خيالهم وخيالُنا!

الوعي صفة من صفات الإنسان، اختُصَّ بها متميزًا عن سائر مملكة الحياة الأرضية؛ فهو لا يكتفي بالإحساس بالظواهر الطبيعية رؤية أو سمعًا، بل يبحث دومًا، بعكس باقي الأحياء، عن علل الظواهر وما وراء الحدث، ومنذ وجوده على الأرض كان زاده في ذلك البحث خيالَه، فمضى يتخيَّل كِيانات خارقة تتحكم في حدوث الظواهر الطبيعية، فوُجِدت آلهة الأنهار والبرق والرعد وغيرها لتفسير ما لا يُمكن تفسيره. ونستطيع بذلك أن نقول إن التخيل يُعَد خاصية ملازمة للبشري كامتداد لوعيه. فخيالنا — إضافة لخصائص أخرى — يُميزنا عن باقي الحيوانات.

ظل الخيال الطليق ملازمًا لفكر الإنسان، إلَّا في مواضع هذَّب فيها الإنسان خياله، واستعان به على فهمٍ حقيقي للظواهر الكونية وأسبابها، كما سنُبين لاحقًا.

وبُعِث العلم!

كانت الثريا المعلَّقة في سقف الكاتدرائية تتفاعل مع حركة الهواء، فتتحرك وتثبت بحركة الهواء وسكونه، ينظر إليها فتانا — ذو السبعة عشر عامًا — مشدوهًا، لدرجةٍ ألهته عن الطقوس الدينية التي كانت تُؤدَّى حينها.

كان ذلك في عام ١٥٨١م، وكان فتانا هو «جاليليو جاليلي» Galileo Galilei (١٥٦٤–١٦٤٢م). وعلى الرغم من ملايين الثريات التي تتأرجح في شتى بقاع الأرض، إلا أنَّ ثُريَّتنا استثنائية هذه المرة؛ فقد استرعت انتباه واحد من أعظم عقول البشرية على امتداد تاريخها.١
بدأ العلم من تلك النقطة مسارًا جديدًا تمامًا؛ فقد بدأ الفتى دراسة حركة الثريَّا، مستنتِجًا القوانينَ التي تحكم حركتها خلال تجارِبَ عديدة. ثم انطلق بعدها في دراسة الميكانيكا وتفسير ظواهرَ عديدة تفسيرًا رياضيًّا بِناءً على تَجارِبه، وفي عام ١٥٨٩م أنهى دراسته الجامعية، وفي نفس العام استخدم الرياضيات في حساب عجَلة الجسم والبعض يُؤرِّخ لبدايات العلم التجريبي من تلك السنة.٢
تحرر بعد ذلك نهر العلم من سدوده القوية، فقد أثبت فاعلية عظيمة في تسخير قُوى الطبيعة لخدمة الإنسان، ومضى النهر يسقي أرض البشرية العَطْشى. فجاء المحرك البُخاري في عام ١٧٦٩م على يد الأسكتلندي جيمس وات James Watt (١٧٣٦–١٨١٩م)؛٣ ليُستخدَم بعدها في تحريك السفن عام ١٨٠٣م، والقاطرات البخارية عام ١٨١٤م، وبدأت المحاولات لإرسال التلغرافات — هي الأخرى — في عام ١٧٧٠م حتى نجح الأمريكي سامويل مورس Samuel Morse (١٧٩١–١٨٧٢م) في عام ١٨٣٧م في إرسال برقية.

لا يمكن أن يزعم أحدٌ أن تلك الاختراعات وغيرَها لم تُسبِّب تغييرًا عميقًا في طبيعة تفكير المواطن (الأوروبي والأمريكي على وجه الخصوص) الذي أصبح يُعاين أمورًا كانت تُعَدُّ سحرًا فيما مضى، بل ويستخدمها بنفسه.

خيال جديد!

كل هذه التحولات والتغيرات، أدت في النهاية إلى محاولات للتنبؤ بمستقبل تلك الاختراعات، وكيف سيكون تأثيرها العلمي والاجتماعي والسياسي على المدى الطويل والقصير.

ظهرت هذه المحاولات في شكل أدبي أُطلق عليه لاحقًا «الخيال العلمي» Science Fiction، وصل لدرجة كبيرة من النضج مع كتابات الفرنسي «جول فيرن» Jules Verne (١٩٢٨–١٩٠٥م) والإنجليزي «هربرت جورج ويلز» H. G. Wells (١٨٦٦–١٩٤٦م)، مع أنه من المجحف ألا نعتبر أن هناك مَن كتب في الخيال العلمي قبلهم.٤ فالبعض يُرجع الخيال العلمي لعصور أقدم بقرون من مؤلفات ويلز، منها مثلًا بعض قصص ألف ليلة وليلة، خصوصًا قصة الفرس الميكانيكي الطائر الذي لا يعتمد في عمله على ظواهر خارقة مثل العفاريت والأرواح والسحر في الطيران، وهو مزوَّد بأزرار ولوالب للهبوط والصعود، ويطير بأن يمتلئ جوفه بالهواء. وهناك أوصاف علمية أخرى تصلح لأن تضع القصة في خانة قصص الخيال العلمي.٥

تطور الخيال العلمي بعد ويلز، وتعددت موضوعاته، وأصبح له في الغرب عددٌ لا بأس به من الكتَّاب، وانتشرت تلك القصص بفضل المجلات المتخصصة بنشر تلك الأنواع من القصص بأسعار رخيصة، حتى صارت رواياته تتصدر في أيامنا هذه قوائمَ المبيعات، وتجني أفلامه أعلى الإيرادات.

بل وحاول كُتَّاب الخيال العلمي مناقشة آثار فلسفية وسياسية قد تنجم — مستقبلًا — عن ذلك التطور التكنولوجي المنتظر، كما فعل جورج أرويل George Orwell (١٩٠٣–١٩٥٠م) في روايته الشهيرة «١٩٨٤»، وألدوس هكسلي Aldous Huxley (١٨٩٤–١٩٦٣م) في «عالم جديد رائع» وكما في تلك الروايات التي تتناول الذكاء الاصطناعي المستقبلي، وتتناول كذلك تعريفات الذكاء والوعي والذات وحرية الإرادة، وغيرها من المفاهيم التي يتقاطع فيها الخيال العلمي مع الفلسفة، وقِس على ذلك المئاتِ من القصص التي لم تكتفِ بالتنبؤ العلمي، بل توسعت دائرتها لتشمل آثار ذلك العلم المستقبلي.
نعم، عانى الخيال العلمي في بعض مِحطَّاته من انحسارات؛ خصوصًا في ستينيَّات القرن الماضي، وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية، وإنِّي لأرى أن ذلك الانحسار إنَّما كان دليلًا على أن ما كُتِب في الخيال العلمي قبل ذلك قد حقق من أهدافه أكثرَ مما توقع كُتَّابُه. فقد تحققت نبوءات الخيال العلمي — كما يقول إسحاق أسيموف — لدرجة أنَّ الناس لم يعد يبهرهم شيء، فتقنيات الخيال العلمي بدَت أمامهم ماثلة، يتعاملون معها يوميًّا، بل وصارت تُمثل جزءًا أساسيًّا من حياتهم، إلى أن تعافى مجددًا في نهاية الستينيَّات بفضل كشوف علم النفس، والإنجازات المعلوماتية الكبيرة، فانطلقَت العقول مجددًا، غير هيَّابة، تخترق صحاري الخيال المجهولة.٦

فاعلية الخيال

يُخطئ من يظن أن الخيال نشاط يتصل بالفنون والآداب وحدهما، وأنَّ العالِم لا بد أن يكون جافًّا، لا يعترف إلا بالتجرِبة أو المعطى الحسي ليُوظفه بعد ذلك في نظرياته، وأنَّ الخيال بعيد عن كونه عنصرًا جوهريًّا في اكتشاف النظرية العلمية؛ فمنابع الإبداع التكنولوجي — كما يُبين آر أيه بوكونان R. A. Buchanan — تنهل من نفس المصادر التي تنهل منها الجوانبُ الثقافية الأخرى، ومنها بكل تأكيد الآداب والفنون.٧
و«النظرية العلمية تحتاج إلى قدر غير قليل من الخيال لتخرج بصورتها المتناسقة المترابطة.» بكل تأكيد التجرِبة وتسجيل الظواهر والملاحظات جزءٌ أصيل من العمل العلمي، لكن إبداع النظرية يتطلب تلك القفزة التي تتخطَّى الظواهر المشاهَدة، لتذهب بالعالِم إلى مكان جديد لم يذهب إليه مَن قبله، فالعلم والفن مرتبطان ارتباطًا لا يمكن إنكاره، وملَكة الخيال هي الرابط المشترك بينهما، ولا نحتاج بالطبع أن نذكر أمثلة لعلماء عشقوا الفنون (خصوصًا الموسيقى)، وأشهرهم أينشتاين.٨

فالخيال بذلك يُعَد عنصرًا فعَّالًا في شخصية العالم، وهو وَقودُه المتجدد في طريقه للوصول للنظريات والحقائق العلمية. فالخيال ما بدأَت به نسبيَّةُ أينشتاين، والخيال ما وضع بين أيدينا الهواتفَ النقالة والحواسيب وغيرها.

وللخيال دوره حتى في المؤسسات التكنولوجية الكبرى؛ فشركة إنتل مثلًا لها عرَّافوها، وهم متخصصون يُحاولون التنبؤ بشكل التقنيات المستقبلية، كمحاولة لدفع التقنيات الموجودة فعلًا خطواتٍ للأمام من خلال تطويرها بما يُلائم المستقبل المتوقَّع، فيقول «بي دي جونسون» B. D. Jhonson، وهو أحد عرَّافيهم: «ثمَّة تاريخ تكافلي غني بين الخيال العلمي والحقائق العلمية، ولديَّ محاضرات تحدثت بها عن الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتطرَّقتُ للحديث عن الطرق التي يمكن استخدام الخيال العلمي بها لتحريك تلك الأفكار والتلاعب بها.» بل إن الشركة نفسها نشرت مجموعة من قصص الخيال العلمي التنبؤيَّة، كتَب «جونسون» مقدماتها.٩
وفي نفس الإطار، أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية إيسا esa مشروعًا يهدف للتنقيب في أعمال الخيال العلمي الجديدة والقديمة، من الأفلام والروايات وغيرها؛ لمحاولة الخروج بتقنيات مُبتكَرة تصلح للتطبيق في مجالات الفضاء، وبالفعل خرجت الدراسة ﺑ ٢٥٠ فكرة مُحتملة التطبيق.١٠
وفي هذه الحالة، ينتقل الخيال العلمي من خانة التنبؤ بما سيكون عليه المستقبل، لخانة صناعة المستقبل حرفيًّا، وهو ما بدأ كذلك بانتساب كتَّاب الخيال العلمي لبعض الجامعات العلمية؛ لتستقيَ هذه الجامعاتُ من أفكارهم «الخيالية» ما يعملون عليه. بل أنشأت جامعة أريزونا الأمريكية مركزًا اسمه «مركز العلوم والخيال»، بِناءً على اقتراح أحد كتَّاب الخيال العلمي، وهو الأمريكي نيل ستيفنسون Neal Stephenson (١٩٥٩م–…) يتعاون فيه العلماء مع كتَّاب الخيال العلمي للخروج بنتائج علمية!١١
كذلك فإن بعض كتَّاب الخيال العلمي يُشارك في تقديم الاستشارات لوكالة الفضاء الأمريكية NASA، كما تتم الاستعانة بروايات الخيال العلمي في استلهام تصاميمَ مبتكرة لأشكال المراكب الفضائية وغيرها.١٢ فقد «أنشأت مؤلفات «جورج ويلز» و«جول فيرن» وقائعَ تُشبه إلى حدٍّ مدهش الوقائعَ اللاحقة. وغالبًا ما حضَّر خيال هؤلاء الحكواتيين الخصبُ مخططَ المهندسين وروادِ الفضاء، كما حفَّز مشاريعَ هندسية عملاقة.»١٣
حتَّى إنَّ الجيش الفرنسي يستعين بكتَّاب الخيال العلمي للتنبؤ بحروب المستقبل في فريق أطلقوا عليه «الفريق الأحمر»، وبررت وكالة الابتكار الدفاعي الفرنسي ذلك بأن الروائيين سيُقدمون سيناريوهات عن تهديدات» قد لا تخطر على بال الخبراء العسكريين.١٤
والعلاقة بين الخيال العلمي والعلوم هي «معزوفة مستمرة، يُحفز فيها العلمُ الخيالَ، ويُحفز فيها الخيالُ جيلًا جديدًا من العلماء.» كما يُضيف الفلكي الأمريكي الشهير «كارل ساجان» Carl Sagan (١٩٣٤–١٩٩٦م).١٥

وهذا يقودنا للسؤال المهم: ما الذي يمكن أن يُقدِّمه الخيال العلمي لتنشئة جيل جديد من العلماء؟ كيف يمكن أن يدفع الخيال العلمي طفلًا ما لأن يكون مرشحًا ليصبح عالمًا مستقبليًّا؟

الخيال العلمي من أكثر التصنيفات القصصية المستفزة للعقل، وهو أدب اللامألوف والتمرد على الواقع، ويُعَد الأسلوبُ القصصي المثير بعنصر الخيال المكتوب به من أكثر المُرغبات في العلم، والحث على مزيدٍ من القراءة.

لذا، فهناك تغذية الفضول، وإضفاء مسحة من عدم تقبُّل الواقع كما هو، وحب العلم. ما الذي نريده أكثر من ذلك في طفل سيكون بعد أعوام عالمًا؟! فأغلب علماء اليوم وأصحاب التأثير التكنولوجي الواسع يُشيرون دائمًا إلى تأثرهم الشديد بالخيال العلمي، منهم كارل ساجان (والذي ألَّف فيه أيضًا كما سنُوضح لاحقًا)، وهناك أيضًا بيل جيتس Bill Gates (١٩٥٥م–…) مؤسس (مُشارك) شركة مايكروسوفت العملاقة، الذي قرأ «طنًّا من روايات الخيال العلمي»! (في مَعرِض مراجعته لرواية نيل ستيفنسون الجديدة Seveneves.)١٦ وغيرهم من العلماء في كافَّة التخصصات.
والخيال العلمي أدب عالمي، قضاياه عالَمية، وحلوله عالمية، يتحدث عن هموم الكوكب ومستقبله، من خلال حديثه عن العلم الذي هو إرثٌ مشترَك بين جميع الحضارات، وربما هذا ما قصده الناقد الأمريكي جورج إدجار سلوسر George Edgar Slusser (١٩٣٩–٢٠١٤م)، عندما قال إن أدب الخيال العلمي هو الأدب العالمي الحقيقي الوحيد اليوم.١٧

نحن!

منذ أكثرَ من خمسة عشر عامًا، قرأتُ أوَّل رواية في حياتي، وكانت لحسن الحظ، رائعة هربرت جورج ويلز الشهيرة أول الرجال فوق سطح القمر The First men on the moon، وما زلت أتذكر مشاعري المختلطة — حينها — بين الانبهار في حين، وعدم التصديق في أحايين. لفتت الرواية نظري لتصنيف مغمور لا يُعرَف له قرَّاء، وبالطبع كُتَّاب، ألا وهو «الخيال العلمي».

الآن، وبعد تلك المدة، وكما كان قبلها، ظل نهر الخيال العلمي عندنا في الوطن العربي راكدًا، فكُتَّاب الخيال العلمي العرب يمكن عدُّهم على الإصبع، أمثال ناهد شريف وطالب عمران، وقليل من كتابات مصطفى محمود، وحديثًا ياسين أحمد سعيد، وإبراهيم السعيد، وأشرف فقيه، ونوَّارة نعمان.

في حين تتصدر قصص الخيال العلمي الغربيةُ قوائمَ الكتب الأكثر مبيعًا، محتويةً على خيال مُقولَب في قوالب العلم الممتع، ولا نحتاج لأن نقول نفس الشيء عن أفلام الخيال العلمي.

إننا عندما نتحدث عن الخيال العلمي نتيجةً للتقدم التكنولوجي في الغرب، الذي بدأت شرارته مع الثورة الصناعية منذ أكثرَ من قرنَين، فإننا نتحدث بطبيعة الحال عن الجمود «الخيال-علمي» الذي صاحب التخلف العلمي والمعلوماتي الذي عاصرَته أمتنا من أواخر العصور الوسطى، حيث سُلِّمت الراية لحضارة أخرى قادت وما زالت تقود الرَّكْب المهرول نحو المستقبل. أضف إلى ذلك أجواء كبْتِ الحريات والاستبداد والفقر وغيرها من الظروف الاجتماعية والسياسية التي تُقَتِّل الخيال الخلاق وتُعلقه على مشانق هموم الحياة الشاقَّة. «فالمجتمعات التقليدية تَحول دون الأفراد وتقديم أفكار جديدة، أو حتى أجهزة تُهدد استقرار المجتمع أو تُفسد نظامه القائم.»١٨

ولعلنا لو بحثنا بطريقة أعمق عن تأثير العلم في وجود مثل هذا التصنيف، فإننا لا بد أن نتساءل: ما الشيء الموجود في العلم يجعل الكاتبَ يكتب، والقارئ يقرأ في مثل هذا التصنيف؟ ما الذي يُسببه المنجز العلمي في تقبُّل روايات الخيال العلمي كنوع رصين ممتع ومفيد، بالرغم من جرعة الخيال فيها، وهو ما قد يبدو متناقضًا — ظاهريًّا — مع الطبيعة الجافة للنظرية العلمية، الخالية من أي تخيُّل؟

إنَّ الإجابة، من وجهة نظري، تكمن في خاصية أساسية من خصائص التفكير العلمي، وهي خاصية التراكمية؛ فالتفكير العلمي تراكمي، يبني على ما قبله؛ ما يقود لصفة أخرى من صفات العلم، ألا وهي نسبية صحة النظرية العلمية مع الوقت. فنظريات الأمس تُدحَض اليوم، ونظريات اليوم منها ما سيُفنَّد غدًا، ولا يعرف كائنًا من كان كيف سينظر أحفادنا لنظريات علمية يعتبرها البعض يقينةً في وقتنا هذا.

إذن التفكير العلمي يُكسِب العقل مرونة مستعدة لتقبُّل الجديد دومًا، وهي الخاصية التي أرى أنها كانت سببًا في تقبل الغربي لذلك «الخيال» العلمي، فالخيال عندهم ليس خيالًا، بل هو واقع ولكن في زمن آخر؛ «فأيُّ تِقانة متقدمة جدًّا لا يمكن تمييزها عن السحر.» هكذا قال واحد من أعمدة التنبؤ العلمي، وواحد من رواد الكتابة في الخيال العلمي، البريطاني «آرثر كلارك» Arthur Charles Clarke (١٩١٧–٢٠٠٨م).

وأخيرًا نقول إنَّ الخيال العلمي يجمع بين أشياء تبدو متناقضة: محدودية العلم وجفافه، وسَعة الخيال ورطوبته، إحكام متغيرات التجارِب العلمية وبراح الأفكار الخيالية؛ فهو بعد كل شيء خيالٌ مُهذَّب.

نحن أمام طريقة جديدة في التفكير في حل المشكلة، وهي «تخيُّل» طريقة حلها بطريقة ممكنة أو قريبة من الإمكان (التفكير خارج الصندوق كما يُقال)، وهكذا فتنمية ملَكة هذا «الخيال الممكن»، لدى العامة هو الفائدة العظمى من الخيال العلمي أدبًا على وجه الخصوص، وفنًّا على وجه العموم.

وبوصفي عربيًّا يرى وجود الخيال العلمي من محفِّزات خلق مجتمعات علمية حديثة، أُحاول بهذا المجهودِ المرورَ على بعض العناوين والشخصيات «الخيال-علمية»، وتحليل أفكارهم تحليلًا علميًّا، لنرى ما تحقَّق منها، وما لم يتحقق، والعقبات التي تقف في طريق تحققها، لنصل إلى نتيجة مفادها أن الخيال ليس دائمًا خواءً!

ﻓ:١٩
يا من ألقيتَ تُحاصرُنا
حِمَمًا منْ عينِكَ تستعرُ
وتقولُ لصاحبِنَا ضَجِرًا
ما بالُ خيالِكَ ينهمرُ
في الواقعِ كن، أفلا تدري
ما عادَ خيالُك يقتدرُ
ما عاد خيالُك نافِعَنا
في عصرٍ طاغٍ لا يذرُ

نقول:

كلٌّ قد كان مُخيَّلَنا
قد بات خيالٌ «يقتدرُ»
قد كان خيالًا في كتبٍ
قد كان خيالًا يُحتَقَرُ
ياسر أبو الحسب، ٢٠١٥م
١  جاليليو له إسهامات عظيمة أيضًا فيما يخص التلسكوبات؛ فقد كان أوَّل من وجَّه تلسكوبًا إلى السماء عام ١٦٠٩م. مصدر:
Telescope history, Nasa, www.Nasa.gov/audience/forstudents/9-12/features/telescope_feature_912.html.
وبالرغم من أن الكثير يعتبر جاليليو بوصفه فيزيائيًّا تجريبيًّا، إلا أنَّ له إسهاماتٍ كثيرةً في الرياضيات والأعداد، خصوصًا فيما يتعلق بالجذور ومفهوم اللانهاية، ويمكنك التعرف على بعضٍ من إسهاماته الرياضية من خلال الكتاب التالي، وهو كتاب ممتع جدًّا يتحدث عن الأعداد تاريخها ونظرياتها:
Reid, Constance, From zero to infinity: what makes numbers interesting, 5th ed, (2006: A K Peters, Ltd Wellesley, Massachusetts).
٢  إسحاق عظيموف، أفكار العلم العظيمة، ترجمة هاشم أحمد محمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص٤٢.
يرى الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل Bertrand Russel أن العلم والفلسفة إنما يبدآن مع طاليس الملطي في أوائل القرن السادس قبل الميلاد، ولكن كما أسلفنا يبدأ العلم التجريبي كما نعلمه اليوم مع جاليليو جاليلي.
مصدر رأي برتراند راسل:
حكمة الغرب (الجزء الأوَّل)، برتراند راسل، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة العدد ٦٢، ص١٣.
٣  بدأت التجارِب فعليًّا لإنتاج المحرك البخاري في عام ١٧٠٠م على يد رجل فرنسي يُدعى بابين. (مصدر: إي إتش جومبريتش، مختصر تاريخ العالم، كتب عالم المعرفة، ص٢٩٦)، وأول محرك بخاري فعال صنَعه توماس نيوكومن، واستخدم عام ١٧١٢م، إلا أن «وات» هو المساهم الأبرز في تطوير التكنولوجيا البخارية. (مصدر: آر إيه بوكونان، الآلة قوة وسلطة، ترجمة شوقي جلال، كتب عالم المعرفة، ص٥٨، ٦٢.)
٤  أطلق هوجو جرينسباك Hugo Grensback على هذا النوع من الأدب اسم «الخيال العلمي» Science Fiction بعد أن أنشأ مجلته الشهيرة Amazing Stories عام ١٩٢٦م، ورأسَ تحريرَها. ويرجع إليه الفضلُ في الولايات المتحدة الأمريكية في تخليص الخيال العلمي من الخيال الفنتازي الجامح والاتجاه أكثر نحو الرصانة العلمية، بعد وضعه لشروط نشر القصص لديه بما يخدم علمية القصة.
٥  محمد عبد الله الياسين، الخيال العلمي في الأدب العربي الحديث في ضوء الدراسات المقارنة، ٢٠٠٨م، رسالة ماجستير، جامعة البعث، ص٧٣.
٦  محمد عبد الله الياسين، الخيال العلمي في الأدب العربي الحديث … ص٥٦.
٧  آر إيه بوكونان، الآلة قوة وسلطة، ترجمة شوقي جلال، كتب عالم المعرفة، ص٢٤٦.
٨  د. فؤاد زكريا، التفكير العلمي، سلسلة عالم المعرفة، ص٣٢١، ٣٢٢.
٩  عرَّاف محترف، مجلة العلوم، الترجمة العربية لمجلة Scientific American، المجلد ٢٨، العددان ٧ / ٨ يوليو/أغسطس ٢٠١٢م، ص٥٦، ٥٨.
١٠  David Raitt, Innovative Technologies from Science Fiction for Space Applications, thespaceoption.com/culture_spaceart_article.php?news_id=28, Apr 13, 2013.
١١  Zeeya Merali, The sci-fi optimist, Nature, Issue 7517, Vol 513, 11 Sep 2014.
١٢  محمد عبد الله الياسين، الخيال العلمي في الأدب العربي الحديث … ص١٠.
١٣  هيوبرت ريفز، مقدمة كتاب «أسفار في المستقبل» لنيكولا برانتزوس، ترجمة علي نجيب محمد، مؤسسة أكاديميكا، ٢٠٠٩م، ص١٥.
١٤  French sci-fi team called on to predict future threats-BBC news, https://www.bbc.com/news/world-europe-49044892, Jul 19, 2019.
١٥  كارل ساجان، الأرض نقطة زرقاء باهتة، ترجمة د. شهرت العالم، سلسلة عالم المعرفة، ص٢٧٨.
١٦  Bill gates, the day the moon blew up, https://www.gatesnotes.com/Books/Seveneves, May 17, 2016.
١٧  George Slusser Co-founder of renowned Eaton collection … dies, UCR today, https://UCRtoday.ucr.edu/25704, Bettye Miller, Nov 6, 2014.
١٨  آر إيه بوكونان، الآلة قوة وسلطة، ص٢٢٠.
١٩  الأبيات جزء من قصيدة بعنوان «قد كان خيالًا»، للمؤلف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١