الباب الثالث

على عرفات

في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة بدأنا الرحيل من مكة المكرمة شاخصين إلى عرفات، والمسافة بين مكة وعرفات تقرب من خمسة وعشرين كيلومترًا، لا يشعر بطولها الحاج؛ لأنه يقضي الوقت مشغولًا بمشاهدة مناظر شائقة منوعة؛ إذ إن الطريق يكون في ذلك الوقت زاخرًا بعشرات الألوف من الحجاج وهم مُحرِمون بين راكبي سيارات، وإبل، وبغال، وعربات، وكافة وسائل السفر والانتقال.

وإني لَأتركُ لمخيِّلة القارئ صورةَ هذا الزحام العظيم، ومنظر الطريق الصحراوي، ومع كل ذلك الزحام فإن لطْفَ الله اللطيف يشمل أولئك الحجيج، فلا يحدث حادث تصادم واحد، ولا يقع لواحد منهم أيُّ مكروه.

فيا عجبًا! إننا لا نكاد نمر في طريق أو ميدان في مصر في أي يوم من الأيام إلا ونشهد حوادث عديدة من الاصطدام!

لكن لا عجب، فإن الحُجاج إلى بيت الله الحرام هم ضيوف الله.

كنا نرى مئات السيارات وآلاف الجِمال وآلاف الخيل والبغال والألوف المؤلَّفة من المترجِّلين، الكل قاصدون إلى عرفات، والكل متجهون بقلوبهم وأفئدتهم وجوانحهم وحواسِّهم إلى معبود واحد، هو الله، يناجونه بنداءٍ واحد ليس أفضل منه دعاء، هو: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.»

وذكرت وأنا شاردُ اللُّب مأخوذُ القلب، سابحةٌ نفسي في ملكوت الكون، كيف استجاب الله دعاء إبراهيم عليه السلام، فحمل تلك الأفئدة على أن تهوي إلى ذرية إبراهيم، ونعني أهل هذه الأراضي المقدسة.

وذكرت كيف أن الله سبحانه وتعالى حين انتهى إبراهيم من تجديد بناء الكعبة، أو إن شئت فقل: من بنائها للمرة الثانية، قال الله تعالى: هيا يا إبراهيم، إذِّن في الناس بالحج.

فقال إبراهيم: يا رب، ومَن ذا الذي يبلِّغ دعوتي؟

فقالت العزة الإلهية: أذِّن أنت، وعليَّ أنا الإبلاغ. وذهب إبراهيم إلى جبل أبي قبيس المواجِه للكعبة، وصعد الجبل وقال: «يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت — وأشار إلى الكعبة — ليُثِيبَكم به الجنة، ويُجِيرَكم من عذاب النار، فحجُّوا.»

ومن الروايات الصحيحة أنْ قد أجابه مَن كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وقالوا: «لبيك اللهم لبيك!» فمَن أجابه يومئذٍ مرةً كُتِبت له الحجة مرة، ومَن أجاب مرتين كُتِبت له حجَّتان، وهكذا.

وفي الناس مَن لم يُجيبوا قطُّ في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، وهؤلاء كُتِب عليهم أن لا يحجوا. ولا غرابة؛ ففي مكة نفسها والطائف والمدينة وجدة كثيرٌ من الناس لم يحجوا مع قُرْبهم من بيت الله الحرام.

وقفة عرفات

واتخذنا طريقنا صعودًا نحو الجبل بعد أن أدَّينا فريضةَ صلاة العصر، فإذا بعشرات الألوف منا يقفون وقفةَ عرفات، مبتهلين إلى الله بقلوب يملؤها الخشوع، ويفيض عليها الإيمان، تُردِّد في صوتٍ واحد مُنبعث من الأفئدة، رافعين أيديهم إلى السماء، مُغْرورِقة عيونهم بالدمع الهتون، غاسلين خطاياهم بالتوبة الصادقة، سائلين الله القوي، وقد ذهلت العقول، ولم تُغفِل الألسنةُ ذِكرَ الله الواحد القيُّوم، قائلين: «لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وإليك، اللهم ما قلت من قول، أو حلفت من حلف، أو نذرت من نذر، فمشيئتك بين يدي ذلك كله، ما شئت كان، وما لم تشأ لا يكون، ولا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير.

اللهم ما صليت مِن صلاة فعلى مَن صلَّيت، وما لعنت مِن لعن فعلى مَن لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفَّني مسلمًا وألحقني بالصالحين.»

دعاء النبي في عرفات

على أن خير دعاء كان يدعو به النبي بعد صلاة العصر في عرفات والتلبية، الدعاء التالي: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي لساني نورًا، اللهم اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري.»

وقال علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه: أكثر ما دعا به رسول الله عشيةَ عرفات في الموقف هو: «اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرًا مما نقول، لك صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربي تراثي، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.»

ومن خير ما دعا داعٍ في حجه ما ذكره الإمام الغزالي، إمام العلم والفلسفة والدين، وهو ما دعا به نفسه، قال: «إلهي، ما أنت صانع العشية بعبدٍ مُقِرٍّ لك بذنبه، خاشعٍ لك بذلته، مُستكينٍ بجُرْمه، مُتضرعٍ إليك من عمله، تائبٍ إليك من اقترافه، مستغفرٍ لك من ظلمه، مبتهلٍ إليك في العفو عنه، طالبٍ إليك نجاحَ حوائجه! فيا ملجأ كل حي، وولي كل مؤمن، مَن أحسنَ فبرحمتك يفوز، ومَن أخطأ فبخطيئته يهلك، اللهم إليك خرجنا، وبفنائك أنخنا، وإياك أمَلْنا، وما عندك طلَبْنا، ولإحسانِك هرعْنا، ورحمتَك رجَوْنا، ومن عذابك أشفَقْنا، وإليك بأثقال الذنوب هربْنا، ولبيتك الحرامِ حجَجْنا. اللهم إنك جعلت لكل ضيف قِرًى، ونحن أضيافك، فاجعل قِرَانا منك الجنة. اللهم إنَّ لكل وفدٍ جائزة، ولكل زائرٍ كرامة، ولكل شاكرٍ عطية، ولكل راجٍ ثوابًا، ولكل ملتمِسٍ لما عندك جزاءً، ولكل مسترحمٍ عندك رحمة، ولكل راغبٍ إليك زُلْفى، ولكل متوسِّل إليك عفوًا، وقد وفدنا إلى بيتك الحرام، ووقفنا بهذه المشاعر العِظام، وشهدنا المشاهد الكرام، رجاءً لما عندك، فلا تُخيِّبْ رجاءَنا.»

وقد لبَّى أبو نواس — وهو مَن نعرف في الدعابة والهزل والمجون — تلبية هي في نفسها وروحها الإيمان كله، فقد حدث أن كان أبو الحسن «أبو نواس» يحب جارية من آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وكان في حبه لها صادقًا، وكانت تُسمَّى جِنان، فلما اعتزمَت الحجَّ قال أبو نواس: أَمَا والله لا يفوتني المسير معها والحج عامِي إن أقامت على عزمتها، وقال في ذلك شعرًا، هو:

ألم ترَ أنني أفنيتُ عُمري
بمَطْلبِها ومَطْلبُها عسيرُ
فلمَّا لم أجِد سببًا إليها
يُقرِّبني وأَعْيَتْني الأمورُ
حججتُ وقلتُ قد حجَّتْ جِنان
فيَجمعني وإياها المسيرُ

ولما أحرم أبو نواس وصعد إلى عرفات في ليلة التاسع من شهر ذي الحجة جعل يُلبي بقوله:

إلهَنا ما أعْدَلَك
مليكُ كلِّ مَن ملك
لبيكَ قد لبَّيتُ لك
لبيكَ إن الحمدَ لك
والمُلْكَ لا شريكَ لك
والليل لما أنْ حَلَك
والسابحات في الفَلَك
على مجاري المنسلك
ما خابَ عبدٌ أمَّلك
أنت له حيث سَلَك
لولاكَ يا ربي هَلَك
كلُّ نبيٍّ ومَلَك
وكلُّ مَن أهلَّ لك
سبَّحَ أو لبَّى فلك
يا مخطئًا ما أغفلَك
عجِّلْ وبادِرْ أجَلك
واختمْ بخيرٍ عمَلَك
لبيكَ إنَّ المُلْكَ لك
والحمد والنِّعمة لك
والعزَّ لا شريك لك

بهذا الشعور الروحي الفيَّاض بالإيمان والعبودية للخالق لبَّى أبو نواس، فما أروع موقف عرفات وما أطهره!

ما أجلَّ وما أعظم! إن مئات الألوف من الخلائق وقوفٌ في عرفات يبتهلون إلى الخلَّاق الواحد الأحد، الفرد الصمد.

ونظرت إلى الأفق المترامي، وقد صحا الجو وصفت السماء إلا من بعض سحب خفيفة كانت منتشرة هنا وهناك، فخُيِّلَ إليَّ أنْ قد ارتسمت من هذه السُّحب كلمة الجلالة! ولِمَ لا؟ وهذه الخلائق تدعوه وتبتهل إليه، جلَّ شأنه، فكيف لا يجيب الله سُؤْلها وقد قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.

ولا معالم في عرفات إلا الجبل، ومجاري عين زبيدة، وما خلا ذلك وتلك فسماء وصحراء.

أما السماء فقد كانت كما وصفت لك، كانت صافية، يحكي صفاؤها صفاءَ قلوب المسلمين من حجَّاج بيت الله الصالحين، وأما الصحراء ومنها الجبل فقد ضمت أولئك جميعًا، وهم بين شيوخ ورجال وشُبَّان ونساء وفتيات، من مصريين، وعرب، وهنود، وجاويين، وفلسطينيين، وسوريين، تجمع بين كل أولئك وَحْدةُ الدِّين ووَحْدة الإيمان، ووحدانية الله المعبود. فهم في عرفات، وعلى جبل عرفات، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا.

لكن المسلمين مع الأسف لم يفكروا في الاستفادة من هذه الوَحْدة، فقضوا القرونَ سنةً بعد سنة، وجيلًا بعد جيل على عرفات في أكلٍ وشربٍ وتعبُّد.

نعم، لم نفكر في الاستفادة من هذا الاجتماع العظيم للتآلُف بين المسلمين من كافة الأجناس والأقطار، حتى يُرَقُّوا شئونهم من الوجوه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأدبية.

عين زبيدة

أما عين زبيدة الممتدة مجاريها في عرفات فهي أثَرُ خيرٍ أسدَتْهُ الملكة زبيدة — طيَّب الله ثَراها — برًّا بالحجازيين والحُجَّاج، بعد أن أدَّتْ فريضة الحج، ورأت شدة حاجة أهل الحجاز إلى الماء، فكلَّفت المهندسين بإنجاز مشروعها الخيري العميم النفع، العظيم الأثر، وهي الملِكة المسلمة الوحيدة التي خلَّدَت اسمَها على الأجيال والقرون.

وقد كلَّفها هذا المشروع الجليل خمسةَ ملايين دينار، وهو ما يعادل ثلاثة ملايين ونصفَ مليون من الجنيهات.

وفي أعمال البر والخير فَلْيتنافس البَرَرةُ الخيِّرون.

إلى المزدلفة

وتركنا عرفات في خير الأوقات، وهو ما قبل الغروب، فقد ركب الرسول حتى أتى الموقف؛ أيْ عرفات، واستقبل القِبلة، فلم يزل واقفًا حتى اصفرَّ قرص الشمس، فأردف أسامة بن زيد خلفه، وولَّى وجهه شطر المزدلفة.

رحلنا عن عرفات متعجِّلين حتى نُدرِكَ الصلاة في المزدلفة؛ فقد ثبت أن رسول الله صلَّى المغربَ مع العشاء فيها، ولا ضيرَ في أن يجمع الحاجُّ بين الصلاتين.

ولقد كانت صلاتنا في عرفات صلاة قصر؛ إذ كنا نجمع مع الظهرِ العصرَ جمعَ تقديمٍ، ونجمع مع العشاءِ المغربَ جمعَ تأخيرٍ، وهذا تيسير من الله سبحانه وتعالى.

وكنا منذ بداية الطريق من عرفة إلى المزدلفة نرفع أصواتنا بالتلبية، فلما بلغنا المزدلفة نفسها دعونا: «اللهم إن هذه مزدلفة جمعت فيها ألسنة مختلفة، فاجعلني ممَّن دعاك فاستجبتَ له، وتوكَّل عليك فكَفَيْتَه.»

وأدَّينا فريضة المغرب التي فاتت مع العشاء التي حلت، والعشاء ركعتان، والمغرب ثلاث.

وقضينا الوقت فيما بين العشاء ومنتصف الليل في تكبير وتسبيح وترديد الأدعية، حتى حان موعد الرحيل من المزدلفة، فتزوَّدْنا منها بتسعٍ وأربعين حصاة. ولما انتهينا إلى المشعر الحرام، وهو آخِر المزدلفة، دعونا: «اللهم بحق المشعر الحرام، والبيت الحرام، والشهر الحرام، والركن والمقام، أبلِغْ روحَ محمدٍ منا التحية والسلام، وأدخِلنا دار السلام، يا ذا الجلال والإكرام.»

في منى

ثم سِرنا إلى منى، وقبل أن نأوي إلى خيامنا اتجهنا إلى الشيطان الأكبر بعد أن حلقنا في منى، فرجمناه بجمرة العقبة بعد أن وقفنا مستقبلين القِبلة، وأخذنا نُلقِي عليه الجمرات السبع، رافعين الأيدي قائلين: «الله أكبر على طاعة الرحمن ورجم الشيطان، اللهم تصديقًا بكتابك واتباعًا لسنة نبيك.»

وفي الليلة الثانية ألقينا سبعَ جمرات على كل شيطان من الشياطين الثلاثة، وأعَدْنا الكَرَّةَ في الليلة الثالثة، ثم قصصتُ بعضَ شَعرات من رأسي.

وبهذا أتممنا — ولله الحمد — جميعَ مناسك الحج، ولم يبقَ إلا الطواف حول البيت المعظم، والسعي بين الصفا والمروة.

وقد تخفى حكمة الرجم على عقول الكثيرين، فليس هناك أشد من وسوسة الشيطان إغراءً بالعصيان، والتغلُّب على سلطانه ليس بالأمر الهيِّن، فالحكمةُ في تكراره إشارة إلى وجوب محاربته على الدوام، حتى يتم للإنسان الغَلَبة عليه.

وهذا ما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام، فإنه حين همَّ بذبح ولده سيدنا إسماعيل جاءه الشيطان ووسوس له: لا تذبحه. فرجَمَه، وعاد إبراهيم لينفِّذَ مشيئةَ الله، فعاد الشيطان إليه ووسوس له: لا تذبحه. فرجمه ثانيًا، ثم عاد إبراهيم للمرة الثالثة يهم بذبح ولده، فوسوس له الشيطان: لا تذبحه. فرجمه ثالثة، مواصلًا محاربة الشيطان، حتى جاءه الفرج من عند الله وحدث الفداء.

•••

غادرنا منى بعد أن أقمنا فيها ثلاثة أيام، هي أمنية الحياة، مُتمنِّين على الله الكريم العودةَ إليها مرات ومرات، مردِّدين في نفوسنا نداء باعتها: «العودة يا منى، العودة!»

ولعل من أغرب الظواهر في منى، أنه على الرغم من كثرة ما يُذبح فيها من الذبائح، وما يتخلَّف بها من بقايا، فإن الذباب والناموس معدومان فيها بفضل دعاء عمر رضي الله عنه، فلقد استجاب الله دعاءه، وإلَّا لَهلك المئاتُ من الحجَّاج في كل عام بعدوى الناموس والذباب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤