الفصل الثامن

تقارُب الوسائط الرقمية

التقارب

يعرِّف بافليك وماكنتوش التقارُب على أنه «تجمُّع الحوسبة ووسائل الاتصال عن بُعْد والوسائط في بيئة رقمية.» ويقولان إن للتقارب تأثيرًا في أربعة مناحٍ رئيسية:1
  • محتوى الاتصال.

  • العلاقات بين المؤسسات الإعلامية وجمهورها.

  • هيكل منظمات الاتصالات.

  • كيفية أداء اختصاصيي الاتصالات عملهم.

عددٌ من هذه النقاط مشروحٌ في الصورة ٨-١. يندر اليومَ أن تجد صحافيًّا يحمل مفكرةً فحسب أثناء أدائه مهمته. والصورة التالية للصحافي فيليب ليتلتون بشبكة سي إن إن تُظهِره وهو يحرر مقطع فيديو بغرفة أحد الفنادق بموقع تصوير في البرازيل عام ٢٠٠٧ تابع لبرنامج أندرسون كوبر ٣٦٠°. يُنزِّل الصحافي الفيديو الميداني من الكاميرا على الكمبيوتر المحمول؛ حيث يعدِّل كلَّ لقطةٍ ثم يرتِّب اللقطات على شريط زمني خطي مع إضافة الموسيقى التصويرية. وبمجرد أنْ يحرِّر القصةَ الإخبارية، إما أنْ يُرسِلها إلكترونيًّا إلى شبكة سي إن إن، وإما أنْ يُدرِجها في بثٍّ حي ببرنامج أندرسون كوبر من شاحنة متصلة بالأقمار الصناعية. بعد ذلك يعيد الصحافي أو المنتِج كتابةَ القصة الإخبارية لنشرها على موقع سي إن إن. وقبل أن يأوي الصحافي إلى فراشه، ربما يُنتظَر منه أن يكتب منشورًا يوميًّا في صورة تدوينة على موقع مخصَّص لنشرة أخبار أو برنامج إخباري يُبَثُّ على قناة تليفزيونية باشتراكٍ. ولإنجاز هذه المهمة الثلاثية المعتمدة على الوسائط المتعددة،2 يجب أن يكون الصحافي مُراسِلًا، ومصوِّرَ فيديو لتصوير المشاهد المطلوبة، ومحرِّرَ فيديو لتقطيع المشاهد وجمعها في قصة إخبارية مدتها ٩٠ ثانية، وكاتبًا للأخبار على الإنترنت، وأخيرًا وليس آخِرًا، مدوِّنًا ماهرًا. أقل ما يُقال يستلزم هذا من الصحافيين الإلكترونيين أن يصبحوا متعدِّدي المواهب والمهارات.
fig31
شكل ٨-١: المراسل فيليب ليتلتون يستخدم أدوات جمع الأخبار الرقمية ليكتب ويحرِّر إلكترونيًّا مقطعَ فيديو لبرنامج أندرسون كوبر ٣٦٠° بموقع تصوير في البرازيل. الصورة: جيف هاتشينز – تحقيق صحفي من إعداد جيتي إيميجز لشبكة سي إن إن.

يتأثر المحتوى المنقول بقدرة الصحافي المتعدد الوسائط على التمتع ﺑ «الخفة» (مقارَنةً بطاقم أخبار التليفزيون المكون من ثلاثة أو أربعة أشخاص قبل عام ٢٠٠٠). ثمة مناقب ومثالب واضحة للنموذج «الفردي» في تجميع الأخبار المطبق لفكرة تقارُب الوسائط بكثيرٍ من محطات التليفزيون المحلية في الولايات المتحدة؛ فما اغتنمه الصحافي في التقاط محتوًى تلقائي قد يُفقَد في مقطع صوتي أو مقطع فيديو هامشي حصل عليه مراسِلٌ يؤدِّي الآن وظيفةَ المنتج ومصوِّر الفيديو ومختص الصوت. يؤثر التقارب على الكيفية التي تتواصل بها المنظمات الإعلامية مع قطاعاتها الجماهيرية، في الوقت الذي تسعي فيه هذه الشركات بلا هوادة إلى توفير تغطية عالمية للأحداث الإخبارية بعدد أقل من المراسلين. ولا يكفي في هذه البيئة التنافسية عَرْض حزمة فيديوهات محرَّرة بنشرة أخبار الساعة السادسة مساءً؛ فينبغي وجود مراسل يعرض القصة الإخبارية مباشَرةً من موقع الحدث. وإنْ كانت القصة تبرز أخبارًا عاجلة، فربما تُنشَر على موقع القناة الإلكتروني قبل إذاعتها، خشيةَ أن تنشرها شبكةٌ منافسة على موقعها أولًا.

التوكيد على السرعة له أهميةٌ تفوق أيَّ أهميةٍ أخرى، والتكنولوجيا الرقمية جعلت من نقل الأخبار تليفزيونيًّا حال وقوعها أمرًا روتينيًّا. طالَعَ ملايين مشاهدين التليفزيون حول العالم الهجماتِ الإرهابيةَ على مركز التجارة العالمي في نيويورك (والبنتاجون في واشنطن) وقت وقوعها في ١١ سبتمبر ٢٠٠١. قدرٌ كبيرٌ من رعْبِ ووجَعِ المشاهدين كان مستمَدًّا من معرفتهم بأن أُناسًا يموتون في الوقت الذي يشاهدون فيه البرجين ينهاران ومبنى البنتاجون يحترق. دفع هجوم الطيارين اليابانيين على بيرل هاربر في ٧ ديسمبر ١٩٤١ الولايات المتحدة إلى حشد قوتها من أجل خوض الحرب العالمية الثانية، لكن أغلب الأمريكيين تناهى إلى مسامعهم هذا الحدث بعدها بساعاتٍ عبر الأثير، ولم تُعرَض مشاهد الحدث بالأفلام الإخبارية بدور السينما حتى انقضاء عدة أسابيع. واليومَ تبثُّ المنظماتُ الإعلامية بصورةٍ روتينية أحداثًا جديرةً بالعرض بالأخبار حال حدوثها، ويُتوقَّع أن تُواصِل قيامَها بذلك. في عالم توماس فريدمان «المسطح» الذي أطللنا عليه في الفصل السابع، تسافر الأخبار إلى مختلف أرجاء الكوكب بسرعة الضوء، وثمة قلق من أن المجموعات الإرهابية تعتمد على هذا العامل من أجل تعظيم حالة الرعب العالمي المتسبِّبة فيه هجماتها لأقصى درجة.

لا يؤثر التقارُب على الكيفية التي يؤدي بها مختصو الإعلام وظائفَهم فحسب، بل إنه يغيِّر أيضًا من هيكل شركاتهم. كثير من محطات التليفزيون الأمريكية يستغني تدريجيًّا عن مِهَن متخصصة، مثل مصوِّر الفيديو ومحرر الشرائط الصوتية، لمصلحة الصحافيين «العاملين على المنصات كافة» الذين يطبِّقون فكرةَ تقارُب الوسائط، والذين بوسعهم أداءُ وظائف المراسِل والمصوِّر والمحرِّر لقصصهم الإخبارية، وغالبًا أثناء تنقُّلهم. وتأثَّرَتِ الصحفُ في مختلف أنحاء العالم تأثُّرًا عكسيًّا بالانتكاسة المزدوجة المتمثِّلة في تراجُع عدد جمهور القرَّاء، وتدهور عائد الإعلانات مع تحوُّل القرَّاء وأهل الدعاية والإعلان إلى الإنترنت. وكان إجراؤها لمواجهة ذلك هو تقليصَ فَرْقِ العمل وتقليص عدد صفاحاتها وغلق المكاتب الخارجية. ومن أمثلة الجوانب السلبية لتقارُب الوسائط تأثيرُه على مصادر الأخبار التقليدية. من الرائع قراءة الأخبار مجانًا على مواقع الويب، لكنه لن يكون رائعًا إنْ قلَّتْ مصادرُ الأخبار وقلَّ الصحافيون المدرَّبون على نقل الأخبار. في المستقبل القريب، قد يضطر القرَّاء على الإنترنت إلى القبول بمحتوًى رديءِ الجودة يحوي أخطاءً وقائعيةً كتَبَه مراسِلون هواة، أو يضطر إلى دفْعِ اشتراكٍ للنفاذ إلى محتوًى أرقى جودةً أعَدَّه صحافيون متخصِّصون.

والتقارُب يطرح مطالبَ جديدة، لا على الصحافيين وحدهم بل على كل شخص ينقل المعلومات كجزء من مهنته. يندر أن يوجد عرض تقديمي يُقدَّم بشركةٍ من الشركات ولا تصحبه كلمةٌ مقدمة بجهاز العرض لا تضم نصًّا فحسب وإنما تضم صورًا ومؤثراتٍ صوتيةً ومقطعَ فيديو أيضًا. وبرنامج باوربوينت وغيره من تقنيات العرض المشابهة تتيح خلْبَ ألباب الجمهور بالمحتوى المتعدد الوسائط، أو تعذيبهم بمجموعةٍ لا تنتهي من الشرائح الحافلة حتى حوافها بنصوصٍ رديئةِ التحرير وصورٍ لا صلةَ لها بالموضوع ورسومٍ متحركة سخيفة.3 وسأذهب — بفكاهة لا تخلو من الجدية — إلى أنه ينبغي وجود جهاز حكومي (مكتب العروض التقديمية الرقمية، مثلًا) يفرض استخراج رخصةٍ لمَن يعتزم تنفيذ عرض تقديمي رقمي؛ فقبلَ أن يُسمَح لمستخدم برنامج باوربوينت بالحديث أمام مجموعة أكبر من ثلاثة أشخاص، عليه خوض دورةٍ حول مبادئ التصميم الراقي والتواصُل الفاعل، ثم يُثبِت أمامَ ممتحِن لا يلين أن باستطاعته استخدامَ التقنية بفاعليةٍ. تخيَّلْ كيف يمكن أن تغيِّر هذه الفكرةُ من التعليم والتواصل في مجال الأعمال على مستوى العالم.

من التناظُري إلى الرقمي

البشر كائناتٌ تستوعب الإشارات التناظرية، بمعنى أننا لا نستطيع مشاهدة أو سماع الوسائط الرقمية إنْ لم نحوِّلها إلى صيغة تناظرية بوسعنا معالجتها عن طريق حواسنا. تعتمد حاسةُ إبصارنا على موجات وجسيمات لنقل الضوء وتردداته اللونية إلى الشبكية بالعين، وتهتزُّ طبلةُ الأذن والعظامُ الضئيلة في القناة السمعية بحسب الأصوات المولَّدة في بيئتنا الحسية مباشَرةً. تطوَّرَتِ الحواسُّ البشرية على مدار آلاف السنين، ومن الأيسر كثيرًا تكييف تكنولوجيات الاتصال مع حواس الإبصار والسمع واللمس البشرية عن إعادة هندسة أجسادنا.

fig32
شكل ٨-٢: كمبيوتر ألتو الذي طوَّره فريق روبرت تايلور في مركز أبحاث بالو ألتو التابع لزيروكس. لاحِظِ الشاشةَ الرأسية لتحرير المستندات. كان هذا الكمبيوتر من أوائل الكمبيوترات الشخصية وتمتَّعَ بعددٍ من التقنيات المتقدِّمة في ذاك العصر. الصورة: مؤسسة المشاع الإبداعي.
fig33
شكل ٨-٣: كمبيوتر ماكنتوش الذي طوَّره ستيف جوبز وستيف وزنياك وفريقهما في شركة أبل. أتاحت الأيقونات على «سطح المكتب» على الشاشة للمستخدِم خاصيةَ الإشارة والنقر للنفاذ إلى التطبيقات بدلًا من كتابة أسطر من الأكواد. الصورة: مؤسسة المشاع الإبداعي.

بادئ ذي بدء، نحن مخلوقات بصرية بالأساس؛ ومن ثَمَّ فالعروض البصرية هي الواجهة البينية الأكثر شيوعًا بين البشر والأجهزة الرقمية. تُوصَّل السماعاتُ بأغلب الشاشات الإلكترونية لتوفير الرابط السمعي للمحتوى الرقمي، وتسمح أداةُ تتبُّعٍ من نوعٍ ما، مثل الفأرة أو الأزرار الافتراضية، للمستخدِم بالإشارة والنقر على المحتوى المنشود على الشاشة. نحن غالبًا لا نلحظ هذه القدرة، لكن كما أشار لويس مامفورد، أيُّ تقنية يجري تبنِّيها على نطاق واسع تصبح خافية على أعين الملاحظة العرضية. عندما نلتفت إلى شاشة العرض الرقمية، نبحث من فورنا عن الفأرة أو وسيلةٍ ما للتفاعُل مع الصور على الشاشة، وفي المستقبل ستعتمد هذه العملية بخطًى متسارعة على إمكانية تنشيط الشاشة صوتيًّا (وعقليًّا في نهاية المطاف). والتكنولوجيات الرقمية المصمَّمة للاستخدام الحر اليدين للهاتف المحمول والنفاذ إلى الموسيقى هي أمثلةٌ لهذا الضرب من الواجهات.

والشم حاسةٌ بشرية يندر أن تحاول التكنولوجيا التفاعل معها. لكن في نهاية تسعينيات القرن العشرين ابتُكِرت أجهزة طرفية للكمبيوترات الشخصية مصمَّمة كي تنفث روائح بوسع رابط لموقع ويب أن يُطلِقها؛ على سبيل المثال: عندما يزور المرء متجرًا على الإنترنت لتنسيق الورود، بوسعه فعليًّا أن يشم الورود وهو يتصفح الموقع. وعندما يتوجَّه المرءُ إلى موقعٍ يسلِّم البيتزا إلى المنزل، فإن الجهاز سيُطلِق روائح مشابهة. مع ذلك، لأن حاسة الشم عند البشر حاسة شخصية بصورة كبيرة، فإن المحاكاة المُعَدَّة رقميًّا لرائحة البيتزا التي سيجدها مستخدِمٌ ما لذيذةً، ربما يجدها مستخدِمٌ آخَر كريهةً ومنفرة. وأجهزة التعامل مع الواجهة التي تطلق روائح لا تزال في حاجةٍ إلى مزيدٍ من التحسين قبل أن تُستخدَم على نطاق واسع. إلا أن ثمة إمكاناتٍ إبداعيةً ضخمة في هذا المجال؛ لأن حاسة الشم لدينا تؤثر بقوة على حاسة التذوُّق، وأيضًا على استجابتنا أيضًا إلى غيرنا من الأشخاص. وقطاعُ صناعة العطور الذي تُقدَّر قيمتُه بعدة مليارات من الدولارات شاهِد على فتنة الروائح الجذَّابة.

مركز أبحاث بالو ألتو التابع لزيروكس

بوصفنا مخلوقاتٍ تناظريةً، نحتاج إلى أجهزة للتعامل مع الواجهة لتؤدِّي دورَ الوسيط بين حواسنا وأدواتنا الرقمية. كُرِّس عدد ضخم من الأبحاث في مجال علوم الكمبيوتر لهذا الصدد منذ خمسينيات القرن العشرين وستينياته. وكرَّس جيه سي آر ليكلايدر مساحةً كبيرة من مقاله الكلاسيكي «التكافل بين الإنسان والكمبيوتر»4 عام ١٩٦٠ للمناشدات بابتكار تكنولوجيات جديدة لواجهات التفاعُل بين البشر والكمبيوتر. دعا ليكلايدر في مقاله بتطوير أنظمة رقمية للتعرف على الكلام، وأجهزة لوحية رسومية تفاعلية، ونُظُمِ عرضٍ رقمية كبيرة الشاشة، وتقنيات تخزين وافرة السعة؛ وقد طوَّر علماء الكمبيوتر لاحقًا هذه التقنيات كلها مستمدين الإلهام من رؤية ليكلايدر لمستقبلٍ تنتشر به الوسائط المتعددة الرقمية؛ فقد انتبهوا إلى أن استخدام الأشخاص العاديين لأجهزة الكمبيوتر رهن بإنشاء واجهات بشرية أقل تعقيدًا لا تستلزم طباعة أسطر من الأكواد أو تفسير معطيات خام.
أجرى دوجلاس إنجلبارت وفريقه بمركز أبحاث التعزيز بمعهد ستانفورد للأبحاث في بالو ألتو بكاليفورنيا أبحاثًا رائدة معتبرة حول التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر (المذكور في الفصل السادس). بعد أن انخفض تمويل وزارة الدفاع لمركز أبحاث التعزيز في نهاية ستينيات القرن العشرين، انتقل العديد من أعضاء فريق العمل الرئيسيين للعمل لمصلحة شركة زيروكس بمركزها البحثي القريب في بالو ألتو. تأسَّسَ المركز البحثي — الذي يُعتبَر أسطوريًّا الآن — في ١٩٧٠ على يد العالم البارز جاك جولدمان والفيزيائي جورج بيك.5 كانت زيروكس تجني الأرباح الوافرة بينما تبيع مؤسسات الأعمال حول العالم الآلاف من ماكينات نَسْخ المستندات التي تنتجها؛ كي تُسهِم في إنشاء ما وصفته زيروكس لاحقًا — دون تعمُّد المفارقة — ﺑ «المكتب الخالي من الأوراق». ولإنشاء مكتب المستقبل، سعت الشركة إلى التوسع فيما يتجاوز ناسخات المستندات إلى أنظمة المعلومات المعتمدة على الكمبيوتر، وكلفت جولدمان وبيك بتأسيس نسخة في بالو ألتو من مختبرات بيل لابس، تُركز على مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. اختِيرَ الموقع بالمجمع الصناعي القريب من جامعة ستانفورد لقُرْبه من برامجهم المتطورة في علوم الكمبيوتر والهندسة.6 تضم الشركات التي انبثقَتْ عن المجموعات البحثية بجامعة ستانفورد فيرتشايلد سيميكونداكتور وشركة إنتل التي انفصلت عنها بدورها والتي شارَكَ في تأسيسها جوردون مور، المنسوب إليه قانون مور. حتى ذاك الحين لم يكن قد أُطلِق بعدُ على وادي السليكون اسمه، لكن بحلول عام ١٩٧٠ كانت قد أُنشئت بالفعل كتلة حرجة من الشركات الإلكترونية الجديدة في المناطق الواقعة غرب وجنوب منطقة خليج سان فرانسيسكو.
في خريف عام ١٩٧٠، نظَّم جولدمان وبيك بحثًا لاصطياد الكفاءات بهدف استقطاب أفضل العقول في علوم الكمبيوتر في الولايات المتحدة إلى مركز أبحاث بالو ألتو التابع لزيروكس؛ فاستعانا بخدمات العلماء والمهندسين من معهد ستانفورد للأبحاث وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجامعة يوتاه، وجامعة كارنيجي ميلون، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومختبر زيروكس في مقر الشركة الرئيسي بروشستر، نيويورك، أو رتَّبا نقلهم ليشغلوا مراكز بحثية في مركز أبحاث بالو ألتو. واستعان جولدمان وبيك بروبرت تايلور من جامعة يوتاه لإدارة قسم أنظمة الكمبيوتر بالمركز البحثي. وكما سيستدعي القرَّاء من الفصل الرابع، لعب تايلور دورًا محوريًّا في نهاية ستينيات القرن العشرين في إنشاء شبكة أربانت الأولى بوصفه مديرَ وكالة مشاريع الأبحاث المتطورة.7 بادَرُوا في المركز البحثي باستقدامه بسبب صلاته الوثيقة بدوائر علوم الكمبيوتر الناتجة عن عمله بوكالة مشاريع الأبحاث المتطورة، لا سيما الباحثين المتخصصين في بناء شبكات الكمبيوتر. اشترك تايلور مع جيه سي آر ليكلايدر في تأليف مقالٍ ذي أهمية كبيرة في ١٩٦٨، حمل العنوان «الكمبيوتر كوسيلة اتصال»، تنبَّأ فيه بأن الاتصال سيكون وظيفةً رئيسيةً لأجهزة الكمبيوتر.8 لا تَنْسَ أن هذا المقال نُشِر قبل أكثر من عقدين من الزمان من تبنِّي البريد الإلكتروني على نطاق واسع بالمؤسسات، وفي وقتٍ كانت فيه الكمبيوترات المركزية الضخمة لا تزال هي التكنولوجيا المهيمنة. كان بوسع أصحاب الرؤى المستقبلية مثل تايلور وليكلايدر استشراف مستقبلٍ تكون فيه الكمبيوترات الشخصية على سطح كل مكتب، ومتصلة في شبكات بأجهزة الكمبيوتر الأخرى بشركة أو بدولة أو حول العالم. وتحت قيادة جولدمان وبيك وتايلور، شرع العلماء بمركز أبحاث بالو ألتو يبتكرون هذه التكنولوجيا.
بالنظر إلى ما جرى، نجد أن المجموعة البحثية التي جمعها جولدمان وبيك هي نسخة علوم المعلومات والاتصالات من «فريق الأحلام» في كرة السلة في سبعينيات القرن العشرين. فمن جامعة يوتا استُقدِمَ ألان كاي، وكان حينَها قد حصل على درجة الدكتوراه لتوِّه، ومهتمًّا بالكمبيوترات الشخصية بوصفها أداة تدريس وتعلُّم. ومن جامعة كاليفورنيا ببيركلي جاء تشاك ثاكر وبتلر لامبسون وفريقٌ طوَّرَ الكمبيوتر بي سي سي ٥٠٠ الذي كان بوسعه معالجة البيانات لخمسمائة مستخدِم في نفس الوقت.9 لم يكن أعضاء الفريق البارزون كلهم مُستقدَمين من الخارج؛ فقد كان جاري ستاركويزر يعمل بمركز أبحاث زيروكس القائم في روشستر بنيويورك، وسعى إلى الانتقال إلى منشأةِ مركز أبحاث بالو ألتو الجديدة، وقادته خلفيته عن الفيزياء وعلم البصريات إلى أفكار مستبصرة حول استخدام شعاع الضوء المركَّز بكثافةٍ من تقنية الليزر المخترع حديثًا لطباعة المستندات. وأفضى عامان من العمل بمركز أبحاث بالو ألتو إلى اختراع أول طابعة ليزر عملية. ومن مركز أبحاث التعزيز في معهد ستانفورد للأبحاث تحت إدارة دوج إنجلبارت، استقطب فريق المركز البحثي كبيرَ المهندسين بيل إنجليش وغيره من أرفع أعضاء مركز أبحاث التعزيز. شملت خلفيتهم تطويرَ أجهزة مبتكرة للتفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، مثل فأرة الكمبيوتر والشاشات التي تعرض نصوصًا سوداء على خلفيات بيضاء أو رمادية؛ فحينذاك لم يعرض أغلب الشاشات الرقمية سوى حروف بيضاء أو خضراء على خلفية سوداء. ظهرت كذلك ابتكارات في مجال البرمجيات؛ فالمجموعة البحثية تحت قيادة آلان كاي وأديل جولدمان أنشأت واجهة أطلقَتْ عليها سمولتوك، من ميزاتها إمكانية فتح نوافذ متداخلة للنفاذ إلى التطبيقات فورًا، ومؤشر تحركه الفأرة، وأيقونات على الشاشة. طوَّر فريق تشاك ثاكر برنامجًا سمح للمستخدمين بربط عناصر رسومية للتصميم المعماري والهندسي، ما أفضى في النهاية إلى برامج التصميم بمساعدة الحاسوب CAD. ابتكر فريق بقيادة بتلر لامبسون وتشارلز سيموني برنامج برافو، وهو برنامج محرر نصوص من فئة «ما تراه هو ما تحصل عليه»10 يعرض الخطوط بالشكل الذي ستبدو عليه عند طباعتها وسمح بتعديل النصوص بسهولة عبر أسلوب القص واللصق. ولاحقًا غادَرَ سيموني شركةَ زيروكس وانتقل إلى ميكروسوفت، حيث حوَّل تكنولوجيا معالجة الكلمات هذه إلى منتج بالغ النجاح أطلقوا عليه ميكروسوفت وورد.11
إن النُّسَخ المتطورة مما ابتكروه في مركز أبحاث بالو ألتو موجودة على سطح كلِّ مكتب وبكل كمبيوتر محمول وهاتف محمول. ابتكَرَ علماء الكمبيوتر وباحثو الاتصالات بالمركز البحثي واجهاتِ مستخدِم رسومية لأجهزة الكمبيوتر، بحيث لا يضطر المستخدم إلى كتابة أسطر من الأكواد للنفاذ إلى التطبيقات واستخدامها. و«مفاتيح» شاشة اللمس على الهواتف المحمولة التي تعمل على شبكة اتصالات الجيل الرابع؛ هي السليل المباشر لهذه الواجهة التفاعلية بين الإنسان والكمبيوتر التي لا يمكن الاستغناء عنها اليوم. ونهض باحثو مركز أبحاث بالو ألتو بعلم حوسبة العميل-الخادم الذي أرسى أسس كلٍّ من الإنترنت والويب. أفضت أبحاثهم حول الشبكات المحلية والشبكات الواسعة النطاق إلى ابتكار تقنية الإيثرنت على يد روبرت ميتكالف. وإجمالًا، إن العالم المتصل بشبكاتٍ، الذي نستعين به كلَّ يوم للنفاذ إلى الأخبار والرسائل والترفيه، يَدِينُ بالكثير إلى الفِرَق البحثية بمركز أبحاث بالو ألتو التابع لزيروكس.12
على الرغم من الإبداع الذي أبداه طاقمُ العمل بالمركز البحثي، إلا أنَّ سوء اتخاذ القرار من قِبَل الإدارة العليا بزيروكس في ذاك الوقت أصبح دراسةَ حالةٍ تحذيرية تُدرَّس بكليات إدارة الأعمال. فلأكثر من عقد من الزمان، تعاملت الإدارة بطريقة خرقاء مع الجهود المتعددة للانتقال بالمنتجات المبتكرة من المختبر إلى السوق. كانت زيروكس في منتصف سبعينيات القرن العشرين تحت قيادة مجموعة من خبراء الاستثمار المعنيين بهامش الربح أو الخسارة، والمنشغلين بالمحافظة على هيمنتهم على سوق ناسخات المستندات، والذين لم يستوعبوا إمكانات أجهزة الكمبيوتر المتصلة بشبكات وأجهزتها الطرفية.13 والابتكارات مثل كمبيوتر ألتو وواجهة المستخدم الرسومية سمولتوك ومحرر النصوص برافو؛ تُساق كأمثلة على التكنولوجيات التي سبقت بها زيروكس منافسيها بسنواتٍ، لكنها فشلت في استغلالها. من ناحيةٍ أخرى، يُبرِز والدروب أن زيروكس استردت ما يزيد عمَّا استثمرته في مختبر مركز أبحاث بالو ألتو بإتقانها ابتكار الطباعة بالليزر بوصفها جهازَ إخراج ضروريًّا للكمبيوتر.14 وبراءاتُ الاختراع لهذا الابتكار وحده جنت الملايين لزيروكس؛ حيث سحبَتْ هذه الطابعات الدخْلَ المستقبلي من سوق ناسخات المستندات. أما الإرث الأكبر الذي تركه مركز أبحاث بالو ألتو فكان تأثيره على ظهورِ جيلٍ جديدٍ من مهندسي الكمبيوتر وروَّاد الأعمال في هذا المجال. في ديسمبر من عام ١٩٧٩، زار ستيف جوبز وفريقٌ من شركة أبل كمبيوتر المركز البحثي، وقُدِّم لهم عرضان للابتكارات التي طوَّرها المركز البحثي؛ وعلى الرغم من أن أبل كانت قد أدمجَتْ بالفعل النوافذَ على الشاشة وغيرها من تكنولوجيات واجهة المستخدِم الرسومية في كمبيوترها الجديد ليزا، فإنَّ ما شاهَدَه جوبز وفريقه في العرضين بالمركز البحثي كان يمثِّل مستقبلَ الحوسبة الشخصية.15
يعود الفضل في قاسم كبير من نجاح كمبيوتر أبل الشخصي ماكنتوش (انظر الصورة ٨-٣) إلى تبنِّيه لواجهة مستخدِم رسومية هي نسخة مُطابِقة لمشهدٍ يألفه المستخدمون، أَلَا وهو سطح المكتب. في الواقع، كان هذا بالضبط ما شاهَدَه أغلب المستخدمين أمامهم؛ كمبيوتر مستقر على سطح المكتب. نجحت أبل في إدماج هذه الواجهة التي كانت فريدة آنذاك في الكمبيوترات التي كانت في متناول الجماهير. وأتذكر رؤيتي لأول كمبيوتر ماكنتوش امتلكته واندهاشي من الأيقونات على الشاشة، كانت فكرة رائعة مقارَنةً بكتابة أسطر من الأكواد، الأمر الذي انطبق على أجهزة الكمبيوتر الأخرى في ذاك الوقت. كان يمكن إنشاء مجلدات افتراضية لتخزين الملفات، وأمكن سحبها إلى أيقونة سلة المهملات وإسقاطها هناك للتخلص منها. لقد سخَّر مهندسو أبل قدرات تكنولوجيا الكمبيوتر من أجل خلق عالَم افتراضي على سطحِ مكتبٍ رسومي حاكَى ما أَلِفَه المستخدِمون في العالَم الواقعي. ولا يزال هذا الاتجاه مستمرًّا، فحاليًّا يستغل المهندسون المبدعون القفزات الضخمة في قدرة الحوسبة في الأجهزة كافة (قانون مور مجددًا)، من الهواتف المحمولة حتى شاشات العرض الرقمية الثلاثية الأبعاد، لتقديم واجهات تفاعل بين الإنسان والكمبيوتر يجدها المستخدِم أكثرَ طبيعيةً وواقعيةً.
وابتكار المحتوى الرقمي في عالَم تناظري هو عملية ترجمة للأكواد تستلزم الترجمةَ عند الطرف المستقبِل. ويُعبَّر عن الكود الثنائي بوحدة البِت Bit  (اختصار للرقم الثنائي) Binary Digit المكونة من ١ (الدائرة مغلقة) أو ٠ (الدائرة مفتوحة). الكون الرقمي قائمٌ على هذه الثنائية من انغلاق الدائرة وانفتاحها، والأسود والأبيض، وتدنِّي الفولتية وارتفاعها، والمعجزة في ذلك أن التكنولوجيا قد حوَّلت عالَمًا ثنائيًّا تمامًا إلى عالَمٍ حافل بالموسيقى البديعة والصورة الرقمية الأخاذة. قانونُ مور والتوسُّعُ في معالجة الوسائط وسعات التخزين وفَّرَا لنا لوحةَ ألوان رقمية من ملايين الألوان في صور ثلاثية الأبعاد (فيلم أفاتار، على سبيل المثال)، مصحوبة بأصوات ساحرة تصل إلى آذاننا عبر سماعات رأس أو أنظمة الصوت المحيط المكوَّنة من عدة سماعات. ومفتاحُ هذه العملية هو التجزئة، والتي تمكِّن أيَّ موجة تناظرية من التحوُّل إلى أرقامٍ ثم بِتات، وهذه العملية موضَّحة في الشكل ٨-٤.
fig34
شكل ٨-٤: التجزئة: تجري تجزئة موجة الصوت أو الضوء على فترات زمنية منتظمة، وتتحدد قيمة عددية لتلك الفترات الزمنية، ثم يجري تكويد القيمة كأرقام ثنائية وحفظها كجزءٍ من ملف رقمي، وكلما زاد عدد الأجزاء في فترة زمنية معينة، زادت دقةُ المطابقة للمحتوى الأصلي. وعندما يُعاد تشغيل الوسائط في جهاز رقمي، تُترجَم الوسائطُ وتُحوَّل مرةً أخرى إلى صيغة تناظُرية بوسع البشر سماعها أو مشاهدتها. المصدر: مؤسسة المشاع الإبداعي.

الذرَّة في مقابل البِت – منافع الرقمنة

يُبرِز نيكولاس نجروبونتي نقطةً حيوية حول منافع تحويل محتوى الوسائط إلى صيغة رقمية؛ فبمجرد أن يجري تحويل المحتوى التناظري إلى صيغة رقمية، سيكون نشره أقل كلفةً بكثير. يمكن إرسال البتات إلكترونيًّا مقابل جزء ضئيل من كلفة شحن البيانات أو النصوص في صورة مطبوعة (أو كذرات).16 بمجرد أن يُنشأ المحتوى، تصبح التكاليف الإضافية للنشر على الإنترنت عند الحدود الدنيا (خاصةً إنْ كان المستخدِم يدفع مقابلَ النفاذ إلى المحتوى على الإنترنت). أما إنْ كان المحتوى من إنشاء المستخدِم كما هو الحال مع مواقع ويكي (مواقع تتيح للمستخدمين التحريرَ التشارُكي لمحتواها وهيكلها: ويكيبيديا مثلًا)، فعادة ما يكون الاطلاع على المحتوى مجانيًّا. وأتذكر في طفولتي مندوبَ مبيعاتٍ وهو يستجدي والدَيَّ لشراء طبعة جديدة من الموسوعة البريطانية بوصفها وسيلة مساعدة أساسية في التعليم المنزلي، إلا أن سعرها كان يتجاوز ١٠٠٠ دولار. وألمح إلى أنهم إنْ لم يشتروا الموسوعةَ فإن تعليمي وتعليم شقيقي وشقيقتي سيصبح ناقصًا نقصانًا شديدًا. لكنْ بطريقةٍ أو بأخرى أصبحنا أشخاصًا راشدين متعلمين باستخدام نسخة عتيقة من الموسوعة يبلغ عمرها ٢٠ سنة قد ورثناها. واكتسبنا إدراكًا بأن المعلومات المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والجغرافيا في الموسوعات الأقدم غير مستدامة، وتعلَّمنا أن نحدِّد متى نكون في حاجةٍ إلى إيجاد مصدر معلومات أحدث. وثبت أن هذه مهارة في غاية الإفادة قد لا يكتسبها مستخدمو المصادر على الإنترنت، خاصةً إنْ لم تكن المصادر أو تواريخ المراجعة محدَّدةً.
عادةً ما كان محتوى الموسوعة المطبوعة يتقادم بسرعةٍ؛ حيث إنَّ المراجعات الكُبرى لتلك الموسوعات كانت لا تُجرى سوى كلِّ ١٠–١٥ سنة فحسب. كُتِبت الموسوعة البريطانية في القرن العشرين لتكون المصدر الذي يُحتَجُّ به حول المعرفة البشرية في الفنون والعلوم، لكنها واجهَتْ صعوبةً للاستمرار في السوق مع ظهور الاتصالات على الإنترنت. تتيح الشركة التي تُصدِرها الاطِّلاعَ عبر الإنترنت على محتوى الموسوعة عبر اشتراكٍ بقيمة ٧٠ دولارًا بالسنة، في حين أن النسخة الورقية يبلغ سعرها ١٣٩٥ دولارًا.17 وهذا يبيِّن التبايُن في التكلفة بين نسخة «الذرَّة» الورقية من الموسوعة، ونسخة «البت» على الإنترنت، لكن ما لا يتضح ها هنا هو الصراع الذي خاضَتْه الشركة لتظل بالسوق منذ عام ٢٠٠٠ مع انخفاض مبيعات النُّسَخ الورقية انخفاضًا شديدًا. تُسوِّق الشركةُ نسخةً من الموسوعة البريطانية على أسطوانة مدمجة مقابل ٥٠ دولارًا، في حين أن أقرب منافس رقمي لها هو موسوعة إنكارتا من ميكروسوفت، التي يبلغ سعرها بالتجزئة ٤٥ دولارًا. والنقطة المحورية هنا أن النسخة على الإنترنت والنسخة الرقمية يمكن إنتاجهما وتحديثهما ونشرهما بكلفة أقل كثيرًا من كلفة الطبعات الورقية المتعددة المجلدات.
ثمة ابتكارٌ حديث تمثَّلَ في اختراعِ قارئِ الكتب الإلكترونية، الذي ذاع صيته بفضل قارئ كيندل الذي يُعَدُّ أولَ جهازٍ من نوعه يُطرَح بالأسواق ويبيعه متجر التجزئة الإلكتروني أمازون. تُصمَّم الشاشات التي تعرض الكتب الإلكترونية كي تبدو مثل صفحات الكتاب؛ الكتاب الافتراضي، ويظهر النص باللون الأسود على صفحات بيضاء أو رمادية، وتُقلب صفحاته الافتراضية باستخدام أزرار في جانب الجهاز. ويمكن نشر الروايات وغيرها من الإصدارات المطبوعة — كالموسوعات الإلكترونية — بتكلفة أقل كثيرًا في شكل إلكتروني. وبوسع القارئات مثل جهاز كيندل تلقِّي نصوصٍ جديدة لاسلكيًّا، عن طريق بؤر الاتصال اللاسلكي بالإنترنت، أو عبر النقل بالهواتف المحمولة. باعت شركة أمازون ٥٠٠٠٠٠ جهاز كيندل في ٢٠٠٩، وإبَّان موسم الإجازات في ٢٠٠٩ باعت نُسَخًا إلكترونية من الكتب (من ٣٩٠٠٠٠ عنوان إلكتروني متاح) تزيد على الطبعات الورقية التي باعتها.18 وستُحدِث الكتب الإلكترونية ثورةً في أسواق الكتب الدراسية بالمدرسة والمرحلة الجامعية، مع لجوء المناطق التعليمية وطلاب الجامعات إلى تأجير الطبعات الحديثة من الكتب بدلًا من دفع أثمان باهظة مقابل النسخ الورقية التي ستُصبح بالية عمَّا قريب. من وجهتَيِ النظر اللوجيستية والبيئية، تعد الكتبُ الإلكترونية تحسنًا كبيرًا عن النسخ الورقية من حيث إنه يمكن توفير ملايين الأطنان من الورق وأشجار الغابات التي يجري تصنيع الورق منها، عن طريق نشر الكتب في صورة بِتات بدلًا من ذرات. ويمكن أن تضم النصوص الإلكترونية روابطَ مباشِرة إلى الإنترنت (وقد أدرجتُ تلك الروابط في الاستشهادات بالنسخة الإلكترونية من هذا الكتاب). من وجهة نظر هارولد إينيس المنتمية للقرن العشرين، الكتابُ الإلكتروني محاكاةٌ زائفة للكتب؛ فقد اعتبر إينيس الكتب «مرتبطة بالزمان»، وتمتَّعَتْ باستمراريةٍ لم تتمتَّع بها الوسائطُ «المرتبطة بالمكان» مثل الراديو والتليفزيون. والكتاب الإلكتروني بنصوصه التي تتَّخِذ صورةَ وحدات بت تجعل الكتب أسرع زوالًا وأكثر شبهًا بالوسائط الجماهيرية الإلكترونية. لن تختفي الكتبُ الورقية عمَّا قريب، لكنْ سيضطر القرَّاء إلى دفع مبالغ أكبر إنْ رغبوا في الإمساك بكتابٍ ورقي بين أيديهم.

خمس سمات رقمية

مِنَ المعين لمَن يعيشون ويعملون في الكون الرقمي أن يعوا خمس سمات رئيسية تؤثر على إنتاج الوسائط الرقمية وتخزينها ونقلها:
  • (١)
    «قابلية تغيير الحجم»: هي سمة رقمية رائعة تسمح لمستخدم الوسائط الرقمية بإجراء تنازلات في جودة الصوت أو الصورة مقابل إنشاء ملفات بأحجام أصغر. من المحتمل أن القرَّاء الذين يتبادلون الصور الرقمية قد تسلَّموا صورة من صديق أو قريب لم تُجْرَ إعادةُ تحجيمها. عندما يفتح المشاهد الصورة يجدها كبيرةَ الحجم لدرجةِ أنه لا يرى سوى عين أو أذن الشخص بالصورة، وهي نتيجة قد تكون مُفاجأةً لمتسلِّم الصورة. إنها مشكلة تصبح سهلة الحل عند الاستعانة ببرمجيات تحرير الصور مثل فوتوشوب® أو جي آي إم بي؛ حيث تعيد تحجيم الصور الأفقية من ٢٥٠٠ بكسل عرضًا إلى أي حجم أصغر منشود. يتقلَّص حجم الملف تبعًا لذلك، ويمكن إرسال الصورة بسهولة إلى صديق أو فرد بالأسرة دون إزحام صندوق بريده الإلكتروني. يمكن تغيير جودة كل أنواع الوسائط الرقمية — الموسيقى أو الصور أو الفيديو — لتسهيل تخزينها أو إرسالها بالبريد الإلكتروني أو حفظها؛ وهذه سمة رئيسية في نشر الوسائط على الإنترنت بحيث تُحمَّل الصفحات بسرعة. وسيتذكر مستخدمو الإنترنت منذ أمد بعيد تلك الأيام قبل الاتصالات العريضة النطاق، عندما كانت الصور تُحمَّل من أعلى لأسفل، أو تُحمَّل مشوشة ثم تضاف إليها تفاصيل متداخلة والمشاهد يطالعها. قابلية تغيير الحجم تمنح مُنشِئ الوسائط قدرةً لا محدودة على تغيير حجم الوسائط حتى المستوى المنشود، بناءً على عرض نطاق الشبكة وسعة التخزين.
    والضغط الرقمي هو التكنولوجيا التي تتيح قابلية تغيير الحجم، وتتضمن استخدام خوارزميات معقدة لتقليص أحجام الملفات بطرقٍ لا ينبغي أن تلحظها العين أو الأذن البشرية. إنه ضرب من الممارسات السحرية التقنية التي يعرفها أكثرَ من غيرهم مواطنو العالَم الرقمي، الذين ينزِّلون موسيقى على هواتفهم المحمولة أو مشغلات الموسيقى المحمولة. وتنسيقُ ضغط الملفات إم بي ثري يتخلص مما يصل إلى ٩٠ بالمائة من البيانات من ملفات الموسيقى على الأسطوانات المدمجة.19 وبوسع شخصٍ له باع في الاهتمام بالإنتاج الصوتي العالي الدقة أن يميِّز بسهولةٍ الفرقَ في جودة الموسيقى بين النسختين المضغوطة وغير المضغوطة؛ لكنَّ سعادةَ أغلب المستخدمين بتوافُر المزيد من الأغاني على مشغِّلاتهم تطغى على شكواهم من مسألة الجودة الصوتية. ويُستخدم الضغط مع كل أنواع الوسائط الرقمية لجعل الملفات أصغر حجمًا؛ ومن ثَمَّ يتيح مساحةً لبيانات أكبر على أي وسيط تخزين.
  • (٢)

    «قابلية الامتداد»: هي قدرة منتجي البرمجيات على إنتاج نُسَخٍ جديدة ومحسَّنة من البرمجيات دون تحويل النسخ الأسبق إلى برمجيات بالية. بوسع مستخدمي النسخ الأقدم مواصلة استخدامها دون الحاجة إلى الترقية مع طرح كل نسخة جديدة؛ وهذه خطوةٌ في غاية الذكاء من قِبَل منتجي البرمجيات للحفاظ على قاعدتهم من العملاء على مدار سنين طوال، وعلى مدار ترقيات عدة للبرمجيات. والحفاظُ على التوافق مع النُّسَخ الأقدم يضيف تعقيدًا إلى عمل مطوِّري البرمجيات عندما يضيفون ميزات جديدة، لكن العملاء يقدِّرون عدم اضطرارهم إلى شراء نُسَخ جديدة تمامًا من البرمجيات كلَّ عام أو عامين. تنشأ مشكلةٌ كبيرة عندما تطرح شركةٌ مثل ميكروسوفت نظامَ تشغيلٍ جديدًا، مثل فيستا، يؤدِّي إلى تقادُم البرمجيات الأقدم. تمسَّكَ كثيرٌ من المستخدمين بنظام تشغيل إكس بي بسبب الأخطاء التي لمسوها في فيستا قبل الترقية إلى ويندوز ٧.

  • (٣)

    «قابلية النَّسْخ»: هي القدرة على صنع عددٍ لا محدود من النُّسَخ طبق الأصل من الملف الرقمي؛ فحتى النسخة الألف تتمتَّع ببتات المعلومات نفسها كالملف الأصلي. إحدى المشكلات في إعداد نُسَخ من الوسائط التناظرية هي أن النُّسَخَ سريعًا ما تنخفض في الجودة مع كل نسخة تُصنع. بوسع أي شخصٍ قام بنَسْخ شريطِ فيديو في إتش إس تناظُري أن يلحظ قدرًا من التدنِّي في الجودة المرئية في النسخة المُعَدَّة؛ فالصورة تضعُف والألوان تُشوش. يمكن نسخ ملفات الفيديو الرقمية مرارًا وتكرارًا دون أيِّ تدنٍّ في الجودة إنْ لم تكن الملفات مضغوطةً. قابليةُ النَّسْخ هي إحدى أنفع السمات من بين السمات الرقمية كافة؛ فيمكن نَسْخُ الصورة الرقمية وتغيير النسخة المُعَدَّة بإبداعية باستخدام برمجيات التلاعُب بالصور، ويُحفَظ الملف الرقمي الأصلي دون إدخال تعديلات عليه ليكون مصدرًا للنُّسَخ المعدَّلة المستقبلية. ويمكن إعداد نُسَخٍ طبق الأصل من الملف الأصلي، أو يمكن التعديل على النُّسَخ كيفما يرى المستخدم. تكمن الخاصية المميزة لهذه السمة في الحفاظ على كل البيانات في الملف الأصلي دون مساس ودون أي تغيير يُذكَر.

    ومن ثَمَّ، أحدُ أهم الأوامر لأي شخص يعمل بالكون الرقمي هو النَّسْخ (أو اختصار أمر النَّسْخ على لوحة المفاتيح CTRL+C). القدرةُ على إعداد عدد لا نهائي من النُّسَخ أداةٌ قوية لأي شخص يعمل على مستندات رقمية أو ملفات وسائطية أو حِزَم البيانات؛ وتتيح أيضًا لأي شخص إعدادَ نسخة رقمية طبق الأصل من أغنية أو صورة أو فيلم له حقوق تأليف ونشر. قد أدى هذا إلى نموٍّ ضخمٍ في القرصنة الرقمية على الوسائط ذات حقوق التأليف والنشر، وهو ما يُعتبر نتيجة غير مقصودة للرقمنة. إن التبعات غير المقصودة لتحويل الوسائط التناظرية إلى صِيَغ رقمية تُلقِي بالضوء مرةً أخرى على نَقْد إيلول القائل بأن الآثار الإيجابية لتبنِّي التكنولوجيا لا سبيل لفصلها عن آثاره السلبية، وسأتناول هذا الموضوع في الفصل المقبل حول شبكتَيِ الإنترنت العامة والخاصة.
  • (٤)

    «قابلية التشغيل البيني»: هي سمة تؤدي الوظيفة الدال عليها اسمها. في الظروف المثالية، تجعل هذه السمة المكونات المادية والبرمجيات تعمل معًا بسلاسة، وعادةً ما تؤدِّي هذه الوظيفة. يتفوق بعض المصنِّعين ومطوِّري البرمجيات على غيرهم في هذا الصدد. تتمتع أبل بسمعة طيبة حيال قابلية أنظمة تشغيلها والمكونات المادية لأجهزة الكمبيوتر التي تصنِّعها وبرمجيات التطبيقات للتشغيل البيني. يعود قدرٌ كبيرٌ من نجاح أجهزة آي ماك وآي بود وآي باد وآي فون إلى مهارة أبل في جعل الواجهة بين المكونات المادية والبرمجيات والمستخدم النهائي سلسةً قدرَ الإمكان.

    ينزع مستخدمو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى ملاحظة قابلية التشغيل البيني عند غيابها، أكثر من ملاحظتهم لها حال توافرها. في خضم عجلة منتجي المكونات المادية ومطوِّري البرمجيات لطرح منتج بالسوق، فإنهم لا يختبرون المنتج كليًّا على المستخدمين المحتملين؛ وعندها يتحوَّل المستخدمون الفعليون إلى مختبرين لمنتجٍ تجريبي أو خدمةٍ تجريبية، دون علمٍ ودون رغبة منهم، من أجل تصحيح ما به من أخطاء، ويستشيط غضبهم ويُصَابون بالإحباط عندما لا يتمكَّنون من استخدام المنتج كما في الدعاية له. ويتعلَّق جزءٌ من هذه المسألة بظاهرة «التعقيد» التي أطللنا عليها في الفصل الثاني. ومع إضافة ميزات جديدة إلى الأجهزة، تزداد تصاعديًّا صعوبةُ اختبارها كليًّا في المنتج نفسه أو في تفاعلها مع الخدمات الأخرى؛ ومن ثَمَّ أصبح المستخدِم هو المختبر التجريبي فيما يتعلق بالكشف عن العيوب بالمكونات المادية بالجهاز أو البرمجيات المثبتة عليه؛ وهي المشكلات التي يُصدِر المصنِّع لها برنامجًا تصحيحيًّا أو إصلاحًا في النُّسَخ اللاحقة من البرنامج. وستستمر هذه المشكلة في الحدوث ما دام موفِّرو سلعِ وخدماتِ تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يبيعونها إلى المستهلكين دون اختبارها كليًّا أولًا.

  • (٥)

    «البيانات الوصفية»: سمة رئيسية أخرى للوسائط الرقمية، وتعني حرفيًّا بيانات تصف البيانات. قد يبدو هذا مفهومًا مجردًا، لكن أي شخص يتعامل مع الموسيقى أو الصور الرقمية على الإنترنت سيألفها؛ فعندما يستمع المستخدم إلى أغنية على بث الراديو عبر الأقمار الصناعية أو على أي مشغِّل موسيقى، بوسعه مشاهدة اسم المغني واسم الأغنية واسم الألبوم وعادةً صورة للألبوم. في رأيي هذه واحدة من أجمل السمات للوسائط الرقمية؛ ففي ماضي العصور التناظرية المظلمة، كنا نأمل أن يعرِّفنا مذيع الراديو بالأغنية التي شغَّلوها للتو. كان يثير حنق المرء أن يستمع إلى أغنيةٍ يحبها ثم يتحوَّل مسئول الفقرة فجأةً إلى إعلانٍ دون أن يعلن المذيعُ عن ذلك. وبالنسبة إلى المصوِّرين الرقميين، يَحْوِي كلُّ ملف صورةً على بيانات أساسية حول تاريخ ووقت التقاط الصورة، إلى جانب بيانات وصفية بشأن الكاميرا المستخدمة وإعدادات التعريض الأساسية. الملفاتُ غير المعالجة التي تلتقطها الكاميرات الرقمية المتطورة تحتوي على بيانات أكثر للصور، وتسمح بالتلاعب لاحقًا في تباين الصورة وألوانها وشدة سطوعها. وكلُّ ملف صورة غير معالج يضم بيانات تسمح بتعديلات لا نهائية باستخدام برمجيات التلاعب بالصور.

غيَّرت هذه السمات الخمس من اقتناء الوسائط الرقمية ومعالجتها ونشرها، وسهَّلت كذلك من تقارُب الوسائط، وهي أيضًا عوامل حيوية في خلق عالم مشبَّع بالوسائط؛ حيث يمكن افتراضيًّا لأي شخصٍ متصلٍ بشبكةٍ أن يُنتِج محتوًى رقميًّا ويشاركه الآخَرين. وبجعل النصوص والصور ومقاطع الفيديو وملفات الصوت الرقمية مواتية أكثر للاستعمال، فإن الرقمنة تشجِّع على استخدام الأجهزة للوصول إليها غالبًا لدرجة أننا قد نشعر بفقدان الإحساس بالزمان والمكان من دونها. لقد أصبحت هذه الأجهزة الرقمية ومحتواها امتدادات لحواسنا، وسيزداد استخدامها مع اكتساب التطبيقات مزيدًا من القدرات. إن التكافل بين ما هو رقمي وما هو تناظُري (بشري) الذي استشرفه جيه سي آر ليكلايدر منذ أكثر من نصف قرن مضى؛ أصبح الآن شيئًا اعتياديًّا في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيًّا، بل سيصبح أيضًا أكثر تغلغلًا على نطاقٍ عالمي في المستقبل مع تحوُّل تقارُب الوسائط إلى سمة رقمية عالمية.

هوامش

(1) J. Pavlik and S. McIntosh, “Convergence and its Consequences,” in E. P. Bucy (ed.), Living in the Information Age: A New Media Reader (Belmont, CA: Wadsworth, 2005), 68.
(2) In ice hockey a “hat trick” is three goals scored by a player in a single game, but the term is used in other sports as well.
(3) D. McMillian, Life after Death by PowerPoint (2007). Retrieved January 11, 2010, from http://www.youtube.com/watch?v=ORxFwBR4smE.
(4) J. C. R. Licklider, “Man-Computer Symbiosis,” IRE Transactions on Human Factors in Electronics (March 1960), 4–11. Retrieved February 20, 2011, from http://groups.csail.mit.edu/medg/people/psz/Licklider.html.
(5) M. Waldrop, The Dream Machine: J. C. R. Licklider and the Revolution that Made Computing Personal (New York: Penguin, 2001), 333–410.
(6) Ibid., 338.
(7) J. Abbate, Inventing the Internet (Cambridge, MA: MIT Press, 1999), 43–55.
(8) J. C. R. Licklider and R. W. Taylor, “The Computer as a Communication Device,” Science and Technology (April 1968). Retrieved January 7, 2010, from http://gatekeeper.dec.com/pub/DEC/SRC/publications/taylor/licklidertaylor.pdf.
(9) Waldrop, The Dream Machine, 346.
(10) WYSIWYG is an acronym for What You See Is What You Get in text-editing and graphic design software, and was a revolutionary concept at its inception.
(11) Waldrop, The Dream Machine, 383–6.
(12) Ibid., 380–2.
(13) D. K. Smith and R. C. Alexander, Fumbling the Future: HowXerox Invented, then Ignored, the First Personal Computer (New York: William Morrow, 1988).
(14) Waldrop, The Dream Machine, 387–410.
(15) M. Hiltzik, Dealers of Lightning: Xerox PARC and the Dawn of the Computer Age (New York: HarperBusiness, 1999). Xerox invested $1 million in Apple in April of 1979, and this relationship (though soon severed) is what allowed Jobs and his design team to demand that they be shown PARC’s proprietary technology. The Apple group was especially interested in the demonstration of Smalltalk, and after seeing it Jobs exclaimed: “Why hasn’t this company brought this to market? What’s going on here? I don’t get it!” Apple’s engineers later replicated the Smalltalk features they had seen in the PARC demonstration and included them in the Lisa and Macintosh computers in 1983 and 1984.
(16) N. Negroponte, Being Digital (New York: Alfred A. Knopf, 1995), 11–20.
(17) Price data for the online and hard copy editions is from theEncyclopaedia Britannica website: https://safe.britannica.com/registration/freeTrial.do?partnerCode=EBO_DWHEADER.
(18) K. Allen, “Amazon E-Book Sales Overtake Print for First Time,” Guardian (December 28, 2009). Retrieved January 15, 2010, from http://www.guardian.co.uk/business/2009/dec/28/amazon-ebook-kindle-sales-surge.
(19) MP3 represents the MPEG-1 Audio Layer 3 compression scheme for music file size reduction. Compression algorithms can be either “lossless” or “lossy.” The former preserves most of the data in the original file and the latter discards more of the data and typically results in a much smaller file. High-quality TIFF files for images are typically lossless and JPG files of the same image are lossy, and are typically smaller than their TIFF versions.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤