الحقائق المذهلة

كانت هذه الكلمات كافيةً لتغيير كل ما فكَّر فيه الشياطين الستة؛ فالمسألة ليست مسألة تخريب ولا تزييف … ولكن خطة جهنمية تتكشَّف تدريجيًّا … وقضى الشياطين الستة وقتًا طويلًا يتحدثون، ويضعون خططهم … كانت تنقصهم بعض معلوماتٍ قليلة ثم يتضح كل شيء، ويمكن كشف حقيقة «باغوص» ومَن حوله … وكان على «إلهام» أن تحصل على هذه المعلومات في اليوم التالي قبل إبحار ناقلة البترول، واختفاء آثار العمليات الإجرامية التي يقوم بها «باغوص» وأعوانه.

وفي صباح اليوم التالي توجَّهت «إلهام» إلى مقر الشركة … وكان الاتفاق أن تتصل تليفونيًّا بالشياطين الخمسة بمجرد العثور على المعلومات المطلوبة … وكانت المعلومات تتعلق بالتأمين على الناقلة «كوشون» … ولم تكد «إلهام» تدخل حجرة عملها وتُلقي تحية الصباح على الزميلات والزملاء حتى بدأت في البحث عن ملف التأمين … ولكن لم يكن له أثر … ولم يكن من المعقول أن تسافر ناقلة ضخمة مثل «كوشون» تحمل هذه الكمية الهائلة من البترول دون التأمين عليها، وأخذَت «إلهام» تفكر … ماذا تفعل؟

إنها لو سألت قد تُثير الاشتباه فيها، وهي متأكدةٌ بالطبع أن بعض هؤلاء العاملين لا بد أن يكون من أعوان «باغوص» وقرَّرَت أن تلجأ إلى خطةٍ أخرى … أخرجَتْ إحدى الأوراق من الملف ودخلت دورة المياه وأخفتها هناك … وبعد عودتها بدقائق قالت بصوتٍ مرتفع: هناك ورقةٌ ناقصة من ملف التموين.

قالت رئيسة القسم: كيف؟

إلهام: لا أدري … كانت ضمن الأوراق في المكتب أمس … ولم أكن قد وضعتها في الملف بعد … ويبدو أن أحد الزملاء أخطأ وأخذها بين أوراقه.

الرئيسة: ذلك شيءٌ غير ممكن … لماذا يأخذ أحد الزملاء ورقةً لا تخصُّه من فوق مكتبك؟ على كل حالٍ ابحثي جيدًا.

وتظاهرَت «إلهام» أنها تبحث … وأنها متضايقة … ثم أخذَتْ تنتقل بين زملائها وزميلاتها وهي تقرأ عناوين الملفات التي بين أيديهم … كانت تُريد أن تجد ملف التأمينات وبعدها يمكن التصرُّف … ولكن لم يكن هناك أي شيءٍ خاص بالتأمين عند أيٍّ من الزملاء أو الزميلات.

أدركت «إلهام» على الفور أن «باغوص» الحذِر يُبقي أوراق التأمينات في مكتبه، ولم يكن هناك حلٌّ سوى محاولة دخول غرفته … ولكن كيف؟

خرجت من الغرفة وتوجهت إلى سكرتير رئيس الشركة … وقالت له بثبات: أريد أن أقابل الأستاذ فارس …

السكرتير: لماذا؟

إلهام: إنني أريد مقابلته لأسبابٍ هامَّة.

السكرتير: لا بد من تحديد موعدٍ سابق … بالإضافة إلى أنه لم يحضر بعد.

كانت هذه هي الإجابة التي تريد «إلهام» الحصول عليها … أن رئيس مجلس الإدارة أو «باغوص» ليس في مكتبه … والمهم الآن هو إخراج السكرتير من مكانه فترة تكفي لتفتيش مكتب رئيس مجلس الإدارة بسرعة.

وأخذت تتسكع بين المكاتب في انتظار فرصةٍ مواتية … ولكن السكرتير لم يخرج من مكتبه مطلقًا … وقررت «إلهام» اللجوء إلى خطة خطيرة، ولكن لم يكن أمامها مفر … جمعت بعض الأوراق، ثم دخلت دورة المياه، وأشعلت فيها النار، وأغلقَت الباب وخرجت … وجلست في مكانها هادئة … وبعد لحظاتٍ سمعت ما توقعته … صوت فتاة تصيح: النار … النار!

وأبدَتْ «إلهام» فزعًا مصطنعًا، وأخذت تصيح كأنما أصابها مسٌّ من الجنون، وأسرع الموظفون يغادرون أماكنهم … وأسرعت هي إلى الممر المؤدي إلى غرفة رئيس مجلس الإدارة وهي تصيح: «… النار! حريق!» وفتح السكرتير الباب وانطلق إلى حيث تجمع الموظفون، وأسرعَتْ هي تفتح باب غرفة «باغوص» وتدخل … شملت الغرفة بنظرة سريعة، ثم تقدَّمت من المكتب وأخذت تفتش بسرعةٍ الأوراق التي عليه … ولكن لم يكن هناك شيءٌ عن التأمين … ولا ورقة واحدة. والتفتت إلى حيث يوجد دولاب من الحديد بجوار المكتب، وحاولت فتحه ولكنه كان مغلقًا … وكانت مستعدة، أخرجت من أحد جيوبها كيسًا صغيرًا من الجلد به بعض الأدوات الدقيقة التي تفتح أي نوعٍ من الأقفال، وبدأت عملها بسرعة … واستطاعت في ثوانٍ قليلة أن تفتح الدولاب … مدَّتْ يدها تفتح أحد أدراجه عندما سمعَتْ خلفها صوت بابٍ يُفتح وصوت رجلٍ يقول: هذا يكفي!

والتفتت «إلهام» ورأَتْ رجلًا لم تشك لحظة واحدة أنه «باغوص» حسب الأوصاف التي سمعَتْها من «باسم» و«ريما». كانت يده اليمنى تمسك مسدسًا كاتمًا للصوت وكان على وجهه علامات وحش سينقض على فريسته.

قال «باغوص» وهو يُغلق الباب: أنتِ طبعًا من مجموعة هؤلاء الأطفال الذين يُطاردونني لأسبابٍ أجهلها … وقد آن الأوان لوضع حدٍّ لهذه المهزلة فقولي لي فورًا من أنتِ؟ إلى أي عصابةٍ في هذا العالم تنتمين؟

لم ترد «إلهام» وأخذَتْ تنظر إلى «باغوص» بثباتٍ وهي تقيس المسافة التي بينها وبينه … وعاد «باغوص» يقول بصوتٍ نافد الصبر: قلت لكِ تحدثي فورًا وإلا …

ومضى «باغوص» حتى جلس إلى المكتب.

ولوح بمسدسه … وأضاف: إنه كاتمٌ للصوت ومن الممكن أن تموتي فورًا … وسوف لا أتردَّد … إنكم كالقطط بسبعة أرواح … فقد استطاع زميلاكِ الإفلات من غرفة الموت، وكادت المياه تُغرق المنزل لولا أننا استطعنا إنقاذه في آخر لحظة … الآن تحدثي!

وقبل أن ترد «إلهام» دق الباب ودخل شخصٌ مندفع يحمل في يده حقيبة أوراق وصاح بفرح: لقد وقعت عقود التأمين الآن … خمسة ملايين ليرة لبنانية … وبقية الأوراق مع العقود في الحقيبة.

لاحظ الداخل ما يحدث في الغرفة ووقف حائرًا لحظات. فقال «باغوص»: دع الحقيبة على المكتب واخرج الآن.

وأطاع الرجل وخرج … ومد «باغوص» يده وأدار جهاز «ديكتافون» أمامه وقال: أرسل لي «سليم» و«بولس» … إنهما في السيارة أمام الباب.

ودق جرس التليفون، ورفع «باغوص» السماعة … وكانت فرصة «إلهام» الوحيدة قبل أن يصل الرجلان … ألقَتْ بنفسها على الأرض، وأطلق «باغوص» طلقاتٍ أزَّت أزيزًا خافتًا، ولكن لم تُصبها، ووصلت «إلهام» إلى ما تحت المكتب وأمسكت ساقَيْ «باغوص» وشدتهما بكل قوتها وسقط «باغوص» من الكرسي، وقبل أن يعتدل كانت «إلهام» قد قفزَتْ واقفة وأمسكَتْ بالحقيبة التي تركها الرجل على المكتب، وبكل قوتها ضربت «باغوص» على رأسه، ثم انطلقت جارية وعندما فتحت الباب استعادت هدوءها، وردَّت على نظرات السكرتير المتسائلة بقولها: إن الرئيس يطلب منك بسرعةٍ إرسالَ «سليم» و«بولس» إليه …

رد الرجل: لقد أرسلت في طلبهما فورًا.

وما كادت «إلهام» تغادر الدهليز حتى أسرعت تنزل السلالم دون انتظار المصعد … كانت تقفز الدرجات كالشيطان حتى وصلَتْ إلى الباب الخارجي للعمارة، واستقلَّت أول تاكسي قابلها ثم استرخت في مقعدها بعد أن أعطَتْه العنوان.

بعد ربع ساعة كانت «إلهام» تجلس مع الشياطين الخمسة يفتحون الحقيبة … كانت مكتظة بالأوراق … وأخذوا يفحصونها ورقة ورقة … ومضت نصف ساعة وقامت «إلهام» مسرعة إلى جهاز اللاسلكي وبدأت ترسل إلى رقم «صفر» أخطر تقرير حصلوا عليه في هذه المغامرة، بينما انطلق بقية الشياطين إلى مقر الشركة … وذهب «أحمد» وحده إلى الميناء.

من «ش. ك. س» إلى رقم «صفر»

اطلب من السلطات اللبنانية القبضَ على «فارس فريج» أو «باغوص» كما هو اسمه الحقيقي. إنه يُدير عصابةً للاستيلاء على أموال شركات التأمين؛ فهو يرسل سفنًا محملةً بالبترول أو البضائع إلى بعض الموانئ المعروفة، ولكن هذه الحمولات لا تصل إلى الموانئ. إنما يتم تفريغها في موانئ صغيرة مجهولة، ثم تُنسف السفينة في عرض البحر … خاصةً في خليج «بسكاي» وهو ما يسمونه مقبرة السفن … ويقبض «باغوص» قيمة التأمين. إن الناقلة «كوشون» محملة بالبترول، ومشحونة بالمفرقعات في نفس الوقت … يجب منعها من الإبحار وتفتيشها. لقد ذهبت «ريما» و«باسم» إلى المنزل في قرية «عبده» لمحاصرته قبل هرب أفراد العصابة … وذهب «عثمان» و«زبيدة» إلى مقر الشركة لمنع «باغوص» من الهرب … وذهب «أحمد» إلى الميناء لشرح الموقف لقبطان السفينة وسلطات الميناء … أرسل فرقةً من الشرطة إلى هناك حتى يتمكن الشياطين من الانسحاب قبل أن ينكشف أمرهم … انتهى …

في تلك الليلة اجتمع الشياطين الستة حول تقرير رقم «صفر» إليهم:

من رقم «صفر» إلى «ش. ك. س»

باسم الحكومة اللبنانية وشركة التأمين التي أنقذتم أموالها أقدِّم لكم الشكر. لقد قبضنا على الجميع بما فيهم «باغوص» الذي اتضح أنه ليس لبنانيًّا، ولكن تركي الجنسية وأنه كوَّن عصابة من سبعةٍ من الشركاء الكبار لعمليات الاستيلاء على أموال شركات التأمين في دول كثيرة. وقد نجح في كل عملياته الستة الماضية التي كانت تسمى عمليات براكودا «١» وبراكودا «٢» إلى آخره، وكانت عملية «كوشون» هي عملية براكودا «٧». كان مع كلٍّ من الشركاء السبعة: «باغوص»، و«فرانشسكو» و«شتايبر» و«موريلِّي‎» و«يوشيرو» و«جافين» و«سلامندر»؛ مفتاحٌ لمنزل قرية «عبده»، وكانوا قد اشتروا المنزل الذي كان مهجورًا لتدبير عملياتهم الإجرامية، ولكن «باغوص» كان طماعًا، فقرَّر تصفية شركائه حتى يحصل على أرباحهم لنفسه، فتخلص من «يوشيرو» و«جافين» و«سلامندر» والأخير هو الذي عثرنا معه على المفتاح، وكان في نيته التخلص من بقية شركائه فيما بعد.

أكرِّر شكري لكم … وأتمنى لكم التوفيق في مهماتكم القادمة … وتحية خاصة إلى «باسم» و«ريما» اللذَيْن قاما بدورٍ هامٍّ في الكشف عن هذه العصابة الرهيبة التي دوَّخت رجال الشرطة في جميع أنحاء العالم ولقيَتْ نهايتها على يديكم.

التوقيع
«رقم صفر»

ابتسم «أحمد» ﻟ «إلهام» … و«عثمان» ﻟ «زبيدة» … و«باسم» ﻟ «ريما» … وكانت كل بسمةٍ من البسمات الثلاث تحمل معنًى خاصًّا … معنى الحب الرقيق النظيف بين زملاء المغامرة والمدافعين عن الحق والعدالة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤