إنذار في الليل

فجأة … ارتفعت ثلاث دقَّات على الباب الخارجي للعشة … وهبَّ الأصدقاء الثلاثة مسرعين … وصاح «محب»: «نوسة» أختي … لقد عادت! وكان هو أسرع الثلاثة إلى فتح الباب، ولكن «نوسة» لم تكن على الباب … لقد كانت الفتاة «ناعسة» بثيابها الممزَّقة ووجهها الجميل الذي لوحته الشمس.

ودون كلمة واحدة، مدَّت يدها إلى «تختخ» بمظروف مغلق، ثم ارتدَّت لتعود، ولكن «تختخ» أمسكها من ذراعها وشدَّها إلى الداخل، وعبثًا حاولت «ناعسة» الفرار من قبضته القوية.

أغلق «تختخ» الباب وقال موجِّهًا كلامه إلى «محب»: أمسك هذه الفتاة ولا تتركها تغادر العشة قبل أن أرى ما هذا.

فتح «تختخ» المظروف فوجد بداخله خطابًا أخذ يقرؤه بصوت مرتفع:

إننا نريد كراسة الأبحاث الأخيرة للدكتور «أدهم» … إنها موضوعة في غلاف أحمر … اعثروا عليها بأي طريقة فربما كانت في الدولاب المغلق، ثم ضعوها تحت الصخرة البيضاء فوق جبل النرجس في الساعة السادسة صباحًا.

لقد أسرنا الفتاة والكلب، وسوف نطلق سراحهما عندما نحصل على الكراسة الحمراء، وإذا أبلغتم الشرطة فلن تروا الفتاة والكلب مرةً أخرى، سوف نراقب المنزل حتى نتأكَّد أن أحدًا منكم لن يُغادره لإبلاغ الشرطة، وقد قطعنا خط التليفون.

ليخرج واحد منكم ليضع الكراسة في المكان الذي حدَّدناه، وسوف تسمعون صيحة طائر البحر «النورس» منا، وهذا معناه أننا حصلنا على الكراسة، وفي هذه الحالة ستعود لكم الفتاة والكلب.

انتهت الرسالة، وأخذ «تختخ» ينظر إلى صديقَيه وإلى «ناعسة» في وجوم، وأعاد النظر مرةً أخرى إلى الرسالة، ولم يكن عليها أي إشارة تدل على مرسلها … فالتفت إلى «ناعسة» التي كانت تنظر إليه في ذعر، وقال بصوت صارم كحد السيف: من الذي أعطاك هذه الرسالة؟!

لم تردَّ «ناعسة» فضغط «محب» على ذراعها صائحًا: انطقي فورًا … من الذي أعطاك الرسالة؟! كانت «لوزة» قد استيقظت، وسمعت ما حدث، فاقتربت من «ناعسة» ووضعت يدها على ذراعها في رقة قائلة: «ناعسة» أرجوك … قولي لنا من الذي أعطاك هذه الرسالة لتوصيلها لنا … إنها مسألة حياة أو موت … إن حياة «نوسة» في خطر.

تحدَّثت «ناعسة» … قالت: إني لا أعرفه … لقد قابلني قرب الكوخ الذي أسكن فيه مع خالي، أعطاني خمسة قروش وطلب مني توصيل هذه الرسالة لكم … ومن الأفضل أن تتركوني أذهب؛ فليس عندي كلام آخر أقوله، وإذا تأخَّرت فسوف ينتقم من «نوسة» كما قال لي.

محب: صفيه لنا بدقة وإلا كسرت ذراعك.

ناعسة: لم أستطِع أن أتبيَّن ملامحه نظرًا لشدة الظلام. أرجوكم اتركوني أذهب لئلا تُصاب «نوسة» بسوء … فقد هدَّدني لو تأخَّرت أن يؤذيها … من أجل خاطرها هي اتركوني!

قال «تختخ» ﻟ «محب»: اتركها تذهب.

وأسرعت «ناعسة» إلى الباب جاريةً واختفت في الظلام.

وقف الأصدقاء الأربعة يتبادلون النظرات وقد أحسُّوا بالحزن والخوف يسيطران عليهم … ماذا يفعلون؟!

قال «تختخ»: لا فائدة من إضاعة الوقت في الحزن … يجب أن نتصرَّف فورًا.

عاطف: هل نكسر الدولاب ونُسلِّمهم الكراسة المطلوبة؟ إن في ذلك خيانة؛ فقد يكون فيها معلومات هامة للوطن.

محب: سوف نُعطيهم الكراسة الحمراء … ولكن!

عاطف: ولكن ماذا؟

محب: ولكننا سننزع صفحاتها ونضع بدلها أوراقًا من التي تركوها مبعثرة … أي نضع لهم أوراقًا ليست بذات أهمية … يجب أن نكسب بعض الوقت للتصرُّف فلم يبقَ أمامنا وقت طويل. إننا نستطيع أن نخدعهم بأي غلاف أحمر وسوف يُضيِّعون بعض الوقت لاكتشاف حقيقته … ونكون نحن قد اتصلنا بالشرطة، أو استطعنا متابعة هؤلاء اللصوص.

واندفع الأصدقاء إلى غرفة المكتبة للبحث عن غلاف أحمر، وعثرت «لوزة» على غلاف من هذا اللون، وأخذ «محب» يجمع بعض الأوراق المتناثرة ثم يُرتِّبها بشكل منظم، واستعمل الصمغ. وبعد نحو ساعة كانت هناك كراسة حمراء محترمة المظهر … غلَّفها «محب» في ورق أبيض، وألصق ورق اللف بعناية وقال: هذه هي الكراسة جاهزة.

نظر «تختخ» بإعجاب إلى صديقه الذي بدا مستغرقًا في تفكير عميق، ثم قال «محب» فجأة: «تختخ»! لقد خطرت لي فكرة قد تكون مجديةً جدًّا لتعقُّب العصابة.

تختخ: ما هي هذه الفكرة؟

محب: إن الولد الذي يُحضر لنا اللبن يحضر في حوالي السادسة، وهو في مثل حجمي تقريبًا. ما رأيك إذا أبقيناه هنا ولبست أنا ملابسه واختفيت قرب جبل النرجس لأرقب الرجل الذي سيحضر لأخذ الكراسة، لعلي أعرفه … أو أستطيع متابعته حتى نصل إلى مقر هذه العصابة التي تريد الاستيلاء على أبحاث عمي «أدهم»؟

تختخ: هذه فكرة ممتازة يا «محب» وسننفذها.

مضت الساعات بطيئة، والأصدقاء يجلسون في حوار متصل حول هذا الحادث العجيب الذي أضاع عليهم بهجة الإجازة، وعرَّض حياة «نوسة» و«زنجر» للخطر. وفي السادسة إلا ربعًا سمعوا صوت أقساط اللبن التي تدل على حضور بائع اللبن الصغير، ففتح له «تختخ» الباب، وطلب منه الدخول بسرعة.

دخل «يحيى» وهو لا يعرف ماذا يريد «تختخ» الذي قال له بسرعة: «يحيى» إننا في مأزق، ونريدك أن تساعدنا.

ردَّ «يحيى» الذي كان يُحب الأصدقاء: إنني على استعداد لأي مساعدة.

تختخ: إذن دون أسئلة … اخلع ثيابك فورًا، والبس ثياب «محب» وادخل إلى المطبخ، وسوف ندفع لك ثمن اللبن الذي تحمله كله.

قال «يحيى» وهو يخلع ثيابه في دهشة: على كل حال ليس معي لبن كثير؛ فأنتم آخر عشة في المصيف، وقد انتهيت من توزيع اللبن على زبائني.

في دقائق كان «محب» يلبس ملابس «يحيى» المكونة من سروال أسود وقميص وصدار وقبعة من القماش وصندل، ثم حمل أقساط اللبن الفارغة وانطلق خارجًا بعد أن استمع إلى تعليمات «تختخ».

وبعد لحظات حمل «عاطف» لفَّة الكراسة الحمراء ومضى مسرعًا إلى جبل النرجس. كان الضباب يملأ الجو في هذه الساعة المبكرة، ولم يكن في استطاعة «عاطف» أن يرى ما أمامه، ولكنه كان يحفظ الطريق إلى جبل النرجس.

في تلك الأثناء كان «محب» المتنكر في ثياب بائع اللبن قد شق طريقه مسرعًا إلى جبل النرجس، واختار مكانًا تُغطِّيه شُجيرات النرجس الكثيفة، ثم اختفى فيه، وأخذ يرقب من بعيد القادم لأخذ الكراسة.

مضت دقائق قليلة، ثم شاهد «محب» شبح صديقه «عاطف» وهو يحضر ثم يضع اللفة التي بها الكراسة الحمراء وينصرف … وبعد لحظات شاهد شبحًا آخر في الضباب الكثيف يحضر، ثم ينحني ويأخذ اللفة وينصرف، ثم سمع صوت طائر «النورس» الذي يعني أن اللفة قد وصلت، وأخذ يرقب الشبح وهو يهبط الجبل إلى الجانب الآخر، وكم كانت دهشته أن وجد سيارةً واقفة، ورأى الشبح وهو يُسلِّم اللفة إلى قائد السيارة الذي سرعان ما أدار المحرك، وانطلق مسرعًا!

أصبح «محب» والشبح وحيدَين، وخطر ﻟ «محب» خاطر قرَّر أن يُنفِّذه بسرعة، فأخذ يتقدَّم بحذر زاحفًا على الرمال حيث كان الشبح يقف تحت تلٍّ من الرمال يرقب السيارة وهي تبتعد … اقترب «محب» كالثعبان دون أن يرفع رأسه حتى لا يراه الشبح، ثم جمع كل قوته، وقفز قفزةً واحدة، فسقط على الشبح ووقع الاثنان على الأرض في صراع رهيب.

دخل «محب» والشبح في عراك وكلٌّ منهما يُحاول أن يتغلَّب على الآخر … ولكن المعركة لم تستمرَّ طويلًا … فقد تغلَّب «محب» على الشبح!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢