الفصل التاسع عشر

التَّحَرُّكُ

صَارَتِ الْمَعَارِكُ غَرِيبَةُ الطَّابَعِ مَلْمَحًا لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ مِنَ الْعَالَمِ؛ فَدَائِمًا تُسْمَعُ أَصْوَاتُ الْقَصْفِ وَهَدِيرُ الْمَدَافِعِ الْمَكْتُومُ فِي الْأُفْقِ.

صَدَرَ الْأَمْرُ لِكَتِيبَةِ هنري أَنْ تَحُلَّ مَحَلَّ كَتِيبَةٍ أُخْرَى ظَلَّتْ قَابِعَةً فَتْرَةً طَوِيلَةً دَاخِلَ بَعْضِ الْخَنَادِقِ الرَّطْبَةِ. أَحَاطَتْ أَصْوَاتُ الْقِتَالِ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وانْبَعَثَ الضَّجِيجُ مِنَ الْغَابَةِ أَمَامَهُمْ مُبَاشَرَةً وَعَلَى يَسَارِهِمْ، بَيْنَمَا زَادَتِ الْأَصْوَاتُ عَلَى يَمِينِهِمْ سُوءًا كُلَّ دَقِيقَةٍ، وَسُرْعَانَ مَا تَعَذَّرَ سَمَاعُ صَوْتِ أَحَدٍ.

أَرَادَ هنري أَنَّ يُمَازِحَ رِفَاقَهُ، لَكِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ. أَخِيرًا تَوَقَّفَتْ أَصْوَاتُ الطَّلَقَاتِ وَبَدَأَتِ الشَّائِعَاتُ تَسْرِي بَيْنَ الرِّجَالِ مِنْ جَدِيدٍ. تَحَدَّثَ الْجُنُودُ عَنِ الْمَعَارِكِ الْأُخْرَى وَالْكَوَارِثِ الَّتِي نَجَوْا مِنْهَا.

وعِنْدَمَا انْطَلَقَتْ أَصْوَاتُ الْمَدَافِعِ مِنْ جَدِيدٍ، بَدَا البُؤسُ عَلَى وُجُوهِ الجُنُودِ وَبَدَءُوا يُغَمْغِمُونَ، وَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِمْ يَقُولُ: «مَا الَّذِي يُمْكِنُنَا فِعْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟» سَمِعُوا شَائِعَاتٍ أَنَّ جَيْشَهُمْ كَانَ يَخْسَرُ الْحَرْبَ.

قَبْلَ أَنْ يَنْقَشِعَ الضَّبَابُ، تَقَدَّمَتِ الْكَتِيبَةُ بِحَذَرٍ دَاخِلَ الْغَابَاتِ. كَانَ رِجَالُ الْعَدُوِّ يُشَاهَدُونَ أَحْيَانًا وَهُمْ يُسْرِعُونَ وَسْطَ الْأَشْجَارِ وَالْحُقُولِ الصَّغِيرَةِ، وكَانُوا يَصِيحُونَ مُتَحَمِّسِينَ سُعَدَاءَ.

عِنْدَمَا رَأَى هنري ذَلِكَ، تَمَلَّكَهُ الْغَضَبُ، وَصَاحَ: «إِنَّنَا خَاضِعُونَ لِسَيْطَرَةِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْحَمْقَى!»

قَالَ أَحَدُ رِفَاقِهِ: «كَثِيرُونَ قَالُوا هَذَا الْكَلَامَ الْيَوْمَ.»

بَدَأَ هنري يَشْكُو بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ مِنْ قَائِدِ الْجَيْشِ، لَكِنَّ ويلسون أَوْقَفَهُ.

قَالَ بِصَوْتٍ مُرْهَقٍ: «لَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ يَا هنري. لَقَدْ بَذَلَ مَا فِي وُسْعِهِ، وَمِنْ سُوءِ حَظِّنَا أَنْ نَخْسَرَ الْحَرْبَ.»

قَالَ هنري بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: «أَلَمْ نُحَارِبْ كَالشَّيَاطِينِ؟ أَلَمْ نَفْعَلْ كُلَّ مَا بِاسْتِطَاعَةِ الرِّجَالِ فِعْلُهُ؟»

شَعَرَ هنري بِدَهْشَةٍ خَفِيَّةٍ مِمَّا قَالَهُ. شَعَرَ بِالذَّنْبِ لَحْظَةً، لَكِنْ لَمْ يُشَكِّكْ أَحَدٌ فِي حَقِّهِ لِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَسُرْعَانَ مَا عَادَتْ إِلَيْهِ شَجَاعَتُهُ.

قَالَ ويلسون: «لَنْ يَقُولَ أَحَدٌ إِنَّنَا لَمْ نُحَارِبْ بِضَرَاوَةٍ، لَكِنَّ الْحَظَّ لَمْ يَكُنْ حَلِيفَنَا.»

قَالَ هنري: «حسَنًا إِذَنْ، إِنْ كُنَّا قَدْ قَاتَلْنَا جَيِّدًا هَكَذَا، فَلَا بُدَّ أَنَّهُ خَطَأُ الجِنْرَالِ. لَا أَرَى أَيَّ مَنْطِقٍ فِي أَنْ نُحَارِبَ طِيلَةَ الْوَقْتِ وَنَخْسَرَ دَائِمًا بِسَبَبِ حَمَاقَتِهِ.»

قَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسِيرُ بِجِوَارِهِ: «لَعَلَّكَ تَظُنُّ أَنَّكَ حَارَبْتَ جَيْشَ الْعَدُوِّ بِأَكْمَلِهِ أَمْسِ يَا هنري.»

عِنْدَهَا صَمَتَ هنري. كَانَ يَخْشَى أَنْ يَسْأَلَهُ الْآخَرُونَ عَنْ مَزِيدٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ حَوْلَ مَا حَدَثَ لَهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ. لَمْ يُرِدْ لَفْتَ الِانْتِبَاهِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

فِي النِّهَايَةِ، تَوَقَّفَتِ الْكَتِيبَةُ فِي مَكَانٍ خَالٍ تُحِيطُ بِهِمْ أَصْوَاتُ الْمَعْرَكَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.

تَذَمَّرَ هنري قَائِلًا: «دَائِمًا نُطَارَدُ كَالْفِئْرَانِ. لَا أَحَدَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ أَوْ لِمَاذَا نَتَحَرَّكُ. فَقَطْ يُحَرِّكُونَنَا هُنَا وَهُنَاكَ. الْآنَ لَدَى الْعَدُوِّ كُلُّ الْوَقْتِ لِلِاسْتِعْدَادِ لَنَا، وَنَحْنُ قَدْ وَصَلْنَا لِلتَّوِّ. لَا تُحَدِّثْنِي عَنْ سُوءِ الْحَظِّ، فَأَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ. إِنَّهُ هَذَا الْعَجُوزُ اللَّعِينُ …»

قَاطَعَهُ ويلسون وَقَالَ لَهُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَاثِقٍ: «سَيَكُونُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ فِي النِّهَايَةِ.»

اكْتَمَلَ طُلُوعُ النَّهَارِ، وَأَشْرَقَتِ الشَّمْسُ بِكَامِلِ أَشِعَّتِهَا عَلَى الْغَابَةِ. انْطَلَقَتْ إِحْدَى الطَّلَقَاتِ فِي الْغَابَةِ أَمَامَ الْكَتِيبَةِ، وَأَعْقَبَتْهَا عِدَّةُ طَلَقَاتٍ بَعْدَ أَقَلَّ مِنْ دَقِيقَةٍ. اجْتَاحَتِ الْغَابَاتِ جَلَبَةٌ مُدَوِّيَةٌ مِنَ الِاشْتِبَاكَاتِ وَالصِّرَاعَاتِ، وَأَصْبَحَ ضَجِيجُ الْمَعْرَكَةِ رَعْدًا مَلِيئًا بِانْفِجَارَاتٍ مُمْتَدَّةٍ.

انْتَظَرَ أَفْرَادُ الْكَتِيبَةِ. كَانُوا مُنْهَكِينَ ولَمْ يَأْخُذُوا قِسْطًا كَافِيًا مِنَ النَّوْمِ، فَضْلًا عَنْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا كَثِيرًا. نَظَرُوا نَحْوَ الْمَعْرَكَةِ الْوَشِيكَةِ، وَانْتَظَرُوا الصَّدْمَةَ. ارْتَدَّ بَعْضُهُمْ إِلَى الْوَرَاءِ قَلِيلًا خَوْفًا مِنَ الْأَصْوَاتِ، بَيْنَمَا ثَبَتَ الْبَاقُونَ فِي أَمَاكِنِهِمْ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢