وَمَرَّ الليل

ومرَّ الليل … ولكننا لا نستطيع أن نُسمِّيَه «ليلًا»! ففي البداية لم يكن هناك ليلٌ ولا نهار. فالليل والنهار كلمتان يمكن استخدامهما فقط عند شروق وغروب الشمس على وجه الأرض. ربما ناموا نومًا هنيئًا بسبب الحركة، ولكن في الدانة لا يوجد إحساسٌ بالحركة. إننا نشعر بأنفسنا نتحرك لأننا نرى الأشياءَ تمرق أمامنا من خلال نافذةِ عرَبة السكة الحديد، ولكنَّ الأرض تتحرك حول الشمس أسرعَ بكثيرٍ من أيِّ قطار سكة حديد، ونحن لا نشعر بحركتها والمسافرون داخل الدانة لا يشعرون بأي حركة على الإطلاق.

هكذا قال أحد المسافرين الذين ركبوا رصاصة ضخمة وصعدوا بها تجاه القمر في رواية «من الأرض للقمر» لأديب الخيال العلمي المخضرم جول فيرن، ولعلك ستدهش عندما تعلم أن هذه الرواية نُشِرت عام ١٨٦٥م، أي قبل صعود نيل أرمسترونج إلى القمر بحوالي ١٠٠ عام، عندما خطا أُولى خطواته على القمر في منطقة على سطحه تُدعى «بحر الهدوء»، وقال قولته المشهورة: «هذه خطوةٌ صغيرة لإنسان، ولكنها خطوة عملاقة للبشرية.»

تبدأ حكايتنا ببعض المهتمِّين بصُنع المدافع، والذين أسَّسوا ناديًا لهم اسمه نادي المدفع، يحضرون فيه اجتماعاتهم ويتناقشون فيما بينهم أمورَهم الحياتية والاجتماعية.

النظرية التي اعتمدها جول فيرن للوصول للقمر

وذات يوم، فاجأهم الرئيس باريبكان بقوله: «يُمكن للجندي الكفءِ أن يُصيب دائرةً عرضها بوصتان من على بُعد مائة ياردة، ويمكن لِمَدافع سفننا أن تُصيب دائرة عرضها قدمان على بُعد ميل. لكن هنا … لدينا هدف عرضه أكبر من ألف ميل! يقينًا أن ناديَ المدفع يستطيع إصابة الهدف!»

وكانت خطتهم أن يصنعوا مدفعًا (طوله ٣٠٠ متر) ويُرسلوا رصاصة ضخمة بها ثلاثة أشخاص إلى القمر، واتفقوا على إرسال الرصاصة عندما يكون القمر في أقرب نقطة له من الأرض على مسافة ٢٢١٤٦٣ ميلًا، وبما أنه على بُعد مائَتي ميل من الأرض لا يوجد هواء على الإطلاق؛ «فستسافر الطلقة بحرية عبر لا شيء.» ليس كذلك فحسب؛ لأنه وعندما تسافر الطلقة ٥ / ٦ من المسافة، سوف تقع في جاذبية القمر، ولن تحتاج لأية طاقة إضافية، بل ستسقط على القمر.

وبالفعل، وبعد التغلب على العديد من الصعوبات، منها على سبيل المثال: المعدن الذي سيصنع منه المدفع، وكيفية صنع الانفجار الكبير الذي سيدفع الطلقة نحو السماء، واختيار المكان المناسب على الأرض للإطلاق، تم في النهاية صُنع المدفع العظيم الذي سيُطلق الرصاصة التي عرضها تسعة أقدام إلى سطح القمر! وانتظروا حتى اليوم الموعود بحيث يكون القمر في أقربِ نقطة له من الأرض.

أُطلِقت الرصاصة العظيمة فعلًا وبداخلها ثلاثة أشخاص وكلبهم، وقد سافروا أسرعَ من الصوت؛ لذلك «لم يسمعوا صوت الإطلاق»، ولكن للأسف بعد كل التجهيزات المهولة فإن الدانة لم تسقط على سطح القمر، ولكنها استدارت حوله عائدة مرة أخرى إلى الأرض، وسقطت في المحيط الهادي، وأُنقِذ ثلاثتهم بعد رحلة ملأها التشويق والمغامرة بعد أن رأوا ظواهرَ غريبة بالنسبة لهم من على ارتفاع منخفض من القمر! ولكنهم للأسف، كانوا قد فقدوا كلبهم في تلك الرحلة.

وربما تكون طريقة فيرن هذه أكثرَ عِلميةً من طريقة كاتب الخيال العلمي الشهير «هربرت جورج ويلز» في روايته «أول الرجال فوق سطح القمر» (١٩٠١م)، حيث استخدم البطل آلةً تُلغي تأثير الجاذبية للصعود إلى القمر.١ (وإن كانت دانة فيرن ستحترق بمن فيها في الوضع الطبيعي بسرعتها الكبيرة، واحتكاكِها بالغلاف الجوي للأرض.)٢

حديثًا

ربما لم يَدُر بخلَد جول فيرن أنه وبعد أقل من مائة عام على كتابته لروايته تلك، سيأتي أحدهم ويصعد للقمر، وإن اختلفت التكنولوجيا المستخدَمة في كلتا الطريقتَين.

كان عالم الفيزياء وكاتب الخيال العلمي الروسي «قنسطنطين تسيولكوفسكي» Konstantin Tsiolkovsky (١٨٥٧–١٩٣٥م) هو أوَّل من قال إنَّ الصاروخ هو الوسيلة الوحيدة للتنقُّل عبر الفضاء. ونشر الرجل آراءه في كتاب «اكتشاف الفضاء الكوني من خلال أجهزة نفَّاثة» Exploration of Outer Space by Means of Rocket Devices نشره في عام ١٩٠٣م، وقال فيه أيضًا باستحالة استخدام البارود (المعروف حينها) كوقود لهذه الصواريخ، بل سيستخدم أكسجين وهيدروجين لتلك المهمة. وتوقَّع أيضًا ملابسَ فضائية تستخدم لتقيَ البشريَّ من الفراغ الفضائي.٣
figure
رسمة للصاروخ الذي توقعه ورسمه تسيولكوفيسكي في كتابه «اكتشاف الفضاء الكوني من خلال أجهزة نفاثة». (Alexander Kazantsev, No science without Science fiction, The unisco courier magazine, November 1984, p16.)

بعد ذلك بأكثرَ من نصف قرن، وتحديدًا في عام ١٩٦٠م، بدأت الولايات المتحدة مشروع أبوللو في عهد رئاسة أيزنهور. وفي عام ١٩٦١م وبعد أن قال الرئيس الأمريكي ساعتها — كندي — في خطابه المشهور: «أُومن بأن على هذه الأمة الالتزامَ بتنفيذ الهدف قبل نهاية هذا العقد، هدف هبوط رجل على سطح القمر، ورجوعه للأرض بسلام»، كان على ناسا تسخيرُ قدراتها ومواردها (حيث بلغ ما أنفقته الولايات المتحدة ما قارب ٢٤ مليار دولار، وهو ما يُعادل في أيامنا هذه ما يقارب المائة مليار دولار) في الإبداع التقني. وشمل برنامج أبوللو في قمة نشاطه ما يُقارب ٤٠٠٠٠٠ شخص ودعم أكثر من ٢٠٠٠٠ شركة صناعية وجامعة.

figure
الصاروخ ساتورن ٥. (Saturn V diagram from Apollo 6 Press Kit, NASA, www-lib.ksc.nasa.gov/lib/archives/apollo/pk/1APOLLO6.PDF, 28 March 1968.)

وفي ١ أكتوبر عام ١٩٦١م، كانت أول الأعمال التحضيرية بإطلاق صاروخ ساتورن ١، تلَتْها رحلات غير مأهولة حتى عام ١٩٦٨م ليبدأَ العمل على إرسال البعثة المأهولة الأولى في ١٢ يوليو عام ١٩٦٩م على متن الصاروخ ساتورن ٥، ذلك الصاروخ الذي كان يبلغ من الطول ١١١ مترًا وكان يزن ٢٫٨ مليون كجم (أي مقدار وزن حوالي ٤٠٠ فيل)، وأنتج قوة دفع تُقدَّر ﺑ ٣٤٫٥ مليون نيوتن، حتى يستطيع الإفلات من الجاذبية الأرضية.

أما بالنسبة لمراحل عمل الصاروخ الذي سيحمل المركبة، فكانت عبارة عن ثلاث مراحل، وفي كل مرحلة يتم حرقُ جزء من الصاروخ بمحركاته عندما ينتهي الوقود الخاص بذلك الجزء، وفي نهاية كل مرحلة، تبدأ المرحلةُ التي تليها في العمل، وبالطبع فإن المرحلة الأولى هي المرحلة التي تعمل فيها أقوى المحركات؛ لأنها تحمل عبء رفع الصاروخ كاملًا من على سطح الأرض بكامل وَقود الثلاث مراحل.

في المرحلة الأولى، وصل الصاروخ لمسافة ٨٦كم، وفي الثانية، وضع الصاروخ تقريبًا في المدار، أما في الثالثة فتم دفع المركبة التي يحملها الصاروخ إلى القمر، وبعد انتهاء المرحلتَين الأولى والثانية، سقطت الأجزاء الخاصة بكلٍّ منهما في المحيط.

عادت البعثة بسلام في ٢٤ يوليو ١٩٦٩م، وكان هبوطهم في المحيط الهادي، حاملين معهم الكثيرَ من العينات الصخرية من القمر. توالَت بعد ذلك البعثاتُ للقمر لتصل إلى ست بعثات كانت آخرها في عام ١٩٧٢م. ليظلَّ القمر من حينها في اشتياق ولو لبشري واحد يُبدد وحدته القاسية.

نظرية المؤامرة

بعض الناس يظنُّ أن صعود الولايات المتحدة الأمريكية على سطح القمر ما هو إلا بدعةٌ ابتدعَتها الولايات المتحدة، في فترة كانت الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفيتي في أوجها، فأرادت أن تصنع لنفسها سبقًا بصعودها للقمر، ولكن أغلب العلماء والآراء العلمية التي يُعتدُّ بها أثبتت بالفعل صعود الولايات المتحدة الأمريكية على سطح القمر في رحلة القرن العشرين، والتي تنبَّأ بها كاتب عاش قبل حدوثها بقرن كامل!

آخرون

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها مَن اهتمت بالصعود للفضاء، بل سبقها الاتحاد السوفيتي بإرساله في الثالث من نوفمبر ١٩٥٧م، الكلبة لايكا إلى الفضاء داخل مركبة (سبوتنيك ٢) لتدفعَ بذلك حياتها ثمنًا لتمهيد طريق الفضاء أمام الإنسان.

وكان هدف السوفيت من هذه الرحلة مع اقتراب الذكرى الأربعين لثورة ١٩١٧م البلشفية الشيوعية، إثباتَ تفوق الاتحاد السوفيتي التكنولوجي على منافسِه الأميركي، مع الاستفادة من التجرِبة؛ لمعرفة ما إذا كان الكائن الحي يمكن أن يتحمل البقاء في الفضاء، وتركت لايكا الأرض في رحلة بلا عودة بعد أن وُضِعت أمام آلة تصوير، مرتديةً سُترة مجهزة بمعدات لرصد معدل نبضات القلب وضغط الدم والتنفس، واستنادًا إلى المعلومات الرسمية، فإن لايكا تحملت رحلتها جيدًا حتى ارتفاع ألف وستِّمائة كيلومتر، إلا أن غموضًا مريبًا اكتنف لحظاتها الأخيرة مع إعلان نجاح المهمة التي يُفترَض أنها استمرت من سبعة إلى عشرة أيام.

كذلك فقد أرسل الاتحاد السوفيتي يوري جاجارين Yuri Gagarin (١٩٣٤–١٩٦٨م) الطيار الروسي الذي سجل التاريخ اسمه أول إنسان يُحلق في الفضاء، فعلى متن مركبة الفضاء الروسية فوستوك وفي ١٢ إبريل من عام ١٩٦١م حلَّق في الفضاء الخارجي للأرض، وليكون بذلك أول إنسان يُغادر كوكب الأرض في رحلة استغرقت ١٠٨ دقائق، وعلى ارتفاع مائة كيلومتر، يدور دورة حول الأرض.

أقلَّت السفينة فوستوك والتي يعني اسمُها الشرق، الطيارَ الروسي يوري جاجارين إلى الفضاء الخارجي في رحلة هي الأولى من نوعها في التاريخ البشري، وفوستوك عبارة عن كرة صغيرة يبلغ وزنها بكامل مُعداتها أقل من خمسة أطنان، وهي بقُطر ٢٫٤٣ مترًا وقد حملها صاروخ يزن ٢٨٧ طنًّا بطول ٣٨٫٣٦ مترًا.

استغرقَت رحلة التحليق الفضائي بين الانطلاق والعودة إلى الأرض ١٠٨ دقائق، أما مدة التحليق في المدار فبلغت ٨٩ دقيقة، وكان أقصى ارتفاع بلَغَته فوستوك بلغ ٣٢٧كم وبسرعة ٢٧٤٠٠كم في الساعة.

وماذا بعد؟

أما مستقبَلًا فتُخطِّط الكثير من الدول منها الولايات المتحدة نفسُها للصعود على القمر من جديد، كذلك تعتزم روسيا نشر قاعدة مدارية لبعثات مأهولة وغير مأهولة إلى القمر والمريخ عقب عام ٢٠٢٠م وفقًا لما ذكر رئيس وكالة الفضاء الروسية، وذكر أيضًا أن روسيا تعتزم إرسال رواد فضاء إلى القمر بحلول عام ٢٠٢٥م وإقامة قاعدة مأهولة دائمة هناك خلال الفترة ما بين عامَي ٢٠٢٧م و٢٠٣٢م.

هناك كذلك خُطط مِن وكالة الفضاء الأوروبية واليابانية لمحاولة تقليص الميزانية الضخمة لمثل هذه الرحلات، ومن ضمن أفكارهم استخلاصُ الأكسجين من تربة القمر (حيث يوجد متحدًا مع عناصرَ أخرى في صورة أكاسيد)؛ وذلك لاستخدامه كغاز لتنفس للرواد، وكوقود للصواريخ، ومركِّب للماء، واستخدام الأكسجين من القمر سيُقلل حمولات الرحلات تقليلًا كبيرًا ما سيُخفض الميزانية انخفاضًا ملحوظًا.٤

من مليارات السنين، يدور ابنُ الأرض البارُّ، قمَرُها وقمرنا العزيز، حولها في ثباتٍ وتُؤَدة، مقصِّرًا أيامَها يومًا بعد يوم بسبب جاذبيته، كان الابن، على طول تاريخ البشرية، من أكثر الأجرام السماوية التي جذبَت مخيلة البشر بحكم حجمه الكبير بالنسبة إلى الأجرام الأخرى، ولنوره الفِضِّي الصافي الذي تغزَّل به العشاق والمحبون في أحبتهم وعشاقهم. الآن صار القمر أقربَ إلينا مما نتخيل، فزُرناه، وحتمًا سنُكرر الزيارة.

الساعة الآن الثالثة والنصف صباحًا من يوم الإثنين الموافق الثامن والعشرين من سبتمبر لعام ٢٠١٥م، أكتب هذه الفقرة وأنا أشاهد حالةً نادرة من حالات القمر، وهي اجتماع الخسوف الكلي مع القمر العملاق الأحمر في ظاهرة لن تتكرر إلا في عام ٢٠٣٣م، يفتنُني القمر بمنظره الأحمر الخلاب، عظيم كملكٍ متوَّج وسط حاشيته.٥

منذ مائتي عام تقريبًا، ربما نظر الطفل الفرنسي «جول فيرن» إلى القمر — كما أنظر إليه الآن — نظرة تأمل لازمت عقله اللاواعي لسنوات، حتى خرَج علينا برائعته «من الأرض للقمر»، التي قال عنها رائدٌ آخر من رواد الخيال العلمي وهو «آرثر كلارك» إنها: «كانت مسوَّدة هندسية لمشروع فضائي، واجهت جميع الصعوبات التكنيكية، وقامت بمحاولة جريئة لحلِّها.» وكلُّ ما وددت معرفته: لو بُعث فيرن من قبره، ليشهد صعود أول بشري على سطح القمر، هل كان ليُصدق أن قصته كانت ملهمة، من ضمن ملهمات، لذلك الإنجاز الكبير؟!

١  بناءً على القصتين: «أول الرجال فوق سطح القمر» و«من الأرض للقمر»، أخرج «جورج ميليز» Georges Melies فيلمَا يعدُّه النقاد أوَّل فيلم خيال علمي في التاريخ مدته أقلُّ من ربع ساعة، بعنوان «رحلة إلى القمر» A Trip to The Moon، وذلك في عام ١٩٠٢م.
٢  أُحيلك إلى عدد رائع ممتع من سلسلة فانتازيا للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله، التي كانت تُصدِرها المؤسسة العربية الحديثة، وهو العدد رقم ٢٣ بعنوان «أرض قمر أرض»، ويتحدَّث عن صراع خيالي بين أبطال الروايتَين؛ رواية فيرن، ورواية ويلز، ويُلقي فيها الضوء على بعض الأخطاء العلمية في الروايتَين.
٣  نيكولا برانتزوس، أسفار في المستقبل، ترجمة علي نجيب محمد، مؤسسة أكاديميكا، ٢٠٠٩م، ص٢٨.
٤  نيكولا برانتزوس، أسفار في المستقبل، ترجمة علي نجيب محمد، مؤسسة أكاديميكا، ٢٠٠٩م، ص٣٩.
٥  هي ظاهرة نادرة لم تحدث منذ عام ١٩٠٠م سوى خمسِ مرات. وبشكلٍ عام، يحدث الخسوف عندما تُسقط الأرض ظلَّها على القمر في وضع تكون فيه الأرض بين الشمس والقمر، ويتحول القمر للون الأحمر؛ لأن ضوء الشمس يمر بالغلاف الجوي المحيط بالأرض، فينكسر متحولًا للون الأحمر ليسقط على القمر بهذا اللون، صابغًا إياه بالأحمر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١