الفصل الثامن

الصهيونية العالمية وطوابيرها الخامسة في ميادين السياسة والاقتصاد

الطوابير إذن هي مصدر القوة الكبرى للصهيونية العالمية؛ لأنها منتشرة في كل بلد، متفقة على الحقد والضغينة وإن لم تتفق على المحبة والخير، مطلعة على أسرار الدول وأسرار الشركات وأسرار المجتمعات.

ولا توجد قوة في العالم تنتشر هذا الانتشار، وتتفق على الحقد والضغينة هذا الاتفاق، وتطلع على الأسرار وعلى وسائل استغلالها هذا الاطلاع.

لقد وُجدت في العالم دول قوية نشرت جواسيسها في كل بلد، واستأجرت الدعاة لترويج مقاصدها وتمهيد الأذهان لقبول سياستها، ولكنها لم تبلغ في القوة مبلغ الصهيونية العالمية؛ لأن الدولة القوية تناهضها دولة قوية مثلها، وتستثير عليها الأوطان التي تحكمها، ولأن الجاسوس الذي يعمل لدولة غريبة أو قريبة غير الجاسوس الذي يعمل لنفسه ولجنسه، ويصدر في عمله عن الحقد المتغلغل بين جوانحه، والموروث من أبيه وجده. ويعتقد أن إلهه يبارك حقده وشره، ويتكفل له بالنصر على أعدائه، وقلما يتمكن الجاسوس في بلد من البلدان كما يتمكن منه الصهيوني المقيم فيه، المرتبط بمعاملاته وعلاقاته، وقلما يتجاوز جواسيس الدول الألوف إلى الملايين … أما طوابير الصهيونية فهم يتجاوزون الملايين، من الظاهرين غير المستترين.

نعم من الظاهرين غير المستترين؛ لأن الغالب على الكثيرين أن يحصروا الصهيونيين فلا يحسبون منهم إلا المقيمين على ديانتهم المعترفين بنسبتهم إلى أبناء جلدتهم، ولكنهم لا يحسبون الصهيونيين الذين أظهروا التحول عن دينهم، ليكون هذا التحول أعون لهم على الدسيسة، وأخفى لأغراضهم عن الرقباء، وأدنى بهم إلى مكامن الأسرار وبواطن النيات.

وهناك غير الصهيونيين المقيمين على دينهم، وغير الصهيونيين المتحولين عنه إلى دين آخر، طوائف من الصهيونيين بالمصاهرة والمقاربة في الشعور، لا يقلون في الغيرة على قضية الصهيونية عن زملائهم الآخرين.

هناك الصهيونيون من الأمهات الصهيونيات، وقد ترقَّى بعضهم إلى مراكز الوزارة في أكبر الدول، وتربوا من المهد على خدمة الصهيونية، كما يتربى الطفل على حب أمه، وهو لا يلتمس لذلك الحب علة ولا برهانًا غير العاطفة التي لا تحتاج إلى تعليم ولا تلقين.

فالصهيونيون أكثر من ملايينهم الظاهرين، وهم — مع هذه الكثرة — يطلعون على أسرار الدول والمعاملات المالية بحكم صناعتهم؛ إذ كانت الصناعة الأولى التي توارثوها هي صناعة الصيرفة والسمسرة المالية، وهي أحوج الصناعات إلى الاطلاع على الأسرار؛ لأن سرًّا واحدًا عن الحرب والصلح قد يعمر الخزائن بالملايين، وقد يخرب الخزائن ذات الملايين.

وهذا عدا أسرار المضاربات في الأسواق بمعزل عن أخبار الحرب والسلام … فربما ارتفعت أسهم وهبطت أسهم من جراء سر يعرفه المضارب قبل الأوان، وربما حل الدمار بقطر واسع من عواقب هذا الارتفاع وهذا الهبوط.

وليست الأعمال المالية — أعمال الصيرفة والسمسرة — وقفًا على الصهيونية، فهناك صيارفة كبار من غير صهيون، وهناك البيوت المالية في جميع الأمم والقارات، ولكن الشبكة العالمية وقف على الصهيونية العالمية، فلا توجد شبكة مثلها للصيرفة والسمسرة تضارعها في الانتشار.

يوجد في العالم أفراد من ملوك المال أمثال مورخان وروكفلر، ولكن لا يوجد فيه ملوك مال من قبيل الإخوة روتشيلد: روتشيلد بريطاني في لندن، وروتشيلد فرنسي في باريس، وروتشيلد ألماني في برلين، وروتشيلد نمسوي في فيينا، وحولهم شبكة محكمة، في السر والعلانية، تحيط بالأسواق ودواوين الحكومات.

قال الكاتب الإنجليزي شسترتون الذي ننقل عنه هذه الملاحظة من كتاب «فاجعة السامية وعداوتها»: «إن سفينة خرجت من ميناء في أمريكا اللاتينية أثناء الحرب العالمية، وأرادت الدولة البريطانية أن تردها فلجأت إلى من؟ … إلى بيوت روتشيلد، فوقفت السفينة حيث شاءت.» واستطاع المال في هذا الحادث ما لم تستطعه القوة؛ لأن القوة تخشى عواقب المناورات السياسية، وتتقيد بالقانون الدولي، وتخاف من سوء السمعة، ولكن المال يفعل فعله سرًّا دون أن يعلم أحد بمن عمل ولماذا عمل. وقد يكون في عمله الرضى للمخدوعين غير العارفين، وللمنتفعين بتدبيره من العارفين.

ومضى شسترتون A.kchesterton يقول في الكتاب نفسه في الصفحة الثمانين: «والأمر أعمق من ذلك وأخفى؛ فقد حدث قبل الحرب العالمية الأولى بعشر سنوات، أن أوغندة عرضت على الصهيونيين فرفضوها؛ لأنهم علموا أن حربًا عالمية في الطريق، وأن فلسطين في خلال تلك الحرب تنتقل على سبيل الهبة إلى أيدي البريطان.»
قال شسترتون بعد ذلك: «إن يهوديًّا بريطانيًّا معروفًا تحدث إلى ويليام هيكي Hickey عن مشروعات يتممها بعد الحرب، أي قبل أن تشتعل الحرب العالمية الثانية بسنتين.»

وفي الصفحة الخامسة والثمانين من هذا الكتاب بعينه يروي شسترتون قصة الكتاب الأبيض الذي صدر من وزارة الخارجية البريطانية عن ثورة روسيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأن هذا الكتاب الأبيض جمع من الأيدي بعد صدوره، وتغيرت بعض عباراته، ولم يكن ما تغير منه إلا عبارات تشير إلى المساعي الصهيونية، ثم صدر الكتاب كما هو بعد هذا التغيير.

وينقل الكاتب كلامًا كثيرًا من الصحيفة اليهودية الرسمية التي تسمى جويش كرونيكل Jewish Chronicle لا يخطر على البال إلا إذا اطلع القارئ على نصوصه التي لا شك فيها، ومنها أن السير ستيوارت صمويل — كما جاء في عدد السابع عشر من شهر ديسمبر سنة ١٩٠٩ — قد أنبأ عن تولي مستر شرشل لوزارة الداخلية في الوزارة القادمة، وأنه سيؤيد القوانين التي ترضي النزلاء اليهود ولا يتيسر تأييدها في الوقت الحاضر.
وقد نشرت صحيفة مانشستر جارديان في عدد الحادي والعشرين من شهر أبريل سنة ١٩٠٨ أن مستر شرشل أرضى اليهود بأجوبته عن بعض الأسئلة، وأنهم فضلوه بتأييدهم وقدموه على اليهودي الصراح جوينسون هيكس Joynson Hicks … ولولا ذلك لما كان على المنبر الذي ارتقاه ذلك اليوم …»

ومستر شرشل كما يعلم حضرات القراء هو الذي كان يقول ولا يداري خبيئة صدره «إنه صهيوني» … وهو الذي نقلت عنه الديلي تلغراف في التاسع عشر من شهر يناير سنة ١٩٢٦ أنه قال: «إني في كل حياتي السياسية كنت على صلة حسنة بالمواطنين اليهود» … وبعد هذا وذاك، لا يخفى أن الرجل ينتمي من جهة أمه إلى سلالة يهودية!

•••

هذا طابور من الطوابير الصهيونية الخامسة التي تعمل للسيطرة العالمية، وهو طابور الصيارفة والسماسرة، وله من الوسائل — كما رأينا — ما يطلع به على أسرار الحروب المقبلة، وما يجري فيها لمصلحة الصهيونية، وله من الوسائل ما يتسلل به إلى مراكز الوزارات والمجالس النيابية، وله من الوسائل ما لخصه روتشيلد في كلمة واحدة حيث قال:

مَكِّنِّي من إصدار النقد والإشراف عليه في أمة من الأمم ولا أبالي بعد ذلك من يشرع لها القوانين.

وإن هذا الطابور الخامس لواحد من طوابير كثيرة، فإن كان في الأمر عجب فليس هو العجب لنفوذ الصهيونية في العالم، بل العجب ألا يكون لها في العالم نفوذ أكبر من هذا النفوذ …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠