الفصل الخامس

الدين والتربية والجنس

أشار روسو في الفصل الثامن من الكتاب الرابع من «العقد الاجتماعي» أنه في العصور القديمة الوثنية، كان لكل دولة آلهتها، وأن سلطة آلهتها تحددها حدود الدولة السياسية. لكنِ اليهود أولًا ومِن بعدهم المسيحيون قدَّسوا إلهًا مملكتُه ليستْ على هذه الأرض، إلهًا أخفقتْ سطوته الدنيوية أحيانًا في مضارعة هيمنته الروحانية؛ مما أدَّى إلى انقسامٍ بسبب فصْلِه النظامَ اللاهوتي عن النظام السياسي في الدولة. وإذ وسع الرومان عقيدتهم مع اتساع رقعة إمبراطوريتهم، فقد شكوا في عدم الاكتراث بالسياسة الذي أبداه المسيحيون الروحانيون، وخوفًا من ثورتهم عليهم في نهاية المطاف، فقد قاموا باضطهادهم. ولاحظ روسو أنه في الوقت المناسب تخلَّى المسيحيون حقًّا عن خضوعهم، وشددوا على حقهم في السيطرة على الجوانب الدنيوية، فأسسوا أعنف الدول الاستبدادية على الإطلاق في العالم الحديث. في عصر روسو، حدث خلط بين الهويات السياسية والدينية في كل مكان، حتى بَيْنَ المسلمين، لدرجة أن «الروح المسيحية سادت تمامًا». وحيثما اكتسب رجال الدين سلطة مؤسسية، كانوا يسعون إلى بسط نفوذهم على الأمراء بموجب الأحكام التي تفرضها مكاناتهم المقدسة، ومن خلال حقوق الحرمان الكنسي التي يتمتعون بها، بينما في إنجلترا وروسيا في المقابل، جعل الأمراء أنفسهم سادة على الكنيسة مخاطرين بإحداث شقاق مماثل محفوف بالمخاطر بين الادعاءات المقدسة والدنيوية للسيادة. أدرك هوبز وحدَه بين الكُتَّاب المسيحيين مثل هذه المخاطر التي تتهدد السلام المدني، وكان على حقٍّ إذ اقترح وضع السلطة الدنيوية والدينية في يد واحدة. لكنه أخفق في أن يضع في الحسبان الأخطار التي تمثلها المسيحية على نظامه، وحقيقة، أيًّا كانت الجهة المحصورة فيها السلطة، فإن المصلحة الخاصة لأي حاكم ستراعيها حكومته أكثر بكثير من المصلحة العامة للدولة.

بعد هذه التأملات حول تقويض المسيحية للأسس المقدسة للسلطة المدنية، ميَّز روسو بين ثلاثة أنواع أساسية للمعتقد الديني في بُعْده الاجتماعي: دين الإنسان، ودين المواطن، ودين القس. يقوض النوع الأول، وهو دين الإنجيل البسيط، أيَّ ولاء للدولة، أما الثاني، بمزجه بين العبادة الإلهية وحب القانون، فيُصيب الناسَ بالسذاجة والتعصب، أما الثالث، بإخضاع الناس لالتزامات متضاربة تجاه الكهنوت والحكومة الأميرية، فيغرس الشقاق بين المرء وذاته وبينه وبين جيرانه. وكل مِن هذه الأنواع مُضِرٌّ للدولة ككيان سياسي، بحسب استنتاج روسو، وما من نوع أكثر ضررًا من النوع الأول الذي يفترضه الآخرون، وهم واهمون في افتراضهم، أفضل نوع على الإطلاق نظرًا لمعتقداته المُجَمَّعَة وصلاحه العميق. وحقيقة الأمر أن مجتمعًا من المسيحيين الحقيقيين سيتسم بالكمال الروحاني الشديد لدرجة أن أعضاءه لن يكترثوا كثيرًا بالنجاح أو الفشل الدنيوي. وسيؤدي المواطنون واجباتهم باعتبارها نوعًا من الإذعان الديني وحسب، وهدفهم هو ضمان خلاص أرواحهم وحسب. تساءل روسو كيف يمكن لجمهورية مسيحية مواجهة المحاربين الوطنيين لأسبرطة أو روما «المفعمين بحب المجد وعشق بلادهم»؟ كيف يمكن حقًّا لجمهورية حقيقية أن تكون مسيحية إذا كان «المسيحيون الحقيقيون يتحولون إلى عبيد»، وإذا كانت عقيدتهم أكثر انقيادًا للاستبداد منها إلى السعي وراء المصلحة العامة؟

فلكي تستقي الدولة قوة حقيقية من أعضائها، يجب أن تقوم على عقيدة تجعل كل مواطن يعشق واجبه دون التطفل على معتقداته بشرائع وطقوس وتعاليم. ويجب أن تطلب الدولة من رعاياها اعتناق دين مدني بحت، يفرضه صاحب السيادة فقط لإثارة المشاعر العامة للارتباط الاجتماعي، وينبغي أن تضمَّ عقائده وحسب وجودَ إلهٍ قاهر لبيب وخَيِّر، وقداسة العقد الاجتماعي والقانون، وتحريم التعصب. وبما أن الإيمان ليس بحد ذاته عرضة للإجبار، فليس بمقدور صاحب السيادة إلا أن يُقصِي من أراضيه كل الذين يهدد تعصبهم تجاه الآخرين لا محالة نسيج المجتمع. وقد يسمح حتى صاحب السيادة بإعدام الذين يخونون يَمينَ ولائهم المدني؛ أي الذين يحنثون بأيْمَانِهم ويُبدون استعدادهم لمخالفة القانون، ومن ثم استعدادهم لا لارتكاب المعاصي بل لغرس بذور الفتنة، بحسب تأكيد روسو أكثر ما يكون في ملاحظاته على الموضوع نفسه في رسالته إلى فولتير عن العناية الإلهية عام ١٧٥٦ (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم ٤٢٤)، متنبِّئًا بتلك الفكرة التي سيذكرها لاحقًا في «العقد الاجتماعي». وذهب روسو إلى أن التعصب الديني من شأنه أن تكون له تبعات سياسية مشئومة. وفي ملاحظة أرفقها بالفصل قبل الأخير لهذا العمل، التي ربما حاول روسو أن يكْبِتها بدافع الحذر غير المعتاد، حتى أثناء طباعة عمله، شكا روسو من التهديد الذي يحدق بأسس الدولة نفسها، في تنظيمها للمناصب العامة والمواريث الخاصة، بسبب السيطرة الدينية على عقود الزواج المدنية. إن الفقرة المقابلة في «مخطوطة جنيف» أكثر وضوحًا في هجومها على التعصب الذي تعرض له البروتستانتيون في فرنسا إثر إلغاء مرسوم نانت عام ١٦٨٥، وتشريع عام ١٧٢٤ الذي فرض ضرورة حصول الزيجات والتعميدات البروتستانتية على المباركة الكاثوليكية. ونظرًا لأن البروتستانتيين في فرنسا لم يكن يمكنهم الزواج دون ترك دينهم، فإنه كان يتم التسامح معهم وحظرهم في الوقت نفسه، بحسب زعم روسو، وكأن السياسة الرسمية تقضِي بأنه ينبغي عليهم العيش والموت في إطار علاقة زوجية محرمة، وإنجاب أطفال غير شرعيين محرومين من ممتلكاتهم. انتهى روسو إلى أنه «من بين جميع الطوائف المسيحية، البروتستانتيون هم الأكثر حكمة ورقة ومهادنة ومخالطة للآخرين.» وهي الكنيسة المسيحية الوحيدة التي تسمح بسيادة حكم القانون وسلطة القوى المدنية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث).

وإذ شدد روسو على عدم ملاءمة الكاثوليكية الرومانية باعتبارها دينًا للدولة، فإن دعوته للتسامح في «العقد الاجتماعي» تشبه بعض الشيء «رسالة عن التسامح» للوك التي خطها عام ١٦٨٩، ولو أن عرض فصله للعلاقات الداعمة سياسيًّا التي يخلقها مُشَرِّعو الجمهوريات القديمة يدين بقدر أكبر بعض الشيء إلى كتاب «القوانين» لأفلاطون، والأهم من ذلك «نقاشات» مكيافيللي الذي وجد بالمثل الدين المدني لروما أكثر جاذبية بكثير من طائفة المسيحية الرومانية لمدينة الرب. لم يُبهِر أيُّ مفكرٍ حديثٍ روسو كمَا أبهَرَه مكيافيللي، لا لعشقه للحرية وحسب، بل وأيضًا لفهمه الثاقب لمكانة الدين في الشئون العامة. ولكن، على الأقل بقدر ما كان التشابه بينهما شديدًا، كذلك كان الاختلاف الأساسي بين فلسفتهما المتعلقة بالدين؛ فبينما استحسن مكيافيللي العقيدة الدينية؛ لأنها تعزز وطنية المواطنين، كان روسو أيضًا منشغلًا بشغف بطبيعة المعتقد الديني. وعلى النقيض من مكيافيللي، فقد رأى روسو في حياة المسيح والمثال الذي ضربه إلهامًا، وكذلك الإنجيل وتعاليم بعض الحواريين على الأقل. ولقد حار وراودته التساؤلات حيال مكانته في عالَم الرب، تلك المكانة التي أرَّقَت القديس أوغسطين الذي سيتردد صدى كتابه «اعترافات»، في كتاب روسو الخاص بسيرته الذاتية ولكن بلغة جديدة. إذا كان روسو في استيعابه للآثار السياسية للدين واقعًا بوضوح تحت تأثير مكيافيللي، ففي معتقداته الدينية نفسها، وفي تصوره للرتب الكهنوتية والكنائس، كان روسو بالقدر نفسه ابنًا لحركة الإصلاح الديني البروتستانتية. في المجتمع الفكري (جمهورية الآداب) العلماني نسبيًّا بالفعل لأوروبا الغربية، كان روسو متفردًا تقريبًا في حِدَّة معتقداته الدينية. وبينما لم يؤمن بالسقوط الأصلي للبشر من الجنة، فقد صوَّر «خطابٌ عن اللامساواة» و«مقالةٌ عن أصل اللغات»، وكذا عددٌ من الأعمال الأصغر حجمًا صناعةَ الخطيئة طوال التاريخ البشري بأسلوب يقدم بوضوح عرضًا حديثًا لنزولنا من الجنة وإقامتنا لمدينة بابل في سِفْر التكوين، بينما سارت ملاحظاته حول المشرعين وإنشاء الدول الحديثة بدورها في «العقد الاجتماعي» و«حكومة بولندا» وغيرهما من أعمال على نهج سِفْر الخروج. وشأنه شأن عالم اللاهوت المسيحي بلاجيس، كان روسو مقتنعًا بالخيرية الجوهرية للطبيعة البشرية بالشكل الذي خلقها الرب عليه. وشأنه شأن أبلارد، الذي صاغ روسو أكثر الروايات الفرنسية نجاحًا في القرن الثامن عشر حول حبه المحرَّم لإلواز، اقتنع روسو بقوة العقل في فهم مغزى الرب. وشأنه شأن باسكال، فقد أضاء نورٌ داخليٌّ عميقٌ الطريقَ لإيمان روسو الراسخ في غمرات عالم مضطرب.

فيما خلا شغفه بالموسيقى، لم يؤثر موضوع في نفس روسو بعمق كما أثر حبُّه للرب. فقد شكل فكرة ثابتة في كتاباته، بدايةً من الصلوات التي خطَّها في شبابه حوالي عام ١٧٣٩ عندما كان واقعًا تحت الأثر الكاثوليكي للسيدة دي وارين، وحتى دفاعه عن عقيدته البروتستانتية ضد منتقديه في عمله «رسائل من الجبل» عام ١٧٦٤، وانتهاءً بالدين الطبيعي الوارد في عمله «أحلام يقظة جوال منفرد» الذي كتبه عام ١٧٧٧ قرابة نهاية حياته، والذي صور فيه إحساسه المكتفي بذاته بالكامل بوجوده وكأنه الإحساس الخاص بالرب (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ أحلام يقظة جوال منفرد). كما لم يحظَ أي موضوع آخر بتعليقات أكثر وفرة في مراسلاته الضخمة، وخاصةً في رسالته الثالثة المؤرخة بتاريخ ٢٦ يناير ١٧٦٢ إلى مدير النشر، ماليزيرب (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم ١٦٥٠)، وفي أخرى بتاريخ ١٥ يناير ١٧٦٩ إلى لوران إيمون دو فرانكييه (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم ٦٥٢٩)، احتفى روسو بإخلاصه لعقيدته الباعث على البهجة؛ في الأولى: بالانتشاء لوجود كيان مقدس يجعله امتلاكه لعجائب الطبيعة اللانهائية في حالة سعادة غامرة؛ وفي الثانية: عبر تأملات في المشاعر الداخلية التي ينجذب من خلالها الأفراد بتلقائية لكل من الرب والحقيقة، وفي الشر الذي نتحمل نحن وحدنا مسئوليته إذ نسيء استغلال إمكاناتنا. لكن مفهوم روسو عن الرب لم يتم التعبير عنه بالكامل وبأكبر قدر من البلاغة كما في قسم طويل من «إميل»، بعنوان «عقيدة كاهن سافوي». وقبل ذلك في عام ١٧٦١، في نهاية روايته «إلواز الجديدة»، أعلنت بطلة رواية روسو على فراش الموت بعد أن أنقذت حياة ابنها من الغرق عن عقيدة امرأة عاشت معتنقة «المذهب البروتستانتي الذي يستقي أحكامه فقط من الكتاب المقدس ومن العقل» (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو إلواز الجديدة). لكن هوية جولي كانت خيالية وحسب، وأجاز لها مبتكرها أن تعبر عما تؤمن به. وفي «إميل»، تحول هذا الإعلان عن العقيدة الدينية ليكون على لسان كاهن مبعد (والذي رسمه روسو على غرار قسَّيْن كان يعرفهما في شبابه)، وذلك على منحدرات خارج إحدى المدن التي تُشرف على جبال الألب والذي ينقله لشاب نازح، وذكر روسو أن قصة هذا الشاب هي قصته هو شخصيًّا، ضاربًا مثلًا للتلميذ الذي هو الشخصية الرئيسية داخل العمل، ولقراء العمل كلهم باعتباره «موعظة الجبل» (إشارة لموعظة الجبل الخاصة بالمسيح المذكورة في إنجيل متى التي تعد عظة جامعة) الخاصة بالمؤلف.

fig18
شكل ٥-١: ورقة من «مخطوطة فافر» لقسم «عقيدة كاهن سافوي» من كتاب «إميل».

ينقسم «عقيدة كاهن سافوي» إلى جزأين يتخللهما الظهور المتكرر لروسو بشخصه كراوٍ ومُعلِّم لإميل، عارضًا ردة فعل إميل الصبيانية للتبصر السامي للكاهن عندما رأى عالمًا آخر، وهو الذي يشبه ذلك الذي لمحه روسو في الواقع خلال رحلته لزيارة ديدرو في سجن فانسين. وفي الجزء الأول، وصف روسو ازدواجية الطبيعة البشرية، وقصور الإحساس، وضرورة وجود رب مسيِّر لحركة كل الأشياء وحكيم، والمسئولية التي يتحملها البشر وحدهم عن الشر الذي يقومون به، وقدرتهم على نيل السعادة والتحلي بالفضيلة. وفي الجزء الثاني، هاجم روسو الإيمان بالمعجزات والعقائد الجامدة، والادعاءات المتعصبة للكنائس الطائفية بالسلطة العالمية عبر الكتاب المقدس والأسرار التي تتعارض مع العقل. ويقدم لنا الجزء الأول، المُصمم لدحض تشكك ومادية بعض أبرز المفكرين المعاصرين لروسو، رؤية روسو للدين بما يتفق مع الفطرة، ويطرح الجزء الثاني، إذ يهاجم التعصب والخرافات أكثر من أي شيء آخر الخاصة بالكاثوليكية الرومانية، نقْدَ روسو للدين بتصوره كوحي.

في الكتاب الرابع من «مقالة عن الفهم البشري» (الفصلان الثالث والسادس)، زعم لوك أنه من المُتَصَوَّر على الأقل أن الرب، إن شاء، يستطيع «أن يُعطي» للمادة مَلَكَة التفكير، وبذلك يضخ الحياة في الجزيئات عديمة الإحساس بقدرة التفكير. وفي الفصل المخصص لاحقًا ﻟ «معرفتنا بوجود الرب» (الكتاب الرابع، الفصل العاشر)، الذي يتنبأ في واقع الأمر ببعض حجج روسو، أصر لوك على أنه يستحيل أن تُحَفَّز المادة وحدها أبدًا للتفكير، وأغلب تعليقاته حول الموضوع وُضعت من أجل الرد على مزاعم الماديين، ولا سيما أنصار سبينوزا المعاصرين له الذين أكدوا ما أنكره. لكن اقتراحه أنه من خلال إرادة الرب يجوز حمل المادة على التفكير أثار الكثير من الاعتراضات من جانب علماء اللاهوت والفلاسفة في أوائل القرن الثامن عشر، أغلبهم ربط ما بين هذا الزعم واعتقاد لوك الإضافي في القسم نفسه من عمله أن حقائق الأخلاق والدين لا تعتمد على لامادية الروح. وعلَّق فولتير على حجة لوك في عمله «رسائل فلسفية» عام ١٧٣٤، واستلهم الماديون الفرنسيون في منتصف القرن الثامن عشر، بمَن فيهم موبيرتوي ولاميتري، أفكارهم منه؛ حيث أكد البعض (مثل ديدرو) على القابلية للاستجابة أو النشاط الداخلي للمادة الطبيعية، وحصر البعض الآخر (مثل دولباك) الواقع بأكمله في العالم المادي وحده، وبذلك اعتبروا المادة الروحية، ويراد بها الروح، وحتى الرب، وهمية. في «مبحث في الأحاسيس» عام ١٧٥٤، حاول كوندياك بناء نظرية عن تَشَكُّل الذكاء البشري من التجربة الحسية البحتة؛ بينما في مقالة بعنوان «الدليل»، ربما خطها فرنسوا كيناي، ونُشرت في المجلد السادس من «الموسوعة» عام ١٧٥٦، طُرحت حجة مماثلة لبيان أن الحكم صادر عن الحس؛ وفي عام ١٧٥٨، في «عن الروح»، الذي كان صادمًا للكنسية وأثار الغضب العام أكثر مما فعل «إميل» لاحقًا، جعل هلفتيوس التماهي ما بين الحكم والحس حجر أساس عمله كله. يمثل اقتراح لوك بأن المادة يُمكن حَمْلُها على التفكير وافتراض هلفتيوس أن مصدر الحكم هو الحس، معًا الركيزة الأساسية للنقد ونقطة الانطلاق المحورية لدليل روسو على وجود الرب في قسم «عقيدة كاهن سافوي» من كتاب «إميل».

وفي ذلك القسم (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية) وكذا في رسالة لاحقه له إلى السيد فرانكييه (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع)، استنكر روسو افتراض المادة المُفَكِّرة باعتباره «سخافة حقيقية، بغض النظر عما يقوله لوك عنه.» وزعم الكاهن أنه ليس بالإمكان حثُّ المادة على التفكير؛ وذلك لأنه ما من حركة تتعرض لها المادة يمكن أن تساعدها على التدبر والتفكير. وعلى العكس من هلفتيوس تحديدًا، أكد روسو أن الأحكام التي يصدرها الناس لا تنبثق من حسهم؛ وذلك لأنه بينما يمكن أن تطبع الأشياء نفسها على حواسنا السلبية، فلا يمكن أن تتشكل لدينا انطباعات تلقائية للعلاقة بين الأشياء. وما لم نصُغْ أحكامَنا باعتبارنا فاعلين مسئولين بوعي منا عن تفسير خبرتنا، فلن يستقيم أبدًا أن نقع في أخطاء أو نتعرض للتضليل ما دامت حواسنا ستعكس دومًا الحقيقة؛ ولذا، تخفق فلسفة هلفتيوس في أن تمنحنا «شرف التفكير» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). والماديون جانبهم الصواب؛ لأنهم لا ينصتون إلى الصوت الداخلي الذي أقنع روسو بأن إحساسه بوجوده الشخصي لا يمكن أن ينشأ بفعل مادة غير مُنظمة، لا تملك بطبيعتها مَلَكَة إنتاج الفكر التي يجب أن تنشأ من باعث يتحرك في حد ذاته، أو فعل طوعي أو تعبير تلقائي عن الإرادة. هذه، كما زعمت الأنا الأخرى لروسو، هي الركن الأول لعقيدته (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

أقر روسو بأنه كان في البداية في حالة من الشك الذي طالب به ديكارت سعيًا للحقيقة، هائمًا دون دفة ولا بُوصلة في بحر شاسع من الآراء، تتلقفه عواطف جامحة في غياب إرشاد كافٍ من الفلاسفة الذين أجمعوا وحسب على أنهم يجب أن يخالف الواحد منهم الآخر، حتى المتشككين المعلنين عن موقفهم والمتشددين بعناد في نقدهم المدمر (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ولمَّا وَجَدَ في الفلسفة دواعيَ للعذاب أكثر من الخلاص من ذلك الشك، لجأ روسو بدلًا من ذلك إلى النور الذي بداخله، والحب البسيط للحقيقة الذي سمح لقلبه بأن يرشده إليها. وبهذه الطريقة، سرعان ما اكتشف وجوده، وأنه يمتلك حواسَّ لا بد أن علَّتها خارجة عنه ما دامت لم يستدعِها بفعل إرادي منه. استطاع روسو أن يرى من خلال حواسه نفسها أن كلًّا من موضوعها ومصدرها مستقلان عنه؛ مما يُعَدُّ دليلًا على وجود كيانات أخرى بخلافه. وبالنظر إلى المادة التي تكوَّن منها الكون وهي تتحرك، أدرك روسو أنه لا يستقيم أن تكون هناك حركة دون اتجاه، ولا يمكن أن يكون هناك اتجاه دون علة تحدده. وتشير الحركة الحتمية إلى وجود إرادة، والإرادة تشير إلى وجود ذكاء. قال الكاهن إن هذا هو الركن الثاني من عقيدته. وزعم أن مثل هذه الإرادة حكيمة وقوية بشكل بديهي، ومنتشرة في السموات التي تتعاقب، والأحجار التي تسقط، وأوراق الأشجار التي تحملها الريح. وادَّعى قائلًا: «أرى الرب في كل مكان في أعماله، وأحس به في نفسي» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

وعلى الرغم من أنه لم يكن على دراية بأي شيء عن نظام الكون بخلاف ضرورة وجوده، استطاع الكاهن مع ذلك أن يقدس خالقه لجمال صنعته. علاوة على ذلك، استطاع أن يرى من خلال تفحصه لعقله أن إرادته مستقلة عن حواسه، وعلى فرض الاستقلال المتساوي لإرادة الآخرين، استطاع أن يرى فوضى «الشر على الأرض»، متمايزة عن انسجام الطبيعة، المنبثقة منها؛ أي مِن حرية تصرف البشر الذي يُشَكِّل قبولها الركن الثالث للعقيدة بالنسبة إلى الكاهن (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ينبع سوء السلوك البشري من حرية الاختيار، ولا يمكن عزوه إلى العناية الإلهية، بحسب تأكيده؛ وذلك لأن الرب خَيِّر وعادل (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وادعاء أن الرب أخفق في منعنا من ارتكاب الشر احتجاج على غرسه للأخلاق في البشر؛ وذلك لأن الرب، كما لاحظ روسو بالفعل في رسالته إلى فولتير عام ١٧٥٦، منحنا الحرية بحيث يمكننا اختيار الخير ونبذ الشر. وجعْلُهُ إيانا قادرين على الاختيار يستبعِدُ اختيارَه نيابةً عنَّا. وعندما نُسيء استغلال قدراتنا، ونقترف الشرور، فإننا لا ننفِّذُ مشيئة الرب بل مشيئتَنَا نحن. قال الكاهن: «أيها الإنسان، لا تبحث بعد ذلك عن خالق الشر؛ فهو أنت!» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، وكأنه يكرر الألفاظ التي نطق بها الشيطان في «الفردوس المفقود» لميلتون التي سجلها روسو بنفسه في النقش الخاص باللوحة العاشرة في «إلواز الجديدة»: «إلى أين المفر؟ الشبح داخل قلبك» (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو إلواز الجديدة).

على النقيض من لوك، أصر كاهن سافوي على لامادية الروح، وكذلك على خلودها، ولو أنه أقر بالجهل فيما يتعلق بما إذا كان الشرير سيُلْعَن لعنًا أبديًّا، وأقر كذلك بلامبالاته بمصير هذا الشرير. وإذ استشار حسه الداخلي فقط، اكتشف أنه يستطيع على الأقل أن يصدر أحكامًا أخلاقية من شأنها تحديد مصيره. «كل الشر الذي تسببتُ فيه خلال حياتي كان بدافع التأمل والتدبر. الخير اليسير الذي فعلتُه كان بدافع الغريزة»، هكذا أعرب روسو عن تحسُّره لاحقًا في رسالة غير مكتملة كان من المقرر إرسالها إلى الماركيز دي ميرابو (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم ٥٧٩٢)، مسترجعًا أبياتًا شهيرة من أوفيد وبولس إلى الرومان. في قسم «عقيدة كاهن سافوي» من كتاب «إميل» وفي رسالة روسو اللاحقة إلى السيد فرانكييه وفي مَوَاطِن أخرى، أطلق روسو على الغريزة الطبيعية هذه اسم «الضمير»، مستلهمًا ذلك تحديدًا من «خطاب عن وجود الله وصفاته» (الفصل الثاني) للفيلسوف وعالم اللاهوت الإنجليزي صامويل كلارك، ويصفه بأنه «مبدأ فطري للعدالة» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية) أو الصوت الداخلي للروح الذي يقف منها على المسافة نفسها التي تقفها الغريزة من الجسد. الضمير هو ذلك الصوت الخالد الإلهي، المرشد الذي لا يخطئ أبدًا الفضيلة، هكذا زعم الكاهن الذي مجَّد الرب لمِنَحِه لكنه لم يكن يُصلِّي له. فإذا صلَّى له، فماذا كان يمكن أن يطلب؟ لم يكن ليطلب القوة لفعل الخير التي وهبها له الرب بالفعل، ولا أن يُنجز له عمله نيابةً عنه؛ عمله الذي حصل على مقابله. ألم يمنَحْه الرب بالفعل الضمير ليحب الخير، والعقل لتمييزه، والحرية لاختياره (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)؟

fig19
شكل ٥-٢: اللوحة العاشرة («إلى أين المفر؟») للفنان جرافلو من رواية «إلواز الجديدة» (أمستردام، ١٧٦١).

في الجزء الثاني من «عقيدة كاهن سافوي»، الذي يُختتم بإعلان الكاهن عن رغبته في أن يظل كاهنًا بأبرشية، ودعوة لروسو الشاب بأن يتحلى بالصدق ويعزز روح الإنسانية بين المتعصبين، وضع روسو الدين الطبيعي في مقابل الإيمان العقائدي والمعجزات والوحي. وذكر روسو أننا إذ نتعرض إلى المشهد العظيم للطبيعة التي تخاطب أبصارنا وقلوبنا وحُكْمنا على الأمور وضميرنا، يبدو لنا من الغريب أن الأمر لا يستدعي وجود أي دين آخر على الإطلاق. ورغم ذلك، يُقال لنا إن الوحي ضروري لتعريف البشر بالطريقة التي أمر الرب بها أن يُعبد (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). في أوروبا وحدها، لدينا ثلاث ديانات أساسية، واحدة منها تعترف بوحى واحد، والثانية باثنين، والثالثة بثلاثة، وكل ديانة تمقت الديانتين الأخريين وتلعنها، بالإشارة إلى الكتب التي نادرًا ما تكون مفهومة حتى للمتعلم، فاليهود لا يفهمون العبرية القديمة، ولا يفهم المسيحيون العبريةَ القديمةَ أو اليونانيةَ القديمةَ، ولا يفهم الأتراكُ العربيةَ. ورغم ذلك، في كل حالة، فإن ما يتعين على كل إنسان أن يعرفه محصور في الكتب، الكتب دائمًا وأبدًا، تلك التي تعج بها أوروبا (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وفي كل مرة أخذ رسل الرب على عاتقهم مهمة تفسير معانيه، دبروا أن يجعلوه ينطق بما يشاءون بواسطة الإشارات والمعجزات الغامضة بالنسبة إلى الآخرين، والمستدعاة عامة لتبرير اضطهاد المهرطقين. إن العالم الخالي من المعجزات على نحو خارق هو أكبر معجزة بحد ذاته (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

وعندما لا يطارِد ناقلو وحي الرب المهرطقين في بلدهم، فإنهم يرسلون بعثات للتبشير بعقيدتهم بالخارج، منذِرِين كل الذين لا يتبعونهم باللعن الأبدي. ونادرًا ما تُواتِيهم الجرأة على الحديث عما هو أبعد من هذا. فأي مصير ينتظر أرواح الزوجات الشرقيات المستعبدات في الحريم؟ هل سيدخلن النار عقابًا لهن على عزلتهن الشديدة (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)؟ أقر الكاهن بأن قداسة الإنجيل بطبيعة الحال كانت تخاطب قلبه. وبالطبع هناك فضيلة سامية في تعاليم المسيح لا تقل نبلًا عن حكمة سقراط. وحياة وموت المسيح تثبتان أنه كان إلهًا. لكن هناك مَوَاطِن عدة في الإنجيل نفسه لا يصدقها عقل، وينفر منها المنطق، ويستحيل أن يتقبلها أي إنسان عاقل (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). لنجعل كلمة الرب أقل غموضًا. هل وهب لنا الرب مَلَكَة العقل ليحرمنا من استخدامها؟ ألا يفترض أن نخدمه على أفضل ما يكون دون مساعدة؟ قال الكاهن بإصرار: «إن الرب الذي أعبُدُه ليس روح الظلال» المستترة في الكتب (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). لنغلق كل الكتب، ونتبنَّى بدلًا منها حقيقة الرب البسيطة؛ لأنها محفورة في كل اللغات، ويسهل للناس أجمعين الوصول إليها في كتاب الفطرة المفتوح (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). كان روسو يعتقد أن رب الوحي يتكلم بألسنة متعددة جدًّا؛ لذا قال: «إنني أفضِّل لو أسمَعُ الرب نفسه … فهناك بيني وبين الرب عدد كبير جدًّا من الوسطاء!» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

كان ينبغي أن يكون روسو أقل اندهاشًا مما كان عليه مِن أنَّ مثل هذه التأملات حول جوهر الدين والمسيحية في «العقد الاجتماعي» و«إميل» لم تحظَ على الإطلاق بترحيب الكنيسة في فرنسا. لقد أخذ فولتير حِذْره بشكل كافٍ ببثِّ نقده العنيف للكاثوليكية الرومانية من الجانب الأكثر أمنًا للحدود الفرنسية، لكن روسو كتب بحماس شديد، ودون أن يتأهب لردة الفعل الرسمية، في الدولة التي أقام فيها لاحقًا، متكئًا على الحرية الفنية لصوره الراقية إثر نشر كتابه «العقد الاجتماعي» في هولندا و«إميل» بالتزامن معه في كلٍّ من هولندا وفرنسا. ولقد ملأه حظْرُ أعماله في جنيف الذي حال دون فراره إلى وطنه بحزن أكبر. وفي أغسطس ١٧٦٢ عندما أصدر رئيس أساقفة باريس منشورًا يُدِين فيه المبادئ المدمرة الواردة في «إميل» بعد أن أدانتِ السوربون العملَ رسميًّا، وأمر برلمان المدينة كبيرَ الجلَّادين بحرقه، كان روسو قد فرَّ بالفعل من فرنسا. واحتجَّ روسو في رده الذي يشكل أطول كتاباته المخصصة لعلم اللاهوت، «رسالة إلى كريستوف دي بومون» المنشورة في أوائل عام ١٧٦٣ قائلًا: «قرينتكم الوحيدة ضدي هي الاستشهاد بالخطيئة الأصلية.» وتساءل روسو: كيف يمكن أن يجعلنا الرب أبرياء ليتبين ببساطة أننا مذنبون وبذلك نُساق إلى الجحيم؟ أليس مبدأ الخطيئة الأصلية القاسي صنيعة القديس أوغسطين وعلماء اللاهوت في المقام الأول وليس الإنجيل؟ ألا نتفق معًا على أن البشر جُبِلوا على الخيرية، بينما تزعمون أنهم جُبِلوا على الشر؛ لأنهم خُلقوا كذلك، فأُثبِت أنا بدلًا من ذلك أنهم في واقع الأمر أصبحوا أشرارًا؟ أيٌّ مِنَّا أقربُ إلى المبادئ الأولى؟ وأصرَّ روسو أن عمله «إميل» كان بشكل أساسي موجَّهًا للمسيحيين، الذين يتم تطهيرهم من الخطيئة الأصلية بالتعميد، فيمسون أنقياء القلب كما كان آدم عندما خلقه الرب (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع).

عقد روسو الأمل على أن يجد في جنيف ملاذًا له، ولكن عندما أحرقتْ حكومتُها، ممثَّلةً في المجلس الصغير، عملَيْهِ «إميل» و«العقد الاجتماعي» في يونيو ١٧٦٢ — لما فيهما من معصية مشينة وتهديد للنظام العام وكذلك للدين — اضطُرَّ روسو للفرار، أولًا إلى يفردون، في إقليم برن، ومنها إلى موتييه القريبة منها، وهي التي طردَهُ منها أهلُها لاحقًا بعد أن قذفوا بيته بالحجارة. ورغم أنه كان في البداية متطلعًا إلى أن يُعيدَ إليه أبناءُ بلده، في بياناتهم دفاعًا عنه، مكانتَه بينهم، اكتشف روسو أن أنصار الحكومة أو «السلبيين» أقوى في معارضتهم من هؤلاء «الممثلين»، وسرعان ما خاب أمله في أي استرداد سياسي لحقوق مواطنته، فتخلى عنها بنفسه. وفي سبتمبر ١٧٦٣ عندما جُمعت الإدانات الموجهة ضده في عمل خطه المدعي العام في جنيف جون-روبرت ترونشان بعنوان «رسائل من الريف»، سعى روسو وحسب لإبراء ذمته والدفاع عن نفسه في رده العام التالي من خلال عمله «رسائل من الجبل». وبما أن المذهب البروتستانتي كان متسامحًا مبدئيًّا، وشأنه شأن الدين المدني الذي دعا إليه روسو في «العقد الاجتماعي»، كان حاسمًا وحسب في إدانته للتعصب، تساءل روسو كيف يمكن للمجلس الصغير لدولة بروتستانتية أن يتبنى الوحشية الاضطهادية للقديس بولس والصرامة القضائية لمحاكم التفتيش؟ (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث) وبعد أن عرض روسو ببعض الإسهاب لتاريخ اجتماعات المجلس العام الذي كان بمثابة «الخلاص للجمهورية» عندما هددتْها المجاعة والطغاة والحروب (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث)، أدان، بدافع الإخلاص الوطني، درجة الانحطاط التي وصل إليها الكيان السياسي الذي اعتبره مثالًا نموذجيًّا لأوروبا كلها، ونموذجًا رائعًا كُتب «العقد الاجتماعي» للحفاظ عليه. بالطبع، كما أوضح روسو بنفسه من قبل، من المستحيل الحيلولة دون حدوث التفكك السياسي لأي نظامِ حُكْم. فقد غيرت حكومة جنيف، بواسطة «التطور الطبيعي»، من شكلها حيث «تحولت تدريجيًّا من حكم الأكثرية إلى الأقلية»، بحسب تعليق روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث)، وكأنه يتنبَّأ بالقانون الحديدي لحكم الأقلية الذي وضعه روبرت ميشيلس مع تقديم مثال محدد عليه. وانتهى روسو إلى أنه «ما من شيء أكثر حرية من دولتك الشرعية؛ وما من شيء أكثر خضوعًا من دولتك على حالتها الفعلية» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث).

لاقت تلك الردود المعبرة عن الإيمان الصادق لمواطن مخلص ثناءً وتأييدًا في ربوع كثيرة بجنيف وفي بقاع أخرى، وأصبحت لاحقًا مصدر إلهام لهيجل في شبابه وغيره من عشاق الحرية المؤمنة بالمثل بإله غير غامض يتجلى في الطبيعة. لكنها لم تكن لتقرب روسو من السلطات المهيمنة في عصره، واعتبر رئيس أساقفة باريس والمجلس الصغير لجنيف عن حق «إميل» و«العقد الاجتماعي» تهديدًا لكل أشكال السلطة القائمة. لقد كانت جميع الكنائس في العالم المسيحي هي التي تحول دون روسو والرب، وكانت كل حكومات الدول الحديثة تحول بين الشعب ونفسه باعتباره صاحب السيادة. لقد كان الاستبدال المؤسسي لكل من الإرادة الفردية والعمل الجمعي بقُوًى حَرَمَتِ الناس من هويتهم الروحية والمدنية الكارثة الأخلاقية الكبرى التي حاقت بالحضارة المعاصرة، بحسب فرض روسو؛ وذلك لأن حرية الضمير تقتضي ربًّا لا توجد وساطة بينه وبين العبد بقدْر ما تقتضي الحرية التشريعية للمجلس النيابي صاحب سيادة غير مُمَثَّل. وقد جعل علم اللاهوت الظلامي والسلطة الاستبدادية معًا الناس يعوِّلون على إرادة الآخرين؛ ولذلك كان ممثلو تلك القوى، انطلاقًا من إدراكهم في ضوء فلسفته بأن دعوات روسو للحرية تمثل تحديًا لهم، الأكثر حرصًا على قمع تلك الدعوات.

وللتغلب على الاعتماد على الآخرين وتحقيق الاعتماد الذاتي، رسم روسو خريطة برنامج تربوي في «إميل» غايته الأساسية تحرير الأطفال من استبداد توقعات الكبار، بحيث تتطور قدراتهم وملكاتهم دون قيد، وفي الوقت المناسب لها. وفي بداية الكتاب الأول من هذا العمل، ميز روسو بين ثلاثة أنواع من التربية بحسب مصادرها المختلفة؛ ألا وهي تربية الطبيعة والأشياء والناس. ذكر روسو أن الشخص الذي تتلاقَى فيه وحسب أشكال التربية هذه كلها يمكن أن ينشأ تنشئة رشيدة، لكنه لاحظ لاحقًا كم سيكون هذا النوع من التربية الشاملة صعبًا بما أن الإنسان الطبيعي يعيش بالكامل من أجل نفسه، بينما الإنسان المتمدن الذي يعيش من أجل المجتمع ككل يجب أن تغير طبيعته، وتستحيل هويته المستقلة إلى شكل من أشكال الوجود النسبي؛ مما يجعله جزءًا من كلٍّ أكبر. ولكن، إذا أمكن إعادة دمج تربية الطبيعة أو الفطرة بشكل ما مع التربية المدنية، بحسب اقتراح روسو، فيمكن حينئذٍ التخلص من التناقضات الموجودة في الإنسان، وهي التي ستُزال معها عقبة كبرى تَحُول دونَ سعادة البشرية (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). افترض بعض مفسِّري أعمال روسو أن محاولة إعادة الجمع هذه هي الغرض الأساسي من عمله «إميل» الذي يمكن وفقًا لذلك أن يُقرأ على اعتبار أنه دليل إرشادي لنمو الأطفال باتجاه المواطنة، المرسومة ملامح مسئولياتها باختصار في هذا النص، والمبينة تفصيلًا في «العقد الاجتماعي». لكن الجزء القصير المخصص في «إميل» لموضوع السياسة، الذي امتدَّ لحوالي ٢٠ صفحة وذلك قُرْب نهاية الكتاب الخامس (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، ليس من الواضح أن روسو أراد به تتويج الخطة المُفَصَّلة بدقة للتنشئة الطبيعية في سياق تربية راقية تأهيلًا للحياة العامة. ورغم أنه يعرض أفكارًا بعينها ذكرت في «خطاب عن اللامساواة» و«العقد الاجتماعي»، فإنه يفعل ذلك برسم مسار للدراسة سيسلكه إميل (الشخصية الرئيسية في عمله) لاحقًا بدلًا من وضع الأبعاد الكاملة للتربية السياسية الذي كان لا يزال غير مؤهَّل لها، وأقرَّ المُعلِّم بأنه لن يتفاجأ إذا اشتكى تلميذه من أنه بنَى صرحَه من الخشب لا من الرجال (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن جانبًا كبيرًا من هيكل رواية «إميل» المتشعب، وربما أيضًا محتوياتها الكثيرة، بما في ذلك الجزء الملتبس نوعًا ما الذي يتحدث عن السياسة، ربما يرجع إلى خوف روسو، بعد فترة من المرض في أواخر خمسينيات القرن الثامن عشر، من أن يكون هذا هو عمله الكبير الأخير. وعندما شرع بعد النشر في كتابة تتمة لهذا العمل، التي نشرت بعد وفاته تحت عنوان «إميل وصوفي، أو الوحيدان» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع)، صور روسو إميل لا كمواطن منغمس في الشئون العامة، بل كرجل راشد يراسل مُعلِّمه يائسًا قائلًا إن عالمه قد انهار، وإن زوجته هجرته، وإن تربيته ثَبَتَ أنها لا تُضارِع عيوبَه البشرية.

ورغم أن النمو الفكري والأخلاقي لإميل يراد منه اندماجه في المجتمع وارتباطه بالناس، فهو يحقق ذلك بطريقة تلقائية عن قصد ومصممة دومًا بحيث تكون متوافقة مع ميوله الطبيعية. فهو لا يعيد قط صياغة شخصيته أو يعده لهوية جديدة كجزء من كلٍّ أعظم منه شخصيًّا، على النحو الذي اشترطتْه رواية روسو للمواطنة والسيادة الشعبية في «العقد الاجتماعي». على العكس من ذلك، فهو يظل مخلصًا للفكرة المحورية الواردة في «رسائل أخلاقية» التي خطها روسو عام ١٧٥٧ لصوفي دوديتو، أخت زوج السيدة دبينيه التي كان مفتونًا بها آنذاك، وكان بالنسبة إليها مرشدًا روحيًّا ومعلمًا فيما يتعلق بمسائل الحب. خط روسو ست «رسائل أخلاقية» وحسب لصوفي، تقوم إلى حدٍّ كبير على نموذج البحث الروحي لديكارت في كتابه «مقال عن المنهج». ولو أن روسو كان قد أسهب في هذه الرسائل وأعاد تجميعها، لصارتْ مكتملة شأنها شأن نص «إميل». وبما أنها موجهة إلى امرأة وبحثها عن السعادة، فهي لا تكاد تمتُّ بصلة للجوانب الإيجابية والسلبية المتعلقة بالهوية المدنية، حيث تشير بدلًا من ذلك إلى مجال الاعتماد على الذات والاكتفاء الذاتي الذي يركز على الفرد المنفرد. قال روسو في الرسالة السادسة من هذه الرسائل: «لنبدأ بأن نصبح أنفسنا مجددًا، بالتركيز وحسب على أنفسنا. لنسعَ إلى معرفة أنفسنا على طبيعتها كما هي، وفصْلِ أنفسنا عن أي شيء خلافنا؛ وذلك لأن هذا الفهم للنفس البشرية وطبيعة وجود المرء يُنير الطريق إلى معرفة البشرية» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع).

قُدِّرَ لذلك أيضًا أن يكون الخط الإرشادي لتربية إميل، بحسب طبيعته الخاصة، لكنه ليس الفكرة المحورية ﻟ «العقد الاجتماعي». أما بالنسبة إلى خطة روسو للتربية المدنية، فيتعين على القُرَّاء الرجوع إلى أعمال أخرى لروسو، خاصةً «خطاب عن الاقتصاد السياسي» و«حكومة بولندا» اللذين تأثَّر فيهما بشدة بمؤلَّف أفلاطون «الجمهورية». في عمل «إميل» نفسه، أثنى روسو على مؤلف «الجمهورية» باعتباره «أجمل أطروحة كُتبت عن التربية» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، ولو أنه أعلن صراحة أن فكرة التربية العامة تُراوِده، وزعم أن «العبقري النبيل» يجب أن يُلام بسبب «الاختلاط المدني» في مؤلفه «الجمهورية» الذي أدى إلى إرباك الجنسين بإشراكهما في أنشطة بدنية واحدة دون أي تمييز، طالبًا من النساء أن يلعبن دور الرجال؛ لأنه بعد إقصائهن من ألفة الحياة المنزلية، لم يعد يعرف الدور الذي يجب أن يلعبْنَه (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وبالمقارنة ﺑ «إميل»، يُعنى «خطاب عن الاقتصاد السياسي» و«حكومة بولندا» أساسًا بشئون التربية العامة؛ ومن ثم فَهُما، على خلاف «إميل»، يُحاكِيان إلى حدٍّ كبير الصورة الموجودة في مؤلف «الجمهورية». في «خطاب عن الاقتصاد السياسي»، تكلم روسو عن فن حث الناس على حب واجباتهم والقوانين، وتعليم المواطنين الصلاح بضرب أمثال لهم خاصة بالفضيلة المدنية والوطنية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). وفي هذا العمل، وباسم التربية المدنية التي تفرضها الحكومة، نجد أن تنشئة الشباب على المساواة تعتبر واحدة من أهم مهامِّ الدولة؛ وذلك لأن «المواطنين لا يمكن تشكيلهم بين ليلة وضحاها، ولكي يمسوا رجالًا من الضروري تربيتهم وهم أطفال»، بحسب تعليق روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). في الفصل الرابع من «حكومة بولندا»، وصف روسو عدم حاجة الأطفال منذ لحظة ولادتهم لرؤية أي شيء إلا وطنهم بحيث يختلط اللبن الذي يرضعونه من أمهاتهم بعشق لا ينمحي لبلدهم والذي سيظلون مرتبطين به حتى الموت (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). تحدث هنا روسو عن التدريبات البدنية التي تُمارَس على الملأ ومن الجنسين على حدٍّ سواء، مع وجود جوائز للمتميزين تتحدد من خلال هتاف المتفرجين (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). إن الإشارات المرجعية لأفلاطون في شتى أعمال روسو أكثر من أي إشارات لشخصية أخرى فيما خلا بلوتارك والإنجيل، وفي تلك الأجزاء المكرسة للتربية المدنية، إضافةً إلى «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح»، يتجلى بشدة أثر مؤلف «الجمهورية»؛ أفلاطون على فلسفته.

وهذه الأعمال أيضًا، علاوة على «رسائل من الجبل»، هي التي تُدلِّل بوضوح على أثر كتاب «القوانين» لأفلاطون عليه. فعندما لاحظ روسو في الرسالة الثامنة في «رسائل من الجبل» أن الشعب الحر قد يكون لديه قادة لا سادة في طاعته للقوانين الحكيمة (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث)، أو عندما تحدث في «خطاب عن الاقتصاد السياسي» عن العمل القانوني السامي الرائع الذي يَدِين له البشر فيما يتعلق بالعدالة والحرية (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى)، فقد كان يشير لمفهوم أفلاطون للقانون الذي تأثر به روسو أكثر من أي شيء. وحكم القانون في فلسفته يمثل للمواطنين ما يمثله إلى حدٍّ كبير الرب للذين يحبونه، وما تمثله الدولة لرعاياها. إنه وجود مُشَرِّف روحاني يرى أن سلطته مفروضة من الخارج وفي الوقت نفسه محسوسة بأعمق ما يكون داخل الروح البشرية. لقد أضاف روسو لهذا المفهوم الأفلاطوني ثم المسيحي لاحقًا للمبدأ المقدس الخاص بالالتزام بالنظام المُلزم من الداخل، بُعد الحرية وعنصرًا محوريًّا من الإرادة، وهو الذي شكَّلَ لبَّ نظريته عن الإرادة العامة، واستلهم منه كانط الكثير في فكرته عن الاستقلال الذاتي وفلسفته الأخلاقية ككل. ولكن في «إميل»، الذي يرسم الخطوط العامة للتربية الطبيعية وحسب، تشكل تلك الخصائص المتعلقة بالحياة العامة والمشاركة المدنية جزءًا مهمًّا من حجة روسو.

وككثير جدًّا من أعماله الرئيسية، صيغت «إميل» بقدر كبير كدحض لوجهات نظر بديلة حول الموضوع نفسه. فإذا كان قسم «عقيدة كاهن سافوي» يعمد إلى دحض آراء لوك وهلفتيوس، فإن الحجة الأكثر شمولًا للعمل بأكمله عن التربية عامةً تتصدى لأفكار هذين الكاتبين؛ فيما يتعلق بهلفتيوس، مرة أخرى كتابه «عن الروح»، وفي حالة لوك كتابه «آراء في التربية» الصادر عام ١٦٩٣. تعلن الصفحة الأولى من مقدمة كتاب «إميل» عن حداثة الموضوع الذي سيعمد روسو إلى تناوله بعد عمل لوك (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، وبعدها يزخر نصه بالإشارات المرجعية والتلميحات لكتاب لوك، وأهمها على الإطلاق تلك الواردة في الكتاب الثاني ومفادها أن «مجادلة الأطفال هي مبدأ لوك الأساسي». إن هذا الأمر، بحسب ما ورد في «آراء في التربية» (آراء في التربية)، يجب أن يكون متناسبًا وحسب مع قدرات الأطفال، لكن روسو حكم على فكرة المجادلة مع الأطفال للوك بأسرها بالسخافة؛ حيث إنه ما من شيء أخطر من تشكيل العقول غير الناضجة، ولا سيما من الولادة حتى البلوغ، وما من شيء أكثر غباءً من تعريض الأطفال إلى منطق الحوار العقلاني المرهق (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

fig20
شكل ٥-٣: صفحة العنوان والصورة صدر عمل روسو «إميل» (١٧٦٢).

أصر روسو في كلٍّ من «إميل» و«إلواز الجديدة» على أن «الطبيعة تريد للأطفال أن يمروا بمرحلة الطفولة قبل أن يُمْسُوا رجالًا. فمعرفة الخير والشر، وإدراك علة واجبات البشر ليس من شأن الأطفال» (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية؛ جولي أو إلواز الجديدة). لاحظ لوك (آراء في التربية) أن عادة السخاء يُمكن غرسُها في الأطفال بتنظيم تعاملاتهم لضمان أن التجربة تقنعهم بأن أكثر الناس سخاءً هم أفضلهم دومًا (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ولكن في «إميل»، أوضح روسو أنهم يكونون أدرى بذلك من خلال المعرفة المباشرة. وربما بدمج ثلاثة أحداث مختلفة معًا حدثتْ له ما بين عامي ١٧٣٥ و١٧٤٢، في كل من شامبري وليون وباريس، عندما عمل معلِّمًا لمجموعة من الصغار الجامحين الذين أحالتْ أفعالُهم حياتَه إلى جحيم، علق روسو أنه تعلم بنفسه وبشكل مؤلم أن الوسيلة الوحيدة لحمل الأطفال على تنفيذ أوامر الكِبَار هي عدم فرض أو تحريم شيء عليهم، وتفادِي تقديم النصح والإرشاد لهم، وتجنُّب إصابتهم بالملل بدروس عقيمة (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وهذه نصائح مختلفة نوعًا ما مستخلصة من أفكار واعية بجد ومراعية لشعور الآخرين بشكل فيه وعي ذاتي، وهي التي طرحها روسو في اثنتين من مذكراته كتبهما في شبابه لجون بونو دي مابلي، والد أحد تلاميذه البشعين وشقيق كلٍّ من المؤرخ مابلي وكوندياك (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع)؛ ولكن في منتصف عمره، وبعد أن هجر أطفاله ولم يعد مثقلًا بمثل هذه المسئوليات الكبيرة، أصبح روسو قادرًا على الحديث بِحُريَّة أكبر. رأى لوك أنه من المنطقي ملء غرفة الطفل بالأشياء التي يمكن استخدامها في تعليمه القراءة بينما يتخيل أنه يلهو ويلعب وحسب، على سبيل المثال بلصق أحرفٍ على النرد (آراء في التربية). للأسف أنه نسي أن رغبة الطفل في التعلم، فور أن يتم إلهامها له، يمكن أن تحل محل اللعب بالنرد، بحسب بيان روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وأضاف في الكتاب الثاني قائلًا: «إنني أبعد ما أكون عن افتراض أن الأطفال يجب ألَّا يُجادَلوا أبدًا.» على العكس، فهم يمكن أن يُجادَلوا على نحو مفيد في الأمور التي تكون ذات اهتمام فوري وملموس لهم. ولكن من الخطأ حملهم على المجادلة على غرار رؤية لوك بشأن ما لا يفهمونه أو ما لا يمسهم بأي طريقة، كسعادتهم المستقبلية أو سعادتهم في الكِبَر أو التقدير الذي سينالونه. بالنسبة إلى العقول غير الناضجة التي تفتقر للتبصر، هذه المخاوف غريبة وغير ذات أهمية ولا تستحق الاهتمام (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

لقد كان لوك بالطبع وغيره من التربويين على حق، حين وَصَفَ التمارين البدنية لتقوية أجسام الأطفال، التي ينبغي ألَّا تُفسِدَها الملابس الضيقة والأحزمة والملابس المميزة لطريقة اللبس الفرنسية على وجه الخصوص، والتي تعد مُقيِّدة بشكل غير صحي، لا للأطفال وحسب، بل للرجال الراشدين أيضًا. «اعتبِرْ جسمي كلَّه وجهًا»، كان هذا هو التعليق الجذاب الذي نسبه لوك لفيلسوف سكوثي خرج عاريًا في الثلج عندما سأله رجل من أثينا كيف يمكنه أن يُعَرِّض أي شيء من جسده غير وجهه للبرودة القارصة (آراء في التربية). ولكن، لِمَ لا يترك لوك إذن أقدام الأطفال تُعاني من الأخطار الطبيعية للحرارة العالية (آراء في التربية)؟ اقترح روسو أنه يمكن أن يرد على لوك قائلًا: «إذا أردتَ أن يكون جسم الإنسان كلُّه وجهًا، فلِمَ تلومني لأنني أريده أن يكون كلُّه أقدامًا؟» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). لقد كان «لوك الحكيم»، بعد أن درس الطب، على حق أيضًا عندما أوصى بعدم إعطاء الأطفال أدوية إلا فيما ندر (آراء في التربية). لكنه كان ينبغي أن يتوسع في حجته بقدر أكبر، وأن يشير إلى أن الأطباء لا ينبغي استدعاؤهم مطلقًا ما لم تكن حياة مريضهم في خطر شديد؛ لأنه حينئذٍ فقط لا يمكن أن يؤذي هؤلاء الأطباء المحترفون مريضهم بما هو شر من الموت الذي هو مشرف عليه بالفعل (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

رغم أن فلسفة لوك التربوية ككل تستحق الإعجاب في بعض تفاصيلها، فقد كانت قائمة على افتراض خطأ، بحسب روسو؛ لأنه تعامل مع الأطفال وكأنهم راشدون غير ناضجين ويعيشون فترة إعداد لرشدهم، مُصقلين مهاراتهم ومُتعلمين أعمالًا من شأنها تأهيلهم لمستقبلهم كنبلاء، ولا سيما مسك الحسابات (آراء في التربية) الذي برع فيه لوك نفسه براعة لا يضارعه فيها أحد من أبرز مفكري الحضارة الغربية. لكن أن يكون المرء نبيلًا يعني أن يكون «ألعوبة في يد الرأي العام» متزلِّفًا ومنافقًا، بحسب تعليق روسو الذي أضاف في الصفحة الأولى من الكتاب الخامس أنه «لا يحظى بشرف تنشئة رجل نبيل»، وسيتوخى لذلك الحذر لئلا يحاكي لوك في تلك النقطة. وكأنه تقريبًا يتنبأ بما سيقوله ماركس في «الأيديولوجية الألمانية» حيث شكا من كون الرجال فقط صيادين أو صيادي أسماك أو رعاةً أو نُقَّادًا، حاجَّ روسو، على العكس من لوك، أنه لا يريد لتلميذه أن يكون مُطرزًا أو عامل تذهيب أو موسيقيًّا أو ممثلًا أو كاتبًا، ولو أن غايته أساسًا تمييز المهن المفيدة والمحفزة أخلاقيًّا من الفاسدة والمهينة لا الاحتجاج، على غرار ماركس، على التقسيم القسري للعمل بصفة عامة (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن منهج لوك المشوب بالكثير من الخرافات والتحيز والخطأ، بحسب ملاحظة روسو، هو تحقيق الغاية المطلقة من التربية أولًا، بدايةً من تكوين فكرة عن الرب والاطلاع على التاريخ في الإنجيل، وبصفة عامة تدعيم الجانب الروحاني للطبيعة البشرية، وبعدها فقط يمكن الانتقال إلى الجانب المادي (آراء في التربية). ولتكوين فكرة مناسبة عن الروح، يجب أن يتم البدء بالأجساد، ولكن لوك في فلسفته التربوية الموغلة في اللامادية، تمكَّن وحسب من إرساء أسس المادية (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

علاوةً على ذلك، كان روسو مقتنعًا، فيما يتعلق بموضوع التربية الطبيعية، بأن كتاب «عن الروح» لهلفتيوس شَكَّلَ أكثر النماذج المعاصرة سوءًا لهذه المادية. وفي رسالة خطها لجون-أنطوان كومباريه في سبتمبر ١٧٦٢ (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم ٢١٤٧)، وفي ملاحظة في أولى رسائله في «رسائل من الجبل» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث)، زعم روسو أنه كان يعتزم أصلًا الهجوم على هذا العمل المشهور، لكنه تخلى عن انتقاداته بعد ذلك كي لا يربط اسمه بمهاجمي الكتاب. وتوحي المخطوطات المتبقية لرواية «إميل» بأن أغلب عدائه لهلفتيوس ربما نبع من إعادة قراءته للنص في خريف وشتاء عام ١٧٥٩-١٧٦٠ أكثر مما نشأ من اطلاعه الأول عليه الذي تم قبلها بعام. ولكن، علاوة على الإشارات الضمنية الواضحة بشكل جلي لكتاب «عن الروح» التي تظهر في قسم «عقيدة كاهن سافوي»، هناك اعتراضات صريحة على الفلسفة الحسية لهلفتيوس في مسودة رواية «إميل» التي خُطت في أوائل عام ١٧٥٩، والمعروفة ﺑ «مخطوطة فافر»، والتي لا توجد بالنص النهائي، إضافة إلى العديد من التعليقات الهامشية، التي لها الغرض نفسه، في نسخته لكتاب هلفتيوس الموجودة حاليًّا بالمكتبة الوطنية في باريس (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وينصبُّ تركيز كل هذه الفقرات على فكرة أن «الحس هو مصدر الحُكم» أو اشتقاقاتها، المذكورة في الصفحات الافتتاحية للمقالة الأولى لكتاب «عن الروح»، التي اعتبرها روسو مغلوطة بالكلية في الخلط ما بين الانطباع السلبي والفوري عن الأشياء والإدراك المُفَسَّر بفاعلية لعلاقاتها.

في الجزء الخامس من «إلواز الجديدة»، حيث قدم روسو المعالجة الأكمل لموضوع التربية في كتاباته الناضجة بخلاف «إميل»، هاجم روسو كتاب «عن الروح» أيضًا لزعمه أن العبقرية ناتجة وحسب عن الظروف، على أساس أن هذا الزعم يفترض أن عقولنا لا تعدو كونها صلصالًا طيعًا. ومن خلال تبادُل للآراء بين سان-برو وجولي، من ناحية، وولمار زوج جولي من ناحية أخرى، وضع روسو المقابلة بين فلسفته التربوية وفلسفة هلفتيوس التربوية، بحسب فهمه لها، في أكثر أشكالها حدة. فقد أصر وولمار، متحيزًا إلى حد كبير لهلفتيوس، على أنه في غياب الرذيلة أو الخطأ في الطبيعة، فإن أي تشوه في شخصية الإنسان لا يمكن أن يرجع إلَّا للتربية غير القويمة، وهي الفكرة التي أرفق روسو لها تعليقًا بمخطوطته، شاكًّا في أن مؤلف كتاب «عن الروح»، لو كان بحث المسألة بعناية، لكان من الممكن حقًّا أن يفترض أن كل البشر يكونون متماثلين عقليًّا عند الولادة، ولا يختلفون إلَّا في تنشئتهم. إذا كانت أوجه الاختلاف بيننا ترجع دومًا وبالكلية لأثر التربية، بحسب تأكيد سان-برو، لكان من الضروري وحسب أن نغرس في الأطفال وحسب تلك السمات التي يريد معلموهم لهم أن يتحلوا بها (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو إلواز الجديدة). ولمَّا اتفق مع زعم جولي بأن الطفولة لها طبائعها ومشاعرها التي لا يجب التعجيل بها قبل الأوان، احتج سان-برو، على خلاف وولمار، بأن كل طفل يولد بشخصية ومواهب تختص به وحده دون غيره. لقد كانت المقولة المأثورة «التربية بمقدورها فعل كل شيء»، التي صارتْ عام ١٧٧٣ عنوانًا لفصل من فصول كتاب «عن الإنسان» لهلفتيوس المنشور بعد وفاته، والتي أثارت أيضًا اعتراضات ديدرو على أسس مختلفة بعض الشيء، غير متفقة بالنسبة إلى روسو مع أي فهم ملائم لطبيعة نمو الإنسان، وذاتيته، وحريته.

في رواية «إميل»، وبالقدر نفسه من خلال تبادل الآراء الأدبية في «إلواز الجديدة»، وصف روسو فن التربية الصعب دون تعاليم، وإنجاز كل شيء عن طريق عدم فعل شيء (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية) الذي يعتبر نقيض تدريب العقول أو الارتقاء بالشخصية. أوضح روسو لقرائه أن أهم قاعدة في التربية كلها ليست كسب الوقت بل فقدانه، وسلك المسار غير المعتاد لضمان ألَّا تترك التربية الأولى للطفل أي أثر عليه، بل يكون أثرها بدلًا من ذلك «سلبيًّا تمامًا» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن التربية الإيجابية، على غرار ما ينادي به هلفتيوس، هي التربية التي يُدِينها روسو، في «رسالة إلى كريستوف دي بومون»، باعتبارها محاولة لتشكيل عقول شبابية قبل الأوان؛ مما يثقل كاهل الأطفال بصفات لا يتحلى بها سوى الراشدين. وفي المقابل، وصف روسو في تلك الرسالة «التربية السلبية»، مرة أخرى، بأنها تمكِّن الأطفال من تشكيل عقولهم في الوقت المناسب؛ ومن ثم فهي نوع التربية الوحيد الصالح (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع). وحتى في خطته الخاصة بالتربية العامة في «حكومة بولندا»، طرح روسو بالضبط الافتراض نفسه مجددًا. فالتربية السلبية وحدها التي تتفق مع الميول الطبيعية للأطفال يمكنها الحيلولة دون ظهور الرذيلة، بحسب زعمه (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ العقد الاجتماعي وكتابات سياسية متأخرة أخرى). ولذلك، فإن دحضه لهلفتيوس جعله يميل في «إميل» وفي مواطن أخرى نحو مفهوم للصفات الطبيعية للإنسان أقل طوعًا في بعض جوانبه منه في «خطاب عن اللامساواة».

وفي سعيهم لوضع برنامج للتربية السلبية، نصح روسو المربين بأن يُنحُّوا الكتب جانبًا، ويقدموا دروسًا بدلًا من ذلك يستطيع الأطفال من خلالها التعلم بالتجربة المباشرة، أحيانًا في مواقف مصممة بالكامل مقدمًا بحيث تطمس الإحساس الذي يفترض فيه بأنهم حُمِلوا على التعويل على الأشياء لا البشر، وبالتالي تُحفظ لهم حريتهم، بحسب توضيح روسو للأمر في «إميل». لاحظ روسو أن القراءة هي عمومًا لعنة الطفولة، وحتى القصص الخيالية الساحرة للافونتين يجب تجنبها؛ فالغرض الأخلاقي لمثل هذه الحكايات الشعرية عقيم بالنسبة إلى الأطفال الذين يخفقون على الأرجح في فهم مغزاها ويتشبهون بالشخصيات الخاطئة داخلها (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وبما أننا ولدنا غير مكتملين جسمانيًّا وروحيًّا، ينبغي أن يُسمَح لنا بالمرور بشكل طبيعي بمراحل نمونا الطبيعي؛ من مرحلة الرضاعة إلى مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ إلى مرحلة المراهقة ومنها إلى مرحلة الرشد، وهي المراحل التي تُشَاكِلها تقريبًا كتب رواية «إميل»، التي تعتبر عملًا متخصصًا في التربية الطبيعية. علق روسو في الكتاب الأول (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية) أنه مع الحياة تظهر الاحتياجات، لكنها تختلف عن رغبات الأطفال التي تُستثار جدًّا بفعل الخيال لدرجة يستحيل معها إشباعها؛ مما يجعل الأطفال مستبدِّين في طموحاتهم وشكسين في إحباطاتهم، لأسباب وصفها أتباع فرويد لاحقًا باسم الانحراف متعدد الأشكال للأطفال. سيجد الطفل ما يشبعه، لا في التوسيع اللامحدود لإمكاناته، ولا في كبت رغباته، بل في تحجيم فرط رغباته على قوة إمكاناته؛ مما يحقق التوازن بين إرادته وقوته (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

وبينما ينمو عقل الطفل وجسده، كذلك تترسخ رغباته الناشئة داخله. وُلِدَ إميل لا ليكون وحيدًا، بل، شأنه شأن غيره من بني جنسه، وُلد ليدلف إلى النظام الأخلاقي أو نطاق الحياة الاجتماعية (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن ضعفنا يجعلنا اجتماعيين، هكذا اقترح هنا روسو متأسِّيًا ببوفندورف، ومصائبنا المشتركة تؤلف بيننا بالمودة، بالضبط كما توحد بيننا احتياجاتنا المشتركة بفعل المصلحة (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ومن ردود الأفعال الغريزية للشفقة، وهو الشعور النسبي الأول، سينبع تَمَاهِي الأطفال مع معاناة الآخرين، في افتراض وجودهم نفسه (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). في الكتاب الرابع، قدم روسو تبعًا لذلك روايته للشفقة من خلال ثلاث قواعد؛ الأولى: أننا لا نضع أنفسنا محل الأسعد منا حالًا، بل الأكثر منا بؤسًا، والثانية: أننا نأسَى لحال الآخرين فقط بسبب المعاناة التي لا نعتقد أننا محصنون ضدها، والثالثة: أننا نشعر بالتعاطُف، لا مع حجم المعاناة التي يعيشها الآخرون، بل مع عمق تعاستهم (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وفي صحبة الراشدين أولًا، ومن بعدهم أطفال مثلهم، يكتشف الصغار أيضًا أن رغباتهم الملحة يشبعها الذين يدعمون احترامهم الوليد لأنفسهم عبر الأثر الذي يتركونه عليهم، ولاحقًا تصورهم لكيفية نظر الآخرين إليهم. دعانا روسو لأن نمد حبنا لذاتنا إلى الآخرين، فنجعل إحساسنا بمكانتنا مُهمًّا لمن حولنا، الأمر الذي نستطيع تحقيقه فقط إذا نلنا التقدير؛ مما يحيل حبنا الطبيعي لذاتنا إلى فضيلة أخلاقية. بمثل هذه الحجة المختلفة بشكل شديد عن حجته في «خطاب عن اللامساواة»، تتضح فائدة حب الذات المتمايز عن الفخر والخيلاء اللذيْن يبدوان الآن من الآثار الفاسدة لا من صور تجسيد هذا الحب (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

علاوة على ذلك، فإن خروجنا من مرحلة الطفولة تفرضه علينا بالقدْر نفسه الطبيعة. وخلال نمونا الجسمي، ننتقل تدريجيًّا من براءة الرغبة التي ما زالت غائبة إلى الرغبات الوليدة لمرحلة البلوغ التي، مع زيادة وضوح مظاهر الاختلاف الجنسي، وبعزو العقل للأهمية له، تمثل الميلاد الثاني للأطفال (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). كتب روسو في الكتاب الرابع أن «نيران المراهقة لا تعد بالمرة عقبة أمام التربية، بل وسيلة لاستكمالها وإتمامها»، موصيًا المعلمين أن يجيبوا أسئلة الشباب عن الجنس دون إلغاز أو إحراج أو ضحك، فهم بذلك يُعَدُّون وسيلة لإشباع الفضول الجنسي لدى المراهق وليس إثارتها (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وإثارة الرغبة الوليدة يفرض أيضًا، إذا كان للمرء أن يستلذ بها بالكامل، وجوب توجيهها بحيث يكتشف، إذا أراد الشاب أن يحظى بحب الآخرين، أنه يجب أن يجعل نفسه محبوبًا؛ وبذلك تُنَمِّي حاجته لممارسة الجنس نفسها اهتمامًا بعمل صداقات (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). هنا تحديدًا، وكذلك في مواضع أخرى من هذا العمل، يتعرض القراء لصور للتحول الداخلي للرغبات البشرية، تصل إلى ذروتها في ظل أدنى قدر من المعوقات عندما لا يتدخل مُعلم إميل ليمد يد المساعدة. افترض روسو أن الباعث الأناني للرغبة الجنسية تَقْوَى شوكتُه إذ يسمو بفعل عاطفة الحب المتبادَلة. وفي المقابل، اختتم لوك، بعد تعليقه على منافع السفر إلى البلاد الأخرى، كتابه «آراء في التربية» والشاب النبيل الذي يصوره على أعتاب الزواج، تاركًا إياه بعدها في كنف زوجته وتحت رعايتها (آراء في التربية). واختتم روسو أيضًا جزءًا يتناول الأسفار قرب نهاية كتاب «إميل»، ملاحظًا أن كل مَن رأى شعبًا واحدًا وحسب لا يعرف البشرية حق المعرفة (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). لكنه لا يضاهي لوك خجلًا من تناول الجنس، بل كرس قسمًا من الكتاب الرابع ومعظم الكتاب الخامس من «إميل» لاكتمال الجنس بالحب، ولإشباع الرجل والمرأة كلٍّ لرغباته في الآخر.

fig21
شكل ٥-٤: «أول قبلة حب»، بريشة مورو الأصغر، وهي صورة تمثل عمل «إلواز الجديدة» لطبعة بوبر من «الأعمال الكاملة» لروسو (بروكسل، ١٧٧٤–١٧٨٣).

قال روسو في الكتاب الخامس من «إميل» وهو يقدم إميل لرفيقته صوفي التي وعده إياها مُعلمه، وكأنه يذعن، كالرب، لحاجة آدم إلى حواء: «خُلقتِ المرأةُ خِصِّيصَى لإمتاع الرجل.» وإذ أنعم عليها الرب بكل السمات التي تناسب حال جنسها ونوعها، جسميًّا وأخلاقيًّا (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، فهي متقلبة المزاج بطبيعتها، وتتعلم بالإخلاص البسيط أيضًا كيف تمسي متدينة. ولكن، بينما هي على دراية بمواهبها الفطرية، فلا تتوافر لها الفرصة الكافية لصقلها، وتَرضَى بدلًا من ذلك بتدريب صوتها الجميل لتنشد بنغم عذب، وتعوِّد قدميها على المشي بسلاسة ولطف (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). ورغم أن صوفي، شأنها شأن غيرها من النساء، تنضج مزاجيًّا أسرع من الرجال، حيث تتشكل قدرتها على الحكم على الأمور في فترة أسبق، فليس في مقدورها كالرجال بطبيعتهم البحث عن الحقائق المجردة والتأملية، حيث إنها أكثر براعة في السفسطة. وبدلًا من سبر أغوار العلوم القائمة على الاستدلال، ينبغي على المرأة أن تمر عليها مرور الكرام، موظفةً قدراتها الكبيرة في الملاحظة بدلًا من عبقرية الرجل الأكبر، وتُولِي القراءةَ اهتمامًا أقل من الاهتمام الذي توليه للعالَم على العموم الذي يُعتَبَر «كتاب المرأة» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). الجنس الناعم ليس ناقصًا بأي حال من الأحوال؛ لأن النساء منذ الميلاد مساويات للرجال، وحتى سن البلوغ يتعذر إلى حدٍّ كبير التمييز بين الفتيات والصبية. لكن النساء يختلفن عن الرجال جسميًّا، وفي نموهن الجنسي يبدون، إذا جاز التعبير، وكأنهن يحافظن دومًا على طفولتهن، ويعشْن في حالة طبيعية باستمرار، وإن كانت ليستْ بريئة على الدوام، وغايتهن الأساسية هي إنجاب الأطفال (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). فإعلان إميل لمُعلمه، في الفقرة الأخيرة من عمل روسو، أن صوفي حامِلٌ لا يُبَشِّر وحسب بسعادة الأب، ولكن أيضًا بتحقيق صوفي للغرض من حياتها خاصةً بإنجابها تلميذًا جديدًا، يفترض إميل، إن لم يكن روسو نفسه، أنه صبي وسيُكلَّف مُعلمٌ جديد شبيهٌ بمعلم إميل بتربيته (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). إن صوفي ذات العقل الجميل لا العبقري، والشخصية الرزينة لا العميقة، تجد تشجيعًا فقط على أداء مهام بنات جنسها التي تحيط بها علمًا (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). وإذ تختلف النساء عن الرجال في المزاج والشخصية، فلا ينبغي أن يشتركا في نوع التربية نفسه، بحسب استنتاج روسو (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

كان استقبال دعاة تحرير المرأة من نِيرِ عبودية الرجل وطغيانه لتلك التأملات، مماثلًا لذلك الخاص برئيس أساقفة باريس تجاه قسم «عقيدة كاهن سافوي». خلال الثورة الفرنسية، وإثر إقرار «إعلان حقوق الإنسان» عام ١٧٨٩، زعمتْ ماري وولستنكرافت أن تمييز روسو الزائف بين الجنسين عضَّد إنكار الرجال على النساء الحقوق نفسَها التي يتمتعون بها. وفي عملها «دفاع عن حقوق المرأة» الصادر عام ١٧٩٢، أعربتْ وولستنكرافت عن خيبة أملها فيمن كانتْ من المعجبين بشدة بفلسفته التربوية، معتبرة تعليقاته على النساء في «إميل» متعارضة مع هجومه، في «خطاب عن اللامساواة»، على الذين يخلطون ما بين الإنسان المدني والهمجي. لقد حَوَّلَ روسو النساء إلى كائنات تستحق الشفقة التي تصل حد الازدراء، بحسب زعمها، مع شيء من الإنصاف الظاهري، إذ استند إلى الحالة التي يُرثَى لها التي وصلْنَ إليها كدليل على طبيعتهن الفطرية، وبذلك شوَّه مشاعرَه القوية حيال الجنس البشريِّ بملاحظات ساذجة عن قدمَيْ صوفي الرقيقتين.

لكن وولستنكرافت جانَبَهَا الصوابُ عندما افترضتْ أن روسو نظر إلى النساء، استنادًا إلى نوعهن، بشفقة أو احتقار. على العكس تمامًا، فقد كان يعشق النساء، ويُفتَتَنُ بصحبتهن، وسحَرَ لُبَّه الحوارُ الممتع مع السيدة دي لوكسمبرج ولفتاتها الطيبة التي أسبغتها عليه في مونتمورنسي، وتأثر أيما تأثر بالعاهرة زوليتا في البندقية التي أشارت عليه بازدراء أن «اهجر النساء، يا جاكو، وادرس الرياضيات» عندما أحبط رغبتَهُ تأفُّفُه الجنسيُّ من ثَدْيَيْهَا غير المستويين في لقاء وصفه في عمله «اعترافات» بأنه أكثر واقعة موحية وكاشفة عن شخصيته في حياته كلها (الأعمال الكاملة، المجلد الأول؛ اعترافات). وُلِدت رواية «إميل» إلى حدٍّ ما من واقع عشق روسو لصوفي أخرى — صوفي دوديتو — التي كان لها مزاج مختلف وطبيعة متباينة عن صوفي بطلة روايته، وكانت في واقع الأمر، أكثر من أي امرأة أخرى أثرت فيه، أبعد ما تكون عن متناول يديه، ولم يصل إليها إلَّا بكلماته. كان روسو عادة ينظر إلى المرأة نظرة هَيْبة لا تهكم وسخرية، حيث افترض أن أثرهن على الرجال كبير جدًّا لدرجة أنه عندما تتدنى طبيعتهن، كأن يُصبِحْنَ ممثلات، فإنهن يتحمَّلن مسئولية انحطاط الأخلاق عند الرجال. ولقد كانتْ هذه الفكرة المحورية لعمله «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» وهو أمر أسَرَّ به إلى توسان-بيير لينييبس في رسالة بتاريخ ٨ نوفمبر ١٧٥٨ (المراسلات الكاملة، الرسالة رقم ٧٣٠). قال روسو في هذه الرسالة إن «الرجال في كل مكان هم صنيعة النساء»، ناسبًا للمرأة تأثيرًا على الحياة الأخلاقية للرجال يعزوه في عمله «اعترافات» بالقدْر نفسه تقريبًا إلى الحكومة. وأكد روسو على أنه لا يجب الفصل بين الجنسين مطلقًا؛ وذلك لأن كلًّا منهما يعول على الآخر. وهي المسألة التي تتجلَّى بالقدْر الكافي في عمله «رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح» نفسه، حيث يؤكد على أن «المنزل الذي تَغِيب عنه ربته كالجسد الذي تغيب عنه روحه الذي سرعان ما يصيبه العطب» (الأعمال الكاملة، المجلد الخامس؛ السياسة والفنون: رسالة إلى السيد دالمبير عن المسرح).

في «إلواز الجديدة»، تمثل الرسالة رقم ١٨ من الجزء الثالث، التي تتناول زواج جولي من وولمار، الذروة الرومانسية والقسم المحوري للرواية كلها. وبالمثل في «إميل»، فإن الغاية الأساسية للقسم الذي يتناول صوفي والنساء هي استكمال صورة تَشَكُّل هوية الإنسان من عزلته الجنينية حتى الرابطة الزوجية الناجمة عن الاختلاف الجنسي. وغاية روسو الأساسية ليست إنكار الحقوق المدنية لصوفي أو التربية الحرة لزوجها، بل بيان كيف أن الروح البشرية يستحوذ عليها الحب، على غرار ما ذكره أفلاطون، «الفيلسوف الحقيقي للعشاق»، كما وصفه روسو في «إلواز الجديدة» (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني؛ جولي أو إلواز الجديدة). غاية روسو أن يبين لقرائه «كيف أن ما هو جسدي يُفضِي بنا، على نحو عفوي، إلى ما هو أخلاقي، وكيف أن أجمل قواعد الحب تُولَد شيئًا فشيئًا من رحم التوحُّد الخشن بين الجنسين» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية)، حيث يتكون كيان أخلاقي، كامل النمو من الخصال التكاملية للزوج والزوجة، لم يكن ليتحقق له التماسك لو تحدَّد دور المرأة فيه بشكل مستقل. وهذا التوحد تحت مظلة الزواج، الذي يتحقق في بيئة طبيعية مدفوعة بحاجة جسدية وحب روحي للذات، يختلف تمامًا عن تجمع المواطنين على الملأ في جمعية عامة سياسية، بحسب الوصف الوارد في «العقد الاجتماعي»؛ فالحب في هذا التوحد يربط ما بين كل شريك وشريكه لا بينهما وبين الدولة. لاحظ روسو في بداية الكتاب الأول من «إميل» أنه «عندما يُخيَّر المرء بين معارضة الطبيعة أو المؤسسات الاجتماعية، يتعين عليه الاختيار ما بين أن يكون رجلًا أو مواطنًا»، مُعلنًا، بأسلوب شبيه، في بعض الملاحظات المتفرقة حول موضوع السعادة العامة: «قدِّم رَجُلًا بالكامل للدولة، أو اترُكْه بالكامل لطبيعته، ولكن عندما تُشتِّت قلبه بين الاثنين، فإنك بذلك تمزِّقُه تمزيقًا» (الأعمال الكاملة، المجلد الثالث؛ الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). يجب أن يُنزَع تلميذ الطبيعة من المجتمع، ويُترك لطبيعته، كما لو كان يتيمًا (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية). والكتاب الوحيد المناسب له، وهو الذي سيشكل لفترة طويلة مكتبته بالكامل، هو رواية دانيال ديفو «روبنسون كروزو» (الأعمال الكاملة، المجلد الرابع؛ إميل، أو عن التربية).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢