الفكر وعامله في الثورة

الثورات الهائلة التي أجرت الدماء كالسواقي، وجعلت الحرية تُعبَد كالآلهة، كانت فكرًا خياليًّا مرتعشًا بين تلافيف دماغ رجلٍ فردٍ عائش بين ألوف الرجال.١
جبران خليل جبران في الأجنحة المتكسرة

إن الفرد إنما هو صوتٌ واحد ينطق باسم ملايين من الناس الصامتين؛ فالرجل العظيم إنما هو عظيمٌ بشعبه لا بنفسه. هو يستمد معظم قُوَّته مما يُحيط به من الأشياء والظروف والرجال.

(أمين الريحاني في مقالة ينتقد فيها تاريخ كارليل عن الثورة الفرنسية)

أمَّا أن الفكر كانت له يد في إيقاد الثورة الفرنسية، فذلك ما لا يضعه مؤرخٌ موضع الشك والجدال. وقد كان للفكر، ولا يزال، أَثره الكبير في أحداث الانقلابات، من عنيفةٍ سريعة أو سلميةٍ بطيئة.

وغنيٌّ عن البيان أن موضوع هذا الكتاب يستدعي فصلًا عن أعلام المفكرين الفرنسيِّين الذين سبقوا الثورة فكانت آراؤهم ومذاهبهم عاملًا من عوامل التمهيد لها، ثم كانت أشبه بمصابيحَ دَرَج على ضوئها كبار الثورة وقادتها. على أن المؤرخ حين يعرض لتأريخ الأفكار يجد نفسه فورًا أمام عُقدةٍ محيِّرة: من أين يبدأ؟ فحقل الأفكار، الذي يجده زاهرًا في دورٍ من الأدوار، يجد منه بذورًا في عصورٍ سبقَته حتى بمدًى طويل أحيانًا.٢

وقد كان لنا مُعلِّمٌ يستخفُّ بنا كلما عالجنا موضوعًا فبدأنا ببدء العالم وقلنا في فاتحة الإنشاء: خلق الله الدنيا … على أن عملنا، والحق يُقال، لم يكن خِلوًا من الحقيقة؛ لأن كل موضوعٍ يكاد يبدأ تقريبًا ببدء العالم.

غير أن مؤرخي الثورة يركِّزون اهتمامهم على دور الانقلاب العقلي الذي سبق الثورة في القرنِ الثامنَ عشر. كان هذا القرن دَورَ نُضجٍ للأفكار التي بَزغَت وتطوَّرَت وغَلبَت على أذهان أعلام الثقافة، نتيجةً لحرية الكشوف الجغرافية العلمية التي بدأت في القرن الخامس عشر،٣ ونتيجةً لنهضة الإحياء La Renaissance التي ظهرت في القرن السادس عشر.٤

فحركة الكشوف الجغرافية، وإن اقترنت بمطامع في الكسب التجاري والنهب وكانت مقدمةً للاستعمار الحديث، فقد صَرفَت نظر الإنسان الأوروبي إلى الأرض ودَفعَته نحو التفكير والبحث العلمي والاختراع. وحركة الإحياء، بما بَعثَت من كنوز القديم اليوناني والروماني، وبما أحيت من المُثُل الكلاسيكية، وبما استقَت من مناهل الحضارة العربية في الأندلس خاصةً، أَيقظَت الإنسان الأوروبي على تذوُّق الجمال الدنيوي، وتلمُّس المعرفة العلمية، وحب الاستقلال في البحث، فكان في أوروبا موسمٌ عظيمٌ من اللوحات الفنية والرسامِين، ونتاجٌ خصبٌ من التأليف الفلسفي والأدبي في أصول الفكر والخُلُق والتعامُل الإنساني. يُضاف إلى ذلك فتوحاتٌ في الدراسات الفلكية والطبية والطبيعية على وجهٍ عام. ولَمعَت في الأُفق الأوروبي أسماء كليوناردو دافنشي وغاليله ورابليه ومونتين وسيرفَنتس وأراسم وكوبرنيك وفيزال الطبيب وجيوردانو برونو؛ أسماء تَلتفِت إلى القديم البعيد أو القريب، وتقترن بأرسطو وأبوقراط وابن رشد وابن سينا، وتفتتح تلك القافلة المجيدة؛ قافلة باكون وكبلر وديكارت وسبينوزا وليبنتز ونيوتن وبَسكال ورهطٍ كبير من الأدباء، وتستمر متسلسلةً في قافلة القرن الثامن عشر؛ قافلة مونتسكيو وروسو وكوندياك وهيوم ولوك ولامتري وآدم سمِث وكسناي وفولتير وهلفيثيوس وديدرو وكوندورسه ودولباخ وغيرهم وغيرهم …

وحسْبنا، وفاءً للغرض من هذا الكتاب، أن نُعيد القول إن حركة الإحياء، مع ما ساوقها أو تبعِها من النهضة الصناعية في أوروبا، ومن حركة الانفصال البروتستَنتي، قد شجَّعَت روح البحث المستقل، ووطَّدَت الثقة بالعقل، ووافقَت نهضةً علمية كبيرة، وأَسفرَت عن تغيُّرٍ عميق في نظَر الإنسان إلى نفسه.

ومن المستغرَب أن يكون علمٌ منعزلٌ كعلم الفلك في طليعة المعارف التي ساقت إلى مثل هذا التغيُّر، بل الثورة. لقد بيَّن علم الفلك أن كرة الأرض ليست بمركز الكون الثابت، ولا هي أعظم وأهم ما في النظام الكوني، بل هي جرمٌ متحركٌ في جملةِ أجرامٍ تدور حول الشمس، فكانت النتيجة أن طرأ على الإنسان شكٌّ في أنه هو الغاية من الوجود والوليد المُدلَّل الذي صُنِع كلُّ شيءٍ لأجله بتدبيرٍ في أصل الخلق. وفكَّر الإنسان أنه إذا كان حقًّا غاية، فهو الذي جعل نفسَه غاية، وأنه، في الواقع، ربما لا يزيد على كائن، بل حيوانٍ صغير، على كرةٍ صغيرة، في كونٍ هائلٍ عظيم، له قوانينه الخاصة المستقلة عن مراعاة الخواطر البشرية. وربما استشعر الإنسان في هذا ما يحمله على اليأس والقنوط وفقدان الثقة بالنفس، كما وقع ﻟ «غوته» لَمَّا اطَّلع على كتاب نظام الطبيعة للبارون «دولباخ».٥ إلا أن الإنسان سرعان ما عرف أن لديه من العلم وسائلَ تشدُّ عضده وتقوِّيه على الطبيعة المحيطة به. وهكذا استعاد أهميته في نظر نفسه، لا بانفرادِه في تدبيرِ عناية سخَّرت له مبدئيًّا كل شيء، بل بشعوره الذاتي بمدى تأثيره وتأثير الوسائل التي يستطيع استنباطها واستعمالها. ومن هنا حوَّل وجهه شطر العلم، ومن هنا أيضًا طفِق يزداد اهتمامه بالإنسان في مطلع العصور الحديثة في التاريخ الأوروبي. واهتمام الإنسان بالإنسان أدى حتمًا إلى الاهتمام بمسألة الاجتماع. ومن ذلك العهد بتنا نرى المُفكِّرين في أوروبا مُنصرفِين إلى درس المجتمع، تحثُّهم فكرة أساسية هي: أن الإنسان يُقوِّي الإنسان، أو أن الإنسان — بعبارة أخرى — وسيلةٌ للإنسان. ودرسُ المجتمع قادَهم إلى درس الدولة والسياسة، ولكن ثَمَّةَ مسألةٌ ما لبِثَت أن عَرضَت، وهي: أن الإنسان يجب ألا ينسى أن الإنسان غاية أيضًا، لا وسيلة وحسب! والمجتمع الصالح (والدولة الصالحة والسياسة الصالحة) إنما هو الذي يكون فيه بعض الناس وسائلَ وغاياتٍ للبعض الآخر، باعتبار كل إنسانٍ له حقوقٌ محترمة.

أفاق المفكرون والأدباء الفرنسيون (وهم موضوع الحديث في هذا الفصل) على المجتمع الفرنسي، قبل الثورة في القرنَين السابع عشر والثامن عشر، فوجدوا أن معظم الفرنسيِّين، من حيث وضْعهم في المجتمع والدولة ومسالك السياسة، إنما هم وسائلُ لبعض الفرنسيِّين، وليسوا غايةً أيضًا كما يحق لهم أن يكونوا.

وعَمَدَ المفكِّرون والأدباء الفرنسيون إلى الاحتجاج على الحالة الراهنة، وتلمُّس أسباب الفساد، ووضع الخطَط، ورسمِ هيئة المجتمع الجديد.

وكان من اليقظة العظمى التي ثارت ثورتها مع حركة الإحياء، والنهضة الصناعية، وحركة الإصلاح البروتستنتي، وفورة البحث والاستنباط العلمي، مرجعٌ يستمدُّون منه، ودليلٌ يسترشدون به.

وقد ذكرنا كيف أن هذه الحركات نشَّطَت العلم وصَرفَت إليه الجهود. والعلم صرحٌ يرتكز على دعائم العقل؛ فلا علم بلا عقلٍ يختبر بالاستناد إلى الحواس والأدوات الفنية المساعدة لها، ولا علم بلا عقلٍ يرجع إلى قوانين المحاكمات العقلية لا إلى موجبات النقل والتقليد، ثُم لا علم بلا مباشرة الطبيعة؛ فالطبيعة، بما فيها المخلوق الإنساني، هي ميدانُ العلم ومجالُه الذي فيه يخوض؛ فلولا الطبيعة لبقي العلم بلا موضوع، أو لَما كان علم.

وهكذا اتجه المفكرون والأدباء الفرنسيون إلى العقل يصقُلونه ويتسلَّحون به، وإلى الطبيعة يدرسونها ويتعلمون منها، واستعملوا ذلك كله في بحث الاجتماع والدولة والسياسة، وفتحوا الأنظار على النقص الهائل، واشتقُّوا طُرقًا إلى الإصلاح.

ولا ريب في أنهم وجدوا لهم مُعينًا في المفكرين البريطانيِّين وغيرهم، وفي الثورات التي سَبقَت عهدهم، كثورة «البلدان المنخفضة» على فيليب الثاني الإسباني، وثورة الإنكليز، ثم الثورة الأميركية القريبة العهد.٦
وبالطبع إن قِسْطَ كلٍّ من هؤلاء المفكرين والأدباء في التهيُّؤ النفسي للثورة يختلف باختلاف نزعاتهم ودرجاتهم. وكثيرًا ما كانت أدوار بعضهم، في هذا الصدد، لا تتعدى هتفةً عاطفية يهتفون بها، أو لغزًا كاللغم يخفي مظهرُه المموَّه قوتَه الناسفة. وقد يقرأ قارئٌ خُرافات لافونتين في القرن السابع عشر فلا يتنبَّه إلى ما فيها من المغازي الاجتماعية والسياسية، ثم يقرأ كتاب هيبوليت «تين» عن لافونتين فينشق له حجابُ عالم الحيوان، الذي يسبح فيه الشاعر، عن عالم الإنسان، بل عن المجتمع الفرنسي في زمانه. ويمشي القارئ في بهوٍ مليء بالصور سمَّاه تين معرض لافونتين أو متحفه Galerie de La Fontaine، فيرى لوحاتٍ من المجتمع الفرنسي وسياسته معروضة في أشكالٍ من عالم الحيوان، ووقائعَ رمزيةً بين طيور وبهائم. وحكاية المؤتمر العجيب الذي اجتَمعَت فيه الحيوانات في وقتٍ من أوقات الوباء لتبحث في سبب النكبة، ليست إلا نقدًا ثوريًّا لاذعًا سدَّده الشاعر إلى الحالة الراهنة في فرنسا. وقد أسفر «المؤتمر» عن أن جميع الذنوب والآثام التي اقترفَتها المخلوقات الصاعدة في سُلَّم العجماوات، كالأسد وجماعته (أي الملك وحاشيته والهيئات البلاطية)، لم تكن السبب الذي جرَّ النكبة، ولكن قضْم الحمار لبعض الحشيش من ساحة الكنائس هو الذي جلب الويل والثبور وعظائم الأمور! وواضح أن ما عناه الشاعر بالحمار الكادح الساذج هو هيئات الشعب التي عليها الغُرم ولغيرها الغُنم.٧

لكننا، إذا رحنا نتأمَّل التيار الثوري الفكري في القرن السابع عشر في فرنسا، لم نجد لافونتين منغمسًا فيه انغماسًا صريحًا، وكان حتمًا علينا أن نُدير النظر شطر طائفةٍ من الأدباء والمفكرين يُمثِّلها لبرويير وفنيلون.

كان لابرويير في ملاحظاته وأحكامه الخُلُقية يرى الناس فريقَين: الشعب والعظماء (بمعنى النفوذ والوجاهة في المجتمع). «أمَّا الشعب فلهم باطن طيِّب (جوهر صالح) وليس لهم مَظهرٌ البتة، وأمَّا العظماء فليس لهم إلا الخارج، إلا المظهر وقشرةٌ بسيطة. أيجب الاختيار؟ إني لا أَتردَّد، أريد أن أكون شعبًا» (أي من الشعب).

وكان الأديب الراهب فنيلون مثلًا رائعًا من أمثال الجُرأة الفكرية. وفي المؤلَّفات التي أنشأها تهذيبًا للدوق دو بورغون، ولا سيما محاورات الأموات Dialogues des Morts، تبدُر على سن قلمه بدراتٌ عجيبة لم تلبث أن أيَّدتها الوقائع في حياة فرنسا السياسية والاجتماعية؛ ففي فصل الحِوار بين سولون وبيزيسترات (وكلاهما رجلا دولة إغريقيان) يقرِّر فنيلون أن الاستبداد غالبًا ما يكون أشد وبالًا على الملوك منه على الشعوب. وفي كتابه ألواح شولن Tables de Chaulnes يطالب — في إحدى موادِّ البند الثاني — مطالبةً صريحةً بتأسيس المجالس العامة Etats Généraux، هذه المجالس التي كان اجتماعها في باريس سنة ١٧٨٩ فاتحة المرحلة الثورية العظيمة. وله رسالةٌ وجَّهَها إلى لويس الرابع عشر بَلغَت غايةً في الجُرأة والصَّراحة، وشَجب سلوك هذا العاهل الذي صاح: «أنا الدولة!» وأنفق ما أنفق في المغامرات الحربية، وشيَّد بلاط فرساي الرائع وكأنه جعله واجهة برَّاقة لدولةٍ تتأزم مشاكلها ولشعبٍ يتململ ويتبرَّم. قال فنيليون في رسالته:

إن الشعب نفسه (ينبغي أن أُصرِّح لك بكل شيء)، هذا الشعب الذي أحبَّك كثيرًا، ووثِق بك كثيرًا، أخذ الآن يفقد حبه وثقته واحترامه، حتى احترامه لك … إنه ممتلئ مرارةً ويأسًا، والشقاق يشبُّ شيئًا فشيئًا من كل ناحية. إن الشعب يعتقد أنك لا تُحب غير سلطتك ومجدك؛ فهم يقولون: لو كان للملك قلب الأب على شعبه أمَا كان يُؤْثر أن يبذل مجده في إعطائهم خبزًا وتنفيس كُربتهم بعد هذا الأذى الكثير؟ … فما جواب ذلك، أيها السيد؟ ثم يذكر فنيلون أعمال العصيان التي طفِق الشعب يقوم بها، إلى أن يقول له: «فأنت الآن قد انحطَطتَ إلى هذه النهاية المعيبة المحزنة؛ فإمِّا أن تدَع العصيان وشأنه لا تُعاقِب عليه، وإما أن تزيده وتُقوِّيه بتغاضيك عنه، وإمَّا أن تجزر بقسوةٍ شعبًا طَرحتَهم مطرح اليأس إذ نزعتَ منهم، بالضرائب لهذه الحرب، خبزًا يَسعَون إلى إحرازه بعرق جباههم!»

وفي فنيلون نجد مبدأ اعتبار العقل والرجوع إليه في الأحكام صريحًا واضحًا. يقول الراهب المفكر: «أنا في هذا العالم لا أدري من أين جئتُ ولا كيف وقعتُ هنا، ولا أدري إلى أين أمضي، وبعضهم يُحدِّثني عن أمور كثيرة ويعرضها عليَّ باعتبارها غير قابلة النقاش، ولكني مُصمِّمٌ على الشك فيها، بل على رفضها، ما لم أجد أنها تستحق إيماني بها. ومنفعة العقل الصحيحة — العقل الذي وُهب إليَّ — هي ألا أومن بشيءٍ ما لم أعرف سبب إيماني به.»

لكن بيير بايل Pierre Bayle يخطو بنا خطوةً أخرى إلى الأمام في طريق الانعتاق الفكري، ووسيلتُه إلى ذلك كثرةُ الشك والتساؤل وتقليب القضايا على محتملات وجوهها.٨ وإذا لزمنا أن نجعل المذهب العقلي ونهضته في أوروبا الحديثة مدينِين لبضعة مُفكِّرِين كديكارت وأمثاله، فبيير بايل أحدهم. وفيه يقول برونتيير الناقد الفرنسي الشهير: في فرنسا وإنكلترا وألمانيا، وفي أوروبا كلها … حيثما بدأ الناس يشكُّون، تخرَّج من مدرسة بايل جيلان أو ثلاثة من الكُتَّاب. وكأن كلًّا من مونتسكيو وفولتير وديدور وروسو وهلفثيوس — عدا آخرين أقلَّ شأنًا منهم — قد تلقَّن في كتاباته أن يقرأ ويحاكم ويفكر.

وأهم ما أنتجه هذا الأستاذ الواسع العميق من أساتذة الفكر: قاموس تاريخي وانتقادي. ويمكن القول إن كل نشاطه الفكري ينتهي إلى تقرير حق العقل وحق الضمير في البحث الحر والرأي المستقل. وقد لخَّص هذا المبدأ في قوله: «لنا حق لا يُهضم ولا يُثلم، هو: حق إعلان المذاهب التي نعتقدها موافِقةً للحقيقة المجرَّدة»، وفي قوله أيضًا: «أعظم المحاكم التي هي المرجع الأخير — لا استئناف منها إلى غيرها! — محكمة العقل الذي يقول مهتديًا بالبديهيات الصادرة عن نور الطبيعة.»

ويُلاحِظ القارئ أن بايل بدأ يتحدث عن «حقنا الذي لا يُهضم ولا يُثلم» Droit Inaliénable، وعن «البديهيات الصادرة عن نور الطبيعة»، وهي تعابير وأفكار نلتقيها لدى مفكري الثورة، بل في نصوص الثورة نفسها.
ويكفينا هذا القدْر من القرن السابع عشر وأدبائه ومفكريه. فلننتقل إلى القرن الثامن عشر، وهو الموسوم ﺑ «عصر الأنوار» و«الاستنارة»،٩ والعصر الذي وقعَت الثورة في أوائل ربعه الأخير، وملأَت منه هذا الربع كله تقريبًا، وجعلته في نظر الفكر العالمي، وفي تقدير التاريخ، عصرًا فرنسيًّا على الأعم والأغلب.

وتُطالعنا في خلال هذا القرن ستة وجوهٍ رئيسة: مونتسكيو، وديدرو، وفولتير، وروس، وهلفثيوس، ودولباخ.

أمَّا مونتسكيو، صاحب «روح القوانين والرسائل الفارسية»، فهو الذي حاول أن يكتشف في التاريخ عواملَ أساسيةً تجعل من حوادثه ظاهراتٍ مفهومة، لا صُدفًا واتفاقات؛ فهو من هذا القبيل شبيهٌ بابن خلدون في مقدمته. ويتصف مونتسكيو بكثرة الرجوع إلى أَثرِ العامل الجغرافي في التاريخ. على أن توسيع البحث في هذا المضمار يخرج بنا عن القصد، وحسبنا أن هذا المفكر الفرنسي نظر إلى التاريخ نظرةً عقلية، وردَّه إلى عواملَ من البشر ومحيطهم، لا إلى أسبابٍ خارجة، وإلى العقل الإنساني ردَّ الشرائع والقوانين باعتبارها مظهرًا من مظاهر التاريخ، قال: «القانون، بوجه عام، هو العقل البشري، ما دام العقل هو الذي يحكُم شعوب الأرض جميعًا. والقوانين السياسية والمدنية — فيما يتعلَّق بكلِّ أمة — يجب ألا تكون إلا الحالات الخاصة التي يقع فيها تطبيقُ العقل البشري.»

ثُم يُقسِّم مونتسكيو القوانين نوعَين:
  • (١)

    تلك التي تُرتِّب نظام الدولة، كعلاقة المواطنِين بالسلطات، وعلاقة السلطات المختلفة بعضها ببعض (وهو ما نُسمِّيه الدستور أو القانون الأساسي).

  • (٢)

    القوانين المدنية التي تُشرف على علاقةِ المواطنين بعضهم ببعض (وهي ما نُسمِّيه الحقوق المدنية والجنائية).

أمَّا السلطاتُ المختلفة في الدولة فهي ثلاث:
  • أولًا: السلطة التشريعية.
  • ثانيًا: السلطة التنفيذية التي تُجري الأمور المتعلقة بحق الناس.
  • ثالثًا: السلطة التنفيذية التي تُجري الأمور المتعلقة بالحق المدني.

وواضحٌ ما كان لهذا التقسيمِ من أَثرٍ في التصميم الذي اختطَّه رجال الثورة الكبرى في الدولة الفرنسية، بل واضحٌ ما في هذا التقسيم من أثرٍ بارز إلى اليوم في بناء الدول، ولكن السلطة التنفيذية (رقم ٣) أصبحت في تعبيرنا تُسمَّى السلطة القضائية.

ويقول مونتسكيو إن هذه السلطات الثلاث يجب أن تستقل كلٌّ منها عن الأُخريَين إذا كان المراد توطيد الحرية.١٠

ويشيد مونتسكيو بالمساواة، ولكنه لا يقصد بها انتفاء الحكم؛ «فالمساواة الصحيحة لا تستهدف أن يخلو الإنسان من آمر، بل تستهدف أن يكون آمره مساويًا له»، و«الناس في الحكومة الجمهورية متساوون، وكذلك هم في الحكومة المستبدة؛ ففي الأولى هم متساوون لأنهم كل شيء، وفي الثانية هم متساوون لأنهم ليسوا شيئًا.» ومع هذا لم يكن مونتسكيو جمهوريًّا، بل كان أمْيَل إلى حكم الملكية المقيَّدة (أي الدستورية).

ويُلقي مونتسكيو على عاتق الدولة واجب النظر في تأمينِ راحةِ رعاياها الاقتصادية، فيقول:

«إن بعض الصدقات التي نتكرَّم بها على رجلٍ عارٍ في الشارع لا تُغني عن واجبات الدولة التي يلزمها أن تجعل لكل المواطنِين حياةً مضمونةً؛ غذاءً وكساءً صالحًا، ونوعًا من معيشةٍ لا يُنافي الصحة.» غير أن مونتسكيو كان في هذا سابقًا لعصره ولهدف الثورة الفرنسية.

وله في تعريف الحكومة الاستبدادية كلمةٌ رائعة حيث يقول:

«عندما يريد متوحشو لويزيانا قطف الثمار يقطعون الشجرة من أصلها ويتناولون منها ما يريدون. تلك هي الحكومة الاستبدادية.»١١ ومقصده هو أن الحكومة الاستبدادية لا تُنتج، ولا تعين على الإنتاج، بل تأخذ ما تريده لساعتها، ولو كان ذلك بطريقةٍ فيها إتلاف المنتج وقطع مصدر الإنتاج. وفي هذا رائحةُ تنديد بالسياسة الفجَّة التي كان ينتهجها البلاط الفرنسي لسد نفقاته وحفظ الموازنة، سياسة شعارها: كلما احتجتم افرضوا على الشعب الضرائب، وإذا اضطررتم فسمُّوها قرضًا شعبيًّا.

وقد يكون من المُفكِّرين من ينكر على مونتسكيو ثورته وتأثيره الثوري. وصحيحٌ أن الرجل كان كما أسلفنا أمْيَل إلى الملكية المقيَّدة؛ فهو من هذا القبيل معتدل، ثُم هو لا ينظر في السياسة إلى ناحية المبادئ وحسب، بل ينظر أيضًا إلى الذين تُطبَّق عليهم المبادئ، ويحسب الحسابات لجملة اعتباراتٍ أخرى منها الإقليم والمناخ. ثم هو يُعرِّف الحرية بأنها الخضوع للقانون الكامل. وليس في هذا كله ما يُلغي ثوريته وتأثيره الثوري؛ فالاعتقاد بالملكية الدستورية كان مذهبًا انقلابيًّا خطرًا في فرنسا يوم ذاك، وأَوجَه أعلام الثورة الفرنسية في مفتتح شأنها كميرابو وباراناف وسيياس، كانوا ملكيِّين دستوريِّين، بل إن الثورة نفسها في أول عهدها لم تكن تستهدف إعلان الجمهورية وإلغاء الملكية. وتقسيم النظر بين المبادئ والذين تُطبَّق عليهم يزيد في قيمة مونتسكيو العلمية ولا يُعارض ثوريته. أمَّا رأيه في الحرية أنها الخضوع للقانون الكامل فمغزاه يتوقف على المقصود بالقانون الكامل. ومهما يكن من شيء فإن مونتسكيو لم يعنِ به القانون الاستبدادي. أمَّا القانون، أصلًا، والرضوخ له، فأمرٌ لا يشكُّ عاقلٌ في أنه شرطٌ من شروط الحرية ووقايتها.

ومع ذلك يجوز لنا القول إن مونتسكيو لما عرَّف الحرية بأنها الخضوع للقانون الكامل، نسي عنصرًا لا بُد منه للحرية هو: ضرورةُ اشتراكِ الذين يطيعون القوانين في وضعها.١٢

ومن مونتسكيو ينتقل بنا الحديث إلى فولتير، مَلِك القرن الثامن عشر غير المتوَّج كما لُقِّب، والعاهل الذي ليس له صولجان ولكن له يراعٌ كما قال هو عن نفسه لفردريك الكبير البروسي.

قد يكون فولتير غير عميق، وقد يكون قليل الثقة بجماهير الشعب، على أن سعة الآفاق التي تناوَلها، وسخره اللاذع وشكَّه، واحتكامه إلى العقل، وحماسته للعلم، وعناده في المقارعة، وتوجيهاته الجديدة في بعض المواضيع،١٣ ودفاعه عن حرية الرأي، ذلك كله مضافًا إلى قلمٍ من أصفى الأقلام وأخصبها، وأسلوبٍ من أقرب الأساليب إلى الشعب، جعله في طليعة الأعلام الذين أيقظوا النفوس والأذهان وبعَثوا فيها الحرارة لاستقبال عاطفة الثورة ولفحها الحار.

أضحك فولتير فرنسا وأوروبا على الدعوى والسخافة والتعصُّب والتذرُّع بحماية المناصب والمقامات، وأَغضَب فولتير فرنسا وأوروبا على جميع هذه العاهات والآفات.

كان إذا باع وكيل الخرج في بلاط لويس الرابع عشر نصف الخيول من إسطبلات الملك يصيح: كم كان أقرب إلى المعقول لو صرف نصف الحمير الذين يعجُّ بهم البلاط الملكي! فكان الفرنسيون يقهقهون بالطبع، ثُم لا يلبثون أن يتأمَّلوا بذَخ البلاط ويستنكروه ويسخطوا عليه.

ولا ريب أن هذا الساخر (الفجَّ أحيانًا) كان شديد الخبث والنعومة أيضًا؛ فكان يستغلق على سامعه تمييز عبثه من جِده، وقدْحه من مدْحه. وقد نفث خبثه على كثيرِين، منهم «المسكين» Fréron الذي حكى عنه فولتير أن الحية لدغَته فماتت فلم يعرف أماتت الحية لقداسة الملدوغ أم لأن سُمَّه أسرى من سمِّها وأفتك؟١٤

ولعل أوَّل سؤالٍ ينبغي لقارئ فولتير أن يسأله: هل الرجل جادٌّ في كلامه أم عابث؟ وسيرى أنه كثيرًا ما يكون صاحب جدٍّ عظيمٍ فينظر إلى الشعب «يسبِّح الله ويرقص حول الجزَّار»، ويستمع إلى الإنسان يصرخ بجاره: «فكِّر كما أفكِّر يا قليل التقوى وإلا قتلتُك»، فيحاول الفيلسوف تعليل ذلك ويقول:

السبب أننا خنقنا صوت الطبيعة.

السبب أننا أضفنا إلى شريعتها المقدَّسة شرائع.

السبب أن الإنسان — وهو محبٌّ لعبوديته البلهاء — قد جعل الله على صورته ومثاله من شدة تعصُّبه!

وفولتير هو صاحب ذلك الابتهال البليغ الذي زفَّه إلى الله في مطلع رسالته في التسامُح، ومنه: «إنك لم تُعطِنا قلبًا لنتباغض، ولم تمنحنا الأيدي ليخنق بعضنا بعضًا.»

أمَّا الوطن «ففي ظل مَلِكٍ صالحٍ يكون للإنسان وطن، ولكنه في ظل ملكٍ شريرٍ لا وطن له.» هكذا يقول فولتير.

والدين يجب أن يستند إلى العقل، وهذه هي العقيدة الربانية Déisme، عقيدة الكائن الأعظم L’Etre Suprême التي نجدها لدى أشهر أعلام الثورة: مكسيميليان روبسبيير.

وفولتير في الأنظمة كمونتسكيو أمْيَل إلى الملكية الدستورية.

يؤدي بنا الحديث إلى دنيس ديدرو، فإذا نحن أمام الروح المحرِّك لذلك العمل العظيم الذي وُسم بميسم متلألئ جبين القرن الثامن عشر؛ نقصد الإنسيكلوبيديا التي ساهم فيها عدد من أعلام العصر، ولكن لم يبلغ فيها نشاطُ أحد منهم ما بلغه نشاطُ ديدرو وعناده. وكان في فرنسا قانون مطبوعات أُعلن سنة ١٧٥٧، يُهدِّد بالإعدام كلَّ كاتبٍ أو طابع ينشر كتابًا تقضي السلطات أن من شأنه «الإخلال» و«التحريض». على أن هذا الخطر وجميع الصعوبات الأخرى لم تُوهن عزيمة الرجل. ومن يقرأ له صرخته الممزقة احتجاجًا على تشويه المراقبة لعمله في الإنسيكلوبيديا لا يملك إلا أن يرتعش إعجابًا بتلك النفس الكبيرة المعذَّبة.

بنى ديدرو على العقل، ولكنه رأى أن التأمُّلات العقلية المنقطعة عن الاختبارات العملية لا تُغني؛ ولذلك قال: «لدينا ثلاثُ وسائل رئيسة: ملاحظة الطبيعة، والتأمُّل، والتجربة (التطبيق). أمَّا الملاحظة فتُقمِّش١٥ الحقائق والمظاهر، والتأمُّل يُوفِّق بينها، والتجربة تُصدر حكمًا على النتيجة؛ فللتجربة (التطبيق) الكلمة الفصل في العلم».

وكان ديدرو عميق الشعور بطبيعة عصره الانقلابية، لا سيما فيما يتعلق بالعلوم. «نحن على عَتبةِ ثورةٍ عظيمةٍ في العلوم.» ولعل أحدًا في فرنسا لم يُمثِّل، كما مثَّل ديدرو، روح الثورة الصناعية الممتدة من الجزر البريطانية إلى فرنسا عَبْر القناة. وكم كان اهتمامه عظيمًا بالآلات! كان كفرنسيس باكون الإنكليزي يُحس بما سيكون لهذه المستنبطات من أثرٍ يغيِّر طابع الحياة؛ فكان كثيرًا ما يُشاهَد في حوانيت النجارِين، وفي مختلف أماكن العمل، يرسم الآلات بقلمه ويُسجِّل أوصافها وخصائصها ليُدخلها في الإنسيكلوبيديا.

حقًّا إن ديدرو كان في ميدان الفكر طليعةً صريحة للطبقة الصناعية النامية في المجتمع الفرنسي إذ ذاك، وهي الطبقة التي سنرى أنها بدَّلَت فرنسا تبديلًا بثورة سنة ١٧٨٩.

وكانت ثوريته حادَّة في جميع الآفاق التي تناولها بتفكيره. وبينما نجد أحيانًا في قراءة فولتير مجرَّد دعوةٍ إلى الضحك على آفات الأوضاع القائمة، نُحس أبدًا في ديدرو دعوةً إلى العمل.

ربما لا يختلف مضمون آرائه السياسية والدينية واتجاهاته الاجتماعية عن فولتير مثلًا؛ فهو في النتيجة يشجُب الملكية المطلَقة ويطالب بتقييدها، ويُفضِّل العقيدة الربانية Déisme إن كان يُفضِّل، ولا يُسمِّي مواطنًا إلا الذي يملك مِلْكًا في الوطن.١٦ غير أن ديدرو أحدُّ سِكِّينًا من فولتير، وأشدُّ توغلًا في التشريح والتشهير. وربما وضع فولتير سِكِّينه على الضحية فشَعَرت بمس الحديد البارد واقشَعرَّت قليلًا ولكن الأمر ينتهي بخدشٍ بسيطٍ. على أن ديدرو لا يضع سكينه إلا ليُدمي.
وبعد ديدرو: هلفثيوس صاحب كتاب «في الروح» De l’Esprit.

وإن القارئ ليُصادف عنده أفكارًا وتعابير يُصادفها هي ذاتها في الثورة الكبرى.

يثق هلفثيوس ثقةً قوية بفضيلة الشعب والإنسان، ويعتقد أن شرور الشعب ترجع جذورها إلى القوانين؛ فهناك ينبغي أن يحفر كي يكشف عن شرور الشعب … والشارع الصالح هو الذي ينشئ المواطن الصالح، وبالقوانين الفاضلة وحسب يمكن إنشاء رجالٍ أفاضل.

وهكذا يعلِّق هلفثيوس أهمية كبرى على صلاحية القوانين، ولكن نظرته الشاملة مبنيةٌ أصلًا على قاعدةٍ من التربية الصالحة. يقول: «إذا استطعتُ أن أدُل على أن الإنسان ليس في الواقع إلا نتيجة التربية فأكون بلا شك قد أعلنتُ حقيقةً عظيمة للأمم.» ويتساءل: «من يستطيع أن يشُك شكًّا جازمًا بأن فروق التربية ليست هي التي تُنتج الفروق التي نجدها في العقول؟ من يستطيع أن يتأكد من أن الناس ليسوا كالأشجار التي هي من فصيلةٍ واحدة، بَذرتها البَذرة نفسها، ولكنها لما كانت لا تُزرع في التربة نفسها، ولا تُعرَّض للرياح نفسها، ولا للشمس نفسها، ولا للمطر نفسه، فقد لزِمها في النشأة والنمو أن تتشكل بعددٍ لا نهاية له من الأشكال.»

ولا ريب أن هذا رأيٌ فيه كثيرٌ من المغالاة، ولو فرضنا من الممكن أن يصبح الناس بالتربية نُسَخًا بعضها طبق بعض كما قد يُشير كلام هلفثيوس لكان ذلك شيئًا مُستكرَهًا. على أن هلفثيوس أعلن عقيدةً ثورية بعيدة المرمى إذ قال: «إن استنتاجي العام هو أن العبقرية عامة»، فنسف بذلك رأيًا يقول إن العبقرية وقفٌ على عِرْقٍ من الناس أو فئاتٍ خاصة من المجتمع، وقوَّى الثقة بكفاءات الشعب والإنسان. وجاءت حوادث الثورة مؤيدةً له ومُحيِّرةً أفهامَ الكثيرِين ممن كانوا يزعمون أن الجيش الفرنسي الثوري لا يُجدي فتيلًا ما دام أفضلُ ضباطه وقوَّاده قد هاجروا أو طُردوا أو أُعدموا؛ فلم يلبث هذا الجيش أن أتى بأعمالٍ عسكرية أَدهشَت أوروبا بقيادةِ قادةٍ برزوا من أعماق الشعب كهوش ونابليون نفسه!

ويقودنا هلفثيوس إلى هولباخ Baron d’Holbach البارون المجري الذي اكتسب الجنسية الفرنسية وأَصبحَت له ندوةٌ منزلية١٧ تفَتَّقَت فيها الجدالات والعقول عن مبادئَ كان لها أَثرُها في تمهيد السبيل إلى الثورة. وأشهر مخلَّفات هولباخ كتابه «نظام الطبيعة» Système de la Nature الذي قطع فيه بضرورةِ انصرافِ الإنسان عما وراء الكون إلى الكون نفسه. «إن الإنسان موجود في الطبيعة وهو مُطوَّع لقوانينها لا يستطيع أن يعتق منها ذاته. وعبثًا يُصرُّ عقله على الوثوب إلى ما وراءَ العالم المشهود. إن ضرورةً قاهرة أبدًا تشُدُّه إلى الرجوع.»
وفي ميدان السياسة والاجتماع يُطالِب هولباخ بالحرية، ويُحدِّدها «بأنها قدرة الإنسان على اتخاذ التدابير التي تَضمَن له وجودًا حسنًا.» ولا ضمانة للحرية في رأيه إلا بالقوانين التي «تحمي الجميع حمايةً متساوية؛ الأغنياء والفقراء، العظماء والصغار، الملوك والرعايا.» وهكذا يضع هولباخ سلطة القوانين فوق سلطة الجميع، حتى الملوك. وإذا ذكرنا أن لويس السادس عشر مثلًا كان يقول معبِّرًا عن رأي الملوك الأوتوقراطيِّين: «لي وحدي سلطة التشريع دون اعتماد على غيري أو معاونة»؛ ومعنى هذا أنه فوق القوانين لأنه يغيِّرها ساعةَ يشاءُ ما دامت سلطة التشريع مُنحصرةً فيه. أجل، إذا ذكرنا هذا عرفنا أن مبدأ هولباخ في جعل القوانين فوق الجميع حتى الملوك كان مبدأً ثوريًّا. وكذلك قوله: «الحرية ألا يطيع الإنسان إلا القوانين» كان رأيًا ثوريًّا؛ لأنه يُعرِّض فيه بأصحاب العروش الذين يَرونَ الطاعة واجبةً لمطلَق أشخاصهم.١٨

أما صيغة هذه القوانين فتُشتقُّ من طبيعة السياسة العامة. والسياسة العامة في نظره يجب أن تكون فنَّ تنظيمِ ميول الإنسان وتوجيهها إلى إنعاش المجتمع، وإلى تيارٍ عامٍّ من السعادة. إنها يجب أن تُنظِّم عواطف الإنسان لتجعلها تنسلك انسلاكًا لطيفًا من أجل نفع الجميع منفعةً عامة.

فينتج من هذا أن القوانين ينبغي لها أن تكون في مصلحة المجموع، لا في مصلحة ذوي المقامات وحدهم.

وهنا يذهب بنا الكلام إلى جان جاك روسو، وهو أشد المُفكِّرِين صلةً بالانقلاب الفرنسي الكبير، وقد يُلقَّب كتابه «العقد الاجتماعي» بإنجيل الثورة. وكان روبسبيير من تلاميذه المُتمسِّكِين به، وكان ماراه الزعيم الشعبي يقرأ منه صفحاتٍ للجماهير في شوارع باريس.

وربما لم يكن روسو مبتكرًا في كلِّ ما جاء به؛ فإن هوبز المفكر الإنكليزي في القرن السابع عشر وصاحب كتاب «الليفياثان» Leciathan يُعتبر سابقًا له في البناء على نظريتَي العقد الاجتماعي والحالة الطبيعية. لكن هوبز — عدا فروقٍ ثانويةٍ أخرى — سخَّر النظريتَين لخدمة الملكية المطلقة، بينما سخَّرهما روسو لخدمة الحكم الدستوري بحق الثورة؛ ولذلك يُعتبر المُفكِّر الإنكليزي الآخر جون لوك بين سابقِي روسو في القرن الثامن عشر. والاتفاق الفكري السياسي بين روسو ولوك عظيم، إلا أن لوك استهدف الملكية الدستورية، بينما استهدف روسو الجمهورية. ولعل أبرز ما امتاز به جان جاك روسو قدرته على حمل آرائه ومبادئه إلى صفوف الجماهير، وكأن غيره ظلَّ يفكر في نطاقِ مكتبةٍ صغيرة أو حلقةٍ ضيقة من النخبة المختارة، بينما استطاع روسو أن يُحرِّك أعماق الشعب ويجعل من مذهبه دستورًا للعمل. إنه من الكُتَّاب القلائل الذين ترِنُّ كلماتهم رنَّة الصدق، ويَشعُر القارئ لدى مطالعتهم أنهم إذ يدعونه إلى التفكير يدعونه إلى العمل أيضًا.
يرجع روسو في فلسفته السياسية إلى العهد الذي يُسمِّيه الحالة الطبيعية، وهو يرى أن الإنسان في هذا العهد — الإنسان الفطري — كان صالحًا، وكان خِلوًا من شوائب العاهات التي لحِقَت به فيما بعدُ؛ فروسو يعتقد أن الفطرة الإنسانية فطرةُ خير، وأن الناس في الحالة الطبيعية كانوا على مستوًى يُقارِب المثل الأعلى، وكان لكلٍّ منهم حقوقٌ مضمونة مُقدَّسة تُعرف بالحقوق الطبيعية Droits Naturels.١٩

فكيف تقهقر الإنسان إلى الحالة التي شاهده عليها روسو في المجتمع؟ وكيف يمكننا أن نتلافى الشر ونصعد بالمخلوق الآدمي إلى حيث هيَّأته كفاءاته الأصيلة؟

يقول روسو إن الإنسان لمَّا حاد عن طريق «الحالة الطبيعية» أُصيب بالانحطاط. وهذا طبعًا لا يعني أن الفيلسوف الفرنسي قصد فعلًا أن يعود الإنسان إلى حالته في فجر التاريخ. وفولتير لمَّا كتب إلى روسو رسالته الشهيرة يُنبئه فيها أنه شوَّقه إلى «الدبيب على أربع» شأن الحيوانات إنما انساق بدافعِ نكتةٍ موفَّقة. وخُلاصة ما ذهب إليه روسو هو أن الإنسان بَذرةٌ صالحة في الطبيعة، فإذا وافقتها عنايةٌ صالحة وجوٌّ صالح نمت نموًّا أقرب إلى شروط الكمال والفضيلة؛ ولذلك اهتم روسو اهتمامه العظيم بالتربية من جهة، وبنظام الحكم من جهة أخرى، فألَّفَ كتابَيه الخالدَين «إميل» و«العقد الاجتماعي».

في العقد الاجتماعي، وهو الكتاب الذي يمس صميم موضوعنا، يقول روسو: إن الناس، إذ يخرجون، أو يُضطرُّون إلى الخروج، من الحالة الطبيعية بفعل تقدُّم التاريخ، يتعاقدون على أن يتنازل كلٌّ منهم عن امتيازات الحياة التي يتمتع بها في تلك الحالة. لكنهم لا يتنازلون هذا التنازُل إلا لأن هذا التعاقد يضمن لهم في حالة الحياة الجديدة حقوقًا لا غنى لهم عنها ولا قيمة للاجتماع إلا بها، وفي طليعة هذه الحقوق: الحرية. والحرية في نظر روسو ليست الانسياقَ لنزوات العاطفة؛ فتلك هي العبودية، بل ليست الحرية الطاعة للقانون كما يعتقد مونتسكيو، ولكنها الطاعة للقانون الذي تسنُّه الأكثرية.

فنظرية «العقد الاجتماعي» تتلخَّص بأنها التقيُّد بإرادة الأكثرية التي يُسفِر عنها الاقتراع الديمقراطي الطليق. ويفرِّق روسو تفريقًا هامًّا بين إرادتَين: إرادة الجميع Volonté de tous، وهي بعبارةٍ ثانيةٍ إرادة الأكثرية التي يكشف عنها الاقتراع الديمقراطي، ثُم الإرادة العامة Volonté générale، وهي التي تُعبِّر عن مصلحة المجتمع وتعمل في سبيلِ هذه المصلحة. ولا ينفي روسو أن إرادة الجميع؛ أي إرادة الأكثرية، ربما لا تُطابق الإرادة العامة؛ أي مصلحة المجتمع. على أنه وطيد الثقة بأن الأكثرية إذا صَلحَت تربيتُهم عَرفُوا مصلحة المجتمع فاقتَرعوا له. ومن هنا كان روسو وجميع الديمقراطيِّين الكبار يُعلِّقون أهميةً عظمى على ضرورةِ تربيةِ المواطنِين؛ فيقول ماراه، وهو أحد المُنطبعِين بطابعِ روسو إلى حدٍّ بعيدٍ: «لا بد للشعب كي يتمتع بحقوقه من أن يعرفها؛ وهكذا نَشأَت ضرورةُ تثقيفه. ولا بد له كي لا يقع في الشِّراك التي تُنصب له من أن يراها؛ وهكذا نَشأَت ضرورةُ تنويره.»٢٠

أمَّا موئل السيادة في نظر روسو فهو الإرادة العامة. وبمقدار ما تمثِّل الحكومة التي تنبثق من إرادة الجميع (أي إرادة الأكثرية) مشيئةَ الإرادة العامة، تكون الحكومة شرعيةً موفَّقة. وللإرادة العامة الحقُّ في استرداد الثقة من كلِّ حكومة لا تمثِّلها كما يجب، وهذا الاسترداد للثقة يجوزُ عند الضرورة أن يتخذ صيغة الثورة.

«إن الموكَّلين بالقوة التنفيذية ليسوا أسياد الشعب، ولكنهم خُدَّامه. ويستطيع الشعب الذي يُنصِّبهم أن يُسقطهم كلما شاء.» «لا مَلِك بعد اليوم؛ الشعب وحده هو السيد!» وفي هذا القَدْر ما يكفينا من روسو.٢١
ولا بُد لنا قبل اختتام الفصل من أن نلتفت إلى مدرسةٍ فكرية كان لها أثرها العميق في هذا القرن، وهي المدرسة الاقتصادية L’École des Économistes، وقد انصرف أعلامها إلى البحث في ثروة الأُمَّة؛ وهكذا نهضت بذور العلم الذي نُسمِّيه اليوم الاقتصاد السياسي. واحتدم الجدال حول مصدر الثروة، فقال كسناي (١٦٩٤–١٧٧٣): «إن ثروة الأمة بزراعتها، والنتاج الزراعي هو وحده النتاج الحقيقي.» وطلب عناية الدولة بالزراعة فوق كلِّ شيء. ويُعرَف كسناي بزعيم فرقة الطبيعيِّين Physiocrates من الاقتصاديِّين. وخالفه غورناي فذهب إلى أن الزراعة، على أهميتها، ليست مصدر ثروة الأمة الأساسي، بل الصناعة هي المصدر الأهم. وطلب كفَّ يدِ الدولة عن التدخُّل في الشئون الاقتصادية، وكان شعاره المفضَّل: «ألقوا الحبل على الغارب، أفسحوا في السبيل Laissez passer laissez faire٢٢
ومعنى هذا أنه كان يطالب بإلغاء الحواجز والمكوس بين مقاطعة ومقاطعة في فرنسا كي يتسع المجال للتجارة؛ ومعناه أيضًا أنه كان يطالب بِفضِّ الكوربوراسيون٢٣ ليُصبِح العمال أحرارًا في التماس العمل الذي يريدونه؛ ومعناه كذلك أنه كان يطالب بإطلاق المدى للإنتاج وقذف البضائع في الأسواق لأن «قانون العرض والطلب» كفيلٌ بضبط الأمور وتسييرها كما يجب. وواضحٌ أن غورناي كان لسان حال الصناعيِّين الذين ظهروا على أَثَر الثورة الصناعية في أوروبا Révolution Industrielle، وكانت مبادئه أسبق النظريات الاقتصادية في التعبير عن إرادة الفئات المتقدمة إذ ذاك. ويُعرَف غورناي بزعيم فرقة البلوتوقراطيِّين Ploutocrates٢٤ من الاقتصاديِّين. وقد نفَّذَت الثورة الفرنسية ما اقترحه من إصلاحات، فألغت الحواجز والمكوس بين مقاطعات فرنسا، وفضَّت الكوربوراسيون، وهيَّأَت الأساس لازدهار نظام الاقتصاد الرأسمالي الحديث.

ويَلحَق بغورناي وكسناي الوزير الشهير ترغو الذي حاول التوفيق بين هذَين المُفكِّرِين الاقتصاديِّين، وأخرج للملك بَرنامجَ إصلاحٍ قبل الثورة لم يوفَّق إلى تنفيذه.

ومن المُفكِّرِين الفرنسيِّين الذين لا بُد لنا من ذكرهم في هذا القرن: موريلِّي، مؤلف كتاب «قانون الطبيعة». وكان بابوف، الثائر الفرنسي الذي اشتقَّ نغمةً اشتراكية جديدة في الثورة أيام حكومة «الإدارة»، يُكثر الرجوع إليه ويستقي من آرائه.

ولعلَّنا، وقد بلغنا هذا المبلغ من بحث الفكر الفرنسي، بتنا نلمس صحةَ ما قُلناه من أن المُفكرِين والأدباء الفرنسيِّين أفاقوا على المجتمع، قبل الثورة، في القرنَين السابع عشر والثامن عشر، فوجدوا أن معظم الفرنسيِّين، من حيث وضعهم في الهيئة والدولة ومسالك السياسة، إنما هم وسائلُ لبعض الفرنسيِّين، وليسوا غايةً كما يحِق لهم أن يكونوا، فعَمَد هؤلاء الأدباء والمفكرون إلى الاحتجاج على الحالة الراهنة، وتلمُّس أسباب الفساد، ووضع الخطط، ورسم هيئة المجتمع الجديد. وكان لهم من «العقل» مصباح، ومن «الطبيعة» دعامةٌ يرتكزون عليها. وكان لنشاطهم وتوجيههم أثرٌ بليغٌ في الثورة ونهضتها. ولقد أدَّى الثوار سنة ١٧٨٩ واجبهم في الاعتراف بفضلهم؛ إذ نقشوا بيان حقوق الإنسان الخالد وجعلوا في أعلاه عينًا مُطلَّةً مضيئةً هي «عين العقل الرفيعة التي طَلعَت تُبدِّد سُحُب الجهالة!»

١  جماعة الفكر ميالون، في الأغلب، إلى تحميل أنفسهم كل مسئولية الانقلابات والإصلاحات. والذي نراه أن الفكر الإصلاحي، فيما يتعلق ببعث الأحداث الاجتماعية، يختلف شأنه؛ فمنه ما تتفق له تجريدات وإيغالات في المُثل تنقطع به — في بعض النواحي — بعيدًا عن عصره، وقد ترجع به أحيانًا عنه، فلا يخرج عن نطاق الأحلام والرؤى، ويقتصر تأثيره، في أحسن الحالات، على إيقاد الشوق الغامض إلى ما «يجب أن يكون» إطلاقًا، فيظل تطبيق محتواه وإخراجه إلى حيِّز الفعل متعسِّرًا، بل متعذرًا. ومن الفكر ما ينظر إلى الواقع فيلمس فيه عناصره التي تشيخ وتنحط، وعناصره التي تنمو وتنهض، فيُركِّز مذهبه الإصلاحي على العوامل النامية في الواقع حوله، ولا يطمح إلى «ما يجب أن يكون» إطلاقًا، بل إلى «ما يمكن أن يكون» بالنسبة إلى وسائل التحقيق التي هيأها ويهيئها له الوضع والتطور التاريخي. والفكر الإصلاحي يقوم بأعظم أدواره إذ يعي العناصر الشائخة التي تسير في طريق الاضمحلال، ويعي العناصر الجديدة النامية، فيحالف الجديد على البالي، فيصبح سببًا من الأسباب المحركة، لا الأسباب كلها! مهما يكن مهمًّا. والأحداث الاجتماعية لا تقع بمجرد أن مفكرًا أو جماعة من المفكرين ذهبوا إليها، بل تقع لأن القديم «الأب» الذي ترعرع في حضنه الجديد شاخ، فبات تَنحِّيه للجديد «الابن» ضرورةً تُلحُّ وتضغط بثقل الجماهير التي تُحرِّكها في المجتمع.
على أن المفكر، إذ يفكر، قليلًا ما يتخلل تفكيره عامل الوعي والإدراك لمعنى عمله اجتماعيًّا وتاريخيًّا؛ ولذلك كثيرًا ما نجد في المفكر — أديبًا كان أو شاعرًا أو فيلسوفًا — مزيجًا من التفكير «الطوبي» الخيالي حول «ما يجب أن يكون» إطلاقًا، والتفكير حول «ما يمكن أن يكون» نسبةً إلى الوضع التاريخي، بل كثيرًا ما نجد في المفكر الواحد مزيجًا مما يخدم القديم ومما يخدم الجديد؛ لأن المفكر قلَّ أن يسائل نفسه مَنْ يخدم اجتماعيًّا وتاريخيًّا بعمله، بل هو قد يظن نفسه ينهض بشيء فتكون النتيجة غير ما ظنَّ وما نوى. كان لوثر، مثلًا، ينعت العقل بأقبح النعوت: «مومس الشيطان»، «عروس الشيطان»، «أعدى أعداء الله» … إلخ، ومع ذلك فإن الإصلاح الذي كان لوثر رأس دعاته في الكنيسة خدم العقل وحق العقل في المحاكمة والبحث الحر. وعلى هذا يكون للتاريخ منطقٌ غير منطق الأفراد وإرادة الأفراد.
ومن التأثيرات في تكوين المفكر ما تخفى عليه وتعمل فيه عملها صامتةً وهو غيرُ شاعرٍ بها. ومن هنا كان رأي المفكر في نفسه، كرأي كل إنسان، لا يصح الاعتماد عليه في حالات كثيرة.
وقد يتفق أن يكون تفكير المفكر غير صحيح كل الصحة من حيث الحقيقة التاريخية أو العلمية، ثم لا يمنعه ذلك من أن يُؤثِّر أثره إذا استطاع أن يتناول الجماهير ويُحرِّكها؛ فالمُهم في قيمة الفكر — بصفة كونه مُؤثِّرًا تاريخيًّا — هو أن تقبَلَه الجماهير وتعملَ به. ولا شك في أن الفكر كلما ازداد نصيبه من الصحة قبِلَته الجماهير مدًى أطول، وعملت به عملًا أنشط وأثبت؛ وتلك فرضية روسو مثلًا عن «الحالة الطبيعية» Etat de Nature يغلب أنها غير صحيحة من حيث الحقيقة التاريخية. على أن هذه الفرضية وما بنى عليها المفكر الفرنسي من قواعد في الحكم والسياسة وافقَت مطالب الجماهير الفرنسية ووَجدَت سبيلها إلى قلوبهم وعقولهم فتأثَّروا بها في ثورتهم الكبرى. ولمَّا كان مغزى هذه الفرضية ومرماها صحيحَين في ضوء الاتجاه التاريخي وخدمة أغراضه، كان البناء عليها أثبتَ وأرسخَ من البناء على أفكار ونظريات كالتي تدَّعيها النازية مثلًا؛ فمنذ سنوات كان موسوليني وغوبلز يصيحان: إن عام ١٧٨٩ سيُلغى من التاريخ. وعام ١٧٨٩ هو عام «حقوق الإنسان» المرتكزة إلى نظريات روسو وغيره من مماثليه؛ فبعد أن ثبتت هذه الحقوق دورًا تاريخيًّا طويلًا إلى أن قام موسوليني وغوبلز يعلنان «انتهاءها»، أقبلَت هذه الحرب، وقد بدأ التاريخ يقول فيها كلمته، وهي: إن موسوليني وغوبلز نفسَيهما سيُلغيان، وسيظل عام ١٧٨٩ حجرًا ضخمًا أساسيًّا في بناء العالم الجديد.
(هذه ملاحظاتٌ سريعة أحببنا أن يجعلها القارئ نصب ذهنه وهو يطالع هذا الفصل.)
٢  الواقع أن هذا شأن التاريخ على عمومه؛ فكلُّ حدثٍ من أحداثه يبدو وكأن كلَّ ما سبقه، مما له به ارتباطٌ قريب مباشر أو بعيدٌ غير مباشر، قد مهَّد له وجعله ممكن الحدوث بتأثير الفعل، وأحيانًا بتأثير رد الفعل. وإلى هذا رمى الكاتب عباس محمود العقاد في قوله عن الثورة الفرنسية: «ما الثورة الفرنسية لولا فتحُ الأندلس، ولولا الحروبُ الصليبية، ولولا سقوطُ القسطنطينية، ولولا كشف القارة الأميركية، ولولا الثورة في البلاد الإنكليزية (ولا نعلم لماذا فاته ذكر الثورة الأميركية)، بل ما الثورة الفرنسية لولا الأديان التي قرَّرَت لكلِّ إنسانٍ من الناس «روحًا» يُناط بها الخير والشر وتُناط بها المكافأة والعقاب فقرَّرَت بذلك أساس «المسئولية» الفردية وأساس الحقوق والواجبات؟ وما الثورة الفرنسية لولا الأديان التي رفعتِ الفوارق بين الأقوياء والضعفاء، وبين الأغنياء والفقراء، وبين السادة والعبيد، فأقامت بذلك أقدمَ الأُسس وأَدومَها في بناء الحرية الديمقراطية، وجعلت العمل الصالح والقوة على الخير مقياس التفرقة بين الأقدار والدرجات؟ فاليوم، الرابع عشر من شهر يوليو (تموز)، هو يومٌ من أيام الإنسان في تواريخ الأزمان» (من مقال للعقاد نُشِر في مجلة «الطليعة» في تموز سنة ١٩٣٩).
٣  في هذا القرن عثر «فاسكو داغاما» البرتغالي على طريق رأس الرجاء الصالح سنة ١٤٩٧، ودار «ماجلَّان» حول الكرة الأرضية من سنة ١٥١٩ إلى ١٥٢٢. وفي هذا القرن أيضًا شاع استعمال البارود والسلاح الناري في أوروبا، وكان البارود قد استُعمل أولًا في أواسط القرن الرابع عشر سنة ١٣٤٦ في معركة كريسي. وفي هذا القرن أيضًا أُتقنت البوصلة فساعدَت على إتقان الملاحة ويسَّرت أسفار المكتشفين وفتوحاتهم، وكذلك تقدَّمت الآلة الطابعة تقدُّمًا عظيمًا على يد «غوتنبورغ» حتى نُسِب إليه اختراعُها، وأُجيدت صناعة الورق. وغنيٌّ عن البيان أن هذه الكشوف الجغرافية والمستنبطات العلمية كان لها أعظم أثر في نهضة أوروبا ومدنيتها؛ فالبارود والسلاح الناري، مثلًا، كانا من أعظم وسائل هدم النظام الإقطاعي المحض؛ إذ قضيا على تفوُّق النبلاء العسكري وجعلا قلاعهم الحصينة أهدافًا ميسورة المنال، وبذلك (إلى جانب العوامل الأخرى) أمكن نشوء الدولة المركَّزة على عرش الملك، وتثبيت نوعٍ من وحدةٍ للبلاد، وكانت البلاد من قبلُ أشبه بمجموعةٍ من دولٍ صغيرة يستقل بها الأمير الإقطاعي متحصِّنًا بقلعته أو قلاعه لا يؤدي إلا خضوعًا اختياريًّا للملك والدولة المركزية وكثيرًا ما يشق عصا الطاعة.
ويُلاحَظ أن معظم المستنبطات التي كانت ضرورةً حيوية لنهضة أوروبا انتقلت إلى الأوروبيِّين على يد العرب من الأندلس وشمالي أفريقيا، أو صقلية، أو سوريا في عهد الصليبيِّين؛ فالبارود مادةٌ قبَس العرب صنعها من الصينيِّين وحسَّنوها لخدمة المقاصد الحربية إذ جعلوها أقوى وأشد انفجارًا. وكذلك البوصلة عرفها العرب من الصينيِّين وانتقلت إلى أوروبا على يدهم. والتأثير الذي تَركَته الأسفار العربية البحرية والروَّاد العرب على المكتشفين الأوروبيِّين كان كبيرًا. ورحلة كولومبوس التي انتهت بكشف القارة الأميركية قد سبقَتها محاولةٌ عربية أندلسية لِشقِّ بحر الظلمات (الأتلنتيك) وارتياد ما وراءه (راجعها في التاريخ الذي كتبه الدكتور فيليب حتِّي عن العرب بالإنكليزية، فصل: ما حقَّقَته الحضارة العربية الأندلسية). أمَّا الورق فقد عرفَه العرب من الصينيِّين أيام عبد الملك بن مروان الخليفة الأُموي الكبير، وبَلغَت في الأندلس صناعةُ القراطيس من القطن والخرق مبلغًا عظيمًا.
٤  إن ربط حركة الإحياء في أوروبا بالقرن السادس عشر — كما يفعل أكثر المؤرخِين — فيه مجالٌ للنظر؛ فالمفهوم بحركة الإحياء أنها الالتفاتُ إلى الكلاسيكيات، لا سيما الإغريقية. والأندلس العربية قد عُنِيَت عنايةً رائعة بمعظم نواحي التراث الثقافي اليوناني بنوعٍ خاص، وذلك قبل القرن السادسَ عشَر بكثير. وإذن، فردُّ حركة الإحياء في أوروبا إلى هذا القرن خطأ، إلا إذا اعتبرت أوروبا منتهيةً عند جبال البرانس (البيرينيه). وبهذه المناسبة يجب القول إن نهضة الإحياء العظيمة في أوروبا مدينةٌ للعرب في الأندلس وشمالي أفريقيا وصقلية حتى سورية زمن التَّماسِّ الصليبي بين الشرق والغرب، لكن الدور الذي قامت به الأندلس العربية في هذا الشأن هو أعظم الأدوار.
وينبغي لنا أيضًا ألا ننسى أَثَر القسطنطينية، قاعدة الإمبراطورية البيزنطية، في بعث حركة الإحياء الأوروبية؛ فلما احتل الأتراك العثمانيون هذه العاصمة سنة ١٤٥٣ تشرَّدت منها طائفةٌ كبيرة من علماء الإغريق والإغريقيات فلجئوا إلى إيطاليا في الغالب، وساعدَت الحروب بين الإمارات والدويلات الإيطالية على تشريدهم في أوروبا، فبثُّوا معارفهم فيها، وأذاعوا ذكرى كثيرٍ من كنوز القديم اليوناني، فكانت حركةَ بعثٍ بلغ من قوتها ومداها أن سمَّاها المؤرخون «حركة الإحياء الصغيرة» توطئةً للحركة الكبيرة.
٥  وهذه كلمات غوته لما قرأ الكتاب: «شدَّ ما أحسسنا بالفراغ والخواء في منتصف هذا «الليل» المُوحِش الذي انطَمسَت فيه الأرض وصُورها والسماء ونُجومها؛ فليس إلا مادة تتحرك منذ الأزل، وتنشئ بحركتها هذه، إلى يمين ويسار وكل جهة، مظاهر من الوجود لا عدد لها، ولا شيء بعدها!»
٦  سبق لنا تعليق على الثورتَين الإنكليزية والأميركية. أمَّا ثورة «البلدان المنخفضة» Pays Bas فهي التي وَقعَت سنة ١٥٨١ لمَّا عقد الشعب الهولندي اجتماعًا لبرلمانه المؤلَّف من ممثلي الطبقة الوُسطى في المدن ورؤساء الدين والأشراف؛ فما لبث أن استقل ممثلو الطبقة الوُسطى بالرأي، وخلعوا ملكهم فيليب الثاني الإسباني، وأعلنوا استقلالهم في شكل «جمهورية البلدان السبعة المنخفضة»، وكانت لهم حُجةٌ جديدة مبدئية، في مقابلِ حُجة «الحق الإلهي»، تقول: «إن الملك نقض ميثاقه، فالملك يُطرد من وظيفته كخادمٍ غيرِ أمين.»
٧  تُذكِّر أمثال لافونتين بكليلة ودمنة التي نقلَها ابن المقفع أيام الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور، وقد نُقلت إلى اللغة الفرنسية في القرون الوسطى من الأندلس العربية، فاطَّلع عليها لافونتين بشهادته واعترافه. ولا شك أنه تأثَّر بأسلوبها وطريقتها الرمزية في النقد السياسي والاجتماعي. والواقع أن محتوى كليلة ودمنة الثوري لم يُبحث بعدُ بحثًا يستحق الذكر، إلا أنه ظاهرٌ ملموس في أمثالٍ كمثل «الفيل والقُبَّرة» و«الأرنب والأسد» و«الملك والطائر فنزة».
٨  في كتاب الحيوان للجاحظ: قيل لمصقلة، أحد العرب: ما أكثرَ شكَّك! فقال: محاماةً عن اليقين. والشك في أسلوب التفكير العلمي ضرورةٌ لا بد منها. وللغزالي كلمة في الشك تُذكِّر ببايل وديكارت، قال الإمام: «مَن لم يشُك لم ينظر، ومن لم ينظر بقي في الحَيرة والعَمى!» على أن الغزالي أدى هذا الاعتراف والمديح للشك، ثم ألَّف «تهافُت الفلاسفة» الذي ردَّ عليه ابن رُشْد ﺑ «تهافُت التهافُت». والذي يراه بعضٌ أن الغزالي إنما آثر التسليم والتصديق خوفًا من عواقب الشك على العامة وسدًّا لموضوع لا ينتهي فيه الأخذ والرد العقليان. إلا أن الغزالي ترك لديه فسحة لمَّا سماه «المضنون به على غير أهله». والحقيقة أن كثيرِين من المُفكِّرِين، من الغزالي إلى فولتير، مثلًا، كانوا يخافون على العامة الدخول في قضايا فكريةٍ خطِرة كاللعب بالسلاح الناري. وفولتير هو القائل للمُفكِّرين: «تفلسفوا فيما بينكم ما طاب لكم … ولكن احذروا من أن تقوموا بالعزف أمام الجهلة البهيميِّين السوقيِّين … فقد يكسرون آلاتكم على رءوسكم.» وهذا الخوف الذي نلقاه عند بعض الأدباء، من اشتراك العامة في الأفكار الخاصة، إنما هو نتيجةٌ لقلة الثقة، وأثرٌ للخوف من معاني تلك الأفكار ومراميها إذا دَفعَت إلى غاياتها في عالم الواقع؛ ولهذا هتف فولتير: «الله دَرَكِي!» Dieu est un gendarme. أمَّا المواضيع التي لا ينتهي فيها الأخذ والرد العقليان فقد عَمَدَ فيها بيير بايل إلى «تسوية»، وكأنه قسَّم بها عالم المعارف جزأين: فجزء يستطيع أن يتناوله العلم بالمعرفة اليقينية وهو المجال الذي يجوز فيه استعمال العقل بل يجب استعماله، وجزء يستعصي على الباحث الوصول فيه إلى بتٍّ علميٍّ؛ فالأجدر بالعقل أن يتنحى عنه إلى المواضيع التي يثمر فيها نشاطه. وعلى هذا يقول بايل: يمكننا تشبيه الفلسفة بالمساحيق الأكَّالة التي تقشط اللحم المصاب، ثم تمتد إلى اللحم الحي، ثم تضرب العظم وتخرقه حتى مخه … الفلسفة إذا تركناها تسترسل مع هواها وتخيلاتها أَوغلَت في البُعد حتى لم تدرِ أين هي، ولم تجد مقعدًا تقعد عليه. وهذا يُذكِّر بقول الخوارزمي: «إذا تتبعتَ الأمور كلَّها فسَدت عليك.» ويتابع بيير بايل منهجه فيقول لفريق العقليِّين: «لا تُحاولوا أن تفهموا الغوامض الدينية»، ثم يقول للفريق الآخر: «إذا دخلتم في أسباب مفصَّلة تقدمونها بشأن العقائد، فإنكم في نهاية الأمر، بعد ألف خصومة وشحان، تُضطرُّون أن تتعلقوا بسببكم الأصلي» (يقصد السلطة المسلَّم لها).
٩  سُمِّي بالفرنسية: Siècle des Lumières، وبالإنكليزية: Century of Light، وبالألمانية: Aufklârung.
١٠  للكواكبي في «طبائع الاستبداد» رأيٌ نورده في هذا الصدد. يجعل الكواكبي الاستبداد يشمل أيضًا الحكومة الدستورية المفرَّقة فيها قوة التشريع عن قوة التنفيذ؛ لأن ذلك أيضًا لا يرفع الاستبداد ولا يخففه ما لم يكن المُنفِّذون مسئولين لدى المشرِّعين، وهؤلاء مسئولون لدى الأمة التي تعرف أن تُراقب وأن تتقاضى الحساب، وهذه أفضل الحكومات إذا وُجِدت. وخُلاصة ما تقدَّم أن الحكومة من أيِّ نوعٍ كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة التي لا تَسامُح فيها، كما حدث في صدر الإسلام فيما نُقم على عثمان بن عفان (رضي الله عنه) يوم خصَّ بحكمه ذوي قُرباه دون المسلمين، وكما حدث في عهد هذه الجمهورية الحاضرة في فرنسا في مسائل النياشين وبناما ودريفوس.
١١  تُذكِّر هذه الكلمة بقولٍ منسوبٍ في الكتب العربية إلى كسرى أنوشروان: «مثل الملك الذي ينال من شعبه لنفسه مثل من يُخرِّب الأساس في سبيل سقف البيت.» وقد ذاعت لمونتسكيو شهرةٌ كبيرة في البلاد العربية. وفي باب «نصوص مختارة» من هذا الكتاب قطعة لنوفل نعمة الله نوفل الطرابلسي نقلناها عن كتابه «زبدة الصحائف في سياحة المعارف»، وهي تدور على نخبة من أعلام فرنسا في القرن الثامن عشر وبينهم مونتسكيو، فراجعها.
١٢  سيرى القارئ كيف نقد أديب إسحاق تعريف مونتسكيو للحرية.
١٣  ولا سيما فن التاريخ. وأشهر آثار فولتير في هذا الباب «تاريخ شارل الثاني عشر (الأسوجي)». وفي المقدمة المعنونة Le Discours يقول فولتير: «إذا وجد أمراء أو وزراء في هذا الكتاب حقائقَ مزعجة، فليعلموا أنهم لما كانوا رجالًا يعنون بشئون العامة، فلِلعامة الحق في محاسبتهم على أعمالهم؛ فبهذا الثمن يشترون العظمة. والتاريخ شاهدٌ وليس مدَّاحًا. والطريقة الوحيدة لحمْل الناسِ على أن يقولوا فينا خيرًا هي أن نعمَل الخير!»
١٤  لفولتير رسالةٌ إلى أحد المراجع الدينية العالية يتحدث فيها عن النبي محمد، وقد نعى من أجلها مُفكِّران عربيان، هما محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي والأستاذ توفيق الحكيم، على فولتير صدْق مذهبه في التسامُح. على أننا إذا نظرنا إلى الرسالة في ضوء آراء فولتير وأسلوبه وميله فيها إلى المبالغة في التذلل والتفخيم والتعظيم، اتسع لنا مجالٌ لحمْل الرسالة محمل العبث والتظرُّف.
١٥  التقميش هو الالتقاط كيفما اتفق.
١٦  وقد وافق هذا الذين وضعوا أول دستور لفرنسا فحصروا حق الترشُّح والاقتراع بأصحاب الأملاك ودافعي الضرائب.
١٧  كان للندوات Salons، من أدبية وفكرية، أَثرٌ كبير في اليقظة العقلية الفرنسية في القرن الثامن عشر.
١٨  ونرى أن بوادر التنبُّه الثوري في الإمبراطورية العثمانية اتَّخذَت أيضًا شكل الدعوة إلى مراعاةِ القوانين بذاتها مجردةً عن أشخاص الملوك ورغائبِ الموظَّفِين؛ فلما استقال مدحت باشا من نظارة العدلية أيام السلطان عبد العزيز كتب في استقالته ما يلي: «إن الدولة لا تُدار بقانون؛ فكل ناظرٍ يريد إدارة الأمور كما شاء وشاءت أغراضه؛ ولذا فإن الأمور السياسية والإدارية قد اختلَّت وخَرجَت النظامات العسكرية عن السراط السوي.»
١٩  واضحٌ أن هذه الفروض التي يفرضها روسو عن الإنسان الأول لا تطابق الحقيقة التاريخية. والغالب على الأذهان أن رأي هوبز في «الحالة الطبيعية» هو الأصح تاريخيًّا؛ إذ كانت تطغى على علائق البشر قاعدة: «الإنسان ذئب على الإنسان» Homo Homine lupus، وناموس «حرب الجميع على الجميع» Bellum omnium contra omnes. ولكن كما أن فروض روسو بعيدة عن الصحة التاريخية، فآراء هوبز تَغفُل أيضًا عن جانب التعاوُن بين الناس حتى في تلك الأزمنة السحيقة؛ فالتنازع لم يكن في وقتٍ هو وحده الغالب على الهيئة البشرية، بل إن التعاوُن ليغزو التنازُع نفسه؛ فلا بد لكلِّ تنازُع من تعاوُن ولو على صعيدٍ محصور في نطاقِ إحدى الهيئات المتنازعة. وغنيٌّ عن البيان بعد هذا أن روسو لمَّا فرض فروضه لم يكن يَتوخَّى كتابة التاريخ، بل إنشاء مذهبٍ سياسي، فلا تجوز مناقشته على أساس الصحة التاريخية وحدها.
٢٠  من جريدته التي أنشأها خلال الثورة، جريدة «صديق الشعب» L’Ami du Peuple. ومفهوم أن التربية والثقافة هنا، وفي نظر روسو، لا تعنيان محض القراءة والكتابة. وينبغي القول إن أعلام المُفكرِين الديمقراطيِّين يُدرِكون حق الإدراك أن نتيجة الاقتراع الديمقراطي (ولو كان حرًّا نزيهًا) ربما لا تخدم المصلحة العامة. ومع ذلك فهم يتَمسَّكون بالديمقراطية؛ لأن الحكم الذاتي (والديمقراطية هي حكمٌ ذاتي) أفضل من حكم الصالح، كما يقول السياسي الإنكليزي كامبل بانرمان. وما هذا إلا لأن الحكم الذاتي إذا أخطأ كانت أخطاؤه ثمنًا لتعلُّم الشعب وتدرُّجه نحو الحكم الصالح، بينما الحكم الذي يصدُر عن سلطةٍ فردية، أو خارجية، سرعان ما ينقلب إلى الفساد ولو اتفَق له أن يكون صالحًا في فترةٍ قصيرة مُوفَّقة.
٢١  ليذكُر القارئ أيضًا أن روسو كان من أتباع «العقيدة الربانية» Déisme. ورأيه في المرأة أنها خُلقت لمسرَّة الرجل هو المذهب النظري الذي تعلَّق به معظم أعلام الثورة. وفي باب النصوص من هذا الكتاب فصلٌ للأستاذ محمد جميل بيهم عن هذا الموضوع.
٢٢  كان كسناي وغورناي من هذا القبيل مُتفقَين.
٢٣  الكوربوراسيون نقابات عمالٍ على أساس الحرفة، وتختلف عن النقابات الحديثة بأنها كانت تسيطر سيطرةً إجبارية على العمال المُنتسبِين إليها؛ فكل عامل يبدأ فيها «متدرِّجًا» Apprenti، فإذا طمح إلى أن يكون «معلِّمًا» Maître وجب عليه أن يُحرز شهادة من الكوربوراسيون. ولمَّا كان «المُعلِّمون» حريصِين على بقاء عددهم قليلًا، كان انتقال العمال من «متدرِّج» إلى «معلِّم» صعبًا جدًّا.
٢٤  البلوتوقراطيون: الماليون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠