهَا الذُّبَّلَ السُّمْرَ سُودَا٣٣١
وَهَوْلٍ كَشَفْتَ وَنَصْلٍ قَصَفْتَ
وَرُمْحٍ تَرَكْتَ مُبَادًا مُبِيدَا٣٣٢
وَمَالٍ وَهَبْتَ بِلَا مَوْعِدٍ
وَقِرْنٍ سَبَقْتَ إِلَيْهِ الْوَعِيدَا٣٣٣
بِهَجْرِ سُيُوفِكَ أَغْمَادَهَا
تَمَنَّى الطُّلَا أَنْ تَكُونَ الْغُمُودَا٣٣٤
إِلَى الْهَامِ تَصْدُرُ عَنْ مِثْلِهِ
تَرَى صَدْرًا عَنْ وُرُودٍ وُرُودَا٣٣٥
قَتَلْتَ نُفُوسَ الْعِدَا بِالْحَدِيـ
ـدِ حَتَّى قَتَلْتَ بِهِنَّ الْحَدِيدَا٣٣٦
فَأَنْفَدْتَ مِنْ عَيْشِهِنَّ الْبَقَاءَ
وَأَبْقَيْتَ مِمَّا مَلَكْتَ النُّفُودَا٣٣٧
كَأَنَّكَ بِالْفَقْرِ تَبْغِي الْغِنَى
وَبِالْمَوْتِ فِي الْحَرْبِ تَبْغِي الْخُلُودَا٣٣٨
خَلَائِقُ تَهْدِي إِلَى رَبِّهَا
وَآيَةُ مَجْدٍ أَرَاهَا الْعَبِيدَا٣٣٩
مُهَذَّبَةٌ حُلْوَةٌ مُرَّةٌ
حَقَرْنَا الْبِحَارَ بِهَا وَالْأُسُودَا٣٤٠
بَعِيدٌ عَلَى قُرْبِهَا وَصْفُهَا
تَغُولُ الظُّنُونَ وَتُنْضِي الْقَصِيدَا٣٤١
فَأَنْتَ وَحِيدُ بَنِي آدَمٍ
وَلَسْتَ لِفَقْدِ نَظِيرٍ وَحِيدَا٣٤٢

وقال لما استعظم قوم ما قاله في آخر مرثية جدته:

يَسْتَعْظِمُونَ أُبَيَّاتًا نَأَمْتُ بِهَا
لَا تَحْسُدُنَّ عَلَى أَنْ يَنْأَمَ الْأَسَدَا٣٤٣
لَوْ أَنَّ ثَمَّ قُلُوبًا يَعْقِلُونَ بِهَا
أَنْسَاهُمُ الذُّعْرُ مِمَّا تَحْتَهَا الْحَسَدَا٣٤٤

وقال يمدح محمد بن سيار بن مكرم التميمي:

أَقَلُّ فِعَالِي بَلْهَ أَكْثَرَهُ مَجْدُ
وَذَا الْجِدُّ فِيهِ نِلْتُ أَمْ لَمْ أَنَلْ جِدُّ٣٤٥
سَأَطْلُبُ حَقِّي بِالْقَنَا وَمَشَايِخٍ
كَأَنَّهُمُ مِنْ طُولِ مَا الْتَثَمُوا مُرْدُ٣٤٦
ثِقَالٍ إِذَا لَاقَوْا خِفَافٍ إِذَا دُعُوا
كَثِيرٍ إِذَا شَدُّوا قَلِيلٍ إِذَا عُدُّوا٣٤٧
وَطَعْنٍ كَأَنَّ الطَّعْنَ لَا طَعْنَ عِنْدَهُ
وَضَرْبٍ كَأَنَّ النَّارَ مِنْ حَرِّهِ بَرْدُ٣٤٨
إِذَا شِئْتُ حَفَّتْ بِي عَلَى كُلِّ سَابِحٍ
رِجَالٌ كَأَنَّ الْمَوْتَ فِي فَمِهَا شَهْدُ٣٤٩
أَذُمُّ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ أُهَيْلَهُ
فَأَعْلَمُهُمْ فَدْمٌ وَأَحْزَمُهُمْ وَغْدُ٣٥٠
وَأَكْرَمُهُمْ كَلْبٌ وَأَبْصَرُهُمْ عَمٍ
وَأَسْهَدُهُمْ فَهْدٌ وَأَشْجَعُهُمْ قِرْدُ٣٥١
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى
عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقِتِهِ بُدُّ٣٥٢
بِقَلْبِي وَإِنْ لَمْ أَرْوَ مِنْهَا مَلَالَةٌ
وَبِي عَنْ غَوَانِيهَا وَإِنْ وَصَلَتْ صَدُّ٣٥٣
خَلِيلَايَ دُونَ النَّاسِ حُزْنٌ وَعَبْرَةٌ
عَلَى فَقْدِ مَنْ أَحْبَبْتُ مَا لَهُمَا فَقْدُ٣٥٤
تَلَجُّ دُمُوعِي بِالْجُفُونِ كَأَنَّمَا
جُفُونِي لِعَيْنِي كُلِّ بَاكِيَةٍ خَدُّ٣٥٥
وَإِنِّي لَتُغْنِينِي مِنَ الْمَاءِ نُغْبَةٌ
وَأَصْبِرُ عَنْهُ مِثْلَ مَا تَصْبِرُ الرُّبْدُ
وَأَمْضِي كَمَا يَمْضِي السِّنَانُ لِطِيَّتِي
وَأَطْوِي كَمَا تَطْوِي الْمُجَلِّحَةُ الْعُقْدُ٣٥٦
وَأُكْبِرُ نَفْسِي عَنْ جَزَاءٍ بِغِيبَةٍ
وَكُلُّ اغْتِيَابٍ جُهْدُ مَنْ مَا لَهُ جُهْدُ٣٥٧
وَأَرْحَمُ أَقْوَامًا مِنَ الْعَيِّ وَالْغَبَا
وَأَعْذِرُ فِي بُغْضِي؛ لِأَنَّهُمُ ضِدُّ٣٥٨
وَيَمْنَعُنِي مِمَّن سِوَى ابْنِ مُحَمَّدٍ
أَيَادٍ لَهُ عِنْدِي تَضِيقُ بِهَا عِنْدُ٣٥٩
تَوَالَى بِلَا وَعْدٍ وَلَكِنَّ قَبْلَهَا
شَمَائِلَهُ مِنْ غَيْرِ وَعْدٍ بِهَا وَعْدُ٣٦٠
سَرَى السَّيْفُ مِمَّا تَطْبَعُ الْهِنْدُ صَاحِبِي
إِلَى السَّيْفِ مِمَّا يَطْبَعُ اللهُ لَا الْهِنْدُ٣٦١
فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا هَزَّ نَفْسَهُ
إِلَيَّ حُسَامٌ كُلُّ صَفْحٍ لَهُ حَدُّ٣٦٢
فَلَمْ أَرَ قَبْلِي مَنْ مَشَى الْبَحْرُ نَحْوَهُ
وَلَا رَجُلًا قَامَتْ تُعَانِقُهُ الْأُسْدُ٣٦٣
كَأَنَّ الْقِسِيَّ الْعَاصِيَاتِ تُطِيعُهُ
هَوًى أَوْ بِهَا فِي غَيْرِ أُنْمُلُهِ زُهْدُ٣٦٤
يَكَادُ يُصِيبُ الشَّيْءَ مِنْ قَبْلِ رَمْيِهِ
وَيُمْكِنُهُ فِي سَهْمِهِ الْمُرْسَلِ الرَّدُّ٣٦٥
وَيُنْفِذُهُ فِي الْعَقْدِ وَهْوَ مُضَيَّقٌ
مِنَ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ وَاللَّيْلُ مُسْوَدُّ٣٦٦
بِنَفْسِي الَّذِي لَا يُزْدَهَى بِخَدِيعَةٍ
وَإِنْ كَثُرَتْ فِيهَا الذَّرَائِعُ وَالْقَصْدُ٣٦٧
وَمَنْ بُعْدُهُ فَقْرٌ وَمَنْ قُرْبُهُ غِنًى
وَمَنْ عِرْضُهُ حُرٌّ وَمَنْ مَالُهُ عَبْدُ٣٦٨
وَيَصْطَنِعُ الْمَعْرُوفَ مُبْتَدِئًا بِهِ
وَيَمْنَعُهُ مِنْ كُلِّ مَنْ ذَمُّهُ حَمْدُ٣٦٩
وَيَحْتَقِرُ الْحُسَّادَ عَنْ ذِكْرِهِ لَهُمْ
كَأَنَّهُمُ فِي الْخَلْقِ مَا خُلِقُوا بَعْدُ٣٧٠
وَتَأْمَنُهُ الْأَعْدَاءُ مِنْ غَيْرِ ذِلَّةٍ
وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ الَّذِي يُذْنِبُ الْحِقْدُ٣٧١
فَإِنْ يَكُ سَيَّارُ بْنُ مَكْرَمٍ انْقَضَى
فَإِنَّكَ مَاءُ الْوَرْدِ إِنْ ذَهَبَ الْوَرْدُ٣٧٢
مَضَى وَبَنُوهُ وَانْفَرَدْتَ بِفَضْلِهِمْ
وَأَلْفٌ إِذَا مَا جُمِّعَتْ وَاحِدٌ فَرْدُ٣٧٣
لَهُمْ أَوْجُهٌ غُرٌّ وَأَيْدٍ كَرِيمَةٌ
وَمَعْرِفَةٌ عِدٌّ وَأَلْسِنَةٌ لُدُّ٣٧٤
وَأَرْدِيَةٌ خُضْرٌ وَمُلْكٌ مُطَاعَةٌ
وَمَرْكُوزَةٌ سُمْرٌ وَمَقْرَبَةٌ جُرْدُ٣٧٥
وَمَا عِشْتَ مَا مَاتُوا وَلَا أَبَوَاهُمُ
تَمِيمُ بْنُ مُرٍّ وَابْنُ طَابِخَةٍ أُدُّ٣٧٦
فَبَعْضُ الَّذِي يَبْدُو الَّذِي أَنَا ذَاكِرٌ
وَبَعْضُ الَّذِي يَخْفَى عَلَيَّ الَّذِي يَبْدُو٣٧٧
أَلُومُ بِهِ مَنْ لَامَنِي فِي وِدَادِهِ
وَحُقَّ لِخَيْرِ الْخَلْقِ مِنْ خَيْرِهِ الْوُدُّ٣٧٨
كَذَا فَتَنَحَّوْا عَنْ عَلِيٍّ وَطُرْقِهِ
بَنِي اللُّؤْمِ حَتَّى يَعْبُرَ الْمَلِكُ الْجَعْدُ٣٧٩
فَمَا فِي سَجَايَاكُمْ مُنَازَعَةُ الْعُلَا
وَلَا فِي طِبَاعِ التُّرْبَةِ الْمِسْكُ وَالنَّدُّ٣٨٠

وودع صديقًا له يقال له: أبو البهي فقال ارتجالًا عند مسيره عنه:

أَمَّا الْفِرَاقُ فَإِنَّهُ مَا أَعْهَدُ
هُوَ تَوْءَمِي لَوْ أَنَّ بَيْنًا يُولَدُ٣٨١
وَلَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّنَا سَنُطِيعُهُ
لَمَّا عَلِمْنَا أَنَّنَا لَا نَخْلُدُ٣٨٢
وَإِذَا الْجِيَادُ أَبَا الْبَهِيِّ نَقَلْنَنَا
عَنْكُمْ فَأرْدَأُ مَا رَكِبْتُ الْأَجْوَدُ٣٨٣
مَنْ خَصَّ بِالذَّمِّ الْفِرَاقَ فَإِنَّنِي
مَنْ لَا يَرَى فِي الدَّهْرِ شَيْئًا يُحْمَدُ٣٨٤

وقال يمدح الحسين بن علي الهمذاني:

لَقَدْ حَازَنِي وَجْدٌ بِمَنْ حَازَهُ بُعْدُ
فَيَا لَيْتَنِي بُعْدٌ وَيَا لَيْتَهُ وَجْدُ٣٨٥
أُسَرُّ بِتَجْدِيدِ الْهَوَى ذِكْرَ مَا مَضَى
وَإِنْ كَانَ لَا يَبْقَى لَهُ الْحَجَرُ الصَّلْدُ٣٨٦
سُهَادٌ أَتَانَا مِنْكَ فِي الْعَيْنِ عِنْدَنَا
رُقَادٌ وَقُلَّامٌ رَعَى سَرْبُكُمْ وَرْدُ٣٨٧
مُمَثَّلَةٌ حَتَّى كَأَنْ لَمْ تُفَارِقِي
وَحَتَّى كَأَنَّ الْيَأْسَ مِنْ وَصْلِكِ الْوَعْدُ٣٨٨
وَحَتَّى تَكَادِي تَمْسَحِينَ مَدَامِعِي
وَيَعْبِقُ فِي ثَوْبَيَّ مِنْ رِيحِكِ النَّدُّ٣٨٩
إِذَا غَدَرَتْ حَسْنَاءُ وَفَّتْ بِعَهْدِهَا
فَمِنْ عَهْدِهَا أَنْ لَا يَدُومَ لَهَا عَهْدُ٣٩٠
وَإِنْ عَشِقَتْ كَانَتْ أَشَدَّ صَبَابَةً
وَإِنْ فَرِكَتْ فَاذْهَبْ فَمَا فِرْكُهَا قَصْدُ٣٩١
وَإِنْ حَقَدَتْ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهَا رِضًا
وَإِنْ رَضِيَتْ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهَا حِقْدُ
كَذَلِكَ أَخْلَاقُ النِّسَاءِ وَرُبَّمَا
يَضِلُّ بِهَا الْهَادِي وَيَخْفَى بِهَا الرُّشْدُ٣٩٢
وَلَكِنَّ حُبًّا خَامَرَ الْقَلْبَ فِي الصِّبَا
يَزِيدُ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ وَيَشْتَدُّ٣٩٣
سَقَى ابْنُ عَلِيٍّ كُلَّ مُزْنٍ سَقَتْكُمُ
مُكَافَأَةً يَغْدُو إِلَيْهَا كَمَا تَغْدُو٣٩٤
لِتَرْوَى كَمَا تُرْوِي بِلَادًا سَكَنْتَهَا
وَيَنْبُتَ فِيهَا فَوْقَكَ الْفَخْرُ وَالْمَجْدُ٣٩٥
بِمَنْ تَشْخَصُ الْأَبْصَارُ يَوْمَ رُكُوبِهِ
وَيَخْرَقُ مِنْ زَحْمٍ عَلَى الرَّجُلِ الْبُرْدُ٣٩٦
وَتُلْقِي وَمَا تَدْرِي الْبَنَانُ سِلَاحَهَا
لِكَثْرَةِ إِيمَاءٍ إِلَيْهِ إِذَا يَبْدُو٣٩٧
ضَرُوبٌ لِهَامِ الضَّارِبِي الْهَامِ فِي الْوَغَى
خَفِيفٌ إِذَا مَا أَثْقَلَ الْفَرَسَ اللَّبْدُ٣٩٨
بَصِيرٌ بِأَخْذِ الْحَمْدِ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ
وَلَوْ خَبَأَتْهُ بَيْنَ أَنْيَابِهَا الْأُسْدُ٣٩٩
بِتَأْمِيلِهِ يَغْنَى الْفَتَى قَبْلَ نَيْلِهِ
وَبِالذُّعْرِ مِنْ قَبْلِ الْمُهَنَّدِ يَنْقَدُّ٤٠٠
وَسَيْفِي لَأَنْتَ السَّيْفُ لَا مَا تَسُلُّهُ
لِضَرْبٍ وَمِمَّا السَّيْفُ مِنْهُ لَكَ الْغِمْدُ٤٠١
وَرُمْحِي لَأَنْتَ الرُّمْحُ لَا مَا تَبُلُّهُ
نَجِيعًا وَلَوْلَا الْقَدْحُ لَمْ يُثْقِبِ الزَّنْدُ٤٠٢
مِنَ الْقَاسِمِينَ الشُّكْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ
لِأَنَّهُمُ يُسْدَى إِلَيْهِمْ بِأَنْ يُسْدُوا٤٠٣
فَشُكْرِي لَهُمْ شُكْرَانِ: شُكْرٌ عَلَى النَّدَى
وَشُكْرٌ عَلَى الشُّكْرِ الَّذِي وَهَبُوا بَعْدُ٤٠٤
صِيَامٌ بِأَبْوَابِ الْقِبَابِ جِيَادُهُمْ
وَأَشْخَاصُهَا فِي قَلْبِ خَائِفِهِمْ تَعْدُو٤٠٥
وَأَنْفُسُهُمْ مَبْذُولَةٌ لِوُفُودِهِمْ
وَأَمْوَالُهُمْ فِي دَارِ مَنْ لَمْ يَفِدْ وَفْدُ٤٠٦
كَأَنَّ عَطِيَّاتِ الْحُسَيْنِ عَسَاكِرٌ
فَفِيهَا الْعِبِدَّى وَالْمُطَهَّمَةُ الْجُرْدُ٤٠٧
أَرَى الْقَمَرَ ابْنَ الشَّمْسِ قَدْ لَبِسَ الْعُلَا
رُوَيْدَكَ حَتَّى يَلْبَسَ الشَّعَرَ الْخَدُّ٤٠٨
وَغَالَ فُضُولَ الدِّرْعِ مِنْ جَنَبَاتِهَا
عَلَى بَدَنٍ قَدُّ الْقَنَاةِ لَهُ قَدُّ٤٠٩
وَبَاشَرَ أَبْكَارَ الْمَكَارِمِ أَمْرَدًا
وَكَانَ كَذَا آبَاؤُهُ وَهُمُ مُرْدُ٤١٠
مَدَحْتُ أَبَاهُ قَبْلَهُ فَشَفَى يَدِي
مِنَ الْعُدْمِ مَنْ تُشْفَى بِهِ الْأَعْيُنُ الرُّمْدُ٤١١
حَبَانِي بِأَثْمَانِ السَّوَابِقِ دُونَهَا
مَخَافَةَ سَيْرِي إِنَّهَا لِلنَّوَى جُنْدُ٤١٢
وَشَهْوَةَ عَوْدٍ إِنَّ جُودَ يَمِينِهِ
ثُنَاءٌ ثُنَاءٌ وَالْجَوَادُ بِهَا فَرْدُ٤١٣
فَلَا زِلْتُ أَلْقَى الْحَاسِدِينَ بِمِثْلِهَا
وَفِي يَدِهِمْ غَيْظٌ وَفِي يَدِيَ الرِّفْدُ٤١٤
وَعِنْدِي قِبَاطِيُّ الْهُمَامِ وَمَالُهُ
وَعِنْدَهُمُ مِمَّا ظَفِرْتُ بِهِ الْجَحْدُ٤١٥
يَرُومُونَ شَأْوِي فِي الْكَلَامِ وَإِنَّمَا
يُحَاكِي الْفَتَى فِيمَا خَلَا الْمَنْطِقَ الْقِرْدُ٤١٦
فَهُمْ فِي جُمُوعٍ لَا يَرَاهَا ابْنُ دَأْيَةٍ
وَهُمْ فِي ضَجِيجٍ لَا يُحِسُّ بِهَا الْخُلْدُ٤١٧
وَمِنِّي اسْتَفَادَ النَّاسُ كُلَّ غَرِيبَةٍ
فَجَازُوا بِتَرْكِ الذَّمِّ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْدُ٤١٨
وَجَدْتُ عَلِيًّا وَابْنَهُ خَيْرَ قَوْمِهِ
وَهُمْ خَيْرُ قَوْمٍ وَاسْتَوَى الْحُرُّ وَالْعَبْدُ٤١٩
وَأَصْبَحَ شِعْرِي مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ
وَفِي عُنُقِ الْحَسْنَاءِ يُسْتَحْسَنُ الْعِقْدُ٤٢٠

وساير أبا محمد بن طغج وهو لا يدري أين يريد؛ فلما دخل كفرديس قال:

وَزِيَارَةٍ عَنْ غَيْرِ مَوْعِدْ
كَالْغُمْضِ فِي الْجَفْنِ الْمُسَهَّدْ٤٢١
مَعَجَتْ بِنَا فِيهَا الْجِيَا
دُ مَعَ الْأَمِيرِ أَبِي مُحَمَّدْ٤٢٢
حَتَّى دَخَلْنَا جَنَّةً
لَوْ أَنَّ سَاكِنَهَا مُخَلَّدْ
خَضْرَاءَ حَمْرَاءَ التُّرَا
بِ كَأَنَّهَا فِي خَدِّ أَغْيَدْ٤٢٣
أَحْبَبْتُ تَشْبِيهًا لَهَا
فَوَجَدْتُهُ مَا لَيْسَ يُوجَدْ٤٢٤
وَإِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْحَقَا
ئِقِ فَهْيَ وَاحِدَةٌ لِأَوْحَدْ٤٢٥

وهمَّ بالنهوض فأقعده أبو محمد فقال:

يَا مَنْ رَأَيْتَ الْحَلِيمَ وَغْدَا
بِهِ وَحُرَّ الْمُلُوكِ عَبْدَا٤٢٦
مَالَ عَلَيَّ الشَّرَابُ جِدَّا
وَأَنْتَ بِالْمَكْرُمَاتِ أَهْدَى٤٢٧
فَإِنْ تَفَضَّلْتَ بِانْصِرَافِي
عَدَدْتُهُ مِنْ لَدُنْكَ رِفْدَا٤٢٨

وأطلق أبو محمد الباشق على سماناة فأخذها فقال:

أَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ بَلَغْتَ الْمُرَادَا
وَفِي كُلِّ شَأْوٍ شَأَوْتَ الْعِبَادَا؟٤٢٩
فَمَاذَا تَرَكْتَ لِمَنْ لَمْ يَسُدْ
وَمَاذَا تَرَكْتَ لِمَنْ كَانَ سَادَا؟٤٣٠
كَأَنَّ السُّمَانَى إِذَا مَا رَأَتْكَ
تَصَيَّدُهَا تَشْتَهِي أَنْ تُصَادَا٤٣١

واجتاز أبو محمد الجبال، فأثارت الغلمان خشفًا، فتلقفته الكلاب، فقال:

وَشَامِخٍ مِنَ الْجِبَالِ أَقْوَدِ
فَرْدٍ كَيَافُوخِ الْبَعِيرِ الْأَصْيَدِ٤٣٢
يُسَارُ مِنْ مَضِيقِهِ وَالْجَلْمَدِ
فِي مِثْلِ مَتْنِ الْمَسَدِ الْمُعَقَّدِ٤٣٣
زُرْنَاهُ لِلْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يُعْهَدِ
لِلصَّيْدِ وَالنُّزْهَةِ وَالتَّمَرُّدِ٤٣٤
بِكُلِّ مَسْقِيِّ الدِّمَاءِ أَسْوَدِ
مُعَاوِدٍ مُقَوَّدٍ مُقَلَّدِ٤٣٥
بِكُلِّ نَابٍ ذَرِبٍ مُحَدَّدِ
عَلَى حِفَافَيْ حَنَكٍ كَالْمِبْرَدِ٤٣٦
كَطَالِبِ الثَّارِ وَإِنْ لَمْ يَحْقِدِ
يَقْتُلُ مَا يَقْتُلُهُ وَلَا يَدِي٤٣٧
يَنْشُدُ مِنْ ذَا الْخِشْفِ مَا لَمْ يَفْقِدِ
فَثَارَ مِنْ أَخْضَرَ مَمْطُورٍ نَدِي٤٣٨
كَأَنَّهُ بَدْءُ عِذَارِ الْأَمْرَدِ
فَلَمْ يَكَدْ إِلَّا لِحَتْفٍ يَهْتَدِي
وَلَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى بَطْنِ يَدِ
وَلَمْ يَدَعْ لِلشَّاعِرِ الْمُجَوِّدِ٤٣٩
وَصْفًا لَهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ الْأَمْجَدِ
الْمَلِكِ الْقَرْمِ أَبِي مُحَمَّدِ٤٤٠
الْقَانِصِ الْأَبْطَالَ بِالْمُهَنَّدِ
ذِي النِّعَمِ الْغُرِّ الْبَوَادِي الْعُوَّدِ٤٤١
إِذَا أَرَدْتُ عَدَّهَا لَمْ تُعْدَدِ
وَإِنْ ذَكَرْتُ فَضْلَهُ لَمْ يَنْفَدِ٤٤٢

وقال ارتجالًا يودعه:

مَاذَا الْوَدَاعُ وَدَاعُ الْوَامِقِ الْكَمِدِ
هَذَا الْوَدَاعُ وَدَاعُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ٤٤٣
إِذَا السَّحَابُ زَفَتْهُ الرِّيحُ مُرْتَفِعًا
فَلَا عَدَا الرَّمْلَةِ الْبَيْضَاءِ مِنْ بَلَدِ٤٤٤
وَيَا فِرَاقَ الْأَمِيرِ الرَّحْبِ مَنْزِلُهُ
إِنْ أَنْتَ فَارَقْتَنَا يَوْمًا فَلَا تَعُدِ٤٤٥

ودخل على أبي العشائر الحسين بن علي بن حمدان يومًا فوجده على الشراب، وفي يده بطيخة من الند في غشاء من خيزران، عليها قلادة لؤلؤ، وعلى رأسها عنبر قد أدير حولها، فحياه بها وقال: أي شيء تشبه هذه؟ فقال ارتجالًا:

وَبِنِيَّةٍ مِنْ خَيْزُرَانٍ ضُمِّنَتْ
بِطِّيخَةً نَبَتَتْ بِنَارٍ فِي يَدِ٤٤٦
نَظَمَ الْأَمِيرُ لَهَا قِلَادَةَ لُؤْلُؤٍ
كِفِعَالِهِ وَكَلَامِهِ فِي الْمَشْهَدِ٤٤٧
كَالْكَاسِ بَاشَرَهَا الْمِزَاجُ فَأَبْرَزَتْ
زَبَدًا يَدُورُ عَلَى شَرَابٍ أَسْوَدِ٤٤٨

وقال فيها ارتجالًا أيضًا:

وَسَوْدَاءَ مَنْظُومٍ عَلَيْهَا لَآلِئٌ
لَهَا صُورَةُ الْبِطِّيخِ وَهْيَ مِنَ النَّدِّ
كَأَنَّ بَقَايَا عَنْبَرٍ فَوْقَ رَأْسِهَا
طُلُوعُ رَوَاعِي الشَّيْبِ فِي الشَّعَرِ الْجَعْدِ٤٤٩

وعمل أبياتًا بديهًا، فتعجب أبو العشائر من سرعته، فقال:

أَتُنْكِرُ مَا نَطَقْتُ بِهِ بَدِيهًا
وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ سَبْقَ الْجَوَادِ
أُرَاكِضُ مُعْوِصَاتِ الشِّعْرِ قَسْرًا
فَأَقْتُلُهَا وَغَيْرِي فِي الطِّرَادِ٤٥٠

وقال يمدح كافورًا سنة ست وأربعين وثلاثمائة:

أَوَدُّ مِنَ الْأَيَّامِ مَا لَا تَوَدُّهُ
وَأَشْكُو إِلَيْهَا بَيْنَنَا وَهْيَ جُنْدُهُ٤٥١
يُبَاعِدْنَ حِبًّا يَجْتَمِعْنَ وَوَصْلُهُ
فَكَيْفَ بِحِبٍّ يَجْتَمِعْنَ وَصَدُّهُ٤٥٢
أَبَى خُلُقُ الدُّنْيَا حَبِيبًا تُدِيمُهُ
فَمَا طَلَبِي مِنْهَا حَبِيبًا تَرُدُّهُ٤٥٣
وَأَسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّرًا
تَكَلُّفُ شَيْءٍ فِي طِبَاعِكَ ضِدُّهُ٤٥٤
رَعَى اللهُ عِيسًا فَارَقَتْنَا وَفَوْقَهَا
مَهًا كُلُّهَا يُولِي بِجَفْنَيْهِ خَدُّهُ٤٥٥
بِوَادٍ بِهِ مَا بِالْقُلُوبِ كَأَنَّهُ
وَقَدْ رَحَلُوا جِيدٌ تَنَاثَرَ عِقْدُهُ٤٥٦
إِذَا سَارَتِ الْأَحْدَاجُ فَوْقَ نَبَاتِهِ
تَفَاوَحَ مِسْكُ الْغَانِيَاتِ وَرَنْدُهُ٤٥٧
وَحَالٍ كَإِحْدَاهُنَّ رُمْتُ بُلُوغَهَا
وَمِنْ دُونِهَا غَوْلُ الطَّرِيقِ وَبُعْدُهُ٤٥٨
وَأَتْعَبُ خَلْقِ اللهِ مَنْ زَادَ هَمُّهُ
وَقَصَّرَ عَمَّا تَشْتَهِي النَّفْسُ وُجْدُهُ٤٥٩
فَلَا يَنْحَلِلْ فِي الْمَجْدِ مَالُكَ كُلُّهُ
فَيَنْحَلُّ مَجْدٌ كَانَ بِالْمَالِ عِقْدُهُ٤٦٠
وَدَبِّرْهُ تَدْبِيرَ الَّذِي الْمَجْدُ كَفُّهُ
إِذَا حَارَبَ الْأَعْدَاءَ وَالْمَالُ زَنْدُهُ٤٦١
فَلَا مَجْدَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَالُهُ
وَلَا مَالَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَجْدُهُ
وَفِي النَّاسِ مَنْ يَرْضَى بِمَيْسُورِ عَيْشِهِ
وَمَرْكُوبُهُ رِجْلَاهُ وَالثَّوْبُ جِلْدُهُ٤٦٢
وَلَكِنَّ قَلْبًا بَيْنَ جَنْبَيَّ مَا لَهُ
مَدًى يَنْتَهِي بِي فِي مُرَادٍ أَحُدُّهُ٤٦٣
يَرَى جِسْمَهَ يُكْسَى شُفُوفًا تَرُبُّهُ
فَيَخْتَارُ أَنْ يُكْسَى دُرُوعًا تَهُدُّهُ٤٦٤
يُكَلِّفُنِي التَّهْجِيرَ فِي كُلِّ مَهْمَهٍ
عَلِيقِي مَرَاعِيهِ وَزَادِيَ رُبْدُهُ٤٦٥
وَأَمْضَى سِلَاحٍ قَلَّدَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ
رَجَاءُ أَبِي الْمِسْكِ الْكَرِيمِ وَقَصْدُهُ٤٦٦
هُمَا نَاصِرَا مَنْ خَانَهُ كُلُّ نَاصِرٍ
وَأُسْرَةُ مَنْ لَمْ يُكْثِرِ النَّسْلَ جَدُّهُ٤٦٧
أَنَا الْيَوْمَ مِنْ غِلْمَانِهِ فِي عَشِيرَةٍ
لَنَا وَالِدٌ مِنْهُ يُفَدِّيهِ وُلْدُهُ٤٦٨
فَمِنْ مَالِهِ مَالُ الْكَبِيرِ وَنَفْسُهُ
وَمِنْ مَالِهِ دَرُّ الصَّغِيرِ وَمَهْدُهُ٤٦٩
نَجُرُّ الْقَنَا الْخَطِّيَّ حَوْلَ قِبَابِهِ
وَتَرْدِي بِنَا قُبُّ الرِّبَاطِ وَجُرْدُهُ٤٧٠
وَنَمْتَحِنُ النُّشَّابَ فِي كُلِّ وَابِلٍ
دَوِيُّ الْقِسِيِّ الْفَارِسِيَّةِ رَعْدُهُ٤٧١
فَإِلَّا تَكُنْ مِصْرُ الشَّرَى أَوْ عَرِينَهُ
فَإِنَّ الَّذِي فِيهَا مِنَ النَّاسِ أُسْدُهُ٤٧٢
سَبَائِكُ كَافُورٍ وَعِقْيَانُهُ الَّذِي
بِصُمِّ الْقَنَا لَا بِاْلَأَصَابِعِ نَقْدُهُ٤٧٣
بَلَاهَا حَوَالَيْهِ الْعَدُوُّ وَغَيْرُهُ
وَجَرَّبَهَا هَزْلُ الطِّرَادِ وَجِدُّهُ٤٧٤
أَبُو الْمِسْكِ لَا يَفْنَى بِذَنْبِكَ عَفْوُهُ
وَلَكِنَّهُ يَفْنَى بِعُذْرِكَ حِقْدُهُ٤٧٥
فَيَا أَيُّهَا الْمَنْصُورُ بِالْجِدِّ سَعْيُهُ
وَيَا أَيُّهَا الْمَنْصُورُ بِالسَّعْيِ جَدُّهُ٤٧٦
تَوَلَّى الصِّبَا عَنِّي فَأَخْلَفْتُ طِيبَهُ
وَمَا ضَرَّنِي لَمَّا رَأَيْتُكَ فَقْدُهُ٤٧٧
لَقَدْ شَبَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ كُهُولُهُ
لَدَيْكَ وَشَابَتْ عِنْدَ غَيْرِكَ مُرْدُهُ٤٧٨
أَلَا لَيْتَ يَوْمَ السَّيْرِ يُخْبِرُ حَرُّهُ
فَتَسْأَلَهُ وَاللَّيْلُ يُخْبِرُ بَرْدُهُ٤٧٩
وَلَيْتَكَ تَرْعَانِي وَحَيْرَانُ مُعْرِضٌ
فَتَعْلَمَ أَنِّي مِنْ حُسَامِكَ حَدُّهُ٤٨٠
وَأَنِّي إِذَا بَاشَرْتُ أَمْرًا أُرِيدُهُ
تَدَانَتْ أَقَاصِيهِ وَهَانَ أَشُدُّهُ٤٨١
وَمَا زَالَ أَهْلُ الدَّهْرِ يَشْتَبِهُونَ لِي
إِلَيْكَ فَلَمَّا لُحْتَ لِي لَاحَ فَرْدُهُ٤٨٢
يُقَالُ إِذَا أَبْصَرْتُ جَيْشًا وَرَبَّهُ:
أَمَامَكَ رَبٌّ، رَبُّ ذَا الْجَيْشِ عَبْدُهُ٤٨٣
وَأَلْقَى الْفَمَ الضَّحَّاكَ أَعْلَمُ أَنَّهُ
قَرِيبٌ بِذِي الْكَفِّ الْمُفَدَّاةِ عَهْدُهُ٤٨٤
فَزَارَكَ مِنِّي مَنْ إِلَيْكَ اشْتِيَاقُه
وَفِي النَّاسِ إِلَّا فِيكَ وَحْدَكَ زُهْدُهُ٤٨٥
يُخَلِّفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ دَارَكَ غَايَةً
وَيَأْتِي فَيَدْرِي أَنَّ ذَلِكَ جُهْدُهُ٤٨٦
فَإِنْ نِلْتُ مَا أَمَّلْتُ مِنْكَ فَرُبَّمَا
شَرِبْتُ بِمَاءٍ يُعْجِزُ الطَّيْرَ وِرْدُهُ٤٨٧
وَوَعْدُكَ فِعْلٌ قَبْلَ وَعْدٍ لِأَنَّهُ
نَظِيرُ فِعَالِ الصَّادِقِ الْقَوْلِ وَعْدُهُ٤٨٨
فَكُنْ فِي اصْطِنَاعِي مُحْسِنًا كَمُجَرِّبٍ
يَبِنْ لَكَ تَقْرِيبُ الْجَوَادِ وَشَدُّهُ٤٨٩
إِذَا كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنَ السَّيْفِ فَابْلُهُ
فَإِمَّا تُنَفِّيهِ وَإِمَّا تَعُدُّهُ٤٩٠
وَمَا الصَّارِمُ الْهِنْدِيُّ إِلَّا كَغَيْرِهِ
إِذَا لَمْ يُفَارِقْهُ النِّجَادُ وَغِمْدُهُ٤٩١
وَإِنَّكَ لَلْمَشْكُورُ فِي كُلِّ حَالَةٍ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْبَشَاشَةُ رِفْدُهُ٤٩٢
فَكُلُّ نَوَالٍ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ
فَلَحْظَةُ طَرْفٍ مِنْكَ عِنْدِي نِدُّهُ٤٩٣
وَإِنِّي لَفِي بَحْرٍ مِنَ الْخَيْرِ أَصْلُهُ
عَطَايَاكَ أَرْجُو مَدَّهَا وَهْيَ مَدُّهُ٤٩٤
وَمَا رَغْبَتِي فِي عَسْجَدٍ أَسْتَفِيدُهُ
وَلَكِنَّهَا فِي مَفْخَرٍ أَسْتَجِدُّهُ٤٩٥
يَجُودُ بِهِ مَنْ يَفْضَحُ الْجُودَ جُودُهُ
وَيَحْمَدُهُ مَنْ يَفْضَحُ الْحَمْدَ حَمْدُهُ٤٩٦
فَإِنَّكَ مَا مَرَّ النُّحُوسُ بِكَوْكَبٍ
وَقَابَلْتَهُ إِلَّا وَوَجْهُكَ سَعْدُهُ٤٩٧

واتصل قوم من الغلمان بابن الأخشيد مولى كافور وأرادوا أن يفسدوا الأمر على كافور فطالبه بتسليمهم إليه، فسلمهم بعد أن امتنع من ذلك مُدَيدَةً مما سبب بينهما وحشة، وبعد أن تسلمهم كافور ألقاهم في النيل ثم اصطلحا، فقال:

حَسَمَ الصُّلْحُ مَا اشْتَهَتْهُ الْأَعَادِي
وَأَذَاعَتْهُ أَلْسُنُ الْحُسَّادِ٤٩٨
وَأَرَادَتْهُ أَنْفُسٌ حَالَ تَدْبِيـ
ـرُكَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُرَادِ٤٩٩
صَارَ مَا أَوْضَعَ الْمُخِبُّونُ فِيهِ
مِنْ عِتَابٍ زِيَادَةً فِي الْوِدَادِ٥٠٠
وَكَلَامُ الْوُشَاةِ لَيْسَ عَلَى الْأَحْـ
ـبَابِ، سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَضْدَادِ٥٠١
إِنَّمَا تُنْجِحُ الْمَقَالَةُ فِي الْمَرْ
ءِ إِذَا صَادَفَتْ هَوًى فِي الْفُؤَادِ٥٠٢
وَلَعَمْرِي لَقَدْ هُزِزْتَ بِمَا قِيـ
ـلَ فَأُلْفِيْتَ أَوْثَقَ الْأَطْوَادِ٥٠٣
وَأَشَارَتْ بِمَا أَبَيْتَ رِجَالٌ
كُنْتَ أَهْدَى مِنْهَا إِلَى الْإِرْشَادِ٥٠٤
قَدْ يُصِيبُ الْفَتَى الْمُشِيرُ وَلَمْ يَجْـ
ـهَدْ وَيُشْوِي الصَّوَابَ بَعْدَ اجْتِهَادِ٥٠٥
نِلْتُ مَا لَا يُنَالُ بِالْبِيضِ وَالسُّمْـ
ـرِ وَصُنْتُ الْأَرْوَاحَ فِي الْأَجْسَادِ٥٠٦
وَقَنَا الْخَطِّ فِي مَرَاكِزِهَا حَوْ
لَكَ وَالْمُرْهِفَاتُ فِي الْأَغْمَادِ٥٠٧
مَا دَرَوْا إِذْ رَأَوْا فُؤَادَكَ فِيهِمْ
سَاكِنًا أَنَّ رَأْيَهُ فِي الطِّرَادِ٥٠٨
فَفَدَى رَأْيَكَ الَّذِي لَمْ تُفَدْهُ
كُلُّ رَأْيٍ مُعَلَّمٍ مُسْتَفَادِ٥٠٩
وَإِذَا الْحِلْمُ لَمْ يَكُنْ فِي طِبَاعٍ
لَمَ يُحَلِّمْ تَقَادُمُ الْمِيلَادِ٥١٠
فَبِهَذَا وَمِثْلِهِ سُدْتَ يَا كَا
فُورُ وَاقْتَدْتَ كُلَّ صَعْبِ الْقِيَادِ٥١١
وَأَطَاعَ الَّذِي أَطَاعَكَ وَالطَّا
عَةُ لَيْسَتْ خَلَائِقَ الْآسَادِ٥١٢
إِنَّمَا أَنْتَ وَالِدٌ وَالْأَبُ الْقَا
طِعُ أَحْنَى مِنْ وَاصِلِ الْأَوْلَادِ٥١٣
لَا عَدَا الشَّرُّ مَنْ بَغَى لَكُمَا الشَّرَّ
وَخَصَّ الْفَسَادُ أَهْلَ الْفَسَادِ٥١٤
أَنْتُمَا — مَا اتَّفَقْتُمَا — الْجِسْمُ وَالرُّو
حُ فَلَا احْتَجْتُمَا إِلَى الْعُوَّادِ٥١٥
وَإِذَا كَانَ فِي الْأَنَابِيبِ خُلْفٌ
وَقَعُ الطَّيْشُ فِي صُدُورِ الصِّعَادِ٥١٦
أَشْمَتَ الْخُلْفُ بِالشَّرَاةِ عِدَاهَا
وَشَفَى رَبَّ فَارِسٍ مِنْ إِيَادِ٥١٧
وَتَوَلَّى بَنِي الْيَزِيدِيِّ بِالْبَصْـ
ـرَةِ حَتَّى تَمَزَّقُوا فِي الْبِلَادِ٥١٨
وَمُلُوكًا كَأَمْسِ فِي الْقُرْبِ مِنَّا
وَكَطَسْمٍ وَأُخْتِهَا فِي الْبِعَادِ٥١٩
بِكُمَا بِتُّ عَائِذًا فِيكُمَا مِنْـ
ـهُ وَمِنْ كَيْدِ كُلِّ بَاغٍ وَعَادِ٥٢٠
وَبِلُبَّيْكُمَا الْأَصِيلَيْنِ أَنْ تَفْـ
ـرُقَ صُمُّ الرِّمَاحِ بَيْنَ الْجِيَادِ٥٢١
أَوْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَشْقَى عَدُوٍّ
بِالَّذِي تَذْخُرَانِهِ مِنْ عَتَادِ٥٢٢
هَلْ يَسُرَّنَّ بَاقِيًا بَعْدَ مَاضٍ
مَا تَقُولُ الْعُدَاةُ فِي كُلِّ نَادِ٥٢٣
مَنَعَ الْوُدُّ وَالرَّعَايَةُ وَالسُّؤْ
دُدُ أَنْ تَبْلُغَا إِلَى الْأَحْقَادِ٥٢٤
وَحُقُوقٌ تُرَقِّقُ الْقَلْبَ لِلْقَلْـ
ـبِ وَلَوْ ضُمِّنَتْ قُلُوبَ الْجَمَادِ٥٢٥
فَغَدَا الْمُلْكُ بَاهِرًا مَنْ رَآهُ
شَاكِرًا مَا أَتَيْتُمَا مِنْ سَدَادِ٥٢٦
فِيهِ أَيْدِيكُمَا عَلَى الظَّفَرِ الْحُلْـ
ـوِ وَأَيْدِي قَوْمٍ عَلَى الْأَكْبَادِ٥٢٧
هَذِهِ دَوْلَةُ الْمَكَارِمِ وَالرَّأْ
فَةِ وَالْمَجْدِ وَالنَّدَى وَالْأَيَادِي٥٢٨
كَسَفَتْ سَاعَةً كَمَا تَكْسِفُ الشَّمْـ
ـسُ، وَعَادَتْ وَنُورُهَا فِي ازْدِيَادِ٥٢٩
يَزْحَمُ الدَّهْرَ رُكْنُهَا عَنْ أَذَاهَا
بِفَتًى مَارِدٍ عَلَى الْمُرَّادِ٥٣٠
مُتْلِفٍ مُخْلِفٍ وَفِيٍّ أَبِيٍّ
عَالِمٍ حَازِمٍ شُجَاعٍ جَوَادِ٥٣١
أَجَفْلَ النَّاسُ عَنْ طَرِيقِ أَبِي الْمِسْـ
ـكِ وَذَلَّتْ لَهُ رِقَابُ الْعِبَادِ٥٣٢
كَيْفَ لَا يُتْرَكُ الطَّرِيقُ لِسَيْلٍ
ضَيِّقٍ عَنْ أَتِيِّهِ كُلُّ وَادِ٥٣٣
وقال يهجوه في يوم عرفة قبل مسيره من مصر بيوم واحد سنة خمسين وثلاثمائة:٥٣٤
عِيدٌ بِأَيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يَا عِيدُ
بِمَا مَضَى أَمْ بِأَمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ؟٥٣٥
أَمَّا الْأَحِبَّةُ فَالْبَيْدَاءُ دُونَهُمُ
فَلَيْتَ دُونَكَ بِيدًا دُونَهَا بِيدُ٥٣٦
لَوْلَا الْعُلَا لَمْ تَجُبْ بِي مَا أَجُوبُ بِهَا
وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلَا جَرْدَاءُ قَيْدُودُ٥٣٧
وَكَانَ أَطْيَبَ مِنْ سَيْفِي مُضَاجَعَةً
أَشْبَاهُ رَوْنَقِهِ الْغِيدُ الْأَمَالِيدُ٥٣٨
لَمْ يَتْرُكِ الدَّهْرُ مِنْ قَلْبِي وَلَا كَبِدِي
شَيْئًا تُتَيِّمُهُ عَيْنٌ وَلَا جِيدُ٥٣٩
يَا سَاقِيَيَّ أَخَمْرٌ فِي كُئُوسِكُمَا
أَمْ فِي كُئُوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسْهِيدُ٥٤٠
أَصَخْرَةٌ أَنَا؟ مَا لِي لَا تُحَرِّكُنِي
هَذِي الْمُدَامُ وَلَا هَذِي الْأَغَارِيدُ٥٤١
إِذَا أَرَدْتُ كُمَيْتَ اللَّوْنِ صَافِيَةً
وَجَدْتُهَا وَحَبِيبُ النَّفْسِ مَفْقُودُ٥٤٢
مَاذَا لَقِيتُ مِنَ الدُّنْيَا وَأَعْجَبُهُ
أَنِّي بِمَا أَنَا بَاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ٥٤٣
أَمْسَيْتُ أَرْوَحَ مُثْرٍ خَازِنًا وَيَدًا
أَنَا الْغَنِيُّ وَأَمْوَالِي الْمَوَاعِيدُ٥٤٤
إِنِّي نَزَلْتُ بِكَذَّابِينَ ضَيْفُهُمْ
عَنِ الْقِرَى وعَنِ التَّرْحَالِ مَحْدُودُ٥٤٥
جُودُ الرِّجَالِ مِنَ الْأَيْدِي وَجُودُهُمُ
مِنَ اللِّسَانِ فَلَا كَانُوا وَلَا الْجُودُ٥٤٦
مَا يَقْبِضُ الْمَوْتُ نَفْسًا مِنْ نُفُوسِهِمِ
إِلَّا وَفِي يَدِهِ مِنْ نَتْنِهَا عُودُ٥٤٧
مِنْ كُلِّ رَخْوٍ وِكَاءِ الْبَطْنِ مُنْفَتِقٍ
لَا فِي الرِّجَالِ وَلَا النِّسْوَانِ مَعْدُودُ٥٤٨
أَكُلَّمَا اغْتَالَ عَبْدُ السُّوءِ سَيِّدَهُ
أَوْ خَانَهُ فَلَهُ فِي مِصْرَ تَمْهِيدُ٥٤٩
صَارَ الْخَصِيُّ إِمَامَ الْآبِقِينَ بِهَا
فَالْحُرُّ مُسْتَعْبَدٌ وَالْعَبْدُ مَعْبُودُ٥٥٠
نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصْرٍ عَنْ ثَعَالِبِهَا
فَقَدْ بَشِمْنَ وَمَا تَفْنَى الْعَنَاقِيدُ٥٥١
الْعَبْدُ لَيْسَ لِحُرٍّ صَالِحٍ بِأَخٍ
لَوْ أَنَّهُ فِي ثِيَابِ الْحُرِّ مَوْلُودُ٥٥٢
لَا تَشْتَرِ الْعَبْدَ إِلَّا وَالْعَصَا مَعَهُ
إِنَّ الْعَبِيدَ لَأَنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ٥٥٣
مَا كُنْتُ أَحْسَبُنِي أَحْيَا إِلَى زَمَنٍ
يُسِيءُ بِيِ فِيهِ كَلْبٌ وَهْوَ مَحْمُودُ٥٥٤
وَلَا تَوَهَّمْتُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ فُقِدُوا
وَأَنَّ مِثْلَ أَبِي الْبَيْضَاءِ مَوْجُودُ٥٥٥
وَأَنَّ ذَا الْأَسْوَدَ الْمَثْقُوبَ مِشْفَرُهُ
تُطِيعُهُ ذِي الْعَضَارِيطِ الرَّعَادِيدُ٥٥٦
جَوْعَانُ يَأْكُلُ مِنْ زَادِي وَيُمْسِكُنِي
لِكَيْ يُقَالَ: عَظِيمُ الْقَدْرِ مَقْصُودُ!٥٥٧
إِنَّ امْرَأً أَمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُ
لَمُسْتَضَامٌ سَخِينُ الْعَيْنِ مَفْئُودُ٥٥٨
وَيْلُمِّهَا خُطَّةً وَيْلُمِّ قَابِلِهَا!
لِمِثْلِهَا خُلِقَ الْمَهْرِيَّةُ الْقُودُ٥٥٩
وَعِنْدَهَا لَذَّ طَعْمَ الْمَوْتِ شَارِبُهُ
إِنَّ الْمَنِيَّةَ عِنْدَ الذُّلِّ قِنْدِيدُ٥٦٠
مَنْ عَلَّمَ الْأَسْوَدَ الْمَخْصِيَّ مَكْرُمَةً
أَقَوْمُهُ الْبِيضُ أَمْ آبَاؤُهُ الصِّيدُ٥٦١
أَمْ أُذْنُهُ فِي يَدِي النَّخَّاسِ دَامِيَةً
أَمْ قَدْرُهُ وَهْوَ بِالْفَلْسَيْنِ مَرْدُودُ٥٦٢
أَوْلَى اللِّئَامِ كُوَيفِيرٌ بِمَعْذِرَةٍ
فِي كُلِّ لُؤْمٍ وَبَعْضُ الْعُذْرِ تَفْنِيدُ٥٦٣
وَذَاكَ أَنَّ الْفُحُولَ الْبِيضَ عَاجِزَةٌ
عَنِ الْجَمِيلِ فَكَيْفَ الْخِصْيَةُ السُّودُ؟!٥٦٤

وقال يمدح أبا الفضل محمد بن الحسين بن العميد، ويهنئه بعيد النيروز، ويصف سيفًا قلده إياه، وفرسًا حمله عليه، وجائزة وصله بها، وكان قد عاب قصيدته الرائية الآتية:

جَاءَ نَيْرُوزُنَا وَأَنْتَ مُرَادُهُ
وَوَرَتْ بِالَّذِي أَرَادَ زِنَادُهْ٥٦٥
هَذِهِ النَّظْرَةُ الَّتِي نَالَهَا مِنْـ
ـكَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَوْلِ زَادُهْ٥٦٦
يَنْثَنِي عَنْكَ آخِرَ الْيَوْمِ مِنْهُ
نَاظِرٌ أَنْتَ طَرْفُهُ وَرُقَادُهْ٥٦٧
نَحْنُ فِي أَرْضِ فَارِسٍ فِي سُرُورٍ
ذَا الصَّبَاحُ الَّذِي نَرَى مِيلَادُهْ٥٦٨
عَظَّمَتْهُ مَمَالِكُ الْفُرْسِ حَتَّى
كُلُّ أَيَّامِ عَامِهِ حُسَّادُهْ٥٦٩
مَا لَبِسْنَا فِيهِ الْأَكَالِيلَ حَتَّى
لَبِسَتْهَا تِلَاعُهُ وَوِهَادُهْ٥٧٠
عِنْدَ مَنْ لَا يُقَاسُ كِسْرَى أَبُو سَا
سَانَ مُلْكًا بِهِ وَلَا أَوْلَادُهْ٥٧١
عَرَبِيٌّ لِسَانُهُ، فَلْسَفِيٌّ
رَأْيُهُ، فَارِسِيَّةٌ أَعْيَادُهْ٥٧٢
كُلَّمَا قَالَ نَائِلٌ: أَنَا مِنْهُ
سَرَفٌ، قَالَ آخَرٌ: ذَا اقْتِصَادُهْ٥٧٣
كَيْفَ يَرْتَدُّ مَنْكِبِي عَنْ سَمَاءٍ
وَالنِّجَادُ الَّذِي عَلَيْهِ نِجَادُهْ؟٥٧٤
قَلَّدَتْنِي يَمِينُهُ بِحُسَامٍ
أَعْقَبَتْ مِنْهُ وَاحِدًا أَجْدَادُهْ٥٧٥
كُلَّمَا اسْتَلَّ ضَاحَكَتْهُ إِيَاةٌ
تَزْعُمُ الشَّمْسُ أَنَّهَا أَرْآدُهْ٥٧٦
مَثَّلُوهُ فِي جَفْنِهِ خَشْيَةَ الْفَقْـ
ـدِ فَفِي مِثْلِ أَثْرِهِ إِغْمَادُهْ٥٧٧
مُنْعَلٌ لَا مِنَ الْحَفَا ذَهَبًا يَحْـ
ـمِلُ بَحْرًا فِرِنْدُهُ إِزْبَادُهْ٥٧٨
يَقْسِمُ الْفَارِسَ الْمُدَجَّجَ لَا يَسْـ
ـلَمُ مِنْ شَفْرَتَيْهِ إِلَّا بِدَادُهْ٥٧٩
جَمَعَ الدَّهْرُ حَدَّهُ وَيَدَيْهِ
وَثَنَائِي فَاسْتَجْمَعَتْ آحَادُهْ٥٨٠
وَتَقَلَّدَتْ شَامَةً فِي نَدَاهُ
جِلْدُهَا مُنْفِسَاتُهُ وَعَتَادُهْ٥٨١
فَرَّسَتْنَا سَوَابِقٌ كُنَّ فِيهِ
فَارَقَتْ لِبْدَهُ وَفِيهَا طِرَادُهْ٥٨٢
وَرَجَتْ رَاحَةً بِنَا لَا تَرَاهَا
وَبِلَادٌ تَسِيرُ فِيهَا بِلَادُهْ٥٨٣
هَلْ لِعُذْرِي عِنْدَ الْهُمَامِ أَبِي الْفَضْـ
ـلِ قَبُولٌ سَوَادُ عَيْنِي مِدَادُهْ٥٨٤
أَنَا مِنْ شِدَّةِ الْحَيَاءِ عَلِيلٌ
مَكْرُمَاتِ الْمُعِلِّهِ عُوَّادُهْ٥٨٥
مَا كَفَانِي تَقْصِيرُ مَا قُلْتُ فِيهِ
عَنْ عُلَاهُ حَتَّى ثَنَاهُ انْتِقَادُهْ٥٨٦
إِنَّنِي أَصْيَدُ الْبُزَاةِ وَلَكِنَّ
أَجَلَّ النُّجُومِ لَا أَصْطَادُهْ٥٨٧
رُبَّ مَا لَا يُعَبِّرُ اللَّفْظُ عَنْـ
ـهُ وَالَّذِي يُضْمِرُ الْفُؤَادُ اعْتِقَادُهْ٥٨٨
مَا تَعَوَّدْتُ أَنْ أَرَى كَأَبِي الْفَضْـ
ـلِ وَهَذَا الَّذِي أَتَاهُ اعْتِيَادُهْ٥٨٩
إِنَّ فِي الْمَوْجِ لِلْغَرِيقِ لَعُذْرًا
وَاضِحًا أَنْ يَفُوتَهُ تَعْدَادُهْ٥٩٠
لِلنَّدَى الْغَلْبُ إِنَّهُ فَاضَ وَالشِّعْـ
ـرُ عِمَادِي وَابْنُ الْعَمِيدِ عِمَادُهْ٥٩١
نَالَ ظَنِّي الْأُمُورَ إِلَّا كَرِيمًا
لَيْسَ لِي نُطْقُهُ وَلَا فِي آدُهْ٥٩٢
ظَالِمُ الْجُودِ كُلَّمَا حَلَّ رَكْبٌ
سِيمَ أَنْ تَحْمِلَ الْبِحَارَ مَزَادُهْ٥٩٣
غَمَرَتْنِي فَوَائِدٌ شَاءَ فِيهَا
أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مِمَّا أُفَادُهْ٥٩٤
مَا سَمِعْنَا بِمَنْ أَحَبَّ الْعَطَايَا
فَاشْتَهَى أَنْ يَكُونَ فِيهَا فُؤَادُهْ٥٩٥
خَلَقَ اللهُ أَفْصَحَ النَّاسِ طُرًّا
فِي مَكَانٍ أَعْرَابُهُ أَكْرَادُهْ٥٩٦
وَأَحَقَّ الْغُيُوثِ نَفْسًا بِحَمْدٍ
فِي زَمَانٍ كُلُّ النُّفُوسِ جَرَادُهْ٥٩٧
مِثْلَمَا أَحْدَثَ النُّبُوَّةَ فْي الْعَا
لَمِ وَالْبَعْثَ حِينَ شَاعَ فَسَادُهْ٥٩٨
زَانَتِ اللَّيْلَ غُرَّةُ الْقَمَرِ الطَّا
لِعِ فِيهِ وَلَمْ يَشِنْهُ سَوَادُهْ٥٩٩
كَثُرَ الْفِكْرُ كَيْفَ نُهْدِي كَمَا أَهْـ
ـدَتْ إِلَى رَبِّهَا الرَّئِيسِ عِبَادُهْ
وَالَّذِي عِنْدَنَا مِنَ الْمَالِ وَالْخَيْـ
ـلِ فَمِنْهُ هِبَاتُهُ وَقِيَادُهْ٦٠٠
فَبَعَثْنَا بِأَرْبَعِينَ مِهَارًا
كُلُّ مُهْرٍ مَيْدَانُهُ إِنْشَادُهْ٦٠١
عَدَدٌ عِشْتَهُ يَرَى الْجِسْمَ فِيهِ
أَرَبًا لَا يَرَاهُ فِيمَا يُزَادُهْ٦٠٢
فَارْتَبِطْهَا فَإِنَّ قَلْبًا نَمَاهَا
مَرْبَطٌ تَسْبِقُ الْجِيَادَ جِيَادُهْ٦٠٣

وورد عليه كتاب ابن العميد يتشوقه، فقال ارتجالًا:

بِكُتْبِ الْأَنَامِ كِتَابٌ وَرَدْ
فَدَتْ يَدَ كَاتِبِهِ كُلُّ يَدْ٦٠٤
يُعَبِّرُ عَمَّا لَهُ عِنْدَنَا
وَيَذْكُرُ مِنْ شَوْقِهِ مَا نَجِدْ٦٠٥
فَأَخْرَقَ رَائِيَهُ مَا رَأَى
وَأَبْرَقَ نَاقِدَهُ مَا انْتَقَدْ٦٠٦
إِذَا سَمِعَ النَّاسُ أَلْفَاظَهُ
خَلَقْنَ لَهُ فِي الْقُلُوبِ الْحَسَدْ٦٠٧
فَقُلْتُ، وَقَدْ فَرَسَ النَّاطِقِينَ:
كَذَا يَفْعَلُ الْأَسَدُ ابْنُ الْأَسَدْ٦٠٨

وورد عليه كتاب عضد الدولة يستزيره؛ فقال عند مسيره مودعًا ابن العميد سنة أربع وخمسين وثلاثمائة:

نَسِيتُ وَمَا أَنْسَى عِتَابًا عَلَى الصَّدِّ
وَلَا خَفَرًا زَادَتْ بِهِ حُمْرَةُ الْخَدِّ٦٠٩
وَلَا لَيْلَةً قَصَّرْتُهَا بِقَصُورَةٍ
أَطَالَتْ يَدِي فِي جِيدِهَا صُحْبَةَ الْعِقْدِ٦١٠
وَمَنْ لِي بِيَوْمٍ مِثْلِ يَوْمٍ كَرِهْتُهُ
قَرُبْتُ بِهِ عِنْدَ الْوَدَاعِ مِنَ الْبُعْدِ٦١١
وَأَنْ لَا يَخُصُّ الْفَقْدُ شَيْئًا فَإِنَّنِي
فَقَدْتُ فَلَمْ أَفْقِدْ دُمُوعِي وَلَا وَجْدِي٦١٢
تَمَنٍّ يَلَذُّ الْمُسْتَهَامُ بِمِثْلِهِ
وَإِنْ كَانَ لَا يُغْنِي فَتِيلًا وَلَا يُجْدِي٦١٣
وَغَيْظٌ عَلَى الْأَيَّامِ كَالنَّارِ فِي الْحَشَا
وَلَكِنَّهُ غَيْظُ الْأَسِيرِ عَلَى الْقِدِّ٦١٤
فَإِمَّا تَرَيْنِي لَا أُقِيمُ بِبَلْدَةٍ
فَآفَةُ غِمْدِي فِي دُلُوقِي وَفِي حَدِّي٦١٥
يَحُلُّ الْقَنَا يَوْم الطِّعَانِ بِعَقْوَتِي
فَأَحْرِمُهُ عِرْضِي وَأُطْعِمُهُ جِلْدِي٦١٦
تُبَدِّلُ أَيَّامِي وَعَيْشِي وَمَنْزِلِي
نَجَائِبُ لَا يُفْكِرْنَ فِي النَّحْسِ وَالسَّعْدِ٦١٧
وَأَوْجُهُ فِتْيَانٍ حَيَاءً تَلَثَّمُوا
عَلَيْهِنَّ لَا خَوْفًا مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ٦١٨
وَلَيْسَ حَيَاءُ الْوَجْهِ فِي الذِّئْبِ شِيمَةٌ
وَلَكِنَّهُ مِنْ شِيمَةِ الْأَسَدِ الْوَرْدِ٦١٩
إِذَا لَمْ تُجِزْهُمْ دَارَ قَوْمٍ مَوَدَّةٌ
أَجَازَ الْقَنَا، وَالْخَوْفُ خَيْرٌ مِنَ الْوُدِّ٦٢٠
يَحِيدُونَ عَنْ هَزْلِ الْمُلُوكِ إِلَى الَّذِي
تَوَفَّرَ مِنْ بَيْنَ الْمُلُوكِ عَلَى الْجِدِّ٦٢١
وَمَنْ يَصْحَبِ اسْمَ ابْنِ الْعَمِيدِ مُحَمَّدٍ
يَسِرْ بَيْنَ أَنْيَابِ الْأَسَاوِدِ وَالْأُسْدِ٦٢٢
يَمُرُّ مِنَ السُّمِّ الْوَحِيِّ بِعَاجِزٍ
وَيَعْبُرُ مِنْ أَفْوَاهِهِنَّ عَلَى دُرْدِ٦٢٣
كَفَانَا الرَّبِيعُ الْعِيسَ مِنْ بَرَكَاتِهِ
فَجَاءَتْهُ لَمْ تَسْمَعْ حُدَاءً سِوَى الرَّعْدِ٦٢٤
إِذَا مَا اسْتَجَبْنَ الْمَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ
كَرِعْنَ بِسِبْتٍ فِي إِنَاءٍ مِنَ الْوَرْدِ٦٢٥
كَأَنَّا أَرَادَتْ شُكْرَنَا الْأَرْضُ عِنْدَهُ
فَلَمْ يُخْلِنَا جَوٌّ هَبَطْنَاهُ مِنْ رِفْدِ٦٢٦
لَنَا مَذْهَبُ الْعُبَّادِ فِي تَرْكِ غَيْرِهِ
وَإِتْيَانِهِ نَبْغِي الرَّغَائِبَ بِالزُّهْدِ٦٢٧
رَجَوْنَا الَّذِي يَرْجُونَ فِي كُلِّ جَنَّةٍ
بِأَرْجَانَ حَتَّى مَا يَئِسْنَا مِنَ الْخُلْدِ٦٢٨
تَعَرَّضُ لِلزُّوَّارِ أَعْنَاقُ خَيْلِهِ
تَعَرُّضَ وَحْشٍ خَائِفَاتٍ مِنَ الطَّرْدِ٦٢٩
وَتَلْقَى نَوَاصِيهَا الْمَنَايَا مُشِيحَةً
وُرُودَ قَطًا صُمٍّ تَشَايَحْنَ فِي وِرْدِ٦٣٠
وَتَنْسُبُ أَفْعَالُ السُّيُوفِ نُفُوسَهَا
إِلَيْهِ وَيَنْسُبْنَ السُّيُوفَ إِلَى الْهِنْدِ٦٣١
إِذَا الشُّرَفَاءُ الْبِيضُ مَتُّوا بِقَتْوِهِ
أَتَى نَسَبٌ أَعْلَى مِنَ الْأَبِ وَالْجَدِّ٦٣٢
فَتًى فَاتَتِ الْعَدْوَى مِنَ النَّاسِ عَيْنُهُ
فَمَا أَرْمَدَتْ أَجْفَانَهُ كَثْرَةُ الرُّمْدِ
وَخَالَفَهُمْ خَلْقًا وَخُلْقًا وَمَوْضِعًا
فَقَدْ جَلَّ أَنْ يُعْدَى بِشَيْءٍ وَأَنْ يُعْدِي٦٣٣
يُغَيِّرُ أَلْوَانَ اللَّيَالِي عَلَى الْعِدَى
بِمَنْشُورَةِ الرَّايَاتِ مَنْصُورَةِ الْجُنْدِ٦٣٤
إِذَا ارْتَقَبُوا صُبْحًا رَأَوْا قَبْلَ ضَوْئِهِ
كَتَائِبَ لَا يَرْدِ الصَّبَاحُ كَمَا تَرْدِي٦٣٥
وَمَبْثُوثَةً لَا تُتَّقَى بِطَلِيعَةٍ
وَلَا يُحْتَمَى مِنْهَا بِغَوْرٍ وَلَا نَجْدِ٦٣٦
يَغُصْنَ إِذَا مَا عُدْنَ فِي مُتَفَاقِدٍ
مِنَ الْكُثْرِ غَانٍ بِالْعَبِيدِ عَنِ الْحَشْدِ٦٣٧
حَثَتْ كُلُّ أَرْضٍ تُرْبَةً فِي غُبَارِهِ
فَهُنَّ عَلَيْهِ كَالطَّرَائِقِ فِي الْبُرْدِ٦٣٨
فَإِنْ يَكُنِ الْمَهْدِيُّ مَنْ بَانَ هَدْيُهُ
فَهَذا، وَإِلَّا فَالْهُدَى ذَا فَمَا الْمَهْدِي؟٦٣٩
يُعَلِّلُنَا هَذَا الزَّمَانُ بِذَا الْوَعْدِ
وَيَخْدَعُ عَمَّا فِي يَدَيْهِ مِنَ النَّقْدِ٦٤٠
هَلِ الْخَيْرُ شَيْءٌ لَيْسَ بِالْخَيْرِ غَائِبٌ
أَمِ الرُّشْدُ شَيْءٌ غَائِبٌ لَيْسَ بِالرُّشْدِ؟!٦٤١
أَأَحْزَمَ ذِي لُبٍّ وَأَكْرَمَ ذِي يَدٍ
وَأَشْجَعَ ذِي قَلْبٍ وَأَرْحَمَ ذِي كَبِدِ
وَأَحْسَنَ مُعْتَمٍّ جُلُوسًا وَرِكْبَةً
عَلَى الْمِنْبَرِ الْعَالِي أَوِ الْفَرَسِ النَّهْدِ٦٤٢
تَفَضَّلَتِ الْأَيَّامُ بِالْجَمْعِ بَيْنَنَا
فَلَمَّا حَمِدْنَا لَمْ تُدِمْنَا عَلَى الْحَمْدِ٦٤٣
جَعَلْنَ وَدَاعِي وَاحِدًا لِثَلَاثَةٍ
جَمَالِكَ وَالْعِلْمِ الْمُبَرِّحِ وَالْمَجْدِ٦٤٤
وَقَدْ كُنْتُ أَدْرَكْتُ الْمُنَى غَيْرَ أَنَّنِي
يُعَيِّرُنِي أَهْلِي بِإِدْرَاكِهَا وَحْدِي٦٤٥
وَكُلُّ شَرِيكٍ فِي السُّرُورِ بِمُصْبَحِي
أَرَى بَعْدَهُ مَنْ لَا يَرَى مِثْلَهُ بَعْدِي٦٤٦
فَجُدْ لِي بِقَلْبٍ إِنْ رَحَلْتُ فَإِنَّنِي
مُخَلِّفُ قَلْبِي عِنْدَ مَنْ فَضْلُهُ عِنْدِي٦٤٧
وَلَوْ فَارَقَتْ نَفْسِي إِلَيْكَ حَيَاتَهَا
لَقُلْتُ: أَصَابَتْ غَيْرَ مَذْمُومَةِ الْعَهْدِ٦٤٨

وقال يمدح عضد الدولة أبا شجاع ويذكر هزيمة وهشُوذان:

أَزَاَئِرٌ يَا خَيَالُ أَمْ عَائِدْ
أَمْ عِنْدَ مَوْلَاكَ أَنَّنِي رَاقِدْ٦٤٩
لَيْسَ كَمَا ظَنَّ غَشْيَةٌ عَرَضَتْ
فَجِئْتَنِي فِي خِلَالِهَا قَاصِدْ٦٥٠
عُدْ وَأَعِدْهَا فَحَبَّذَا تَلَفٌ
أَلْصَقَ ثَدْيِي بِثَدْيِكَ النَّاهِدْ٦٥١
وَجُدْتَ فِيهِ بِمَا يَشِحُّ بِهِ
مِنَ الشَّتِيتِ الْمُؤَشَّرِ الْبَارِدْ٦٥٢
إِذَا خَيَالَاتُهُ أَطَفْنَ بِنَا
أَضْحَكَهُ أَنَّنِي لَهَا حَامِدْ٦٥٣
وَقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ قَضَى أَرَبًا
مِنَّا فَمَا بَالُ شَوْقِهِ زَائِدْ٦٥٤
لَا أَجْحَدُ الْفَضْلَ رُبَّمَا فَعَلَتْ
مَا َلَمْ يَكُنْ فَاعِلًا وَلَا وَاعِدْ٦٥٥
لَا تَعْرِفُ الْعَيْنُ فَرْقَ بَيْنِهِمَا
كُلٌّ خَيَالٌ وِصَالُهُ نَافِدْ٦٥٦
يَا طَفْلَةَ الْكَفِّ عَبْلَةَ السَّاعِدْ
عَلَى الْبَعِيرِ الْمُقَلَّدِ الْوَاخِدْ٦٥٧
زِيدِي أَذَى مُهْجَتِي أَزِدْكِ هَوًى
فَأَجْهَلُ النَّاسِ عَاشِقٌ حَاقِدْ٦٥٨
حَكَيْتَ يَا لَيْلُ فَرْعَهَا الْوَارِدْ
فَاحْكِ نَوَاهَا لِجَفْنِيَ السَّاهِدْ٦٥٩
طَالَ بُكَائِي عَلَى تَذَكُّرِهَا
وَصُلْتَ حَتَّى كِلَاكُمَا وَاحِدْ٦٦٠
مَا بَالُ هَذِي النُّجُومِ حَائِرَةً
كَأَنَّهَا الْعُمْيُ مَا لَهَا قَائِدْ٦٦١
أَوْ عُصْبَةٌ مِنْ مُلُوكِ نَاحِيَةٍ
أَبُو شُجَاعٍ عَلَيْهِمِ وَاجِدْ٦٦٢
إِنْ هَرَبُوا أُدْرِكُوا وَإِنْ وَقَفُوا
خَشُوا ذَهَابَ الطَّرِيفِ وَالتَّالِدْ٦٦٣
فَهُمْ يُرَجُّونَ عَفْوَ مُقْتَدِرٍ
مُبَارَكِ الْوَجْهِ جَائِدٍ مَاجِدْ٦٦٤
أَبْلَجَ لَوْ عَاذَتِ الْحَمَامُ بِهِ
مَا خَشِيَتْ رَامِيًا وَلَا صَائِدْ
أَوْ رَعَتِ الْوَحْشُ وَهْيَ تَذْكُرُهُ
مَا رَاعَهَا حَابِلٌ وَلَا طَارِدْ٦٦٥
تُهْدِي لَهُ كُلُّ سَاعَةٍ خَبَرًا
عَنْ جَحْفَلٍ تَحْتَ سَيْفِهِ بَائِدْ٦٦٦
وَمُوضِعًا فِي فِتَانِ نَاجِيَةٍ
يَحْمِلُ فِي التَّاجِ هَامَةَ الْعَاقِدْ٦٦٧
يَا عَضُدًا رَبُّهُ بِهِ الْعَاضِدْ
وَسَارِيًا يَبْعَثُ الْقَطَا الْهَاجِدْ٦٦٨
وَمُمْطِرَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ مَعًا
وَأَنْتَ لَا بَارِقٌ وَلَا رَاَعِدْ٦٦٩
نِلْتَ وَمَا نِلْتَ مِنْ مَضَرَّةِ وَهْشُو
ذَانَ مَا نَالَ رَأْيُهُ الْفَاسِدْ٦٧٠
يَبْدَأُ مِنْ كَيْدِهِ بِغَايَتِهِ
وَإِنَّمَا الْحَرْبُ غَايَةُ الْكَائِدْ٦٧١
مَاذَا عَلَى مَنْ أَتَى يُحَارِبُكُمْ
فَذَمَّ مَا اخْتَارَ لَوْ أَتَى وَافِدْ
بِلَا سِلَاحٍ سِوَى رَجَائِكُمْ
فَفَازَ بِالنَّصْرِ، وَانْثَنَى رَاشِدْ٦٧٢
يُقَارِعُ الدَّهْرَ مَنْ يُقَارِعُكُمْ
عَلَى مَكَانِ الْمَسُودِ وَالسَّائِدْ٦٧٣
وَلَيْت يَوْمَيْ فَنَاءِ عَسْكَرِهِ
وَلَمْ تَكُنْ دَانِيًا وَلَا شَاهِدْ٦٧٤
وَلَمْ يَغِبْ غَائِبٌ خَلِيفَتُهُ
جَيْشُ أَبِيهِ وَجَدُّهُ الصَّاعِدْ٦٧٥
وَكُلُّ خَطِيَّةٍ مُثَقَّفَةٍ
يَهُزُّهَا مَارِدٌ عَلَى مَارِدْ٦٧٦
سَوَافِكٌ مَا يَدَعْنَ فَاصِلَةً
بَيْنَ طَرِيِّ الدِّمَاءِ وَالْجَاسِدْ٦٧٧
إِذَا الْمَنَايَا بَدَتْ فَدَعْوَتُهَا
أُبْدِلَ نُونًا بِدَالِهِ الْحَائِدْ٦٧٨
إِذَا دَرَى الْحِصْنُ مَنْ رَمَاهُ بِهَا
خَرَّ لَهَا فِي أَسَاسِهِ سَاجِدْ٦٧٩
مَا كَانَتِ الطرْمُ فِي عَجَاجَتِهَا
إِلَّا بَعِيرًا أَضَلَّهُ نَاشِدْ٦٨٠
تَسْأَلُ أَهْلَ الْقِلَاعِ عَنْ مَلِكٍ
قَدْ مَسَخَتْهُ نَعَامَةً شَارِدْ٦٨١
تَسْتَوْحِشُ الْأَرْضُ أَنْ تَقِرَّ بِهِ
فَكُلُّهَا مُنْكِرٌ لَهُ جَاحِدْ٦٨٢
فَلَا مُشَادٌ وَلَا مُشِيدٌ حَمَى
وَلَا مَشِيدٌ أَغْنَى وَلَا شَائِدْ٦٨٣
فَاغْتَظْ بِقَوْمٍ وَهْشُوذَ مَا خُلِقُوا
إِلَّا لِغَيْظِ الْعَدُوِّ وَالْحَاسِدْ٦٨٤
رَأَوْكَ لَمَّا بَلَوْكَ نَابِتَةً
يَأْكُلُهَا قَبْلَ أَهْلِهِ الرَّائِدْ٦٨٥
وَخَلِّ زِيًّا لِمَنْ يُحَقِّقُهُ
مَا كُلُّ دَامٍ جَبِينُهُ عَابِدْ٦٨٦
إِنْ كَانَ لَمْ يَعْمِدِ الْأَمِيرُ لِمَا
لَقِيتَ مِنْهُ فَيُمْنُهُ عَامِدْ٦٨٧
يُقْلِقُهُ الصُّبْحُ لَا يَرَى مَعَهُ
بُشْرَى بِفَتْحٍ كَأَنَّهُ فَاقِدْ٦٨٨
وَالْأَمْرُ لِلهِ رُبَّ مُجْتَهِدٍ
مَا خَابَ إِلَّا لِأَنَّهُ جَاهِدْ٦٨٩
وَمُتَّقٍ وَالسِّهَامُ مُرْسَلَةٌ
يَحِيدُ عَنْ حَابِضٍ إِلَى صَارِدْ٦٩٠
فَلَا يُبَلْ قَاتِلٌ أَعَادِيَهُ
أَقَائِمًا نَالَ ذَاكَ أَمْ قَاعِدْ٦٩١
لَيْتَ ثَنَائِي الَّذِي أَصُوغُ فِدَى
مَنْ صِيغَ فِيهِ فَإِنَّهُ خَالِدْ٦٩٢
لَوَيْتُهُ دُمْلُجًا عَلَى عَضُدٍ
لِدَوْلَةٍ رُكْنُهَا لَهُ وَالِدْ٦٩٣

وقال في صباه:

وَشَادِنٍ رُوحُ مَنْ يَهْوَاهُ فِي يَدِهِ
سَيْفُ الصُّدُودِ عَلَى أَعْلَى مُقَلَّدِهِ٦٩٤
مَا اهْتَزَّ مِنْهُ عَلَى عُضْوٍ لِيَبْتُرَهُ
إِلَّا اتَّقَاهُ بِتُرْسٍ مِنْ تَجَلُّدِهِ٦٩٥
ذَمَّ الزَّمَانُ إِلَيْهِ مِنْ أَحِبَّتِهِ
مَا ذَمَّ مِنْ بَدْرِهِ فِي حَمْدِ أَحْمَدِهِ٦٩٦
شَمْسٌ إِذَا الشَّمْسُ لَاقَتْهُ عَلَى فَرَسٍ
تَرَدَّدَ النُّورُ فِيهَا مِنْ تَرَدُّدِهِ٦٩٧
إِنْ يَقْبُحِ الْحُسْنُ إِلَّا عِنْدَ طَلْعَتِهِ
فَالْعَبْدُ يَقْبُحُ إِلَّا عِنْدَ سَيِّدِهِ٦٩٨
قَالَتْ: عَنِ الرِّفْدِ طِبْ نَفْسًا، فَقُلْتُ لَهَا:
لَا يَصْدُرُ الْحُرُّ إِلَّا بَعْدَ مَوْرِدِهِ٦٩٩
لَمْ أَعْرِفِ الَخَيْرَ إِلَّا مُذْ عَرَفْتُ فَتًى
لَمْ يُولَدِ الْجُودُ إِلَّا عِنْدَ مَوْلِدِهِ
نَفْسٌ تُصَغِّرُ نَفْسَ الدَّهْرِ مِنْ كِبَرٍ
لَهَا نُهَى كَهْلِهِ فِي سِنِّ أَمْرَدِهِ٧٠٠

هوامش

(١) سدك الشيء بالشيء: لزمه، والعلة: المرض، والمورود: المحموم في لغة أهل اليمن، وقد وردته الحمى فهو مورود، قال ذو الرمة:
كَأَنَّنِي مِنْ حِذَارِ الْبَيْنِ مَوْرُودُ
والورد يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت، ويقال: أكل الرطب موردة؛ أي محمة، وقال أعرابي لآخر: ما أمار إفراق المورود؟ فقال: الرحضاء، ويروى بمولود. يقول: ما لزمت علة مورودًا أكرم من هذا الرجل.
(٢) أصدق المواعيد: الموت. يقول: إنه يأنف من موته على الفراش؛ لأنه شجاع أخو حروب، وهذا ينظر إلى قول أبي تمام:
لَوْ لَمْ يَمُتْ بَيْنَ أَطْرَافِ الرِّمَاحِ إِذَنْ
لمَاتَ إِذْ لَمْ يَمُتْ مِنْ شِدَّةِ الْحَزَنِ
(٣) القود: الطوال من الخيل. يقول: مثله في شجاعته وملابسته الحروب ينكر موته على غير السروج؛ أي في غير الحروب. يحكى عن خالد بن الوليد أنه قال وهو يحتضر: «ليس في جسدي موضع شبر إلا وفيه طعنة أو ضربة أو رمية، وها أنا ذا أموت موت الحمار، فلا نامت أعين الجبناء.»
(٤) يقول: مثله ينكر موته على الفراش بعد أن كانت الرماح تتعثر بصدره في الحرب، وبعد ضربه رءوس الأبطال، وتعثر الرماح بصدره: إصابتها إياه، وجعله مطعونًا إشارة إلى أن قرنه يخاف جانبه فيقاتله بالرمح، وجعله ضاربًا إشارة إلى أنه لا يخاف أن يدنو من قرنه، والصناديد جمع صنديد وهو السيد الشجاع، ومنه الصناديد من الأمور وهي الشدائد والدواهي، وكان الحسن يقول: نعوذ بالله من صناديد القدر؛ أي من دواهيه ونوائبه العظام الغوالب، ومن جنون العمل؛ وهو الإعجاب، ومن ملخ الباطل، وهو التبختر فيه.
(٥) الغمر: الكثير، والمراد هنا أصعب مواضع الحروب، والذمر: الشجاع، والرعديد: الجبان. يقول: وبعد خوضه كل حومة في الحرب صعبة إذا خاضها الشجاع خاف خوف الجبان.
(٦) صبر: جمع صبور. يقول: فإن صبرنا على فقده فإن الصبر عادة لنا، وإن بكينا لم يردده علينا البكاء، فلا نفع في البكاء ولا غناء، وإن شئت قلت: فغير مردود؛ أي لم يرد علينا البكاء؛ أي لا نعاب به؛ لاستحقاقه ذلك وشدة الفجيعة به.
(٧) شبهه بالبحر وشبه موته بالجزر، يقول: وإن جزعنا لموته فلا عجب؛ لأن مثل هذا الجزر لم يعهد في البحر؛ إذ المعهود في البحر إذا جزر أن يتراجع ماؤه حسب، ولكن لم يعهد فيه أن يجزر حتى ينضب ويجف، والمعنى: قد تقع المصائب، ولكن لم تعهد مثل هذه المصيبة، وهذا كقول أعشى باهلة:
فَإِنْ جَزِعْنَا فَمِثْلُ الشَّرِّ أَجْزَعَنَا
وَإِنْ صَبَرْنَا فَإِنَّا مَعْشَرٌ صُبرُ
أخذه أبو تمام فقال:
فَلَئِنْ صَبَرْتُ فَأَنْتَ كَوْكَبُ مَعْشَرٍ
صَبَرُوا وَإِنْ تَجْزَعْ فَغَيْرُ مُفَنَّدِ
وأخذه الخريمي فقال:
وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَمًا لَبَكَيْتُهُ
عَلَيْهِ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ
(٨) الزرافات: الجماعات، والمراد بالمواحيد: الأفراد، كأنه أخذها من مواحيد الجبال، وهي أكمات منفردات كل واحدة بائنة عن الأخرى، يقول: إن العطاء انقطع بموته، وانقطع ما كان يعطي الجماعات والأفراد من الهبات.
(٩) يقول: إن الذي يسلم من القوم المتحابين بعد ذهاب أصحابه إنما يسلم ليحزن لفقدهم، لا ليخلد؛ لأنه يتبعهم، وإن تأخر أجله عن آجالهم.
(١٠) قال ابن جني: أحمد حاليه أن يبقى بعد صديقه، وذلك غير محمود لتعجل الحزن: فحالاه الموت والحياة؛ أي وإذا كانت الحياة — وهي أحمد حالي الزمان — غير محمودة لأنها تقطع بالحزن على الراحلين، فماذا ترجى من الزمان؟ وقال الواحدي؛ أي لا رجاء عند زمان أحمد حاليه البقاء وهو غير محمود؛ لأن معجله بلاء ومؤجله فناء، وإن شئت قلت: أحمد حاليه البقاء، ومن بقي شاب، والشيب مكروه مذموم. فيكون كما قال محمود الوراق:
يَهْوَى الْبَقَاءَ فَإِنْ مُدَّ الْبَقَاءُ لَهُ
وَسَاعَدَتْ نَفْسَهُ فِيهِ أَمَانِيهَا
أَبْقَى الْبَقَاءُ لَهُ فِي نَفْسِهِ شُغُلًا
مِمَّا يُرَى مِنْ تَصَارِيفِ الْبَلَا فِيهَا
(١١) عجم العود: عضه ليعرف أصلب هو أم رخو؟ وعجمت عوده: بلوت أمره وخبرت حاله. قال:
أَبَى عُودُكَ الْمَعْجُومُ إِلَّا صَلَابَةً
وَكَفَّاكَ إِلَّا نَائِلًا حِينَ تُسْأَلُ
يقول: قد طالت صحبتي للزمان، وقد جربني وعرف صلابتي وصبري على نوائبه.
(١٢) يقول: في من الجلادة والصبر ما يقارع الخطوب ويدافعها عن توهيني، ومن طول إلفتي للمحن ما نفى عني الجزع، وصيرني آنس بالمصائب، وعلى هذا يكون: وما آنسني عطفًا على ما قارع، ويجوز — كما قال العكبري — أن تكون ما — في وما آنسني — تعجبًا، وعبارة الواحدي: في ما يقارع الخطوب ويؤنسني بالمصائب العظام، وهو علمه بثواب المصابين كما قال : «ليودن أهل العافية يوم القيامة لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض … لما يرون من ثواب أهل البلاء.» والذي آنسه بالمصائب رأيه الذي يريه المخرج منها … والخطوب جمع خطب: الشدة تلقى الإنسان، والمصيبة إذا عظمت قيل: مصيبة سوداء.
(١٣) يقول: لما استغاثك وهو في أسر بني كلاب أغثته، واستنقذته من أيديهم، ولم تكن سيفًا مغمودًا عنه.
(١٤) يا أصيد الصيد، يا ملك الملوك، وأصل الصيد: داء يأخذ البعير في عنقه فلا يستطيع معه أن يلتفت يمنة أو يسرة، واستعمل في الملك والرجل العظيم صاحب النخوة، وأصيد أفعل وصف لا أفعل تفضيل والصيد جمعه، قال العكبري: وأصيد الصيد ها هنا بمعنى ملك الملوك، ولا يكون هنا أعظمهم صيدًا؛ لأن ذلك يفتح كما يفتح أعور العور أي أشدهم عورًا؛ لأن الخلق والعاهات لا يستعمل فيها أفعل ولا ما أفعله.
(١٥) اللغاديد: لحمات بين الحنك وصفحة العنق، وأنشره: أحياه، قال تعالى: ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ وقنا الخط: الرماح، والخط: موضع باليمامة تنسب إليه الرماح، وجعل أسره قبل ذلك موتًا قبل هذه الموتة. يقول: لقد مات قبل هذه الموتة بأسر الخارجي إياه، فنشرته من ذلك الموت بطعن الرماح في لغاديد الأعداء حتى استنقذته منهم.
(١٦) يقول: وأنشره سيرك ليلًا بجنودك لاستنقاذه، وقد سهروا خشية هجومك عليهم، فكأنك رميت عيونهم بالسهر، ورميت الليل بالجنود؛ إذ سرت فيه بجنودك، فقوله: ورميك، عطف على وقع القنا.
(١٧) الهاء — في رعالها — كناية عن الخيل، وإن لم تذكر، والرعال: جمع رعلة القطعة من الخيل، والضمير للجنود، والشزب: جمع شازب، وهو الضامر، والثبات: جمع ثبة، وهي الجماعة، والعباديد: الفرق، ولا واحد لها من لفظها. يقول: انصبت عليهم الخيل صباحًا زرافات ووحدانًا.
(١٨) انتقد الدراهم: قبضها، والأخاديد: جمع أخدود، وهو الشق في الأرض، كنى بما تحمل الأغماد عن السيوف؛ أي حملوا إليهم السيوف في الأغماد، وجعلوها فداءه؛ لأنهم استنقذوه بها، ولما جعل السيوف فداءً جعل الضرب بها مقبوضًا كما تقبض الدراهم والدنانير التي تدفع عادة في الفداء. يعني: إن فداء أبي وائل كان ضربًا أثر فيهم تأثير الأخدود في الأرض: أي نالتهم جراح واسعة كأنها الأخاديد.
(١٩) الفراش: عظام رقاق تلي قحف الرأس، والهام: الرءوس، والسيد: الذئب. يقول: إن هذا الضرب يقع في عظام رءوسهم، فتستنشق الذئاب والوحوش منه رائحة تدلها فتأتي لأكل لحومهم.
(٢٠) يقول: إن الحياة التي وهبتها له بعد تخليصك إياه من الأسر والقتل أفناها في بناء الشرف والسيادة شاكرًا لك تلك النعمة — نعمة الحياة — التي أنعمت عليه بها، ويجوز أن يكون التسويد إقراره بسيادة سيف الدولة، وشاكرًا: حال من ضمير أفنى، والتسويد: مصدر سوده أي جعله سيدًا.
(٢١) المنجود: المكروب، ويقال: استنجدني فأنجدته؛ أي استعان بي فأعنته، واستنجد الرجل أي قوي بعد ضعف أو مرض، ويقال للرجل إذا ضري بالرجل واجترأ عليه بعد هيبته إياه: قد استنجد عليه، وكان المرثي قد أصابته جراحة في الحرب فبقي فيها إلى أن مات. يقول: أفنى بقية حياته سقيم جسم بسبب هذه الجراحة، مكروبًا لتلك الجراحة، وهو مع ذلك عون المكروب.
(٢٢) الحمام: الموت، والمصفود: المقيد. يقول: بعد أن خلصته من أسر العدو غدا أسيرًا للموت، ومن قيد بالموت وصفد به لم يتخلص منه. هذا، وجملة قيده الحمام: مبتدأ وخبر في موضع نصب كأنه قال ثم غدا هو، وروي: قده الحمام، والقد: الغل والقيد، وروي: قده الحمام أي غدا الحمام قده.
(٢٣) يقول: من هلك من عشيرتك لا ينتقص به عددك؛ لأن الفلوات تضيق بأتباعك، ومن معك من الجيوش، ومن — في قوله من عدد — زائدة، وعدد: مفعول ينقص، ومنه عليٌّ: مبتدأ وخبر صفة لعدد، وعلي هو سيف الدولة.
(٢٤) الضمير — في ظهرها — للبيد، وأرواحها: رياحها، والمراويد: الرياح تجيء وتذهب. قال ذو الرمة:
يَا دَارَ مَيَّةَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا عَلَمًا
تَقَادُمُ الْعَهْدِ وَالْهُوجُ الْمَرَاوِيدُ
يقول: إن جيوشه تطلع على الفلوات، وتنتشر فيها انتشار الرياح عند هبوبها. يريد أن جيوشه كثيرة فهي تعم البيد كما تعمها الرياح عند هبوبها، وهذا على حد قوله:
إِذَا سَارَ فِي مَهْمَهٍ عَمَّهُ
وَإِنْ سَارَ فِي جَبَلٍ طَالَهُ
(٢٥) أراد بأول حرف من اسمه: العين؛ لأن اسمه علي، والسنبك: طرف الحافر، والجلاميد: الصخور. يقول: إن حوافر الخيل لشدة وقعها على الصخور كانت تطبع فيها أثرًا يشبه حرف العين في استدراته وفراغ وسطه.
(٢٦) يقول: مهما عزاه معز بهذا الميت، فلا عزاء بجوده وشجاعته؛ أي لا فقدهما، فالفتى: فاعل يعز، والأمير: منصوب بوقوع العزاء عليه، وتقديره: مهما يعز معز الأمير، والضمير في به: للميت، وروي — يعز الفتى الأمير — على أن الأمير صفة للفتى، والفتى: نائب فاعل يعز المبني لما لم يُسمَّ فاعله.
(٢٧) يقول: أمنيتنا أن يبقى على الدوام حتى يتقدمه كل من ولد فيعزى بهم، قال ابن جني: وهذا دعاء حسن، كما يقال للمعزي: جعلك الله وارث الجماعة، وهو أجود في المعنى من قولهم: لا أعاد الله إليك مصيبة أبدًا.
(٢٨) الخود: المرأة الناعمة الحسنة الخلق. يقول: إن اللواتي يعذلن هذه المرأة — التي هي صاحبة الخال على خدها — في لأجل محبتها إياي هن حواسد لها علي؛ لأنها ظفرت مني بضجيع ماجد.
(٢٩) يرد؛ أي الضجيع، والطيف: الخيال في النوم. يقول: إنني أعف عنها مع كوني قادرًا على ترك العفاف، وقد صار ذلك سجية لي حتى صرت أعف عن طيفها أيضًا إذا زارني في نومي. يصف نفسه بالعفة والرغبة عن مغازلة النساء، كما قال هدبة:
وَإِنِّي لَأُخْلِي لِلْفَتَاةِ فِرَاشَهَا
وَأَصْرِمُ ذَاتَ الدَّلِّ وَالْقَلْبُ آلِفُ
قال ابن جني: لو قدر على أن يقول موضع قادر: يقظان أو مستيقظ لكان أجود في الصناعة، ولكنه لم يقدر. قال أبو الفضل العروضي: هذا النقد — نقد ابن جني — غير جيد، وذلك أنه لو قال يقظان أو ساهر: لم يزد على معنى واحد، وهو الكف في حالة النوم واليقظة، وإذا قال قادر: زاد في المعنى أنه تركها صلف نفس وحفظ مروءة لا عن عجز ورهبة، ولو أن رجلًا ترك المحارم من غير قدرة لم يأثم ولم يؤجر، وإذا تركها مع القدرة صار مأجورًا. قال: والعجب من أبي الفتح يقصر فيما فرض على نفسه من التفسير ويخطئ، ثم يتكلف النقد، وقال في قوله وهو راقد: إن الراقد قادر أيضًا أن يتحرك في نومه ويصيح، وليس هذا بشيء، ولم يقله أحد، والقدرة على الشيء أن يفعله متى شاء، فإن شاء فعل وإن شاء ترك، والنائم لا يوصف بهذا ولا المغشي عليه، ولا يقال للنائم إنه مستطيع ولا قادر ولا مريد، وأما عصيانه الهوى في طيفها فليس باختيار منه في النوم، ولكنه يقول لشدة ما ثبت في طبعي وغريزتي صرت في النوم كالجاري على عادتي.
(٣٠) اللاعج: المحرق، يقال: هوى لاعج، لحرقة الفؤاد من الحب، ولعج الحب والحزن فؤاده يلعج لعجًا: استحر في القلب، ولعجه الضرب: آلمه وأحرق جلده، قال عبد مناف بن ربع الهذلي:
مَاذَا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رِبْعٍ عَوِيلُهُمَا
لَا تَرْقُدَانِ وَلَا بُؤْسَى لِمَنْ رَقَدَا
إِذَا تَأَوَّبَ نَوْحٌ قَامَتَا مَعَهُ
ضَرْبًا أَلِيمًا بِسِبْتٍ يَلْعَجُ الْجِلِدَا
يغير: ينفع؛ أي لا يغني بكاؤهما على أبيهما من طلب ثأره شيئًا، والسبت: جلود البقر المدبوغة، واحتاج إلى حركة اللام من الجلد فكسره. والحشا: ما اضطمت عليه الضلوع، وقوله في قربه: حال من فاعل متباعد. يقول: متى يجد الشفاء من الشوق المحرق محب لهذه المحبوبة إذا دنا منها بشخصه نأى عنها بعفافه؟ وعبارة ابن جني: يريد متى تشفى مما بك وأنت كلما قدرت امتنعت؟
(٣١) تتصباك: تدعوك إلى الصبوة، والخرائد: الحييات. ينكر على نفسه صبوته إلى الحسان ما دام يخشى العار في الخلوة بهن. يقول: إذا كنت في الخلوة بهن تنأى عنهن وتعف، فما لك ولعشق الحسان والنزاع إليهن؟
(٣٢) ألح عليه: لازمه، ويقال: ألح عليه بالمسألة، وألح الرجل على غريمه في التقاضي إذا واظب، وسحاب ملحاح: دائم، وألح السحاب بالمكان: أقام به مثل ألث، وألحت الناقة وألح الجمل: إذا لزما مكانهما فلم يبرحا كما يحرن الفرس، وكله من اللزوق، والعوائد: جمع عائدة، وهي التي تعود المريض. يقول: لازمني السقم فلا يفارقني حتى لقد ألفته، وقد ملني طبيبي وعوائدي لشدة ما بي من السقم.
(٣٣) يقال: فرس جواد للذكر والأنثى، والحمحمة: دون الصهيل، كالتنحنح، وشجاه يشجوه: إذا أحزنه، وأشجاه إذا غصه، والمعاهد جمع معهد، وهو الموضع الذي عهدت به شيئًا، وتسمى ديار الأحبة: معاهد. يقول: مررت على دار الحبيب فحمحمت جوادي حنينًا إليها لأنها عرفتها. ثم استفهم متعجبًا، فقال: وهل الديار تشجي العجماوات كما تشجي الإنسان؟! وقد أخذ أبو الحسن التهامي هذا وزاد عليه، فقال:
بَكَيْتُ فَحَنَّتْ نَاقَتِي فَأَجَابَهَا
صَهِيلُ جِيَادِي حِينَ لَاحَتْ دِيَارُهَا
ثم زاد السري الرفاء على هذا فقال:
وَقَفْتُ بِهَا أَبْكِي وَتُرْزِمُ نَاقَتِي
وَتَصْهَلُ أَفْرَاسِي وَيَدْعُو حَمَامُهَا
(٣٤) ما: استفهام إنكاري، والفرس الدهماء: السوداء، والضريب: اللبن الخاثر يحلب من عدة لقاح، والشول: النياق التي بعد عهدها بالنتاج فجف لبنها، والوليدة: الجارية التي تخدم. نفى التعجب ورجع عنه. يقول: كيف تنكر الفرس الدهماء رسم منزل أقامت به تسقيها الولائد فيه لبن النياق فألفته؟ وقال الواحدي: «ما» ها هنا نفي.
(٣٥) عن كونه؛ أي عن حصوله. يقول: أريد الأمر الخطير، وأحاول فعله والليالي تدافعني عنه، وتحول بيني وبينه، فكأنها بذلك تطاردني عن الوصول إليه، وأنا أطاردها عن حيلولتها بيني وبينه.
(٣٦) وحيد: خبر مبتدأ محذوف؛ أي أَنا وحيد، ويروى وحيدًا — على أنه حال من ضمير أهم — يقول: إن مطلوبي عظيم، ومن ثم لا أجد من يساعدني على ما أطلب، لأن المطلوب إذا كان عظيمًا قل من ينهض بالمساعدة عليه، والخلان: جمع خليل: كرغيف ورغفان.
(٣٧) الغمرة: الشدة، والسبوح: الفرس التي كأنها تسبح في جريها، يقول: وتعينني على توارد الغمرات في الحروب فرس سبوح يشهد بكرمها خصال لها منها أدلة عليها، وفي الشطر الثاني من كثرة التكرار — وهو قوله لها منها عليها — ما قد يعاب به، ولها: خبر مقدم عن شواهد، والجملة: صفة؛ وعليها: متعلق بشواهد، ومنها: حال.
(٣٨) المراود: جمع مرود، وهو حديدة تدور في اللجام، من راد يرود: إذا ذهب وجاء. يقول: إن هذه السبوح — للين مفاصلها — تميل مع الرماح كيفما اتجهت شبه مفاصلها في سرعة استدارتها — إذا لوى عنانها لدى الطعان — بمسمار المرود يدور مع حلقته كيفما أديرت، كما قال كشاجم:
وَإِذَا عَطَفْتَ بِهِ عَلَى مَوْرُودِهِ
لِتُدِيرَهُ فَكَأَنَّهُ بِرْكَارُ
(البركار والبيكار: آلة ذات ساقين لرسم الدوائر — البرجل.)
وهنا قال الواحدي: أخطأ القاضي — يريد القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني — في هذا البيت، وزعم أن هذا من المقلوب، وقال: إنما يصح المعنى لو قال كأنما الرماح تحت مفاصلها مراود، وعنده أن المرود مثل المكحلة، شبه الرماح في مفاصلها بالميل في الجفن يفعل فيها كما يفعل الميل في العين، وهذا فاسد؛ لأنه يخص المفاصل، وليس كل الطعن في المفاصل؛ لأنه قال تثنى على قدر الطعان، وإذا كانت الرماح ومفاصلها كالميل في الجفن فلا حاجة إلى تثنيها.
(٣٩) اللبات: أعالي الصدور، ومحللة القلائد؛ أي مواضع القلائد من الأعناق. يقول: إنه يخوض الحرب فتنال الرماح من صدور خيله وأعناقها، ولا تنال من أعجازها؛ لأنه لا يهرب منها.
(٤٠) يقول: وأورد نفسي في الحرب — وسيفي في يدي — موارد مهلكة لا يصدر واردها حيًّا ما لم يكن جلدًا شجاعًا مثلي — أو ما لم يقاتل مثلي — وعبارة ابن جني: من وقف مثل موقفي في الحرب ولم يكن شجاعًا جلدًا، هلك. هذا، والواو في والمهند: واو الحال، والمهند: السيف الهندي، أو السيف المشحوذ.
(٤١) يقول: إن قوة الضرب إنما تكون بالقلب لا بالكف، فإذا لم تقو الكف بقوة القلب: لم تقو بقوة الساعد، وقوله: على حالة، صلة يحمل.
(٤٢) يقول: إن من عداه من الشعراء يدعون الشعر، والقصائد له؛ لأن كلامهم لا يستحق أن يسمى شعرًا، ولعله يريد أنهم يأخذون شعره ويدعونه لأنفسهم، وإذن: فهو الشاعر في الحقيقة، أما غيره فهو شاعر بانتحال شعره، وعبارة الواحدي: يريد كثرة من يرى من الشعراء المدعين، وأن له التحقيق باسم الشاعر؛ لأنه هو الذي يأتي بالقصائد لا هم. قال ابن جني: لو قال: فكم منهم الدعوى ومني القصائد؛ لكان أحسن وأشد مبالغة، لأنها تدل على كثرة فعلهم.
(٤٣) في هذا البيت من البديع حسن التخلص. يقول: إنه في الشعراء كسيف الدولة في السيوف، فكل منهما منقطع النظير — وإن كان له أشباه ونظائر في التسمية — وهذا كما يقول الفرزدق:
وَقَدْ تَلْتَقِي الْأَسْمَاءُ فِي النَّاسِ وَالْكُنَى
كَثِيرًا وَلَكِنْ فُرِّقُوا فِي الْخَلَائِقِ
(٤٤) انتضى السيف: سله وجرَّده. يقول. إنه ليس كسيوف الحديد التي تنتضى وتغمد، وإنما ينتضيه في الحرب كرم طبعه، وما آثره الله به من الشجاعة والأنفة، ويغمده ما تعوده من العفو والإحسان. هذا، وكما يقال: انتضى السيف. يقال: نضاه أيضًا، ونضا الخضاب: ذهب لونه ونصل، ونضوت البلاد: قطعتها. قال تأبط شرًّا:
وَلَكِنَّنِي أَرْوِي مِنَ الْخَمْرِ هَامَتِي
وَأَنْضُو الفَلا بِالشَّاحِبِ الْمُتشَلْشِلِ
(يعني بالمتشلشل: الرجل المتخدد القليل اللحم الخفيف، والشاحب — على هذا — يريد به الصاحب، وقيل: يريد به السيف. قال الأصمعي: هو سيف يقطر منه الدم، والشاحب: الذي أخلق جفنه.)
(٤٥) يقول: لما رأيت الناس دونه في المنزلة تيقنت أن الدهر ناقد لهم يعطي كلًّا على قدر ما يستحقه، وهذا على خلاف ما يفعل الدهر؛ لأن الدهر يرفع من لا يستحق، ويحط من يستحق، فهو على العكس مما قال المتنبي.
(٤٦) الطلى: الأعناق، وهذا كالشرح لما ذكره في البيت السابق، يقول: إن أحق الناس بأن يتقلد السيف أو يكون صاحب سيف وإمارة؛ من كان ضاربًا للأعناق — أي شجاعًا — وأحقهم بأن يأمن جانب عدوه من هانت عليه الشدائد وغمرات الحروب، وعبارة بعض الشراح: لا يستحق أن يحمل سيفًا إلا من يضرب به الأعناق: وقوله وبالأمن: يروى وبالأمر؛ أي يتولى أمور الناس، أو بمنصب الإمارة. هذا، وقد أسلفنا أن الطلى: الأعناق، وقيل: أصول الأعناق. الواحدة طلية، ويقال: الطلاة أيضًا، وأطلى الرجل والبعير إطلاء فهو مطلٍ: مالت عنقه للموت أو لغيره قال:
وَسَائِلَةٍ تُسَائِلُ عَنْ أَبِيهَا
فَقُلْتُ لَهَا وَقَعْتِ عَلَى الْخَبِيرِ
تَرَكْتُ أَبَاكِ قَدْ أَطْلَى وَمَالَتْ
عَلَيْهِ الْقُشْمعانُ مِنَ النُّسُورِ
وفي الحديث: «ما أطلى نبي قط.» أي ما مال إلى هواه، وأصله من ميل الطلا أي الأعناق إلى أحد الشقين، والطلاء: ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وبعض العرب تسمي الخمر: الطلاء. يريد بذلك تحسين اسمها لا أنها الطلاء بعينها، وفي الحديث: «سيشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها.» يريد أنهم يشربون النبيذ المسكر المطبوخ، ويسمونه طلاء تحرجًا من أن يسموه خمرًا، والطلاء: القطران، وكل ما طليت به، والطلا: الولد من ذوات الظلف والخف، والجمع أطلاء.
(٤٧) يقول: إن أشقى بلاد الله البلاد التي أهلها الروم، وشقاؤها إنما هو بهذا؛ أي بكونك تضرب الطلى ولا تكترث لغمرات الحروب، ومع هذا فهم كلهم معترفون بمجدك، ولا يجحدون ما أنت عليه من الشجاعة والإقدام.
(٤٨) شن الغارة: صبها عليهم وفرقها من كل وجه، والفرنجة: قرية بأقصى بلاد الروم. يقول: صببت الغارة على بلاد الروم فشاع خوفك فيهم جميعًا حتى بات الذي في أقصى بلادهم لا ينام خوفًا وإن كان بعيدًا عنك.
(٤٩) يقول: إن هذه البلاد ملطخة بدمائهم كأنها مساجد مخلقة — أي مطلية بالخلوق: ضرب من الطيب أعظم أجزائه الزعفران — وهم مقتولون طريحون فيها كأنهم سجد على الأرض، وإن لم يسجدوا حقيقة. فقوله: مخضبة — بالرفع — خبر ابتداء محذوف، ومن نصبه جعله حالًا من الضمير في تركتها، والقوم صرعى: يروى والخيل صرعى، وصرعى: جمع صريع؛ أي طريح، ومساجد: خبر كأن، والجملة المعترضة: حال.
(٥٠) يقول: تنزلهم منكوسين من جبالهم التي تحصنوا بها، فهي لهم بمنزلة الخيول السابقة، وتأتي عليهم بكيدك: يعني أنه يكيد لهم حتى ينزلوا فيوقع بهم فيقوم فيهم كيدك مقام الرماح، ولك أن تقول: والسابقات جبالهم؛ أي إنك تنزلهم منكوسين من خيولهم التي كأنها الجبال يستعصمون بها فتنكسهم عنها، وعبارة الواحدي: تطعنهم برماح من كيد وتنزلهم عن خيولهم منكوسين، ونكسه: قلبه، والسابقات: الخيول.
(٥١) الهبر: تقطيع اللحم، والكدى: جمع كدية، وهي الأرض الصلبة، وأصلها في البئر يصل إليها الحافر فيقف عندها لصلابتها. فيقال: أكدى أي انقطع، قال تعالى: وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ قيل أي وقطع القليل، وقيل: أمسك عن العطية وقطع، قالوا: وأصله من الحفر في البئر، يقال للحافر إذا بلغ في حفر البئر إلى حجر لا يمكنه من الحفر: قد بلغ إلى الكدية، وعند ذلك يقطع الحفر، والأساود: الحيات العظيمة: يقول: وتمعن في تقطيعهم بالسيوف، وقد اكتمنوا تحت الصخور وفي المغاور والكهوف كما تكمن الحيات في التراب.
(٥٢) المشمخرات: المرتفعات، والذرى: أعالي الجبال. يقول: وتضحى الحصون العالية الشامخة في رءوس الجبال، وخيلك محيطة بها إحاطة القلائد بالأعناق، وروى ابن جني: القلائد — بالتعريف.
(٥٣) اللقان وهنريط: من بلاد الروم، وآمد: بلد بالثغور مما يلي الروم بينها وبين ديار بكر. يقول: عصفت بهم خيلك، وأتت عليهم هلاكًا يوم أغرت عليهم بهذا المكان، وساقتهم أسارى حتى ابيضت أرض آمد بكثرة من حصل بها من الأسارى من الجواري والغلمان، فالضمير في عصفن للخيل، وتطلق الخيل ويراد بها الفرسان.
(٥٤) الصفصات وسابور: حصنان منيعان للروم، وانهوى: هوى وسقط. يقول: وألحقن — أي الخيل — أحد الحصنين بالآخر في التخريب حتى سقط مثله، وهلك أهل الحصنين وحجارتهما؛ لأنه أحرقهما بالنار فصارت الصخور رمادًا، فجعل ذلك هلاكًا، وقوله: وانهوى. قال الواحدي: هو غريب في القياس؛ لأن انفعل إنما يبنى مما الثلاثي منه متعدٍّ، وهذا غير متعدٍّ، وفي الفصيح من الكلام: هوى، قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ.
(٥٥) غلس: سار غلسًا؛ أي آخر الليل، وبهن؛ أي بالخيل، والمشيع: الجريء المقدام، وما تحت اللثامين: الوجه، واللثام: ما يكون على الوجه، والتلثم عادة العرب في أسفارها، وعنى باللثام الثاني: ما يرسله على الوجه من حلق المغفر، ومبارك الوجه عابد لله، هو سيف الدولة.
(٥٦) يقول: إنه يتمنى أن تكون البلاد أوسع مما هي والزمان أطول؛ لأن الأوقات تضيق بما يريد، وما يقصد إليه من البلاد يضيق بهمته وجيوشه؛ وهذا كقوله الآتي:
تَجَمَّعَتْ فِي فُؤَادِهِ هِمَمٌ
مِلْءُ فُؤَادِ الزَّمَانِ إِحْدَاهَا
فَإِنْ أَتَى حَظُّهَا بِأَزْمِنَةٍ
أَوْسَعَ مِنْ ذَا الزَّمَانِ أَبْدَاهَا
وعبارة ابن جني: يشتهي طول البلاد والزمان؛ ليظهر ما عنده من الفضل والكمال، وهو مع ذلك تضيق به أوقاته ومقاصده؛ أي تضيق عن همته.
(٥٧) أغب فلان القوم وغب عنهم: إذا جاءهم يومًا وغاب عنهم يومًا، وسيحان: نهير ببلاد الروم، وهو غير سيحون. يقول: هو مقيم على غزو الروم لا تفارق سيوفه رقابهم إلا إذا اشتد البرد وجمدت أنهارهم؛ لأن ذلك يحول دون غزوه إياهم.
(٥٨) الظبا — جمع ظبة — حد السيف، واللمى: سمرة في الشفة تستملح، ونهد الثدي: ارتفع. يقول: إنه عصف بالروم وأتى عليهم حتى لم يبقَ منهم إلا النساء، فقد حماها المعنى النسوي من حد السيف، وقد أخذ السري الرفاء هذا المعنى فقال:
فَمَا أَبْقَيْت إِلَّا مُخْطَفَاتٍ
حَمَى الْإِخْطَافُ مِنْهَا وَالنُّهُودُ
(الإخطاف: الضمور.)
(٥٩) البطاريق: قواد الروم، يقول: إنه أسر بنات البطاريق فهم يبكون عليهن ليلًا، وهن لدينا في دار الإسلام مطروحات ذليلات لا يرغب فيهن، وبكَّاه: بمعنى بكَاه، والتشديد للمبالغة.
(٦٠) وفي هذا المعنى يقول أبو تمام:
مَا إِنْ تَرَى شَيْئًا لِشَيءٍ مُحييًا
حَتَّى تُلَاقِيهِ لآخَرَ قَاتِلَا
وهو معنى قديم، ولكن المتنبي صاغه أبدع صياغة وأوجز.
(٦١) موموق: محبوب، والمقة: المحبة، وفيهم: صلة موموق، وعلى: بمعنى مع، والشاكد: المعطي، شكده يشكده ويشكده شكدًا: أعطاه أو منحه، والإقدام: الشجاعة. يقول: أنت على قتلك إياهم محبوب فيما بينهم حتى لكأنك تعطيهم شيئًا، وذلك من شرف الشجاعة؛ لأن الشجاع محبوب حتى عند من يقتله.
(٦٢) يقول: ومن شرف الإقدام أن الدم الذي تسفكه يفخر بأنه سفك بيدك، وأن القلب الذي تخيفه يحمدك إعجابًا بشجاعتك، كما يقول القائل:
فَإِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا فَكُنْ أَنْتَ قَاتِلِي
فَبَعْضُ مَنَايَا الْقَوْمِ أَكْرَمُ مِنْ بَعْضِ
(٦٣) يقول: إن كل أحد يعرف طرق الشجاعة والكرم؛ لأنه لا خفاء بهما، بيد أنه إنما يسلك طريقهما من قادته نفسه إليهما، وكان مطبوعًا عليهما. يعني: أنك أنت مجبول عليهما، ومن ثم تقودك نفسك إليهما.
(٦٤) قال الواحدي: هذا من أحسن ما مُدح به ملك، وهو مديح موجه — أي ذو وجهين — وذلك أنه مدحه في المصراع الأول بالشجاعة وكثرة قتل الأعداء فقال: نهبت من أعمار الأعداء بقتلهم ما لو عشته؛ لكانت الدنيا مهنأة ببقائك فيها خالدًا، وهذا هو الوجه الثاني في المدح؛ أنه جعله جمالًا للدنيا تهنأ الدنيا ببقائه فيها، ولو قال: ما لو عشته لبقيت خالدًا؛ لم يكن المدح موجهًا، وقال الربعي: المدح في هذا من وجوه؛ أحدهما: أنه وصفه بنهب الأعمار لا الأموال. الثاني: أنه كثر قتلاه بحيث لو ورث أعمارهم خلد في الدنيا. الثالث: أنه جعل خلوده صلاحًا لأهل الدنيا بقوله لهنئت الدنيا. الرابع: أن قتلاه لم يكن ظالمًا في قتلهم؛ لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها فهم مسرورون ببقائه، فلذلك قال: لهنئت الدنيا؛ أي أهل الدنيا، وقال ابن جني: لو لم يمدحه إلا بهذا البيت لكان قد أبقى ما لا يمحوه الزمان.
(٦٥) يقول: أنت للملك بمنزلة السيف، ولكن الضارب بك هو الله، وأنت للدين راية الله سبحانه الذي عقدها وأحكمها.
(٦٦) أبو الهيجاء: كنية عبد الله بن حمدان، والد سيف الدولة، والهيجاء: الحرب تمد وتقصر. يقول: يا ابن أبي الهيجاء أنت أبوالهيجاء. يريد قوة الشبه بينهما، حتى كأنه هو، وذلك قوله:
تَشَابَهَ مَوْلُودٌ كَرِيمٌ وَوَالِدُ
(٦٧) هؤلاء آباء سيف الدولة. يقول: أنت تشبه أباك، وأبوك يشبه أباه، وأبوه أباه … إلخ؛ أي إن كل واحد من آبائك يشبه أباه في كرمه وسائر محاسنه، وقد عاب الصاحب هذا البيت قال: لم نزل نستحسن جمع الأسامي في الشعر، كقول الشاعر:
إِنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ
بِقُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابِ
واحتذى هذا الفاضل حذوهم فقال: وأنت أبو الهيجا … البيتين، وهذا من الحكمة التي ذخر أرسطو وأفلاطون لهذا الخلف الصالح. قال ابن فورجه: أما سبك البيت فأحسن سبك؛ يريد أنت تشبه أباك، وأبوك كان يشبه أباه، وأبوه أباه. فأنت أبوك إذ كان فيك أخلاقه، وأبوك أبوه … إلى آخر الآباء، فليت شعري: ما الذي استقبحه؟ فإن استقبح قوله: وحمدان حمدون: فليس في حمدان ما يستقبح من حيث اللفظ، بل والمعنى، كيف يصنع والرجل اسمه هكذا، وهكذا آباؤه؟ وبعد، فللعلامة العكبري هنا كلمة لمناسبة ترك المتنبي صرف حمدون نثبتها هنا — حسبما شرطنا على أنفسنا في هذا الشرح — قال العكبري الكوفي: ترك صرف حمدون وحارث ضرورة، وهو جائز عندنا، غير جائز عند بعض البصريين، ووافقنا الأخفش وابن برهان والفارسي، وحجتنا: إجماعنا على جواز صرف ما لا ينصرف في الشعر ضرورة؛ فلذلك جوزنا ترك صرف ما ينصرف في الشعر، وقد جاء كثيرًا في أشعارهم. قال الأخطل:
طَلَبَ الْأَزَارِقُ بِالْكَتَائِبِ إِذْ هَوَتْ
بِشَبِيبَ غَائِلَةُ النُّفُوسِ غَدُورُ
(من قصيدة للأخطل يذكر فيها ما جرى بين سفيان بن الأبرد نائب الحجاج، وبين شبيب بن يزيد رأس الأزارقة — طائفة من الخوارج — وفاعل طلب: يعود على سفيان المذكور، والأزارق: مفعول، وغائلة: فاعل هوت، وغدور: بدل من غائلة.) فترك صرف شبيب، وهو منصرف، وقال حسان بن ثابت — رضي الله تعالى عنه:
نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وَشَدُّوا أَزْرَهُ
بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الْأَبْطَالِ
(تواكل الأبطال؛ أي تخاذلهم واتكالهم على غيرهم.) فلم يصرف حنينًا، وهو مصروف، وقال الفرزدق:
إِذَا قَالَ غَاوٍ مِنْ تَنُوخَ قَصِيدَةً
بِهَا جَرَبٌ عُدَّتْ عَلَيَّ بِزَوْبَرَا
(يروى هذا البيت لابن أحمر، هكذا:
وَإِنْ قَالَ عَاوٍ مِنْ مَعَدٍّ قَصِيدَةٍ
ويقال أخذ الشيء بزوبره؛ أي بجميعه فلم يدع منه شيئًا، فهو يقول: نسبت إلي بكمالها ولم أقلها، وقيل بزوبرا؛ أي كذبًا وزورًا.) فترك صرف زوبر وهو منصرف، وقال الآخر:
وَإلي ابْنِ أُمِّ أُنَاسَ أَرْحَلُ نَاقَتِي
عَمْرٍو فَتُبْلِغُ حَاجَتِي أَوْ تُزْحِفُ
(بعده:
مَلِكٍ إِذَا نَزَلَ الْوُفُودُ بِبَابِهِ
عَرَفُوا مَوَارِدَ مُزْبدٍ لَا يُنْزَفُ
وقد صححنا هذين البيتين على كتاب سيبويه، وشارح شواهده الإمام الشنتمري الأندلسي، وقد نسبهما صاحب اللسان لبشر بن أبي خازم، وأخطأ النساخ فورد في اللسان على غير هذه الصورة الصحيحة، وورد في سيبويه أناس — بالتنوين — وهو خطأ، وعمرو: بدل من ابن أم أناس، وملك: بدل من عمرو، وتزحف: يقال: أزحف البعير؛ أعيا فجر فرسنه — ما قابل الحافر — يمدح عمرو بن هند الملك، وأم أناس بعض جداته، والموارد: مناهل الماء المورودة. شبه بها عطاياه، وجعله كالبحر المزبد لكثرة جوده، ومعنى ينزف: يستنفد ماؤه.)
وعمرو هو ابن حجر الكندي، فترك صرف أناس، وهو منصرف، وأم أناس هي بنت ذهل بن شيبان، وقال الآخر:
أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وَأَنْ يومِي
بِأَوَّلَ أَوْ بِأَهْوَنَ أَوْ جُبَارِ
أَوِ الثَّانِي دُبَارَ فَإِنْ يَفُتْنِي
فَمُؤْنِسَ أَوْ عَرُوبَةَ أَوِ شِيَارِ
فترك صرف مؤنس ودبار، وهما مصروفان، فهذه أسماء الأيام في الجاهلية؛ أول: الأحد، وأهون: الإثنين، وجبار: الثلاثاء، ودبار: الأربعاء، ومؤنس: الخميس، وعروبة: الجمعة، وشيار: السبت، وقول الآخر:
قَالَتْ أُمَيْمَةُ مَا لِثَابِت شَاخِصًا
عَارِي الْأَشَاجِعِ نَاحِلًا كَالْمنْصُلِ
(الأشاجع: مفاصل الأصابع، واحدها أشجع، وعاري الأشاجع؛ أي خفيف اللحم، وقيل: الأشاجع رءوس الأصابع: وقيل: عصبها، والمنصل: السيف.)
فترك: صرف ثابت، وهو مصروف، وقول العباس بن مرداس السلمي:
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ
يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ
(من أبيات لابن مرداس. يعاتب سيدنا رسول الله إذ أعطى رجالًا من المؤلفة قلوبهم أكثر مما أعطاه، ومنهم عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس: (راجع سيرة ابن هشام ج٤ ص١٤٠ التجارية، والخزانة ج١ ص١٤٥ ط السلفية).)
وبهذه الرواية جاء في الصحيحين، وليس بعد الصحيحين شيء يرجع إليه، وقول الآخر:
وَقَائِلَةٍ مَا بَالُ دَوْسَرَ بَعْدَنَا
صَحَا قَلْبُهُ عَنْ آلِ لَيْلَى وَعَنْ هِنْدِ
فترك صرف دوسر، وشواهدنا كثيرة، وأما القياس فإذا جاز حذف الواو المتحركة للضرورة كبيت الكتاب:
فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قَالَ قَائِلٌ
لِمَنْ جَمَلٌ رَخْوُ الْمِلَاطِ نَجِيبُ
(قال الإمام الشنتمري شارح شواهد سيبويه: يصف الشاعر بعيرًا ضل عن صاحبه فيئس منه وجعل يبيع رحله، فبينا هو كذلك سمع مناديًا يبشر به، إنما وصف ما ورد عليه من السرور بعد الأسف والحزن، والملاط: ما ولي العضد من الجنب، ويقال للعضدين: ابنا ملاط، ووصفه برخاوته لأن ذلك أشد لتجافي عضديه عن كركرته صدره أو زوره، وأبعد له من أن يصيبه ناكت أو ماسح أو ضبب، وهذه كلها آفات وأعراض تلحقه إذا حك بعضده كركرته. ومعنى يشري: يبيع، وهو من الأضداد.)
فجواز حذف التنوين للضرورة أولى، والواو من هو متحركة، والتنوين ساكن، ولا خلاف أن حذف الساكن أسهل من حذف المتحرك، ولهذا الذي ذكرناه، وصحته، وافقنا أبو علي وأبو القاسم بن برهان، ولم ينكره أبو بكر بن السراج، وحجة البصريين أن الأصل في الأسماء: الصرف. فلو جوزنا لأدى ذلك إلى رده عن الأصل إلى غير الأصل، والتبس ما ينصرف بما لا ينصرف.
(٦٨) الزوائد من الأسنان: التي تنبت خلف الأضراس. يقول: إن هؤلاء الذين ذكرهم هم للخلافة بمنزلة الأنياب، تمتنع الخلافة بهم امتناع السبع بنابه، أما بقية الملوك فهم بمنزلة الزوائد، لا حاجة للخلافة بهم.
(٦٩) السهى: نجم خفي من بنات نعش الصغرى، ومنه المثل — أريها السهى وتريني القمر — والفرقد: نجم قريب من القطب الشمالي يهتدى به، وبجانبه آخر أخفى منه، فهما فرقدان، وإنما جمع على إرادة كل نجم يشبههما. جعله بين الملوك كالشمس والبدر، وغيره من الملوك كالنجوم الخفية؛ يقول: إني أميل إليك بهواي وإن لامني في ذلك من لا يبلغ منزلتك، وعبارة ابن جني: جعله بالنسبة إلى أعدائه كالشمس والقمر إلى السهى والفرقدين.
(٧٠) الباهر: البارع قال ذو الرمة:
وَقَدْ بَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ
إِلَّا عَلَى أَكْمَهٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا
(تقدم أنه من أبيات يمدح بها ذو الرمة عمر بن هبيرة، وقبله:
مَا زِلْتَ فِي دَرَجَاتِ الْأَمْرِ مُرْتَقِيًا
تَنْمِي وَتَسْمُو بِكَ الْفُرْعَانُ مِنْ مُضَرَا
«وروي: حتى بهرت.»)
وعيش بارد: رغد هنيء، يقول: إن ذاك الحب إنما هو لظهور فضلك على غيرك لا لطيب العيش عندك؛ إذ إن العيش قد يطيب عند غيرك، ولكن لا يظهر فضله ظهور فضلك فلا يستحق الحب، وعبارة ابن جني: محبتي لك لفضلك لا للخير الذي أصيبه عندك.
(٧١) الجهل: الحمق. قال العكبري: يريد: أنا أحبك بعقل فينتفع بي، وغيري يحبك بجهل فلا ينتفع به … ثم قال: ولو قال المتنبي بالعلم صالح، لكان أمدح وأحسن في صناعة الشعر؛ لأن الجهل ضد العلم، والعقل ضد الحمق.
(٧٢) يقول: كل امرئ يعمل بعادته، وما تعوده وتربَّى عليه لا يتكلفه، وعادة هذا الممدوح أن يغزو أعداءه ويقتلهم ويطعنهم برمحه، جعله سيفًا ووصفه بالطعن، فكأنه جعله سيفًا ورمحًا.
(٧٣) وأن يكذب: عطف على الطعن — في البيت السابق. ويمسي: عطف على يكذب وسكَّن الياء ضرورة. والإرجاف: توليد الأخبار الكاذبة التي يكون معها اضطراب في الناس. يقول: وعادته أن يُكذب إرجافَ عِدَاته عنه بضد إرجافهم؛ فهم يرجفون بقصوره وفشله وهو يكذبهم بوفوره وفلَجه. وهم ينوون معارضته فيتحرشون به فيكون ذلك سبب ظفره بهم؛ إذ يمتلك رقابهم وأموالهم فيصير أسعد مما كان. ويروى بدل «تنوي» تحوي: أي إنه أملك لما في أيديهم منهم؛ لأنه متى أراد احتواه.
(٧٤) ضره: مصدر، وهو مفعول مريد. يقول: ورب عدو أراد أن يضره فضر نفسه بتحرشه به، وقاد إليه الجيشَ بنية الإيقاع به، فكان الجيشُ غنيمةً له، فكأنه أهدى إليه هدية وضلَّ بذلك عن القصد. فقوله: أهدى: من الهدية. وما هدى: من الهداية. وعبارة العكبري: رب قاصد أن يضره فعاد الضرر عليه، ورب هاد: أي قائد إليه الجيش ليهديه الطريق فأضله بقصده له، فصار مهديًّا إليه — من الهدية — لأنه يغنم الجيش فيكون غنيمة له، فيكون الهادي مضلًّا ومهديًّا إليه ليغنمه.
(٧٥) يقول: ورب كافر متكبر عن الإيمان بالله رآه والسيف في يده فآمن وأتى بكلمة الشهادة؛ إما خوفًا منه، وإما ظنًّا بأن دينه الحق حين رأى نور وجهه وكمال وصفه.
(٧٦) يقول: إنه نفَّاع ضرَّار، فمن جاءه مسالمًا ظفر بإحسانه، ومن جاء مغاضبًا عرض نفسه للتهلكة، مثله في ذلك مثل البحر؛ إذا سكن البحر أمكن ركوبه والغوص على ما فيه من الجواهر، وإن جاش وقذف بالزبد وجب الحذر منه. وعبارة الخطيب التبريزي: لا تأته وهو غضبان.
(٧٧) يقال: عثر الدهر بفلان: نكبه. يقول: إن البحر يعثر براكبه؛ أي: يهلكه، عن غير قصد وعمد، أما الممدوح فإنه يهلك أعداءه متعمدًا. وهذا المعنى قريب من قوله في إحدى قوافيه السابقة:
وَيُخْشَى عُبَابُ الْبَحْرِ وَهْوَ مَكَانُهُ
فَكَيْفَ بِمَنْ يَغْشَى الْبِلَادَ إِذَا عَبَا؟
وقال ابن جني: المعنى: ليس إغناء البحر مَن يغنيه عن قصد، وهذا يغني من يغنيه عن تعمد. قال: و«يعثر»، قد يأتي في الخير والشر، فرد عليه الواحدي وقال: فيه خطأ من وجهين؛ لأن العرب لا تقول: عثر الدهر بفلان إلا إذا أصابه بنكبة. ومعنى يعثر بالفتى: يهلكه من غير قصد؛ لأن العثر بالشيء لا يكون عن قصد، فهو يقول: البحر يغرق عن غير قصد، وهذا يهلك أعداءه عن قصد وتعمد. وليس يمكن أن تحمل عثرة البحر بالفتى على إغنائه.
(٧٨) يقول: من تمرد عليه وفارقه من الملوك هلك، ومن سالمه منهم خضع له وسجد؛ لأنه سيدهم.
(٧٩) الصوارم: السيوف. والقنا: الرماح. والجدا — مقصورًا: العطاء. يقول: إنه يأخذ بشجاعته وإقدامه وطعنه وضربه مالَ الأعداء ثم يفنيه بالعطاء عند التبسم والنشاط إذا جاءه العفاة. وهذا كما قال أبو تمام:
إِذَا مَا أَغَارُوا فَاحْتَوَوْا مَالَ مَعْشَرٍ
أَغَارَتْ عَلَيْهِ فَاحْتَوَتْهُ الصَّنَائِعُ
(٨٠) التظني: أصله التظنن، قبلت النون الثانية ياء، ومعناه: الظن. وطليعة الجيش: الربيئة تتقدم أمامه تستطلع طلع العدو؛ والضمير — في قوله: ما ترى غدًا — للعين. يقول: إنه من الذكاء والنفاذ وثقوب البصيرة بحيث يرى ظنُّه الشيءَ قبل أن تراه عينه، كالطليعة تتقدم أمام الجيش؛ ثم أوضح فقال: يرى قلبه في يومه بظنه ما تراه عينه غدًا. وهذا من قول أوس بن حجر:
الْأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ
كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا
وعبارة ابن جني: هو لصحة ذكائه وصحة ظنه إذا ظن شيئًا رآه بعينه لا محالة.
(٨١) يقول: إنه يصل بخيله إلى الغايات البعيدة التي يتعذر الوصول إليها حتى لو كان قرن الشمس — وهو أول ما يبدو منها عند طلوعها — ماء لبلغه وأورده خيله، شجاعة وإقدامًا. وهذا مبالغة.
(٨٢) لذلك: أي لأجل ما قلته في البيت السابق، ويومه: أي اليوم الذي أسر فيه، والضمير في سماه: إلى اليوم. يقول: لكون سيف الدولة على ما وصفت من الشجاعة والإقدام، وما إليهما لم ينثنِ حتى أدرك الدمستق وابنه، ففر الدمستق جريحًا وأخذ ابنه أسيرًا، ومن ثم سمَّى الابنُ ذلك اليومَ مماتًا؛ لأنه وقد أُسر يئس فيه من الحياة، وسمَّى أبوه هذا اليومَ مولدًا؛ لأنه نجا فيه من أظفار المنية فصار كيوم ولدته أمه. والحاصل أن ذلك اليوم كان مماتًا للابن حياة للأب.
(٨٣) جيحان: نهر ببلاد الروم. وآمد: بلد بالثغور. يقول: بلغت جيحان من آمد في ثلاث ليال — وهي مسافة بعيدة لا تقطع في مثل هذه المدة. وبذلك أدناك الركض من جيحان — على بعده من محل قيامك — وأبعدك عن آمد — على قرب عهدك بمغادرتها. وعبارة ابن جني: أدناك سيرك إلى النهر وأبعدك من آمد، قال الواحدي ناقدًا: وهذا — أي: كلام ابن جني — لا يفيد معنًى؛ لأن كل من سار، هذا وصفه، ولكنه يريد: وصلت إلى جيحان بسيرك ثلاثًا من أرض آمد، وهذه مسافة لا يقطعها أحد يسير في ثلاثة أيام، ويفهم من هذا أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال على ما بينهما من البعد.
(٨٤) يقول: فانهزم الدمستق وترك ابنه وجيوشه أسرى في يدك؛ ولم يك ذلك إعطاءً منه يبتغي أن تحمده عليه؛ لأنه إنما تركهم قهرًا وعجزًا.
(٨٥) عرضت: ظهرت واعترضت. والطرْف: العين. وقوله: منك تجريد. يقول: لما رآاك كنت قيد عينه لعظمك في نفسه فشغلتها بتوقيع بطشك فلم يرَ حوله سواك وحُلت بذلك بينه وبين الحياة، فصار في حكم الميت في تخاذل الحواس؛ لأنه أيقن هلاكه ورأى منك سيف الله مشهورًا مجردًا عليه.
(٨٦) الأسنة: نصال الرماح. وقسطنطين: هو ابن الدمستق. يقول: إن لم تكن لتطلب غير الدمستق، ولكن ابنه كان فداءً له؛ لأن الجيش اشتغل بأسره وأسر من معه، فانتهز الدمستق ذلك ونجا بنفسه.
(٨٧) المسوح: ثياب تنسج من الشَّعر. ويجتابها: يقطعها ويدخل فيها. والدلاص: الدرع البراقة الصافية. والمسرد: المنظوم المنسوج بعضه في بعض. يقول: إنه ترك الحرب خوفًا منك، وترهَّب ولبس المسوح بعد أن كان يلبس الدروع.
(٨٨) العكاز: عصا في طرفها زج، يقول: وصار يمشي في دير الرهبان على العكاز تائبًا من الحرب بعد أن كان لا يرضى مشي الخيل السراع — لأن الجواد الأشقر عند العرب أسرع الخيل — بعد أن يئس ونال منه الهم. والأجرد: القصير الشعر.
(٨٩) غادر: ترك. والكر: عطف القِرن على قِرنه في الحرب. والنقع: غبار الحوافر. يقول: إنه لم يترك الحرب إلا بعد أن ترك كرُّ الفرسان — في الطعن والضرب — وجهَه جريحًا، وبعد أن رمدت عينه من غبار الجيش، يعني أنه اضطر إلى ذلك بكثرة ما أصابه من الجراحات والأدواء.
(٩٠) الأملاك: الملوك. يقول: إن ترهبه هذا لا ينجيه من سيف الدولة، ولو كان ذلك ينجيه لترهبت سائر الملوك اثنين اثنين وواحدًا واحدًا. «هذا» وقوله: وموحدًا — بفتح الحاء — هو أحد ما جاء من مفعل المعتل الفاء مفتوح العين.
(٩١) بعدها: أي بعد فعلة الدمستق. ويروى بعده، فيكون الضمير له. يقول: لو كان ينجي من علي ترهبٌ لكان كل امرئ من أعداء سيف الدولة يعد له مسوحًا يترهب فيها فينجو منه.
(٩٢) سمى: أي ذكر اسم الله، يعني عند ذبح الضحايا. يقول: ليهنك العيد الذي أنت عيده؛ أي تحل فيه محل العيد في القلوب — إذ إن العيد مما يبتهج به الناس، فكذلك هذا العيد يبتهج بك، كما قال:
جَاءَ نَوْرُوزُنَا وَأَنْتَ مُرَادُهُ
ثم قال:
وَأَنْتَ عِيدُ لِمَن سَمَّى وَضَحَّى وَعَيَّدَ
أي أنت عيد لكل مسلم. هذا، وقد قال ابن جني: ارتفع العيد بفعل محذوف، وأصله: ثبت العيد هنيئًا لك، فحذف الفعل وأقام الحال مقامه، فرفعت العيد كما يرفعه الفعل. وهذا هو الصحيح، وانتصب هنيئًا عند قوم على مذهب قولهم: ثبت لك هنيئًا، وقيل: بل هو اسم وضع موضع المصدر. كأنه قيل: هنأك هنيئًا، وربما وضعوا اسم الفاعل في هذا الموضع، كما روي عن بعض نساء العرب وهي ترقص ابنًا لها:
قُمْ قَائِمًا قُمْ قَائِمَا
لَقِيتَ عَبْدًا نَائِمَا
وَعُشَرَاءَ رَائِمَا
وَأَمَةً مُرَاغَمَا
[ناقة رائم عاطفة على ولدها وعبد مراغم مضطرب على مواليه. تريد: قم قيامًا.]
(٩٣) اللبس: ما يلبس، استعارة للأعياد، فأجراها مجرى الملبوسات. يقول: لا زلت تلبس الأعياد المتكررة عليك في الدهر، فإذا مضى عيد أتاك عيد بعده جديد، فصار الماضي خلقًا والقادم جديدًا. هذا، والأعياد جمع عيد. قال الجوهري: إنما جمع أعياد بالياء للزومها في الواحد. وقيل: للفرق بين أعواد الخشب وبينه؛ وسمي العيد عيدًا لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد، وعيَّد المسلمون: شهدوا عيدهم. والعيد: ما اعتادك من هم أو شوق أو فرح ونحوه. قال الشاعر:
وَالْقَلْبُ يَعْتَادُهُ مِنْ حُبِّهَا عِيدُ
وقال يزيد بن الحكم الثقفي يمدح سليمان بن عبد الملك:
أَمْسَى بِأَسْمَاءَ هَذَا الْقَلْبُ مَعْمُودَا
إِذَا أَقُولُ: صَحَا يَعْتَادُهُ عِيدَا
كَأَنَّنِي يَوْمَ أُمْسِي مَا تُكَلِّمُنِي
ذُو بُغْيَةٍ يَبْتَغِي مَا لَيْسَ مَوْجُودَا
كَأَنَّ أَحْوَرَ مِنْ غِزْلَانِ ذِي بَقَرٍ
أَهْدَى لَهَا شَبَهَ الْعَيْنَيْنِ وَالْجِيدَا
(قوله: يعتاده عيدًا، فعيدًا في موضع الحال، تقديره: يعتاده السكر عائدًا، ففي قوله: يعتاده ضمير السكر دل عليه قوله: صحا، وقوله: شبه العينين والجيدا، أراد: وشبه الجيد، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.)
(٩٤) وبديع قول أبي تمام في هذا المعنى:
وَيَضْحَكُ الدَّهْرُ مِنْهُمْ عَنْ غَطَارِفَةٍ
كَأَنَّ أَيَّامَهُمْ مِنْ حُسْنِهَا جُمَعُ
قال ابن جني في شرحه هذا البيت — بيت المتنبي: في البيت نظر، وهو أنه خص العيد وحده — دون الأيام — بما ذكر من الشرف وكان ينبغي أن تكون أيامه كلها كذلك؛ لأن جميعها مشتمل عليه، ثم قال: والجواب أن العيد قد اجتمع فيه أمران: أحدهما — وهو الأظهر — اشتماله على سيف الدولة، والآخر كونه عيدًا؛ فصار له مزية على غيره مما ليس بعيد. قال العكبري بعد أن أورد كلام ابن جني هذا: ويجوز أن يقال: إنما جعله في الشرف كيوم النحر؛ لأنه من أشرف الأيام. وقال أهل التفسير في قوله تعالى: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قيل: هو يوم النحر. ومنه الأثر أن يهوديًّا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو علينا معشر اليهود نزلت: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ لاتخذناه عيدًا، فقال عمر: إني لأعلم أي يوم نزلت وفي أي ساعة نزلت؛ يوم النحر، وهو عندنا من أشرف الأيام. فلهذا خص المتنبي هذا اليوم بالشرف في الأيام كشرفه — أي الممدوح — في الورى.
(٩٥) هو: ضمير الشأن. والجَد: الحظ والبخت. يقول: إن الجَد له فعله حتى في المتساويين، مثل العين والعين واليوم واليوم، فترى العينين تتفاضلان فتصح إحداهما وتسقم الأخرى، مع أنهما تجمعهما بنية واحدة، وترى اليوم يسود اليوم، وكلاهما ضوء شمس. يعني: أن يوم العيد كسائر الأيام في الصورة، ولكن الجَد مازه من سائر الأيام فجعله يوم فرح وسرور. وفي هذا المعنى يقول أبو تمام:
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْبِلَادَ رَأَيْتَهَا
تَثْرِي كَمَا تَثْرِي الرِّجَالُ وَتُعْدِمُ
حَظٌّ تَعَاوَرَهُ الْبِقَاعُ لِوَقْتِهِ
وَادٍ بِهِ صِفْرٌ وَآخَرُ مُفْعَمُ
[ثرا الرجل يَثري فهو ثَرٍ، وأثرى يُثري فهو مُثْرٍ.]
(٩٦) الدائل: صاحب الدولة. أخرجه مخرج تامر ولَابِن، يريد به الخليفة وشفرتا السيف. حدَّاه، يقول: أما يخشى الخليفة — وقد تقلدك سيفًا له — أن تكون سيفًا عليه، فلا يأمن جانبك؟ ولا يخفى ما في هذا البيت وما بعده من التعريض الذي خفي سببه. وقال ابن القطاع: صحف هذا البيت فروي دائل — بالدال المهملة — من الدولة، ولا معنى للدولة فيه، والصحيح بالذال المعجمة؛ وهو: الرجل المتقلد سيفه المتبختر في مشيته. والذائل: السيف الطويل أيضًا، وكذلك الفرس الطويل الذنب؛ فإن كان قصيرًا وذنبه طويل قيل: ذيال الذنب. والذائل: الدرع الطويلة. قال النابغة:
وَكُلُّ صَموتٍ نَثْلَةٍ تُبَّعِيَّةٍ
وَنَسْجُ سُلَيْمٍ كُلُّ قَضَاءٍ ذَائِلِ
(الصموت: الدرع التي إذا صبت لم يسمع لها صوت. والنثلة: الدرع السابغة.
أو الواسعة. وتبعية: نسبة إلى تبع — أحد ملوك اليمن. وقوله: ونسج سليم؛ يعنى: سليمان بن داود عليهما السلام. والقضاء من الدروع: التي فرغ من عملها وأحكمت.)
والذائل: الطويل من كل شيء
(٩٧) الضرغام: الأسد. يقول: من اتخذ الأسد بازًا يصيد به أتى عليه الأسد فصاده، وقد ضرب هذا مثلًا للمعنى السابق. يعني أنك فوق من تضاف إليه. وفي هذا المعنى يقول دعبل:
فَكَانَ كَالْكَلْبِ ضَرَّاهُ مُكَلِّبُهُ
لِصَيْدِهِ فَغَدَا يَصْطَادُ كَلَّابَهُ
ومن هذا الباب البيت المشهور:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ
فَلَمَّا اسْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي
(استد: استقام. قال الأصمعي: اشتد — بالشين المعجمة — ليس بشيء؛ قال ابن بري: رأيت هذا البيت في شعر عقيل بن علفة يقوله في ابنه عميس حين رماه بسهم وبعده:
فَلَا ظَفِرَتْ يَمِينُكَ حِينَ تَرْمِي
وَشُلَّتْ مِنْكَ حَامِلَةُ الْبَنَانِ)
هذا: وقوله تصيده الضرغام رواها ابن جني: يصيره الضرغام. قال ابن جني: قلت له — أي للمتنبي: جعلت من شرطًا صريحًا، فهلا جعلتها بمنزلة الذي ولم تضمن الصلة معنى الشرط حتى لا تركب الضرورة، كقوله تعالى: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ الآية. فقال: هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء وأنا جئت بلفظ الشرط؛ لأنه أبلغ وأردت الفاء — في يصيره — ثم حذفتها … والذي قاله جائز، والوجه الذي قلت له أولى. وسيبويه يرى في هذا التقديم والتأخير، فتقديره على مذهبه: يصير الضرغام من يجعله بازًا فيما تصيده؛ واكتفى بهذا القول عن جواب الشرط ومثله:
يَا أَقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ يَا أَقْرَعُ
إِنَّكَ إِنْ يُصْرَعْ أَخُوكَ تُصْرَعُ
والتقدير: أنك تصرع إن يصرع أخوك. انتهى كلام ابن جني؛ وقال العكبري: وأما قول المتنبي: أردت الفاء ثم حذفتها، فجائز حسن قد جاء في الكلام الفصيح ومنه الحديث: قال سعد بن مالك: مرضت عام الفتح فعادني رسول الله فقلت: يا رسول الله: إن لي مالًا وليس لي من يرثني إلا ابنة لي فأتصدق بنصف مالي؟ قال: لا، فقلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس.
التقدير: فهو خير، فحذف الفاء.
(٩٨) المهند: السيف، يقول: رأيتك خالص الحلم في قدرة خالصة لا يشوبها عجز ولا تقصير، ولو شئت لجعلت القتل بالسيف مكان الحلم.
(٩٩) الحر: الكريم، ضد اللئيم. والكاف — من قوله: كالعفو — اسم بمنزلة مثل فاعل قتل. ومن لك بالحر؛ أي من تكفل لك به ونحوه. واليد: النعمة. ويحفظ: يروى يعرف؛ أي يقدر العفو عنه. يقول: إن العفو عن الكرام قتل لهم، فمن صفح عن حر استرقه الصفح. فيذل له وينقاد، كما قال بعضهم:
غَلَّ يَدًا مُطْلِقُهَا
وَاسْتَرَقَّ رَقَبَةً مُعْتِقُهَا
ثم قال: ومن يتكفَّل لك بالكريم الذي يحفظ النعمة ويراعي حقها؟
(١٠٠) هذا البيت تأكيد لما سبقه. يقول: إن الكريم يقدِّر الإكرام حق قدره، فإذا أنت أكرمت الكريم صار كأنه مملوك لك، أما اللئيم فإنك إذا أكرمته زاد عتوَّا وجرأة عليك.
(١٠١) بالعلا: متعلق بمضر. يقول: ينبغي أن يعامل كل إنسان حسبما يستحق، فمن استحق العطاء لم يستعمل معه السيف، ومن استحق القتل لم يكرم بالعطاء، ومن فعل هذا أضر بعلاه وهدم أركان دولته.
(١٠٢) المحتد: الأصل. والمنصوبات — في البيت — تمييز. يقول: أنت أعرف بمواقع الإساءة والإحسان من كل إنسان؛ لأنك فوق كل أحد في الرأي والحكمة، كما أنك فوقهم بالحال إذ كنت أميرًا، وبالنفس إذ كنت أعلاهم همة، وبالأصل إذ كنت من أصل شريف.
(١٠٣) بدا: ظهر. يقول: إن ما تفعله أدق من أن تقف عليه الأفكار وتستوضحه فهي تتناول ما ظهر لها منه، فتجول فيه، وتترك ما خفي منه لرأيك؛ لأنه لا تصل إليه، وتقف دونه — يشير إلى تصرفاته مع الخليفة. وهذا المعنى هو الأظهر والأوجه والأنسب بما تقدم هذا البيت من الأبيات؛ ولكن أئمة الشراح قد اعتسفوا، وصرفوا النظر عن الأبيات التي تقدمت، ففسروا البيت كأنه قائم بنفسه. قال بعضهم: إن ما تبتدعه من المكارم يدق على أفكار الشعراء فيذكرون ما ظهر منها، ويتركون ما خفي. وقال آخرون: إن المقتدين بسيف الدولة في المكارم، يأخذون ويتركون ما خفي. أقول: ولو أراد ذلك لما أتى بالأفكار، ولقال: يدق على الكرام. وقال ابن جني: هذا البيت مثل قول عمار الكلابي:
مَا كُلُّ قَوْلِيَ مَشْرُوحًا لَكُمْ فُخُذُوا
مَا تَعْرِفُونَ وَمَا لَمْ تَعْرِفُوا فَدَعُوا
قال ابن فورجه: عمار الكلابي محدث لحنة، وقد أدرك زماننا، وهو رجل بدوي أميٌّ لحَّانة، وهذا البيت من أبيات أولها:
مَاذَا لَقِيتُ مِنَ الْمُسْتَعْرِبِينَ وَمِنْ
قِيَاسِ نَحْوِهِمُ هَذَا الَّذِي ابْتَدَعُوا
إِنْ قُلْتُ قَافِيَةً بِكْرًا يَكُونُ لَهَا
مَعْنًى خِلَافَ الَّذِي قَاسُوهُ أَوْ ذَرَعُوا
قَالُوا: لَحَنْتَ وَهَذَا لَيْسَ مُنْتَصِبًا
وَذَاكَ خَفْضٌ وَهَذَا لَيْسَ يَرْتَفِعُ
وَحَرَّضُوا بَيْنَ عَبْدِ اللهِ مِنْ حُمُقٍ
وَبَيْنَ زَيْدٍ فَطَالَ الضَّرْبُ وَالْوَجَعُ
فَقُلْتُ وَاحِدَةً فِيهَا جَوَابُهُمُ
وَكَثْرَةُ الْقَوْلِ بِالْإِيجَازِ تَنْقَطِعُ:
مَا كُلُّ قَوْلِيَ مَشْرُوحًا لَكُمْ فَخُذُوا
مَا تَعْرِفُونَ وَمَا لَمْ تَعْرِفُوا فَدَعُوا
حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غُذُوا
بِمَا غُذِيتُ بِهِ وَالْقَوْلُ يَجْتَمِعُ
فَيَعْرِفُوا مِنْهُ مَعْنَى مَا أَفُوهُ بِهِ
حَتَّى كَأَنِّي وَهُمْ فِي لَفْظِهِ شَرَعُ
كَمْ بَيْنَ قَوْمٍ قَدِ احْتَالُوا لِمَنْطِقِهِمْ
وَبَيْنَ قَوْمٍ عَلَى إِعْرَابِهِمْ طُبِعُوا
وَبَيْنَ قَوْمٍ رَأَوْا شَيْئًا مُعَايَنَةً
وَبَيْنَ قَوْمٍ حَكَوْا بَعْضَ الَّذِي سَمِعُوا
إِنِّي غُذِيتُ بِأَرْضٍ لَا تُشَبُّ بِهَا
نَارُ الْمَجُوسِ وَلَا تُبْنَى بِهَا الْبِيَعُ
فقد نقله أبو الطيب إلى المدح، وأقام دقة صنيعه في اقتناء المكارم مقام دقة معنى الشعر، وأقول: وكل هذا بعيد عن غرض المتنبي كما قلت.
(١٠٤) الكبت: الإذلال. يقول: أنت الذي غمرتني بنعمك حتى صرت محسدًا ونجم لي حساد يحسدونني ويقصدونني بالسوء، فاكفني شرهم بإذلالهم ورد كيدهم في نحورهم، وإعراضك عنهم، ومعنى المصراع الثاني من قول أبي الجويرية العبدي:
فَمَا زِلْتَ تُعْطِينِي وَمَا لِيَ حَاسِدٌ
مِنَ النَّاسِ حَتَّى صِرْتُ أُرْجَى وَأُحْسَدُ
وقال بعده أبو نواس:
دَعْنِي أُكَثِّرْ حَاسِدِيَّ بِرِحْلَةٍ
إِلَى بَلَدٍ فِيهِ الْخَصِيبُ أَمِيرُ
وقال البحتري:
وَأَلْبَسْتَنِي النُّعْمَى الَّتِي غَيَّرَتْ أَخِي
عَلَيَّ فَأَضْحَى نَازِحَ الْوُدِّ أَجْنَبَا
(١٠٥) فيهم: متعلق برأيك. والهام: الرءوس. يقول: إذا قوَّى ساعدي حسن رأيك فيهم بأن آنست منك إعراضًا عنهم، كان ذلك خذلانًا أي خذلان لهم، فلو ضربتهم إذ ذاك بسيفي وهو في غمده لقطع وأصمى. وروي بدل فيهم: في يدي، وبدل بسيف: بنصل، فيكون المعنى: أنك إذا كنت حسنَ الرأي فيَّ، فما أبالي بالحساد، والقليل من إنكارك عليهم يكفيني؛ وهذا من قول أبي تمام:
يَسُوءُ الَّذِي يَسْطُو بِهِ وَهْوَ مُغْمَدٌ
وَيَفْضَحُ مَنْ يَسْطُو بِهِ غَيْرَ مُغْمَدِ
(١٠٦) السمهري: الرمح. ومعروضًا؛ أي محمولًا بالعرض، وذلك يكون حين لا يقصد به الطعن. ومسددًا: موجهًا إلى المطعون. يقول: أنا زين لك في السلم. أمدحك وأشيد بذكرك، وشجًى لا ينتزع في حلوق أعدائك، أذود عنك وأنافح بلساني وأكيد أعداءك بقوارع لساني. فأنا لك كالرمح: إن حملته بالعرض كان زينًا لك، وإن حملته مسددًا راع أعداءك.
(١٠٧) جعل شعره في حسنه كالقلائد التي يُتقلَّد بها، يقول: إن الدهر من رواة شعري؛ لأن الناس جميعًا يروونه ويتناشدونه في كل وقت، فكأن الدهر كله إنسان ينشد شعري، ويروى بدل قلائدي: قصائدي.
(١٠٨) يقول: إن شعري يُنشِّط الكسلان إذا سمعه، فيسير على سماع شعري مجدًّا مشيحًا، وإذا سمعه من لا يغني استراح إليه وطرب وغنَّى به مغردًا، والمراد أن شعره سار في الآفاق حتى لم يبقَ من لا يرويه وينشده ولو لم يكن من رواة الشعر. والتغريد: رفع الصوت للتطريب. أو تقول: إن شعره لحسنه أولع الناس بحفظه وروايته، فسيره في الآفاق من لا يريم مكانه، وغنى به من لا عادة له بالغناء لشدة طربه به واهتزازه.
(١٠٩) يقول: إذا أنشدك شاعر شعرًا فاجعل جائزته لي؛ لأن الذي أُنشدتَ إنما هو شعري أتاك به المادحون يرددونه عليك. يعني أنهم يسلخون معاني أشعاري فيك، ويأخذون ألفاظي فيأتون بها إليك. كما قال بشار:
إِذَا أَنْشَدَ حَمَّادٌ
فَقُلْ: أَحْسَنَ بَشَّارُ
وقال أبو هفان:
إِذَا أَنْشَدَكُمْ شِعْرًا
فَقُولُوا: أَحْسَنَ النَّاسُ
وقال أبو تمام في غير هذا المعنى:
فَمَهْمَا تَكُنْ مِنْ وَقْعَةٍ بَعْدُ لَا تَكُنْ
سِوَى حَسَنٍ مِمَّا فَعَلْتَ مُرَدَّدِ
هذا، والجائزة العطية، ويقال: أصل الجوائز أن قطن بن عبد عوف من بني هلال بن عامر بن صعصعة ولي فارس لعبد الله بن عامر، فمر به الأحنف في جيشه غازيًا إلى خراسان فوقف لهم على قنطرة. فقال: أجيزوهم، فجعل ينسب الرجل، فيعطيه على قدر حسبه.
قال الشاعر:
فِدًى لِلْأَكْرَمِينَ بَنِي هِلَالٍ
عَلَى عِلَّاتِهِمْ أَهْلِي وَمَالِي
هُمُ سَنُّوا الْجَوَائِزَ فِي مَعَدٍّ
فَصَارَتْ سُنَّةً أُخْرَى اللَّيَالِي
وقال بعض أهل اللغة: أصل ذلك أن أميرًا واقف عدوًا بينهما نهر، فقال: من جاز هذا النهر فله كذا، فكلما جاز منهم واحد أخذ جائزة. وقيل: إنما سميت جائزة؛ لأنها تجوز لصاحبها، من قولك: هذا يجوز وهذا يمتنع.
(١١٠) الصدى: الصوت الذي يجيبك من الجبل وغيره، كأنه يحكي قولك وصياحك، وهذا مثل. يقول: لا تحفل بشعر غير شعري، فإن شعري هو الأصل، وغيري كالصدى له.
(١١١) السرى: سير الليل. والعسجد: الذهب. يقول: لقد أثريت بما توالى علي من نعمائك، حتى لو شئت لاتخذت لخيلي نعال الذهب، ومن ثَمَّ تركت السير إليك لغيري من المعوزين المقترين؛ ليسيروا إليك كما سرت، ويحظوا كما حظيت.
(١١٢) في ذراك: في كنفك. يقول: إنما أقمت عندك حبًّا لك؛ لأنك قيدتني بإحسانك. وهذا كما قال أبو تمام:
وَتَرْكِي سُرْعَةَ الصَّدْرِ اغْتِبَاطًا
يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَةِ الوُرُودِ
وقال أيضًا:
هِمَمِي مُعَلَّقَةٌ عَلَيْكَ رِقَابُهَا
مَغْلُولَةٌ إِنَّ الْوَفَاءَ إِسَارُهَا
(١١٣) يقول: إذا طلب الإنسان إلى أيامه أن تغنيه وكنت بعيدًا عنه، وعدنه بالغنى لدى وصوله إليك، وعبارة الواحدي: الدهر يحيل عليك، فمن اقترح عليه الغنى يشير عليه بإتيانك، ومن هذا قول أبي تمام:
شَكَوْتُ إِلَى الزَّمَانِ نُحُولَ حَالِي
فَأَرْشَدَنِي إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ
(١١٤) ما — من قوله: فإذا ما كان — اسم موصول بمعنى الذي، مبتدأ وخبره: يد — في آخر البيت — وأذى: خبر كان. يقول: غادرتكم فإذا جفاؤكم الذي كنت أحسبه أذى قبل الفراق قد صار نعمة بعده. وعبارة ابن جني — ونقلها الواحدي: الأذى بعثني على مفارقتكم، فصار الأذى يدًا لأنه كان سببًا للفرقة. ثم قال المتنبي: إذا تذكرت الحال التي كانت بيننا فتشوقت إليكم ذكرت ذلك الجفاء فأعان قلبي على الشوق فلا يغلبه شوق إليكم. هذا هو ما ذهب إليه ابن جني والواحدي، ولكن الإمام العروضي قال: إن هذا غلط، وإنما معنى البيت الأول: ما كنت أحسبه عندكم أذًى كان إحسانًا إلى جنب ما ألقاه من غيركم، وذلك كما قال الآخر:
عَتَبْتُ عَلَى سَلْمٍ فَلَمَّا هَجَرْتُهُ
وَجَرَّبْتُ أَقْوَامًا بَكَيْتُ عَلَى سَلْمِ
ثم قال: إذا تذكرت ما بيني وبينكم من صفاء المودة أعانني ذلك على مقاومة الشوق إذا علمت أنكم على العهد والوفاء بالمودة.
(١١٥) سباه: أسره بحبه. والأغيد: الناعم المتثني لينًا؛ والمراد: الحبيبة. وذَكَّر على معنى الشخص. والخرد: جمع خريدة، وهي البكر التي لم تمسس، أو الحيية. لما دعا للدار — التي سباه من كان بها — بأن تكون مأهولة قال: أبعد شيء فارقك جواري هذه الدار الناعمات الأبكار، فقوله: أهلًا، منصوب بمضمر، والتقدير: جعل الله أهلًا بتلك الدار؛ أي جعلها عامرة بالأهل، وهو في الحقيقة دعاء لها بالسقيا؛ لأن عادة الشعراء إذا وقفوا على ديار أحبابهم حيوها بالسلام ودعوا لها بالسقيا ورجوع الأهل، كقول جرير:
سَقَى الرَّمْلَ جَوْنٌ مُسْتَهِلٌّ رَبَابُهُ
وَمَا ذَاكَ إِلَّا حُبُّ مَنْ حَلَّ بِالرَّمْلِ
(الجون: السحاب الأسود. والرباب: ما كان دون السحاب. ومستهل: منهل.)
«أي من أجل حب من حل بالرمل.» وقوله أَبْعَد: روي أَبَعْدَ — على أنه استفهام — ويكون المعنى: أَبَعْدَما بان عنك خردها ولم يزودك عند رحيلها زادًا تدعو لها؟ وروي أبعدَ — بالنصب — على أنه حال من الأغيد، والعامل في الحال: سباك. يريد سباك أَبْعَدَ ما بان عنك؛ أي إنه أسرك بحبه، وهو على البعد منك. قال الواحدي: والرواية الصحيحة أبعدُ ما بان. أقول: وهي التي أثبتناها في هذا الديوان.
(١١٦) ظلت: أصله ظللت، فحذفت إحدى اللامين تخفيفًا. وخلب الكبد: غشاؤها. ويدها: مبتدأ، والخبر: الظرف المقدم عليه، والجملة: نعت آخر لكبد. وقال العُكبري: يدها ارتفعت بنضيجة، إذ إنها تعمل عمل الفعل، كما تقول: مررت بامرأة كريمة جاريتها. ثم قال: وجعل اليد نضيجة وأضافها إلى الكبد؛ لأنها دام وضعها على الكبد، فأنضجتها بما فيها من الحرارة، فلهذا جاز إضافتها إلى الكبد. والعرب تسمي الشيء باسم غيره إذا طالت صحبته إياه، كما قالوا لفِناء الدار: العذرة (العذرة: الغائط، قال اللغويون: إنما سمي فِناء الدار عذرة؛ لأنها كانت تلقى بأفنية الدار.) وإذا جاز تسميته باسم ما يصحبه كانت الإضافة أهون. يقول: ظللتَ بتلك الدار تنثني على كبدك التي أنضجتها حرارة الوجد واضعًا يدك فوقها، والمحزون يفعل ذلك كثيرًا لما يجد في كبده من حرارة الوجد، كأنه يخاف أن تنشق، كما قال الحماسي:
وَأَذْكُرُ أَيَّامَ الْحِمَى ثُمَّ أَنْثَنِي
عَلَى كَبِدِي مِنْ خَشْيَةٍ أَنْ تَصَدَّعَا
(للصمة بن عبد الله القشيري من أبيات جميلة أولها:
حَنَنْتَ إِلَى رَيَّا وَنَفْسُكَ بَاعَدَتْ
مَزَارَكَ مِنْ رَيَّا وَشِعْبَاكُمَا مَعَا
فَمَا حَسَنٌ أَنْ تَأْتِيَ الْأَمْرَ طَائِعًا
وَتَجْزَعَ أَنْ دَاعِي الصَّبَابَةِ أَسْمَعَا
قِفَا وَدِّعَا نَجْدًا وَمَنْ حَلَّ بِالْحِمَى
وَقَلَّ لِنَجْدٍ عِنْدَنَا أَنْ يُوَدَّعَا
بِنَفْسِيَ تِلْكَ الْأَرْضُ مَا أَطْيَبَ الرُّبَا!
وَمَا أَحْسَنَ الْمُصْطَافَ وَالْمُتَرَبَّعَا
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْبِشْرَ أَعْرَضَ دُونَنَا
وَجَالَتْ بَنَاتُ الشَّوْقِ يَحْنِنَّ نُزَّعَا
بَكَتْ عَيْنِيَ الْيُسْرَى فَلَمَّا زَجَرْتُهَا
عَنِ الْجَهْلِ بَعْدَ الْحِلْمِ أَسْبَلَتَا مَعَا
تَلَفَتُّ نَحْوَ الْحَيِّ حَتَّى وَجَدْتُنِي
وَجِعْتُ مِنَ الْإِصْغَاءِ لِيتًا وَأَخْدَعَا
وَأَذْكُرُ أَيَّامَ الْحِمَى …
… … … [البيت]
وَلَيْسَتْ عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجِعٍ
إِلَيْكَ وَلَكِنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعَا
الشعب: الحي. والبشر: جبل. وأعرض: أبدى عرضه وجانبه. وبنات الشوق: نوازعه. ونزعا: جمع نازع؛ أي مشتاق. والليت: صفحة العنق. والأخدع: عرق فيها.)
وقال الآخر:
لَمَاَّ رَأَوْهُمْ لَمْ يَحُسُّوا مُدْرِكَا
وَضَعُوا أَنَامِلَهُمْ عَلَى الْأَكْبَادِ
(١١٧) العير: الإبل التي تحمل عليها الميرة، ويروى عيسها؛ وهي: كرام الإبل. وقوله: قبيل أفقدها، أراد: قبيل أن أفقدها، فلما حذف أن عاد الفعل إلى الرفع كبيت الكتاب؛ كتاب سيبويه:
أَلَا أَيُّهَذَا اللَّائِمِي أَحْضُر الْوَغَى
(صدر بيت لطرفة بن العبد من معلقته، وعجزه:
وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
وبعده:
فَإِنْ كُنْتَ لَا تَسْطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي
فَدَعْنِي أُبَادِرْهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي
[يقول طرفة: يا من يلومني على حضور الحرب لئلا أقتل، وعلى أن أنفق مالي في اللذات، ما أنت مخلدي إن نزلت على حكمك، وإذن دعني أسبق الموت بالتمتع بإنفاق مالي … يعني أن الموت لا بد منه، فلا معنى للبخل وترك اللذاتٍ].)
وقوله وأحسبني … إلخ: جملة اعتراضية. دعا الحاديين ثم ترك ما دعاهما له فذكره في البيت التالي، وأتى بهذه الجملة المعترضة الجميلة. قال العكبري: نادى الحاديين، وحذف ما ناداهما له وذكره فيما بعد البيت، وهذا مما يسمى الاعتراض: اعترض له كلام آخر هو من شأنه وقصته، ولو كان كلامًا ليس من قصته وشأنه فسد، وإذا كان منه كان جائزًا. كقول الآخر:
وَقَدْ أَدْرَكَتْنِي وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
أَسِنَّةُ قَوْمٍ لَا ضِعَافٍ وَلَا عُزْلِ
(من أبيات قال ابن الأعرابي في «أوراقه» إنها لرجل من بني دارم أسرته بنو عجل، فلما أنشدهم إياها أطلقوه وقبله:
وقائلة ما بالهُ لا يَزُورُنا
وقد كُنتُ عن تِلكَ الزيارَةِ في شُغلِ
وبعده:
لعلهم أن يُمْطرُوني بِنعْمةٍ
كما صابَ ماءُ المزْنِ في البلدِ المَحلِ
فقد يُنْعِشُ اللهُ الفتى بعد عَثرَةٍ
وَتَصْطَنعُ الْحُسْنَى سرَاةُ بني عِجِلِ)
ففصل بين الفعل والفاعل بما هو من قصته؛ لأن إدراك الأسنة من جملة الحوادث.
(١١٨) يقول للحاديين اللذين يحدوان عيرها أو عيسها: احبساها عليَّ قليلًا لأنظر إليها وأتزوَّد منها نظرة فلا شيء أقل منها. وقريب من هذا المعنى قول ذي الرمة:
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مُعَرَّجُ سَاعَةٍ
قَلِيلًا فَإِنِّي نَافِعٌ لِي قَلِيلُهَا
(قبله:
أَلِمَّا عَلَى الدَّارِ الَّتِي لَوْ وَجَدْتُهَا
بِهَا أَهْلُهَا مَا كَانَ وَحْشًا مَقِيلُهَا
أَلِمَّا: انزلا. ووحشًا: موحشًا. والمقيل: النوم في الظهيرة. والمعرج: التعريج؛ وهو الإقامة. وقليلها: مبتدأ. ونافع: خبره. والمعنى ظاهر.)
وروى بعضهم أقل — بالرفع — على أن «لا» بمنزلة ليس، كبيت الكتاب:
مَنْ فَرَّ عَنْ نِيرَانِهَا
فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ
(من أبيات لسعد بن مالك — شاعر جاهلي من شعراء الحماسة — وأول الأبيات:
يَا بُؤْسَ لِلْحَرْبِ الَّتِي
وَضَعَتْ أَرَاهِطَ فَاسْتَرَاحُوا
وبعده:
وَالْحَرْبُ لَا يَبْقَى لِجَا
حِمِهَا التَّخَيُّلُ وَالمْزِاَحُ
إِلَّا الْفَتَى الصَّبَّارُ فِي النَّجْدَاتِ وَالْفَرَسُ الْوَقَاحُ
يا بؤس للحرب — يقول: يا بؤس الحرب. ومعنى وضعت أراهط: حطتهم وأسقطتهم فلم يكن لهم ذكر في هذه الحرب، فاستراحوا من مكابدتها كالنساء. وقوله: فأنا ابن قيس؛ أي أنا المشهور في النجدة لما سمعت. والبراح: مصدر برح الشيء براحًا؛ إذا زال من مكانه. والجاحم: المكان الشديد الحر. والتخيل: التكبر، من الخيلاء. يقول: إنها تزيل نخوة المنخو؛ وذلك أن أصحاب الغناء يتكرمون عن الخيلاء ويختال المتشبع، فإذا جرب فلم يُحمَد افتضح وسقط. والمراح — بكسر الميم: النشاط.)
يريد: ليس عندي براح.
(١١٩) عنى بالمحب نفسه. والجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن. والجحيم: النار العظيمة الشديدة التوقد، وكل نار توقد على نار: جحيم، وجحمت النار: اضطرمت وكثر جمرها ولهبها وتوقدها، ومكان جاحم: شديد. قال الأعشى:
يُعِدُّونَ لِلْهَيْجَاءِ قَبْلَ لِقَائِهَا
غَدَاةَ احْتِضَارِ الْبَأْسِ وَالْمَوْتُ جَاحِمُ
يقول: إن نار الجوى أشد حرارة من نار الجحيم.
(١٢٠) اللِّمة من الشعر: ما ألم بالمنكب وجاوز شحمة الأذن، ويسمى الشعر القليل في الرأس: وفرة، فإذا كثر عن ذلك قيل: جُمَّة، فإذا ألم بالمنكب قيل: لمة، والفرق: حيث يفرق الشعر من الرأس. والدمقس: الحرير الأبيض. وأسودها: مسودها. يقول: لعظم ما ألمَّ به من هجر الحبيب ابيضَّ شعره حتى صار ما كان أسود من لمته أبيض.
(١٢١) الخرعوبة: الشابة اللينة الطرية. وقوله: يكاد، يريد: قرب من ذلك، وكاد: فعل وضع لمقاربة الفعل، وإثباته نفى في المعنى، فأراد: قرب من ذلك ولم يفعل. قال اللغويون: كدت أفعل معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل معناه: فعلت بعد إبطاء. يقول: ذهبوا بامرأة ناعمة إذا قامت يكاد ردفها يقعدها لكثرة ما عليه من اللحم. وهم يصفون المرأة بثقل العجيزة وكثرة لحمها. وقد تعاور هذا المعنى شعراء العربية كثيرًا؛ قال ذو الرمة:
تَنُوءُ بِأُخْرَاهَا فَلَأْيًا قِيَامُهَا
وَيَمْشِي الْهُوَيْنَا عَنْ قَرِيبٍ فَتَبْهَرُ
(قوله: تنوء بأخراها، يقول: إن أخراها — وهي عجيزتها — تنيئها؛ أي تسقطها إلى الأرض لضخمها وكثرة لحمها في أردافها، ومن ثم كان قيامها إذا هي قامت، بعد لأي؛ أي: بعد مشقة وجهد وإبطاء.)
ويقول أبو العتاهية:
بَدَتْ بَيْنَ حُوْرٍ قِصَارِ الْخُطَى
تُجَاهِدُ بِالْمَشْيِ أَكْفَالَهَا
وقال أبو دلامة:
وَقَدْ حَاوَلَتْ نَحْوِي الْقِيَامَ لِحَاجَةٍ
فَأَثْقَلَهَا عَنْ ذَلِكَ الْكَفْلُ النَّهْدُ
(١٢٢) الربحلة والسبحلة: من نعوت النساء، وهي الجسيمة الطويلة العظيمة. والمقبل: موضع التقبيل، وهو الشفة، وتحمد فيها السمرة. قال ذو الرمة:
لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُمْرَةٌ لَعَسٌ
وَفِي اللِّثَاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ
والمجرد: ما تعرى من الثوب، وهو الأطراف. وصفها بسمرة الشفة وبياض اللون؛ وخص المجرد لأنه إذا ابيضَّ المجرد — الذي تصيبه الريح والشمس، وهو الذي يظهر للرائين — كان سائر بدنها — الذي لا تصيبه الريح ولا الشمس — أشد بياضًا.
(١٢٣) الفئة: الجماعة، يريد العاشقين. يقول: يا من يلوم العشاق على عشقهم دع لومك قومًا أضلهم الله في الهوى حتى تهالكوا فيه، واستولى عليهم حتى استبد بهم، فكيف ترشدهم بعد ذلك؟ أي إنهم لا يصغون إلى لومك، لما بهم من ضلال العشق.
(١٢٤) أحاك فيه الشيء وحاك: أثر. يقول: إن لومك لا يؤثر في همم أقربها منك في تقديرك أبعدها عنك في الواقع؛ أي إن الذي تظنه ينجع فيه لومك هو الأبعد مما تظن.
(١٢٥) يذم الليالي التي لم ينم فيها لما أخذه من القلق وخفة الشوق إلى الحبيب الذي يرقد الليالي ساليًا لا يجد من أسباب السهر ما كان يجده هو، وأين الخليُّ من الشجيِّ؟ وهذا ينظر إلى قول أبي نواس:
شَكَوْنَا إِلَى أَحْبَابِنَا طُولَ لَيْلِنَا
فَقَالُوا لَنَا: مَا أَقْصَرَ اللَّيْلَ عِنْدَنَا!
وإليك ما أورده العكبري في شرح هذا البيت، قال: المقصود بالذم محذوف، وهو نكرة موصوفة بسهرت، والعائد إليه من صفته محذوف أيضًا، والتقدير: ليالٍ سهرت فيها، ومثله في الكتاب العزيز: وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ تقديره آية يريكم بها البرق خوفًا. وقد جاء في الشعر حذف النكرة المجرورة الموصوفة بالجملة في قول الراجز:
مَا لَكَ عِنْدِي غَيْرُ سَهْمٍ وَحَجَرْ
وَغَيْرُ كَبدَاءَ شَدِيدَةِ الْوَتَرْ
تَرْمِي بِكَفَّيْ كَانَ مِنْ أَرْمَى الْبَشَرْ
(قوس كبداء: غليظة المقبض تملأ الكف. وقوله: ترمي، يُروى: جادت من الجودة، وقال ابن جني: روي أيضًا بفتح ميم «من» أي: بكفي مَن هو في الرمي مِن أرمى البشر، وكان على هذا زائدة. وعلى هذا لا شاهد فيه.)
يريد بكفَّيْ رجل فحذفه وهو ينويه. وقوله: من طربي مفعول له، وهو بمعنى اللام، كما تقول: جئت من أجلك ولأجلك، وأكرمته؛ لمخافة شره ومن مخافة شره. وشوقًا: يحتمل أن يكون مفعولًا لأجله عمل فيه طربي فيكون الشوق علة للطرب، والطرب علة للسهر، ولا يعمل سهرت في قوله: شوقًا؛ لأنه قد تعدى إلى علة فلا يتعدى إلى أخرى إلا بعاطف، كقولك: أقمت سهرًا وخوفًا، وسرت طربًا وشوقًا. ويحتمل أن ينصب بمحذوف كأنه قال: شقت شوقًا، وشاقني التذكر شوقًا، وشقت فعل ما لم يسم فاعله، كما يقول المملوك: قد بعت، أي: باعني مالكي، وكقول الجارية — وقد سئلت عن المطر: غثنا ما شئنا؛ أي أغاثنا الله. وقوله: إلى من، يتعلق بالشوق؛ لأنه أقرب المذكور إليها، وإن شئت علقته بالطرب إذا نصبت شوقًا بالطرب، وإن نصبته بالمحذوف لم تعلقه بالطرب؛ لأنك تفصل بشوق وهو أجنبي من الطرب وصلته، وكان الوجه أن يقول: يرقد فيها، كما تقول: يوم الجمعة خرجت فيه. ولا تقول: خرجته إلا على سبيل التوسع في الظرف فجعله مفعولًا به على السعة كقوله:
وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ سُلَيْمًا وَعَامِرَا
(عجزه:
قَلِيلٌ سِوَى الطَّعْنِ النِّهَالِ نَوَافِلُهْ
شهدناه: أي شهدنا فيه. وسليم وعامر: قبيلتان من قيس غيلان. والنوافل هنا: الغنائم. يقول: يوم لم يغنم فيه إلا النفوس لما أوليناهم من كثرة الطعن والنهال المرتوية بالدم. وأصل النهل: أول الشرب، والعَلل: الشرب بعد الشرب، والطعن هنا: جمع طعنة.)
ففي البيت أربعة حذوف: حذف المقصود بالذم؛ وهو ليالٍ. وحذف من سهرت فيها. وحذف الضمير من سهرت، فكأنه يقول: سهرتها. والرابع حذف من يرقد فيها. وروي سهرت وسهدت — بالراء والدال — وقد فرق أهل اللغة بينهما فقالوا: السهر — بالراء — في كل شيء، وبالدال للديغ والعاشق. واستدلوا بقول النابغة:
يُسَهَّدُ مِنْ نَوْمِ الْعِشَاءِ سَلِيمُهَا
(عجزه:
لِحَلْيِ النِّسَاءِ فِي يَدَيْهَا قَعَاقِعُ
يقال: فلان يسهد؛ أي لا يترك أن ينام.)
ويقول الأعشى:
وَبِتُّ كَمَا بَاتَ السَّلِيمُ مُسَهَّدَا
(صدره:
أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا
وهذا البيت مطلع أبيات يمدح بها سيدنا رسول الله ، وبعده:
وَمَا ذَاكَ مِنْ عِشْقِ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا
تَنَاسَيْتُ قَبْلَ الْيَوْمِ خُلَّةَ مَهْدَدَا
إلى آخر الأبيات. وقوله: ليلة أرمدا: يريد ليلة أرمدتا — أي عيناه — أي أصابهما رمد؛ وهو وجع العين. والسليم: الملدوغ. والمسهد: الذي منع النوم. والخلة: الصداقة. ومهدد: اسم امرأة.)
وقوله: بئس، اختلف أصحابنا والبصريون في نعم وبئس، فقال أصحابنا: هما اسمان، وقال البصريون: بل هما فعلان ماضيان لا يتصرفان، ووافقهم من أصحابنا: علي بن حمزة المقرئ. حجتنا على أنهما اسمان أن حرف الجر يدخل عليهما لما قد جاء عن العرب أنها تقول: ما زيد بنعم الرجل. قال حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه:
أَلَسْتُ بِنِعْمَ الْجَارُ يُولِفُ بَيْتَهُ
لِذِي الْعُرْفِ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَمُعْدَمَا
(قوله: يولف بيته لذي العرف؛ أي يجعله مألفًا لذي العرف أكان غنيًّا أم فقيرًا.)
وحكي عن بعض فصحاء العرب أنه قال: نعم السير على بئس العير، وقال الفراء: إن أعرابيًّا بُشِّر بأنثى فقيل له: نعم المولود مولودتك! فقال: والله ما هي نعم الولد! نصرها بكاء وبرها سرقة؛ فدخول حرف الجر عليهما دل على أنهما اسمان. وحجة أخرى: أن حرف النداء يدخل عليهما وهو لا يدخل إلا على الأسماء في قولهم: يا نعم المولى ويا نعم النصير. ولا يجوز أن يقال: المقصود بالنداء محذوف للعلم به والتقدير فيه: يا الله نعم المولى، فحذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه، كما يحذف حرف النداء لدلالة المنادى عليه. فإن قيل ذلك، فجوابنا: المنادى إنما يقدر محذوفًا إذا ولي حرف النداء فعل أمر، وما جرى مجراه، كقراءة علي بن حمزة والحسن ويعقوب والأعرج «ألا يا اسجدوا» تقديره: يا هؤلاء اسجدوا. وكقول ذي الرمة:
أَلَا يَا اسْلَمِي [يَا] دَارَ ميٍّ عَلَى الْبِلَى
وَلَا زَالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ الْقَطْرُ
(مي: هي محبوبته. وعلى: بمعنى مع. ومنهلًا: منصبًّا. والجرعاء: مؤنث الأجرع؛ الموضع المختلط ترابه بالحصى. والقطر: المطر؛ يدعو لها بالخصب.)
وكقول الآخر:
أَمَسْلَمُ يَا اسْمَعْ يَا ابْنَ كُلِّ خَلِيفَةٍ
وَيَا سَائِسَ الدُّنْيَا وَيَا جَبَلَ الْأَرْضِ
(هذا البيت لأبي نخيلة يمدح به مسلمة بن عبد الملك، وقد أورده القالي على الوجه الآتي:
أَمَسْلَمُ إِنِّي يَا ابْنَ كُلِّ خَلِيفَةٍ
وَيَا فَارِسَ الْهَيْجَا وَيَا قَمَرَ الْأَرْضِ
شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى
وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي
وَأَلْقَيْتَ لَمَّا أَنْ أَتَيْتُكَ زَائِرًا
عَلَيَّ لِحَافًا سَابِغَ الطُّوْلِ وَالْعَرْضِ
ونَوَّهْتَ مِنْ ذِكْرِي وَمَا كَانَ خَامِلًا
وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضِ
وإذن لا شاهد فيه.)
أراد يا هذا. وشواهده كثيرة، وإنما اختص هذا دون الخبر بفعل الأمر؛ لأن المنادى يخاطب، والمأمور أيضًا مخاطب، فحذفوا الأول من المخاطبين اكتفاءً بالثاني. ولا خلاف أن نعم المولى خبر؛ فيجب ألا يقدر المنادى محذوفًا، فدل على أن النداء لا يكاد ينفك عن الأمر، أو ما جرى مجراه من الطلب والنهي. ولذلك لا يكاد يوجد في كتاب الله نداء ينفك عن أمر أو نهي؛ ولهذا لما جاء الخبر في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ شفعه الأمر — وهو استمعوا له — فلما كان الأمر والنداء جملتي خطاب جاز أن يحذف المنادى من الجملة الأولى، وليس كذلك يا نعم المولى؛ لأن نعم خبر، فلا يجوز أن يقدر المنادى محذوفًا. ودليل آخر على أنهما اسمان، أنهما لا يحسن اقتران الزمان بهما كسائر الأفعال؛ لأنك لا تقول: نعم الرجل غدًا ولا أمس ولا بئس الرجل غدًا أو أمس. ودليل آخر: أنهما غير متصرفين، والتصرف من خصائص الأفعال. ودليل آخر: أنهما لم يكونا فعلين ماضيين؛ لأنه يجوز دخول اللام عليهما في خبر أن، تقول: إن زيدًا لنعم الرجل وعمرًا لبئس الغلام، وهذه اللام لا تدخل على الماضي، وهي تدخل على الاسم، وعلى الفعل المضارع، فدل على أنهما اسمان. ودليل آخر: أنه قد جاء عن العرب نعيم الرجل وليس في أفعال العرب فعيل؛ فدل على أنهما اسمان. وحجة البصريين اتصال الضمير المرفوع بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف. وحجة أخرى: اتصالهما بتاء التأنيث الساكنة التي لا يقلبها أحد في الوقف هاء كما قلبوها في رحمة وشجرة، وذلك قولهم: نعمت الجارية، وهذه التاء يختص بها الفعل الماضي.
(١٢٦) إحياء الليل: سهره. وأنجده: أعانه. والشئون: قبائل الرأس؛ وهي مجاري الدموع. والضمير في أحييتها وينجدها لليالي، والضمير في شئونها للدموع. يقول: كان للدموع من الشئون إمداد، ولليالي من الظلام إمداد؛ يعني أن تلك الليالي طالت وطال البكاء فيها. ويجوز أن يكون الضمير في ينجدها عائدًا إلى الشئون؛ وذلك أن من شأن الظلام أن يجمع الهموم على العاشق، وفي اجتماعها عون للشئون على تكثير البكاء، يبين هذا قول قيس المجنون:
يَضُمُّ إِلَيَّ اللَّيْلُ أَطْفَالَ حُبِّهَا
كَمَا ضَمَّ أَزْرَارُ الْقَمِيصِ الْبَنَائِقَا
(أراد بالأطفال: الأحزان المتولدة عن الحب. والبنائق: جمع بنيقة؛ وهي طوق الثوب الذي يضم النحر وما حوله، وإذا أنشد البيت:
كَمَا ضَمَّ أَزْرَارَ الْقَمِيصِ الْبَنَائِقُ
كما هو في أصله، فالبنائق: العرى التي تدخل فيها الأزرار.)
(١٢٧) الرهان: السباق. وأجهد الدابة وجهدها: حمَّلها في السير فوق طاقتها. يقول: إن ناقتي — ويريد نعله — لا تقبل الرديف — وهو الذي يرتدف خلف الراكب — وإذا راهنت عليها لم أجهدها بالسوط؛ وهذا كما قال في قافية قد تقدمت:
وَحُبِيتُ مِنْ خُوصِ الرِّكَابِ بِأَسْوَدٍ
مِنْ دَارِشٍ فَغَدَوْتُ أَمْشِي رَاكِبَا
وهذا المعنى من قول أبي نواس:
إِلَيْكَ أَبَا الْعَبَّاسِ مِنْ بَيْنِ مَنْ مَشَى
عَلَيْهَا امْتَطَيْنَا الْحَضْرَمِيَّ الْمُلَسِّنَا
قَلَائِصَ لَمْ تَعْرِفْ حَنِينًا إِلَى طَلَا
وَلَمْ تَدْرِ مَا قَرَعُ الْفَنِيقِ وَلَا الْهِنَا
(نعل حضرمي: إذا كان ملسنًا؛ وهو الذي فيه طول ولطافة على هيئة اللسان. والطَلا: الولد من ذوات الظلف. والقرع: الجرب. والفنيق: الفحل المكرم من الإبل الذي لا يركب ولا يهان لكرامته. والهِناء: القطران، تقول: هَنَأْتُ البعيرَ: إذا طليته بالهِناء؛ وهو القطران.)
ومثله قول الآخر:
رَوَاحِلُنَا سِتٌّ وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ
نُجَنِّبُهُنَّ الْمَاءَ فِي كُلِّ مَنْهَلِ
(١٢٨) الشراك: سير النعل. والكور: رحل الناقة. والمشفر من الناقة: بمنزلة الشفة من الإنسان. وزمام النعل: ما تشد إليه شسوعها؛ وهي السيور التي تكون بين خلال الأصابع. والمقود: الحبل الذي تقاد به الدابة. جعل شراك نعله بمنزلة الرحل للناقة، وزمامها بمنزلة المشفر لها، والشسوع بمنزلة المقود.
(١٢٩) عصف الرياح: شدة هبوبها، ومن روى بضم العين فهو جمع عصوف، يقال: ريح عاصف وعصوف بمعنًى، والجمع: عصف. ويريد بقوله تأيدها: تأنيها وتلبثها. يقول: أهون سير ناقتي — يعني نعله — يسبق أشد سير الرياح. يصف المتنبي نفسه بأنه شديد العدو منتعلًا. وقال الواحدي في قوله تأيدها: التأيد تَفعُّل من الأيد، وهو التقوِّى. وليس المعنى على هذا، وإنما أراد التفعُّل من الاتئاد؛ وهو الترفق واللين، ولم يحسن بناء التفعل منه، وحقه تأودها. وقال ابن القطاع: يقال: آد الشيء يئيد أيدًا: إذا قوي. ولو قال: تأودها لكان قد بالغ، وآد الشيء يئود أودًا: إذا أثقل. وفي كلام العرب: ما آدك فهو لي آئد؛ أي ما أثقلك فهو لي مثقل، فيكون المعنى: أشد عصف الرياح يسبقه ثقل سيرها، وهذا غاية المبالغة. وكذلك لو قال: تأودها لكان أيضًا قد بالغ، فالتؤد والوئيد: الترفق، يقال: وأد يئد وأدًا. والتاء — في التؤدة — مبدلة من واو، مثل تخمة، فيكون المعنى: أشد عصف الرياح يسبقه ترفق سيرها؛ وهذا هو المبالغة. وقيل: إن التأيد في بعض اللغات الرفق، وأنشد الخليل في ذلك:
تَأَيَّدْ عَلَيَّ هَدَاكَ الْمَلِيكُ
فَإِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالَا
أي ترفق.
(١٣٠) في مثل ظهر المجن: أي يسبقها تأيدها في مفازة مثل ظهر المجن. فمثل نعت لمحذوف؛ أي في مفازة أو فلاة، والمجن: الترس، ومتصل نعت سببي لمفازة المحذوفة. وقرددها: فاعل متصل، وتروى متصل — بالرفع — على أنها خبر مبتدأ مؤخر؛ وهو قرددها، والقردد: الأرض المرتفعة الغليظة أو أرض فيها نجاد ووهاد. قال ابن جني: شبه الأرض بظهر المجن لما كانت خالية من النبات، وظهر المجن ناتئ، وبطنه لاطئ فهو كالصعود والحدور؛ أي إن هذه المفازة محدبة مثل ظهر المجن يتصل ما ارتفع منها بأماكن منخفضة مثل بطن المجن، يعني أنها ذات جبال ووهاد.
(١٣١) مرتميات: خبر مقدم. وغيطانها: مبتدأ مؤخر، وتروى مرتميات — بالنصب — صفة لمفازة. وغيطانها، فاعل مرتميات، والغيطان: جمع غائط؛ وهو المطمئن من الأرض. والفدفد: الأرض الغليظة المرتفعة. يقول: إن هذه المفاوز غيطانها وفدفدها ترمينا إلى الممدوح بقطعنا إياها بالسير، فكأنها تلقينا إليه.
(١٣٢) إلى فتى: بدل من ابن عبيد الله. ويصدر الرماح: ينزعها بعد الطعن من المطعون. وأنهلها: سقاها. موردها بضم الميم على أنه اسم فاعل — وهو الممدوح: فاعل أنهلها، ويروى بفتح الميم على معنى المصدر، فيكون المعنى: أنهلها في القلوب ورودها؛ يعني أنها وردت قلوب الأعداء، والأولى أجود. يقول: ينزع الرماح وقد سقاها من دماء قلوب الأعداء. وعبارة الواحدي: يرجعها ويرددها وقد سقاها بموضع ورودها في قلوب الأعداء دماءهم.
(١٣٣) الأيادي: النعم. وإلىَّ: صلة سابقة، أو صلة الأيادي مضمنة معنى الإحسان، كأنه قال: له إحسان إليَّ؛ لأنه يقال: لك عندي يد، ولا يقال: لك إلي يد، والعرب تصل الفعل بالمعنى لا باللفظ: قال تعالى: قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ والمعنى لطف بي. وقوله: أعد منها يريد أني غذي نعمته، وربيب إحسانه، فنفسي من جملة نعمه؛ فأنا أعد منها. وقال ابن جني: أنا بعضها، كما قال الحماسي:
لَا تَنْتِفَنِّي بَعْدَ أَنْ رِشْتَنِي
فَإِنَّنِي بَعْضُ أَيَادِيكَا
يريد أنه وهب له نفسه. وتروى: أعد منها؛ أي إنه يعد بعض أياديه، ولا يأتي على جميعها عدًّا لكثرتها، وهو قوله: ولا أعددها. كأن هذا من قوله تعالى: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا؛ أي لا تعدوا جميعها. ومن قوله تعالى: وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.
(١٣٤) الضمير في بها: للمطلة، وفي يكدرها وينكدها: للأيادي، ويروى مطله ومنه، وبه بدل بها. يقول: إنه لا يمطل قبل العطاء ولا يمن بعده. وينكدها: أي ينغصها ويقلل خيرها. وكان يقال: المنة تهدم الصنيعة، وقد مدح المولى جل وعز قومًا فقال: ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى، وقال الشاعر:
أَفْسَدْتَ بِالْمَنِّ مَا قَدَّمْتَ مِنْ حَسَنٍ
لَيْسَ الْكَرِيمُ إِذَا أَعْطَى بِمَنَّانِ
وعبارة العُكْبَري: يقول: له أياد لا يكدرها مطل ولا ينكدها منٌّ، ولم يرد أن له مطلًا لا يكدرها، ومنًّا ينكدها، وإنما أراد انتفاء المطل والمن عنه ألبتة. ومن هذا قول امرئ القيس:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
لم يرد أن فيه منارًا لا يهتدى به، ولكنه نفى أن يكون به منار. والمعنى: لا منار يهتدى به. ومثله قوله الآخر في وصف مفازة:
لَا تُفْزِعُ الْأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا
وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ
لم يرد أن بها أرنبًا لم يفزع ولا ضبًّا، ولكنه نفى أن يكون فيها حيوان. وعبارة الواحدي: يعطي فلا مطله بالأيادي يكدرها؛ أي إنه لا يمطل إذا وعد إحسانًا، ولا يمنُّ بما يعطى فينكده.
(١٣٥) يقول: إن أباه خير قريش؛ لأنه ابن رسول الله فهو خيرهم أبًا؛ لأنه ليس فيهم أحد أبوه أفضل من أبي الممدوح. والنائل: العطاء، وأبًا ونائلًا: منصوبان على التمييز. والمراد بقريش: القبيلة، ومن ثم قال: أمجدها وأجودها. والمجد قيل: هو الأخذ من الشرف والسود ما يكفي، وقال ابن السكيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال: رجل شريف ماجد؛ أي له آباء متقدمون في الشرف. قال: والحسب والكرم (المراد بالكرم هنا: ضد اللؤم) يكونان في الرجل، وإن لم يكن له آباء لهم شرف. وأجودها: أسخاها.
(١٣٦) الجحجاح: السيد الشريف، وقد تقدم الكلام عليه. والمسوَّد: الذي سوده قومه. قال الواحدي: ذكر القناة والسيف مع الطعن والضرب تأكيدًا للكلام، كما قال تعالى: يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ وكما يقال: مشيت برجلي، وكلمته بفمي.
(١٣٧) فارسًا: حال؛ أي هو أفرسها إذا ركب فرسه، وأكد الكلام بذكر الحال؛ لأن أفرس يكون من الفرس والفراسة. وطول الباع مما يمدح به الكرام، يقال: فلان طويل الباع؛ إذا امتدت يده بالكرم، ويقال للئيم: ضيق الباع. والمغوار: للكثير الغارة.
(١٣٨) لؤي: أبو قريش. يقول: هو لهم بمنزلة التاج، به يتشرفون ويتزينون، وبه علا فرعهم وأصولهم؛ أي الأبناء والآباء، والمحتد: الأصل. وقوله: لها: أتى بها ليقيم الوزن، أو ليؤكد الإضافة، وإلا فقوله: سما فرعها، كلام تام حسن.
(١٣٩) التقاصير: القلائد التي تعلق على القصرة؛ والقصرة: أصل العنق، مفردها: تقصار وتقصارة. يقول: هو فيما بينهم كالشمس في النهار، والهلال في الليل، والدر والزبرجد في القلادة؛ أي هو أفضلهم وأشهرهم، وبه زينتهم وفخرهم. قال العكبري: ويجوز أن يكون أراد أحسنهم؛ لأن الشمس أكثر ما يكون نورها وحسنها عند الضحى وهلال ليلتها، لأنهم يعتمدون عليه، ويتطلعون إليه، كما يتطلع إلى الهلال ليلة يستهل فيها. يريد أن أعين الناس تنظر إليه إذا ركب وخرج إلى الناس كما تنظر إلى الهلال عند بدوه.
(١٤٠) كان هذا الممدوح قد أصابته ضربة على وجهه في بعض الحروب. قال العكبري: كان محمد بن عبيد الله — هذا الممدوح — قد واقع قومًا من العرب بظاهر الكوفة، وهو شاب دون العشرين فقتل منهم جماعة وجرح في وجهه فكسته الضربة حسنًا، فقال: ليت الضربة التي قدر لها محمدها — يعني الممدوح — كما قُدرت الضربةُ له كانت بي؛ أي ليتني كنت فداءه من تلك الضربة فوقعت بي دونه. ويجوز — كما قال الواحدي — أن يكون الممدوح أتاح وجهه للضربة حيث أقبل للحروب وثبت حتى جرح، فتمنى أبو الطيب رتبته في الشجاعة، وأضاف محمدًا إلى الضربة إشارة إلى أنها كسته الحمد، فأكثرت حتى صار هو محمدًا بها.
(١٤١) المهند: السيف المطبوع من حديد الهند. يقول: إن الضربة والسيف قصدا إهلاكه فردهما عن قصدهما، فذلك تأثيره فيهما. فقوله: وما أثر في وجهه مهندها؛ أي لم يشنه ولم يعبه فلم يؤثر تأثيرًا قبيحًا، وإنما زاده حسنًا؛ لأن الضربة على الوجه شعار المغوار، والعرب يفتخرون بذلك. قال الحصين بن الحمام المري:
وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا
وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا
(الكلوم: الجروح، وقبيل البيت:
تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ
لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا
وبعده:
نُفَلِّقُ هَامًا مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةٍ
عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَزَّ وَأَكْرَمَا)
والطعن والضرب في الظهر عندهم مسبة وفضيحة. قال الشاعر:
وَلَكِنَّمَا يَخْزَى امْرُؤٌ يَكْلِمُ اسْتَهُ
قَنَا قَوْمِهِ إِذَا الرِّمَاحُ هَوَيْنَا
ولك أن تقول: إنه أثر في الضربة والسيف ضعفًا بإرعاش يد الضارب لهيبته واستعظام الإقدام عليه، فلم يؤثر السيف في وجهه أثرًا يعتد به، أو لم يصرفه عن المضي في القتال.
(١٤٢) يقول: إن هذه الضربة عدت نفسها سعيدة حين رأت أنها قد تزينت بحصولها في وجهه، وحسدتها بقية الجراحات؛ إذ لم تصب موضعًا كريمًا مثل هذا. وقوله: بمثله يريد به، والمثل: صلة، تقول: مثلي لا يفعل هذا؛ أي أنا لا أفعل. قال الشاعر:
يَا عَاذِلِي دَعْنِي مِنْ مِثْلِكَا
مِثْلِي لَا يَقْبَلُ مِنْ مِثْلِكَا
معناه: أنا لا أقبل منك، ومن هذا قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. والغبطة حسن الحال، أو هي النعمة والسرور. تقول: غبطته بما نال أغبطه غبطًا وغبطة فاغتبط هو، كقولك: منعته فامتنع وحبسته فاحتبس؛ قال حريث بن جبلة العذري:
وَبَيْنَمَا الْمَرْءُ فِي الْأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ
إِذَا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الْأَعَاصِيرُ
(قبله:
فَاسْتَقْدِرِ اللهَ خَيْرًا وَارْضَيَنَّ بِهِ
فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ
وبعده:
يَبْكِي عَلَيْهِ غَرِيبٌ لَيْسَ يَعْرِفُهُ
وَذُو قَرَابَتِهِ فِي الْحَيِّ مَسْرُورُ
حَتَّىَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تَذَكُّرُهُ
وَالدَّهْرُ أَيَّتَمَا حَالٍ دَهَارِيرُ
[قوله: استقدر الله خيرًا؛ أي اطلب منه أن يقدِّر لك خيرًا. وقوله: فبينما العسر، فالعسر مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: فبينما العسر كائن أو حاضر. إذ دارت مياسير؛ أي حدثت وحلت، والمياسير: جمع ميسور. والرمس: القبر. والأعاصير: جمع إعصار وهي الريح تهب بشدة. وقوله: كأن لم يكن إلا تذكره، فيكن تامة، وتذكره فاعل بها، واسم كأن مضمر، تقديره: كأنه لم يكن إلا تذكره، والهاء — في تذكره — على الهاء المقدرة. والدهر: مبتدأ، ودهارير: خبره. وأيتما حال: ظرف، والعامل فيه ما في دهارير من معنى الشدة. وقولهم: دهر دهارير؛ أي شديد كقولهم: ليلة ليلاء. وقيل: الدهارير جمع الدهور، أراد أن الدهر ذو حالين من بؤس ونعم. وقال الزمخشري: الدهارير؛ تصاريف الدهر ونوائبه، مشتق من لفظ الدهر، ليس له واحد من لفظه كعبابيد].)
قال الجوهري: أنشدته مغتبط بكسر الباء؛ أي مغبوط، قال: والاسم الغبطة؛ وهي حسن الحال.
(١٤٣) الضمير في قلبه يعود: إما إلى الزارع — أي الضارب — أي: زرعها بمكر في قلبه، وإما إلى الممدوح؛ أي إن الضارب قد زرع هذه العداوة في قلبه. يقول: إن هذه الضربة جاءته مماكرةً وغدرًا، لا مواجهة وكفاحًا، وأن ضاربها قد بذر بذرًا خبيثًا لا بد حاصده؛ أي ملاق جزاءه عليه من الممدوح.
(١٤٤) الواو — في وأنفسهم — واو الحال. يقول: إنه رمى حساده بالمقيم المقعد، فهم لا يستقرون على حال من القلق؛ خوفًا منه وذعرًا، وهذا كما قال:
أَبْدَى الْعدَاةُ بِكَ السُّرُورَ كَأَنَّهُمْ
فَرِحُوا وَعِنْدَهُمُ الْمُقِيمُ الْمُقْعِدُ
(١٤٥) يقول: إذا أنذر الغمود — جمع غمد — بتجريد السيوف بكت الغمود على السيوف؛ لعلمها أن السيوف المذكورة ستغمد في دماء الأعداء حتى تتلطخ بها وتصير كأنها دم، وأن الممدوح سيجعل الرقاب غمودًا لها بدلًا منها. وهذا المعنى تعاوره الشعراء من قديم. قال عنترة:
وَمَا تَدْرِي جُرَيَّةُ أَنَّ نَبْلِي
يَكُونُ جَفِيرَهَا الْبَطَلُ النَّجِيدُ
(الجفير: الكنانة والجعبة التي تجعل فيها السهام.)
وقال حسان:
وَنَحْنُ إِذَا مَا عَصَتْنَا السُّيُوفُ
جَعَلْنَا الْجَمَاجِمَ أَغْمَادَهَا
وقال الحماسي:
مَنَابِرُهُنَّ بُطُونُ الْأَكُفِّ
وَأَغْمَادُهُنَّ رُءُوسُ الْمُلُوكِ
(قبله:
وَإِنَّا لِتُصْبِحُ أَسْيَافُنَا
إِذَا مَا اصْطَبَحْنَ بِيَوْمٍ سَفُوكِ
اصطبحن: شربن وقت الغداة، وجعل اليوم سفوكًا؛ لأن السفك يقع فيه. وقوله: منابرهن، أراد أنها إذ تنتضى فكأنها تخطب واعظة للأعداء زاجرة لهم. يقول: إن سيوفنا تصير إذا شربت الصبوح من دم الأبطال في يوم سفوك للدماء بهذه الحالة.)
ويقول ابن الرومي:
كَسَاهُمُ الْعِزَّ إِنْ عَرَوْا مَنَاصِلَهُم
فَمَا لَهَا غَيْرَ هَامِ الصِّيدِ أَجْفَانُ
(١٤٦) يقول: أطلق الأنصل فذمها العدو؛ خوفًا وجزعًا منها، وحمدها الصديق لحسن بلائها في العدو.
(١٤٧) يقول: إنها من شدة الضرب تهوي إلى الأرض فتنقدح منها النار فيخمدها ما ينصب من الدماء عليها.
(١٤٨) الهمام هنا: الملك العظيم. والمهجة: الروح. ونشد الضالة: طلبها ليعرف مكانها. يقول: إذا قتل ملك ولم يعرف قاتله، فإنما سيوفه هي التي تطلب مهجته منها؛ لأن سيوف الممدوح قواتل الملوك. أو يقول: إن سيوف الممدوح هي التي تثأر له. ويروى بدل تنشدها: منشدها اسم مكان؛ أي إن سيوفه هي المكان الذي تطلب مهجة المقتول منه، لأن سيوفه — كما قلنا — قواتل الملوك. ويروى: فأطرافهن ينشدها — بالياء المثناة التحتية — أي ينشدها في أطرافهن.
(١٤٩) الخليقة: الخلائق والخلق. يقول: إن هذه الخلائق قد أجمعوا موافقين لي أنك أوحدهم فضلًا ونسبًا وشجاعة وكرمًا. وقال الواحدي: يجوز أن يكون على التقديم والتأخير؛ أي أوحدها لي، أي أوحدها إلي إحسانًا وإفضالًا، ولا يكون في هذا كثير مدح. ويجوز أن يكون أجمعت فقالت لي، والقول يضمر كثيرًا، كقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا؛ أي ويقولان: ربنا تقبل.
(١٥٠) وأنك: مخففة من أنَّك ضرورة. والمحتلم: الغلام بلغ مبلغ الرجال، وهو حال من التاء في كنت. وشيخ معد: خبر كان. والضمير في أمردها: لمعد. وقوله: وأنت أمردها، عطف على الحال؛ أي محتلمًا أمرد. يقول: وأنك بالأمس حين كنت غلامًا أمرد كنت شيخ معد يرجعون إلى رأيك، فكيف اليوم مع علو السن ووفور العقل؟ هذا: وها هي ذه طرفة نحوية للعلامة العكبري، قال: قوله: وأنك، أراد أنَّك بالتشديد، فخفف ضرورة مع الضمير، كقول الآخر:
فَلَو أَنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي
طَلَاقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وَأَنْتِ صَدِيقُ
(بعده:
فَمَا رُدَّ تَزْوِيجٌ عَلَيهِ شَهَادَةٌ
وَلَا رُدَّ مِنْ بَعْدِ الْحِرَارِ عَتِيقُ
ويروى: فراقك بدل طلاقك. وصديق: فعيل للواحد والجمع والمؤنث، والحرار مصدر حر يحر من باب تعب؛ أي صار حرًّا، والمراد بالرخاء، قيل: لزوم العقد، والرخاء السعة؛ أي وقت إمكانه، ولم أبخل؛ أي به، أي بل كنت أجيبك إليه. وقوله: فما رد … إلخ؛ أي: لو سألتني ذلك في وقت يقبله، وهو ما قبل العقد لفعلت، لكنه في وقت لا يقبله، وهو بعد لزوم العقد؛ لأنه لا يرد تزويج بعد إتمام شروطه ولزومه بالشهادة، كما لا يرد بعد العتق عتيق إلى الرق.)
وإنما يحسن التخفيف مع المظهر كقوله:
وَصَدْرٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ
كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ
(مشرق: مضيء. والنحر: موضع القلادة من الصدر. وحُقَّان: تثنية حُقٍّ، وهو الوعاء المنحوت من العاج وغيره. يقول: إن هذا الصدر مضيء أعلاه، وكأن الثديين فيه حقان في الاستدارة والصغر.)
لأن الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها. وإذا خففت مع المظهر فتعملها في مقدر، وهو ضمير الشأن، ويرفع بعدها الجملة خبرًا عنها، تقول: علمت أن زيد قائم، ومنه وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وأَنْ لَعْنَةُ في قراءة نافع وعاصم وأبي عمرو وقنبل، وإذا وليها الفعل لم يجمعوا عليها مع النقص الذي دخلها وحذف اسمها، أن يليها ما يجوز أن يليها وهي مثقلة، فكان الأحسن أن يفصل بينها وبينه بأحد أربعة أحرف: السين، وسوف، ولا، وقد؛ فتقول: علمت أن سيقوم، وسوف يقوم، وأن لا يقوم، وقد يقوم، قال تعالى: عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ، قال جرير:
زَعَمَ الْفَرَزْدَقُ أَنْ سَيَقْتُلُ مِرْبَعًا
أَبْشِرْ بِطُولِ سَلَامَةٍ يَا مِرْبَعُ
(مربع — بكسر الميم: لقب وعوعة أبي سعيد راوي جرير، وكان الفرزدق قد حلف ليقتلنه، ومطلع القصيدة:
بَانَ الْخَلِيطُ بِرَامَتَيْنِ فَوَدَّعُوا
أَوَكُلَّمَا رَفَعُوا لِبَيْنٍ تَجْزَعُ
وآخرها:
وَرَأَيْتَ نَبْلَكَ يَا فَرَزْدَقُ قَصَّرَتْ
وَرَأَيْتَ قَوْسَكَ لَيْسَ فِيهَا مِنْزَعُ)
وقال أمية بن أبي الصلت:
وَقَدْ عَلِمْنَا لَو أنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُنَا
أَنْ سَوْفَ يُتْبَعُ أُولَانَا بِأُخْرَانَا
وأما قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، جاء بغير حرف من هذه الحروف الأربع؛ فذلك لأن ليس ضعيفة في الفعلية لعدم تصرفها، وقد جعلها أبو علي حرفًا زمانًا، ثم رجع عن ذلك. وقوله: محتلمًا؛ حال، والعامل في الحال: كان، قال أبو الفتح وجماعة من أهل الصناعة: من جعل كان لا تعمل في الأحوال فغير مأخوذ بكلامه؛ لأن الحال فضلة في الخبر منكورة، فرائحة الفعل تعمل فيها فما ظنك بكان، وهي فعل متصرف يعمل الرفع والنصب في الاسم الظاهر والمضمر، وليست كان في نصبها الأحوال بأسوأ حالًا من حروف التنبيه والإشارة! قال الشريف ابن الشجري: قال المعري: كان لا تعمل في الحال، ويجعل العامل في الحال وأنك بالأمس؛ أي الفعل المضمر الذي عمل في قوله: وأنك بالأمس. قال: وهذا سهو من قائله؛ لأنك إذا علقت قوله: بالأمس بمحذوف، فلا بد أن يكون بالأمس خبرًا لأن أو لكان؛ لأن الظرف لا يتعلق بمحذوف، إلا أن يكون خبرًا أو صفة أو حالًا أو صلة. ولا يجوز أن يكون خبرًا لأن ولا لكان؛ لأن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث ولا صفات ولا صلات ولا أحوالًا لها، فإذا استحال أن يتعلق بالأمس بمحذوف علقته بكان، وأعملت كان في محتلمًا. وقوله: شيخ معد، خبر كان.
(١٥١) مجللة: شاملة، من جَلَّلَ المطرُ الأرضَ؛ طبقها. وربيتها: تعهدتها بأن قرنتها بأمثالها. وكان منك مبدؤها: أي ابتداؤها؛ أي إنك ابتدأتني بالصنيعة ثم ربيتها فلم تكن واحدة تنسى على طول العهد، بل متعددة متوافرة. وقوله: نعمة، قال العكبري: رويت نصبًا وجرًّا، فمن نصب أراد الاستفهام، ومن جر أراد الخبر، وهذا الأجود؛ لأنه أراد الخبر عن كثرة ماله.
(١٥٢) سمحت بها: أي قضيتها لي. وموعدها: أي موعد قضائها؛ أي إن موعد قضائها أقرب إلي من نفسي. يريد قصر الوعد وسرعة الإنجاز. وقال الخطيب التبريزي: هو من كلام الصوفية، وهذا يدل على أنه كان متصرفًا في أفانين الكلام.
(١٥٣) المكرمة: ما يكرم به الإنسان من بر وألطاف، يريد بها هنا ثيابًا أهداها إليه؛ ولذلك يقول في البيت التالي: أقر جلدي بها عليَّ. وقوله: على قدم البر، استعارة جميلة بارعة. وقال الواحدي: قوله: على قدم البر؛ أي إن حاملها كان من جملة الهدية لأنه كان غلامًا للممدوح. ويجوز أن يراد أنها على أثر بر سابق. وترددها: أي تعيدها إليَّ وتكررها عليَّ. ويروى ترددها على المصدر.
(١٥٤) أي اعترف جلدي بها لظهورها عليَّ. فكأنه باكتسائه بها ناطق مقر، كما قال الناشيء الأكبر:
لَوْ لَمْ يُبِحْ بِالشُّكْرِ لَفْظِي لَخَيَّرَتْ
يَمِينِي بِمَا أَوْلَيْتَنِي وَشِمَالِيَا
(١٥٥) أعودها: أكثرها عودًا. يطلب منه إعادة العطية.
(١٥٦) الطلا: الأعناق. وشهيد: صفة لقتيل، وأصل الشهيد: من قتل مجاهدًا في سبيل الله، ثم تُوسِّعَ فيه فأطلق على من مات غرقًا أو حرقًا وما إليهما، وجعل المتنبي من قتله الحب شهيدًا، وقد رووا في ذلك قوله : «من عشق فعف ثم مات مات شهيدًا.» هذا، وقد قال العكبري: كم، كلمة موضوعة للعدد، وذهب أصحابنا إلى أنها مركبة، وذهب البصريون إلى أنها مفردة، حجتنا أن أصلها ما زيدت عليها الكاف؛ لأن العرب تصل الحرف في أوله وآخره، فمما وصلته من أوله نحو هذا، ومما وصلته في آخره نحو إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ، فكذلك كم؛ زادوا الكاف على ما، فصارتا كلمة واحدة، وكان الأصل أن يقال: في كم مالك؟ كما مالك؟ إلا أنه حذف الألف لكثرة الاستعمال. ونظير «كم» لم؛ لأن الأصل في لم: ما، فزيدت عليها اللام، فصارتا كلمة واحدة، وحذفت الألف لكثرة الاستعمال، وسكنت الميم، فقال: لم فعلت؟ وزيادة الكاف كثيرة. قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؛ أي ليس مثله. وحكي عن بعض العرب أنه قيل له: كيف تصنعون الأقط؟ قال كهين، قال الراجز:
لَوَاحِقَ الْأَقْرَابِ فِيهَا كَالْمَقَقْ
أي المقق وهو الطول. وحجة البصريين أن الأصل هو الإفراد، والتركيب فرع، ومن تمسك بالأصل خرج عن عهدة المطالبة بالدليل، ومن عدل عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل لعدوله عن الأصل، واستصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة.
(١٥٧) المها: جمع مهاة؛ وهي بقر الوحش، تشبه عيون النساء بعيونها في حسنها وسعتها. وفتكت: قتلت بغتة. والمتيم: الذي استعبده الحب. والمعمود: الذي أضناه الحب وأوجعه، وعنى بالمتيم المعمود نفسه. يقول: كم قتيل قتل بعيون أحبَّتِه التي هي كعيون المها، وليست تلك العيون التي قتلته كالعيون التي قتلتني وفتكت بي فإنها لا تشبه بغيرها؟!
(١٥٨) الدر: اللبن، ويقال لمن يدعى له: دَرَّ دَرُّه؛ أي كثر خيره، لأن الخير في ذلك عند العرب. ويقال لمن يدعى عليه: لا در دره. وأيام: منادى. وتجرير الذيول: كناية عن النشاط واللهو؛ لأن النشيط أو النشوان يجر ذيله ولا يرفعه. ودار أثلة: موضع بظهر الكوفة. يتمنى أن تعود هذه الأيام له.
(١٥٩) قوله: عمرك الله، قال العكبري — نقلًا عن الجوهري صاحب «الصحاح» وكثيرًا ما يعتمد عليه: هو مصدر، يقال: أطال الله عمرك وعمرك — بالفتح والضم — وهما وإن كانا مصدرين بمعنًى، إلا أنه استعمل أحدهما في القسم — وهو المفتوح — فإذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء، فقلت: لعمر الله، واللام لتوكيد الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير لعمر الله قسمي، فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وقلت: عمر الله ما فعلت كذا وعمرك الله ما فعلت كذا، ومعنى لعمر الله وعمر الله: أحلف ببقاء الله ودوامه، وإذا قلت: عمرك الله فكأنك قلت: بتعميرك الله: أي بإقرارك له بالبقاء. وقول عمر بن أبي ربيعة:
أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا
عَمْرَكَ اللهَ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ؟!
يريد: سألت الله أن يطيل عمرك؛ لأنه لم يرد القسم بذلك، وسهيل تورية، وكذلك الثريا، وهما رجل وامرأة، ولم يرد النجمين. وهو في قول المتنبي مصدر، معناه: سألت الله أن يعمرك تعميرًا! يخاطب المتنبي صاحبه وشبه النساء بالبدور.
(١٦٠) راميات: صفة لبدور — في البيت السابق — والمراد بالأسهم: العيون. والهدب: الشعر الذي على أشفار الأجفان، شبهه بريش السهم. يقول: إن هذه الأسهم تنفذ إلى القلوب فتشقها دون أن تشق الجلود. بخلاف الأسهم المعروفة. قال كثير:
رَمَتْنِي بِسَهْمٍ رِيشُهُ الْكُحْلُ لَمْ يُصِبْ
ظَوَاهِرَ جِلْدِي وَهْوَ فِي الْقَلْبِ جَارِحُ
وقال جميل:
وَمَا صَائِبٌ مِنْ نَابِلٍ قَذَفَتْ بِهِ
يَدٌ وَمُمَرُّ الْعُقْدَتَيْنِ وَثِيقُ
بِأَوْشَكَ قَتْلًا مِنْكِ يَوْمَ رَمَيْتِنِي
نَوَافِذَ لَمْ تُعْلَم لَهُنَّ خُرُوقُ
(بين هذين البيتين بيتان هما:
لَهُ مِنْ خَوَافِي النَّسْرِ حُمٌّ نَظَائِرٌ
وَنَصْلٌ كَنَصْلِ الزَّاعِبِيِّ فَتِيقُ
عَلَى نَبْعَةٍ زَوْرَاءَ أَيْمَا خِطَامُهَا
فَمَتْنٌ وَأَيْمَا عُودُهَا فَعَتِيقُ
صاب السهم نحو الرمية يصوب فهو صائب إذا قصد ولم يجر. والنابل: ذو النبل. وممر العقدتين؛ يريد وترًا أحكمت عقدتا طرفيه، وأصل الممر: الحبل الشديد الفتل. وقوله: من خوافي النسر؛ يريد ريش السهم، وريش النسر أجود للسهم من ريش كل طائر. والحم: جمع أحم، وهو الأسود، وجعلها نظائر في مقاديرها؛ لأن ذلك أقصد للسهم. وقوله: كنصل الزاعبي؛ أي كنصل الرمح الزاعبي. قال الأصمعي: الزاعبي هو الذي إذا هز فكأن كعوبه يجري بعضها في بعض للينه وتثنيه، من قولهم: مر يزعب بحمله إذا مر به مرًّا سهلًا. وقوله: فتيق؛ يريد حادًّا رقيقًا. وقوله: على نبعة؛ يريد قوسًا، وأكرم القسي ما كان من النبع — شجر معروف. وقوله: بأوشك قتلًا منك؛ أي بأسرع. وزوراء؛ أي معوجة، وكلما كانت القوس أشد انعطافًا كان سهمها أمضى. وأيما: يريد أمَّا. وخطام القوس: وترها. ومتن: أي ذو صلابة وقوة. وقوله: وأيما عودها فعتيق: يصف كرم هذه القوس وعتقها.)
(١٦١) رشف الريق وترشفه: مصه. وقوله: أحلى من التوحيد؛ أي كلمة التوحيد. ويروى حلاوة التوحيد: أي هن فيه كحلاوة التوحيد. قال ابن جني: يروى أن المتنبي أنشده هكذا: هن فيه حلاوة التوحيد. وقالوا — للتخلص من هذه المبالغة المفرطة: إن التوحيد نوع من ثمر العراق! والوجه أن يقال: إن مثل هذه المبالغات مقبول مستساغ في مذهب الشعراء؛ على أن أفعل قد لا يراد به تفضيل الأول على الثاني في كل المواضع، وهنا مثلًا قد يراد أن هذا الترشف بلغ المبالغ في الحلاوة حتى ليشبه حلاوة كلمة التوحيد، وقد جاء مثل هذا كثيرًا في كلام العرب. وعبارة الواحدي: كن يمصصن ريقي لحبهن إياي، فكانت الرشفات في فمي أحلى من كلمة التوحيد، وهي لا إله إلا الله، وهذا إفراط وتجاوز حد. وقال ابن القطاع: ذهب كثير من الناس إلى أن لفظة أفعل من كذا توجب تفضيل الأول على الثاني في جميع المواضع، وذلك غلط، والصحيح أن أفعل يجيء في كلام العرب على خمسة أوجه: أحدها أن يكون الأول من جنس الثاني، ولم يظهر لأحدهما حكم يزيد على الأول به زيادة يقوم عليها دليل من قبل التفضيل، فهذا يكون حقيقة في الفضل لا مجازًا، وذلك كقولك: زيد أفضل من عمرو، وهذا السيف أصرم من هذا. والثاني: أن يكون الأول من جنس الثاني، ومحتملًا للحاق به، وقد سبق للثاني حكم أوجب له الزيادة بالدليل الواضح، فهذا يكون على المقاربة في التشبيه لا التفضيل، نحو قولك: الأمير أكرم من حاتم وأشجع من عمرو. وبيت المتنبي من هذا القبيل؛ أي يترشفن من فمي رشفات هن قريب من التوحيد. والثالث: أن يكون الأول من جنس الثاني أو قريبًا منه، والثاني دون الأول، فهذا يكون على الإخبار المحض، نحو قولك: الشمس أضوأ من القمر، والأسد أجرأ من النمر. والرابع: أن يكون الأول من غير جنس الثاني وقد سبق للثاني حكم أوجب له الزيادة، واشتهر الأول من جنسه بالفضيلة، فيكون هذا على سبيل التشبيه المحض، والغرض أن يحصل للأول بعض ما يحصل للثاني، نحو قولك: زيد أشجع من الأسد وأمضى من السيف. والخامس: أن يكون الأول من غير جنس الثاني والأول دون الثاني في الصفة جدًّا، فيكون هذا على المبالغة المحضة، نحو قامته أتم من الرمح ووجهه أضوأ من الشمس، وجاء في الحديث: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر.» ذهب من لا يعرف معاني الكلام إلى أن أبا ذر أصدق العالم أجمع، وليس الأمر كذلك، وإنما نفى — عليه الصلاة والسلام — أن يكون أحد أعلى منه رتبة في الصدق، ولم ينف أن يكون في الناس مثله في الصدق، ولو أراد ما ذهبوا إليه لقال: أبو ذر أصدق من كل من أظلت وأقلت. وروى الأكثر: أحلى من التوحيد، ومن روى حلاوة التوحيد أراد: هي عندي مثل حلاوة التوحيد، فحذف المضاف ورفع.
(١٦٢) الخمصانة — بفتح الخاء وضمها: الضامرة البطن. وعنى برقتها: نعومتها وصفاء لونها. وقوله: بقلب … إلخ؛ أي مع قلب أصلب من الحجر. يقول: أجسامهن ناعمة وقلوبهن قاسية. وقوله: كل، قال العكبري: يجوز فيه الرفع على البدل من الضمير في يترشفهن، وعلى هذا يرفع أرق: حملًا على كل. ويجوز نصبه، وهو في موضع خفض نعتًا لخمصانة، ويجوز نصب كل حملًا على النعت لبدور، فيكون بدل تبيين.
(١٦٣) ذات: صفة أخرى لخمصانة. والفرع: شعر الرأس. وضرب: خلط. وقوله: وعود — في آخر البيت — متعلق بمحذوف، أي ودخن بعود؛ لأن ماء العود لا طيب له، وإنما تفوح رائحته بالاحتراق، وهذا مثل قولهم:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
قال الشريف ابن الشجري في «أماليه»: قوله: وعود، يريد ودخان عود؛ لأن العود لا ماء له. يقول المتنبي: إن شعرها طيب الرائحة، فكأنه خلط بهذه الأنواع من الطيب.
(١٦٤) حالك: نعت فرع، والحالك؛ الشديد السواد. والغداف: الغراب الأسود. والجثل: الكثير الملتف. والدجوجي: المظلم. والأثيث: الكثيف. وقوله: جعد بلا تجعيد: أي خلق جعدًا من غير أن يجعد.
(١٦٥) الغدائر: جمع غديرة، وهي الذؤابة. وتفتر: تبتسم. وعن شنيب: أي عن ثغر شنيب، والشنب: البياض والبريق وتحزيز أطراف الأسنان، وقيل: طيب نكهتها، وقيل: تفليجها. والبرود: البارد. ويروى: عن شتيت، وثغر شتيت: مفرق مفلج. يقول: إنها طيبة الريح فكأن الريح إذا مرت بها تحمل المسك من غدائرها.
(١٦٦) أحمد: يعني نفسه. والتسهيد: السهر. يقول: جمعت بين جسمي والسقام وبين جفوني والسهاد.
(١٦٧) المهجة: دم القلب، وتوضع موضع الروح. والحَين: الهلاك. يقول: هذه روحي أسلمها إليك، ولكن لأجل هلاكي، فإن شئت فانقصي من عذابها بالوصل، وإن شئت زيديها عذابًا بالهجر. وقال العكبري: إن جعل هذه إشارة، فلديك يتعلق بمعنى الإشارة، وإن جعلها نداء — بحذف النداء — كان متعلقًا بالاستقرار.
(١٦٨) أهل: مبتدأ. وبطل: خبره؛ أي يستحق ما بي من الضنى بطل … إلخ. والطرة: شعر الجبهة، وتصفيفها: تسويتها، وهذا البيت كالعلة لما قال في البيت السابق. يقول: افعلي ما شئت فإني أهل لذلك ومستحق له؛ لأن الرجل الشجاع إذا صادته المرأة بتصفيف طرتها وحسن عنقها فهو أهل لما حل به. ويحتمل أنه إنما قال هذا كالمتشفي من نفسه واللائم لها على هذا العشق. وقال ابن القطاع: قوله: أهل ما بي … إلخ، معناه: أنا أهل ما بي وحقيق به وأنا بطل صيد. وعبارة ابن جني: أنا أهل ذلك وحقيق بحسن ما رأيت وأنا بطل صيد … إلخ.
(١٦٩) دم العنقود: الخمر، ويروى: ابنة العنقود. قال الواحدي: وليس الأمر على ما قال؛ لأن شرب الخمر لا يحل، إلا أن يريد بدم العنقود العصير، أو ما لا يسكر من المطبوخ. أقول: إن مثل هذا إنما يقوله الفقهاء وأشباه الفقهاء، وكلام المتنبي سائغ في مذهب الشعراء، وهو من قبيل قول أبي نواس:
فِي مَجْلِسٍ ضَحِكَ السُّرُورُ بِهِ
عَنْ نَاجِذَيْهِ وَحَلَّتِ الْخَمْرُ
أي حلت الخمر المحرمة. والمعنى: إن المجال بلغ من البهجة والمراح والانبساط الغاية التي لا بعدها. قال العكبري: وسميت الخمر دمًا؛ لأنها تسيل من العنقود كما يسيل دم المقتول. وقال: قوله ما خلا، إذا قلت: جاء القوم ما خلا زيدًا، فليس إلا النصب، وإذا قلت: جاء القوم خلا زيد: كان الجر لا غير. وقال ابن جني: إذا أسقط «ما» جررت، وكان أقوى من النصب، لاحتماله إياه.
(١٧٠) طارفي وتليدي: معطوفان على نفسي. وقوله: من غزال؛ تخصيص له بالفداء من جملة الغزلان، ومثله: أفديك من رجل. والطارف — ومثله الطريف: ما استحدث عندك من مال. والتالد — ومثله التليد: ما كان عن إرث الآباء. يقول: اسقني الخمرة فأنا أفديك بنفسي وما أملك. قال العكبري: أنث الضمير في اسقنيها؛ لأنه أراد بالدم الخمر. وذكر ضمير عينيك، والأفعال بعد، لقوله: من غزال على لفظه لا معناه؛ لأن المراد بالغزال المعشوقة وتقدير الكلام: فدًى لعينيك من غزال نفسي وطارفي وتليدي.
(١٧١) شيب رأسي: مبتدأ، وما بعده: عطف عليه، وشهودي خبره، وعلى هواك: متعلق بشهودي. وهذا من قول الآخر:
أَوَمَا كَفَاكَ تَغَيُّرِي؟
وَنُحُولُ جِسْمِي شَاهِدَا
(١٧٢) أي: منصوب على الظرفية؛ أي في أي يوم. وراعه: أفزعه. يقول: لم تسرني يومًا بالوصال إلا رعتني ثلاثة أيام بالصد والإعراض. وقال العكبري: أي نصب، وهو استفهام خرج مخرج النفي، كما تقول لمن يدعي أنه أكرمك: أيَّ يوم أكرمتني قط.
(١٧٣) المُقام بمعنى الإقامة. ونخلة: قرية لبني كلب قرب بعلبك. يقول: إن أهل هذه القرية أعداء لي، كما كانت اليهود أعداءً للسيد المسيح. قال الواحدي: وبهذا البيت لقب بالمتنبي؛ لتشبيهه نفسه بالسيد المسيح في هذا البيت، وبصالح عليه السلام فيما بعده.
(١٧٤) المفرش: موضع الفراش. ومفرشي … إلخ: في موضع الحال. والصهوة: مقعد الفارس من ظهر الفرس. والحصان: الفرس الفحل. والمسرودة: الدرع المنسوجة من الحديد. يقول: إنني شجاع، مكاني ظهر الفرس، وثيابي الدروع؛ أي إنني أبدًا بهذه القرية على هذه الحالة تيقظًا وتأهبًا.
(١٧٥) لأمة: درع ملتئمة الصنعة، بدل من قوله مسرودة. وفاضة: سابغة، يقال: درع فاضة؛ أي تفيض على جسم لابسها فتعمُّه. والأضاة: الغدير؛ شبه الدرع به لبريقها وصفائها. والدلاص: البراقة اللينة الملساء. ودرع دلاص وأدرع دلاص، الواحد والجمع على لفظ واحد. وداود: هو سيدنا داود، أول من عمل الدرع، كما قال جل شأنه: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. يقول: قميصي لأمة محكمة النسج من صنع داود … إلخ.
(١٧٦) يقول: إذا قنعت من الدهر بعيش قد عُجِّل لي نكده وأبطأ على خيره، فأين فضلي؟ يعني إذن لا فضل لي، فكأنه قد خفي فليس يرى. ثم قال في البيت الثاني: لقد تعبت في طلب الرزق ولم أحصل من ذلك بطائل، ومن ثم ضاق صدري لكثرة ما نصبت، وطال سفري وقل قعودي عن السفر.
(١٧٧) يقول: إنه طموح، بعيد الهمة دائب السعي وإن قل حظه من الرزق، كما قال أبو تمام:
هِمَّةٌ تَنْطَحُ النُّجُومَ وَجَدٌّ
آلِفٌ لِلْحَضِيضِ فَهْوَ حَضِيضُ
وقال الآخر:
وَلِي هِمَّةٌ فَوْقَ نَجْمِ السَّمَاءِ
وَلَكِنَّ حَالِيَ تَحْتَ الثَّرَى
فَلَوْ سَاعَدَتْ هِمَّتِي حَالَتِي
لَكُنْتَ تَرَى غَيْرَ مَا قَدْ تَرَى
(١٧٨) يقول: لعل العزيز الحميد سبحانه وتعالى مبلغني فوق ما أرجو، فيكون ما أرجوه الآن بعض ما سأبلغه. أو تقول: إن الكلام على القلب: أي لعلي بلطف العزيز الحميد أبلغ بعض ما أرجوه. وعبارة الواحدي يقول: لعلي راجٍ بعض ما أؤمله بلطف الله. ثم قال: وفيه وجه آخر، وهو أن المرجو محبوب، والمكروه لا يكون مرجوًّا بل يكون محذورًا، فهو يقول: لعلي راجٍ بعض ما أبلغه وأدركه من فضل الله؛ أي ليس جميع ما أبلغه مكروهًا، بل بعضه مرجو ومحبوب. وقال ابن القطاع: أوخذ في قوله: ولعلي مؤمل … إلخ؛ إذ كيف يؤمل بعض ما يبلغ؟ وإنما وجه الكلام أن يقول: ولعلي أبلغ بعض ما أؤمل، وليس كذلك، بل المعنى: ولعلي أبلغ آمالي، وأزيد عليها حتى يكون ما أؤمله بعض ما أبلغه. وقيل معناه: أنا أؤمل أكثر ما أطلب، فلعلي بالغ بعض ما أؤمله؛ لأن ما أؤمله بعض ما أبلغه أو؛ لأن ما أؤمله لا يبلغ إليه أحد.
(١٧٩) السرى: الماجد الشريف. والمروي: ثياب رقاق تنسج بمرو؛ وهي بلد بفارس. يقول: لعلي بالغ بعض ما أؤمله بلطف الله لِسَرى — يعني نفسه — يتقشف في لبسه فلباسه القطن الخشن، والعرب تتمدح بخشونة الملبس والمطعم، وتعيب الترف والنعيم، أما الثياب الرقيقة فهي لبس اللئام. ويروى بسرى: أي أبلغه بإقدام هذا السرى وهمته.
(١٨٠) البنود: الأعلام الكبيرة، وخفق البنود: اضطرابها. يقول: إما أن تعيش عزيزًا ممتنعًا من الأعداء، أو تموت موت الكرام في الحرب؛ لأن القتل في الحرب يدل على شجاعة المقتول، والقتل خير من العيش في ذل.
(١٨١) الغل: الحقد. يقول: إذهاب الغيظ بالرماح أكثر من إذهابه بالسلم، وأشفى لغل صدر الحقود من أعدائه. وقال العكبري: تقول ذهبت بالغيظ ولا تقول: ذهبته بل أذهبته، والوجه أن يقول: أشد إذهابًا لغيظ؛ لأن أفعل لا يبنى من الإفعال إلا في ضرورة الشعر ولكنه جاء على حذف الزوائد، ولو قال: بالغيظ لاستغنى.
(١٨٢) يقول: عش عزيزًا أو مت في الحرب كريمًا، ولا تعش كما عشت إلى الآن ذميمًا لا تستطيع أن تصطنع الناس فيحمدوك، فإذا أنت مت وجدوا مثلك كثيرًا فلا يفتقدونك ولا يكترثون لموتك؛ لأنهم إنما يبالون مَن له إقدام وشجاعة وأفاعيل يذكر بها. هذا، ويقال: حيى يحيا حياة وحيَّ — بالإدغام — وقوله تعالى: وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ، قال الفراء: كتابتها على الإدغام بياء واحدة هي أكثر القراءات.
(١٨٣) لظى: من أسماء جهنم وهي معرفة لا تنصرف، والكلام كله مبالغة في طلب العز والبعد من الذل، وإلا فلا عز في جهنم ولا ذل في الجنة.
(١٨٤) البخنق: خرقة تقنع بها الرأس وتشد تحت الحنك. يقول: قد يقتل العاجز الجبان، فليس العجز والجبن من أسباب البقاء، فإياك والعجز والجبن حبًّا للبقاء.
(١٨٥) المخش: الجريء على الليل والدخال في الأمور والحروب. وخوَّض: بالغ في الخوض. واللبة: أعلى الصدر. وماؤها: دمها. والصنديد: السيد الشجاع. والبيت تكملة لما ذكره في البيت السابق. يقول: كما أن العاجز الجبان قد يقتل يسلم الشجاع المغوار، وقد خاض في الحروب حتى غاص في دماء الصناديد؛ يحث على الإقدام كما نهى عن الجبن فيما قبله.
(١٨٦) هذا كما قال القائل:
نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا
وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ وَالْإِقْدَامَا
وَصَيَّرَتْهُ مَلِكًا هُمَامَا
حَتَّى عَدَا وَجَاوَزَ الْأَقْوَامَا
(عصام: هو حاجب النعمان بن المنذر، وهو عصام بن شهبر الجرمي، وفي المثل: كن عصاميًّا ولا تكن عظاميًّا، يريدون به قول عصام هذا. والعظامي: الذي يفتخر بآبائه ويتكل على مجدهم.)
وقال عامر بن الطفيل:
وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ ابْنَ سَيِّدِ عَامِرٍ
وَفَارِسَهَا الْمَشْهُورَ فِي كُلِّ مَوْكِبِ
فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ
أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُو بِأَمٍّ وَلَا أَبِ
وَلَكِنَّنِي أَحْمِي حِمَاهَا وَأَتَّقِي
أَذَاهَا وَأَرْمِي مَنْ رَمَاهَا بِمَنْكِبِ
(أسمو: من السمو؛ وهو: العلو والارتفاع. وقوله: بمنكب، يريد: أرمى من رماها بجماعة رؤساء من الفوارس، والمنكب: رأس العرفاء. وقيل: أعوان العرفاء من النكابة، وهي العرافة.)
قال الواحدي: لو اقتصر المتنبي على هذا البيت لكان ألأم الناس نسبًا. لكنه قال بعده البيت التالي.
(١٨٧) كل من نطق الضاد: العرب؛ لأن الضاد لا توجد في غير العربية. يقول: على أنه بقومي فخر العرب جميعًا، وبهم عوذ الجاني؛ أي إن من جنى جناية وخاف على نفسه لجأ إلى قومي ليأمن على نفسه، وبهم غوث الطريد — وهو الذي نفي وطرد — أي إنه يستغيث بهم فيغيثونه وينصرونه.
(١٨٨) المعجب: الذي يعجب بنفسه. والعجيب: الذي يعجب غيره. يقول: إن كنت معجبًا بنفسي فهذا العجب صادر من رجل عجيب لا يرى لأحد مزية يمتاز بها عليه، فليس عجبي إذن بمنكر.
(١٨٩) ترب الإنسان: من ولد معه في وقت، والندى: الجود، والسمام: جمع سم. يقول: أنا أخو الجود ولدنا معًا، وأنا رب القوافي ومبدعها، إذ لم أسبق إلى مثلها، وأنا قاتل أعدائي كما يقتل السم، وأنا غيظ حسادي؛ لأنهم يتمنون مكاني فلا يدركونه فيغتاظون.
(١٩٠) تداركها الله: جملة معترضة، وهي إما دعاء لها، أي: تداركهم الله بالإصلاح ونجاهم من لؤمهم، أو دعاء عليهم: أي أدركهم الله بالإهلاك لأنجو منهم. هذا، وثمود: قبيلة من العرب الأول واختلف القراء في إعرابه في كتاب الله: فمنهم من صرفه: ومنهم من لم يصرفه، فمن صرفه ذهب إلى الحي؛ لأنه اسم عربي مذكر سمي بمذكر، ومن لم يصرفه ذهب به إلى القبيلة، وهي مؤنثة.
(١٩١) أقصر عن الشيء: إذا كف عنه وهو قادر عليه، وقصر عنه: إذا عجز عنه، وقصر فيه: إذا لم يبالغ، والضمير في بلغ: للرد، والجملة استئناف. يقول: إن ودي إياك قد بلغ الغاية وتجاوز الحد بحيث لا يقبل الزيادة، فكف عن البر فإنك لا تزيدني بذلك ودًّا. وهذا من قول ذي الرمة:
وَمَا زَالَ يَعْلُو حُبُّ مَيَّةَ عِنْدَنَا
وَيَزْدَادُ حَتَّى لَمْ نَجِدْ مَا يَزِيدُهَا
(١٩٢) أرسلتها: أي الجامة، ومملوءة حمدًا: يريد ما كتبه إليه على جوانبها.
(١٩٣) طفح الإناء: امتلأ. وتطفح: حال؛ أي طافحة. ومثنى: حال أخرى. والضمير في به: للحمد؛ أي الأبيات التي عليها. يقول: جاءتك الجامة طافحة بالحمد وإن كان فارغة مما كان فيها، وقد شفعتها بالحمد — لأنه كتب هذه الأبيات على جوانبها — فصارت بذلك شيئين لا شيئًا واحدًا كما تظنها.
(١٩٤) الخلائق: ما خلق عليه الإنسان. يقول: إن أخلاقك الشريفة تأبى عليك ألا تشتاق إلى أوليائك وتذكر عهودهم. قال العكبري: قوله: أن لا تحن، أن ها هنا هي المخففة من الثقيلة، ودخلت لا لتفصل بينها وبين الفعل؛ فلهذا رفع تحن وتذكر، ومثله قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي في قوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ بالرفع، وروى جماعة هذا الحرف — أن لا تحن وتذكر — بالنصب، وجعلوا أن هي الناصبة، ولم يعتدوا بلا، كقراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم.
(١٩٥) اسم كانت: ضمير الخلائق. يقول: لو كنت زمانًا ينبت الأزهار لكنت زمان الربيع، وكانت أخلاقك الورد؛ أي أنك بين الرجال كالربيع بين الأزمنة، وأخلاقك بمنزلة الورد من الأزهار. هذا، والعَصْر والعُصْر والعُصُر والعِصْر: الدهر.
قال امرؤ القيس في العُصُر:
أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي
وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي
والجمع: أَعْصُر وأعصار وعُصُر وعصور. قال العجاج:
وَالْعَصْرِ قَبْلَ هَذِهِ الْعُصُورِ
(أول هذا الرجز:
جَارِي لَا تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي
سَيْرِي وَإِشْفَاقِي عَلَى بَعِيرِي
العذير: الأمر الذي يحاوله الإنسان فيعذر فيه: أي لا تستنكري ما أحاوله معذورًا فيه. وسيري: عطف بيان له، أو بدل منه. وجاري: منادى مرخم؛ أي يا جارية.
راجع: «الرجز في أراجيز العرب للبكري».)
والعصران: الليل والنهار. قال حميد بن ثور:
وَلَنْ يَلْبَثَ الْعَصْرَانِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ
إِذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا
(قبله:
أَرَى بَصَرِي قَدْ رَابَنِي بَعْدَ صِحَّةٍ
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَصِحَّ وَتَسْلَمَا
أي إن الصحة والسلامة مؤديتان إلى الهرم، وهو الداء الذي لا دواء له.)
(١٩٦) يقول مخاطبًا أحبته: اليوم ألقاكم مودعًا، فمتى يكون اللقاء بعد هذا الفراق؟ ثم استأنف فقال: هيهات؛ أي بَعُدَ ما أطلب، ليس لهذا اليوم — يوم لقائكم للوداع — غد؛ أي لا أطمع في أن أعيش بعد فراقكم، فلا غد لي بعد هذا اليوم. وأين، وإن كانت سؤالًا عن المكان إلا أن المراد بها هنا ما يراد بمتى؛ أي السؤال عن الزمان. وهيهات: كلمة تبعيد، قال جرير:
فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَمَنْ بِهِ
وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيقِ نُحَاوِلُهْ
(نحاوله: يروى نواصله. والعقيق: اسم وادٍ بالمدينة. والخل: الصديق. وهيهات: اسم فعل بمعنى بعد.)
والتاء مفتوحة مثل كيف، وأصلها هيهاه، وكذلك وقف عليها أحمد البزي عن ابن كثير والكسائي بالهاء رداها إلى الأصل. وقد كسرها جماعة من العرب؛ قال حميد الأرقط يصف إبلًا قطعت بلادًا حتى صارت في القفار:
يُصْبِحْنَ بِالْقَفْرِ أَتَاوِيَّاتِ
مُعْتَرِضَاتٍ غَيْرَ عُرْضِيَّاتِ
هَيْهَاتِ مِنْ مُصْبَحِهَا هَيْهَاتِ
(يقال: رجل أتاوي؛ إذا كان غريبًا في غير بلاده، فقوله: يصبحن أتاويات؛ أي غريبة من صواحبها لتقدمهن وسبقهن. ومعترضات: أي نشيطة لم يكسلهن السفر، غير عرضيات: أي من غير صعوبة، بل ذلك النشاط من شيمهن.)
وقد أبدلوا الهاء الأولى منها همزة فقالوا: أيهات كهراق وأراق، قال الشاعر:
أَيْهَاتَ مِنْكَ الْحَيَاةُ أَيْهَاتَا
وقال الجوهري في «صحاحه»: قال الكسائي: من كسر التاء وقف عليها بالهاء، ومن فتحها وقف عليها بالتاء وإن شاء بالهاء، قال أبو محمد عبد الله بن بري النحوي في أخذه على الجوهري: قال أبو علي الفارسي: من فتح التاء وقف بالهاء؛ لأنه اسم مفرد، ومن كسر وقف عليها بالتاء؛ لأنه جمع لهيهات المفتوحة، وقال الأخفش: يجوز في هيهات أن تكون جماعة، فتكون التاء التي فيها تاء الجمع التي للتأنيث، ولا يجوز ذلك في اللات والعزى؛ لأن لات وكيت لا يكون مثلهما جماعة، لأن التاء لا تزاد في الجماعة إلا مع الألف، فإن جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد.
(١٩٧) المخلب: للمفترس من السباع وجوارح الطير؛ واستعاره للموت لأنه بإهلاكه الحيوان كأنه يفترسه. يقول: إذ تزمعون الفراق فإن الموت سيدركني قبل أن تفارقوني فزعًا من البين، والحياة تكون عني أبعد منكم. وقوله: لا تبعدوا، دعاء لهم؛ أي لا بعدتم عني ولا فارقتموني أبدًا، ومن رواه بفتح العين فهو من البَعَد — بفتحتين — بمعنى الهلاك؛ أي لا هلكتم ولا فجعت بكم، قال تعالى: أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ. أما بضم العين فهو من البعد؛ بمعنى البين والفراق. وقوله: مخلبًا، يروى مطلبًا، ومعناه أطلب الموت قبل فراقكم؛ أي لو خيرت بينهما لطلبت الموت ولم أطلب فراقكم.
(١٩٨) يقول: إن التي عصفت بي وأتت علي وقتلتني بعيونها لم تدرِ أن دمي في عنقها وأنها باءت بإثم قتلي، يقال: تقلد الإثم ونحوه؛ أي لزمته تبعته، وتقلد الأمر: أخذه في عنقه، وأصله من القلادة. ومنه تقليد القضاة القضاء؛ أي جعله في أعناقهم. وكذلك تقليد الولاة.
(١٩٩) يقول: لما رأت اصفرار وجهي — وجدًا بفراقها — قالت: من به؟ أي: من فعل به هذا الذي أراه؟ أو مَن المطالب به؟ وتنهدت: أي علا صدرها لشدة تنفسها، وزفرت استعظامًا لما رأت. فأجبتها وقلت: الذي فعل بي هذا — أو المطالب بي — هو المتنهِّد؛ أي أنت. وقال العكبري: يجوز أن يكون «قالت» جوابًا لظرف محذوف؛ أي لما رأت اصفراري قالت. ويجوز أن يكون خبر إن — في البيت قبله — ويكون عجز البيت: لم تدر … إلخ، جملة في موضع نصب على الحال.
(٢٠٠) اللجين: الفضة. والعسجد: الذهب. وقوله: وقد صبغ الحياء بياضها لوني، عدى الصبغ إلى مفعولين؛ لأنه يضمن معنى الإحالة، كأنه قال: أحال الحياء بياضها لوني. يقول: إنها استحيت فاصفر لونها، كأنها فضة قد مسها ذهب. قال الواحدي: إن الحياء لا يصفر اللون بل يحمره، ولكن هذا الحياء كان مختلطًا بالخوف؛ لأنها خافت الفضيحة على نفسها، أو خافت أن يسمع الرقيب هذا الكلام، أو خافت أن تطالب بدمه، فاستشعارها خوف ما جنت من القتل غلب سلطان الحياء فأورث صفرة.
(٢٠١) قرن الشمس: أول ما يبدو منها وهو أصفر، وقرن الشمس: مفعول أول لرأيت، والمفعول الثاني: الظرف بعده. ومتأودا: أي متمايلًا، حال من قمر. وغصن: مبتدأ. ويتأود: خبره. والضمير في به: للقمر. والجملة: بدل من متأودًا؛ أي حال كونه متأودًا يتأود به غصن. ويجوز أن يكون غصن فاعل متأودًا، ويتأود: نعت لغصن؛ أي حال كونه متأودًا به غصن يتأود. يقول: إنها لما اصفر لونها كانت تلك الصفرة في بياضها كالشمس إذا حلَّت في القمر الذي يميل به غصن قامتها، يعني أن قامتها تتمايل بوجهها في حال مشيتها. وقال ابن جني: قد جمعت بين حسن الشمس والقمر، وجعل قامتها غصنًا متمايلًا شبيهًا بالقضيب لاعتداله وتمايله وتثنيه. يريد: كانت كالقمر في بياضها فلما اصفرت خجلًا صارت الصفرة في بياضها كقرن الشمس.
(٢٠٢) عدوية: أي من بني عدي، وبدوية: نسبة إلى البادية، أو البدو — على غير قياس — وعدوية، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي عدوية، أو قاتلتي عدوية. ومن دونها: خبر مقدم، وسلب النفوس: مبتدأ مؤخر. يقول: إنها من قومها في منعة، قبل الوصول إليها تسلب أرواح طالبيها وتوقد نيران الحروب، فمن حاول الوصول إليها صلي بنار الحرب.
(٢٠٣) وهواجل … إلخ: عطف على سلب النفوس — في البيت السابق — والهواجل: جمع هوجل؛ وهو المفازة لا أعلام بها. والصواهل: الخيل. والمناصل: السيوف. والذوابل: الرماح. يقول: دون الوصول إليها هذه الأشياء. قال العكبري: والهواجل أيضًا: النوق، ويجوز أن يريد بها النوق ليكون أليق بالبيت؛ لأن ذكر النوق مع الخيل أشبه من ذكر الأرض مع الخيل.
(٢٠٤) أبلت: من البلى. ومشى عليها: أي على مودتها. يقول: أبلاها بعد العهد وأنساها مودتها إيانا. وقوله: ومشى عليها الدهر وهو مقيد: مبالغة في الإبادة؛ أي وطئها وطأ ثقيلًا كوطء المقيد، وذلك أن المقيد لا يقدر على خفة المشي ورفع الرجلين، فهو يطأ وطأً ثقيلًا. وقال ابن جني: هذا مثل واستعارة؛ وذلك أن المقيد يتقارب خطوه، فهو يريد أن الدهر دب إليها فغيرها. قال الواحدي: وهذا فاسد بقوله عليها، ولو أراد ما قال لقال: ومشى إليها الدهر، كما قال أبو تمام:
فَيَا حُسْنَ الرُّسُومِ وَمَا تَمَشَّى
إِلَيْهَا الدَّهْرُ فِي صُوَرِ الْبِعَادِ
(٢٠٥) برح به الأمر وأبرح به: جهده واشتد عليه. وأراد بالممرض: نفسه. والعوَّد: الذين يزورون المريض خاصة. يقول: لقد برحت به الجفون الذوابل، واشتد عليه ما يلاقيه من جراء حبها حتى مرض طبيبه وزواره — حين هالهم مرضه — رحمة له ورثاءً لحاله. وقد ذهب ابن جني إلى أن المعنى: برحت: تجاوزت الحد، وعني بالممرض: جفنها، ومرض الطبيب وعيد العود مثل؛ أي تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجت إلى طبيب وعود، يبالغ في شدة مرض جفنها. قال ابن فورجة ينتقده: أبرح ابن جني في التعسف، ومن الذي جعل مرض الجفون متناهيًا، وإنما يستحسن من مرض الجفون ما كان غير مبرح، كقول أبي نواس:
ضَعِيفَةُ كَرِّ اللَّحْظِ تَحْسَبُ أَنَّهَا
قَرِيبَةُ عَهْدٍ بِالْإِفَاقَةِ مِنْ سُقْمِ
ولو أراد تناهيه لقال: تحسبها في برسام (البرسام: التهاب الصدر.) أو نزع روح … إلى أن قال: والدليل على كون الممرض هو المتنبي: قوله بعد:
فَلَهُ بَنُو عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرِّضَا
وقوله: يا مرض الجفون: يروى يا مرض الجفون — بكسر الراء — وهو قليل في الاستعمال، إنما يقولون: فلان مريض، والقياس لا يمنع من قولك: رجل مرض كسقم قال الأعشى:
يَقْضِي بِهَا الْمَرْءُ حَاجَاتِهِ
وَيُشْفَى عَلَيْهَا الْفُؤَادُ السَّقِمْ
(٢٠٦) فله: أي للممرض المذكور — وهو المتنبي — والعيس: كرام الإبل. والفدفد: المفازة. يقول: إن هؤلاء الممدوحين هم الذين ينتجعهم ويبلغ بهم آماله، بينما سائر الناس من الراكبين المسافرين الذين يقصدون غير هؤلاء ليس لهم إلا الإبل والصحراء؛ أي لا يحصلون من سفرهم على شيء سوى التعب وجوب الطريق. وقال ابن جني: يريد أنه اختار هؤلاء القوم دون الناس وترك المقاصد لمن يريدها من الركبان. وقال ابن القطاع: يريد أنهم يجودون على كل أحد فكأنهم يعطون لكل ركب ركابهم وأرضهم.
(٢٠٧) من: استفهام، معناه الإنكار. وشأم: أي يا شأم. يقول: ليس في الخلق كلهم كريم يصمد إليه غير شجاع، ولا تقل: من فيك يا شأم؟ أي: لا تخص الشأم وحدها بهذا الكلام؛ لأنه ليس أوحدها حسب، بل هو أوحد جميع الخلق وتقدير الكلام: من في الأنام من الكرام يقصد سوى شجاع، ولا تقل: يا شأم من فيك، فإنه أوحد الدنيا كلها، لا واحد الشأم. ووجه آخر: أن معناه الاستفهام، وقد حذف منه الفعل، كأنه قال: قل يا سامع من في الأنام من الكرام؟ ولا تقل ذلك للشأم؛ لأنه قد علم أنه ليس من يقصد إلا هذا الممدوح. هذا، والشأم تذكر وتؤنث؛ قال ابن بري: شاهد التأنيث قول جواس بن القعطل:
جِئْتُمْ مِنَ الْبَلَدِ الْبَعِيدِ نِيَاطُهُ
وَالشَّأْمُ تُنْكَرُ كَهْلُهَا وَفَتَاهَا
(كهلها وفتاها: بدل من الشأم.) وشاهد التذكير قول الآخر:
يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّامَ يَقْتُلُ أَهْلَهُ
فَمَنْ لِي إِنْ لَمْ آتِهِ بِخُلُودِ؟
وقال ابن جني: الشأم مذكر، وأجاز تأنيثه في الشعر، والنسبة إليها شأمي، وشآم على فعال، ولا تقل: شأم، وما جاء في ضرورة الشعر فمحمول على أنه اقتصر من النسبة على ذكر البلد، وشاهد شآم في النسبة قول أبي الدرداء ميسرة:
فَهَاتِيكَ النُّجُومُ وَهُنَّ خُرْسٌ
يَنُحْنَ عَلَى مُعَاوِيَةَ الشَّآمِ
وامرأة شامية، وشآمية مخففة.
(٢٠٨) لجوده: خبر مقدم، وما يقتنى: مبتدأ مؤخر، وكذا لسيفه ما يولد. ويقتنى: من القنية والادخار. وسطا: قهر، والسطو: القهر بالبطش. يقول: لما أخذ في العطاء أكثر حتى قلت في نفسي: إنه سيعطي جميع ما يقتنيه الناس، ولما سطا على الأعداء أكثر القتل حتى قلت: إنه سيقتل كل مولود، فتكون المقتنيات جميعًا لجوده، والنسل كله لسيفه. قال الواحدي: ويجوز أن يكون المعنى: أعطى فقلت لجوده مخاطبًا: لا يقتني أحد مالًا؛ لأنهم يستغنون بك عن الجمع والادخار، وسطا فقلت لسيفه: انقطع النسل، فقد أفنيت العباد. ووجه آخر: أعطى فقلت: جميع ما يقتني الناس من جوده وهباته، وسطا فقلت: لسيفه ما يولد بعد هذا، يشير إلى إبقائه على من أبقى مع اقتداره على الإفناء، فجعلهم طلقاءه وعنقاءه. قال ابن جني: ظاهره وباطنه هجاء — يعني: المصراع الثاني — وأحسن منه قول أبي تمام:
لَمْ تَبْقَ مُشْرِكَةٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَتْ
إِنْ لَمْ تَتُبْ أَنَّهُ لِلسَّيْفِ مَا تَلِدُ
فجعله على المشركة وما ولدت، واحتاط بأن قال: إن لم تتب، وأبو الطيب قاله على الإطلاق على العلماء والأشراف والملوك؛ فكأنه هجا الرجل وجعله يقتل من صادف بلا معنى يوجب القتل.
(٢٠٩) يقول: إن أوصاف المادحين له حارت، كيف تحصي فضائله؛ لأنها وجدت طرائق الممدوح ومسالكه التي تحمد وينوه بها بعيدة على الأوصاف، لا تدركها.
(٢١٠) المعترك: ساحة القتال. والمفرية: المشقوقة. يقول: إنه يقطع كُلَى أعدائه، فالكُلَى تذم منه ما تحمده الأسنة، وهو الإصابة في الطعن وجودة الشق، والكلى تذم هذا؛ لأنه منافٍ للرحمة، والأسنة تحمده؛ لأنه بذلك أحسن استخدامها. وقال الواحدي: الناس يرون الكلى مشقوقة فيذمونه إذ لا رحمة له، ويرون الأسنة منكسرة فيحمدونه لشجاعته، فأضاف الحمد والذم إلى الكلى والأسنة؛ لأنهما السبب.
(٢١١) نقم: مبتدأ، خبره: نعم، وعلى — الأولى — متعلقة بيصبها: والجملة نعت نقم، وعلى — الثانية — متعلقة بمستقر محذوف نعت نعم. يقول: إن النقم التي يصبها الممدوح على الأعداء — مضافة إلى نقم الزمان — هي نعم على الأولياء مضافة إلى نعمه التي لا تجحد، يعني اعتزاز أوليائه بذلة أعدائه وما يستفيدونه من الغنائم بنكبتهم.
(٢١٢) الشأن: الحال والأمر. والبنان: الأنامل. والجنان: القلب. يقول: في أحواله كلها إذا تفقدتها عجب؛ لأنها لم تكمل في أحد سواه، فأي خصاله رأيت حمدتها.
(٢١٣) أسد: خبر عن مبتدأ محذوف؛ أي هو أسد. ودم الأسد: مبتدأ، وخضابه: خبر، وموت — كذلك — خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو موت، والجملة بعده نعت له. والهزبر: الشديد. والفريص: جمع فريصة؛ وهي لحمة عند الكتف تضطرب عند الخوف. يقول: هو شجاع يتلطخ بدم الأسد حتى يصير كالخضاب له، وهو موت لأعدائه، حتى ليخافه الموت وترتعد منه فرائصه.
(٢١٤) الإثمد: نوع من الكحل. يقول: ليست منبج — وهي بلد الممدوح، وعلى مرحلتين من حلب — مذ غبت عنها إلا كالمقلة الساهدة، ووجهك لها بمنزلة النوم والكحل — وهما اللذان تصلح بهما العين — يعني أن صلاح منبج بحضورك.
(٢١٥) هذا من قول أبي تمام:
وَكَانَتْ وَلَيْسَ الصُّبْحُ فِيهَا بِأَبْيَضٍ
فَأَضْحَتْ وَلَيْسَ اللَّيْلُ فِيهَا بِأَسْوَدِ
(٢١٦) الفرقد: نجم قريب من القطب الشمالي يهتدى به، وبجانبه آخر أخفى منه، فهما فرقدان. قال قائلهم:
وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ
لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ
يقول: ما زلت تقرب من هذا البلد، وكلما قربت منه ازداد رفعة بقربك حتى صار ثراه فوق الفرقدين رفعة وعلوًّا.
(٢١٧) أرض: خبر عن محذوف؛ أي هي أرض. وسواها: مبتدأ، خبره: مثلها. وقال بعض الشراح: خبره: لها شرف، والضمير في لها: يرجع إلى سواها، ومثلها: نعت شرف، وهو على حذف مضاف؛ أي مثل شرفها. يقول: هي أرض لها شرف، وسواها لها شرف مثل شرفها، لو وجد فيها مثلك؛ أي إنما شرفها بك، فلو وجد مثلك في غيرها لساواها هذا الغير في الشرف.
(٢١٨) يقول: إن أعداءك أظهروا السرور بقدومك؛ خوفًا منك لا ابتهاجًا بك، وعندهم من الحسد والخوف ما يقيمهم ويقعدهم؛ أي يزعجهم ويقلقهم.
(٢١٩) قطعتهم حسدًا: أي إنهم حسدوك فماتوا بشدة حسدهم إياك، فكأنك قطعتهم إربًا. وقوله: أراهم ما بهم؛ أي أراهم الحسد ما بهم من التقصير عنك والنقص دونك، فتقطعوا من الحسد لمن لا يحسد أحدًا، لأنه ليس فوقه أحد فيحسده، ولأن الحسد ليس من أخلاقه. فقوله: حسدًا هو تمييز. وفاعل أراهم: ضمير الحسد.
(٢٢٠) انثنوا: رجعوا. والجلمد: الصخر. والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر وحمارَّة القيظ، وقيل: شدة الحر. يقول: حتى انصرفوا عنك وعن مباهاتك عالمين بتخلفهم عنك وفي قلوبهم من حرارة الحسد والموجدة ما لو كان في هاجرة لذاب الحجر. وقوله: ولو انَّ: حرك الساكن وأسقط الهمزة كقراءة ورش: وَمَنَ اظْلَمُ ونحوه.
(٢٢١) العلج — في الأصل — حمار الوحش السمين القوي، أطلقوه على الغليظ الضخم الجافي من كفار العجم؛ والمراد هنا: قواد الروم. يقول: لما نظروا إليك ورأوا هيبتك وأنك سيد القوم، لم يروا من حولهم من ساداتهم؛ أي لم يخطر لهم سيد من ساداتهم على بال، أو قد شغلوا بالنظر إليك عن النظر إلى غيرك، فصاروا كأنهم لا يرون أحدًا سواك ممن حولهم، ورأوا منك ما دلهم على سيادتك، فقالوا: هذا هو السيد لا سواه من ساداتهم.
(٢٢٢) هذا البيت مترتب على ما قبله: إنك كنت وحدك مثلهم جميعًا؛ لأنك وحدك اغترقت أعينهم وشغلتها عن غيرك وصار غيرك كأنه لا وجود له بجانبك، بحيث لو فقدوا كنت كلَّ مَن بذلك المكان، فأنت مفردًا مثلهم جميعًا. وهذا المعنى ينظر لقول أبي نواس:
وَلَيْسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ
أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ
وعبارة الواحدي: المعنى أنهم لصغرهم في جنبك كأنهم لا وجود لهم، وإذا فقدوا كنت أنت كل من بذلك المكان، ثم حقق هذا المعنى بالمصراع الثاني، وأتى بكاف التشبيه دلالة على أن هذا تمثيل لا حقيقة، ومعنًى لا وجودًا.
(٢٢٣) لهفان: حال من التاء في بقيت بينهم، وأصل اللهف: حرارة الجوف من شدة وكرب ونحو ذلك، والمراد باللهفان هنا: الممتلئ غضبًا. ويستوبي: يستفعل من الوباء، وأصله: يستوبئ، فخفف للضرورة. والورى: فاعل يستوبي، والحجا: العقل. والسؤدد: السيادة. ونهنهه: كفه ورده، من النهى. يقول: بقيت غضبان حتى استوبأ الناس الغضب الذي بك؛ أي ظنوه وباءً مهلكًا لهم، لو لم ينهك سؤددك وحلمك عن إهلاكهم.
(٢٢٤) يقول: كن في أي موضع شئت من البلاد، فإنا ننتجعك ونصمد إليك؛ فإن الأرض التي تغدو ونروح عليها واحدة ليس هناك أرض غيرها، وأنت أوحدها لا نظير لك فيها، وإذن لا مندوحة عن السفر إليك وإن طال؛ لعدم وجود غيرك ممن يستأهل أن يصمد إليه. وقال ابن جني: فالأرض واحدة؛ أي ليس علينا للسفر مشقة لإلفنا إياه. قال العروضي: ليت شعري أي مدح للممدوح في أن يألف المتنبي السفر!
(٢٢٥) الإذالة: الامتهان والابتذال. وصنه استره. والجماجم: جمع جمجمة؛ وهي قحف الرأس. يقول: لقد أكثرت من القتل، فأغمد سيفك وكفى ما حصل؛ فإن سيفك يشكو يدك من كثرة ضربها به، والجماجم التي حطمتها تشهد له. وقال ابن جني: صنه فإنه به يُدرك الثأر، وتُحمى به الذمار. قال ابن فورجه: كيف أمن أن يقول: ما أذلته إلا لإدراك الثأر، وإحماء الذمار؟ وهذا تعليل لو سكت عنه كان أحب إلى أبي الطيب، وإنما المعنى: أكثرت القتل فحسبك وأغمد سيفك، فقال: صن سيفك، وإنما يريد أغمده.
(٢٢٦) النجيع: الدم. يقول: إن الدم جمد على سيفك حتى صار كالغمد له، فيرى وهو مجرد كأنه مغمد، وهذا من قول البحتري:
سُلِبُوا وَأَشْرَقَتِ الدِّمَاءُ عَلَيْهِمُ
مُحْمَرَّةً فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُسْلَبُوا
ومن قول الآخر:
وَفَرَّقْتُ بَيْنَ ابْنَيْ هُشَيْمٍ بِطَعْنَةٍ
لَهَا عَانِدٌ يَكْسُو السَّلِيبَ إِزَارَا
(عند العرق: سال فلم يكد يرقأ، وهو عرق عاند، ودم عاند: يسيل جانبًا.)
(٢٢٧) ريان — بالنصب — حال، العامل فيه يبس، وبالرفع: خبر مبتدأ محذوف. يقول: سيفك ريان فلو مج ما سقيته من دماء قلوب الأعداء لجرى منه بحر مزبد؛ يعني أنك أكثرت به القتل.
(٢٢٨) المنية: الموت. والمهجة: الروح. وشفرته: حده. يقول: لم يشترك سيفه والمنية في سفك دم إلا كان سيفه يدًا ليد المنية؛ أي إنها تستعين به كما يستعين العامل بيده في العمل. وعبارة ابن جني: يعني أن لسيفه الأثر الأقوى الأظهر في القتل.
(٢٢٩) الرزايا: جمع رزية؛ وهي المصيبة. والقنا: الرماح. والحلفاء: جمع الحليف وهو الصديق المحالف. وغوروا: نزلوا الغور، وهو المنخفض من الأرض، وأنجدوا: نزلوا النجد، وهو الأرض المرتفعة. يقول: إن هذه الأشياء لا تفارقهم أينما ثقفوا ويمموا؛ أي إنهم حيثما كانوا رزايا ومصائب لأعدائهم، وعطايا لأوليائهم، كما قال أبو تمام:
فَإِنَّ الْمَنَايَا وَالصَّوَارِمَ وَالْقَنَا
أَقَارِبُهُمْ فِي الرَّوْعِ دُونَ الْأَقَارِبِ
(٢٣٠) جلهمة: اسم طيء، وطيء لقب له. واللام: لام الاستغاثة. والواو — في وإنما — للحال، وأشفار العين: منابت الأهداب. يقول: إذا صحت يا لجلهمة! أسرعت إليك وأحدقت بك، فهابك كل أحد، حتى إذا نظرت إلى أي إنسان بعينيك فكأنك أشرعت إليه رماحًا وسللت عليه سيوفًا، فقامت أشفار عينيك مقام الذابل؛ الرمح، والمهند؛ السيف. وقال الواحدي: كان الأستاذ أبو بكر يقول: يريد أنهم يتسارعون إليك ويملئون الدنيا رماحًا وسيوفًا! هذا كلامه، وتحقيقه: حيثما يقع بصرك رأيت الرماح والسيوف فتملأ من كثرتها عينيك، وتحيط بعينيك إحاطة الأشفار بها؛ وهذا ينظر إلى قول بعضهم:
وَإِذَا دُعُوا لِنِزَالِ يَوْمِ كَرِيهَةٍ
سَتَرُوا شَعَاعَ الشَّمْسِ بِالْخُرْصَانِ
[الخرصان: الرماح، والخرصان: الدروع.] وقال سلامة بن جندل:
إِنَّا إِذَا مَا أَتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ
كَانَ الصُّرَاخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنَابِيبِ
«يقول سلامة: إذا أتانا مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته، يقال: قرع لذلك الأمر ظنبوبه: إذا جد فيه. والظنبوب: هو طرف العظم اليابس من الساق؛ فالشاعر جعل قرع الصوت على ساق الخف في زجر الفرس قرعًا للظنبوب».
(٢٣١) الجود: المطر الغزير؛ والغوادي: السحائب المنتشرة صباحًا. يقول، يصف رجال جلهمة: من كل رجل أكبر قلبًا من الجبال — يريد قوة قلبه وشدته — وأجود من مطر السحاب. وقوله: أجود: خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهو أجود من جود الغوادي. وقلبًا: تمييز هذا. وتهامة: اسم مكة. وقال الجوهري: تهامة: بلد، والنسبة إليها: تهامي وتهام، إذا فتحت التاء لم تشدد. كما قالوا: يمان وشآم، إلا أن الألف في تهام من لفظها والألف في يمان وشآم عوض من ياء النسبة، قال ابن أحمر:
وَكُنَّا كَابْنَيْ سُبَاتٍ تَفَرَّقَا
سِوًى ثمَّ كَانَا مُنْجِدًا وَتَهَامِيَا
وَأَلْقَى التَّهَامِي مِنْهُمَا بِلَطَاتِهِ
وَأَحْلَطَ هَذَا: لَا أُرِيمُ مَكَانِيَا
(السبات: الدهر. ولطاته: ثقله، وأحلط هذا: أي أقام، أو حلف مجتهدًا. ولا أريم مكانيا: لا أبرحه.)
وقوم تهامون، كما قالوا: يمانون. وقال سيبويه: من الناس من يقول: تهامي ويماني وشآمي — بالفتح — مع التشديد. وقد قلنا: الجود: المطر الغزير، تقول: جاد المطر.
يجود جودًا فهو جائد، والجمع جود، مثل صاحب وصحب، وقد جيدت الأرض فهي مجودة؛ أي أصابها مطر جود. قال الراجز:
أَرْعَيْتُهَا أَكْرَمَ عُودٍ عُودَا
الصِّلَّ وَالصِّفْصِلَّ وَاليعْضِيدَا
وَالخَازِبَازِ السَّنِمَ الْمَجُودَا
بِحَيْثُ يَدْعُو عَامِرٌ مَسْعُودَا
الصل: نبت، وكذلك الخازباز. الصفصل، واليعضيد: شجر ونبت. سنم: مرتفع، وهو الذي خرجت سنمته، وهو ما يعلو رأسه كالسنبل. وعامر ومسعود: راعيان.
(٢٣٢) بأحمر: أي بسيف أحمر، والباء متعلقة بيلقاك، أو بمرتديًا. ومن دم: صفة أحمر. وخضرة السيف: لون فرنده. والطلا: الأعناق. يقول: يلقاك كل منهم متقلدًا سيفًا قد تلطخ بدم الأعناق والأكباد، فاحمر واستترت خضرته، وذهبت بها الطلا والأكبد. هذا، والأكبد: جمع كبد، وقيل: هو على هذا الجمع جمع كبد كعبد وأعبد وجمع كبد — بكسر الباء: أكباد وكبود كوتد وأوتاد.
(٢٣٣) يقول: حتى يشير الناس إليك فيقولوا: هذا مولى طيء؛ أي رئيسهم وسيدهم، وهم سادة الخلق والخلق عبيدهم. ويروى بدل «حتى» حي، أي هم حي يشير الخلق إليك بأنك سيدهم وهم سادوا الناس.
(٢٣٤) وأبوك: مبتدأ، ومحمد خبره. والثقلان أنت: جملة معترضة. يقول: كيف يكون آدم أبا الورى وأبوك محمد الطائي وأنت الثقلان؛ أي إنك جميع الإنس والجن، جمع الله فيك ما فرقه فيهما من الفضل والكمال. روي أن أبا تمام قال لابن أبي داود لما اعتذر إليه: أنت جميع الناس، ولا طاقة لي بغضب جميع الناس. فقال له: ما أحسن هذا المعنى! فمن أين أخذته؟ قال من قول أبي نواس:
وَلَيْسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ
أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ
(٢٣٥) ينفد: يفنى. قال ابن جني: لو اتفق له أن يقول: ما يفنى بما لا يفنى، أو ما ينفد بما لا ينفد لكان أحسن في صناعة الشعر، وقد أتى بالمعنى مع اختلاف اللفظ، وهو حسن جيد؛ لأن ينفد بمعنى يفنى.
(٢٣٦) التخديد: الشق. والقد: القطع طولًا، والحسان القدود، إضافة لفظية، مثل الحسن الوجه؛ يدعو على ورد الخدود أن يشققه الله فيزول حسنه، وأن يقطع قدود الحسان القدود، قال ابن جني: وهو دعاء على التعجب والاستحسان، كقول جميل:
رَمَى اللهُ فِي عَيْنَيْ بُثَيْنَةَ بِالْقَذَى
وَفِي الْغُرِّ مِنْ أَنْيَابِهَا بِالْقَوَادِحِ
(يقال: قد أسرعت في أسنانه القوادح، جمع قادحة؛ وهي الجراثيم التي تأكل السن، أو سواد يظهر في الأسنان.)
قال الواحدي: وهذا المذهب بعيد من قول أبي الطيب؛ لأنه أخرجه في معرض المجازاة لما ذكر فيما بعد، يريد جازاهن الله جزاء بما صنعن بي بالتخديد والقد. قال: وهنا مذهب ثالث، وهو إنما دعا على تلك المحاسن لأنها تيمته، فإذا زالت زال وجده بها، وحصلت له السلوة، كما قال أبو حفص الشهرزوري.
دَعَوْتُ عَلَى ثَغْرِهِ بِالْقَلَحْ
وَفِي شَعْرِ طُرَّتِهِ بِالْجَلَحْ
القلح: صفرة في الأسنان، ووسخ يركبها. والجلح: ذهاب الشعر من مقدم الرأس.
لَعَلَّ غَرَامِي بِهِ أَنْ يَقِلَّ
فَقَدْ بَرَحَتْ بِي تِلْكَ الْمُلَحْ
القلح: صفرة في الأسنان، ووسخ يركبها. والجلح: ذهاب الشعر من مقدم الرأس.
قال العكبري: والذي ذكره ابن جني أحسن؛ لأن المحب لا يدعو على محبوبه أبدًا، والذي أنشده الواحدي للشهرزوري ليس هو مما صدر عن محب؛ لأن المحب الصادق يقف عند المعاني لا عند المحاسن.
(٢٣٧) يقول: هن أبكين عيني حتى بضت دمًا، وعذبن قلبي بنار الصد وهو عذاب — لو علمت — أليم. هذا، ولك أن تجعل دمًا مفعولًا ثانيًا لأسلن ومقلتي مفعولًا أول، ولك أن تجعله تمييزًا مقدمًا، قال العكبري النحوي الكوفي: وهذا جائز عندنا، وعند المازني والمبرد من البصريين، ومنعه باقيهم كقولك: تصبب عرقًا زيد، حجتنا نقل وقياس، أما النقل فقول الشاعر:
أَتَهْجُرُ سَلْمَى بِالْفِرَاقِ حَبِيبَهَا
وَمَا كَانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ
(للمخبل السعدي، وسلمى جاءت ليلى في بعض الدواوين، والرواية الصحيحة في البيت وما كان نفس بالفراق تطيب.)
تقديره: وما كان الشأن والقصة تطيب سلمى نفسًا، فدل على جوازه. وأما القياس فإن هذا العامل فعل متصرف، فجاز تقديم معموله عليه كسائر الأفعال المتصرفة، ألا ترى أن الفعل إذا كان متصرفًا — نحو ضرب زيد عمرًا — يجوز تقديم معموله عليه، فتقول: عمرًا ضرب زيد؟ وحجة البصريين أنه لا يجوز تقديمه على العامل فيه؛ وذلك أنه فاعل في المعنى، فإذا قلت: تصبب زيد عرقًا فالمتصبب هو العرق، وكذلك لو قلت: حسن زيد غلامًا لم يكن لزيد حظ في الفعل من جهة المعنى، بل الفاعل في المعنى هو الغلام فلما كان هو الفاعلَ في المعنى لم يجز تقديمه.
(٢٣٨) يقول: كم للهوى من شاب نال منه المرض كل النيل، وكم للفراق من قتيل شهيد! يعني أن الحب يسقم، والفراق يقتل. وقال بعض الشراح: كم للفراق من قتيل قد عف عن الخنا، فكان موته لذلك شهادة. هذا، والدنف: المرض الملازم المخامر، ورجل دَنَف ودَنِف ومدنَف ومدنِف: براه المرض حتى أشفى على الموت، فمن قال: دَنَف لم يثنه ولم يجمعه ولم يؤنثه، كأنه وصف بالمصدر، ومن كسر ثنى وجمع وأنث: فقال رجل دنِف — بالكسر — ورجلان دنِفان، ورجال أدناف، وامرأة دنِفة، ونسوة دنِفات. وقد دنف المريض — بالكسر — أي ثقل، وأدنف مثله، وأدنفه يتعدى ولا يتعدى. والشهيد — في الأصل — من قُتل مجاهدًا في سبيل الله، ثم اتسع فيه فأطلق على كل من يقتل مأجورًا.
(٢٣٩) الكبود: جمع كبد.
(٢٤٠) أغرى من غري بالشيء: إذا أولع به. والصبابة: رقة الشوق. والعميد: كالمعمود؛ الذي أضناه العشق وهده.
(٢٤١) لهج بالشيء يلهج لهجًا: أولع به. والخنا: الفحش، وكلام خنٍ، وكلمة خنية، وقد خني عليه — بالكسر — وأخنى عليه في منطقه: أفحش. قال أبو ذؤيب:
وَلَا تُخْنُوا عَلَيَّ وَلَا تَشِطُّوا
بِقَوْلِ الْفَخْرِ إِنَّ الْفَخْرَ حُوبُ
(لا تشطوا: لا تبعدوا ولا تجوروا، يقال: شط وأشط. والحوب: الهلاك والإثم والوحشة.) وقوله: بحب متعلق بألهج. واللمى: سمرة في الشفة. يقول: ما أولع نفسي بحب السمر الشفاه، الناهدات، لغير الفحش والفجور.
(٢٤٢) كانت: أي نفسي — المذكورة في البيت السابق — واسم كن: يعود على ذوات اللمى، وفي مزيد: خبر زال. يدعو للممدوح يقول: كانت نفسي وأحبائي اللائي وصفتهن، فداء له، ولا زال في مزيد من النعم.
(٢٤٣) يقول: لا وعيد عنده للأعداء؛ وإنما يناجزهم بالسيف. ولا وعد عنده للأولياء؛ وإنما يبادرهم بالسيب والعطاء، فهو يعجل ما ينوي فعله، علمًا منه بما تئول إليه الأمور، وإقدامًا منه على مطالبه، وإذن حال سيفه بينه وبين الوعيد وحال سيبه — بحصوله عاجلًا — بينه وبين الوعود. هذا، والوعيد التهدد، وهو يستعمل في الشر خاصة. والوعود: جمع وعد. وهو وإن كان يستعمل الخير والشر إلا أن المراد به هنا الخير.
(٢٤٤) تفريع على عجز البيت السابق. يقول: إن أمواله في نحوس؛ لأنه يفرقها ويسخو بها، وسؤَّاله في سعود؛ لأنه يبذل أمواله لهم فيتنعمون بها، وينالون منه ما يقترحون عليه، وهذا كما يقول أبو تمام:
طَلَعَتْ عَلَى الْأَمْوَالِ أَنْحَسَ مَطْلَعِ
وَغَدَتْ عَلَى الْآمَالِ وَهْيَ سُعُودُ
(٢٤٥) يقول: إني إنما أخاف عليه الدهر ونوبه التي لا ينجو منها أحد، فأما أعداؤه فإنهم لا يصلون إليه بسوء، فلو لم يكن خوفي عليه إلا من جهة أعدائه لبشرته بالخلود.
(٢٤٦) النواصي: جمع ناصية، وهي شعر مقدم الرأس. والسمر: الرماح. والصعيد: وجه الأرض. يعني: أنه وجه إليها الجيش ورماحًا تريق دماء أعدائه على الأرض. وفي رواية: بنواصي الجياد.
(٢٤٧) البيض: السيوف. يقول: إنه لكثرة حروبه وغزواته لا تزال سيوفه تنتقل من الرقاب إلى الأجفان — الغمود — ومن الأجفان إلى الرقاب، فليست لسيوفه إقامة في شيء من ذلك؛ ولهذا جعلها مسافرة.
(٢٤٨) يقدن: أي الرماح والجياد والسيوف.
(٢٤٩) ولى: أدبر. وأشياع الرجل: أتباعه ومشايعوه الذين يطيعونه. والشاء: جمع شاة، وإنما قال: أحس على لفظه، لا معناه، فلفظه الواحد. وزئير الأسد: صوته. والخرشني: هو بدر الخرشني، أحد قواد الدولة العباسية، وقد كان واليًا لحلب، وهو منسوب إلى خرشنة — بلد من بلاد الروم — يقول: أدبر ومعه جنوده وأتباعه كالغنم حين تسمع صوت الأسد.
(٢٥٠) يرون — بضم الياء — أي يظنون ويخيل إليهم، والضمير: للخرشني وأتباعه. والذعر: الخوف والفزع. وصوت الرياح: مفعول أول، وصهيل الجياد: مفعول ثان. والبنود: الرايات، وخفقها: اضطرابها. يقول: إنهم لشدة خوفهم — وهم هاربون — كانوا يظنون صوت الرياح صهيل خيل الممدوح وراءهم وخفق راياته. وهذا من قول جرير:
مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ
خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْكُمُ وَرِجَالَا
(٢٥١) من: استفهام معناه الإنكار. يقول: لا أحد مثله ولا مثل آبائه وجدوده. وقال ابن بنت الأمير؛ لأن جده لأمه كان أميرًا أيضًا، يعني أن الإمارة انحدرت إليه من أبويه.
(٢٥٢) يقول: إنهم ورثوا المجد والسؤدد والجود عن آبائهم فحكم لهم بالمجد والجود والسؤدد وهم صغار على ما عهد من أجدادهم وآبائهم. هذا، والمعالي: جمع معلاة؛ وهي كسب الشرف. قال ابن بري: ويقال في واحدة المعالي: معلوه. والصبية: جمع صبي. والمهود: جمع مهد؛ وهو مضجع الطفل.
(٢٥٣) الرق: العبودية. والهبات: العطايا. واللجين: الفضة. والعتق: الحرية، وهو اسم من عتق العبد إذا خرج عن الرق. يقول: يا من يملك نفسي عبودية ويا من شأنه أن يهب الفضة ويعتق العبيد: دعوتك … إلى آخر ما يلي. وقوله: ومَن شأنه — بفتح الميم — اسم بمعنى الذي، وشأنه: مبتدأ، خبره: هبات. ورواها ابن جني: ومِن شأنه، جعلها جارًّا ومجرورًا؛ فيكون خبرًا مقدمًا، وهبات: مبتدأ مؤخر.
(٢٥٤) الوريد: عرق في العنق يضرب مثلًا في شدة القرب، يقال: هو أقرب إليه من حبل الوريد.
(٢٥٥) البلاء: الامتحان، والغم يبلي الجسم. وبراه: هزله وأنحله. وأوهنه: أضعفه. والبلاء يروى: البلى؛ أي الفناء.
(٢٥٦) المحفِل: الجماعة يجتمعون في موضع، وعني بالقرود: المسجونين معه من اللصوص وأصحاب الجنايات الشتى الشكول. يقول: كنت أجالس أهل الفضل فصرت أجالس أوباش الناس.
(٢٥٧) تعجل: أي أتعجل؟! فهو استفهام إنكاري — على تقدير الهمزة — ويحتمل أن يكون خبرًا. والحدود: جمع الحد؛ وهو العقوبة. وحدي: عطف على وجوب. يقول: إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب علي الصلاة بعد، فكيف أُحَدُّ؟ قال ابن جني: وليس يريد أنه في الحقيقة صبي غير بالغ، وإنما يصغر أمر نفسه عند الوالي، ألا ترى أن من كان صبيًّا لا يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف؟
(٢٥٨) عدوت: من العدوان؛ أي البغي. والولاد: الولادة. يقول: ادَّعى عليَّ الناس — وأنا طفل لم أستطع الجلوس وحدي بعد — أني جرت وخرجت على الناس! يعني أن الناس مفترون؛ يدفع بهذا عن نفسه الظنة.
(٢٥٩) يقول: إن الناس إنما شهدوا عليَّ زورًا فلمَ تقبل شهادتهم؟ وقدر الشهادة على قدر الشاهد: إن كان الشاهد عدلًا قبلت شهادته، وإن كان من السفلة السقاط ردت.
(٢٦٠) الكاشح: العدو الذي يضمر العداوة في كشحه. ويقال: ما عبأت به؛ أي ما باليت. وقوله: بمحك اليهود؛ أي لجاجهم، ويروى بمحل: وهو الكيد والسعاية. قال ابن جني: جعل خصومه يهودًا ولم يكونوا في الحقيقة يهودًا.
(٢٦١) دعوى — في الموضعين — مضافة إلى الجملة المحكية. والشأو: الشوط والمسافة والغاية، والباء متعلقة بفارقًا. يقول: إن بين دعوى من يقول: أردت أن أفعل كذا ودعوى من يقول: فعلت كذا، بونًا بعيدًا فافرق بينهما؛ لأنهم إنما ادعوا عليَّ أني أردت أن أفعل ولم يدعوا عليَّ أني فعلت، وبينهما فرق ظاهر، وكانوا قد وشوا به أنه يريد أن يأخذ البلد.
(٢٦٢) ما — من قوله: ما جدت لي — مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مبتدأ مؤخر، وفي جود كفيك: خبر مقدم. وأشقى ثمود: هو «قدار» عاقر ناقة صالح. يقول: إن جودك لي بنفسي هو في جملة عطايا كفيك.
(٢٦٣) يقول: إن الشعر لم يكن سبب نومك هذا، ولكن السبب أنك حسدتني على شعري، فمحقك وأبطل وجودك حتى صرت كالعدم.
(٢٦٤) المرقد: ما إذا شربه الإنسان غلبه النوم. يقول: حين سمعت شعري، نمت فكأن ما سمعت منه بأذنيك مرقد شربته بفيك. وقوله: مما سكرت؛ أي من أجل سكرك — أي خدرك وتفترك — فما مصدرية.
(٢٦٥) الترحال: الرحيل. والشسوع: البعد. ونفد: فرغ.
(٢٦٦) همى الماء: سال. وثناه: صرفه ورده. والوابل: المطر الغزير. يقول: أطلق يديك هامية بالعطاء، واصرف عني معظم مطرها إذا اكتفيت؛ يعني أن في قليل عطائها غناءً وكفاية، ولا حاجة إلى كثيرها الذي هو كالوابل يغرق البلد.
(٢٦٧) الكمد: الحزن مع الهم. يقول: إن شوقي إلى الأحبة لا يقنع مني بهذا الحزن الذي أنا فيه حتى يحرق كبدي، ويوله عقلي فأصير مجنونًا ذاهب العقل.
(٢٦٨) اضطربت كلمة الشراح في تأويل هذا البيت؛ فقال بعض الشراح: يعني أن دار الحبيب لا تشكو إلي إذ لا نطق لها، ولا أنا أشكو فيها إلى أحد إذ لم يبقَ بها ساكن، ومن شأن المحزون أن يتأسى بسماع شكوى غيره ويرتاح إلى بث شكواه؛ لأن الشكوى إذا ظهرت خف المصاب. وقال ابن جني: المعنى: لم يبقَ فيَّ فضل للشكوى، ولا في الديار؛ لأن الزمان أبلاها. قال ابن فورجه: ذهب ابن جني إلى أن تقدير الكلام: ولا الديار تشكو إليَّ، وقد علم أن الديار كلما كانت أشد دثورًا وبلًى كانت أشكى، لما تلاقي من الوحشة بفراق الأحبة، فكيف جعل الديار لا فضل فيها للشكوى؟ وشكواها ليست بحقيقة وإنما هي مجازية، وإنما تكون على ما ذكر لو أن شكواها حقيقية وكانت تقصر عنها لضعفها وبلاها، كما يصح ذلك في العاشق، كقول الببغاء:
لَمْ يَبْقَ لِي رَمَقٌ أَشْكُو إِلَيْكَ بِهِ
وَإِنَّمَا يَتَشَكَّى مَنْ بِهِ رَمَقُ
وأيضًا لو كان كما ادعى لم يكن لعطف هذه الجملة على قوله: «ما الشوق مقتنعًا» معنًى، ولما عطفها عليها دل على أنها منها. وإنما يعني: لا الشوق يقنع مني بهذا الكمد، ولا الديار التي كان الحبيب بها تقنع مني به. وتم الكلام بقوله: الحبيب بها، ثم ابتدأ فقال: هذه الديار تشكو إلي وحشتها بفراق أهلها، ولا أنا أشكو إلى أحد؛ إما لجلدي، أو لأني كتوم لأسراري، فيكون قد نظر إلى قول القائل:
فَإِنِّي مِثْلُ مَا تَجِدِينَ وَجْدِي
وَلَكِنِّي أُسِرُّ وَتُعْلِنِينَا
قال الواحدي: يمكن توجيه المعنى من غير أن يتم الكلام في المصراع الأول، وهو أن يكون: ولا تقنع الديار التي كان الحبيب بها يشكو إليَّ؛ أي يطلعني على أمره، وأنا لا أفشي سري، على رواية يشكو — بالياء. ومن روى بالتاء كانت الديار الشاكية، يريد بلسان الحال ما دفعت إليه من الوحشة والخلاء، فتشكو: يريد به الحال لا الاستقبال. ولا أشكو إلى أحد؛ لأنه ليس بها غيري.
(٢٦٩) الودق: المطر. وهزيم الودق: يريد سحابًا هزيم الودق؛ وهو الذي لا يستمسك كأنه منهزم عن مائه، ويقال: غيث هزيم ومنهزم، وأكثر ما يستعملان في صفة السحاب، وهو الذي لرعده صوت، يقال: سمعت هزيمة الرعد، ولا يستعمل في صفة الودق. وفي معنى البيت يقول مخلد بن بكار الموصلي:
يَا مَنْزِلًا ضَنَّ بِالسَّلَامِ
سُقِّيتَ صَوْبًا مِنَ الْغَمَامِ
مَا تَرَكَ الْمُزْنُ مِنْكَ إِلَّا
مَا تَرَكَ السُّقْمُ مِنْ عِظَامِي
ويقول ابن وهب:
لَبِسَا الْبِلَى فَكَأَنَّمَا وَجَدَا
بَعْدَ الْأَحِبَّةِ مِثْلَ مَا أَجِدُ
وقال البحتري:
حَمَلَتْ مَعَالِمُهُنَّ أَعْبَاءَ الْبِلَى
حَتَّى كَأَنَّ نُحُولَهُنَّ نُحُولِي
(٢٧٠) غاض: نقص. والمصطبر: الاصطبار. والجلد: القوة والصبر. يقول: كأن دموعي جارية من جَلَدي؛ لأني كلما بكيت نقص صبري، فكأن دموعي من صبري.
(٢٧١) الزفرات: الأنفاس الحادة. وكلف به: أولع. ومن زفراتي: متعلق بمعنى أين، تقديره: أبعيد حبيبي من زفراتي أم قريب؟ يقول: أين من عشقته وأولعت به من معرفة ما بي من الشوق إليه والحسرة على فراقه؟! وأين تقع من صولتك أيها الممدوح صولة الأسد؟! أنكر أن يعرف الحبيب حاله، وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح. وفيه من البديع حسن التخلص.
(٢٧٢) يقول: لما رجحت كفتك — وقد وضعت الدنيا وأهلها في الكفة الأخرى — علمت أن الرزانة للفضل، لا للأشخاص؛ أي إذا رجح الواحد على الكثير كان ذلك الكثير قليلًا بالقياس إلى ذلك الواحد الراجح. قال البحتري:
وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوَتَتْ
لَدَى الْمَجْدِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ
(٢٧٣) الخَلَد: البال والرُّوع. يقول: لم يقع في قلب الأيام أن تسرني حتى وقعت أنت في قلبي أن أصمد إليك. والمعنى: ما أقبلت على الدنيا حتى أمَّلتك وقصدتك. وهذا ينظر إلى قول الآخر:
إِنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِسَلْمَى
لَزَمَانٌ يَهُمُّ بِالْإِحْسَانِ
(٢٧٤) الثكل: فقد الأم ولدها؛ جعل الخزائن كالأم، والمال كالولد. يقول: إذا امتلأت خزائنه بالمال فرق بينه وبينها، فكأنها أم فقدت ولدها، وهذا كقول أبي نواس:
إِلَى فَتًى أُمُّ مَالِهِ أَبَدًا
تَسْعَى بِجَيْبٍ فِي النَّاسِ مَشْقُوقِ
(٢٧٥) الماضي: النافذ. والجنان: القلب. والحزم: ضبط الأمر وإحكامه والأخذ فيه بالثقة. يقول: إن حزمه في الأمور يريه في يومه ما يكون بعد الغد، فيرى بقلبه ما تراه عينه بعد غد: يعني أنه يفطن إلى الأشياء قبل حدوثها كما قال أوس بن حجر:
الْأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنـْ
ـنَ كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا
ويقول أبو تمام:
وَلِذَاكَ قِيلَ: مِنَ الظُّنُونِ جَلِيَّةٌ
حَقٌّ وَفِي بَعْضِ الْقُلُوبِ عُيُونُ
(من مدحة له في الواثق. ولذاك: أي لأنا كنا رأينا فيه الخلافة وتفرسناها فيه.)
ولقد كرر المتنبي هذا المعنى في شعره. والمراد بهذا كله: صحة الحدس وجودة الظن.
(٢٧٦) ما ذا: أي ليس هذا البهاء ولا هذا النور … إلخ. فما ذا: مركبة من ما النافية وذا الإشارية. والبهاء: الحسن. وسماح: من رفعه فهو على جعل «ما» تميمية؛ ومن رواه بالنصب جعله خبرًا لما، وهي مشبهة بليس. يقول: أنت أجل من أن تكون بشرًا؛ لأن ما نشاهده فيك من الحسن والنور لا يكون في بشر، وليس سماحك سماح يد، وإنما هو سماح غيث وبحر. وكل هذا مبالغة، وفي معناه:
يَجِلُّ عَنِ التَّشْبِيهِ لَا الْكَفُّ لُجَّةٌ
وَلَا هُوَ ضِرْغَامٌ وَلَا الرَّأْيُ مِخْذَمُ
(٢٧٧) باراه: عارضه وفعل مثل فعله. وقوله: ما اتفقا: ما مصدرية؛ أي مدة اتفاقهما؛ وقد وقعت الجملة موقع الحال، وضمير المثنى: يرجع إلى أي الأكف والغيث، يقول: أي كف سوى كف هذا الممدوح تبارى الغيث في الجود ما اتفقا ماطرين، وإذا افترقا بإقلاع السحاب عادت الكف إلى عادتها ولم يعد الغيث؛ يريد أن الغيث يمطر ثم ينقطع، وكفه تجود ولا ينقطع جودها، فهي تزيد على الغيث. والمعنى أنها تعود إلى الجود وشيكا، أما الغيث فلا يعود عوده؛ لأنه قد ينقطع زمانًا طويلًا.
(٢٧٨) مضر: هو ابن نزار بن معد بن عدنان. وتبحتر: انتسب إلى بني بحتر؛ وهم حي من طيء من عرب اليمن. وأدد: ابن قحطان أبو اليمن. يقول: كنت أظن المجد مضريًّا حتى نقله الممدوح إلى بني بحتر، فهو اليوم بحتري أددي.
(٢٧٩) يريد بالموت: الدم؛ لأن سفوح الدم يسبب الموت، وإذا أمطرت السيوف الدم فقد أمطرت الموت. شبهها — وهي تمطر الدم — بالسحب تجود بالمطر.
(٢٨٠) يقول: لم أفكر في صفة من صفاتك إلا وجدت غايتها لا تنتهي كغاية الدهر.
(٢٨١) أحاد: يريد أأحاد، فحذف همزة الاستفهام للضرورة — وإن لم يكن بالفصيح — وأحاد من الأبنية التي سمعت عن العرب، ومثلها ثناء، وثلاث، ورباع، وقاسه المولدون إلى العشرة، قال الكميت:
فَلَمْ يَسْتَرْيِثُوكَ حَتَّى رَمَيْـ
ـتَ فَوْقَ الرَّجَاءِ خِصَالًا عُشَارَا
(فوق الرجاء: أي فوق الرجاء الذي كانوا يرجون أنك تبلغه.
من قصيدة للكميت يمدح بها أبان بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وقبله.
رَجَوْكَ وَلَمْ يَبْلُغِ الْعُمْرُ سِنَّكَ
وَلَا نَبَتَ فِيكَ اتِّغَارَا
لِأَدْنَى خَسًا أَو زَكًا مِنْ سِنِيكَ
إِلَى أَرْبَعٍ فَبَقَوْنَ انْتِظَارَا
يقول: تبينوا فيك السؤدد لسنة أو سنتين من مولدك فرجوا أن تكون سيدًا أميرًا مطاعًا رفيع الذكر ولم تبلغ عشر سنين. وقوله: ولا نبت فيك اتغارًا؛ أي أثغرت ولم تنبت أسنانك بعد.
قال أهل اللغة: إذا سقطت رواضع الصبي قيل: ثغر فهو مثغور، فإذا نبتت قيل: اتغر، وأصله اثتغر، فقلبت الثاء تاء، ثم أدغمت.
وقوله: لأدنى خسا أو زكا، فالخسا بفتح الخاء: الفرد، والزكا بفتح الزاي: الزوج. و«خسا» و«زكا» ينونان ولا ينونان.
والمعنى: أنهم رجوك أن تكون كذلك لأقل ما يعبر عنه بخسا وزكا، وهو سنة أو سنتان، إلى أن صار لك أربع سنين، فظهر للناس ما دلهم على ما رجوه منك وتفرسوك عند كمال سنك.
وقوله: فبقون؛ أي انتظروك، يقال: بقوت الشيء إذا انتظرته.
وانتظارًا منصوب ﺑ «بقون»؛ لأنه في معنى انتظروك انتظارًا، ومعنى يستريثوك يجدونك رائثًا أي: بطيئًا، من «الريث» وهو البطء.
ورميت: زدت، يقال: رمى على الخمسين وأرمى؛ أي زاد.
يقول: لما نشأت نشء الرجال، أسرعت في بلوغ الغاية التي يطلبها طلاب المعالي، ولم يقنعك ذلك، حتى زدت عليهم بعشر خصال، فقت السابقين وأيأست الذين راموا أن يكونوا لك لاحقين.)
ولا يستعمل أحاد في موضع الواحد، فلا يقال: هو أحاد؛ أي واحد. إنما يقولون: جاءوا أحاد؛ أي واحدًا واحدًا، وكذلك سداس. واللييلة: تصغير ليلة، والمراد بالتصغير ههنا: التعظيم، على حد قول لبيد:
وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ
دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الْأَنَامِلُ
(قبله:
أَلَا تَسْأَلَانِ الْمَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ
أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلَالٌ وَبَاطِلُ؟
أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ
أَلَا كُلُّ ذِي لُبٍّ إِلَى اللهِ وَاسِلُ
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
وقوله: أنحب فيقضى، فالنحب: النذر. يقول: أشيء أوجبه على نفسه فهو يسعى في قضائه أم ضلال؟)
(يعني لبيد: الموت الذي هو أعظم الدواهي.) والتنادي: يوم القيامة، سمي كذلك؛ لأن النداء يكثر في ذلك اليوم. قال الواحدي: أراد واحدة أم ست في واحدة وست في واحدة — إذا جعلتها فيها كالشيء في الظرف، ولم ترد الضرب الحسابي — سبع، وخص هذا العدد لأنه أراد ليالي الأسبوع، وجعلها اسمًا لليالي الدهر كلها؛ لأن كل أسبوع بعده أسبوع آخر إلى آخر الدهر. يقول: هذه الليلة واحدة أم ليالي الدهر كلها جمعت في هذه الليلة الواحدة حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة؟ وعبارة بعض الشراح: يقول: إن هذه الليلة منوطة بيوم القيامة، فهي لطولها بمنزلة ليالي الدهر كلها، إلا أن كل واحدة من تلك الليالي طويلة أيضًا حتى كأنها ست ليال في ليلة؛ أي سبع ليال. يعني أن ليلته دهر بلياليه، وكل ليلة منه أسبوع، وهي نهاية المبالغة في الطول. وقال ابن جني: يريد: ينادي أصحابه بما يهتم به، ألا ترى إلى قوله:
أُفَكِّرُ فِي مُعَاقَرَةِ الْمَنَايَا
وعلى هذا استطال الليلة التي عزم في صباحها على الحرب، شوقًا إلى ما عزم عليه، وإنما حقر الليلة لعظم طولها. ومنه قول الحباب بن المنذر الأنصاري:
أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ
(الجذل ههنا: الأصل من الشجرة، تحتك به الإبل فتشتفي به؛ أي قد جربتني الأمور، ولي رأي وعلم يُشتفى بهما، كما تشتفي هذه الإبل الجربى بهذا الجذل. والعذيق: تصغير عذق — بالفتح — وهو النخلة، والترجيب: إرفاد النخلة من جانب ليمنعها من السقوط؛ أي إن لي عشيرة تعضدني وتمنعني وترفدني.)
أقول: وهذا البيت — على غموضه وقبحه وأخطائه — لا يخرج عن معنى قوله:
مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ لَيْلِي لَا صَبَاحَ لَهُ
كَأَنَّ أَوَّلَ يَوْمِ الْحَشْرِ آخِرُهُ
(٢٨٢) بنات نعش: كواكب معروفة. وقوله في دجاها: حال من بنات نعش، عاملها معنى التشبيه، والضمير في دجاها لقوله: لييلتنا. والخرائد: العذارى لم يمسسن، أو الحييات الطويلات السكوت. والسافرات: الكاشفات عن وجوههن. والحداد: ثياب سود تلبس عند الحزن. وقوله: في حداد متعلق بسافرات، أو حال من الضمير المستتر فيها. شبه بنات نعش — وهي مضيئة في سواد الليل — بالحسان السافرات في الثياب السود. قال ابن جني: لما شبههن ببياض النجوم في سواد الليل كان حقه أن يذكر جواري بيضًا. والخرد ليس من البياض في شيء، إلا أنه في الأمر الغالب إنما يكون للبيض دون السود، ألا ترى أن السود فيهن التبذل؟ وأراد شيئًا، فذكر ما يصحبه مستدلًّا عليه، فشبه بنات نعش في ظلمة الليل بوجوه جوارٍ سافرات في ثياب سود. قال الواحدي: ولعله أراد أن الحياء يكون في البيض دون السود، والبيت من قول ابن المعتز:
وَأَرَى الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ كَأَنَّهَا
خُرُدٌ تَبَدَّتْ فِي ثِيَابِ حِدَادِ
(٢٨٣) معاقرة المنايا: أي ملازمتها، وأن يكون معها في عقر دارها، وهو المعترك، يعني ملازمة الحروب. ومشرفة الهوادي: أي طوال الأعناق، حال وهي نكرة؛ لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال لم يتعرف بالإضافة إلى المعرفة؛ لأن الإضافة فيه ينوي بها الانفصال. يقول: طالت على هذه الليلة مما أفكر في الحرب، وقود الخيل إلى الأعداء.
(٢٨٤) زعيم: أي كفيل، خبر مقدم عن عزمي. والقنا: الرماح. والخطى: المنسوب إلى الخط؛ موضع باليمامة. وقوله: دم الحواضر والبوادي: أي دم سكانهما، وهما جمع حاضرة وبادية، والحاضرة: اسم يقع على المدن والقرى والريف، وما سواها البادية، وهي: الصحراء. يقول: عزمي كفيل بسفك دم الناس جميعًا: حاضرهم والباد.
(٢٨٥) التمادي في الأمر: بلوغ مداه، والتمادي في التمادي: أن يتتابع تماديه. يقول: إلى كم أتأخر عما أطلبه من المعالي وأقصر في ذلك؟ وإلى كم أتمادى في التقصير تماديًا متتابعًا.
(٢٨٦) كسد الشيء: لم ينفق لقلة الرغب فيه. يقول: وإلى كم أشغل نفسي عن طلب المعالي بنظم الشعر في مدح من لا قيمة عنده للشعر؟!
(٢٨٧) هذا كما قال:
وَلَكِنَّ مَا يَمْضِي مِنَ الْعَيْشِ فَائِتُ
يريد التحضيض على طلب المعالي؛ أي اطلب الأهم فالأهم، فإن أيامك لتنهب عمرك. وروى ابن جني: بمستفاد بدل: بمستعاد.
(٢٨٨) يقول: متى رأت عيني بياض الشيب في شعري، فكأني وجدته في سوادها كراهية له، وإذا ابيضَّ سواد العين عمي صاحبها، فكأنه يقول: الشيب كالعمى. وعبارة ابن جني: كأن ما في وجهه من الشيب نابت في عينيه. وعبارة الخطيب التبريزي: إذا لحظت بياض الشيب، فكأنما لحظت به بياضًا في العين، ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينيه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين لحمل على سواد القلب لاحتماله ذلك. وهذا من قول أبي دلف:
فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرَى بَيْضَاءَ قَدْ طَلَعَتْ
كَأَنَّمَا طَلَعَتْ فِي نَاظِرِ الْبَصَرِ
ويقول أبو تمام:
لَهُ مَنْظَرٌ فِي الْعَيْنِ أَبْيَضُ نَاصِعٌ
وَلَكِنَّهُ فِي الْقَلْبِ أَسْوَدُ أَسْفَعُ
(٢٨٩) يقول: إذا بلغ الشباب نهايته، فزيادة العمر بعد ذلك وفور النقصان لما هنالك من ضعف الشيخوخة؛ وهو معنى بديع تعاوره الشعراء، قال عبد الله بن طاهر:
إِذَا مَا زَادَ عُمْرُكَ كَانَ نَقْصًا
وَنُقْصَانُ الْحَيَاةِ مَعَ التَّمَامِ
وقال آخر:
إِذَا اتَّسَقَ الْهِلَالُ وَصَارَ بَدْرًا
تَبَيَّنْتَ الْمَحَاقَ مِنَ الْهِلَالِ
(٢٩٠) الأيادي: النعم. يقول: كيف أرضى بحياتي ولا أجازي الممدوح على ما له عندي من سالف النعم التي أسداها إلي؟
(٢٩١) المزاد: جمع مزادة، وهي قربة الماء. يقول: إن إبلنا قد أضناها السير، وهزلها حتى تركها كالمزاد التي كانت معنا ونفد ماؤها، فجفَّت لطول السفر. وعبارة ابن جني: يريد: قد هزلها وأنضاها السير حتى صارت كالمزاد البالي، فحذف الصفة. قال ابن فورجه: لا دليل على حذف الصفة، وإنما أراد كالمزاد التي نحملها في مسيرنا إذ قد خلت من الماء والزاد لطول السفر. والألف واللام — في المزاد — للعهد، والمعنى: إن المسير إليه أذهب لحوم المطايا، وأفنى ما تزودنا من ماء وزاد، فلم يَبقَ من المطايا لحم، ولا في المزاد زاد.
(٢٩٢) العنس: الناقة الصلبة. والقراد: دويبة تلزق بالإبل ونحوها — كالقمل للإنسان — يقول: لم تصل ناقتي إلى هذا الممدوح إلا بعد أن أنضاها السير حتى لم يترك فيها من الدم ما يقوت القراد.
(٢٩٣) الضمير في صير: للمسير. والنجاد: حمائل السيف. والمراد بالبلد هنا: المفازة، يقول: إن المسير أدناني إليه حتى لم يبقَ بيني وبينه إلا مقدار عرض حمائل السيف، وهو غاية القرب، والعرب تقدر في القرب بقاب القوس وحمائل السيف.
(٢٩٤) الضمير في الفعلين للمسير، والمصدر الأول — في كل من الشطرين — مفعول به، والمصدر الثاني: مفعول مطلق. يقول: إن المسير أبعد ما كان بيننا من البعد، فجعله كبعد التداني الذي كان بيننا، وقرب قربنا، فجعله مثل قرب البعاد الذي كان بيننا؛ أي قربني إليه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد، فجعل البعد بعيدًا عني وجعل القرب قريبًا مني. وحاصل المعنى أننا كنا في غاية البعد فصرنا في غاية القرب. قال العكبري: قال الحكيم: أقرب القرب مودات القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعد البعد تنافر القلوب وإن تدانت الأجسام، ثم قال العكبري: وأخذت المعنى فقلت:
وَكَمْ مِنْ قَرِيبٍ قَلْبُهُ عَنْكُ نَازِحٌ
وَكَمْ مِنْ بَعِيدٍ قَلْبُهُ بِكَ مُغْرَمُ
(٢٩٥) يقول: رفع منزلتي في مجلسه حتى نلت من الرفعة ما كأني به فوق السموات السبع. والشداد: المتقنة المحكمة الصنعة.
(٢٩٦) تهلل: تلألأ وجهه واستبشر برؤيتي. والوساد: ما يتكأ عليه. ومثل هذا قول الآخر:
إِذَا مَا أَتَاهُ السَّائِلُونَ تَوَقَّدَتْ
عَلَيْهِ مَصَابِيحُ الطَّلَاقَةِ وَالْبِشْرِ
والمصراع الثاني من قول علي بن جبلة:
أَعْطَيْتَنِي يَا وَلِيَّ الْحَمْدِ مُبْتَدِئًا
عَطِيَّةً كَافَأَتْ مَدْحِي وَلَمْ تَرَنِي
مَا شِمْتُ بَرْقَكَ حَتَّى نِلْتُ رَيِّقَهُ
كَأَنَّمَا كُنْتَ بِالْجَدْوَى تُبَادِرُنِي
فَقَدْ غَدَوْتُ عَلَى شُكْرَيْنِ بَيْنَهُمَا
تَلْقِيحُ مَدْحٍ وَنَجْوَى شَاعِرٍ فَطِنِ
شُكْرٌ لِتَعْجِيلِ مَا قَدَّمْتَ مِنْ مِنَنٍ
عِنْدِي وَشُكْرٌ لِمَا أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنِ
(٢٩٧) زريت على العباد: أي حقرت أفعالهم ومناقبهم بزيادتك عليهم.
(٢٩٨) هباتك. فاعل تجود، وأن يلقب: مؤول بمصدر في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. يقول: إن هباتك لا تجود على أحد بلقب الجواد؛ لأنه لا يستحق هذا اللقب غيرك؛ لأن جودك فوق كل جود.
(٢٩٩) حلت: تحولت وتغيرت. يقول: إنك تدين بالسخاء وتعتقده كما تدين بالإسلام وتعد تحولك عنه كأنه الردة، فتخاف هذا التحول كما تخاف الردة التي عقابها القتل ودخول النار. وهذا كقول أبي تمام:
مَضَوْا وَكَأَنَّمَا الْمَكْرُمَاتُ لَدَيْهِمِ
لِكَثْرَةِ مَا أَوْصَوْا بِهِنَّ شَرَائِعُ
ثم قلبه فقال:
كَرَمٌ تَدِينُ بِحُلْوِهِ وَبِمُرِّهِ
فَكَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ التَّوْحِيدِ
(٣٠٠) الهام: الرءوس. والهيجا: من أسماء الحرب؛ تمد وتقصر. وطبع السيف: طرقه وعمله. جعل الرءوس في الحرب كالعيون، وجعل سيوفه كالرقاد، يقول: إن سيوفك لا تقع إلا على الهام ولا تحل إلا في الرءوس، كالنوم محلُّه في الجسد العينُ. أو تقول: إن سيوفك ألفت الرءوس ألفة الرقاد للعين، فلا تحل إلا فيها، وعبارة الخطيب التبريزي: سيوفك كالرقاد، فلا تمنع منه العيون، بل تطرأ عليها أحبت أم كرهت.
(٣٠١) الأسنة: نصال الرماح. ويخطرن: إما بضم الطاء على إرادة الهموم، وإما بكسرها على إرادة الرماح. يقول: إن أسنتك لا تقع إلا في قلوب أعدائك، كأنها الهموم لا محل لها غير القلوب، والبيت منقول من قول أبي تمام:
كَأَنَّهُ كَانَ تِرْبَ الْحُبِّ مُذْ زَمَنٍ
فَلَيْسَ يَحْجُبُهُ خِلْبٌ وَلَا كَبِدُ
(الخلب: حجاب القلب، وقيل: حجاب ما بين القلب والكبد، ومنه قيل للرجل الذي يحبه النساء: إنه لخلب نساء؛ أي يحبه النساء.)
وفي معنى البيت يقول دعبل في سيدنا علي:
كَأَنَّ سِنَانَهُ أَبَدًا ضَمِيرٌ
فَلَيْسَ لَهُ عَنِ الْقَلْبِ انْقِلَابُ
وَصَارِمَهُ كَبَيْعَتِهِ بِخُمٍّ
فَمَوْضِعُهَا مِنَ النَّاسِ الرِّقَابُ
(خم — بضم الخاء، وقيل: بفتحها — موضع بالجحفة، بين مكة والمدينة، تصب فيه عين هناك.)
ويقول منصور النمري:
وَكَأَنَّ مَوْقِعَهُ بِجُمْجُمَةِ الْفَتَى
سُكْرُ الْمُدَامَةِ أَوْ نُعَاسُ الْهَاجِعِ
ويقول مهلهل:
الطَّاعِنُ الطَّعْنَةَ النَّجْلَاءَ تَحْسَبُهَا
نَوْمًا أَنَاخَ بِجَفْنِ الْعَيْنِ يُغْفِيهَا
بِلَهْذَمٍ مِنْ هُمُومِ النَّفْسِ صِيغَتُه
فَلَيْسَ يَنْفَكُّ يَجْرِي فِي مَجَارِيهَا
(٣٠٢) الضمير في جلبتها: للخيل، وإن لم يجر لها ذكر، لدلالة القرائن عليها. والأشعث: المغبر. والنواصي: جمع ناصية، وهي شعر مقدم الرأس وجعلها شعث النواصي لمواصلة السير عليها والحرب والغارة. والسبائب: شعر العرف والذنب. وهذا الشَّعر يعقد عند الحرب، كما قال:
عَقَدُوا النَّوَاصِيَ لِلطِّعَانِ فَلَا تَرَى
فِي الْخَيْلِ — إِذْ يَعْدُونَ — إِلَّا أَنْزَعَا
وقوله: ويوم … إلخ؛ أي أذكرك ذلك اليوم، قال العكبري: المعنى ويوم جلبت الخيل للقتال مغبرة من كثرة الطراد عليها، وقد عقدت نواصيها وأذنابها، يومئذٍ ظفرت بمطلوبك من الأعداء.
(٣٠٣) حام: دار، من قولهم: حام الطير حول الماء؛ أي دار حوله ليشرب منه. والباء في بها: متعلقة بحام، والضمير: للخيل. والبغي: الظلم. يقول: دار الهلاك بخيلك على أناس بغوا باللاذقية وظلموا ظلم عاد وعصوا عصيانهم.
(٣٠٤) يقول: إن الأعداء وقعوا بين بحرين؛ أحدهما من الجانب الغربي، وهو بحر الماء — لأن اللاذقية على ساحل البحر — والآخر من الجانب الشرقي، وهو جيش الممدوح، شبه الخيل بالبحر لكثرتها ولما فيها من بريق الأسلحة.
(٣٠٥) فيه: أي في بحر الجياد. والبيض: السيوف. والحداد: الرقاق. يقول: اضطربت الأعلام في هذا البحر؛ بحر الجياد، وتحركت لك لا عليك، فظل ذلك البحر يموج ويتحرك بالسيوف.
(٣٠٦) الأبايا: جمع الأبية؛ أي الآبية الممتنعة. يقول: لقوك عاصين غليظة أكبادهم كأكباد الإبل التي تأبى على أربابها ولا تنقاد إليهم، فذللتهم وسقتهم أمامك كما تساق الإبل، وحاديهم الذي يسوقهم هو حد سيفك. والإبل توصف بغلظ الكبد، كما قال:
لَنَحْنُ أَغْلَظُ أَكْبَادًا مِنَ الْإِبِلِ
(٣٠٧) يقول: أخرجتهم من ضلال المعصية إلى رشد الطاعة، وفيه من البديع المقابلة بين الغي والرشاد.
(٣٠٨) انتحل الشيء: ادعاه. يقول: إنك اضطررتهم إلى ترك الإمارة؛ فتركوها خوفًا، وادعوا حبك ادعاء لا لأنهم يودونك حقيقة.
(٣٠٩) استفلوا: من السفال؛ أي تسفلوا وانحطوا. وانقادوا: أطاعوا.
(٣١٠) هب: ثار واضطرب. والحشا: ما انضمت عليه الضلوع. والرِّجل من الجراد: القطعة منه. يقول: إنهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك رغبة في فعله؛ ولكن لأن ريح الخوف عصفت بهم وفرقتهم كما تفرق الريح رِجل الجراد.
(٣١١) يقول: ماتوا خوفًا منك قبل أوان موتهم، فلما مننت بالعفو عنهم كان ذلك إحياء لهم قبل يوم البعث، وهذا منقول من قول أبي تمام.
مَعَادُ الْبَعْثِ مَعْرُوفٌ وَلَكِنْ
نَدَى كَفَّيْكَ فِي الدُّنْيَا مَعَادِي
(٣١٢) الصوارم: السيوف القواطع. والمداد: الحبر. يقول: سللت عليهم سيوفًا، فلما عفوت عنهم أغمدتها، ولو لم يتوبوا وينقادوا لك لمحوتهم محو المداد.
(٣١٣) الطريف: المستحدث. وانتصف منه: استوفى حقه. والتلاد: القديم. يقول: إن الغضب الحادث وإن كان قويًّا نزاعًا إلى الانتقام لا يغلب الكرم القديم الذي يقتضي العفو والصفح، فلا ينتصف منه باستيفاء حق الانتقام.
(٣١٤) موالٍ: جمع مولى، وهو الولي والصديق. يقول: إن ألسنتهم تظهر لك المودة والمحبة وقلوبهم تضمر لك العداوة، يريد لا تغتر بذلك؛ لأن تلك الألسنة الموالية تقلبها أفئدة معادية.
(٣١٥) رثى له يرثي: إذا رحم. والصادي: العطشان. يقول: كن قاسيًا عليهم كالموت لا يرحم الباكي من خوفه؛ ويَروى بما يشرب من الدماء وهو مع ذلك عطشان؛ لحرصه على الإهلاك. وقال ابن جني: كأنه لطلبه الشرب بعد الري صاد؛ أي لطلب النفوس. ومعنى يَروى: ينال ما لو أدركه لرَوِيَ. وفي معناه:
كَالْمَوْتِ لَيْسَ لَهُ رِيٌّ وَلَا شِبَعُ
(٣١٦) نفر الجرح: هاج وورم بعد البرء. وقوله: إذا كان البناء على فساد؛ أي إذا نبت اللحم على ظاهره وله غور فاسد. يقول: إنهم يطوون العداوة في أنفسهم إلى أن تمكنهم الفرصة. وهذا من قول البحتري:
إِذَا مَا الْجُرْحُ رُمَّ عَلَى فَسَادٍ
تَبَيَّنَ فِيهِ تَفْرِيطُ الطَّبِيبِ
قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: إذا كان البناء على غير قواعد كان الفساد أقرب إليه من الصلاح.
(٣١٧) الجماد: الصخر. والزناد: جمع زند، وهو العود الذي تقدح به النار. يقول: إن العداوة تكمن في الوداد كمون النار في الزناد والماء في الجماد. كما قال نصر بن سيار:
وَإِنَّ النَّارَ بِالزَّنْدَيْنِ تُورِي
وَإِنَّ الْفِعْلَ يَقْدُمُهُ الْكَلَامُ
وكل هذا تحذير له من أعدائه أن لا يغفل عنهم، وإن لم يكونوا أكفاءً له. وعبارة ابن جني: الأشياء تكمن وتستتر، فإذا استترت ظهرت.
(٣١٨) يريد بالجبان: عدوه. والقتاد: شجر له شوك. يقول: إن خوفه إياك يحول دون نومه، كما لو فرشت له شوك القتاد. وعبارة بعض الشراح: كيف يبيت عدوك مضطجعًا، وكلما ألقى جنبه للنوم وجد نفسه يتقلب على مثل شوك القتاد، من خوفك؟! يعني أنه لا يزال متيقظًا لك لا يأخذه نوم عن محاولة الكيد لك ودفع خوفك عنه.
(٣١٩) يقول: لشدة ارتياعه وذعره يراك في نومه كأنك طعنت كليتيه برمحك، فهو يخشى أن يرى ذلك في اليقظة، كما قال أشجع السلمي:
وَعَلَى عَدُوِّكَ يَا ابْنَ عَمِّ مُحَمَّدٍ
رَصَدَانِ: ضَوْءُ الصُّبْحِ وَالْإِظْلَامُ
فَإِذَا تَنَبَّهَ رُعْتَهُ وَإِذَا غَفَا
سَلَّتْ عَلَيْهِ سُيُوفَكَ الْأَحْلَامُ
ولقد قصر أبو الطيب في تعبيره عن اليقظة بالسهاد؛ لأن السهاد امتناع النوم ليلًا، ولا يسمى المتصرف بالنهار ساهدًا.
(٣٢٠) يقول: مدحت قومًا أشرت عليَّ — يا أبا الحسين — بأن أمدحهم، فما كان إلا أن فارقتهم دون أن يزودوني شيئًا، وظنوا أني كنت أمدحهم وأثني عليهم بذلك المديح، مع أني إنما كنت أعنيك أنت بذلك المدح والثناء. وفي هذا المعنى يقول أبو نواس:
وَإِنْ جَرَتِ الْأَلْفَاظُ مِنَّا بِمِدْحَةٍ
لَغِيَرِكَ إِنْسَانًا فَأَنْتَ الَّذْيِ نَعْنِي
ويقول كُثَيِّرٌ:
مَتَى مَاَ أَقُلْ فِي آخِرِ الدَّهْرِ مِدْحَةً
فَمَا هِيَ إِلَّا لِابْنِ لَيْلَى الْمُكَرَّمِ
وقد ذهب اليازجي — بعد أن اعترف بأن الرواية: أشَرتَ، بفتح الشين والتاء — إلى أن الأظهر أن تكون بكسر الشين وضم التاء، من الأشر؛ وهو الفرح بالشيء والاغترار به، كأنه يقول: إني اغتررت بمدحهم فلم أنل منهم شيئًا. وهو حسن في ذاته، إلا أنه يفتقر إلى ثبت.
(٣٢١) الغدو: الذهاب صباحًا، ثم كثر حتى استعمل في مطلق الذهاب أي وقت كان. والفناء: الساحة والمنزل. يقول: إني مرتحل عنك، وقلبي مقيم عندك. قال العكبري: وما أحسن ما قال عن فنائك ولم يقل عنك! وهذا كقول أبي تمام:
مُقِيمُ الظَّنِّ عِنْدَكَ وَالْأَمَانِي
وَإِنْ قَلِقَتْ رِكَابِي فِي الْبِلَادِ
(٣٢٢) يقول: حيثما توجهت فأنا محبك، وحيثما كنت فأنا ضيفك؛ لأني إنما آكل مما أعطيتني وزودتني، وهذا من قول أبي تمام:
وَمَا سَافَرْتُ فِي الْآفَاقِ إِلَّا
وَمِنْ جَدْوَاكَ رَاحِلَتِي وَزَادِي
(٣٢٣) أم الأولى: متصلة معادلة للهمزة على معنى أي، كأنه قال: أي هذين نرى؟ فهو الآن مدَّعٍ وقوع أحدهما لا محالة، فجرى ذلك مجرى قولك: أزيدًا ضربته أم عمرًا: أي لست أشك في ضربك أحدهما، ولكن أيهما هو؟ وأم الثانية: منقطعة، وهي للإضراب — بمعنى بل — مع الاستفهام. والخلق: مبتدأ، وجملة أعيدا: خبر؛ يتعجب من جمال زمان الممدوح. يقول: أهذا الذي نراه حلم أم صار الزمان جديدًا؟! فهو غير ما نعهده. وانقطع الاستفهام ثم قال: بل أعيد الخلق الذين ماتوا من قبل في شخص رجل حي؛ وهو الممدوح. أي جمع فيه ما كان لهم من الفضائل والمكارم وسائر المعاني المحمودة، فكأنهم أعيدوا في شخصه، كما قال أبو نواس:
وَلَيسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ
أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ
(٣٢٤) أضاء: يكون لازمًا ومتعديًا. يقول: ظهر لنا هذا الممدوح فسرنا به في الضوء؛ يعني أعدتنا سعادته، كالنجوم التي تسعد ببروجها.
(٣٢٥) ولودًا: أي والدًا. ووليدًا: أي مولودًا. يقول: رأينا برؤية بدر بن عمار بدرًا مولودًا، وبرؤية آبائه والدًا لبدر. وعبارة الواحدي: رأينا برؤية بدر وآبائه والدًا لقمر وقمرًا مولودًا. جعله في الضياء والشهرة والعلو والحسن كالقمر، والقمر لا يكون مولودًا ولا والدًا، فجعله كالقمر المولود وأباه كالوالد للقمر، وعنى بالبدرين الآخرين: قمرين، ولو أراد بهما اسم الممدوح لم يكن فيه مدح ولا صفة. قال: ويقال: الإشارة في هذا إلى أن الممدوح فيه معاني البدور من الضوء والحسن والكمال لا معاني بدر واحد. وعبارة ابن جني: رأينا هذا الممدوح وأباه قد ولد منه قمر في الحسن، فكأنه قد صار للقمر والدًا؛ ورأينا هذا الممدوح قمرًا وليدًا، والبدر لا يكون والدًا ولا مولودًا حقيقة، ولكنه أراد الإغراب وحسن الصنعة فكأنه قال: أنت قمر وأبوك أبو القمر.
(٣٢٦) يقول: رضينا أن نسجد له لاستحقاقه غاية الخضوع منا له فلم يرض ذلك؛ فتركنا ما رضينا له — وهو السجود — طلبًا لرضاه.
(٣٢٧) أمير: خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو أمير، وأمير الثاني: خبر مقدم، والندى: مبتدأ مؤخر، أي هو أمير، الندى أمير عليه، أي ملك عليه أمره فلا يعصيه، أي لا يكون بخيلًا ألبتة. ثم قال: وهو جواد بكل شيء إلا بأن يترك الجود، فإنه لا يجود بهذا الترك. والمصراع الأول من قول النمري:
وَقَفْتُ عَلَى حَالَيْكُمَا فَإِذَا النَّدَى
عَلَيْكَ — أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ — أَمِيرُ
وقول أبي تمام:
أَلَا إِنَّ النَّدَى أَضْحَى أَمِيرًا
عَلَى مَالِ الْأَمِيرِ أَبِي الْحُسَيْنِ
(٣٢٨) يقول: لا يحب أن يمدحه أحد بحضرته تنزهًا عن ذلك المدح، كأن له من نفسه قلبًا يحسده، فلا يحب إظهار فضله ومناقبه، كما قال:
أَنَا بِالْوُشَاةِ إِذَا ذَكَرْتُكَ أَشْبَهُ
تَأْتِي النَّدَى وَيُذَاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
وقد قال أبو تمام:
وَكَأَنَّمَا نَافَسْتَ قَدْرَكَ حَظَّهُ
وَحَسَدْتَ نَفْسَكَ حِينَ أَنْ لَمْ تُحْسَدِ
اجتمع المتنبي وأبو تمام في حسد النفس والقلب؛ فأبو تمام يقول: كأنك نافست قدرك وحسدت نفسك فطفقت تباهي في الشرف، وتزيد على كل غاية تصل إليها، وإن كنت مفردًا فيها ليس لك فيها شريك. وأبو الطيب يقول: كأن قلبك يحسدك على فضائلك، فهو يكره أن تشتغل بذكرها، وهذا نوع آخر من المديح لكنهما اجتمعا في حسد النفس والقلب.
(٣٢٩) يقول: يقدم على كل عظيم إلا على الفرار في الحرب؛ فهو أهول عنده من كل هول، ويقدر على كل صعب إلا على أن يزيد على ما هو عليه من علو الشأن وجلال القدر؛ فإنه لا غاية له وراءه. وهذا من قول أبي تمام:
فَلَوْ صَوَّرْتَ نَفْسَك لَمْ تَزِدْهَا
عَلَى مَا فِيكَ مِنْ كَرَمِ الطِّبَاعِ
(٣٣٠) النوال: العطاء. والجدود: جمع جد، وهو البخت والسعد، يقول: كأن عطاءك مشتق من القضاء، فإذا وصلت أحدًا ببر سعد ببرك فصار برك حظًّا له. قال الواحدي: ويجوز أن يكون المعنى: إن القضاء سعد ونحس، ونوالك سعد كله، فهو أحد شقي القضاء.
(٣٣١) التاء — في ربتما — للتأنيث وما زائدة. والذبل: جمع ذابل، والذبل السمر: الرماح. يقول رب حملة لك على أعدائك في الحرب رددت بها رماحك السمر سودًا؛ أي لطختها بالدماء حتى جفت عليها فاسودَّت، والدم إذا جف اسودَّ.
(٣٣٢) وهول: عطف على حملة، يقول: ورب هول كشفته عن صحبك بنجدتك، ورب سيف كسرته بقوة ضربتك، ورب رمح أتلفته بالطعن في الأضلاع، وقد أتلف نفس المطعون. فقوله: مبادًا مبيدًا: حالان من الرمح، ومثل هذا المعنى في السيف قول البعيث:
وَإِنَّا لَنُعْطِي الْمَشْرَفِيَّةَ حَقَّهَا
فَتَقْطَعُ فِي أَيْمَانِنَا وَتَقَطَّعُ
ويقول أبو تمام:
وَمَا كُنْتَ إِلَّا السَّيْفَ لَاقَى ضَرِيبَةً
فَقَطَّعَهَا ثُمَّ انْثَنَى فَتَقَطَّعَا
(٣٣٣) القِرن: الكفؤ في الحرب. يقول: رب مال وهبته بغير موعد، بل تعطيه ابتداءً؛ ورب كُفُؤ لك في الحرب سبقت إليه من غير تهديد، وهذا كقوله:
لَقَدْ حَالَ بِالسَّيْفِ دُونَ الْوَعِيدِ
وَحَالَتْ عَطَايَاهُ دُونَ الْوُعُودِ
(٣٣٤) الطلا: الأعناق. والغمود: جمع غمد؛ جفن السيف. يقول: إن سيوفك لأنها لا تفتر عن ضرب الأعداء وممارسة الحروب تبقى أبدًا هاجرة أغمادها، ومن ثم تتمنى الأعناق أن تكون أغمادًا لها حتى تنال من الهجر ما نالت الأغماد؛ أي حتى تهجرها السيوف ولا تجتمع معها أبدًا، وهو معنى دقيق رائع.
(٣٣٥) الهام: الرءوس. يقول: إن سيوفه لا تعود إلى أغمادها أصلًا فقد هجرتها إلى الرءوس؛ لأنها أبدًا تصدر عن رأس لترد رأسًا غيره، فيكون صدورها عما وردت عليه ورودًا على مثله. فقوله: إلى الهام: متعلق بهجر في البيت السابق؛ أي بهجر سيوفك أغمادها إلى الهام، ويكون البيت مضمنًا. ولك أن تجعلها متعلقة بتصدر الواقعة حالًا؛ أي صادرة عن مثل ما هجرت إليه. والصدر: في الأصل صدور الشاربة عن الماء بعد الري، والورود عكسه، وصدرًا وورودًا: مفعولان لترى، وورود: متعلق بصدر.
(٣٣٦) يقول: ما زلت تقتل الناس بالسلاح حتى قتلت السلاح بهن؛ أي كسرته وثلمته. وهذا مثل قول أبي تمام:
وَمَا مَاتَ حَتَّى مَاتَ مَضْرِبُ سَيْفِهِ
مِنَ الضَّرْبِ وَاعْتَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَنَا السُّمْرُ
(٣٣٧) أنفدت: أفنيت. والنفود: الفناء. والضمير في عيشهن: لنفوس الأعداء. وأفنيت بقاء نفوس الأعداء: أي أهلكتهم بإحلال آجالهم. وأبقيت نفود المال الذي تملك: أي أتلفته حتى لم يبقَ منه إلا العدم. يقول: إنك أهلكت أعداءك وفرقت أموالك.
(٣٣٨) يقول: لإفراط سرورك بالعطاء وبذل المال كأنك تبغي بذلك الغنى؛ لأنك تسر بما تعطيه سرور غيرك بما يأخذه. فكان الفقر عندك هو الغنى، وكان الموت في الحرب خلود فلا تنفك تسعى إليه.
(٣٣٩) فاعل أراها: ضمير يعود إلى الرب. يقول: هذه خلائق — يعني ما ذكر في الأبيات السابقة — يستدل بها على قدرة خالقها؛ إذ هي أخلاق عجيبة لا يقدر عليها إلا الله الواحد القادر، وهي آية مجد أراها الله عباده حتى يستدلوا بها على المجد والعلاء. أو تقول: هذه خلائق من الكرم والفضل والإقدام ومحاسن الشيم تدل على ربها؛ أي صاحبها — وهو الممدوح — وتدعو إلى معرفته، وآية مجد أراها العباد كي ينهجوا منهجه.
(٣٤٠) يقول: هذه الخلائق مهذبة لا عيب فيها، حلوة للأولياء بما تنبثق به عليهم من النعماء، مرة على الأعداء بما تنصب عليهم من النقمة واللأواء، ولقد حقرنا بها الأسود والبحار؛ لأنك تربو عليهما في الشجاعة والسخاء.
وقال ابن جني: حلوة، فكل أحد يعشقها ويستحسنها، ومرة؛ لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس، وحقرنا البحار؛ لإفراط سخائك والأسود لإفراط إقدامك.
(٣٤١) بعيد: خبر مقدم، ووصفها: مبتدأ مؤخر. وعلى: بمعنى مع. وغاله: أهلكه. وأنضاه: هزله. يقول: إن وصف أخلاقك بعيد مع قربها منا؛ لأنا نراها، ولكن لا نقدر على وصفها، إذ إن الظنون تهلك دون إدراك غايتها، ويهزل الشعر إعياء قبل الوصول إلى حقيقتها.
(٣٤٢) يقول: أنت وحيد؛ لا لأنه وُجد لك نظير قديمًا ثم فُقد، وإنما لأنه لم يوجد لك نظير ألبتة في بني آدم. وعبارة الواحدي: لم تصر وحيدًا؛ لأنك فقدت نظيرًا كان لك، بل أنت وحيد لم تزل، والوحدة لازمة لك، فهي صفة لك. وقال غيره: أنت وحيد بني آدم في كل خلائقك، ولست بواجد لك نظيرًا، فلست مفردًا من فقدك للنظير، فأنت غير منفك من هذه الحال؛ أي أنت وحيد لم تزل.
(٣٤٣) أُبَيَّات: تصغير أَبْيَات، صغرها تحقيرًا لها. ونأم الأسد: زأر، والأسد: مفعول تحسدن، ويعني بالأسد نفسه. يقول: إنهم يستعظمون أبياتًا هي عندي حقيرة. ثم قال: لا تحسدن الأسد على زأره.
(٣٤٤) ثَمَّ: بمعنى هناك، والإشارة إلى حيث هم؛ أي لو أن لهم أو معهم قلوبًا، والضمير — في قوله: تحتها — للأبيات. والحسدا: مفعول أنساهم. يقول: لو كان لهم قلوب يعقلون بها ما تضمنته أبياتي من الوعيد لأنساهم الذعر منها الحسد.
(٣٤٥) الفعال هنا: مصدر فعل فعالًا كذهب ذهابًا، والفعال: اسم للفعل الحسن من الجود والكرم ونحوه. وبله: اسم فعل بمعنى دع، وأكثره منصوب به، والجد بالكسر: الاجتهاد، وبالفتح: الحظ. يقول: أقل فعلي مجد دع أكثره؛ أي إذا عرفت أن الأقل مجد، أغناك ذلك عن تعرف الأكثر. يعني: إني لا أفعل فعلًا إلا ومرماي المجد، فكل أفعالي — قليلها وكثيرها — إنما هي في سبيل المجد، وهذا الجد والإشاحة في سبيل المجد، وترك التواني في ذلك يعد حظًّا لي سواء نلت مطلوبي أم لم أنل؛ لأن ذلك آية علو النفس وبعد الهمة، وحسبي ذلك حظًّا. وعبارة الواحدي: معنى المصراع الأول من هذا البيت: إني لا أفعل شيئًا إلا ومغزاي المجد، وإياه أطلب. ولو صرح بالأقل لقال: نومي وأكلي وشربي للمجد، ولو صرح بالأكثر لقال: تغريري بنفسي وركوبي المهالك وشهودي الحرب كله مجد؛ أي لأجل المجد وتحصيله. يقول: إذا عرفت كون الأقل مجدًا أغناك ذلك عن تعرف الأكثر. وقوله: وذا الجِد، معناه أن الجد في طلب المجد جد معجَّل؛ لأن استعمال الجد في الأمور جد، لأنه يستمر عادة باستعمال الجد في الأمور.
(٣٤٦) يقول: سأطلب حقي بالرماح وبصحبٍ لي لا يفارقون الحروب، فلا يفارقهم اللثام ولا ترى لحاهم، فكأنهم مرد. واللثام في الحرب عادة العرب؛ لئلا تسقط عمائهم. وقال الواحدي: كنى بالقنا عن نفسه، وبالمشايخ عن أصحابه. يعني أنه يطلب حقه بنفسه وبغيره، وأراد أنهم محنكون مجربون؛ ولذلك جعلهم مشايخ. هذا، والمشايخ: جمع شيخ، وكذا مَشْيَخَة ومَشِيخَة وأشياخ وشيوخ. واللثام: ما يجعل على الوجه من فاضل العمامة.
(٣٤٧) ثقال وما بعده: نعت لمشايخ. ومراده بكونهم ثقالًا: شدة وطأتهم على العدو، أو ثباتهم لدى اللقاء، وكنى بالخفة عن سرعة الإجابة إذا دعوا للنجدة، وبالكثرة عن سد الواحد مسد الجماعة: أي إنهم — على قلتهم في العدد — يغنون غناء السواد الأعظم. وعبارة ابن جني: وصفهم بالقلة؛ لأنهم إذا انتصفوا من أعدائهم وغلبوهم في قلة عددهم فهو أفخر لهم من الكثرة.
(٣٤٨) وطعن: عطف على القنا. والضمير — في عنده — يعود إلى الطعن الأول، وجملة لا طعن عنده: في موضع رفع خبر كأن. يقول: وأطلب حقي بطعن شديد كان كل طعن غيره بالقياس إليه لا شيء، وبضرب حار كأن حر النار بالإضافة إليه برد، وكل هذا مبالغة.
(٣٤٩) السابح: الفرس السريع الجري. يقول: إنه مطاع في قومه، فمتى شاء أحاطت به رجال يستعذبون طعم الموت كما يستعذب العسل. وقوله: في فمها، أراد: في أفواهها، فأوقع الواحد موقع الجمع.
(٣٥٠) صغر الأهل تحقيرًا لهم. والفدم: العيي في ثقل وقلة فهم. والوغد: الأحمق الخسيس.
(٣٥١) وأكرمهم كلب: أي خسة الكلب. وأبصرهم عَمٍ: أي أبصرهم بالأمور — من البصيرة — أعمى القلب. وأسهدهم فهد: أي أسهرهم وأيقظهم ينام نوم الفهد، وبه يضرب المثل في كثرة النوم. وفي حديث أم زرع وصفت امرأة زوجها، فقالت: إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد؛ تصف زوجها باللين والسكون إذا كان معها في البيت، شبهته بالفهد إذا خلا بها، وبالأسد إذا رأى عدوه. ثم قالت: ولا يسأل عما عهد؛ كرمًا منه وحسن خلق. والقرد يضرب به المثل في الجبن والحذر، ويقال: إن القرد لا ينام إلا وفى كفه حجر، ولا ينام الليل حتى يجتمع إليه الكثير.
(٣٥٢) النكد: قلة الخير، والمراد بالحر: الكريم — ضد اللئيم — يقول: من نكد الدنيا أن الكريم لا يجد مندوحة من إظهار الصداقة فيها لعدوه مع علمه أنه له عدو؛ ليأمن شره ويدفع غائلته.
قال ابن جني: لو قال: ما من مداجاته، لكان أشبه، والذي قاله أحسن في اللفظ وأقوى في المعنى، وحسنه أنه ذكر العدو وضده، وفي قوة المعنى أن المداجي المساتر للعداوة وقد يساتر للعداوة من لا يظهر الصداقة، فإذا أظهر الصداقة لم يكن له من إظهارها بد، فهو يعاني من ذلك أمرًا عظيمًا ونكدًا في الحياة، فهو أسوأ حالًا من المداجي. وقال الخطيب التبريزي: إنما أراد بهذا السلطان الذي لا بد من صداقته بإخلاص القول والنية، فبأيها أخل دخل منه الضرر، وهذا الذي يقوله الخطيب أشبه بمذهب المتنبي. هذا، وقوله: أن يرى: مؤول بمصدر مبتدأ خبره من نكد. وقوله بد: اسم «ما» المشبهة بليس، ومن صداقته: خبر. قال العكبري: وأراد ما من إظهار صداقته فحذف المضاف. وفي الواحدي — بعد هذا البيت — هذان البيتان:
فَيَا نَكَدَ الدُّنْيَا مَتَى أَنْتَ مُقْصِرٌ
عَنِ الْحُرِّ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ ضِدُّ
يَرُوحُ وَيَغْدُو كَارِهًا لِوِصَالِهِ
وَتَضْطَرُّهُ الْأَيَّامُ وَالزَّمَنُ النَّكْدُ
ولا يوجدان في سائر نسخ الديوان.
(٣٥٣) بقلبي: خبر مقدم عن ملالة، والضمير في منها: للدنيا. والغواني: جمع غانية وهي المرأة التي غنيت بجمالها عن الزينة. يقول: لقد مللت الدنيا وإن لم أستوفِ حظي منها، لما أراه من قبيح صنعها، من مثل الإساءة إلى أهل الفضل وقعودها بهم عما يستحقونه، ومن ثم كان بقلبي منها ملالة، وبي إعراض عن نسائها، وإن كنت من الشباب بحيث يرغبن في وصالي، ولله أبو العلاء المعري حين يقول:
وَقَدْ غَرِضْتُ مِنَ الدُّنْيَا فَهَلْ زَمَنِي
مُعْطٍ حَيَاتِي لِغِرٍّ بَعْدُ مَا غَرِضَا
(غرضت: ضجرت وسئمت. والغر: الذي لم يجرب الأمور؛ وقبل البيت:
إِذَا الْفَتَى ذَمَّ عَيْشًا فِي شَبِيبَتِهِ
فَمَا يَقُولُ إِذَا عَصْرُ الشَّبَابِ مَضَى
وَقَدْ تَعَوَّضْتُ مِنْ كُلٍّ بُمْشْبِهِهِ
فَمَا وَجَدْتُ لِأَيَّامِ الصِّبَا عِوَضَا
وبعدهما البيت وبعده:
جَرَّبْتُ دَهْرِي وَأَهْلِيهِ فَمَا تَرَكَتْ
لِيَ التَّجَارِبُ فِي وُدٍّ امْرِئٍ غَرَضَا)
(٣٥٤) جعل الحزن والعبرة خليلين له دون الناس؛ لأنهما يلازمانه ولا يفارقانه، فكأنهما خليلان له. يقول: فقدت من كنت أحبه وصاحبني لفقده حزن وعبرة لست أفقدهما. وقوله: دون الناس حال مقدمة عن النكرتين بعدها، وعلى فقد: صلة الحزن، أو العبرة على التنازع، وجملة ما لهما فقد: صفة.
(٣٥٥) يقال: لج به الحزن ونحوه؛ لزمه فلم يزايله، ويروى: تلح، من قولهم: ألح السحاب بالمكان، إذا أقام به. يقول: لا تخلو جفوني من الدموع فكأن جفوني خد كل باكية في الدنيا. يعني أن ما يسيل من جفونه مثل الذي يسيل على خد كل باكية، يريد المبالغة في كثرة ما يجري من جفونه. ولعل الأقرب أن يكون المراد: لست أخلو من بكاء ودموع، كما لا تخلو الدنيا من باكية تجري دموعها.
(٣٥٦) النغبة: الجرعة من الماء، والربد: النعام، يقال: ظليم أربد ونعامة ربداء؛ وذلك لما في لونها من الغبرة، يضرب بها المثل في الصبر على العطش. والطية: المكان الذي تطوى إليه المراحل وينتوى القصد إليه، وأطوي: أجوع، ومعناه: أطوي بطني عن الزاد. والمجلحة: الذئاب المصممة. يقال: جلح الذئب على القوم؛ إذا حمل عليهم غير مبالٍ، وإنما يفعل ذلك عند السعار وشدة الجوع. والعقد: جمع الأعقد، وهو الذي في ذنبه عقدة، وقيل: الذي انعقد لحمه ضمرًا وهزالًا. يصف المتنبي نفسه بالجلد والمضاء والإشاحة في أموره، وعدم إسفافه، وقلة مبالاته بالمشرب والمطعم، شنشنة النفوس الطموح الكبيرة التي لا يهمها بر البدن والاحتفال به.
(٣٥٧) الغيبة: الاسم من الاغتياب؛ وهو الوقوع في عرض الغائب. والجهد: الطاقة. يقول: إني أكبر نفسي أن أجازي عدوي بالاغتياب؛ لأن ذلك طاقة من لا طاقة له بمواجهة عدوه ومحاربته. ولله قول إياس بن قتادة:
نُعَاقِبُ أَيْدِينَا وَيَحْلُمُ رَأْيُنَا
وَنَشْتُمُ بِالْأَفْعَالِ لَا بِالتَّكَلُّمِ
(٣٥٨) أصل العي: العجز عن الحجة، والعي في الكلام: الحصر. والغبا: الغباوة؛ أي قلة الفطنة. يقول: إذا رأيت أناسًا من أهل العي والغباء رحمتهم وأشفقت عليهم، وإذا أبغضوني عذرتهم؛ لأنهم أضداد لي بسبب ما بيننا من التباين، والضد يبغض ضده.
وهذا ومفعول أعذر — كما قال العكبري — محذوف، والمفعول يحذف كثيرًا كقوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي: شيئًا.
(٣٥٩) الأيادي: النعم. يقول: يمنعني من الانصراف إلى غيره ماله عندي من النعم التي يضيق لفظ عند عن أن يجعل ظرفًا لها؛ لكثرتها وتوافرها إذ لا يسعها مفهوم هذا اللفظ. هذا، وقال العكبري: رفع عند، وهي لا تستعمل إلا ظرفًا؛ لأنه حمل الكلام على المعنى فكأنه قال: يضيق بها المكان. وكقول الرجل لصاحبه ينازعه في الأمر: كذا عندي. فيقول الآخر: أَوَلَكَ عند؟ أي أَوَلَكَ فهم؟ فجعلها اسمًا، وعند: أوسع من أخواتها الظروف؛ لأن القائل إذا قال: فوق وتحت ووراء وقدام فقد خص جهة من الجهات المذكورة، وإذا قال: الخير عند فلان، احتمل الكلام أن يكون في كل الجهات. قال: وقال يونس يومًا في كلامه: عند، فقال أبو عبيدة: أيقال: عند؟ فقال: نعم، يقال: عند وعند وعند وعند. وقال أبو عبيدة: ما كان عندي ذلك، فقال له: أَوَلَكَ عند؟ وقال الطائي:
وَمَا زَالَ مَنْشُورًا عَلَيَّ نَوَالُهُ
وَعِنْدِيَ حَتَّى قَدْ بَقِيتُ بِلَا عِنْدِ
(٣٦٠) توالى: بحذف إحدى التاءين؛ أي تتوالى. ويروى: توالت. والضمير: للأيادي. وشمائله: أي أخلاقه، اسم لكن، وخبرها وعد. وفي البيت تقديم وتأخير، وتحرير الكلام: ولكن شمائله قبلها وعد بها من غير وعد؛ أي إن هذه النعم تتتابع منه ابتداء من غير أن يسبقها وعد، ولكن سبق العهد بكرم أخلاقه وماله من عوائد الجود يقوم مقام الوعد بها وإن لم يعد.
(٣٦١) صاحبي: بدل من السيف. يقول: سريت إليه ومعي السيف يصحبني في طريقي فكان مسرى سيفي إلى سيف آخر — يعني الممدوح — إلا أن سيفي مما طبعته — أي: عملته — الهند، أما هذا السيف فهو مما طبعه الله.
(٣٦٢) حسام: أي سيف قاطع؛ فاعل هز، أو بدل من ضميره على جعل الفعل للمدوح. وصفح السيف: جانبه. وله: نعت صفح. يقول: لما رآني مقبلًا عليه هز نفسه للقائي كما يهتز السيف. وقوله: كل صفح له حد، من أحسن الكلام؛ أي كل وجه من صفحيه حد ينفذ في أعدائه، فهو يقطع بصفحه كما يقطع بحده.
(٣٦٣) قال الواحدي: تحقيق الكلام: فلم أر قبلي من مشى نحوه رجل كالبحر في الجود، وعانقه رجل كالأسد في الشجاعة.
(٣٦٤) أراد بالعاصيات: القسي الشديدة التي تستعصي على النازع فلا يستطيع جذبها، يقول: إنها تطيعه إذا جذبها حبًّا له أو زهدًا في غير أنامله.
(٣٦٥) ويمكنه: عطف على يصيب. يقول: إن الإصابة لمساعفتها إياه تكاد تسبق رميه، ويكاد السهم لانقياده له يرجع من طريقه إليه؛ وهذا مبالغة في وصف اقتداره على الرمي.
(٣٦٦) وينفذه: عطف أيضًا على يصيب. قال أبو العلاء: وإذ عطفته على «يكاد» ففيه سرف وفيه إغرابات المتنبي في شعره. ويقوي ذلك أيضًا أن يكون أراد به في الحقيقة يصيت عقد الشعرة، والعقد: العقدة. يقول: ويكاد ينفذ سهمه في العقدة الضيقة من الشعرة السوداء في الليل المظلم، وكل هذا من المبالغة التي تعد غلوًّا.
(٣٦٧) ازدهاه: استخفه. والذرائع: الوسائل. يقول: أفدي بنفسي الممدوح الذي هو من الفطنة وثقوب البصيرة بحيث لا يغتر بأعدائه الذين يتقربون إليه بشتى وسائل الود والولاء وقلوبهم مطوية على البغض والحسد والموجدة. وقال ابن جني: هذا هجو، كأنه قال: بنفسي غيرك أيها الممدوح؛ لأني أزدهيك بالخديعة وأسخر منك بهذا القول، لأن هذا مما لا يجوز مثله. قال: وهذا مذهبه في أكثر شعره؛ لأنه يطوي المدح على هجاء حذقًا منه بصنعة الشعر، كما كان يقول في كافور من أبيات ظاهرها مدح وباطنها هجاء. قال ابن فورجة — يرد على ابن جني: إنما فعل ذلك في مدائح كافور استهزاء به؛ لأنه كان عبدًا أسود لم يكن يفهم شيئًا، ولم يفهم ما ينشده، فأما علي بن محمد بن سيار فمن صميم بني تميم، عربي لم يزل يمدح وتنتابه الشعراء، وليس في هذا البيت ما يدل على أنه يعني غيره بل يعنيه به. يقول: بنفسي أنت، ووصفه وأتبع ذلك بأوصاف كثيرة على نسق واحد لو كان كلها وصفًا لغيره كانت هذه القصيدة خالية من مدحه، وليس في إنفاذ الرمي في عقدة من شعرة في ليل مظلم أول محال ادُّعي للمدوح، وما هذا إلا هوس عرض له فقذفه.
(٣٦٨) ومن عرضه حر: أي لا مغمز فيه عزيز عزة الحر. ومن ماله عبد: أي ممتهن مبذول في سبيل المجد. وفي البيت من الطباق ما لا يخفى.
(٣٦٩) يقول: إنه يعطي المستحقين وذوي القدر قبل أن يسألوه، ويمنع معروفه عن كل ساقط لئيم، إذا ذم أحدًا كان ذمه حمدًا له؛ لدلالة ذلك على أنه لا يشاكله. وعبارة ابن جني: يصنع المعروف مع المستحقين، ويعطي من له قدر ومن يزكو عنده المعروف، ويمنعه من كل ساقط، إذا ذم أحدًا فقد مدحه، يصفه بالتيقظ ومعرفة ما يأتي وما يدع. قال ابن الشجري — لما ذكر كلام ابن جني هذا: لا يخلو من أحد معنيين؛ أحدهما أنه يوري عن الذم الصريح بكلام يشبه المدح، أو يريد أن يضع المدح الصريح موضع الذم. وليس يلحقه بهذين عيب ولا يستحق أن يحرم معروفًا. والمعنى غير ما ذهب إليه؛ وذلك أنه وصف الممدوح بالتيقظ ومعرفة ما يأتي وما يذر، فيضع الصنائع في مواضعها فيعطى ذوي الأقدار قبل أن يسألوه، كما قيل: السخي من جاد بماله تبرعًا، وكف عن أموال الناس تورعًا، ويمنع ماله من كل دنيء؛ إذا ذمه الناس فقد مدحوه، الذم له مقام المدح لغيره، يعني أنه يقل عن المدح والهجاء، كما قال:
صَغُرْتَ عَنِ الْمَدِيحِ فَقُلْتَ: أُهْجَى
كَأَنَّكَ مَا صَغُرْتَ عَنِ الْهِجَاءِ
والذم: مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، والتقدير: من ذم الناس إياه حمد، كقوله تعالى: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ أي بسؤاله. وابن جني ذهب إلى أن الذم مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف. ففسر على هذا التقدير، فأفسد المعنى؛ لأنه أراد من ذمه الناس حمد، ومَن في قوله: نكرة، والجملة بعده نعت له، فكأنه قال: من كل إنسان ذمه حمد ولا يجوز أن يكون بمعنى الذي؛ لأن «كلا» لا يضاف إلى معرفة، إلا أن يكون مما يصح تبعيضه، كقولك: رأيت كل البلد، ولا تقول: لقيت كل الرجل الذي أكرمته؛ فإن قلت: كل رجل أكرمته، حسن ذلك، وصحت إضافته إلى المفرد النكرة، كما تصح إضافته إلى الجمع المعرفة، نحو لقيت كل الرجال الذين أكرمتهم.
(٣٧٠) يقول: إنه يحتقر حساده فيعرض لا عن عتبهم أو مؤاخذتهم حسب، بل حتى عن أن يجري ذكرهم له على لسان؛ لأنهم لديه والعدم سواء. وعبارة بعض الشراح: يحتقر الحساد عن أن يتكلم فيهم، وإذا لم يذكرهم كانوا كأنهم معدومون لم يخلقوا بعد؛ لأن من لم تذكره لم يذكره الناس وذل قدره.
(٣٧١) على قدر: خبر مقدم. والحقد: مبتدأ مؤخر. يقول: إن أعداءه يأمنون جانبه لا لأنه ضعيف ذليل لا يستطيع إيذاءهم؛ ولكن لأن الحقد يكون على قدر المذنب، فإن كان حقيرًا لم يحقد عليه، وإذا لم يحقد عليه أمن المذنب، يعني أنه يحتقر أعداءه ولا يكترث لهم؛ لأنهم ليسوا هناك. وقال ابن جني: ليس يؤاخذ المذنب بقدر جرمه، وإنما يؤاخذ على قدر المذنب ولا قدر عنده لمن أجرم، فهو لا يعبأ بأحد من أعدائه؛ لأنه أكبر قدرًا من أن يعاقب أمثالهم.
(٣٧٢) يقول: إن كان جدك قد مات، فإن فضائله ومحاسنه باقية فيك فلم يفقد إلا شخصه كماء الورد يبقى بعد الورد وهو خلاصته؛ وقد أخذ السري الرفاء هذا المعنى فقال:
يُحْيِي بِحُسْنِ فِعَالِهِ
أَفْعَالَ وَالِدِهِ الْحُلَاحِلْ
كَالْوَرْدِ زَالَ وَمَاؤُهُ
عَبِقُ الرَّوَائِحِ غَيْرُ زَائِلْ
(الحلاحل: السيد في عشيرته، والشجاع والتام.)
هذا، وقد كرر المتنبي تفضيل الفرع على الأصل في غير موضع فقال:
فَإِنَّ فِي الْخَمْرِ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْعِنَبِ
وقال:
فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ
(٣٧٣) يقول: مضى جدك وبنوه وبقيت وحدك منفردًا بفضائلهم جميعًا، فأنت واحد صورة، جماعة معنًى، كالألف الذي هو واحد في الصورة، جمع في المعنى. وفي هذا المعنى يقول البحتري:
وَلَمْ أَرَ أَمْثَالَ الرِّجَالِ تَفَاوَتَتْ
إِلَى الْمَجْدِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ
وقال غيره:
وَمَا النَّاسُ إِلَّا وَاحِدٌ كَقَبِيلَةٍ
يُعَدُّ وَأَلْفٌ لَا يُعَدُّ بِوَاحِدِ
هذا، وقد أنث الألف في قوله: جمعت، على معنى الجماعة. وعطف «وبنوه» على الضمير المرفوع، وهو مذهب الكوفيين، ومنعه أهل البصرة. قال العكبري النحوي الكوفي: وحجتنا مجيئه في الكتاب العزيز، وفي أشعار العرب: ففي الكتاب العزيز ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى؛ أي فاستوى جبريل ومحمد فعطف وهو على الضمير المستكن في استوى، فدل على جوازه. وفي الشعر قول عمر بن أبي ربيعة:
قُلْتُ إِذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهَادَى
كَنِعَاجِ الْفَلَا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا
فعطف على الضمير المرفوع في أقبلت من غير توكيد. وقال الآخر:
وَرَجَا الْأُخَيْطِلُ فِي سَفَاهَةِ رَأْيِهِ
مَا لَمْ يَكُنْ وَأَبٌ لَهُ لِيَنَالَا
(من كلمة له يقولها في حميدة جارية ابن ماجه، ومطلعها:
حَمل القلْبُ من حميدةَ ثِقلا
إنَّ في ذاك لِلفؤَادِ لَشغلَا
وبعد بيت الشاهد:
قد تنَقَّبْنَ بالحريرِ وأبديـ
ـن عيونًا خُورَ المدامِع نجْلا
والزهر: جمع زهراء وهي البيضاء المشرقة، وتهادى: أي يمشين مشيًا رويدًا بسكون، والنعاج: بقر الوحش، شبه النساء بها في سكون المشي في الرمل، وتعسفن: ركبن، وإذا مشت في الرمل كان أسكن لمشيها لصعوبة المشي فيه، والفلا: تروى «الملا» وهي الفلاة الواسعة.)
فعطف على الضمير المستكن في يكن من غير توكيد. وحجة البصريين أنه قد جاء في الكتاب العزيز بالتوكيد نحو: اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، وفَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ ويَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ، وقالوا: لا يخلو إما أن يكون مقدرًا في الفعل، أو ملفوظًا به، فإن يك مقدرًا، نحو قام وزيدٌ، فكأنه قد عطف اسمًا على فعل. وإن كان ملفوظًا به، نحو قمت وزيد، فالتاء تنزل منزلة الجزء من الفعل، فصار كعطف الاسم على الفعل.
(٣٧٤) لهم: أي لآل سيار الذين انفرد الممدوح بمناقبهم. والغر: جمع أغر، وهو الأبيض المشرق، والعرب تتمدح ببياض الوجه، وإنما يريدون بذلك النقاء والطهارة مما يعاب، كما أنهم يكنون عن العيب والفضيحة بسواد الوجه. وأيد كريمة: أي بالعطاء. ومعرفة عد: أي قديمة كثيرة لا تنقطع مادتها كالماء العد؛ أي الغزير الذي لا تنقطع مادته. واللد: جمع الألد؛ وهو الشديد الخصومة. يريد: ألسنة قوية في مواطن الكلام.
(٣٧٥) خضرة الرداء: يكنى بها عن السيادة، وذلك أن الخضرة عندهم أفضل الألوان؛ لأن خضرة النبات تدل على الخصب وسعة العيش. والملك: السلطان، يذكر ويؤنث؛ ولذا قال: مطاعة. أو تقول: إنه أراد المملكة. ومركوزة سمر: أي رماح تركز في الأرض وتنصب، والمقربة: الخيل تربط قريبة من البيوت ولا ترسل إلى المرعى للحاجة إليها أو للبخل بها، والجرد: القصار الشعر.
(٣٧٦) يقول: ما دمت حيًّا فلم يمت أحد من آبائك ومن تقدمهم في النسب؛ لأن جميع محاسنهم موجودة فيك فهم حينئذٍ بك أحياء لا أموات. فما الأولى: شرطية زمانية، وما الثانية: نافية. وكان الوجه أن يقول: فما ماتوا، ولكنه حذف الفاء ضرورة كقوله:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا
وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلَانِ
أراد: فالله يشكرها. وتميم بن مر، وأد بن طابخة: قبيلتان مشهورتان من العرب، إليهما ينتسب الممدوح، وتميم وما عطف عليه: بدل تفصيل.
(٣٧٧) يقول: إن الذي أذكره وأشيد به من فضائله هو بعض ما يظهر لي، والذي يظهر لي هو بعض ما كان خافيًا عليَّ، يعني أنه قد بقي من تلك الفضائل ما لم يعلمه، وبقي مما علمه ما لم يذكره. يريد: كثرة فضائله، فبعض — في الشطرين — خبر مقدم عن الموصول الثاني.
(٣٧٨) يقول: من لامني في وده لمته بما وصفت من فضله، فيتبين أنه خليق بمودتي؛ لأنه خير الأمراء وأنا خير الشعراء، وجدير بخيرة الناس أن يود بعضهم بعضًا. وحُق له كذا — بضم الحاء — إذا كان جديرًا به، وقد تقدم الكلام على ذلك.
(٣٧٩) كذا: أي كذا هو كما وصفت، فتنحوا عن طريقه حتى يعبر فإنكم لستم ممن يجاريه في طرق المجد. وبني اللؤم: أي يا بني اللؤم. والجعد: الكريم، شبه بالثرى الجعد، وهو اللين الندي، وإذا قيل: فلان جعد اليدين أو جعد الأنامل؛ أرادوا أنه بخيل لئيم لا يبض حجره. وأنكر الأصمعي الجعد بمعنى الكريم، قال: زعموا أن الجعد السخي، وأنا لا أعرف ذلك، وإنما الجعد البخيل.
(٣٨٠) يقول: ليس في طبائعكم أن تنازعوه العلا، كما أنه ليس في طبع التراب أن يفوح بالمسك والند.
(٣٨١) التوءم: ما يكون مع غيره في بطن واحد. فتلد المرأة اثنين، أو الشاة أو غيرهما ويقال للاثنين إذا ولدا في بطن: هما توءمان، وفي التأنيث توءمة وتوءمتان؛ والجمع توائم وتؤام. قال عنترة:
بَطَلٌ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ
يُحْذَى نِعَالُ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ
(مدح ممدوحه بأربع خصال كرام: أحدها: أنه جعله بطلًا؛ أي شجاعًا. الثاني: أنه جعله طويلًا شبهه بالسرحة — وهي الشجرة الكبيرة — الثالث: أنه جعله شريفًا للبسه نعال السبت. الرابع: أنه جعله تام الخلق ناميًا؛ لأن التوءم يكون أنقص خلقًا وخلقًا وقوة وعقلًا. والسبت: الجلد المدبوغ.)
يقول: أما الفراق فهو شيء أعهده من قديم، حتى لو أنه مما يولد لقلت: هو توءمي؛ أي لا أنفك من فراق حبيب، فلو كان الفراق مولودًا لحكمت بأنه توءمي. وقال الواحدي: يجوز أن يكون المعنى: حقيقة الفراق ما أعهده من فراقك؛ يعني إن وجد فراق هذا الحبيب، فقد وجد فراق كل أحد، حتى كأن الفراق فراقه هو لا فراق غيره.
(٣٨٢) يقول: لما علمنا أن خلودنا في هذه الدنيا محال، علمنا أن الفراق حتم علينا لازب، فلا مندوحة لنا عن الانقياد لحكمه إن عاجلًا وإن آجلًا. وعبارة الواحدي: لما كنا نموت ونفنى، علمنا أننا ننقاد للفراق.
(٣٨٣) أبا البهى: أي يا أبا البهى — وهي كنية الممدوح — يقول: إذا نقلتنا الخيل عنكم وباعدت ما بيننا فإن أجودها حينئذٍ أردؤها؛ لأنه يكون أسرع في إبعادنا عنكم.
(٣٨٤) يقول: من يخص الفراق بالذم من بين سائر أشياء هذا الدهر، فأنا الذي لا أرى في الدهر شيئًا محمودًا؛ يعني أن كل الأشياء مذمومة عندي لا أخص الفراق دون غيره.
(٣٨٥) يقول: لقد ضمني واشتمل علي وجد بحبيب قد ضمه البعد واشتمل عليه، فيا ليتني بُعدٌ لأحوزه فأكون معه، ويا ليته وجد ليحوزني ويتصل بي؛ أي فنجتمع ولا نفترق.
(٣٨٦) الصلد: الشديد الصلب. يقول: إنني أسر بأن الهوى يجدد لي ذكر ما مضى من أيام الوصال ولذاذتها، وإن كان هذا الذكر مما يذوب له الحجر الأصم تأسفًا عليه وحنينًا إليه.
(٣٨٧) في العين وعندنا: صلة رقاد. والقلام: نبت من الحمض يكون في السباخ. قال ابن البيطار في مفرداته عن أبي حنيفة الدينوري: القلام تسميه الأنباط قاقلي، وهو من الحمض، والناس يأكلونه مع اللبن. والسرب بالفتح: المال الراعي، وبالكسر: القطيع. يقول: إن السهاد إذا كان لأجلكم لذ في أعيننا كالرقاد. والقلام: الذي ترعاه ماشيتكم طيب عندنا كأنه ورد، يعني: لحبي إياكم أستلذ الألم ويحسن في عيني ما ليس بالحسن.
(٣٨٨) ممثلة: خبر عن محذوف؛ أي هي — المخاطبة — ممثلة، يقول: أنت مصورة في خاطري حتى لكأنك حاضرة عندي لم تفارقيني، وحتى كأن يأسى من وصلك وعد منك بالوصل.
(٣٨٩) يقول: وحتى تكادى — لتخيلك حاضرة بجانبي — تمسحين مدامعي بيدك فيعبق طيبك في ثوبي. قال ابن جني: ومثله:
لَئِنْ بَعُدَتْ عَنِّي لَقَدْ سَكَنَتْ قَلْبِي
(٣٩٠) يقول: إذا غدرت الحسناء لم تَعْدُ سجاياها؛ لأن شنشنتها الغدر. وقد وفت بالعهد إذا غدرت؛ لأن عهدها أن لا تبقى على عهد، فوفاؤها — إذن — غدر.
(٣٩١) فركت المرأة زوجها تفركه فركًا: أبغضته، فهي فارك وفروك، وكذلك فركها زوجها، والفرك — بكسر الفاء — البغض. قال رؤبة:
فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الغَسَقْ
وَلَمْ يُضِعْهَا بَيْنَ فِرْكٍ وَعَشَقْ
قال اللغويون: إن هذا الحرف يختص بالمرأة وزوجها، ولم يسمع في غير الزوجين. ورجل مفرك: لا يحظى عند النساء. وامرأة مفركة: لا تحظى عند الرجال، أنشد ابن الأعرابي:
مُفَرَّكَةٌ أَزْرَى بِهَا عِنْدَ زَوْجِهَا
وَلَوْ لَوَّطَتْهُ هَيِّبَانٌ مُخَالِفُ
(مخالف: أي مخالف عن الجودة. يقول: لو لطخته بالطيب ما كانت إلا مفركة لسوء مخبرتها، كأنه يقول: أزرى بها عند زوجها منظر هيبان؛ أي يهاب ويفزع من دنا منه، أي إن منظر هذه المرأة شيء يتحامى فهو يفزع؛ وقيل: إنما الهيبان المخالف هنا ابنه منها، إذا نظر إلى ولده منها أبغضها ولو لطخته بالطيب.)
يقول: إن المرأة إذا عشقت كان عشقها أشد من عشق الرجال؛ لأن النساء أرق طبعًا وأقل صبرًا. وإذا أبغضت جاوزت الحد كذلك في البغض، وفي هذه الحالة لا تطمع في تلافي بغضها، واذهب وشأنك؛ لأن بغضها ليس عن قصد منها وإنما هي مغلوبة على أمرها. وقال الواحدي: وإن شئت قلت: فاذهب في ذلك الفرك.
(٣٩٢) يقول: هذه هي أخلاق النساء، بيد أنهن مع ذلك يسحرن ألباب الرجال حتى يضل بهن من يَهدي غيره، ويخفى عليه الرشد فيبتلى بهن. وعبارة ابن جني: يخلصن في أول الأمر فإذا تمكنَّ من قلوب الرجال نكصن عن وصلهن، وهذا كالتمهيد لما سيعتذر به عن نفسه في البيت التالي. كأنه يقول: وإني مع طبي بأخلاق النساء وتحذيري منهن لم أصن قلبي عن هواهن ووقعت في شراكهن.
(٣٩٣) قلنا: إن هذا كالاعتذار عن حبه إياهن بعدما أبان مساوئ أخلاقهن. يقول: وسكن حبًّا خالط قلبه في زمن الصبا، واستحكم فيه قبل أن تُحْكِمه التجارب فلم يقدر بعدها على تركه؛ لأنه قد ألفه حتى صار ديدنًا له يزداد ويشتد على كر الغداة ومر العشي. وخامر: خالط.
(٣٩٤) يدعو للسحب التي سقت قوم المحبوبة بأن يسقيها جود الممدوح مكافأة لها على ما فعلت، فيغدو إليها بالسقيا كما تغدو هي إليهم، جعل الممدوح يسقي السحاب؛ لأنه أكثر منها ندى. وفي البيت من حسن التخلص ما لا يخفى. هذا: والمزن جمع مزنة وهي المطرة؛ قال أوس بن حجر:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مُزْنَةً
وَعُفْرُ الظِّبَاءِ فِي الْكِنَاسِ تَقَمَّعُ
يقال: تقمعت الظبية: إذا لسعتها القمعة ودخلت في أنفها فحركت رأسها من ذلك، والقمعة ذباب أزرق يدخل في أنوف الدواب، وقيل: يركب رءوس الدواب فيؤذيها، والمزنة أيضًا: السحابة البيضاء، وسقى وأسقى لغتان فصيحتان.
(٣٩٥) يقول: لترتوي السحاب بنداه كما تروى بلادك بمطرها، وينبت فوقك الفخر والمجد؛ لأن عطاياك تورث المجد والشرف فتشرف السحاب بما تنال من جدواه، ويكون الفخر والمجد نابتين فيها لما شربت من سقياه، قاله ابن جني والواحدي والعكبري.
(٣٩٦) بمن: متعلقة بتروى أو ينبت؛ أي لتروى السحاب بهذا الممدوح أو ينبت به الفخر؛ أي بجوده أو بسببه. والبرد: الثوب. يقول: إن الناس يوم ركوبه تشخص أبصارهم إليه لحسن منظره وجلالة قدره، ويكثر زحامهم حواليه حتى تتحرق ثيابهم. وزحم: مصدر زحمه، ومصدر زاحمه: زحام.
(٣٩٧) يقول: لشغلهم بالنظر إليه والإيماء نحوه يلقون ما في أيديهم ولا يشعرون به. قال الواحدي: كأن هذا مقتبس من قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.
(٣٩٨) الهام: الرءوس. والوغى: الحرب. واللبد: ما تحت السرج. يقول: إنه شجاع ضروب لرءوس الأبطال ميدان القتال، خفيف مسرع إلى الوغى، أو خفيف لحذقه بالفروسية حتى لا يشعر الفرس بثقله، وهو قد بلغ منه الجهد إلى حد أنه يجد لبده ثقيلًا.
(٣٩٩) يقول: إنه يتسبب إلى إحراز الحمد بكل الأسباب من إحسان وإقدام وما إليهما، بصير بكسبه من حيث يعجز عنه غيره، فلو لاح له الحمد في فكي الأسد لأحرزه حبًّا فيه.
(٤٠٠) النَّيل: العطاء. والمهند: السيف الهندي. وبتأميله: متعلقة بيغني. وبالذعر: متعلق بينقد. يقول: إذا أمله الإنسان استغنى بذلك الأمل قبل أن يأخذ عطاءه؛ لأنه لا يخيب مؤملًا. وإذا خافه إنسان تقطع من خوفه قبل أن يقتله بسيفه.
(٤٠١) الواو في قوله: وسيفي: للقسم. ومما السيف منه: خبر مقدم عن الغمد. والضمير في منه: يعود إلى ما. يقسم بسيفه تعظيمًا له، يقول: إني أقسم بسيفي على أنك إذا سللت سيفًا للضرب فأنت السيف في الحقيقة، لا هو؛ لأن مضاءه إنما هو بك. ولما جعله سيفًا جعل غمده من الحديد الذي السيف منه؛ يعني الدرع، والمعنى: إذا لبست الدرع كنت فيه كالسيف، وكان لك كالغمد. وعبارة ابن جني: لأنت السيف، لا الذي تسله الأعداء؛ أي أنت في الحقيقة سيف لا الذي يطبع من الحديد، فإذا لبست الدرع والجوشن كنت كالسيف، وكانا لك كالغمد.
(٤٠٢) النجيع: الدم. ونجيعًا: تمييز. والزند: ما يقتدح به. ويثقب: يوري نارًا. يقول: وحق رمحي لولاك ولولا جودة طعنك لم يعمل الرمح شيئًا، كما أنه لولا قدح القادح لم يورِ الزند.
(٤٠٣) قوله: من القاسمين؛ أي هو من القوم القاسمين. وأسدى إليه: أحسن، وأسدى إليه معروفًا اتخذه عنده. يقول: هو من القوم الذين يشكرونني على الأخذ والقبول كما أشكرهم على الإنعام. إذا أحسنوا إلى أحد فقبل إحسانهم عَدُّوا ذلك إحسانًا منه إليهم يستحق الشكر على حد قول زهير:
كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ
(٤٠٤) جعل شكرهم له على أخذ عطائهم هبة ثانية منهم له، فهو يشكرهم على العطاء وعلى الشكر الذي هو عطاء ثانٍ. وفي هذا المعنى يقول أبو يعقوب الخريمي:
كَأَنَّ عَلَيْهِ الشُّكْرَ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ
يُقَلِّدُنِيهَا بَادِيًا وَيُعِيدُهَا
(٤٠٥) صيام: أي واقفة، تقول: صام الفرس، إذا وقف. يقول: إن خيلهم واقفة بأبوابهم، وهي كأنها تعدو في قلوب أعدائهم لشدة خوفهم؛ يعني أنهم مخوفون وإن لم يقصدوا أحدًا.
(٤٠٦) الوفود: جمع وفد، جمع وافد؛ بمعنى زائر. يقول: إنهم غير محجوبين عمن يقصدهم من الوادين، وأموالهم ترد على من لم يأتهم؛ لأنهم يبعثونها إليهم، فأموالهم مبذولة للحاضر والغائب.
(٤٠٧) العبدي: جمع عبد. والمطهمة: الخيل الحسان التامة الخلق. والجرد: القصار الشعر. يقول: عطاياه كالعساكر فيها كل شيء، حتى العبيد والخيل.
(٤٠٨) جعل الممدوح قمرًا وأباه شمسًا، يريد رفعتهما وشهرتهما، وجعل القمر ابن الشمس إشارة إلى أن نور القمر مستفاد من نور الشمس. يقول: قد لبس العلا ثوبًا ثم خاطبه وقال: تمهل حتى ينبت الشعر في وجهك؛ أي حتى تكبر، يعني أنه قد بلغ وهو صغير لم يبلغ حد الرجولية.
(٤٠٩) غالها: ذهب بها؛ أي رفعها من الأرض. وفضول الدرع: ما يفضل منها عن البدن إذا كانت واسعة، وهو جمع فضل. وجنباتها: جوانبها. والقناة: عود الرمح. يقول: إنه من ذوي البسطة في الجسم قد ملأ الدرع فلم يبقَ منها ما يفضل عن بدنه، وقده مع ذلك طويل معتدل كقد القناة، ليس بأقعس ولا بأحدب.
(٤١٠) أبكار المكارم: أي التي لم يسبقه أحد إليها. يقول: إنه باشر المكارم وتخلق بها وهو بعد ناشئ أمرد، وكذلك كان يفعل آباؤه.
(٤١١) من في قوله: من تشفى به: فاعل شفى، من باب وضع الظاهر موضع المضمر أو بدل من ضميره؛ جعل العدم — أي: الفقر — كالداء الذي يطلب له الشفاء، وأن أبا الممدوح شفاه بجوده وعطائه وأن من نظر إليه؛ أي: إلى أبي الممدوح، قرت عينه بما يشاهد من بشره وطلاقة وجهه حتى لو كان به رمد لشفي، وهذا كما يقول ابن الرومي:
يَا رَمِدَ الْعَيْنِ قُمْ قُبَالَتَهُ
فَدَاوِ بِاللَّحْظِ نَحْوَهُ رَمَدَكْ
هذا: والعُدْم والعَدَم إذ ضممت الأول: سكنت الثاني، وإن فتحته فتحت الثاني: كالسُّقْم والسَّقَم، والرُّشْد والرَّشَد والحُزْن والحَزَن. والرُّمد: جمع رمدة، ورمد الرجل: هاجت عينه فهو رمد وأرمد.
(٤١٢) حباني: أعطاني؛ والسوابق: الخيل، ودونها: حال من السوابق. يقول: أعطاني أثمان الخيل؛ أي المال الذي تشترى به الخيل السوابق، ولم يعطني الخيل مخافة أن أسير عليها وأفارقه؛ لأن الخيل بجريها تعين على السفر والبعد فهي من أسباب الفراق وأعوانه. وقوله: إنها، لك أن تقرأها بكسر الهمزة على الاستئناف ويكون الكلام قد تم بسيري، وبفتحها على تقدير اللام: أي حباني بذلك لأنها.
(٤١٣) شهوة: عطف على مخافة. وبها: صلة الجواد، والضمير للأثمان أو لقوله: ثناء؛ لأنها عطايا ثناء: أي مثنى مثنى. يقول: حباني بأثمان السوابق شهوة عود منه إلى حبائي مرة أخرى قبل انصرافي؛ لأن جوده مثنى وإن كان هو فردًا لا نظير له.
(٤١٤) بمثلها: أي بمثل أثمان الخيل، أو بمثل عطاياه المذكورة في قوله: ثناء ثناء كما سبق. يدعو لنفسه يقول: لا زلت أثيرًا لديه محظوظًا عنده أتلقى عطاياه وألقى بها حسادي فأفطر قلوبهم، فلا يكون لهم إلا أن يموتوا بغيظهم. ويروى: غيض بدل: غيظ؛ أي فراغ، مِن غاض الماء إذا نقص وجف. والرفد بالكسر: العطاء والصلة، وبالفتح: المصدر، رفده يرفده رفدًا: أعطاه، ومنه الرفادة: وهي شيء كانت قريش تترافد به في الجاهلية فيخرج كل إنسان مالًا بقدر طاقته، فيجمعون من ذلك مالًا عظيمًا أيام الموسم فيشترون به للحاج الجزر والطعام والزبيب للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج. وكانت الرفادة والسقاية لبني هاشم، والسدانة واللواء لبني عبد الدار، وكان أول من قام بالرفادة هاشم بن عبد مناف، وسمي هاشمًا لهشمه الثريد. والرافدان: دجلة والفرات. قال الفرزدق، يعاتب يزيد بن عبد الملك في تقديم ابن المثنى عمر بن هبيرة الفزاري على العراق ويهجوه:
بَعَثْتَ إِلَى الْعِرَاقِ وَرَافِدَيْهِ
فَزَارِيًّا أَحَذَّ يَدِ الْقَمِيصِ
(يصفه بالغلول وسرعة اليد. وقوله: أحذ يد القميص: أراد أحذ اليد، فأضاف إلى القميص لحاجته، وأراد خفة يده في السرقة. وقيل: إن الأحذ المقطوع، يريد أنه قصير اليد عن نيل المعالي، فجعله كالأحذ الذي لا شعر لذنبه.)
(٤١٥) القباطي: جمع قبطية؛ وهي ثياب بيض تعمل في مصر. والجحد: إنكار الشيء مع العلم به. يقول: ولا زال عندي ثياب الممدوح وماله، وعند حاسدي إنكار ما ظفرت به من نعمته، يقولون: لم يعطه ولم ينل جميع ما يدعي حسدًا لي وسترًا لما فضلت به عليهم. وقال ابن جني في معنى المصراع الأخير: هذا دعاء عليهم بأن لا يرزقوا شيئًا حتى إذا قيل لهم: هل عندكم خير أو بر من هذا الممدوح؟ قالوا: لا، فذلك هو الجحد، وليس بشيء.
(٤١٦) الشأو: الغاية. يقول: إن هؤلاء المتشاعرين يحاولون أن يبلغوا غايتي في الشعر وهم بالقياس إلي كالقرد بالقياس إلى الإنسان، يحاكيه في جميع أفعاله ما خلا المنطق، فإنه يعجز عنه، وكذلك هم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل كلامي.
(٤١٧) ابن دأية: هو الغراب، يقع على دأية البعير — الدبر — فينقرها، قال الشاعر:
إِنَّ ابْنَ دَأْيَةَ بِالْفِرَاقِ لَمُولَعٌ
وَبِمَا كَرِهْتُ لَدَائِمُ التَّنْعَابِ
وهو يوصف بحدة البصر. والخلد: نوع من الفأر أعمى، يضرب به المثل في قوة السمع. يقول: هم في جموع قليلة، لا يبصرها الغراب مع حدة بصره، ولا يسمع أصواتهم الخلد مع حدة سمعه. والمعنى أنهم غاية في الحقارة ودقة الشأن، حتى لو أن ذلك كان في أجسامهم، ما رأى جموعهم الغراب، أو في أصواتهم، ما سمعها الخلد.
(٤١٨) قوله: فجازوا: أمر من المجازاة. يقول: مني استفاد الناس كل شعر بارع رائع بديع وانتحلوه. ثم التفت إلى خطابهم وقال: فإن لم تجازوني بالحمد على قصائدي فليكن جزائي منكم ترك ذمي! يريد جماعة الشعراء الذين يسرقون كلامه ثم يتنقصونه ويصغون إناءه. وقال ابن جني: قوله: فجازوا: هو كما تقول هذا الدرهم يجوز على خبث نقده؛ أي يتسامح به، فغايتهم أن لا يذموا، فأما أن يحمدوا فلا! قال العروضي ينتقده: قضيت العجب ممن يخفى عليه مثل هذا، ثم يدعي أنه أحكم سماع تفسيره منه، وإنما يقول: الناس استفادوا مني كل شعر غريب وكلام بارع، ثم رجع إلى الخطاب فقال: فجازوني على فوائدي بترك الذم إن لم تحمدوني عليها.
(٤١٩) علي: أبو الممدوح، وابنه: الحسين، والضمير في قومه: لعلي. يقول: هو وابنه خير قومه، وقومه خير قوم في الدنيا، وبعد ذلك يستوي الأحرار والعبيد في انحطاط الجميع عن منزلتهم، وهذا كقول أبي تمام:
مُتَوَاطِئُو عَقِبَيْكَ فِي طَلَبِ الْعُلَا
وَالْمَجْدِ ثُمَّتَ تَسْتَوِي الْأَقْدَامُ
(٤٢٠) منهما: حال من مكانه، وفي مكانه: خبر أصبح، والضمير: للشعر. يقول: وأصبح شعري من علي وابنه في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه؛ لأنهما أهل لأن يمدحا به فزاد حسنه، كما أن العقد إذا حصل في عنق الحسناء ازداد حسنه. وهذا كقوله أيضًا.
وَقَدْ أَطَالَ ثَنَائِي طُولُ لَابِسِهِ
إِنَّ الثَّنَاءَ عَلَى التِّنْبَالِ تِنْبَالُ
[التنبال: القصير].
(٤٢١) المسهد: الذي منع النوم لمثل هم. يقول: اتفقت لنا زيارة هذه القرية بغتة، فكانت لطيبها كالنوم في جفن الساهد.
(٤٢٢) المعج: أن يعتمد الفرس على إحدى عضادتي العنان، مرة في الشق الأيمن، ومرة في الشق الأيسر، وقيل: ضرب من السير لين سهل، قال الشاعر:
يَصِلُ الشَّدَّ بِشَدٍّ فَإِذَا
وَنَتِ الْخَيْلُ مِنَ الشَّدِّ مَعَجْ
(٤٢٣) شبه خضرة نباتها على حمرة ترابها بخضرة العذار على حمرة خد أغيد، والأغيد: الوسنان المائل العنق اللين الأعطاف، وهو من أوصاف الغلمان الحسان. قال الواحدي: والغيد لا ينبئ عن الحمرة، لكنه أراد أغيد مورد الخد حيث شبه الخضرة على الحمرة بما في خده، كما قال الشاعر:
كَأَنَّ أَيْدِيهِنَّ بِالْمَوْمَاةِ
أَيْدِي جَوَارٍ بِتْنَ نَاعِمَاتِ
يريد أن أيدي الإبل انخضبت من الدم، كما أن أيدي الجواري الناعمات حمر بالخضاب، وليست النعومة من الخضاب في شيء.
(٤٢٤) يقول: أحببت أن أشبهها بشيء فوجدت التشبيه معدومًا. ويجوز أن يراد بالتشبيه: الشبه به، يقول: أردت مشبهًا لها فكان مستحيل الوجود، يريد أنها لا نظير لها.
(٤٢٥) أي: هي واحدة في الحسن لأوحد في المجد.
(٤٢٦) الوغد: الرذل الدنيء الضعيف العقل؛ والوغد: خادم القوم، وقيل: الذي يخدم بطعام بطنه، تقول منه: وغد الرجل — بضم الغين — ومنه الوغد: قدح من سهام الميسر لا نصيب له، يقول: رأيت العاقل الثبت الرزين به رذلًا دنيئًا أحمق، وأحرار الملوك عبيدًا، يعني شرفه وسيادته.
(٤٢٧) يقول: إن الشراب — شراب الراح — قد نال منه، وأنه أراد النهوض فمنعه، ثم قال: وأنت أعرف بكل شيء وأهدى الناس إلى المكارم.
(٤٢٨) رفدًا: أي إنعامًا، يريد: أنا أحمد لا أنصرف، فإن تفضلت بانصرافي عددته منك عطية.
(٤٢٩) الشأو: الغاية. وشآه: سبقه.
(٤٣٠) يقول: لم تدع من السيادة شيئًا يناله من لم يسد، ولا شيئًا يذكر لمن ساد.
(٤٣١) السمانى: الطائر المعروف في مصر بالسمان، يكون واحدًا ويكون جمعًا، ويقال في الواحدة أيضًا: سماناة. وتصيدها — بحذف إحدى التاءين — أي: تتصيدها. يقول: إن السمانى استسلمت للباشق، فكأنها تشتهي أن تصاد لتفتخر بحصولها في يدك.
(٤٣٢) وشامخ: أي ورب جبل شامخ؛ أي عال. والأقود: المنقاد طولًا. والأصيد: الملتوي العنق لداء. والصيد: داء يصيب أعناق الإبل. يريد أن هذا الجبل مرتفع في اعوجاج، فشبهه بيافوخ البعير الأصيد لعلوه واعوجاجه.
(٤٣٣) الجلمد: الصخر. والمسد: الحبل من ليف. يقول: إن السائر في هذا الجبل يسير منه في طريق ضيق ذي صخور، قد تعرَّج واشتبك بعضه في بعض، فأشبه لذلك ما بين قوى الحبل المعقد.
(٤٣٤) لك أن تقرأ يعهد: بضم الياء — على المجهول — وبفتحها: على أنه من فعل الجبل. والمراد بالتمرد: طغيان النشاط. وقوله: للصيد، بدل تفصيل من الأمر. والنزهة: الابتعاد عن مجامع الناس ومواضع الغمق وفساد الهواء. يقول: أتينا هذا الجبل للصيد والنزهة والمرح مما لم يعهد في مثله أو لم يعهده هو في نفسه من قبل لفرط علوه ووعورة مسالكه.
(٤٣٥) أي: زرناه بكل كلب يسقى دم ما يصيده، أسود اللون، تعود الصيد ومارسه كثيرًا. مقود: أي جعل له مقود يقاد به إلى الصيد. مقلد: من القلادة. وهي الطوق يجعل في العنق.
(٤٣٦) أي: معاود للصيد بكل ناب، أو تقول: يسطو بكل ناب ذرب؛ أي حاد ماض. والحفافان: الجانبان، شبه حنكه بالمبرد، لما فيه من التضاريس والطرائق.
(٤٣٧) ودى القتيل يديه: أعطى ديته، وهي ثمن الدم. يقول: كأن له عند الصيد ثأرًا يطلبه وإن لم يضطغن عليه، فهو يقتل ما يقتله ولا دية عليه.
(٤٣٨) الخشف: ولد الظبية. ونشد الضالة: طلبها وتعرف مكانها. وقوله: من أخضر؛ أي من مكان أخضر. يقول: يطلب من هذا الخشف ضالة لم يفقدها من قبل، فثار الخشف بين يديه من مكان معشوشب أخضر خضل ندي.
(٤٣٩) قوله: كأنه … إلخ، شبه النبات الأخضر بشعر العارضين أول ما يبدو في خد أمرد. وقوله: فلم يكد … إلخ، يقول: لما ثار الخشف أمام الكلب انسدت عليه مسالك الفرار، فلم يكد يهتدي منها طريقًا إلا كان فيها هلاكه لإدراك الكلب إياه، ولم يقع إلا على بطن يد الكلب فحصل فيها. وقال الواحدي: إنه لما يئس من الفوت مد يديه لاطئًا بالأرض.
(٤٤٠) يقول: ولم يدع الكلب للشاعر وصفًا يصفه له لدى الأمير؛ لأنه لا يقدر أن يأتي بشيء أكثر مما رآه من أفعاله. والقرم: السيد، وأصله من البعير المقرم؛ وهو الذي لا يحمل عليه ولا يذلل.
(٤٤١) سمى أخذه الأبطال بالسيف قنصًا: لمشاكلة المقام. والغر: البيض. والبوادي العود: أي التي تظهر أولًا ثم تعود ولا تكون مرة واحدة. ويحتمل أن تكون البوادي أصلها الهمز، فخففها الوزن.
(٤٤٢) لم تعدد: تروى لم أعدد. وينفد: يفرغ.
(٤٤٣) الوامق: المحب. يقول: ليس هذا الوداع وداع محب لحبيبه، وإنما هو وداع روح لجسدها. وفي هذا المعنى يقول القائل:
أَتَتْ وَدُمُوعُهَا فِي الْخَدِّ تَحْكِي
قَلَائِدَهَا وَقَدْ جَعَلَتْ تَقُولُ
غَدَاةَ غَدٍ تُحَثُّ بِنَا الْمَطَايَا
فَهَلْ لَكَ مِنْ وَدَاعٍ يَا خَلِيلُ؟
فَقُلْتُ لَهَا: لَعَمْرُكِ لَا أُبَالِي
أَقَامَ الْحَيُّ أَمْ جَدَّ الرَّحِيلُ
يُهَدَّدُ بِالنَّوَى مَنْ كَانَ حَيًّا
وَهَا أَنَا قَبْلَ بَيْنِكُمُ قَتِيلُ
(٤٤٤) زفته: ساقته. والرملة: بلد الممدوح. وعدا: جاوز. ومن بلد: تمييز، ومن: زائدة. دعا له بالسقيا والخصب والبركة، يقول: إذا أرسل إليه سحابًا فلا جاوز بلادك.
(٤٤٥) منزله: فاعل الرحب. يقول: إن فارقتنا — أيها الفراق يومًا بأن اجتمعنا — فلا تفرقنا ثانية.
(٤٤٦) البنية: المبنية، يريد الخيزران الذي اتخذ وعاء لهذه البطيخة، ولما قال: بطيخة، أثبت لها النبت على سبيل الترشيح، إلا أنه جعل نبتها بنار في يد؛ لأنها أديرت في يد صانعها على النار حتى تمت صنعتها.
(٤٤٧) شبه القلادة المنظومة في حسنها بفعله وكلامه الذي يتكلم به في مشهد من الناس.
(٤٤٨) المزاج: الماء الذي يمزج به. والزبد: ما يطفو على وجه الكأس؛ جعل الشراب أسود لتسود به الكأس ثم جعله ممزوجًا ليعلوه الزبد فيشبه القلادة التي عليها. وقال ابن جني: هو تشبيه واقع، وإن كان على شراب أسود، وفي لفظه ما ليس في لفظ الشراب الأصفر والأحمر، إلا أنه شبه ما رأى بما أشبهه. ألا ترى إلى قول القائل في تشبيهه:
لَوْ تَرَانِي وَفِي يَدِي قَدَحُ الدُّو
شَابِ أَبْصَرْتَ بَازِيًا وَغَزَالَا
(الدوشاب — كما في مفردات ابن البيطار — نبيذ التمر، روى نفطويه عن أحمد بن حمدون، قال: تذاكرنا يومًا بحضرة المكتفي فقال: أفيكم من يحفظ في نبيذ الدوشاب شيئًا؟ فأنشدته قول ابن الرومي:
إِذَا أَخَذْتَ حَبَّهُ وَدِبْسَهْ
ثُمَّ أَجَدْتَ ضَرْبَهُ وَمَرْسَهْ
ثُمَّ أَطَلْتَ فِي الْإِنَاءِ حَبْسَهْ
شَرِبْتَ مِنْهُ الْبَابِلِيَّ نَفْسَهْ
فقال المكتفي: قبحه الله ما أشرهه! لقد شوقني في هذا اليوم إلى شرب الدوشاب)
هذا: والكأس مؤنثة، قال الله تعالى: بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينْ * بَيْضَاءَ، وقال أمية بن الصلت:
مَا رَغْبَةُ النَّفْسِ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ
تَحْيَا قَلِيلًا فَالْمَوْتُ لَاحِقُهَا
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ
فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا
مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَمًا
لِلْمَوْتِ كَأْسٌ وَالْمَرْءُ ذَائِقُهَا
(مات عبطة: أي شابًا، وقيل: شابًا صحيحًا.)
وقيل: لا تسمى كأسًا حتى يكون فيها الشراب.
(٤٤٩) رواعي: جمع راعية. وهو أول شعرة تبيض شيئًا. وروى الخوارزمي: دواعي الشيب؛ يعني أوائله التي تدعو سائر الشعر إلى البياض. يقول: هذه البطيخة السوداء التي عليها لآلئ هي من الند. وكأن بقايا العنبر عليها أول الشيب في السواد، يريد هي سوداء واللون أبيض، فشبه اللون بأول الشيب في الشعر الأسود. قال ابن جني: الجعد: الأسود؛ لأن السواد أبدًا يكون مع الجعودة. قال ابن فورجه: ليس كذلك؛ لأن الزنج يشيبون ولا تزول الجعودة، وإنما أتى بالجعد للقافية.
(٤٥٠) أراكض: أطارد، ومعوصات الشعر: أي عويصاته، وهي التي لا يهتدى لوجهها؛ يصف نفسه بسرعة الخاطر وقوة البادرة، وشبه الشعر بالصيد. يقول: إنه يطارد العويص من الشعر فيأخذه قهرًا، وأما من عداه من الشعراء فباقٍ في مطاردته لم يدرك شيئًا.
(٤٥١) بيننا: فراقنا. يقول: أحب من الأيام الإنصاف وأن تجمع بيني وبين أحبتي، وذلك ما لا توده الأيام، وأشكو إليها فراقنا وإنما هي جند الفراق؛ لأنها سبب البعد والتفريق، فكيف أرجي أن تصغي إلى شكاتي؟
(٤٥٢) يباعدن: أي يبعدن. والحِب: المحبوب. ووصله، وصده: معطوفان على الضمير في يجتمعن دون أن يأتي بتوكيد، وهو جائز عند الكوفيين — كما أسلفنا — وجعل الأيام تجتمع مع الوصل والصد؛ لأنهما يكونان فيها، والظرف يتضمن الفعل، وإذا تضمنه فقد لابسه، فكأنه اجتمع معه. يقول: إذا كانت الأيام تبعد عنا الحبيب المواصل لنا فكيف تقرب الحبيب المقاطع؟ يعني أن الأيام تبعد عنا الحبيب ووصله موجود، فكيف الطمع في حبيب صده موجود؟
(٤٥٣) قال الواحدي: أي إن الدنيا قد أبت أن تديم لنا حبيبًا على الوصال فكيف أطلب منها حبيبًا تمنعه عن وصالنا؟ أو كيف أطلب منها أن ترده إلى الوصل بعد أن أعرض وهجر؟ وهذا كما قيل لبعضهم: قد ظهر نبي يحيي الأموات، فقال: ما نريد هذا، بل نريد أن يترك الأحياء فلا يميتهم! وعبارة بعض الشراح: أي إن الدنيا لا تديم الحبيب الحاضر، فكيف ترد الحبيب الغائب وهي سبب غيبته؟ وقال ابن جني: إذا كان ما في يدك لا يبقى عليك، فما قد مضى أبعد من الرجوع إليك.
(٤٥٤) فعلت: نعت مفعول، وتغيرًا: تمييز، وتكلف: خبر أسرع. يقول: إن الدنيا لو أسعدتنا بقرب أحبتنا لما دام لنا ذلك؛ لأن الدنيا بنيت على التغير والتنقل، فإذا فعلت غير ذلك كانت كمن تكلف شيئًا هو ضد طباعه، فليس إلا أن يدعه وشيكًا ويعود إلى طبعه، كما قال حاتم:
وَمَنْ يَبْتَدِعْ مَا لَيْسَ مِنْ خِيمِ نَفْسِهِ
يَدَعْهُ وَتَرْجِعْهُ إِلَيْهِ الرَّوَاجِعُ
ومثله قول الأعور الشني:
وَمَنْ يَقْتَرِفْ خُلْقًا سِوَى خُلْقِ نَفْسِهِ
يَدَعْهُ وَتَغْلِبْهُ عَلَيْهِ الطَّبَائِعُ
وَأَدْوَمُ أَخْلَاقِ الْفَتَى مَا نَشَا بِهِ
وَأَقْصَرُ أَفْعَالِ الرِّجَالِ الْبَدَائِعُ
ومثله:
يَا أَيُّهَا الْمُتَحَلِّي غَيْرَ شِيمَتِهِ
إِنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ
(٤٥٥) العيس: الإبل. والمها: بقر الوحش. تشبه بها النساء الحسان. ويولي: من الولي؛ وهو المطر الذي يلي الوسمي. يدعو للإبل التي حملت الحبائب وذهبت بهن، ثم ذكر أنهن يبكين لأجل الفراق فقال: كلها يولي — أي يمطر — خده بجفنيه. جعل بكاءهن كالمطر من جفونهن.
(٤٥٦) بوادٍ: متعلق بفارقتنا — في البيت السابق — والضمير في رحلوا: لقوم الحبائب. والجيد: العنق. يقول: فارقتنا بوادٍ به من الوجد والوحشة لفراقهم ما بالقلوب؛ أي استوحش وتغير لارتحالهم، فصار كأنه جِيدٌ تناثر عقده، يعني أن الوادي كان متزينًا بهم فلما ارتحلوا تعطل من الزينة. وعبارة ابن جني: بقي الوادي مستوحشًا لرحيلهم عنه كالجيد إذا سقط عقده. وبه ما بالقلوب: أي قد قتله الوجد لفقدهم. قال: ويجوز أن يكون شبه تفرق الحمولة والظعن بدُرٍّ تناثر فتفرق؛ وقال ابن القطاع — بعد أن أورد كلام ابن جني هذا: يصف زهر الوادي وحسنه فتعوض بالعطل من الحلي.
(٤٥٧) الأحداج: مراكب النساء فوق الإبل كالهوادج، جمع حدج وهو جمع قلة، وجمع الكثرة: حدوج، وحدجت البعير أحدجه — بالكسر — حدجًا: إذا شددت عليه الحدج. قال الأعشى:
أَلَا قُلْ لِمَيْثَاءَ: مَا بَالُهَا
أَلِلْبَيْنِ تُحْدَجُ أَحْمَالُهَا؟
[ويروى: أجمالها بالجيم؛ أي تشد عليها.]
والرند: نبات من شجر البادية، طيب الرائحة، يشبه الآس. يقول: إذا سارت مراكبهن فوق نبات هذا الوادي وهو من الرند وهن قد تضمخن بالمسك — اختلطت ريح الرند بريح المسك فتفاوح الريحان. قال ابن جني: قال لي المتنبي: لما قلت هذه القصيدة وقلت: تفاوح، أخذ شعراء مصر هذه اللفظة فتداولوها بينهم. قال ابن جني: وهي لفظة فصيحة مستحسنة. قال العكبري: سألت شيخي أبا الحرم مكي بن ريان الماكسيني عند قراءتي عليه هذا الديوان سنة تسع وتسعين وخمسمائة: ما بال شعر المتنبي في كافور أجود من شعره في عضد الدولة وأبى الفضل بن العميد؟ فقال: كان المتنبي يعمل الشعر للناس لا للممدوح وكان أبو الفضل بن العميد وعضد الدولة في بلاد خالية من الفضلاء، وكان بمصر جماعة من الفضلاء والشعراء، فكان يعمل الشعر لأجلهم، وكذلك كان عند سيف الدولة بن حمدان جماعة من الفضلاء والأدباء، فكان يعمل الشعر لأجلهم ولا يبالي بالممدوح، والدليل على هذا ما قال أبو الفتح — ابن جني — عنه في قوله: تفاوح؛ لأنه لما قالها أنكرها عليه قوم حتى حققوها، فدل أنه كان يعمل الشعر الجيد لمن يكون بالمكان من الفضلاء.
(٤٥٨) غول الطريق: ما يغول سالكه؛ أي يهلكه إنضاء. يقول: ورب حال هي في الصعوبة والامتناع وتعذر المنال كإحدى هؤلاء النسوة حاولت أن أبلغها، وقبل الوصول إليها بُعد الطريق وما فيه من المهالك: يعني أنه يطلب أحوالًا عظيمة. لا يقدر على الوصول إليها كما أنه لا يقدر على الوصول إلى إحدى هؤلاء الغانيات. وقال ابن جني: ويجوز أن تكون الحال حسنة كإحدى هؤلاء الغواني في الحسن. هذا، وإليك كلمة على «رب» للعكبري، قال: قوله: وحال؛ أي ورب حال، قال أصحابنا: واو رب تعمل في النكرة الخفض بنفسها، وإليه ذهب المبرد. وقال البصريون: العمل لرب مقدرة. وحجتنا أنها نائبة عنها، فلما نابت عملت الخفض بنفسها وكانت كواو القسم؛ لأنها نابت عن الباء، ويدل على أنها ليست عاطفة أن حرف العطف لا يجوز الابتداء به. ونحن نرى الشاعر يبتدئ بالواو في أول القصيدة كقوله:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ
ومثله كثير، يدل على أنها ليست عاطفة. وحجة البصريين على أن الواو واو عطف وحرف العطف لا يعمل شيئًا، أن الحرف لا يعمل إلا إذا كان مختصًا، وحرف العطف غير مختص، فوجب ألا يكون عاملًا، وإذا لم يكن عاملًا وجب أن يكون العامل «رب» مقدرة. ويدل على أن رب مضمرة أنه يجوز ظهورها معها نحو ورب بلدة.
(٤٥٩) الهم: الهمة، والوجد: السعة. قال الواحدي: هذا مثل ضربه لنفسه كأنه يقول: أنا أتعب خلق الله لزيادة همتي وقصور طاقتي من الغنى عن مبلغ ما أهم به، وهذا مأخوذ مما في الحديث: إن بعض العقلاء سئل عن أسوأ الناس حالًا؟ فقال: من قويت شهوته وبعدت همته واتسعت معرفته وضاقت مقدرته. وقد قال الخليل بن أحمد:
رُزِقْتُ لُبًّا وَلَمْ أُرْزَقْ مُرُوءَتُهُ
وَمَا الْمُرُوءَةُ إِلَّا كَثْرَةُ الْمَالِ
إِذَا أَرَدْتُ مُسَامَاةً تَقَاعَدَ بِي
عَمَّا يُنَوِّهُ بِاسْمِي رِقَّةُ الْحَالِ
(٤٦٠) هذا نهي عن تبذير المال والإسراف في إنفاقه، يقول: لا يذهبن مالك كله في طلب المجد؛ لأن من المجد ما لا ينعقد إلا بالمال، فإذا ذهب مالك كله انحل ذلك المجد الذي كان ينعقد بالمال. قال عبد الله بن معاوية:
أَرَى نَفْسِي تَتَوقُ إِلَى أُمُورٍ
يُقَصِّرُ دُونَ مَبْلَغِهِنِّ مَالِي
فَلَا نَفْسِي تُطَاوِعُنِي لِبُخْلٍ
وَلَا مَالِي يُبَلِّغُنِي فَعَالِي
يتأسف على قصور ماله عن مبلغ مراده، وأبو الطيب يقول: ينبغي أن تقتصد في العطاء وتدخر المال؛ لتطيعك الرجال فتنال العلا وتصل إلى الشرف، ثم ضرب لهذا مثلًا بالبيت التالي.
(٤٦١) يقول: دبر مالك تدبير من إذا خاض الوغى للطعان والنزال جعل المجد بمثابة الساعد الذي تعتمد عليه الكف في الضرب، يعني أنه بالمجد تقاد الجيوش، وبالمال ينفق عليها، فالمجد والمال كلاهما متوقف على الآخر، كما أبان عن ذلك في البيت التالي.
(٤٦٢) يقول: في الناس من هو دنيء الهمة يرضى بما تيسر له من العيش وبالدون منه ويمشي على قدميه عاريًا، فلا تسمو نفسه إلى ما وراء ذلك من الثراء والعلاء. والميسور: ما تيسر، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول.
(٤٦٣) يقول: لكن لي قلبًا ليس له غاية تنتهي عند مطلوب أجعل له حدًا؛ يعني: إنني إذا جعلت حدًّا لمطلوبي لا يرضى قلبي بذلك بل يطلب ما وراءه.
(٤٦٤) الشفوف: جمع شف؛ وهو الثوب الرقيق. وتربُّه: تنميه وتنعمه. يقول: إن قلبي هذا يرى الجسم الذي هو فيه يترفه متنعمًا بلبس الثياب الرقيقة، فيأبى ذلك ويؤثر عليه أن يكسى دروعًا تهده بثقلها؛ يعني أنه لا يرضى بالترف والنعيم وهو مغمور، ويأبى إلا ركوب الصعاب في سبيل المجد والسيادة.
(٤٦٥) التهجير: السير وقت الهاجرة، وهي حر نصف النهار. والمهمه: الفلاة الواسعة. والربد: النعام الذي خالط سواده بياض. يقول: إن قلبي يكلفني التهجير والسير في كل فلاة بعيدة مترامية الأطراف، ينفد فيها ما معي من العليق والزاد، فلا عليق لفرسي إلا أن يرتع في مراعيها، ولا زاد لي إلا النعام أصيده فآكله.
(٤٦٦) يقول: وأمضى سلاح قلد المرء نفسه إياه لمقاومة النوائب هو رجاؤه أبا المسك وقصده إياه؛ يعني أن رجاءه كافورًا وقصده إياه هما اللذان هوَّنا عليه مشقات الطريق وأخطاره، فكأنه قاتل بهما هذه الأخطار والمخاوف، فقوله: أمضى: مبتدأ، خبره: رجاء. ونفسه: مفعول أول لقلد، والثاني: محذوف؛ أي قلد نفسه إياه. وهذا المخلص من أحسن المخالص.
(٤٦٧) أسرة الرجل أهله الأدنون. يقول: إن رجاء كافور وقصده، هما ينصران على الزمان من خذله أنصاره فأصبح بغير ناصر، وهما عشيرة من لا عشيرة له، بهما يعز فيغنيانه عن العشيرة.
(٤٦٨) الوُلْد بالضم بمعنى الولد بالفتح، يقع على الواحد والجمع، قال الشاعر:
فَلَيْتَ فُلَانًا كَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
وَلَيْتَ فُلَانًا كَانَ وُلْدَ حِمَارِ
يقول: إن كافورًا وهب له غلمانًا وأنه منهم في عشيرة، إذ يحفون به ويركبون معه، وكافور له ولهم كالوالد وهم له كالأولاد البررة يفدونه بأنفسهم.
(٤٦٩) الدر: اللبن. يقول: إن بره عم الكبير والصغير، فالذي يملكه الكبير حتى نفسه — أي حياته — من ماله؛ لأنه إنما يغذى بنعمائه، ومهد الصغير واللبن الذي يرتضعه كذلك من ماله؛ وكل ذلك لأنه ملك عظيم له الأمر والتصرف في كل شيء. وقال ابن جني: يهب للناس أنفسهم كما يهب لهم المال؛ لأنه مالك الجميع: كبيرهم وصغيرهم.
(٤٧٠) القنا: الرماح. والخطي: نسبة إلى الخط، وهو موضع باليمامة تقوم فيه الرماح. وقبابه: خيامه. وتردى: من الرديان؛ وهو ضرب من العدو. والقب: الضامرة البطون، جمع أقب. والرباط: اسم لجماعة الخيل. والجرد: القصار الشعر. يقول: نقوم — يعني نفسه ومن معه من الغلمان — في خدمته أينما نزل ونصبت خيامه، وتعدو بنا الخيل في صحبته أينما سار. وقوله: وجرده: وحد الضمير ولم يقل: وجردها؛ لأن الرباط اسم واحد غير متكثر بمنزلة القوم والرهط.
(٤٧١) نمتحن: نختبر. والنشاب: السهام. والوابل: المطر الغزير. والقسي الفارسية: أي المنسوبة إلى فارس، يريد صنعة العجم. يقول: ونمتحن بين يديه الترامي بالسهام، ونحن منها في مثل الوابل لكثرتها، وأصوات القسي في ذلك الوابل كالرعد؛ يعني أنهم يترامون بالسهام، ويتلاعبون بالأسلحة ليتبين أيهم أشد وأبعد غلوة عند الرماء، كعادة الفرسان والشبان في الحرب.
(٤٧٢) الشرى: الموضع الكثير الأسد، وأصله مأسدة بجبل سلمى من بلاد طيئ. والعرين: الأجمة. وقوله: فإن الذي، رواها ابن جني: فإن التي؛ قال: لأنه أراد الفئة والجماعة. ولكن رواية الذي: أجود وأشهر. يقول: إن لم تكن مصر هي الشرى ولا عرينه، فإن الناس الذين فيها هم أسود الشرى، فالضمير في أسده: للشرى.
(٤٧٣) السبائك: جمع سبيكة؛ وهي القطعة من فضة أو ذهب ذوبت وأفرغت في قالب. والعقيان: الذهب. وصم القنا: أي الرماح الصلبة يقول: هؤلاء الناس — الذين ذكرهم — هم ذخائر كافور وعدته في مطالبه، فهم له بمنزلة السبائك والذهب لغيره، ولما جعلهم سبائك وعقيانًا ذكر أنه انتقدهم بالرماح لا بالأصابع كما ينتقد الذهب؛ أي إنه امتحنهم بطعان الفرسان، واصطفاهم بعد أن أبلوا في الحرب.
(٤٧٤) بلاها: اختبرها. وهزل الطراد: مردود إلى قوله: وغيره، وجده: إلى العدو على طريق النشر الغير المرتب، يقول: اختبرها الأعداء في الحرب حوالي كافور؛ لكثرة ما حاربوا أعداءه وشهدوا معه المعارك فصاروا مجربين بكثرة القتال، واختبرها غير العدو في أوقات لعب الفرسان حين يطارد بعضهم بعضًا؛ أي جربت في حالتي الجد والهزل وتمرست بالقتال في سائر الأحوال.
(٤٧٥) يقول: إنه كثير العفو، وإن عفوه أكثر من ذنب المذنبين، وإنه ليس بحقود وإذا اعتذر إليه الجاني ذهب حقده.
(٤٧٦) الجَد هنا: السعد. يقول: إن السعي والسعادة قد اجتمعا له، فإذا سعى في أمر نصر السعد سعيه، فيصير مجدودًا في ذلك السعي ويدرك ما يريد من سعيه، وإذا حفزته السعادة إلى نيل مطلوب نهض إليه بسعيه ولم يعتمد على السعد وحده، وإذا اجتمع السعد والسعي لإنسان بلغ أقصى المبالغ.
(٤٧٧) تولى: ولى. وفقده: فاعل ضر. يقول: ولَّى الصبا عني وذهب، فأخلفت على طيبه؛ أي جعلت له خلفًا بما أجد من طيب أيامي عندك، يعني أني مبتهج بك ابتهاجي بالشباب حتى لم يضرني فقده مع رؤيتك.
(٤٧٨) هذا تأكيد لما ذكره في البيت السابق، يقول: إن الكهول بما يلاقونه في ذراك من رغد العيش، وبشاشة الحياة ونور العدل صاروا شبابًا، والمرد عند غيرك صاروا شيبًا لما يلاقون من البؤس وجهد الحياة وظلمة الظلم. وقال ابن جني: هذا تعريض بسيف الدولة؛ أي صاروا عند غيرك بظلمه وسوء سيرته شيبًا. ويجوز أن يكون هذا من المقلوب هجوًا؛ يريد أن الكهول عندك لما ينالهم من الذل والظلم والاحتقار كحال الصبيان. وأن المرد — وهم الشبان — عند غيرك بالاحترام لهم ورفع أقدارهم صاروا شيبًا؛ أي موقرين توقير الشيوخ.
(٤٧٩) يذكر أنه قاسى في مسيره إليه حر النهار وبرد الليل، يقول: ليتهما يخبران فتسألهما عما قاسيت. هذا، وقوله: والليل: عطف على يوم، وحره: فاعل يخبر، وكذا: برده. وقوله: فتسأله: نصبه لأنه جواب التمني. وقال العكبري — لمناسبة حر النهار وبرد الليل — وهذا يكون في أواخر أيام الصيف وأوائل الخريف؛ لأن النهار يكون كربًا والليل باردًا. قال: وما أحسن ما جمع بعضهم الفصول الأربعة! فقال:
إِذَا كَانَ يُؤْذِيكَ حَرُّ الْمَصِيفِ
وَكَرْبُ الْخَرِيفِ وَبَرْدُ الشِّتَا
وَيُلْهِيكَ حُسْنُ زَمَانِ الرَّبِيعِ
فَفِعْلُكَ لِلْخَيْرِ قُلْ لِي: مَتَى؟!
(٤٨٠) ترعاني — هنا — بمعنى تراني وتراقبني. وحيران: ماء بالشام على يوم من سلمية. ومعرض: أي ظاهر، من أعرض الشيء؛ بدا للناظر، ومنه:
وَأَعْرَضَتِ الْيَمَامَةُ وَاشْمَخَرَّتْ
كَأَسْيَافٍ بِأَيْدِي مُصْلِتِينَا
يقول: ليتك كنت تراني وأنا عند هذا الماء، فترى جلدي وإشاحتي في السير فتعلم أني ماضٍ في الأمور مضاء حد سيفك.
(٤٨١) يصف نفسه بالجلد والشجاعة والإقدام. يقول: إنه إذا حاول أمرًا تدانت أباعده وهان أصعبه لعزمه وبعد همته.
(٤٨٢) يشتبهون: يتشابهون. ولى: متعلق بيشتبهون. وإليك: متعلق بمحذوف حال من ضمير المتكلم قبله؛ أي وأنا قاصد إليك. يقول: ما زال أهل الدهر يتشابهون عندي في مسيري إليك، فلا أكاد أرى بينهم فرقًا حتى ظهرت لي، فإذا أنت فردهم الذي لا يشبهه أحد منهم، وهذا كقوله:
النَّاسُ مَا لَمْ يَرَوْكَ أَشْبَاهُ
(٤٨٣) يقول: إذا رأيت جيشًا وملكه فاستعظمته قيل لي: قدامك ملك هذا الملك الذي تراه عبده فكيف هو؟! قال الواحدي: وهذا كالتفسير للبيت السابق؛ فالذين رآهم هم الذين اشتبهوا له والذي قيل له: رب هذا الجيش عبده، هو الفرد الذي لاح له.
(٤٨٤) يقول: إذا لقيت إنسانًا ضاحكًا علمت أنه قريب عهده بكفك وأخذه عطاءك فانثنى عنك مسرورًا. فقوله: بذي الكف؛ أي بهذه الكف، وهي متعلقة بعهده. وقريب: خبر مقدم، وعهده: مبتدأ مؤخر. وعبارة ابن جني: لما قبل كفك كسته الضحك لبركتها وسعادة من يصل إليها؛ لأنك أغنيته فكثر ضحكه.
(٤٨٥) مَن: نكرة موصوفة والجملة بعدها نعت لها؛ أي زارك مني رجل اشتياقه كله إليك أنت — يعني نفسه من باب التجريد — وزهده في الناس كلهم إلا فيك وحدك، يعني أنه زاهد في قصد سواه.
(٤٨٦) يخلف: أي يترك خلفه. والجهد: الطاقة والوسع. يقول: إن دار الممدوح هي غاية القصاد ومنتهى المنتجعين، فمن لم يأتها فقد ترك وراءه غاية لم يدركها، فإذا أتاها علم أنه قد بلغ جهده الذي لا جهد بعده، كما قال:
هِيَ الْغَرَضُ الْأَقْصَى وَرُؤْيَتُكَ الْمُنَى
وعبارة العكبري: غاية كل طالب مرتبة دارك، ونهاية ما يأتيه مكتسب المجد أن يقصدك. فمن لم يأت دارك فقد خلف غاية إذا أتاها علم أن ذلك جهده في ابتناء المجد واكتساب المال.
(٤٨٧) بماء: أي من ماء، والورد: إتيان الماء. يقول: إن بلغت أملي فيك فلا عجب فكم بلغتُ الممتنعَ الذي لا يُدرك من الأمور، وجعل الماء الذي لا يرده الطير مثلًا للممتنع من الأمور. قال الواحدي: وإنما ضرب هذا المثل لأمله فيه لبعد الطريق إليه. قال ابن جني: يمكن أن يقلب هذا هجاء، ومعناه: إن أخذت منك شيئًا على بخلك وامتناعك من العطاء، فكم قد وصلت إلى المستصعبات واستخرجت الأشياء المعتاصة؟ ولعل المتنبي يشير بما أمله منه إلى ما كان يطلبه من تفويض ولاية إليه، وكان كافور قد وعده بذلك حياء منه وهو لا يريده، وقد سئل في ذلك يومًا فقال: يا قوم إذا أعطينا من ادعى النبوة ولاية، أفلا ترونه يدعي الملك؟ فقال أبو الطيب ذلك؛ يشير إلى بعد هذا المأمول وصعوبة نيله.
(٤٨٨) الضمير في لأنه: ضمير الشأن. ووعده — في آخر البيت: مبتدأ مؤخر، ونظير: خبر مقدم. والفعال هنا: الفعل. يقول: إن وعدك بمثابة الفعل الذي يقع دون أن يتقدمه وعد؛ لأن من كان صادق القول لا يرجع عن وعده. فوعده نظير فعله؛ أي إنه إذا وعد، فكأنه قد فعل.
(٤٨٩) اصطنعه: اختاره موضعًا لصنيعته؛ أي بره ومعروفه. والتقريب والشد: ضربان من جري الخيل. قال ابن جني: أي جربني ليظهر لك صغير أمري وكبيره؛ فإما اصطنعتني وإما رفضتني، فلا فضل بيني وبين غيري إذا لم تجربني. وقال الواحدي: جربني في اصطناعك إياي ليتبين لك أني موضع للصنيعة، فبالتجربة يعرف الفرس وأنواع جريه من التقريب والشد.
(٤٩٠) فابله: فاختبره. ويقال: نفَّاه، ونفَاه؛ مخففًا ومشددًا. وهذا مثل في معنى البيت السابق. يقول: إذا جربت السيف بان لك صلاحه وفساده؛ فإما ألقيته؛ لأنه كهام، وإما أعددته للحرب؛ لأنه حسام: يعني جربني فإن وجدتني أهلًا لما شئت فاصطنعني وإلا فارفضني.
(٤٩١) الصارم: السيف القاطع. والنجاد: حمالة السيف. وهذا تأكيد لما ذكره في البيتين السابقين، يقول: إن السيف القاطع الهندي لا يظهر فضله على غيره من السيوف حتى يسل ويضرب به، وبذلك يعرف مضاؤه. وقد قلنا: إن المتنبي كان يطلب من كافور ولاية، فهو يقول له: جربني لتعرف ما عندي من الكفاية، وأني أصلح لأن أكون واليًا، وهذا من قول أبي تمام:
لَمَّا انْتَضَيْتُكَ لِلْخُطُوبِ كَفَيْتَهَا
وَالسَّيْفُ لَا يَكْفِيكَ حَتَّى يُنْتَضَى
(٤٩٢) للمشكور: اللام فيه للتوكيد. والرفد: العطاء، والضمير فيه: يرجع إلى المشكور. يقول: أنت مشكور من جهتي على كل حال وإن لم أتلقَ منك إلا بشاشة وجهك وطلاقته.
(٤٩٣) النوال: العطاء. والطرف: العين. ونده: نظيره. يقول: نظرك إليَّ نظير كل عطاء منك أخذته أو سآخذه؛ أي إن نظرة منك لي تقوم مقام عطائك.
(٤٩٤) أصله عطاياك: مبتدأ وخبر. والمد: زيادة الماء؛ وهو ما قابل الجزر. يريد كثرة ما يصل إليه من البر والصلات. يقول: أنا في بحر من الخير، وأصل هذا البحر عطاياك، وأنا أرجو زيادة عطاياك، فإنها زيادة ذلك البحر، وهي مادته.
(٤٩٥) العسجد: الذهب. يقول: لست أرغب من جهتك في ذهب ومال، ولكن في فخر جديد — يعني الولاية — وهذا كقوله الآتي:
فَسِرْتُ إِلَيْكَ فِي طَلَبِ الْمَعَالِي
وَسَارَ سِوَايَ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ
وفي هذا المعنى يقول المهلبي:
يَا ذَا الْيَمِينَيْنِ لَمْ أَزُرْكَ وَلَمْ
أَصْحَبْكَ مِنْ خَلَّةٍ وَلَا عَدَمِ
زَارَكَ بِي هِمَّةٌ مُنَازِعَةٌ
إِلَى جَسِيمٍ مِنْ غَايَةِ الْهِمَمِ
ومثله:
لَمْ تَزُرْنِي أَبَا عَلِيٍّ سِنُو الْجَدْ
بِ وَعِنْدِي مِنَ الْكَفَافِ فُضُولُ
غَيْرَ أَنِّي بَاغٍ جَلِيلًا مِنَ الْأَمْـ
ـرِ وَعِنْدَ الْجَلِيلِ يُبْغَى الْجَلِيلُ
وقال ابن الزيات:
لَمْ أَمْتَدِحْكَ رَجَاءَ الْمَالِ أَطْلُبُهُ
لَكِنْ لِتُلْبِسَنِي التَّجْمِيلَ وَالْغُرَرَا
ويقول أبو تمام:
وَمَنْ خَدَمَ الْأَقْوَامَ يَرْجُو نَوَالَهُمْ
فَإِنِّيَ لَمْ أَخْدُمْكَ إِلَّا لِأُخْدَمَا
ويقول أيضًا:
يَا رُبَّمَا رِفْعَةٍ قَدْ كُنْتُ آمُلُهَا
لَدَيْكَ لَا فِضَّةً أَبْغِي وَلَا ذَهَبَا
(٤٩٦) يجود به: أي بالمفخر. يقول: تجود به أنت، وجودك فاضح لجود غيرك بزيادته عليه، وأحمدك عليه أنا، وحمدي يفضح حمد غيري لأنه فوقه.
(٤٩٧) يقول: إذا مرت النحوس بكوكب وقابلته بوجهك زال النحس عنه وحل محله السعد: يعني أنك تُسعد المنحوس، وتطرد البؤس، وهذا كما يقول أبو تمام:
تَلْقَى السُّعُودَ بِوَجْهِهِ وَتَجِيئُهُ
وَعَلَيْكَ مَسْحَةُ بِغْضَةٍ فَتُحَبَّبُ
(يقول: إذا أتيت هذا الممدوح تسعد برؤيته وتصير محبوبًا عند الناس بإقباله عليك، وإن كنت بغيضًا لديهم من قبل؛ وفي رواية: وتحبه.)
(٤٩٨) يقول: اشتهى الأعداء أن يهيج بينكما شر، وأذاع الحساد ذلك، ولكن الصلح حسم — أي قطع — ما اشتهوه وأذاعوه.
(٤٩٩) يقول: وحسم الصلح ما أرادته أنفس حجز تدبيرك بينهم وبين ما أرادوه من إثارة الشر، فما — من قوله ما بينها — زائدة. وحال: اعترض.
(٥٠٠) أوضع الراكب بعيره: إذا حثه على السير السريع. والمخبون: الذين يحملون مطيهم على الخبب؛ وهو ضرب من العَدُوِ. ومن عتاب: بيان لما. يقول: صار سعي من سعى بينكما في الفساد زيادة في الوداد؛ لأن الود بعد العتاب أصفى، وهذا المعنى قريب من قول أبي نواس:
كَأَنَّمَا أَثْنَوْا وَلَمْ يَعْلَمُوا
عَلَيْكَ عِنْدِي بِالَّذِي عَابُوا
(٥٠١) على الأحباب: في موضع نصب خبرا لليس: واسمها: مستتر يعود على كلام. وسلطانه على الأضداد: جملة استئنافية مبتدأ وخبر. ولك أن تجعل سلطانه: اسم ليس، وعلى الأضداد: صلة سلطان؛ وتقدير الكلام: وكلام الوشاة ليس له على الأحباب السلطان الذي له على الأضداد. ومعنى البيت: إن كلام الوشاة لا يؤثر في الأحبة، إنما يؤثر في الأعداء.
(٥٠٢) يقول: إنما يبلغ القول النجاح إذا سمعه من يوافق هواه ذلك القول، وكأن هذا تبرئة لابن مولاه من موافقة قلبه كلام الوشاة.
(٥٠٣) ألفيت: أي وجدت. وأوثق: أقوى. والأطواد: الجبال. يقول: لقد حركت إلى الشر بما نقل إليك من الوشايات، فكنت كأقوى الجبال: أي لم يؤثر فيك قول الوشاة الساعين بالنميمة، يريدون بذلك الفساد.
(٥٠٤) يقول: أشار عليك قوم بالشقاق والخلاف فأبيت ذلك؛ لأنك لم تجده من الرشاد، وإنما وجدت الرشاد في الأناة والمسالمة، وبذلك أرشدتهم إلى ما هو خير مما أشاروا به عليك، فكنت أعرف منهم بما هو الأصلح.
(٥٠٥) أشوى يُشوي: إذ أخطأ، ورماه فأشواه: إذا لم يصب المقتل.
قال الهذلي:
فَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ الَّتِي لَا شَوَى لَهَا
إِذَا زَلَّ عَنْ ظَهْرِ اللِّسَانِ انْفِلَاتُهَا
(يقول: إن من القول كلمة لا تشوي ولكن تقتل.)
يقول: قد يصيب المشير الذي لم يجتهد في مشورته، وقد يخطئ المجتهد في مشورته بعد الاجتهاد، يعني أن الذين أعملوا الرأي قد أخطئوا حين أشاروا عليك بإظهار الخلاف، وأنت أصبت الرأي عفوًا حين ملت إلى الصلح والمسالمة، فكان رأيك أرشد وأسد من رأيهم.
(٥٠٦) البيض: السيوف. والسمر: الرماح. يقول: أدركت بالصلح ما لا يدرك بالسيوف والرماح، وحفظت الأرواح فلم ترق دمًا ولم تقتل نفسًا، وذلك أنه صالحه على أن يسلمه الساعين ففعل وقتلهم كافور.
(٥٠٧) القنا: الرماح. والخط: موضع تنسب إليه الرماح. وحولك: حال من مراكزها، والمرهفات: السيوف المحددة. يقول: وصلت إلى مرادك والرماح مركوزة لم تتحرك للطعن، والسيوف مغمدة لم تسلَّ للضرب.
(٥٠٨) يقول: لم يعلم الناس حين رأوك ساكن القلب أنك تطارد برأيك، وتعمل على طلب الصواب حتى أدركته.
(٥٠٩) يقول: يفدي رأيك — الذي لم تستفده بتجربة وتعليم، وإنما هو نتاج أناتك ورويتك — كلُّ رأي مستفاد بالتعليم. وعبارة العكبري وسائر الشراح: يريد أن رأيك تلاد — قديم — معك لم يفدك إياه أحد. إنما هو إلهام من الله. ففداه كل رأي مستفاد معلم.
(٥١٠) الحلم: الأناة والعقل. يقول: إذا لم يكن الحلم غريزة وجبلة طبع عليها المرء وفطر لم يفدْه بالكبر وتقادم السن، ومن ثم ليس الشيخ أولى بجودة الرأي من الشباب. قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: بالغريزة يتعلق الأدب، لا بتقادم السن.
(٥١١) يقول: بهذا الرأي الذي رأيت في هذا الحادث — وبمثله في غيره — سدت الناس وانقاد لك ما لا ينقاد لغيرك.
(٥١٢) يقول: وبمثل هذا الرأي أطاعك الناس الذين أطاعوك مع أنهم أسودٌ بأسًا وشجاعة، فلم يعرفوا الطاعة والانقياد لأحد قبلك؛ لأن الطاعة ليست من أخلاق الأسود.
(٥١٣) يقول: إنما أنت في تربيتك ابن الأخشيد وقومتك عليه كالوالد، والوالد القاطع أبر بالولد من الولد الواصل بأبيه وأحنى منه عليه؛ يريد: إنك ربيت ابن سيدك وأنت أشفق عليه من كل أحد.
(٥١٤) عدا: جاوز. وبغى: طلب، وهذا دعاء. يقول: لا جاوز الشر من طلب لكما الشر. ولا تعدَّى الفساد أهل الفساد: أي لا زال في الشر من أراد أن يوقع بينكما الشر، ولا فارق الفساد من حاول فساد ذات بينكما.
(٥١٥) قوله: ما اتفقتما، فما: مصدرية زمانية؛ أي مدة اتفاقكما، يقول: مثلكما في اتفاقكما مثل الروح والجسد، إذا اتفقا صلح البدن ولم يعد به حاجة إلى الطبيب والعواد، وإذا تنافرا فسد البدن. ثم قال: فلا احتجتما إلى العواد؛ أي: لا وقع بينكما خلاف، وشر، وبعبارة أخرى: أنتما ما دمتما متفقين كالجسم والروح اللذين يقوم بهما البدن ويعيش بائتلافهما. وقوله: فلا احتجتما إلى العواد: لما جعلهما كالجسم والروح جعل اختلافهما بمثابة الداء الذي يختل به أمر البدن، ويكون محوجًا إلى عيادة الأطباء؛ أي فلا اختل أمركما بما يحوج إلى دخول السفراء والمشيرين.
(٥١٦) أنابيب الرمح: ما بين كل عقدتين. والخلف: الاختلاف. والطيش — هنا — بمعنى الاضطراب. والصعاد: جمع صعدة؛ وهي قناة الرمح. أي إذا اختلفت أنابيب الرمح اضطرب صدره فلم يستقم عند الطعن. وهذا مثل؛ جعل الأنابيب مثلًا للأتباع والصدور مثلًا للرؤساء. يقول: إن اختلاف الخدم يؤدي إلى النزاع بين الرؤساء. قال ابن جني: لو قال في رءوس الصعاد لكان أولى؛ لأن الطيش يكون فيها، ولأنه أقرب إلى الرياسة بسبب العلو.
(٥١٧) الشراة: الخوارج؛ سموا أنفسهم بذلك يعنون أنهم شروا أنفسهم من الله بالقتال في دينه. ورب فارس: كسرى. وإياد: حي من معد، قال أبو دواد الأيادي:
فِي فُتُوِّ حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ
مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مُضَرْ
(فتو: جمع فتى، والفتى: الشاب، والسخي والكريم.)
يريد المتنبي أن يقول: إن الشقاق بين الجماعات قديمًا أدى إلى شماتة أعدائهم بهم، إذ سبب التنازع بينهم يمكن أعداءهم منهم كما كان من الخوارج، لم يظفر بهم المهلب بن أبي صفرة إلا بعد أن نزغ الشيطان بينهم، فقد قاتلهم المهلب نحوًا من ثلاثين شهرًا فلم يقدر عليهم، ثم وقع الخلف بينهم واقتتلوا فوهنت شوكتهم وتمكن المهلب منهم فلم ينجُ إلا القليل. قال العكبري: لما كان الخوارج مجتمعين لم يقوَ المهلب عليهم فاحتال على نصَّال كان يتخذ لهم نِصالًا مسمومة، فكتب إليه المهلب: وصل ما بعثت لنا من النصال المخترمة للآجال وحمدنا فعلك وشكرنا فضلك وسنرفع ذكرك ونعلي قدرك إن شاء الله. وبعث الكتاب على يد من أعثرهم عليه، فاختلفوا في قتله، فصوبته طائفة وخطأته أخرى، فاقتتلوا حتى قل عددهم، وأما إياد فقد كانت يدًا واحدة، ثم تفرقت كلمتهم وتشتتوا بأرض الجزيرة، فنهد إليهم سابور ذو الأكتاف وأفنى منهم خلقًا كثيرًا وتفرق سائرهم في البلاد.
(٥١٨) وتولى بني اليزيدي: أي تولاهم الخلف؛ أي اختلفوا، فضمير تولى للخلف. وبنو اليزيدي: كتاب وثبوا بالبصرة واستولوا عليها في خلافة المنصور وأخرجوا ابن رائق، فعظم شأنهم وكانوا إخوة ثلاثة — أبو عبد الله وأبو يوسف وأبو الحسين — ثم اختلفوا فقتل أكبرهم أوسطهم، فما كان إلا أن خوى نجمهم، وذهب ملكهم، وهلكوا جميعًا.
(٥١٩) وملوكًا: عطف على بني اليزيدي. وأخت طسم: جديس؛ وهما قبيلتان قديمتان بادتا بحروب كانت بينهما. يقول: وتولى الخلف ملوكًا قرب عهدهم منا كأمس وآخرين بعد عهدهم منا كطسم وجديس، فأهلكهم هذا الخلف.
(٥٢٠) بكما: قال الواحدي؛ أي لأجلكما. وقال العكبري: متعلق بمحذوف تقديره بت عائذًا بالله أن يقع بكما … وفيكما: أي بينكما. ومنه: أي من الخلف. والعادي: الظالم، يقال: عدا عليه: فهو عادٍ عدوًا وعداءً، ومنه قوله تعالى: فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وأصله: تجاوز الحد بالظلم. يقول: أعوذ بكما من وقوع الخلف بينكما، ومن كيد أهل البغي والعدوان الذين يريدون بكما السوء.
(٥٢١) اللب: العقل. والأصيلين: الراسخين أو الجيدين. وصم الرماح: صلابها. والجياد: الخيل. يقول: وأعوذ بما لكما من اللب الأصيل أن تختلفا فتصيرا طائفتين تقتتلان، فتحول الرماح بين خيلكما التي هي جماعة واحدة فتصير جماعتين.
(٥٢٢) يقول: وأعوذ بكما أن يقتل بعضكم بعضًا بما تدخرانه من السلاح، فيصير الصديق الذي يشقى به عدوًّا؛ لأن السلاح إنما يعد للأعداء لا للأصدقاء، فإذا قتل به بعضكم بعضًا فقد صرتم أعداء. فالولي: الصديق، والعتاد: العدة؛ أي الشيء الذي تعده لأمر ما وتهيئه له، يقال: أخذ للأمر عدته وعتاده؛ أي أهبته وآلته. قال الجوهري: وربما سموا القدح الضخم عتادًا. وأنشد أبو عمرو:
فَكُلْ هَنِيئًا ثُمَّ لَا تُزَمِّلِ
وَادْعُ هُدِيتَ بِعَتَادِ جُنْبُلِ
(الجنبل: قدح غليظ من خشب.)
(٥٢٣) يقول: إذا اقتتلتما وأفنى أحدكما الآخر، فهل يُسر الذي يبقى منكما أن يتحدث الأعداء في المحافل بغدره وتركه حرمة صاحبه؟ وهذا استفهام إنكاري؛ أي: لا يسر الباقي منكما ذلك. هذا، والعداة: جمع عدو، وكذلك العدى، قال ابن السكيت: لم يأت فعل في النعوت إلا حرف واحد، يقال: هؤلاء قوم عدى؛ وأنشد لسعد بن عمرو بن حسان:
إِذَا كُنْتُ فِي قَوْمٍ عِدًى لَسْتَ مِنْهُمُ
فَكُلْ مَا عُلِفْتَ مِنْ خَبِيثٍ وَطَيِّبِ
(٥٢٤) الرعاية: حفظ العهود. والسؤدد: السيادة. والحقد: الضغن، يقول: إن ما بينكما من الود ورعاية الحقوق، وما فيكما من النبل والسؤدد — كل أولئك يمنعكم من أن يحقد أحدكما على صاحبه ويصر على عدائه إياه.
(٥٢٥) وحقوق: عطف على الود. يقول: ويمنع أن يحقد أحدكما على صاحبه تلك الحقوق؛ حقوق التربية وقيام كافور بأمر ابن الأخشيد — وهو طفل — تلك الحقوق التي لو كانت في قلب الجماد لرق بعضه لبعض.
(٥٢٦) يقول: باتفاقكما وتصافيكما آب إلى الملك بهاؤه ورونقه، ومن ثم شكر لكما حسن صنيعكما وما كان منكما من صواب. هذا، ويقال: بهره يبهره بهرًا؛ أي قهره وعلاه وغلبه، وبهرت فلانة النساء: غلبتهن حسنًا، وبهر القمر النجوم: غمرها بضوئه. قال ذو الرمة يمدح عمر بن هبيرة:
مَا زِلْتَ فِي دَرَجَاتِ الْأَمْرِ مُرْتَقِيًا
تَنْمِي وَتَسْمُو بِكَ الْفُرْعَانِ مِنْ مُضَرَا
حَتَّى بَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ
إِلَّا عَلَى أَكْمَهٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا
(حتى بهرت: أي علوت كل من يفاخرك فظهرت عليه، وقد أورده الجوهري: وقد بهرت، قال ابن بري: وصوابه: حتى بهرت. قال: وقوله: على أحد: أحد ههنا بمعنى واحد؛ لأن أحدًا المستعمل بعد النفي في قولك: ما أحد في الدار لا يصح استعماله في الواجب «المثبت».)
والسَّداد بفتح السين: الصواب، يقال: إنه لذو سداد في منطقه وتدبيره؛ أي إصابة، وكذلك في الرمي، يقال: سد السهم يسد إذا استقام، واستد الشيء؛ أي استقام، قال:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ
فَلَمَّا اسْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي
(قال ابن بري: رأيت هذا البيت في شعر عقيل بن علفة يقوله في ابنه عميس حين رماه بسهم، وبعده:
فَلَا ظَفِرَتْ يَمِينُكَ حِينَ تَرْمِي
وَشُلَّتْ مِنْكَ حَامِلَةُ الْبَنَانِ
قال الأصمعي: اشتد — بالشين المعجمة — ليس بشيء.)
أما السِّداد بكسر السين: فهو كل شيء سددت به خللا؛ ولهذا سمي سِداد القارورة — بالكسر — وهو صمامها؛ لأنه يسد رأسها. وسِداد الثغر — بالكسر — إذا سد بالخيل والرجال. قال العرجي:
أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا
لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ!
قال الجوهري: وأما قولهم: فيه سداد من حرز وأصبت به سدادًا من عيش؛ أي ما تسد به الخلة، فيكسر ويفتح، والكسر أفصح.
(٥٢٧) فيه: أي في هذا الصلح، أو تقول: أي فيما أتيتما من سَداد. وعلى الظفر وعلى الأكباد: متعلقان بمحذوف، والتقدير ثابتة. يقول: في هذا الصلح أو في هذا السداد الذي أتيتما وضعتما أيديكما على الظفر الحلو، ووضع الحاسدون أيديهم على أكبادهم؛ تألمًا مما فعلتما وحسرة على إخفاق مسعاهم، وجعل هذا الظفر حلوًا إذ لم تُرق فيه الدماء.
(٥٢٨) الندى: الجود. والأيادي: النعم. يقول: إن دولتكم دولة الأشياء التي ذكرت فلا تعرضاها للخلاف.
(٥٢٩) كسفت الشمس وكسفها الله: يتعدى ولا يتعدى، قال جرير:
فَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ
تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا
يعني جرير: أنها طالعة تبكي عليك ولم تكسف ضوء النجوم ولا القمر؛ لأنها في طلوعها خاشعة باكية لا نور فيها. وروى الليث هذا البيت:
الشَّمْسُ كَاسِفَةٌ لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ
تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا
وقال: أراد ما طلع نجم وما طلع قمر، وهذا كما تقول: لا آتيك مطر السماء؛ أي ما مطرت السماء، وطلوع الشمس؛ أي ما طلعت الشمس. وفي هذا سمع بعضهم ابن الأعرابي يقول: تبكي عليك نجوم الليل والقمرا: أي ما دامت النجوم والقمر. والمراد بكسوف الدولة: ما كان بينهما من الوحشة. يقول: كان ذلك مدة قصيرة كما تكسف الشمس مُدَيدة، ثم انجلى فعادت الدولة بعودة صفائهما وهي آنق وأجمل كالشمس إذا ذهب كسوفها عادت أبهى وأنور.
(٥٣٠) يعني ﺑ «ركنها»: قوتها وسعادتها. يقول: إن ركن هذه الدولة يدفع الدهر عن أذاها بفتًى مارد على المراد — يعني كافورًا — أي إنه لا ينقاد لمن تمرد عليه وطغى، وإنما يعصف به عصفًا. هذا، والمارد من الرجال: العاتي الشديد، وقد مرد يمرد مرودًا ومرادة: فهو مارد ومريد، والمريد: الشديد المرادة، مثل السكير، وأصله من مردة الجن والشياطين. أو تقول: المارد الخبيث. قال تعالى: مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ والمرَّاد: جمع مريد.
(٥٣١) أي: متلف للأموال بالعطاء، ومعوضها بسيفه. وأبي: أي أنوف عزيز النفس يأبى الذل. وعالم: أي بتدبير الرعية وبالحرب. والحزم: ضبط الأمر وإحكامه والأخذ فيه بالثقة. والجواد: السخي. يقول: يدفع الدهر عن أذاها بفتًى هذه صفاته.
(٥٣٢) أجفل الناس: أسرعوا في الهرب. يقول: أسرع الناس ذاهبين عن طريقه فتركوه له ولم يعارضوه لقصورهم عنه، وذلت له رقاب الناس فملكهم. قال ابن جني: ولو انقلب لكان هجوًا.
(٥٣٣) الأتي: السيل يأتي من موضع بعيد إلى آخر. يقول: كيف لا يُترك الطريق لسيل يضيق عن مائه الوادي. ومتى كان الماء غالبًا وضاق عنه بطن الوادي فكل موضع أتى عليه صار طريقًا له. وهذا مثل؛ يقول: إن كافورًا يغلب غلبة السيل الأتي والسيل لا يرد عن وجهه، كذلك هو لا يعارضه أحد. قال العكبري: من روى ضيق — بالخفض — جعله نعتًا لسيل، وهذا كقولك: مررت برجل حسن وجهه، وهذه صفة سببية؛ ومن روى ضيق — بالرفع — فهي جملة ابتداء، وخبر، وهي في موضع جر صفة لسيل. وعن أتيه: يتعلق بضيق.
(٥٣٤) أقام المتنبي بمصر — بعد أن قال قصيدته البائية — عاما لا يأتي كافورًا ولكن يسير معه في الموكب؛ لئلا يوحشه وتذهب ظنون كافور مذاهبها، وفي الوقت نفسه يعمل في خفية على الرحيل عنه؛ فأعد الإبل وخفف الرحل وقال هذه القصيدة في يوم عرفة قبل رحيله بيوم واحد.
(٥٣٥) عيد: خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا عيد. وقوله: بما مضى؛ أي أبما مضى؟ يقول: هذا اليوم الذي أنا فيه عيد، ثم أقبل يخاطب العيد فقال: يا عيد بأية حال عدت؟ أي مع أية حال عدت عليَّ؟ أو أية حال أعدتها عليَّ أبالحال التي عهدتها من قبل، أم أحدث فيك أمر جديد؟ وقال العكبري: الباء في قوله: بأية، يجوز أن تكون للتعدية فيكون المعنى: أية حال. هذا، والعيد: واحد الأعياد. قال الجوهري: وإنما جمع بالياء — وأصله الواو — للزوم الياء في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وهو من عاد يعود، قال ابن الأعرابي: سمي العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد، وأصل العيد: ما اعتادك من هم وشوق ونحوهما، قال الشاعر:
وَالْقَلْبُ يَعْتَادُهُ مِنْ حُبِّهَا عِيدُ
وقال يزيد بن الحكم الثقفي يمدح سليمان بن عبد الملك:
أَمْسَى بِأَسْمَاءَ هَذَا الْقَلْبُ مَعْمُودَا
إِذَا أَقُولُ: صَحَا يَعْتَادُهُ عِيدَا
كَأَنَّنِي يَوْمَ أُمْسِي مَا تُكَلِّمُنِي
ذُو بُغْيَةٍ يَبْتَغِي مَا لَيْسَ مَوْجُودَا
كَأَنَّ أَحْوَرَ مِنْ غِزْلَانِ ذِي بَقَرٍ
أَهْدَى لَنَا سُنَّةَ الْعَيْنَيْنِ وَالْجِيدَا
والشاهد في قوله: يعتاده عيدًا؛ ونصبه لأنه في موضع الحال، تقديره: يعتاده السكر عائدًا، وقد أسلفنا القول على ذلك.
(٥٣٦) البيداء: الفلاة، جمعها بيد؛ سميت بذلك لأنها تبيد سالكها. يتأسف على بعد أحبته عنه يقول: أما الأحبة فبعيدون عني، فليتك أيها العيد كنت بعيدًا عني وكان ما بيني وبينك من البعد ضعف ما بيني وبين الأحبة؛ يعني أنه لا يسر بعود العيد مع بعد الأحبة، كما قال الآخر:
مَنْ سَرَّهُ الْعِيدُ الْجَدِيـ
ـدُ فَمَا لَقِيتُ بِهِ السُّرُورَا
كَانَ السُّرُورُ يَتِمُّ لِي
لَوْ كَانَ أَحْبَابِي حُضُورَا
(٥٣٧) جاب المكان يجوبه: قطعه. ووجناء: فاعل تَجُب. والوجناء: الناقة الصلبة الشديدة، مشتقة من الوجين؛ التي هي الأرض الصلبة أو الحجارة. وقيل: هي العظيمة الوجنتين. والضمير في بها: للوجناء، والحرف: الضامرة. والجرداء: الفرس القصير الشعر. والقيدود: الطويلة. وما — من قوله: ما أجوب بها — اسم موصول في موضع نصب؛ أي الفلاة التي أجوب. يقول: لولا طلب العلا لم أفارق أحبتي، ولم تقطع بي ناقة ولا فرس ما أجشمها قطعه من الفلوات. وقال الواحدي: ما أجوب بها: يعني الفلاة، كناية عن المراحل.
(٥٣٨) الغيد: جمع غيداء، وهي المتثنية لينًا. والأماليد: الناعمات المستويات القامات: غلام أملود وجارية أملودة: والأملود في الأصل: الغصن الناعم. يقول: ولولا طلب العلا لما اخترت مضاجعة السيف وعدلت عن النساء الحسان اللواتي يشبهن رونق السيف في بياض بشرتهن ونقائها. وقوله: مضاجعة: يروي معانقة، وهو تمييز.
(٥٣٩) تيمه الحب: عبَّده وذللـه، والجيد: العنق. يقول: إن الدهر بأحداثه ونوائبه جرد قلبه من هوى العيون والأعناق فلا ينزع إليها؛ لأنه ترك اللهو والغزل وتجرد للجد والإشاحة والتشمير.
(٥٤٠) يقول لساقييه: أخمر ما تسقانيه أم هم وسهاد؟ يعني ما أشربه لا يزيدني إلا همًّا وسهرًا؛ لأن قلبي مفعم بالهموم فليس فيه موضع للطرب والمرح؛ وذلك لأن أحبته بعيدون عنه، أو لأنه وافر اللب لا يؤثر فيه الشراب.
(٥٤١) المدام: الخمر. والأغاريد: الأغاني. وقوله: لا تحركني، حال من الياء في مالي، يتعجب من حاله وأن الخمر والغناء لا يطربانه ولا يؤثران فيه حتى لكأنه صخرة صماء لا يؤثر فيها الشراب والغناء. هذا، وأصل الغرد: التطريب في الصوت والغناء. وغرد الإنسان: رفع صوته وطرب، وكذلك الحمامة والمكاء والديك والذباب، والتغرد والتغريد أيضًا: صوت معه بحح، وقد جمعهما امرؤ القيس في قوله يصف حمارًا:
يُغَرِّدُ بِالْأَسْحَارِ فِي كُلِّ سُدْفَةٍ
تَغَرُّدَ مِرِّيحِ النَّدَامَى الْمُطَرِّبِ
وقال الأصمعي: التغريد: الصوت.
(٥٤٢) الكميت: الأحمر فيه سواد، يوصف به المذكر والمؤنث، ويريد: خمرًا كميت اللون. وفي رواية: كميت الخمر. يقول: إذا طلبت الخمر وجدتها، وإذا طلبت الحبيب لم أجده؛ يتشوق إلى أحبته يقول: إن الخمر لا تطيب إلا مع الحبيب. وحبيبي بعيد عني فلا معنى إذن للشراب. وقال ابن جني: حبيب القلب عنده المجد، وإذا تشاغل بشرب الخمر فقد المعالي. ويجوز أن يكون عنى بحبيب النفس أهله؛ لبعده عنهم. ولمناسبة الكميت قال سيبويه: سألت الخليل عن الكميت فقال: هو بمنزلة جميل — يعني الذي هو البلبل — وقال: إنما هي حمرة يخالطها سواد ولم تخلص، وإنما حقروها — صغروها — لأنها بين السواد والحمرة ولم تخلص لواحد منهما، فيقال له: أسود أو أحمر، فأرادوا بالتصغير أنه منهما قريب، وإنما هذا كقولك: هو دوين ذاك.
(٥٤٣) أعجبه: مبتدأ، خبره ما بعده، ورواية الواحدي: وأعجبها، كأن الضمير للدنيا والتذكير أوجه. يشكو ما لقيه من تصاريف الدهر ونوازل الدنيا وأحوالها، ثم يقول: وأعجب ما لقيته منها أني محسود بما أشكوه وما أنا باكٍ منه؛ يعني انتجاعه كافورًا وانقطاعه إليه، يريد أن الشعراء يحسدونه عليه وهو علة شكاته وبكائه. قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: استبصار العقلاء ضد لتمني الجهلاء فالجاهل يحسد العاقل على ما يبكيه، فالحال التي يبكي العاقل منها يحسده الجاهل عليها. ولقد نظمه أبو الطيب فأحسن، ومنه: رب مغبوط بدواء هو داؤه.
(٥٤٤) أروح: من الراحة، وخازنًا ويدا: منصوبان على التمييز. والمثرى: الغني. والثراء: المال. يقول: إنني من الأغنياء ذوي الثراء، ولكن خازني ويدي في راحة من تعب حفظ المال؛ لأن أموالي إنما هي مواعيد كافور، وهي أموال لا تحتاج لحفظها إلى يدي وخازني. قال العكبري: وهذا من قول الحكيم: لا غنى لمن ملكه الطمع واستولت عليه الأماني.
(٥٤٥) يقول: إنهم كذابون فلا هم يقرونه، ولا هم يتركونه يرحل عنهم. هذا، والقرى: قرى الضيف. تقول: قريت الضيف قرًى — مثال: قليته قلًى — وقراء: أحسنت إليه: إذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت. ومحدود: أي ممنوع. تقول: حددت فلانًا عن الشر: أي منعته، ومنه قول النابغة.
إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْإِلَهُ لَهُ:
قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ
والحداد: البواب والسجان؛ لأنهما يمنعان من فيه أن يخرج. قال الشاعر:
يَقُولُ لِيَ الْحَدَّادُ وَهْوَ يَقُودُنِي
إِلَى السِّجْنِ: لَا تَفْزَعْ فَمَا بِكَ مِنْ بَاسِ
وهذا أمر حدد: أي منيع حرام لا يحل ارتكابه. ومن ذلك الحدود؛ لأنها تمنع المحدود عن المعاصي.
(٥٤٦) يقول: إن هؤلاء الكذابين إنما يجودون بالمواعيد ولا يجودون بالمال على خلاف المعهود، فإن الأجواد إنما جودهم بالعطاء، ثم دعا عليهم فقال: لا كانوا ولا كان جودهم، وفي هذا المعنى يقول أبو تمام:
وَأَقَلُّ الْأَشْيَاءِ مَحْصُولَ نَفْعٍ
صِحَّةُ الْقَوْلِ وَالْفعَالُ مَرِيضُ
فالضمير في جودهم للكذابين. وقوله: ولا الجود، عطفه على الضمير المتصل للفصل بلا، كما في قوله تعالى: مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا.
(٥٤٧) هذا مثل، يقول: إن أرواحهم من النتن والقذارة خسة ولؤمًا بحيث إذا أراد الموت قبضها لم يباشرها بيده، وإنما يتناولها بعود كما يُفعل بالجيفة.
(٥٤٨) يريد أنه — أي: كافورًا — خصي هو والخصيان الذين كانوا معه. والوكاء: ما تشد به القربة، ومعنى رخو وكاء البطن: أنه ضراط فساء لا يوكي على ما في بطنه من الريح. والمنفتق: الواسع الجلد لكثرة لحمه، كأنه انفتق وانشق. وقوله: لا في الرجال … إلخ؛ أي لا هو معدود في الرجال، إذ لا ذَكر له ولا لحية، ولا في النساء: إذ لا فرج له.
(٥٤٩) اغتاله، قتله غيلة، وأخذه على غفلة، يشير إلى ما فعله كافور بالأخشيد وقتله إياه واستقلاله بملك مصر بعد، يقول: أكلما أهلك عبد سوء سيده مهد أمره في مصر وملكه أهلوها عليهم وانقادوا له وأطاعوه، وهذا استفهام إنكار؛ أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا.
(٥٥٠) الآبق: الهارب من سيده. ومستعبد: مذلل. ومعبود: مطاع. يقول: إن كل عبد هرب من سيده أمسكه كافور عنده وأحسن إليه؛ لأنه مثله في الخيانة والتمرد على سيده، فهو إمام الآبقين.
(٥٥١) النواطير: جمع ناطور، وهو في الأصل حافظ الزرع والتمر والكرم، قيل: إنها عربية، وقيل: من كلام أهل السواد. قال ابن جني: أقره المتنبي بالمهملة، والمعروف بالمعجمة؛ لأنه من نظرت، وقيل: هو بالعربية بالمعجمة نواظير، وبالنبطية بالمهملة. والمراد هنا بنواطير مصر: ساداتها وأشرافها، والمراد بثعالبها: عبيدها وأراذلها، وبالعناقيد: الأموال. وبشم فلان: أخذته تخمة وثقل من كثرة الأكل. يقول: لقد غفلت سادات مصر عن أراذلها حتى عاثوا في أموال الناس وأكلوا فوق الشبع. ثم قال: وما تفنى العناقيد! يريد كثرة ما بين أيديهم من الأموال، وأنهم كلما نهبوا شيئًا جد لهم غيره، فلا ينفكون يطلبون المزيد.
(٥٥٢) يقول: إن العبد لا يؤاخي الحر، لما بينهما من التباين في الأخلاق، ولو ولد العبد في ملك الحر، وهذا إغراء لابن سيده. يريد أن كافورًا وإن أظهر له الود فليس له مصافٍ مخلص. فقوله: لو أنه، يريد: ولو أنه، فحذف، والجملة في موضع الحال. وقوله: في ثياب الحر: قال الواحدي: أي وإن ولد العبد في ملك الحر؛ وعلى هذا فأل في الحر: للعهد.
(٥٥٣) المناكيد: جمع منكود، وهو القليل الخير. يريد سوء أخلاق العبد وأنه لا يصلح إلا على الضرب والهوان، قال بشار:
الْحُرُّ يُلْحَى وَالْعَصَا لِلْعَبْدِ
وقال الحكم بن عبدل الأسدي:
وَالْعَبْدُ لَا يَطْلُبُ الْعَلَاءَ وَلَا
يُرْضِيكَ شَيْئًا إِلَّا إِذَا رَهِبَا
مِثْلُ الْحِمَارِ الْمُوقَعِ الظَّهْرِ لَا
يُحْسِنُ الْمَشْيَ إِلَّا إِذَا ضُرِبَا
(الموقع الظهر: الذي به آثار الدبر، والدبر: الجرح الذي يكون في ظهر الدابة.)
(٥٥٤) أحسبني: أي أحسب نفسي، ويقال: أساء به وأساء إليه، قال كثير عزة:
أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةٌ
ويجوز أن يكون يسيء بي على معنى يهزأ بي ويسخر مني، فعداه بالباء على المعنى، لا على اللفظ، يقول: ما كنت أظن أجلي يمتد بي إلى زمن يسيء إلي فيه شر الخليقة، وأراني مع ذلك مضطرًّا إلى مدحه وحمده، ولا أستطيع أن أظهر الشكوى.
(٥٥٥) كناه بأبي البيضاء سخرية منه. يقول: ولم أتوهم أن الكرام فقدوا حتى خلت البلاد لمن شاءها، ولا أن مثل هذا موجود حتى رأيته على عرش مصر.
(٥٥٦) العضاريط: جمع عضروط، وهو الذي يخدم الناس بطعام بطنه. والرعديد: الجبان، وجعله مثقوب المشفر تشبيهًا له في عظم مشافره بالبعير الذي يثقب مشفره للزمام، والمشفر في الأصل: شفه البعير. يقول: ولا توهمت أن الأسود العظيم المشافر يستغوي هؤلاء اللئام الأنذال الذين حوله يطيعونه ويصدرون عن رأيه. يريد بوصفهم بالعضاريط الرعاديد تقريعهم على طاعتهم إياه، وأنهم قد صاروا بهذه الطاعة كذلك.
(٥٥٧) وصفه بالجوع على معنى أنه للؤمه وسحه لا تسخو نفسه بشيء ولا يبض حجره. وقوله: يأكل من زادي، قال الواحدي: لهذا وجهان: أحدهما أن المتنبي أتاه بهدايا وألطاف ولم يكافئه عنها، والآخر: أن المتنبي كان يأكل من خاص ماله عنده، وينفق على نفسه مما حمله وهو يمنعه من الارتحال، فكأنه يأكل زاده حين لم يبعث إليه شيئًا ومنعه من الطلب. وقال قوم: كان الأسود قد جمع له شيئًا من غلمانه وخدمه ثم أخذه ولم يعطه شيئًا. يقول: هو يمسكني عنده كي يتجمل بقصدي إياه فيقول الناس: إنه عظيم القدر يقصده المتنبي مادحًا. هذا، وقوله: جوعان، يقال: جائع وجوعان. وجمع جوعان: جوعى، وجياع. وجمع جائع: جوع. وقوله: عظيم القدر: خبر عن محذوف؛ أي هو عظيم القدر. وقوله: لكي يقال، قال العكبري الكوفي: كي حرف ناصب، وذهب البصريون إلى أنها يجوز أن تكون حرفًا خافضًا. وحجتنا أنها من عوامل الأفعال، وما كان من عوامل الأفعال لا يجوز أن يكون حرف جر؛ لأنه من عوامل الأسماء. وعوامل الأسماء لا تكون من عوامل الأفعال. والدليل على أنها ليست حرف جر: دخول اللام عليها، كقولك: أتيتك لكي تكرمني، وهذه اللام عندهم حرف جر، وحرف الجر لا يدخل على حرف الجر. وأما قول القائل:
فَلَا وَاللهِ لَا يُلْفَى لِمَا بِي
وَلَا لِلِمَا بِهِمْ أَبَدًا دَوَاءُ
(من قصيدة لمسلم بن معبد الوالبي شاعر من شعراء الدولة الأموية.
يقول: لا يوجد شفاء لما بي من الكدر ولا لما بهم من داء الحسد
انظر القصيدة في «خزانة الأدب» للبغدادي ج٢ ص٢٧٠ سلفية.)
فمن الشاذ المصنوع الذي لا يعرج عليه. وإذا قيل: إنها تدخل على ما الاستفهامية كما يدخل عليها حرف الجر في قوله: كيمه، كما تقول: لمه. قلنا: مه من «كيمه» ليس لكي فيه عمل، وليس هو في موضع خفض، وإنما هو في موضع نصب؛ لأنها تقال عند ذكر كلام لا يفهم، كقولك: أقوم كي تقوم، فيسمعه المخاطب، ولم يفهم تقوم فيقول: كيمه؟ أي كيما. والتقدير: كي تفعل ماذا؟ فحذف تفعل، فمه في موضع نصب على مذهب المصدر والتشبيه به، وليس لكي فيه عمل. وحجة البصريين دخولها على ما الاستفهامية لدخول اللام عليها، فيقولون: كيمه، كما يقولون: لمه، وهي في موضع جر؛ لأن ألف ما الاستفهامية لا تحذف إلا إذا كانت في موضع جر واتصل بها الحرف الجار، كقولهم: لمَ وبمَ وفيمَ، وإذا وقعت في صدر الكلام لا تحذف كقولك: ما تريد وما تصنع؟ وذهب أصحابنا إلى أن لام كي هي الناصبة للفعل من غير تقدير أن، نحو قولك: جئتك لتكرمني. وذهب البصريون إلى أن الناصب للفعل أن مقدرة بعدها. وحجتنا أنها قامت مقامها؛ ولهذا تشتمل على معنى كي، فكما تنصب كي الفعل فكذلك اللام. وحجة البصريين أن اللام من عوامل الأسماء ولا يجوز أن تكون من عوامل الأفعال، فوجب أن يكون الفعل منصوبًا بأن مقدرة؛ لأنها تكون مع الفعل بمنزلة المصدر الذي يحسن أن يدخل عليه حرف الجر. هذه حجة حسنة لهم.
(٥٥٨) المستضام: الذي أدركه الضيم، وهو الظلم. ورجل مفئود: جبان ضعيف الفؤاد، مثل المنخوب. والمفئود أيضًا: الذي لا فؤاد له ولا فعل. والمفئود: الذي أصيب فؤاده بوجع. وسخين العين: محزون. جعل الأسود أمة لفقدانه آلة الرجال؛ لأنه خصي، وجعله حبلى لعظم بطنه. وهذا تعريض بابن سيده؛ يقول: إن الذي آل تدبيره إلى من هذه صفته لمظلوم مفئود سخين العين يرثى لحاله.
(٥٥٩) ويلمها: كلمه تقال عند التعجب وأصلها: وي لأمها، ثم حذفت الهمزة، واللام تكسر على الأصل وتضم على حذف حركتها، وإلقاء حركة الهمزة عليها. وفي الحديث في قوله لأبي بصير: «ويلمه مسعر حرب!» تعجبًا من شجاعته وجرأته وإقدامه. ومنه حديث علي: ويلمه كيلا بغير ثمن لو أن له وعا! أي: يكيل العلوم الجمة بلا عوض إلا أنه لا يصادف واعيًا. وهي — كما قلنا — كلمة تعجب. وينصب ما بعدها على التمييز. والخطة: الأمر والشأن. والمهرية: المنسوبة إلى مهرة بن حيدان؛ بطن من قضاعة تنسب إليه الإبل. والقود: الطوال الظهور والأعناق. يقول: ما أعجب هذه الحال وما أعجب من يقبلها! وإنما خلقت الإبل للفرار من مثلها.
(٥٦٠) القنديد: عصارة قصب السكر إذا جمد، والخمر، وقيل: القنديد، عصير عنب يطبخ ويجعل فيه أفواه من الطيب. يقول: عند هذه الحال — طاعة الأسود والاستخذاء له، والنزول على حكمه — يستلذ طعم الموت؛ لأن الموت أيسر من ذلك الذل. ولذَّ الشيءَ: وجده لذيذًا.
(٥٦١) البيض هنا: الكرام؛ أي بيض الأعراض. والصيد: الملوك. يقول: إن هذا الأسود لا يعرف المكرمة ما هي؛ لأنه عبد أسود لم يرث آباءه مجدًا ولا مكرمة.
(٥٦٢) النخاس: بياع الرقيق. والفلس: قطعة مضروبة من النحاس يتعامل بها. ودامية: حال. وبالفلسين: متعلق بمردود. وأذنه — بسكون الذال، وضمها — لغتان. يقول: إنه مملوك اشتري بثمن، إن زيد عليه قدر فلسين لم يشتر لخسته. وهذا غاية في التحقير لشأنه.
(٥٦٣) التفنيد: اللوم وتضعيف الرأي. وكويفير: تصغير كافور، والمراد: التحقير. يقول: هو أولى اللئام بأن يعذر على لؤمه لخبث أصله وخسة قدره وعجزه عن المكارم، وهذا العذر لوم له وهجاء وتوبيخ على الحقيقة. وقد صرح بعذره في البيت التالي.
(٥٦٤) الخصية: جمع خصي. يقول: إن الكرام عاجزون عن فعل الجميل فكيف يقدر عليه اللئام؟! قال الواحدي: عرض في المصراع الأول بغيره من الملوك.
(٥٦٥) النيروز: أحد أعياد الفرس. قال في التاج: معرب نوروز، فردته العرب إلى فيعول، حتى يكون على مثال قيصوم وديجور ونحوهما. وهو أول يوم من السنة عند حلول الشمس في أول الحمل. والزناد: جمع زند؛ وهو الحجر يقتدح به. ووري الزند: إذا أخرج نارًا، ووري الزناد: كناية عن بلوغ المراد، تقول العرب: ورت بفلان زنادي؛ أي أدركت به حاجتي ومرادي. يقول: جاء هذا اليوم وأنت مراده ومقصوده بمجيئه تيمنًا بطلعتك، وقد تحقق مراده وظفر به حين وفد عليك ورآك.
(٥٦٦) زاده — آخر البيت — خبر هذه، يقول: هذه النظرة التي ظفر بها النيروز منك اليوم إنما يتزودها إلى أوان مثلها من العام القابل؛ أي إنها له كالزاد يعاش به، لأنه لا يزورك إلا مرة واحدة في كل عام.
(٥٦٧) ناظر: فاعل ينثني، والناظر: العين. يقول: عند انسلاخ هذا اليوم ينثني عنك ناظره الذي أنت ضياؤه وطيبه فيفارقك على حزن وأسف. وقال ابن جني: إذا انصرف عنك هذا اليوم بانتهائه خلف طرفه — أي بصره — ورقاده لديك فبقي بلا ضياء ولا نوم إلى أن يعود إليك؛ والمعنى أنه يفارقك وهو آسف محزون، فلا ينام ولا يسر برؤية غيرك حتى يراك ثانيًا.
(٥٦٨) في أرض فارس: حال من ضمير المتكلمين في الظرف بعده، وهو خبر نحن. وقوله: ذا الصباح: مبتدأ، وميلاده: خبر، والجملة: صفة لسرور. يقول: نحن في سرور بأرض فارس، وقد ولد هذا السرور في هذا الصباح — أي صباح عيد النيروز — لأن الناس يفرحون فيه ويمرحون. وقوله: الذي نرى، يروى: الذي يرى.
(٥٦٩) يقول: إن ممالك الفرس قد عظمت هذا اليوم حتى حسدته كل أيام السنة لتفضيلهم إياه عليها. وممالك: إما جمع ملك — مثل مشايخ وشيخ — وإما على حذف مضاف؛ أي أهل ممالك الفرس.
(٥٧٠) التلاع: جمع تلعة، وهي ما ارتفع من الأرض. والوهاد: جمع وهدة، ما انخفض من الأرض. والأكاليل: جمع إكليل، وهو في الأصل ما يجعل على الرأس كالتاج. قالوا: كان من عادة الفرس إذا جلسوا في مجلس اللهو والشراب يوم النيروز أن يتخذوا أكاليل من النبات والزهر فيضعوها على رءوسهم. يقول المتنبي: ما لبسنا الأكاليل في هذا اليوم حتى كسيت الأرض؛ جبالها ووهادها، مثل الأكاليل من النبات والأزهار. والإضافة في «تلاعه ووهاده» على معنى «في». والضمير: للنيروز. والبيت من قول أبي تمام:
حَتَّى تَعَمَّمَ صُلْعُ هَامَاتِ الرُّبَا
مِنْ نَبْتِهِ وَتَأَزَّرَ الْأَهْضَامُ
الأهضام: جمع هضم، وهو المطمئن من الأرض، جعل ما على الرُّبا بمنزلة العمامة، وما على الأهضام بمنزلة الإزار.
وقال ابن جني: يريد — المتنبي — أن الصحراء قد تكامل زهرها فجعله كالأكاليل عليها. قال العروضي ناقدًا: كيف يصح ما قال — ابن جني — وأبو الطيب يقول: ما لبسنا ولم يقل: ما لبست الصحراء وما يشبه هذا مما يكون دليلًا على ما قال ابن جني. ولكن كان من عادة الفرس إذا جلسوا في مجالس اللهو والشراب يوم النيروز أن يتخذوا أكاليل من النبات والأزهار فيجعلوها على رءوسهم، ثم أنشد بيت أبي تمام المتقدم ثم قال: وهذا البيت — بيت أبي تمام — سليم، ووجه قول المتنبي أنه أراد حتى لبستها تلاعه والتحفت بها وهاده، فيكون من باب علفتها تبنًا وماءً باردًا. ومعنى البيت: أن النبات قد عم الأرض مرتفعها ومنخفضها؛ وبيت أبي تمام أحسن سبكًا.
(٥٧١) يقول: إن ملك الممدوح — ابن العميد — أعظم من ملك الأكاسرة. وكسرى: لقب الساسانية من ملوك الفرس من ولد كيهمن بن ساسان الأكبر. وكسرى: معرب خسرو، ومعناه واسع الملك؛ وتنطقه العرب بفتح الكاف وبكسرها، وقد أنشدوا بالفتح بيت الفرزدق:
إِذَا مَا رَأَوْهُ طَالِعًا سَجَدُوا لَهُ
كَمَا سَجَدَتْ يَوْمًا لِكَسْرَى مَرَازِبُهْ
(٥٧٢) يقول: هو عربي اللسان، ورأيه رأي الفلاسفة؛ لأنه حكيم، وأعياده أعياد فارسية كالنيروز والمهرجان. والبيت — كما ترى — مركب من ثلاث جمل: كل جملة مبتدأ وخبر، قدم فيها الخبر على المبتدأ.
(٥٧٣) النائل: العطاء. والسرف: التبذير. ومنه: حال مقدمة من سرف، والاقتصاد ضد السرف. يقول: إنه كلما بالغ في العطاء — أي أعطى كثيرًا — فقال ذلك العطاء البالغ الكثير: أنا سرف منه وتبذير، أتبعه بعطاء أكثر منه وأبلغ يقول — أي هذا العطاء الأكثر — كان العطاء الأول اقتصادًا. وهذا تمثيل؛ لأن العطاء لا يقول شيئًا، ولكن يستدل بحاله، فكأنه قائل، وملخص المعنى: أنه إذا استكثر الناس منه عطاء قل ذلك في جنب ما يتبعه.
(٥٧٤) النجاد: حمالة السيف. يقول: كيف أنكل عن مفاخرة ذي فخر؟ وكيف يقصر منكبي عن أن يزحم السماء علوًّا والنجاد الذي عليه — أي على منكبي — هو نجاده — أي نجاد الممدوح — الذي بلغ بي أقصى الشرف؟ يشير إلى السيف الذي قلده إياه. وملخص المعنى أنه تشرف بتقلده سيفه حتى صار يماجد به كل ماجد.
(٥٧٥) أعقب الرجل: ترك عقبًا؛ أي ولدًا، يقول: قلدني سيفًا ماضيًا لم تعقب أجداده منه — أي لم تلد من نوعه — إلا واحدًا. يعني هذا السيف نفسه وأراد بأجداد السيف معادن الحديد التي يستخرج منها. وملخص المعنى: قلدني سيفًا لم يطبع مثله، فلا نظير له.
(٥٧٦) إياة الشمس: ضوءها وشعاعها ونورها وحسنها، قال طرفة بن العبد:
سَقَتْهُ إِيَاةُ الشَّمْسِ إِلَّا لِثَاتِهِ
أُسِفَّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بِإِثْمَدِ
(من معلقة طرفة، يقول: سقى ثغر محبوبته شعاع الشمس؛ أي كأن الشمس أعارته ضوءها، ثم استثنى اللثات؛ لأن اللثة — وهي مغرز الأسنان — لا يستحب بريقها. ثم قال: أُسف؛ أي ذر الإثمد — وهو الكحل — على اللثة، ولم تكدم — أي تعض — بأسنانها على شيء يؤثر فيها، ونساء العرب تذر الإثمد على الشفاه واللثات فيكون ذلك أشد للمعان الأسنان.)
وكذلك الآياء مفتوح الأول بالمد، والإيا مكسور الأول بالقصر. والآرآد: جمع رأد، وهو ارتفاع الضحى ورونقه، يقول: كلما جرد هذا الحسام من غمده برقت في صفحة إياة من الشمس كأنما تضاحكه، ولشدة بريق الإياة تنخدع الشمس لدى رؤيتها فتحسب الحسام شمسًا أخرى قد التمعت هذه الإياة من أشعتها. يشير إلى أن شعاع هذه السيف يضاهي شعاع الشمس، وأن الشمس تقر بأن ضوءها كضوئه، والضمير في أنها: للأياة، قال الواحدي: وإنما جمع الأرآد مع توحيد الإياة حملًا على المعنى، فإن عند كل سلة مضاحكة بينه وبين إياة الشمس. وقال العكبري: يجوز أن يكون أرآد جمع رئد، وهو الترب، قال كثير ولم يهمز:
وَقَدْ دَرَّعُوهَا وَهْيَ ذَاتُ مُؤَصَّدٍ
مَجُوبٍ وَلَمَّا يَلْبَسِ الدِّرْعَ رِيدُهَا
(المؤصد: صدار تلبسه الجارية — الوليدة — فإذا أدركت دُرِّعت، وكل شيء قطع وسطه فهو مجوب، ومنه سمي جيب القميص.)
(٥٧٧) الأثر: الفرند، وهو جوهر السيف. ومثلوه في جفنه: أي جعلوا غمد هذا السيف على مثاله؛ وذلك بأن غشوه فضة. وقوله: ففي مثل أثره إغماده؛ يعني أنه يغمد في غمد عليه آثار كأثره، أي: فرنده، وهو جوهر السيف. يقول: إن ما نسج من الفضة على غمده تصوير وتمثيل لما على متنه من الفرند، وإنما فعل به ذلك إرادة أن لا تفقده العين إذا أغمد، بل يكون كأنها ناظرة إليه؛ أي إنه لحسنه لا يود مالكه أن يفقد منظره بإغماده، ومن ثم مثله في جفنه. وقال الواحدي: خشية الفقد: يريد أن الناس يقولون: إن هذا السيف عزيز، فلعزه وخوف فقده غشوا جفنه بالفضة. وقال ابن جني: صونًا للجفن من الصدأ لئلا يأكله. وقال الخطيب التبريزي: إنما جعل غمده مشبهًا له فيقوم مقامه، وفي معناه:
إِذَا بَرَقُوا لَمْ تُعْرَفِ الْبِيضُ مِنْهُمُ
سَرَابِيلُهُمْ مِنْ مِثْلِهَا وَالْعَمَائِمُ
(٥٧٨) منعل: أي ملبس نعلًا، وهو ما يصاغ في طرف الغمد. والحفا: يريد الحفاء بالمد؛ وهو المشي بلا نعل. وذهبا: مفعول ثان لمنعل. والضمير في فرنده: للسيف، ومن إزباده: للبحر. يقول: إن هذا الجفن قد جعل له نعل من الذهب وليس ذلك للحفاء، وهو يحمل من هذا السيف بحرًا، يعني كثرة مائه، ولما جعله بحرًا جعل تموج الفرند فيه بمنزلة الزبد. هذا، والسيف لا يوصف بالحفاء، ولكن ذكره افتنانا لإيهام لفظ النعل.
(٥٧٩) المدجج: المغطى بالسلاح. والبداد: حشية تجعل في جانب السرج، وهما بدادان. يقول: إذا ضرب به الفارس المقنع في سلاحه قطعه نصفين من فوق إلى أسفل، وقطع السرج أيضًا، فلا يسلم منه إلا جانبا السرج، لانحرافهما على الجانبين. وقوله: من شفرتيه — والحال أن السيف إنما يقطع بشفرة واحدة — لأنه أراد بأي شفرتيه ضرب، عمل هذا العمل.
(٥٨٠) يقول: إن الدهر جمع حد هذا السيف ويدي الممدوح في الضرب وشعري في وصفه، فاجتمعت بذلك آحاد الدهر التي لا نظير لها؛ فلا سيف كهذا السيف ولا يد في الضرب به كيد الممدوح ولا ثناء كثنائي.
(٥٨١) الشامة: الخال؛ بثرة سوداء في الجسم حولها شعر. وقوله: في نداه؛ أي في جملة نداه، أي جوده. والمنفسات: الأشياء النفيسة، جمع منفس. والعتاد: العدة. يقول: تقلدت سيفًا هو على نفاسته وجلالة قدره في جنب ما أهدانيه — من نفائس الخيل والثياب والأسلحة — يعد قليلًا كالشامة في الجلد. شبه السيف الذي قلده إياه بالشامة، وسائر هداياه بالجلد الذي تكون فيه الشامة. وقد اضطربت كلمة الشراح في هذا البيت اضطرابًا أشفقنا عليهم منه؛ لأنهم على أستاذيتهم ذهبوا في تأويله مذاهب بعيدة لم تخطر للمتنبي على بال، فضلًا أن البيت ينبو بمثلها. وإذا أبيت إلا ذكرها فإليكها. قال الواحدي: حكى أبو علي بن فورجه عن أبي العلاء المعري في هذا البيت قال: يعني أن الغمد بما عليه من الحلي والذهب أنفس من السيف؛ لأنه كان محلًى بكثير من الذهب، فجعل الغمد جلدًا؛ إذ جعل السيف شامة. قال أبو علي: والذي عندي أنه أراد بجلده ظاهره الذي عليه الفرند؛ لأن أنفس ما في السيف فرنده، وبه يستدل عليه في الجودة. وقال أبو الفتح: يعني أنه يلوح فيما أعطاه كما تلوح الشامة في الجلد لحسنه ونفاسته. وقوله: جلدها منفساته وعتاده؛ أي ما يلي هذا السيف مما تقدم منه وتأخر كالجلد حول الشامة. وقال أبو الفضل العروضي منكرًا على أبي الفتح: ألم يجد المتنبي مما يحسن في الجسد شيئًا فوق الشامة كالعين الحسناء؟! لكنه أراد أن هذا السيف — على حسنه وكثرة قيمته — كالنقطة فيما أعطاه. ألا تراه يقول: جلدها منفساته؟ أي قدر هذا السيف وهو عظيم القيمة فيما أعطاه كقدر الشامة في الجلد. قال الواحدي: وهؤلاء الذين حكينا كلامهم كانوا أئمة عصرهم، ولم يكشفوا عن معنى البيت ولا بينوه بيانًا يقف المتأمل عليه ويقضي بالصواب. ومعنى البيت: أنه جعل ذلك السيف شامة، والشامة تكون في الجلد، ولما سماه شامة سمى ما كان معه من الهدايا — التي كان السيف في جملتها — جلدًا. والكناية في المنفسات والعتاد يعودان إلى الممدوح؛ وذلك أنه أهدى إليه أشياء نفيسة من الخيل والثياب والأسلحة، فهو يقول: هذا السيف في جملتها شامة في جلد. قال: وقول ابن فورجه هوس لاشيء. وقال ابن القطاع: يريد: أن السيف — على جلالة قدره وما عليه من الذهب — كالشامة في جنب ما أخذت منه. وقوله: جلدها، يريد ما عليه من الفرند الذي من أجله يستعد ويغالى في ثمنه. وقيل: يريد بجلده جفنه وما عليه من الذهب والفضة والجوهر المكلل.
(٥٨٢) كن فيه: أي كن في نداه. واللبد: ما تحت السرج. يقول: كان في جملة عطائه خيل سوابق فارقت سرج ابن العميد إلى سروجنا، فصيرتنا فرسانًا وتعلمنا الطراد بركوبها بما تعلمت لديه من آداب المطاردة، فقوله: فرستنا؛ أي علمتنا الفروسية. وفارقت لبده: يريد فارقت سرج ابن العميد إلى سرجي حين أعطاناها. وفيها طراده: أي وفيها تقويمه وأدب طراده. وقال ابن جني: أي قد صرت معه كواحد من حملته إذا سار إلى موضع سرت معه وطاردت بين يديه، فكأنه هو المطارد عليه. وعلى هذا يكون معنى فرستنا: حملتنا حتى صرنا فرسانًا. وقوله: وفيها طراده؛ أي عليها. قال العروضي: كلام ابن جني كلام مَن لم ينتبه عن نومة الغفلة؛ إنما يقول: فارقت هذه الخيل لبده، وفيها تأديبه وتقويمه، ثم قال: والمعنى: إن الخيل السوابق التي كانت عنده مما أعطانا علمتنا الفروسية؛ لأنها قد فارقت لبده حين أعطاناها، وفيها ما علمه بطراده وبتأديبه.
(٥٨٣) يقول: إن هذه الخيل التي أهداها إلينا لما انتقلت إلي رجت أن تستريح من طول كده إياها، لكنها لا ترى ما ترجوه ما دمنا في بلاده؛ لأنا لا نزال نغزو معه بغزوات ونطارد عليها معها إذا ركب للصيد، وإنما تستريح إذا فارقنا خدمته، ونحن لا نفارق خدمته وبلاده فقوله: وبلاد … إلخ، جملة حالية من مبتدأ وخبر.
(٥٨٤) يشير إلى نقد ابن العميد لقصيدته الرائية، ويعتذر عما فرط فيها مما يؤاخد به. يقول: هل يقبل عذري؟ أو هل لديه قبول لعذري؟ وقوله: سواد عيني مداده: جملة استئنافية دعائية؛ أي جعل الله سواد عيني مدادًا له. وإنما دعا له بذلك إشارة إلى أن ابن العميد من أهل الأدب والعلم، المشتغلين بالكتابة والتأليف. والمداد: الحبر. والهمام: السيد الشجاع السخي.
(٥٨٥) العواد: جمع عائد، وهو زائر المريض. يقول: أنا لشدة حيائي كالعليل، وهدايا الذي أعلني تأتيني كل يوم كأنها عواد تعودني. وإنما كان شديد الحياء؛ لأن ابن العميد نقد شعره ولذا جعله معلاله. وقد شرح ذلك في الأبيات التالية.
(٥٨٦) عن علاه: متعلق بتقصير. وثناه: صار ثانيه. والضمير: للتقصير، يقول: ما كفاني تقصير شعري عن علاه وعجزي عن وصفه حتى شفعه بنقده، فتقصير شعري ونقده هما سبب شدة حيائي.
(٥٨٧) أَصْيَد: أفعل تفضيل من الصيد، يقول: أنا في الشعراء كالبازي الأصيد في البزاة، ولكن البازي مهما كان بارعًا في الصيد ليس في مكنته أن يبلغ النجوم فيصيدها؛ يعني: إني وإن كنت حاذقًا في الشعر وبالغًا منه الغاية التي لا بعدها فإن كلامي لا يبلغ أن يصف ابن العميد ويقوم بما يجب من مدحه، وقال ابن جني: لو استوى له أن يقول: أعلى النجوم — بدل أجل النجوم — لكان أليق. وقال الواحدي: يريد بأجل النجوم زحلًا، جعل هذا مثلًا للممدوح.
(٥٨٨) يقول: رب أمر يعتقده القلب ولكن اللسان يعجز عن أن يعبر عنه باللفظ لبلوغه مبلغًا لا يحيط به الوصف، وهذا اعتذار عن قصوره في وصفه ومدحه، فما — من قوله: رب ما — نكرة موصوفة بمعنى شيء، أو أمر. وقوله: والذي … إلخ: حال، والضمير من اعتقاده: يرجع إلى ما.
(٥٨٩) يقول: لم أتعود أن أمدح مثله، فإن قصرت عن كنه وصفه كنت معذورًا؛ لأن عادتي لم تجر بمدح مثله، والذي ورد عليه من الشعر شيء معتاد عنده؛ لأنه لا يزال يمدح، فهو أعلم الناس بالشعر. أو تقول: وهذا الذي أتاه — أي هذا الذي فعله من النقد — هو عادته لبصره بالشعر ونقده، قال الواحدي: وهذا يدل على تحرز أبي الطيب منه وتواضعه له ولم يتواضع لأحد في شعره تواضعه لابن العميد. وقال ابن جني: يريد لم أمدح مثله؛ فلذلك قصرت عن وصفي له، والذي أتاه من الكرم عادة له لم يتطبع به. قال الواحدي: وهذا الذي يقوله ابن جني ليس بشيء؛ لأنه ليس في وصف كرمه، وإنما يعتذر إليه في تقصيره.
(٥٩٠) يقول: إن فاتني عد بعض أوصافك فلم آت على جميعها، كان عذري واضحًا؛ لأني غرقت فيها لتوافر محامدك، والغريق في البحر إن لم يستطع تعداد الأمواج كان عذره واضحًا. وتلخيص المعنى: إن فكري غرق في فضائلك، فليس لي إلى استيفاء وصفها من سبيل. وقوله: أن يفوته؛ أي في أن يفوته، وهو من صلة العذر. والتعداد: العد.
(٥٩١) يقول: إن لجوده الغلبة فهو غالبني؛ لأن عماده ابن العميد وعمادي الشعر وهو ناقده، فكيف لي أن أغالبه بالشعر؟! فالندى: الجود. والضمير في عماده: للندى.
(٥٩٢) الظن — ههنا — بمعنى العلم. ويروى: طبي، وهو بمعنى العلم أيضًا. والآد: القوة. يقول: لقد قتلت الأمور علمًا، غير أني قاصر عن مدح كريم ليس لي فصاحته في الكلام ولا قوته في علم الشعر.
(٥٩٣) المزاد: جمع مزادة، وهي القربة. يقول: إن جوده ظالم، وذلك أنه كلما صمد إليه ركب أغدق عليهم من عطاياه ما لا يطيقون حمله، وهذا ظلم؛ لأنه غير ممكن، وهل يمكن حمل البحر في القرب؟! فقوله: ظالم الجود، من إضافة الوصف إلى فاعله. وسيم: كلف.
(٥٩٤) يقول: إنه أرشده بانتقاده شعره إلى صواب القول، ونبه بذلك إلى ما كان غافلًا عنه، فكان حسن القول وصحة الكلام، من جملة الفوائد التي أفادها منه.
(٥٩٥) يقول: لم نسمع قبله بجواد يحب الإعطاء ويتمنى أن يكون قلبه من جملة عطاياه، يريد أن ما أفاده العلم هو نتاج عقله وبنات فكره، فكأنه أعطاه عقله. والفؤاد هنا بمعنى العقل.
(٥٩٦) يريد بأفصح الناس: الممدوح. يقول: إنه أفصح العرب، وهم أفصح الناس، بيد أنه في بلد أهله أكراد لا عرب، يريد أهل فارس. وروى ابن جني: أفضل الناس، وليس بشيء.
(٥٩٧) وأحق: عطف على أفصح. يقول: وخلق الله غيثًا هو أخلق الغيوث بالحمد — يعني الممدوح — لعموم صلاحه، فأوجد هذا الغيث في زمان قد استشرى فساد أهله وشاع في الأرض، فكانوا كالجراد. وقال ابن جني: جعله غيثًا وجعل الناس كلهم — لاحتياجهم إليه — جرادًا، فإن الجراد حياته في الغيث والكلأ.
(٥٩٨) يقول: لما شاع الفساد في العالم بالناس الذين جعلهم كالجراد: خلق الله ابن العميد ليتدارك به ذلك الفساد، كما أنه لما عم الكفر والشرك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. وهذا من قول الفرزدق:
بُعِثْتَ لِأَهْلِ الدِّينِ عَدْلًا وَرَحْمَةً
وَبُرْءًا لِآثَارِ الْجُرُوحِ الْكَوَالِمِ
كَمَا بَعَثَ اللهُ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا
عَلَى فَتْرَةٍ وَالنَّاسُ مِثْلُ الْبَهَائِمِ
فقوله: والبعث؛ أي بعث الرسل، عطف على النبوة.
(٥٩٩) غرة القمر: طلعته وضوءه. ويشنه: يعبه. لما ذكر عموم الفساد في الناس والزمان ذكر أن ذلك الفساد لا يتعدى إليه، وأنه سبب لإصلاحه كالقمر يطلع فيجلو سواد الليل ولا يشينه ذلك السواد.
(٦٠٠) يقول: كثر الفكر في كيف نهدي إليك شيئًا كما يهدي العبيد إلى أربابها، وكل ما عندنا من المال والخيل فمن عندك وهبته وقدته إلينا. فقوله: إلى ربها؛ أي سيدها. والضمير: لعباده. وعباده: أي عبيده. والرئيس بدل من «ربها»، والذي … إلى آخر البيت: حال. وفي البيت الثاني طي ونشر لا يخفى. وهذا من قول ابن الرومي:
مِنْكَ يَا جَنَّةَ النَّعِيمِ الْهَدَايَا
أَفَنُهْدِي إِلَيْكَ مَا مِنْكَ يُهْدَى
(٦٠١) المهار: جمع مهر. يروى بالنصب على الحال؛ لأن في المهر معنى الفتى، والفرس إذا كان فتيًّا كانت الرغبة فيه أشد، ويروى بالجر: على أنه بدل من أربعين، أو بيان لها. وقوله: كل مهر … إلخ، نعت لمهار؛ أي كل مهر منها. كنى بالمهار عن أبيات القصيدة؛ لأنها أربعون بيتًا، وجعل ميدانها الإنشاد؛ لأنها تعرف به كما يعرف المهر في الميدان إذا جرى فيه عرف جريه يقول: فبعثنا إليك بأربعين بيتًا من الشعر، ميدان كل بيت إنشاده؛ أي إنه إذا أنشد عرف قدره كما أن المهر إذا أجري في الميدان عرف.
(٦٠٢) عدد: خبر مبتدأ محذوف؛ أي إن الأربعين هي عدد … إلخ. وقوله: عشته: دعاء؛ يدعو له بأن يعيش هذا العدد من السنين علاوة على ما عاشه. قال الواحدي: وكان ابن العميد في ذلك الوقت قد جاوز السبعين وناهز الثمانين. وقوله: يرى الجسم فيه … إلخ: أي إن عدد الأربعين يرى الإنسان فيه من أرب العيش وحاجه مالًا يراه في السنين التي يزادها بعد ذلك؛ أي فلهذا اختار هذا العدد، فجعل القصيدة أربعين بيتًا. وقال ابن جني: الأربعون إذا تجاوزها الإنسان نقص عما يعهد من أحواله في جسمه وتصرفه.
(٦٠٣) نماها: أي ارتفع إليه نسبها، فهو من نماء النسب، وعبر بذلك جريًا على عادة العرب في حفظ أنساب الخيل، لما سمى الأبيات مهارًا عبر عن حفظها وإمساكها بالارتباط ليتجانس الكلام. يقول: فاحتفظ بها فإن القلب الذي صدرت منه واتصلت نسبتها إليه تسبق جياده جياد كل مربط: يعني أن الشعر الذي يقوله أفضل من شعر سواه.
(٦٠٤) أي: يفدى بكتب الأنام جميعًا هذا الكتاب الوارد علي؛ لأن شرفه وقدره عظيم. وقوله: فدت … إلخ: جملة دعائية.
(٦٠٥) يقول: إن ذلك الكتاب يعبر عن الشوق الذي لكاتبه عندنا؛ أي أنا أشتاق إليه كما يشتاق هو إلينا، ويذكر من شوقه إلينا ما نجد من الشوق إليه.
(٦٠٦) أخرق: أدهش وحير، من خرق الظبي: دهش فلصق بالأرض ولم يقدر على النهوض. وقد أخرقه الفزع فخرق. وأبرق: حير، تقول: برق بصره؛ تحير فلم يطرف قال ذو الرمة:
وَلَوْ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ
لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سَافِرًا كَادَ يَبْرَقُ
يقول المتنبي: إن الذي رأى هذا الكتاب حيره ما رآه من حسن خطه، والذي انتقد لفظه أدهشه ما انتقد من فصاحته.
(٦٠٧) يقول: إن ألفاظه تحدث له الحسد في القلوب فتحسده قلوب السامعين على حسن لفظه.
(٦٠٨) فرس الناطقين: افترسهم؛ جعل إحرازه الغاية من الفصاحة دون غيره من الناس كالافتراس، أي إنه وصل في غلبهم والاستيلاء على ألبابهم بما ألقى عليها من الدهش والحيرة إلى مثل ما يصل إليه الأسد إذا افترس فريسته. ولما وصفه بالافتراس جعله أسدًا في المصراع الثاني؛ لأن الافتراس من أفعال الأسد. قال الواحدي: ولو خرس المتنبي ولم يصف كتاب أبي الفتح ابن العميد بما وصف لكان خيرًا له، وكأنه لم يسمع قط وصف كلام! وأي موضع للإخراق والإبراق والفرس في وصف الألفاظ والكتب، هلا احتذى على مثال قول البحتري يصف كلام ابن الزيات:
فِي نِظَامٍ مِنَ الْبَلَاغَةِ مَا شَكـْ
ـكَ امْرُؤٌ أَنَّهُ نِظَامُ فَرِيدِ
وَبَدِيعٍ كَأَنَّهُ الزَّهَرُ الضَّا
حِكُ فِي رَوْنَقِ الرَّبِيعِ الْجَدِيدِ
مُشْرِقٍ فِي جَوَانِبِ السَّمْعِ مَا يُخْـ
ـلِقُهُ عَوْدُهُ عَلَى الْمُسْتَعِيدِ
وَمَعَانٍ لَوْ فَصَّلَتْهَا الْقَوَافِي
هَجَّنَتْ شِعْرَ جَرْوَلٍ وَلَبِيدِ
حُزْنَ مُسْتَعمَلِ الْكَلَامِ اخْتِيَارًا
وَتَجَنَّبْنَ ظُلْمَةَ التَّعْقِيدِ
(٦٠٩) الخفر: الحياء. يقول: نسيت كل شيء ولا أنسى ما جرى بيني وبين الحبيب من العتاب على الصدود، ولا الذي غشيه عند ذلك من الحياء الذي ازدادت به حمرة وجهه. يعني: إن أنس لا أنس ذلك. وكثيرًا ما يذكر الشعراء ما جرى بينهم وبين الحبيب عند التوديع، وذلك كما يقول أحدهم:
وَلَسْتُ بِنَاسٍ قَوْلَهَا يَوْمَ وَدَّعَتْ
وَقَدْ رُحِلَتْ أَجْمَالُنَا وَهْيَ وُقَّفُ:
أَأَنْتَ عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا؟
فَلَسْنَا وَحَقِّ اللهِ عَنْ ذَاكَ نَصْدِفُ
فَقُلْتُ لَهَا: حِفْظِي لِعَهْدِكِ مُتْلِفِي
وَلَوْلَا حِفَاظُ الْعَهْدِ مَا كُنْتُ أَتْلَفُ
ومثله كثير، ويروى: نُسيت، بالبناء للمجهول؛ أي نسيني الحبيب.
(٦١٠) القصورة والقصيرة: المحبوسة في خدرها، الممنوعة من التصرف. قال كثير:
وَأَنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ
إِلَيَّ وَمَا تَدْرِي بِذَاكَ الْقَصَائِرُ
عَنَيْتُ قَصِيرَاتِ الْحِجَالِ وَلَمْ أُرِدْ
قِصَارَ الْخُطَا، شَرُّ النِّسَاءِ الْبَحَاتِرُ
«البحتر: القصير المجتمع الخلق.» يقول المتنبي: لا أنسى ليلة قصرت علي لطيب مجالستي لهذه المخدرة ومعانقتي إياها حتى طالت يدي في جيدها مثل صحبة العقد لجيدها. فقوله: صحبة العقد؛ أي مثل صحبة العقد، فهو منصوب على المصدرية.
(٦١١) يقول: من يكفل بأن يكون لي يوم آخر مثل يوم الوداع وإن كرهته؛ لأني قربت فيه من فراقهم. يتمنى أن يكون له مثل هذا اليوم، وهم أبدًا يتمنون مثل يوم التوديع؛ لأن المودع يحظى فيه بالنظر إلى أحبته والتسليم عليهم، كما قال الآخر:
مَنْ يَكُنْ يَكْرَهُ الْوَدَاعَ فَإِنِّي
أَشْتَهِيهِ لِعِلَّةِ التَّسْلِيمِ
إِنَّ فِيهِ اعْتِنَاقَةً لِوَدَاعٍ
وَانْتِظَارَ اعْتِنَاقَةٍ لِقُدُومِ
وَلَكَمْ فُرْقَةٍ وَغَيْبَةِ شَهْرٍ
هِيَ أَجْدَى مِنِ امْتِنَاعِ مُقِيمٍ
(٦١٢) يقول: ومن لي بأن لا يكون الفقد في ذلك اليوم مخصوصًا بشيء دون شيء، فإني فقدت فيه أحبتي ولم أفقد بكائي ولا وجدي؛ يتمنى أن يكون الفقد عامًّا شاملًا حتى يفقد البكاء والوجد أيضًا.
(٦١٣) تمن: خبر عن مبتدأ محذوف؛ أي هذا تمن؛ والمستهام: الذي هيمه الحب وشرده. ويقال: لذ يلذ، والتذ يلتذ، وتلذذت كذا ألتذه لذاذًا ولذاذة، وهو لذ ولذيذ؛ والفتيل ما يكون في شق النواة، وقيل: هو ما تفتله بين أصبعيك من الوسخ، وهو نائب مفعول مطلق؛ أي لا يغني غناءً حقيرًا مثل الفتيل. يقول: إن هذا الذي ذكرته هو تمن لا حقيقة له، ولكن المستهام يلتذ بالتمني وإن كان ذلك لا ينفعه ولا يغني عنه شيئًا. وفي معنى البيت يقول القائل:
أَمَانِيَّ مِنْ لَيْلَى حِسَانًا كَأَنَّمَا
سَقَتْنِي بِهَا لَيْلَى عَلَى ظَمَأٍ بَرْدَا
مُنًى إِنْ تَكُنْ حَقًّا تَكُنْ أَحْسَنَ الْمُنَى
وَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَنًا رَغْدَا
ويقول البحتري:
تَمَنَّيْتُ لَيْلَى بَعْدَ فَوْتٍ وَإِنَّمَا
تَمَنَّيْتُ مِنْهَا خُطَّةً لَا أَنَالُهَا
ويقول الآخر:
وَأَعْلَمُ أَنَّ وَصْلَكِ لَيْسَ يُرْجَى
وَلَكِن لَا أَقَلَّ مِنَ التَّمَنِّي
(٦١٤) القد: سير يشد به الأسير. يقول: ولي غيظ على الأيام يلتهب في الحشا التهاب النار، ولكنه غيظ على ما لا يكترث ولا يبالي بغيظي؛ لأن الأيام لا تؤاتيني ولا تنزل على مرادي، ومن ثم كان كغيظ الأسير على ما يشد به من القد.
(٦١٥) الدلوق: سرعة انسلال السيف وخروجه من غمده. يقول معتذرًا للحبيبة من فراقه لها وقلة مقامه في البلدان ومواصلته السير والتطواف: إن رأيتني منزعجًا لا أقيم ببلدة فإن ذلك لمضائي وبعد همتي كالسيف الحاد إذا أغمد أكل غمده، واندلق منه. وقال ابن جني: الذي ترينه من شجوي وتغيري إنما هو لمواصلة السير والطواف في البلاد لبعد همتي، كالسيف الحاد إذا كثر سله وإغماده أكل جفنه. قال الواحدي: وليس مما ذكره شيء في البيت، لكنه ما هجس له في خاطره فتكلم به، وإما — من فإما — هي إن الشرطية، وما الزائدة:
(٦١٦) العقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة، يقال: نزل بعقوته: [إذا نزل بفنائه قريبًا منه.] يقول: إذا كان يوم الطعان أطعمت الرماح جلدي وجعلته وقاية لعرضي: يعني أنه يؤثر وقوع الرماح في جلده على أن يهرب فيعاب عرضه بالهرب. وهذا من قول الجاهلي:
أَخُو الْحَرْبِ أَمَّا جِلْدُهُ فَمُجَرَّحٌ
كَلِيمٌ، وَأَمَّا عِرْضُهُ فَسَلِيمُ
(٦١٧) النجائب: جمع نجيبة، وهي الناقة الكريمة: وفكر في الشيء وأفكر فيه وتفكر بمعنًى. يقول: إن هذه النجائب يمضين بي مصممات لا يلتفتن إلى نحس ولا سعد فتتبدل علي بمضيهن الأيام والمعايش والديار، وكذلك المسافر له كل يوم منزل وأصحاب.
(٦١٨) وأوجه: عطف على نجائب. وأراد بالفتيان: غلمانه الذين يسيرون معه. يقول: تبدل أيامي نجائب وأوجه فتيان: أي أنا أبدًا مسافر على هذه النجائب في صحبة هؤلاء الفتيان الذين ألفوا الأسفار، ومن ثم لا يبالون بالحر والبرد، وإنما تلثموا على وجوههم لشدة حيائهم، لا اتقاء الحر والبرد، والحياء شيمة الكرام.
(٦١٩) الشيمة: الطبيعة والخلق والعادة. والأسد الورد: الذي في لونه حمرة مثل الورد؛ يمدح الحياء يقول: إن الذئب المعروف بالخبث والمساوئ ليس الحياء من شيمته وإنما شيمته القحة، ولكن الحياء شيمة الأسد، وذلك أن في طبعه كرمًا وحياءً، فيقال: إن من واجهه وأحد النظر في وجهه استحيا منه ولم يفترسه. والمعنى أن حياءهم ليس بمزرٍ بهم، كما أنه لا يزري بالأسد حياؤه، يصفهم بالإقدام مع فرط الحياء.
(٦٢٠) يقول: إنهم من الشجاعة والإقدام بحيث إذا مروا في أسفارهم بدار قوم لم يكن بينهم وبين قطانها مودة يجوزون أرضهم بها جازوها برماحهم، ولم يخافوا أهل تلك الناحية، ثم قال: والخوف خير من الود، أي أن تُخاف خير من أن تُحب؛ لأن من أطاعك خوفًا منك أبلغ طاعة ممن يطيعك مودة، كما تقول العرب: رهبوت خير من رحموت؛ أي لأن ترهب خير من أن ترحم. وقال ابن جني: إذا خافوا من عدو اعتصموا منه بالقنا … قال ابن فورجه ناقدًا: أين ذكر خوفهم العدو، وأين ذكر الاعتصام؟ إنما يقول: إذا لم يمكنهم أن يجتازوا على ديار بالمودة حاربوا فيها وجازوها.
(٦٢١) حاد عن الشيء: تباعد عنه وتجنبه. وتوفَّر على الشيء: صرف همته إليه. يقول: إن هؤلاء الفتيان يجتنبون من يهزل من الملوك؛ أي الذي عمله اللهو من طراد وشراب وما إليهما، ويأتون من توفر على الجد وترك اللهو، يعني ابن العميد.
(٦٢٢) الأساود: الأفاعي. يقول: من جعل اسم ابن العميد صاحبًا له في سفره أمكنه السير بين أنياب الحيات والأسود؛ يعني إذا عرف المسافر بأنه يقصده وينتسب إليه لم يتعرض له أحد هيبة له ورهبًا. فالأساود والأسد مثل لمن تُخشى غائلته. وعبارة الخطيب التبريزي: من نسب إليه في خدمة أو زيارة أو مدح فإنه ناج من المخافة لا يقدم عليه أحد. وفي الكلام حذف، تقديره: يسر بين أنياب الحيات والأسود ناجيًا سالمًا آمنًا من المخافة.
(٦٢٣) الوحِي: السريع. والدرد: جمع أدرد، وهو الذي ذهبت أسنانه. وهذا البيت مرتب على الطي والنشر، وهو تقرير للبيت السابق. يقول: إن من يستصحب اسم ابن العميد لا يعمل فيه سم الأفاعي السريع ولا أنياب الأسود حتى لكأنها درد. ويمر ويعبر: في موضع الحال من قوله: «يسر»؛ أي يسر مارًّا عابرًا. ولك أن تجعل يمر بدلًا من يسر.
(٦٢٤) يقول: ببركته أخصب الربيع وكثر مطره ورعده فأغنانا عن تجشم حداء الإبل في المسير إليه؛ لأن الرعد أغنى غناء الحداء. فالعيس: الإبل. وكفانا العيس، أي: كفانا حداءها. والحداء: سوق الإبل بالغناء. وقوله: من بركاته — أي بركات الممدوح — تعليل لكفى.
(٦٢٥) يعرض نفسه: حال. وكرعن: شربن، وأصله من إدخال أكارع الشاربة في الماء للشرب. والسبت: جلود البقر المدبوغة بالقرظ، تحذى منه النعال السبتية. يقول: إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول فصارت لكثرتها كأنها تعرض نفسها عليها، فأجابتها الإبل، وأقبلت عليها للشرب كرعت منها بمشافر لينة كالسبت (هم يشبهون المشفر بالسبت في لينه، قال طرفة بن العبد:
وَخَدٌّ كَقِرْطَاسِ الشَّآمِي وَمِشْفَرٌ
كَسِبْتِ الْيَمَانِي قَدُّهُ لَمْ يُحَرَّدِ
لم يحرد: روي بالحاء المهملة، وعليها اقتصر الخطيب التبريزي. قال: أي لم يمل؛ يصف أنها شابة فتية، وذلك أن الهرمة والهرم تميل مشافرهما. وروى: لم يجرد بالجيم؛ أي أن شعره عليه.) وقد أحدق الورد — والمراد الزهر أيًّا كان — بذلك الماء، فصار كأنه إناء له. وقد روي البيت: إذا ما استحين، بدل: إذا ما استجبن، وكرعن بشيب، بدل: بسبت. واستحين: من الحياء، والشيب: صوت مشافر الإبل عند الشرب. قال في اللسان: والشيب — بالكسر — حكاية صوت مشافر الإبل عند الشرب. قال ذو الرمة يصف إبلًا تشرب في حوض متثلم، وأصوات مشافرها شيب شيب:
تَدَاعَيْنَ بِاسْمِ الشِّيبِ فِي مُتَثَلِّمِ
جَوَانِبُهُ مِنْ بَصْرَةٍ وَسَلَامِ
(من قصيدة لذي الرمة يمدح بها إبراهيم بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وقبله:
وَكَمْ عَسَفَتْ مِنْ مَنْهَلٍ مُتَخَطَّأٍ
أَفَلَّ وَأَقْوَى فَالْجِمَامُ طَوَامِي
إِذَا مَا وَرَدْنَا لَمْ نُصَادِفْ بِجَوْفِهِ
سِوَى وَارِدَاتٍ مِنْ قَطًا وَحَمَامِ
إِذَا سَاقِيَانَا أَفْرَغَا فِي إِزَائِهِ
عَلَى قُلُصٍ بِالْمُقْفِرَاتِ حِيَامِ
تَدَاعَيْنَ بِاسْمِ الشَّيْبِ
… … … البيت.
يصف قطعه القفار على إبله، و«العسف»: الأخذ على غير هدى، والضمير إلى الإبل، و«المنهل»: المورد، و«المتخطأ»: الذي تخطأه الناس فلم ينزلوه، و «أفل»: أي لم يصبه المطر، و«أقوى»: خلا، و«الجمام»: جمع «جمة»؛ المكان الذي يجتمع فيه ماؤه، و«طوامي»: مملوءة، و«ساقيانا»: أي اللذان يستقيان من البئر، و«الإزاء»: مصب الماء في الحوض، و«على قلص»: صلة أفرغا، و«القلص»: جمع «قلوص»؛ الناقة الشابة، و«الحيام»: جمع «حوم» القطيع الضخم من الإبل، وبالمقفرات: صفة لقلص، و«تداعين»: أي دعا بعض القلص بعضًا، و«الشيب» — كما قلنا — حكاية أصوات مشافر الإبل عند الشرب، والصوت: شيب شيب، جعل هذا الصوت مما يدعوهن إلى الشرب، و«المتثلم» أراد: في حوض متثلم.)
البصرة: حجارة رخوة إلى البياض. والسلام بكسر السين: الحجارة الصلبة.
(٦٢٦) الجو هنا: ما اتسع من الأودية، كما جاء في قول طرفة:
خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي
والرفد: العطاء. يقول: إن كل موضع نزلناه في طريقنا إليه أصبنا به ماءً وكلأً. فكأن الأرض أرادت أن نشكرها عنده تقربًا إليه.
(٦٢٧) الرغائب: جمع رغيبة؛ الأمر المرغوب فيه. يقول: لنا في ترك غيره من الملوك وقصدنا إليه، مذهب الزهاد الذين يزهدون في الدنيا لينالوا خيرًا مما تركوا في الآخرة، وذلك لأنا نصيب منه أكثر مما نصيب من سواه، فنحن إنما نطلب الرغائب عنده بزهدنا في غيره.
(٦٢٨) يرجون: أي العباد، وبأرجان: صلة رجونا، وأرجان: هي أرجان بتشديد الراء بلد بفارس، يقيم فيه ابن العميد، وخفف الراء للضرورة. يقول: رجونا أن ننال لديه من النعيم ما يرجو العباد نيله في جنة الخلد، وذلك أنه محقق رجاء من يرجوه، ومن ثم نرجو ببلده ما يرجو العباد في الجنان حتى كدنا لا نيأس من الخلود فيها؛ لأنها كالجنة التي هي دار الخلود.
(٦٢٩) تعرض بحذف إحدى التاءين: أي تتعرض؛ أي توليهم عرضها، أي جانبها. والمعنى: تعرض عنهم وتزورُّ. يقول: إن خيله تزور عن زواره خوفًا ونفارًا كما تفعل الوحش تخاف طرد الصائد؛ وذلك لأنها تتوقع أن يهبها لهم، وهي لا تبغي مفارقته. قال العُكْبري: ليس في هذا البيت حسن مدح … ولو عكس المعنى وقال: إن خيله تفرح بالزوار — كي يهبها لهم لتستريح من الكد وملاقاة الحروب — لكان أمدح. هذا، والطرد — بفتح الراء وسكونها — لغتان فصيحتان.
(٦٣٠) المشيح: المجد المسرع الحذر. قال ابن الإطنابة:
وَإِقْدَامِي عَلَى الْمَكْرُوهِ نَفْسِي
وَضَرْبِي هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ
وشايح الرجل: جد في الأمر. قال أبو ذؤيب الهذلي يرثي رجلًا من بني عمه، ويصف مواقفه في الحرب:
وَزَعْتَهُمْ حَتَّى إِذَا مَا تَبَدَّدُوا
سِرَاعًا وَلَاحَتْ أَوْجُهٌ وَكُشُوحُ
بَدَرْتَ إِلَى أُولَاهُمُ فَسَبَقْتَهُمْ
وَشَايَحْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ إِنَّكِ شِيحُ
وقال ابن الأعرابي: الإشاحة: الحذر، وأنشد لأوس بن حجر.
فِي حَيْثُ لَا تَنْفَعُ الْإِشَاحَةُ مِنْ
أَمْرٍ لِمَنْ قَدْ يُحَاوِلُ الْبِدَعَا
«والإشاحة: الحذر والخوف لمن حاول أن يدفع الموت ومحاولته دفعه بدعة.» قال: ولا يكون الحذِر بغير جِد مشيحًا، وأشاح بوجهه عن الشيء: نحاه وجدَّ في الإعراض. والورود والورد: إتيان الماء. يقول: وتلقى خيله المنايا في الحرب مجدة مسرعة إليها كما ترد القطا الماء مسرعة في الورود. وجعلها صمًّا كي لا تسمع شيئًا تتشاغل به عن الطيران فيكون أسرع لها.
قال:
رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطَاةٍ صَمَّا
كَدِرِيَّةٍ أَعْجَبَهَا بَرْدُ الْمَا
والنواصي: جمع ناصية، شعر مقدم الرأس. وتشايحن: تسارعن. وقوله: ورود: مفعول مطلق لتلقى.
(٦٣١) يقول: إن أفعال سيوفه تنسب نفوسها إليه؛ أي أنها حصلت بقوته وأيده، وتُنسب السيوف إلى الهند؛ أي أنها عملت فيها، يعني أن ضربات سيوفه لجودتها دلت على أنها حصلت بكف الممدوح، ودلت أيضًا على أنها حصلت بسيف هندي؛ أي أنه اجتمع فيها قوة الضارب وجودة النصل. فالضمير في نفوسها وفي ينسبن: عائد على الأفعال. وقال ابن جني: أفعال السيوف أشرف من السيوف، وأفعالها تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته وتُنسب السيوف إلى الهند، ألا ترى أنه يقال: سيف هندي وسيف يمانٍ؟ وفعل السيف أشرف منه؛ لذلك أنت أشرف من الهند … قال ابن فورجه: قد خلط ابن جني حتى لا أدري أي أطراف كلامه أقرب إلى المحال؟ ولم يجر ذكر التشبيه، وإنما يقول: إنها تنسب أفعالها إليه؛ أي تقول: هذه الضربة العظيمة من فعله لا من فعلنا، وهذا كقوله:
إِذَا ضَرَبَتْ بِالسَّيْفِ فِي الْحَرْبِ كَفُّهُ
تَبَيَّنْتَ أَنَّ السَّيْفَ بِالْكَفِّ يَضْرِبُ
والمعنى أنها تنسب الفعل إلى كفه وتنسب السيوف إلى الهند. وهذا معنى لطيف، يقول: إن ضربة السيف العظيمة تنسب نفسها إليه؛ لأنها حصلت بقوته، وتنسب السيف أيضًا إلى الهند؛ لأنها دلت على جودة ضربته وعمله، فالضربة قد دلت على قوة الضارب ودلت على جودة السيف، وليس في هذا البيت أنه أشرف من الهند.
(٦٣٢) البيض: السادة، من قوله: فلان أبيض: أي نقي العرض كريم. وفلان يمت إلى فلان بكذا: يتقرب به إليه. والقتو: الخدمة، وقيل: حسن خدمة الملوك، والمقتوي: الخادم، والجمع: مقتوون، قال عمرو بن كلثوم:
تُهَدِّدُنَا وَتُوعِدُنَا رُوَيْدًا
مَتَى كُنَّا لِأُمِّكَ مُقْتَوِينَا؟!
يقول: إذا تقرب الأشراف إليه بخدمته حصل لهم نسب أعلى وأشرف من نسب الأب والجد: أي إنهم يصيرون بخدمته، أعز منهم بآبائهم وأمهاتهم.
(٦٣٣) العدوى: أن يعدي الشيء الشيء فيصير مثله. والرمد: جمع رمد وأرمد؛ وهو المريض العين بالرمد. يقول: إن عينه فاتت العدوى فلم يعدها رمد غيرها. وهذا مثل، يعني: أنه تنزه عن عمى الناس عن دقائق الكرم فلم يعده هذا العمى النفسي؛ أي لم تعده عيوب الناس على كثرتها، فهو بصير بالمكارم طب بها والناس عمي عنها. ثم قال في البيت الثاني: هو أجمل من سائر الناس خلقًا وأنبل خلقًا ورتبة، فهو أجل من أن يعديه الناس بشيء حتى يشاركهم في خلالهم، ومن أن يعديهم هو؛ لأنه شآهم وفات طورهم إلى ما ليس في مكنتهم الوصول إليه من الأخلاق العالية النبيلة.
(٦٣٤) يقول: إنه يغير على أعدائه ألوان الليالي، فإذا كانت مظلمة صيرها مشرقة منيرة ببريق أسلحة جيوشه التي هي منشورة الرايات — أي الأعلام — منصورة الجند، وإذا كانت الليالي مقمرة جعلها مظلمة بسواد النقع — الغبار — وقال بعض الشراح: لكثرة عساكره إذا سارت بالليل أوقدت المشاعل؛ إما للاستضاءة، وإما لإحراق ديار الأعداء فحينئذٍ تنجاب الظلمة.
(٦٣٥) الكتائب: جمع كتيبة، وهي الجماعة من الخيل. وردى يردي: أسرع، من ردت الخيل رديا ورديانا؛ رجمت الأرض بحوافرها في سيرها وعدوها. يقول: إن جيوشه إذا أتت الأعداء في ديارهم قبل الصبح أسرعت إليهم إسراعًا لا يسرعه الصبح فأتت عليهم — أهلكتهم — قبل أن ينبثق ضوءُه.
(٦٣٦) ومبثوثة: عطف على كتائب، وهي الغارة التي تشن. والغور: ما انخفض من الأرض. والنجد: ما ارتفع.
يقول: ورأوا خيلًا متفرقة في كل ناحيه لا يستطيعون أن يتوقوها بالطلائع — وهي التي ترسل لتستطلع طلع العدو — لأنهم لا يشعرون إلا وقد دهمتهم، ولا أن يتحرزوا منها بمنخفض من الأرض أو مرتفع منها.
(٦٣٧) يغصن: أي خيله، من الغوص. وقوله: في متفاقد؛ أي في جيش يفقد بعضه بعضًا لكثرته واضطرابه، كما قال الآخر:
بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حُجُرَاتِهِ
فقوله: من الكثر؛ أي لأجل كثره. وغان: أي مستغنٍ. والحشد: الجمع. يقول: إذا عادت سراياه أو خيله إلى معسكره الذي بلغ من الكثرة وترامى الأطراف مبلغًا يفقد فيه الشيء فلا يوجد، والذي استغنى بعبيد الممدوح عن أن يحشد إليه الغرباء — إذا عادت إليه سراياه أو خيله بعد تفرقها غاصت وبانت ضآلتها بالقياس إلى جمهرة المعسكر وتوافره وهذه الجيوش المتكاثرة كلها عبيد الممدوح ليسوا أوباشًا أخلاطًا، وروي بدل يغصن: يغضن — من غاض الماء: نقص — يعني أن هذه السرايا إذا تغلغلت في سائر جيشه غابت فيه لكثرته كالماء إذا غاض في الأرض.
(٦٣٨) حثت: أي ذرَّت وسفت وأطارت، وقوله: في غباره؛ أي غبار المعسكر المتفاقد، وهن — أي: الترب — جمع التربة. والطرائق: الخطوط. والبرد: الثوب المخطط. يقول: إن جيشه — لبعد غزواته وكثرة أسفاره — يمر بأمكنة مختلف ترابها فيثير نقع كل مكان فتختلف ألوان غباره حتى تصير كخطوط البرد: منها أسود، ومنها أحمر، ومنها أبيض، ومنها أصفر، وهذا معنى حسن.
(٦٣٩) المهدي: هو الذي يظهر آخر الزمان ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، كما هو معروف لدى المسلمين على خلاف في ذلك، كما هو مبسوط في مقدمة ابن خلدون، فراجعها إن شئت. يقول: إن كان المهدي الموعود هو من ظهر سمته وصلاحه وهداه، فهذا الذي نراه — أي الممدوح — هو المهدي الموعود، وإن لم يكن هو الموعود فالذي نراه — من تقواه وحسن سيرته — هو الهدى كله، فما معنى المهدي بعد هذا؟
(٦٤٠) يعللنا: أي يلهينا ويشاغلنا. والنقد: خلاف الوعد؛ أي العتيد الحاضر. يقول: إن الزمان يعدنا خروج المهدي فيعللنا بوعد طويل ويخدعنا عما عنده من النقد بالوعد، يريد: إن الممدوح هو المهدي نقدًا حاضرًا، وانتظار ظهوره خداع وتعليل.
(٦٤١) الاستفهام هنا إنكاري. وأم: بمعنى بل، التي للإضراب. يقول: لا ينبغي أن يظن أن الخير والرشد المنتظرين من المهدي هما شيء آخر غير الخير والرشد الحاضرين؛ لأن الشيء لا يغاير نفسه، وإذن: فالخير والرشد ماثلان في الممدوح، وما ينتظر من المهدي ماثل فيه، فلم لا يكون هو المهدي؟
(٦٤٢) أحزم: نصب، على أنه منادى مضاف، وهو أفعل تفضيل، وكذلك ما بعده. والحزم: سداد الرأي. واللب: العقل. وجلوسًا: تمييز. والركبة: هيئة الركوب. يقول: يا أحزم ذوي العقل وأكرم ذوي الأيادي — النعم — وأشجع الشجعان وأرحم الراحمين وأحسن من تعمم — لبس العمامة — وجلس على المنبر، وأحسن الناس ركوبًا على الفرس النهد — الجسيم الحسن العالي — فقوله: على المنبر العالي … إلخ: من باب الطي والنشر. وقال ابن جني: شبه ارتفاع مجلسه بالمنبر، ولم يكن ذا منبر ولا خطيبًا في الحقيقة … قال ابن فورجه: ظن ابن جني أن الخطبة عيب الممدوح، وما ضر ابن العميد أن يدعي له المتنبي أنه يصعد المنبر ويخطب قومه كالخليفة في الناس؟!
(٦٤٣) يقول: حمدنا الأيام على أن جمعت بيننا فلم تدم لنا ذلك الحمد؛ لأنها أحوجت إلى الرحيل والانصراف عنك، فمفعول حمدنا: محذوف، تقديره: حمدناها، أو حمدنا الأيام. وقوله: بالجمع بيننا، تعظيم لنفسه؛ لأن معناه أن ابن العميد كان يحب الاجتماع معه، كما كان المتنبي يحب ذلك. وكذلك قوله: حمدنا، إذ جعل الحمد منهما، فهو بذلك يعظم من حال نفسه.
(٦٤٤) يقول: إن الأيام جعلت وداعي لك وداعًا لثلاثة أشياء، هي: جمالك والعلم المبرح والمجد، وكل واحد منها يعز على فراقه. هذا، ولم يصف أحد العلم بأنه مبرح غير أبي الطيب، إنما يستعمل التبريح فيما يشتد على الإنسان، يقال: وجْد مبرح مثلًا، فلعله من قولهم: برح الخفاء؛ أي انكشف، أي: العلم الذي يكشف عن الحقائق. أو تقول: العلم المبرح فراقي إياه.
(٦٤٥) المنى: جمع منية، وهي الشيء الذي تتمناه. يقول: إنني أدركت عندك من الغنى والسعادة ونيل المراد ما كنت أتمناه، ولكن إذا انفردت به واستأثرت دون أهلي ولم أرجع إليهم، عيروني بتلك الأثرة والأنانية.
(٦٤٦) قوله بمصبحي: متعلق بالسرور، وهو مصدر بمعنى الإصباح. والضمير في قوله: بعده وفي يرى، راجع لكل، وفي مثله: راجع لمن من قوله: من لا يرى. يقول: كل من شاركني في السرور بإصباحي عنده حين أعود إليه من أهلي وغيرهم ورأى ما أوتيته، أرى منك اليوم يا ابن العميد بعد مفارقتي إياه إنسانًا لا يرى هو مثله؛ لأنه لا نظير لك في الدنيا، يعني أنه مع سروره بالعودة إلى أهله وغير أهله وسرورهم به، فإنه مع هذا السرور لا يزال منغصًا لفراق ابن العميد؛ لأنه لا يرى عندهم بعد عودته إليهم رجلًا آخر مثله.
(٦٤٧) يقول: إنني أفارقك وأرتحل عنك وأخلف قلبي لديك؛ لأنك أغدقت علي أفضالك فأسرت قلبي. وهذا معنى متداول.
(٦٤٨) يقول: لو فارقت نفسي حياتها إليك وآثرت البقاء لديك على الحياة معي لقلت: إنها أصابت فيما فعلت ولم أنسبها إلى سوء العهد؛ لأنك أبر بها مني.
(٦٤٩) يقول مخاطبًا خيال المحبوب: أزائرًا جئتني أيها الخيال أم عائدًا؟ أي أني مريض من الحب فأنا خليق منك بالعيادة، ثم قال: أم عند مولاك — أي صاحبك، وهو الحبيب الذي أرسلك إلي — أني راقد؟ أي أم اعتقد مولاك أنني راقد فأرسلك إلي على هذا الاعتقاد؟
(٦٥٠) قاصد: حال، سكنه للضرورة، واسم ليس: ضمير الشأن. وغشية عرضت: جملة مستأنفة. يقول: ليس الأمر على ما ظن من أنني راقد حين زرتني، وإنما هي غشية — أي: همدة لا رقدة — أدركتني من الألم، فجئتني في خلال تلك الغشية. يريد أنه لم يكن نائمًا، وإنما يزور الخيالُ النائمَ.
(٦٥١) الناهد: الشاخص. يقول: عد أيها الخيال ثانية وأعد الغشية التي لحقتني وإن كان فيها تلفي، فحبذا تلف يكون سببًا لقربك ومعانقتك. قال الواحدي: وكان من حقه أن يقول للغشية: عودي وأعيدي الخيال؛ لأن الغشية كانت سبب زيارة الخيال، لا الخيال سبب لحاق الغشية؛ ولكنه قلب الكلام في غير موضع القلب. وهذا بديع من الواحدي.
(٦٥٢) جدت فيه: عطف على ألصق في البيت السابق — والضمير: للتلف. وثغر شتيت: مفرق مفلج، والمؤشر: الذي فيه أشر؛ أي تحزيز. يقول: وحبذا هذا التلف الذي جدت فيه بما يضن به مولاك من تقبيل الثغر المفلج المحزز البارد الريق، يريد أنه قبل الطيف وارتشف رضابه.
(٦٥٣) يقول: إذا ألمت بنا خيالات الحبيب وزارتنا فحمدت زيارتها، أضحك الحبيب ذلك الحمد؛ لأن الخيال في الحقيقة ليس بشيء. هذا، والخيالات يجوز أن يكون جمع خيالة، قال أبو تمام:
فَلَسْتُ بِنَازِلٍ إِلَّا أَلَمَّتْ
بِرَحْلِي أَوْ خَيَالَتُهَا الْكَذُوبُ
(وقيل: إنما أنث على إرادة المرأة.)
ويجوز أن يكون جمع خيال كجواب وجوابات، والخيال والخيالة: ما تشبه لك في اليقظة والحلم من صورة، أو الشخص والطيف.
(٦٥٤) الأرب: الحاجة. يقول: وقال الحبيب: إذا كان قد أدرك حاجته منا بزيارة الخيال فلم زاد شوقه إلينا؟ وسكن «زائد» للقافية.
(٦٥٥) يقول: وعلى هذا لا أجحد فضل الخيالات؛ لأنها فعلت من الزيارة ما لم يفعله الحبيب، ولم يعد به، فضلًا أنه يفعله.
(٦٥٦) نافد: أي فانٍ ذاهب. قال الأسود بن يعفر الإيادي:
وَأَرَى النَّعِيمَ وَكُلَّ مَا يُلْهَى بِهِ
يَوْمًا يَصِيرُ إِلَى بِلًى وَنَفَادِ
يقول: إنه لا فراق بين الحبيب وبين خياله؛ لأن كلا منهما لا يدوم وصاله، إذا واصل لا يعتم أن يصرم فلا يبقى إلا خيالًا. وقال ابن جني: لا فرق بينها وبين خيالها؛ لأن كل شيء إلى نفاد ما خلا الله وحده … قال ابن فورجه — وما أمر نقده: هذه موعظة وتذكرة، وإنما يقول: هذه المرأة لو واصلت لم يدم الوصال، كما أن خيالها إذا وصل لم يدم، وأما قوله: كل خيال، فهو الذي غلط أبا الفتح وكلفه أن يورده ما أورده، وإنما عنى بكل: كلا من المذكورين، كما تقول: خرج زيد وعمرو وكلٌّ راكب، والكل يستعمل في الاثنين كما يستعمل في الجمع، ولما قال: لا تعرف العين فرق بينهما، عُلم أنه يشير بالكل إليهما، لا إلى جماعة غيرها، وأبو الطيب في غزل وتشبيب؛ فما معنى الموعظة هنا؟ ويقول: كل شيء فانٍ إلا الله؟ وما أقبح ذكر الموت والمواعظ في الغزل والتشبيب. هذا، وقوله: فرق بينهما أراد لا تعرف العين فرقًا بينهما، فأضاف على سلخ بين عن الظرفية.
(٦٥٧) يخاطب حبيبته. والطَّفلة: الناعمة الرخصة. والعبلة: الممتلئة. والبعير المقلد: أي الذي عليه قلائد؛ أي من العهن — الصوف — والواخد: أي المسرع في السير. والبيت مصرع، قال العكبري: وهذا البيت رديء لو قيل في زماننا لهرب قائله من الحياء.
(٦٥٨) يقول: إن أذاك مستحلي؛ لأن الحبيب يحلو لي منه كل شيء يصدر عنه، قال: زيديني أذًى أزدك هوًى وحبًّا؛ لأن العاشق لا يحقد على محبوبه، فإن حقد عليه شيئًا كان ذلك منه جهلًا وعدم معرفة بمقامات الهوى.
(٦٥٩) حكيت: أشبهت، أو مثلت، والفرع: الشعر. والوارد من الشعر: الطويل المسترسل. والنوى: البعد. والساهد: الساهر. يقول: أشبهت يا ليل شعرها في السواد فأشبه بعدها عني؛ أي ابعد عني كما بعدت ولا تطل علي.
(٦٦٠) يقول: طال بكائي لأجلها وطلت — أيها الليل — حتى كلاكما واحد في الطول، وروى ابن جني: تذكُّره؛ أي الفرع.
(٦٦١) حائرة: حال. وقوله: ما لها قائد: حال من العمى. يقول: لم حارت النجوم فلا تسري لتغيب، كأنها العمى ليس لها من يقودها؟ يريد: طول الليل وأن النجوم كأنها واقفة. وهذا من قول بشار:
وَالنَّجْمُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ
أَعْمَى تَحَيَّرَ مَا لَدَيْهِ قَائِدُ
(٦٦٢) أو عصبة: عطف على العمى. وواجد: غضبان. يقول: أو كأنها جماعة من ملوك النواحي قد غضب عليهم أبو شجاع فبقوا حيارى رهبة وفرقًا. وفي هذا البيت من البديع حسن التخلص. هذا، ولعل الناظر في ديواننا يلحظ أنا اتبعنا في مثل عليهم قراءة أبي عمرو بن العلاء أن نكسر الميم لاتباع كسرة الهاء، وإن كان الأكثرون على ضمها. وفي ذلك يقول علماؤنا: إذا تحركت الميم عند التقاء الساكنين تحرك بالضم والكسر، والضم أولى من الكسر، والكسر لإتباع كسرة الهاء. وقد قرأ القراء الستة — سوى أبي عمرو — «عليهم الذلة» بضم الميم، وما أشبهه حيث وقع، وكسره أبو عمرو.
(٦٦٣) الطريف: المكتسب. والتالد: الموروث. يقول ذاكرًا سبب تحيرهم: إنهم لا يجدون منه ملجأً لا بالهرب؛ لأنهم لو هربوا أدركهم وأوقع بهم، ولا بالإقامة؛ لأنهم لو أقاموا خشوا أن يغير عليهم فلا يبقي على شيء.
(٦٦٤) يقول: إن هؤلاء ملوك النواحي يرجون عفو هذا الملك المبارك ذي الجود والمجد.
(٦٦٥) الأبلج: المشرق الوجه. وعاذت: لجأت. وراعها: أفزعها. والحابل: الذي ينصب الحِبالة؛ وهي الشرك. يقول: إنه عزيز الجانب مهيب، من لجأ إليه أو استأمن بذكره أمن حتى الطير والوحش.
(٦٦٦) كل ساعة: فاعل تهدى. والجحفل: الجيش. والبائد: الهالك. يقول: لا تمر ساعة إلا وتهدي إليه خبرًا عن جيش من جيوش أعدائه قد هلك تحت سيفه؛ يعني تتابع أخبار فتوحه لكثرة سراياه إلى النواحي.
(٦٦٧) وموضعًا: عطف على خبرًا — في البيت السابق — والموضع: المسرع في سيره. والفتان: غشاء للرحل من أدم. والناجية: الناقة السريعة. والهامة: الرأس. والعاقد: عاقد التاج. يقول: وتهدي له كل ساعة رسولًا مسرعًا في رحل ناقة خفيفة يبشره بقتل عدو وفتح ناحية، وأخذ ملك ذي تاج يحمل إليه رأسه وتاجه، وكان قد ورد الخبر على عضد الدولة بهزيمة وهشوذان بعد الكرة الأولى وضربت الدبادب (الدبادب: الطبول، وأصل الدبدبة: الصياح والجلبة) على باب عضد الدولة، وهذا ما يشير إليه المتنبي.
(٦٦٨) العاضد: المعين، وبه: صلة العاضد، والباء للاستعانة. والساري: السائر ليلًا. ويبعث: يثير. والهاجد: النائم. أي: يا عضد الدولة التي يعضدها الله سبحانه به، ثم قال: ويا من تسري فتقطع الصحاري بجيوشك فتثير القطا عن أفاحيصها وهي نائمة؛ يريد كثرة غاراته وسيره إلى الأعداء ليلًا.
(٦٦٩) يقال: برقت السماء ورعدت، وأبرقت وأرعدت (خلافًا للأصمعي فإنه لا يجيز أبرقت وأرعدت.) يقول: أنت تمطر الموت على أعدائك بالقتل، وتحيي أولياءك بالبذل والإحسان، فكأنك سحاب يمطر الموت والحياة، غير أنه لا برق لك ولا رعد، يعني أنك تفعل ذلك على غير احتفال ولا استعداد.
(٦٧٠) وهشوذان: هو ملك الديلم. ويقال: نال من عدوه: إذا أنزل به كيده. وقوله: من مضرة: صلة أحد الفعلين على التنازع. وقوله: ما نال مفعول نلت الثاني، يضعف رأي وهشوذان بأنه جنى على نفسه الشر بمحاربة ركن الدولة، يقول: نلت من وهشوذان وألحقت به المضرة ما أردت، وما بلغت من مضرته ما بلغ رأيه؛ يعني أن فساد رأيه كان أبلغ في مضرته من قتالك له، وهذا من قبيل قوله:
مَا يَبْلُغُ الْأَعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ
مَا يَبْلُغُ الْجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ
وقد ذكر فساد رأيه في البيت التالي.
(٦٧١) الضمير في غايته للكيد، والغاية: المنتهى. والكائد: صاحب الكيد. وأراد بغاية الكيد: الحرب، كما بين ذلك في عجز البيت. يقول: إنه بادر إلى محاربتكم من أول وهلة فابتدأ الكيد من آخره؛ لأن الحرب لا يلجأ إليها إلا إذا لم تجْدِ الوسائل؛ يعني أنه كان الأحزم له أن لا يحاربكم إلا إذا اضطر إلى المحاربة.
(٦٧٢) ذم: عطف على أتى. والوافد: الذي يفد طلبًا للعطاء، وأراد وافدًا بالنصب، ولكنه وقف عليه بالإسكان ضرورة. وبلا سلاح: متعلق بأتى. يقول: الذي أتاكم محاربًا ثم ذم ما اختاره من حربكم لإخفاقه، ماذا كان عليه لو جاءكم سائلًا، واستعان عليكم بالرجاء بدل السلاح؛ إنه لو فعل ذلك لفاز ورجع غانمًا راشدًا.
(٦٧٣) يقارع: يحارب، من المقارعة بالسلاح. والمسود: الذي ساده غيره، والسائد: الذي ساد غيره. يقول: من يحاربكم ويتمرد عليكم يحاربه الدهر على مقداره رئيسًا كان أو مرءوسًا. وفي هذا المعنى نظر إلى قول محمد بن وهيب، قال العكبري: كتبت جارية إلى مولاها — وقد باعها، وكانت تهواه: وهب الله لطرف يشكو إليك الشوق حظًّا من رؤيتك، فما أشبه إبعاد الدهر لي عنك إلا بقول محمد بن وهيب:
وَحَارَبَنِي فِيهِ رَيْبُ الزَّمَانِ
كَأَنَّ الزَّمَانَ لَهُ عَاشِقُ
(٦٧٤) وليت: توليت. والداني: القريب. والشاهد: الحاضر. يقول: توليت فناء عسكر وهشوذان في اليومين اللذين انهزم فيهما، وأنت لم تحضر القتال في الموقعتين بنفسك ولم تكن قريبًا منهما، يعني أنه كتب لك النصر فيهما وإن كنت غائبًا؛ لأن سعدك ناب عنك في قتالهم، كما قال في البيت التالي. وعبارة الواحدي: يريد اليومين اللذين هزم فيهما أبوه وهشوذان، ولم يكن عضد الدولة فيهما، بل كان أبوه هو الذي هزمه؛ يريد أن من هزمه جيش أبيك فقد هزمته أنت.
(٦٧٥) يقول: وإن لم تحضر القتال فقد كان لك فيه خليفتان؛ جيش أبيك، وحظك الصاعد في مراقي السعد، فكأنك لم تغب؛ لأنه إذا حصل النصر بهذين فكأنه حصل بك.
(٦٧٦) وكل: عطف على جيش — في البيت السابق — والخطية المثقفة: الرماح المقومة المستوية. والمارد: الذي لا يطاق خبثًا وعتوًّا. يقول: وكان خليفتك في القتال الرماح المقومة يهزها رجل مارد على فرس أو على رجل مارد مثله. قال العكبري: وهو أبلغ إذا لقي الشجاع شجاعًا مثله، وهذا تفصيل بعد إجمال؛ لأن هؤلاء كانوا من جيش أبيه وقد ذكرهم.
(٦٧٧) سوافك: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي — الخطية — سوافك … إلخ. والجاسد: اللازق الذي قد جف. يقول: هذه الرماح سوافك إذا أراقت دمًا فجف أردفته دمًا طريًّا دون أن تفصل بينهما. فقوله: ما يدعن فاصلة؛ أي من غير فصل بينهما. وقال ابن جني: أي ما يدعن بضعة أو مفصلًا إلا أسلنه دمًا. وهذا معنى بعيد.
(٦٧٨) الحائد: نائب فاعل أبدل. وجملة أبدل … إلخ: خبر دعوتها. يقول: إذا ظهرت المنايا وكشرت عن نابها عند اشتباك الجيوش دعت بأن يصير الحائد — الذي على الحياد وخام عن القتال — من جيش عضد الدولة حائنًا؛ أي هالكًا. والمعنى: أن عسكر عضد الدولة يقولون لدى الوغى: جعل الله الحائد منا هالكًا.
(٦٧٩) الضمير في بها ولها للخيل، وإن لم يتقدم لها ذكر، لدلالة القرائن. يقول: إذا علم حصن العدو أن عضد الدولة هو الذي رماه بالخيل سقط ساجدًا، وانقضت حيطانه لها هيبة له.
(٦٨٠) الطرم: قلاع وهشوذان. والعجاجة: واحدة العجاج؛ الغبار: وفلان ينشد ضالته: يطلبها. يقول: إن الطرم كانت في غبار الخيل كأنها بعير أضله طالبه، فهو ينشده؛ أي إن العجاج أحاط بها لكثرته حتى غابت فيه وخفيت عن الأنظار.
(٦٨١) تسأل: أي الطرم — قلاع وهشوذان — أو الخيل، يقول: تسأل الطرم أهل القلاع عن وهشوذان، وقد مسخته الخيل نعامة شرودًا؛ يعني أنه أسرع في الهرب كالنعامة عند إقبال خيلك خوفًا ورعبًا، والعرب تصف النعامة بشدة النفور والشرود، والنعامة تقع على الذكر والأنثى، كالبقرة والبطة والحمامة، ومن ثَمَّ وصفها بالشارد.
(٦٨٢) يقول: تخاف الأرض أن تقر به؛ أي تعترف بموضعه منها فتطأها خيلك، فكل موضع ينكره ويجحد أنه رآه، يريد شدة إمعانه في الهرب وتواريه حتى لا يهتدي أحد إلى مكانه. وقد روي بدل منكر: آنِهٌ — بالمد وكسر النون — يقال: أنَهَ يَأْنِهُ أنْهًا وأُنوهًا؛ إذا تزحر من ثقل يجده.
(٦٨٣) المشاد: البناء المرفوع المطول. والمُشيد: المعلي للبناء. وحمى: يروى على أنه فعل ماضٍ، ويروى مضافًا لمشيد، فيكون اسمًا للمكان المحمي. والمَشيد: المطلي بالشيد، وهو الجص أو الكلس، والشائد: فاعل منه. يقول: لم يحمِ وهشوذان البناء ولا الباني من بطش عضد الدولة؛ أي لم تغنِ عنه قلعته ولا جنده.
(٦٨٤) وهشوذ: ترخيم وهشوذان، يقول: كن أبدًا مغتاظًا بقوم لم يخلقوا إلا غيظًا للأعداء والحساد؛ يعني قوم عضد الدولة.
(٦٨٥) بلوك: أي اختبروك. ونابتة: مفعول ثانٍ لرأوك. والرائد: الذي يرسل في طلب الكلأ. يقول: إن هؤلاء القوم اختبروك فرأوك من الضعف والقلة بمنزلة نبات يرعاه الرائد قبل أهله. يعني أن طلائع ركن الدولة تولت حرب وهشوذان والظفر به وحدها دون أن يكون فيها ركن الدولة ولا عضد الدولة؛ لأنها رأته من الضعف بحيث لا يستأهل مسير أحدهما. فالضمير في أهله: للرائد.
(٦٨٦) وخل: عطف على اغتظ. وجبينه: فاعل دام. يقول: إن زي الملوكية لا يليق بك فاتركه لمن هو أحق به منك، فليس كل من تزيى بزي الملوك ملكًا، كما أنه ليس كل من دمى جبينه يكون ذلك من كثرة العبادة والسجود.
(٦٨٧) يعمد: يقصد. واليمن: السعد. يقول: إن كان الأمير لم يقصدك بنفسه ليحل بك ما لقيت منه، فإن يمنه قصدك؛ أي فأنت قتيل سعده وإقباله إن لم تكن قتيل سلاحه.
(٦٨٨) يقول: إذا أصبح ولم يرد عليه من يبشره بفتح قلق كأنه فقد شيئًا. وقال ابن جني: معنى كأنه فاقد؛ أي كأنه امرأة فقدت ولدها. قال ابن فورجه: مثل عضد الدولة لا يشبه بامرأة في حال من الأحوال. وليس إذا كان يقال للمرأة الثكلى: فاقد يمتنع أن يسمى الرجل فاقدًا. وقوله: لا يرى معه: جملة حالية من الصبح.
(٦٨٩) يقول: ليس من شريطة الاجتهاد نيل المراد، فقد يخيب الجاهد وينال مراده القاعد. يريد أنه ما أهلكه إلا اجتهاده في طلب الملك بتعرضه لهؤلاء القوم، فصار اجتهاده سبب فشله وخيبته؛ لأن الأمر لله، لا للمتجهد، قال عبد الله بن المعتز؛ تذل الأشياء للتقدير، حتى يصير الهلاك في التدبير.
(٦٩٠) ومتق: عطف على مجتهد. والحابض: خلاف الصارد، يقال: حبض السهم؛ إذا وقع بين يدي الرامي لضعف الرمي. والصارد: السهم النافذ في الرمية، والبيت في معنى الذي سبقه يقول: ورب متقٍ خائف على نفسه من السهام إذا رميت، فيهرب من سهم لا ينفذ إلى سهم ينفذ فيه فيكون فيه هلاكه.
(٦٩١) يقول: من قتل عدوه فلا يبالي، أقتله قائمًا أم قاعدًا. يعني أنه ما دام الغرض هو قتل العدو، فإذا كفيته بغيرك وأنت قاعد فليس ذلك بذي بال؛ أي ليس بمهم أن تقتله بنفسك. قال الواحدي: كان حقه أن يقول: لا يبال — بحذف الياء الأخيرة — للجزم، ولكنه قاس على قولهم: لا تبل، بمعنى لا تبالي، وإنما جاز ذلك لكثرة الاستعمال، ولم يكثر استعمالهم «لا يبل»، فيجوز فيه ما جاز في غيره.
(٦٩٢) يقول: إن هذا الشعر الذي أصوغه في الثناء على الممدوح هو باق مخلد في الكتب، فليته فدى الذي عمل فيه — أي الممدوح — حتى لا يهلك ويبقى خالدًا.
(٦٩٣) الدملج: ما يلبس من الحلي في العضد. يقول: جعلت مديحي حلية له كما يحلى العضد بالدملج. وهو عضد لدولة ركن تلك الدولة والد له: أي إنهما ملاك الدولة وقوامها، فهو عضدها وأبوه ركنها. وسمى شعره دملجًا لذكر العضد.
(٦٩٤) الشادن: الظبي يقوى ويطلع قرناه ويستغني عن أمه. والمقلد في الأصل: العنق؛ لأنه موضع القلاده، والمراد هنا: موضع تقليد السيف. يقول: إنه يقتل بصدوده؛ فكأنه تقلد سيفًا من الصدود. هذا، وقد جعل الواحدي — وتبعه العكبري — صدر هذا البيت قوله:
سَيْفُ الصُّدُودِ عَلَى أَعْلَى مُقَلِّدِهِ
أما العجز فقالا: إنه لم يحفظ، فقال قوم هو:
بِكَفٍّ أَهْيَفَ ذِي مَطْلٍ بِمَوْعِدِهِ
وقال آخرون هو:
يَفْرِي طُلَا وَامِقِيهِ فِي تَجَرُّدِهِ
أما الرواية التي أثبتناها فهي رواية ابن القطاع.
(٦٩٥) البتر: القطع. والتجلد: التصبر. والضمير في اهتز للسيف، وفي منه للشادن، وفي اتقاه — المرفوع — للعاشق، والمنصوب للسيف. يقول: لم يهتز هذا السيف — سيف الصدود — من الشادن على عضو من أعضاء العاشق ليقطعه إلا استقبله بتجلده وتصبره. يعني أنه كلما قصده بالصدود عارضه بالصبر.
(٦٩٦) اضطربت كلمة الشراح في هذا البيت، وأوجه المعاني أن تقول: يقول المتنبي: إن الزمان ذم إلى المتنبي العيب الذي ذمه المتنبي من بدر الزمان عند حمده هذا الرجل المسمى أحمد، وذلك العيب هو النقص والتغير اللذان في مودة الأحبة، وفي القمر بالنسبة إلى الممدوح، فأحبته يجفونه ويصدون عنه؛ والبدر — على بهائه وحسنه — دون أحمد هذا، فالضمير في بدره وأحمده للزمان، وسائر الضمائر للعاشق؛ أي المتنبي. وإليك أقوال الشراح، قال ابن جني: البدر هو المعشوق، جعله بدر الزمان مبالغة في حسنه، وأحمد هو المتنبي، وجعل نفسه أحمد الزمان، يريد ليس في الزمان أحمد مثله. والمعنى أن العاشق كان يذم بدر الزمان الذي هو كبدر الزمان حسنًا يذم منه جفاءه وهجره، واجتمع معه الزمان على تلك الحال من معشوقه في حال حمد الزمان لأحمده المتنبي؛ فالزمان يذم هجر أحبته ويحمده هو لفضله ونجابته. قال الواحدي: قد تهوس أبو الفتح في هذا البيت وأتى بكلام كثير لا فائدة فيه. ومعنى البيت: إن الزمان ذم إلى المتنبي من أحبة المتنبي؛ لأنهم يجفونه ما ذم الزمان في بدره يعني القمر في حمد أحمده، يعني الممدوح؛ والمعنى أن البدر مذموم بالإضافة إلى هذا الممدوح، يعني أن البدر على بهائه وحسنه دون أحمد هذا. وقال ابن القطاع: يريد أن الزمان يذم معه هجر أحبته كما ذم هو بدره؛ أي حبيبه.
(٦٩٧) على فرس: حال من الهاء في لاقته؛ أي: وهو على فرس. يقول: هو شمس إذا رأته الشمس وهو يجول في ميدانه على فرس مترددًا تردد نوره في هيولى الشمس؛ لأنه أضوأ منها، فالشمس تستفيد منه النور.
(٦٩٨) هكذا روى البيت سائر الشراح قائلين: إن «إن» شرطية، وجوابها: فالعبد؛ والمعنى: هو مولى الحسن، والحسن في كل أحد قبيح إلا في طلعته كالعبد لا يحسن عند كل أحد حسنه عند مولاه. وقال اليازجي: إن قوله: يقبح — في عجز البيت — خطأ في الرواية، والصواب يحسن، فتكون إن نافية؛ والمعنى: إن الحسن في غير هذا الممدوح لا يظهر قبيحًا إلا عند مقابلته بطلعته لما فيها من الكمال وفي غيرها من النقص، فكل ذي حسن إنما يستحسن عند انفراده عنه، كما أن العبد إنما يستحسن عند انفراده عن سيده، فإذا قوبل به ظهر قبيحًا بالنسبة إليه. وهذا وجه من القول حسن جميل بارع لولا الرواية.
(٦٩٩) الرفد: العطاء. ويصدر: يرجع. وطب نفسًا عنه: أي دعه ولا تطلبه. يقول: قالت العاذلة: طب نفسًا عن العطاء، أي: دعه ولا تطلبه فإنه غير مبذول. فقلت لها: إن الحر إذا قصد أمرًا لا ينصرف عنه إلا بعد الوصول إليه؛ أي لا بد لي من بلوغ ما أطلب.
(٧٠٠) الضمير في كهله وأمرده: للدهر. والنهى: جمع نهية؛ العقل. يقول: إن نفسه — في عظمها وكبرها — تصغر نفس الدهر الذي هو مجمع الخير والشر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢