الفصل الثامن عشر

مصير الصهيونية العالمية وبنيتها المتناقضة

من علامات الفناء في الصهيونية أنها بنية متناقضة، يصلحها من ناحية ما يفسدها من ناحية أخرى، ولا مفر لها من النقيضين، وليس من اليسير عليها أن تجمع بينهما، ولا أن تطمئن معهما إلى طول البقاء.

وأكبر جراثيم الفناء في هذه البنية أن الخلاف شديد بين الصهيونيين على عقيدة الصهيونية.

فما هذه العقيدة في أساسها؟

إنها في أساسها عقيدة دينية تقوم على الأمل في ظهور ملك من بيت داود، يبني عرشه بمعجزاته وكراماته في بيت المقدس، وينشئ فيها مملكة أورشليم التي بها اختص إله إسرائيل شعبه دون سائر الشعوب، وليست هذه المملكة من عمل الشعب اليهودي، ولا من عمل أحد من الناس، ولكنها العمل الذي يتولاه رب إسرائيل بعد تكفير الشعب عن خطاياه: بالتشريد، واحتمال العذاب والاضطهاد.

هذا هو أصل العقيدة الدينية التي آمن بها الصهيونيون إلى القرن السابع عشر. ثم تحررت العقول وظهرت بين اليهود حركات عقلية في القرن الثامن عشر ترتاب في هذه العقيدة، وتعددت المذاهب التي تناقضها بين جماعة الهاسقالا Haskala وجماعة الأحرار، وجماعة العصريين المحدثين، وغيرهم من الجماعات، وتلخصت هذه الحركات أخيرًا في دعوة إسحاق ماير وايز Issac Mayer Wise الذي عقد مؤتمر فلادليفيا سنة ١٨٦٩، وأعلن بالقول الصريح أن رسالة اليهودية لا ترمي إلى تجديد مُلك إسرائيل على يد مَلك من ذرية داود، وأنها لا تعني أن يعود اليهود إلى انفصال جديد بينهم وبين أمم العالم، ولكنها ترمي إلى قيادة الأمم الإنسانية في طريق الخلاص على سنة الإخاء، وتكوين عالم جديد يضم جميع الشعوب بهداية روح إسرائيل، وهو العالم الذي يشتمل يومئذ على مملكة أورشليم الموعودة التي تبقى إلى آخر الزمان.

وظهرت مع هذه الحركة المجددة حركة أخرى تخالفها في أسلوب التجديد، وهي الحركة التي تأثرت بالهيئات القومية في القارة الأوروبية، فقام زعماؤها يقلدون دعاة الوطنية وينادون بقومية صهيونية، تعمل لإنشاء وطن قومي يؤسسه اليهود بمجهوداتهم العالمية ولا ينتظرون الملك السماوي الموعود من بيت داود، لتأسيس الوطن المنشود بمعجزات السماء.

ونشطت هذه الحركة بزعامة هيس Hess الألماني وسمولنسكن Smolenskin اللتواني، وكان هيس من دعاة الاشتراكية، يزعم أنه يريد وطنًا يهوديًّا في فلسطين، ليجعله نموذجًا للمجتمع الاشتراكي الذي تقتدي به مجتمعات العالم، وتلك في رأيه هي رسالة إسرائيل.

هذان مذهبان منشقان في الحقيقة عن العقيدة الصهيونية الدينية، أحدهما يلغي الفواصل بين اليهود وبين أمم العالم خلافًا لعقيدة الشعب المختار، والآخر يجعل الصهيونية وطنًا قائمًا بغير العرش الموعود في بيت داود.

فلما صدر وعد بلفور وتغلبت الفكرة القومية على الفكرة الدينية وعلى الفكرة العالمية، برز الدعاة القوميون في الميدان وأسكتوا من عداهم من أصحاب المذاهب بين اليهود، وانتصروا على المعارضين ولا يزالون منتصرين عليهم بقوة النجاح الموقوت.

ولكنه نجاح لا يدوم.

بل هو في الواقع نجاح مشئوم.

فاليهود الذين أوشكوا أن يحطموا الحواجز بينهم وبين أمم العالم قد عادوا بفعل ذلك النجاح المشئوم إلى عزلة جديدة تنقلب مع الزمن شرًّا عليهم من عزلتهم الأولى.

وهؤلاء الذين نجحوا اليوم بإنشاء دويلة إسرائيل قد أثاروا في نفوس أبناء دينهم عصبية لا طاقة لهم بإشباعها، ولا طاقة لهم بالاستغناء عنها، ولا مناص لها من الاصطدام بالواقع في زمن غير قريب.

هل في وسع إسرائيل أن تصبح وطنًا لجميع اليهود المتفرقين في أنحاء العالم؟

هل في وسع اليهود أن يعيشوا في أنحاء العالم بعصبية قومية سائرة بين الأوطان التي يدينون لها بالولاء؟

إذا كانت العزلة قد جرت عليهم عداوة الأمم في الماضي فهي لا تنجيهم من تلك العداوة بعد شيوع أمرها، وانتباه الناس لمؤامراتها ودسائسها.

وإذا كان نجاح الصهيونيين في إنشاء الوطن القومي بفلسطين قد نصرهم على معارضيهم من أبناء دينهم، فلا غنى لهم عن دوام هذا النجاح لدوام هذا الانتصار.

ومن نقائض الدويلة الصهيونية أنها لا تنجح مع اضطهاد اليهود في العالم ولا تنجح إذا انتهى ذلك الاضطهاد وسلم اليهود من بلواه.

فالوطن الفلسطيني لا يتسع للهاربين من الاضطهاد جميعًا، ولا يستطيع أن يغلق الأبواب في وجوههم كما تغلقها الأوطان الغربية، وإلا سقطت كل دعواه.

أما إذا زال الاضطهاد فقد زالت الدعوى من جذورها، وخمدت النار التي يلهبون بها الغيرة في صدور أبناء دينهم، ويثيرون بها العطف عليهم في صدور الغرباء.

إن هذه الحركة القومية لا بد أن تعيش لكي تتغلب في المستقبل على العقيدة الدينية، وعلى مذاهب الإصلاح العالمية، كما تغلبت عليها في هذه السنوات.

وقد تعيش سنوات معدودات من المعونة الخارجية التي يجود بها الاستعمار، أو يجود بها أبناء دينهم مؤمنين مقتنعين، أو متورطين خاضعين للتهديد.

ولكنها لن تعيش على المعونة الخارجية مدى السنين، ولن تعيش طويلًا إلا إذا قامت على قدميها واستقلت بمواردها، وهذه هي النقيضة الكبرى التي تصير بها من نقيض إلى نقيض.

لن تعيش إسرائيل إلا بصناعة، ولن تعيش صناعتها إلا بخامات وأسواق، والبضاعة الناشئة تحتاج إلى القصد الكبير في النفقات والتكاليف، ولا سبيل إلى القصد الكبير في نفقاتها وتكاليفها مع الأجور العالية التي تفرضها أحزاب الصناع ولا تبالي أن تزيد بها على أجور المهندسين والأطباء وغيرهم من الفنيين الممتازين.

وتحتاج الصناعة الناشئة إلى الخامات الرخيصة وإلى الأسواق التي لا مزاحمة فيها.

فإذا لجأت إسرائيل إلى شراء الخامات من بلاد بعيدة زادت خسارتها على أرباحها، وإذا أرسلت مصنوعاتها إلى الأسواق البعيدة لم تجد من يشتريها بأثمانها الغالية، مع اشتداد المزاحمة في تلك الأسواق.

لهذا تتهافت إسرائيل على مصالحة الأمم العربية، وفك الحصار الذي تضربه تلك الأمم عليها، ولا يكفيها أن تزعم الأمم العربية على مصالحتها وفتح أسواقها لمصنوعاتها، بل يلزمها أشد اللزوم أن ترغم العرب جميعًا على البقاء — مدى السنين — بغير صناعة تنافس الصناعة الصهيونية، وتستأثر بالخامات لمعاملها وأبنائها، وهذه هي النقيضة التي تضاف إلى غيرها من النقائض ولا تختمها على كثرتها.

إن نجاح إسرائيل نكبة على الصهيونية لأنه نجاح مشئوم ونجاح لا يدوم.

كان اليهود يشفقون من عزلتهم بين أمم العالم، ويفكرون في تحطيم حواجزها، وتقريب الفوارق بينهم وبين الأمم الإنسانية على سنة الإخاء والروابط الوطنية في كل أمة ينتمون إليها.

فلما نجحت إسرائيل، وأقامت لها وطنًا قوميًّا في فلسطين، لم يكن لنجاحها غير معنى واحد لا تسلم من جريرته، وذلك هو العزلة الدائمة والعصبية التي تخضع العالم كله لدسائسها ومؤامراتها أبدًا، أو تخضع للعالم كله في النهاية خضوع المقهور.

وإن الصهيونية لتسير مع الزمن إذا كان الزمن يؤيدها في الانفصال الدائم من أمم العالم، والسيادة الدائمة عليها، والغفلة الدائمة في هذا العالم الذي تسوده وتتحداه.

فإذا أبى عليها الزمن ذلك — وسيأباه لا محالة — فنصيبها من أمسها الذي تفر منه أهون من نصيبها عند الغد المجهول، بل الغد المعلوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠