قهوة الأمير الأحمر

ما وجد الشدياق سركيس وعصابته حصنًا أمنع من دير القطين فلجئوا إليه.

كان الدير مخوفًا في كل حين، لا يأمن زائره غدر قطَّاع الطرق اللاجئين إليه، أما الآن فصار مقر عصابة منظَّمة عجز المير بشير عن تذليلها وإخضاعها. ففي سرداب١ المرامي كان يتناوب رجال الشدياق سركيس الرصد٢ والسهر، حتى إذا أحسُّوا بعدوٍّ كثير العدد، انسلوا صوب الشرق واختفوا في جيوب الوادي، وإن كان العدو قليلًا ثبتوا له وأرهبوه، فيعود على أعقابه.
ولزيادة الحذر والاطمئنان كان الشدياق يجعل أحد رجاله على «شير الكروم»٣ فيرصد الطرق جميعها، وهكذا تأمن العصابة الغدر من كل ناحية.
وبعد غارة «حاقل» الآنفة الذكر، استقرت عصابة الشدياق في دير القطين، وكانت كلما سمعت بجباة الأمير نهضت للتنكيل٤ بهم، فيقطعون عليهم الطريق ويشلحونهم ما جمعوا، وكثيرًا ما كانت تسفر هذه المناوشات عن قتلى وجرحى من الطرفين.
وفي يوم صافي الأديم٥ من أيام تشرين الثاني، بينما كان الناس يزرعون في الجبل المناوح٦ للدير، وفي الأرض الممهَّدة فوق ظهر الدير، وتحت أقدامه وحوله وحواليه، كنت ترى تلك الأرض القفراء كأنها بلد آهِل بالسكان.

وكان الشدياق سركيس جالسًا في فم الكهف قبالة زميل له يلعبان «الدريس»، يلعبان ويتحدثان ويدخنان الشبق — الغليون — فينعقد الدخان في الفضاء حلقات حلقات، وتنبعث رائحة التبغ الزكية، فالأهالي كانوا يهدون إليهم أجود التتن وأطيبه، تشجيعًا لهم من جهة، وخوفًا من سطوتهم واعتدائهم عليهم إذا لم يقوموا بالواجب …

فكان الناظر إلى الشدياق سركيس، إذا رآه قابضًا بيده على ماسورة الغليون التي تتجاوز الذراع طولًا، وشاهد الدخان منبعثًا من فمه ومنخريه، ومن بين شعرات شاربيه ولحيته، يخال أن هنالك «حريقة» تستدعي استقدام الإطفائية.

وما أخذ زميله بحَصَة — حصاة — حتى قال له: ما لك حق، ردَّها. لا «تزعبر».٧ صرت مثل سيدنا المير لا يهمك إلا أن تغلب وتأكل …
figure

– طيِّب … رجَّعتها يا سيدي.

– العب.

– لعبت.

قال هذا ونقل بحصة. فأكل الشدياق سركيس، وواتى اللعب رفيقه فأكل أيضًا.

وفيما هما يلعبان ويتنادران، بدا لهما هرٌّ في الجبل، وراء النهر، فصاح رفيق الشدياق: تأمَّلْ يا شدياق تأمَّلْ. هذا بسيننا حيمور، قالوا لي إنه ترك البيت يوم تركته وتبعتك.

فضحك الشدياق سركيس بملء فكيه، وقال: ربما كان في البسينات أوادم وثوَّار مثلنا.

– العب. انقل بحصتك. الدق لي …

– الدق لك؟ مَن قال؟

– أنا قلتُ …

وحانت من الشدياق التفاتة فوقعت عيناه على وحش فصاح: ضبع! فأطلق رجاله بندقياتهم فاقشعرَّ جَلَد٨ الوادي، وظنَّ الفلاحون أن الواقعة وقعت بين رجال المير والعصابة، ففكُّوا٩ بقرهم وسرَّبوا،١٠ فكان حظ البقر راحة ساعة زمان.

وقدم أبو ناصيف من مرقبه وعلى وجهه كآبة وحزن، فأشار الشدياق سركيس برأسه مستفهمًا، فقال أبو ناصيف: خبر منحوس. جاء خبر المطران يوسف.

– المطران يوسف؟ لا!

– بلى.

– وكيف مات؟

– تسأل كيف مات وعند المير بنٌّ وسكَّرٌ؟

فقال الشدياق بحزن وأسف: مسكين معلمنا! نصحته وما انتصح. قلتُ له: خُذْ حذرك، لا يغرَّك وعد المير، وعفو المير، هذا جبَّار. حليم عند عدم المقدرة. رحمة الله عليك يا مطران يوسف، يا عدوَّ الظالمين، ويا حبيب قلب الشعب المظلوم.

قال هذا ثم نهض من مكانه ونفض ما علق في أذيال غنبازه من هشيم وتراب، ونادى: شباب اتبعوني. أين هو الرقيب؟ امشوا كلكم.

وسار أمامهم حتى وقفوا أمام مذبح السيدة، وهناك غمس الشدياق أصبعه بالماء المقدس، ومسح جبهته بزيت قنديلها، راسمًا عليها شكل صليب، ثم وضع يده على الصورة وقال: وحقك يا سيدة البزاز، لا أرجع عن مقاومة المير ما بقي لي رِجْل تحملني.

والتفت إلى عصابته وقال: عاهدوني.

فصاحوا جميعًا: عاهدناك ونعاهدك.

وكان قد انتصف النهار، فسمعوا جرس عين كفاع يدق الظهر، فحسروا١١ عن رءوسهم و«بشَّروا»١٢ وأكلوا.

وبعد الغداء قرَّ رأيهم على مهاجمة المير قاسم في جبيل، فإن قدروا كان خيرًا، وإلا كان عملهم هذا ردًّا على غدر والده بالمطران اسطفان، مستشار عاميتي انطلياس ولحفد.

وفي ليلة عيد رأس السنة كانت العصابة على أبواب جبيل، ولكنها ارتدَّت خاسرة. قُتِل من رجالها ثلاثة، ومن عسكر المير قاسم واحد، فتفرَّق رجالها في البلاد تاركين حصنهم إلى حين.

وبلغ الأمير اعتداؤهم المتواصل، ورأى أن ابنه عاجز عن القبض عليهم وكسر شوكتهم، فأرسل خيَّالته ليتعقبوهم في البلاد، فكان الخيالة يحتلون كل قرية مرَّ بها العصاة، آكلين مئونة الأهالي، ذابحين الدجاج والغنم والمعزى والبقر. فضجت البلاد، واستصرخت البطرك الجديد الحبيشي، فكتب إلى سعادة المير يلتمس منه كف شره عن الأهالي، فلا يؤخد البريء بجريرة١٣ الجاني، وتعهد صاحب الغبطة لسعادة المير بإعلان الحرم١٤ الكبير في قرى بلاد جبيل، ومَن يجسر بعد ذلك على إيواء الثوار ومدِّهم بالذخائر؟

وكان الشدياق إذ ذاك معتصمًا في اللقلوق مع مَن بقي حوله من رجاله، فقال حين بلغه هذا الخبر: الآن صرنا كما قال المثل: مثل الحجر بين شاقوفين. حاكم إقطاعي، وبطرك إقطاعي، كلاهما من غزير. انخلي يا ليلى واعجني يا زمرد.

حكم إقطاعي دينًا ودنيا. الشعب المسكين يتنكر لنا خوفًا من «الحرم» فأين نهرب؟ لا بد من الصبر. السياسة تخلق ما لا نعلم.

ثم قال لرجاله: ما العمل يا شباب؟

فأجاب أحدهم: الموت حاصل في الحالين، نظل نجاهد حتى تفرج.
figure

فقال الشدياق: وهذا رأيي، فَلْنغب مدة عن البلاد كما غاب «سعادته»، ولعلنا نعود كما عاد.

فقال آخَر: هو غلط، والأوفق أن نتخفى في البلاد فيظنوا أنهم استراحوا منا، ثم نهاجمهم متى أتت الساعة.

وبعد مناقشة دامت ساعات أجمعوا أمرهم وتفرقوا في البلاد متنكرين، فصار الشدياق سركيس معلمًا في قرطبا، يدرِّس الأولاد العربية والسريانية والحساب، ويعلمهم الخط بالقلمين: العربي والسرياني. واستحال رجاله فلاحين وبنائين وأجراء، وكلهم ينتظرون الساعة التي يطفح فيها الكيل ليشعلوا نار الثورة.

وحدثت في البلاد، أثناء ذلك، أحداث جسام، فاستراح الأمير قليلًا من مناهضة١٥ بلاد جبيل، ولكنه لم يسترح من مقاومة خصومه في الشوف.
اشتد النزاع بينه وبين «المناصب»١٦ فتألبوا عليه. وكان الشدياق يعلِّم ويستقي الأحداث، ينتظر بين ساعة وأخرى حدثًا جسيمًا ولا يدري على مَن تدور الدائرة فيه.

وكان الأمير بشير يحوك شراك الدسائس، وينصب الفخاخ لخصومه، والناس في البلاد فريقان: واحد مع المير بشير، وآخَر مع سميِّه الشيخ الجنبلاطي. وكما تكون الحالة في الشوف كذلك تكون في بلاد جبيل، فهي حزبان أيضًا، حزبان سياسيان لا يهمهما الدين والطائفة. يجمع حزبٌ المال ليشتري الخلعة لزعيمه، فيدفع كل واحد من الحزب ما يقدر عليه دونما نظر إلى الملة والمعتقد.

ورأى الشدياق سركيس أن الوقت قد دنا، فلمَّ شمل عصابته، وعاد إلى وكره دير القطين، حصنه الحصين.

عادت العصابة في أوائل الصيف، تظهر الفئوس والمعاول والمناجل، وتخفي الغدارات والطبنجات والمجهريات والخناجر.

وها هي مغارة القطين — الدير المذكور — حافلة برجال من جرود كسروان يقطعون الأشجار ويصنعون الفحم. ها هم يعملون نهارًا، ويغنون ويزمرون ويرقصون ويدبكون ليلًا، فأصبح ذلك الوادي ساهرًا طروبًا. صار ذلك الكهف الموعر حافلًا بالمسرات واللهو كبيوت الوجهاء العظام، ناهيك أنه صار بندرًا١٧ تجاريًّا تأتيه المكارون كل يوم، ناقلةً الفحم إلى المدن …
١  سرداب: بناء تحت الأرض، والمرامي ما يُرمَى به العدو من حجارة.
٢  رصد: راقب، حرس.
٣  شير الكروم: اسم مكان.
٤  نكَّل: أصاب بضرر.
٥  الأديم من السماء: ما ظهر منها.
٦  المناوح: المقابل.
٧  زعبر: غشَّ.
٨  الجلد: السماء.
٩  فك: فصل. فك البقر أي: فصل الثيران بعد انتهاء الفلاحة.
١٠  سرَّب: رجع إلى البيت.
١١  حسر: كشف.
١٢  بشَّر: صلى صلاة الظهر.
١٣  الجريرة: الذنب والجناية.
١٤  الحرم: قرار يصدره مرجع ديني كبير يمنع مَن يُطبَّق عليه من ممارسة حقوقه الدينية.
١٥  مناهضة: مقاومة.
١٦  المناصب: المسئولون أصحاب الحل والربط.
١٧  البندر: مقر التجَّار في المدن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤