الفصل الثاني عشر

الرواقيون

The Stoics

(١) حياة زينو١

وُلد زينو القبرصي مؤسس المدرسة الرواقية نحو سنة ٣٤٢ق.م في مدينة سيتيوم Citium من أعمال قبرص، وقد كانت مدينة يونانية تغلب على أهلها النزعة الدينية التي يتميز بها الجنس السامي، وقد كان ينتمي إلى هذا الجنس عدد كبير من سكان تلك الجزيرة، وكان أبوه بل أسرته جميعًا تشتغل بالتجارة، فبدأ زينو في طليعة شبابه يمارس تلك المهنة، ثم نزلت به كارثة مالية فادحة أصابته بجنوح مركب فيها ماله فاصطدمت بصخرة حطمتها، وبذلك فقد زينو كل ثروته، فذهب إلى أثينا حيث تتلمذ لكراتس Crates الكلبي، وستلبو Stilpo الميغاري، وبوليمو Polemo الأكاديمي، فاجتمعت لديه فروع شتى من المذاهب الفلسفية؛ إذ درس فلسفة الكلبيين وطرائق حياتهم العملية، كما درس الفلسفة الميغارية، هذا فضلًا عما تأثر به من تعاليم سقراط التي درسها مما كتب أكزنوفون وأفلاطون، فتناول تلك الآراء جميعًا، وطبعها بطابع ذهنه، وأخرجها للناس فلسفة جديدة، فأنشأ حوالي سنة ٣٠٠ق.م مدرسة في رواق مزخرف نُسِبَ إليه المذهب وأصحابه، ولئن كان التاريخ لا يعي من أخريات أيامه إلا قليلًا فإنه لا يسعه أن يخفي تلك الشخصية الممتازة البارزة التي صادفت من قلوب معاصريها كل إجلال وإكبار، لما تحلت به من خلق نبيل، ولما اتصفت به حياته من بساطة واعتدال استطاع بفضلهما أن يعمر أعوامًا طوالًا دون أن تصيبه علة أو مرض، ثم شاء أن يختم حياته بيده، فانتزع نفسه من صدره اختيارًا في سنة ٢٦٤ق.م (أو ٢٦٠).
figure
زينو الرواقي.

(٢) أعلام المذهب الرواقي

وجدير بنا أن نلم إلمامة خفيفة بأعلام الرواقيين الذين خَلَفوا زينوا، فقد تزعم المدرسة الرواقية من بعده كلنثيس Cleanthes وأخذ يديرها بين سنتَيْ ٢٦٤ و٢٣٢، وقد كتب فيما كتب نشيدًا دينيًّا رائعًا كان من أثره أن اكتسب المذهب الرواقي تلك النزعة الدينية القوية التي عُرِفَت عنه، ثم خلفه كريسبس Chrysippus وقد تولى رئاسة المدرسة بين سنَتَيْ ٢٣٢ و٢٠٤ق.م، وهو الذي أكمل جوانب النقص في مذهب الرواقيين، حتى انتهى بفضله إلى ما هو عليه من تمام، فضلًا عما بذل من جهد في رده على ما وجهه إليه الشكاك ورجال الأكاديمية من سهام النقد، وهكذا لبث المذهب الرواقي في أثينا ينتقل من زعيم إلى زعيم حتى كانت سنة ١٥٠ق.م، أو ما بقرب منها: فانتقل إلى روما، حيث خيم برواقه إلى سنة ٢٠٠ بعد الميلاد، وأبرز أعلام هذا المذهب من الرومانيين هم: سينيكا، وأبكتيتس، والإمبراطور ماركس أورليوس، وشيشرون، فقد نفخوا فيه من روحهم بما أنتجت أقلامهم.

(٣) أساس المذهب الرواقي

لم يحفظ لنا التاريخ مما كتب الفلاسفة الرواقيون في ثلاثة القرون الأولى من حياة مدرستهم إلا أجزاءً قليلة متناثرة، وذلك على كثرة ما سطرت أقلامهم كثرة خصبة وافرة، حتى قيل عن أحدهم — كريسبس — أنه ألف وحده نحو سبعمائة كتاب؛ ولذا كان من المتعذر أن نرد أجزاء المذهب إلى أربابها من أعلام الرواقيين، فليس لدينا ما نستطيع أن نعتمد عليه في التمييز بين آراء زينو نفسه وما أضافه أتباعه، وبخاصة كريسبس، فكان لزامًا علينا أن ننظر إلى المذهب كله كوحدة دون أن نعمد إلى تتبع مراحل نموه وتطوره، فلنأخذه كما خلفه كريسبس.

figure
سنكا.
figure
ماركس أورليوس.

جاءت الفلسفة الرواقية مناقضة لفلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو، فقد أقام هؤلاء فلسفتهم على أساس البحث النظري قبل كل شيء، أما الرواقيون فلم يأبهوا بالآراء النظرية ولم يعيروها من عنايتهم ودرسهم إلا بمقدار ما تكون سبيلًا إلى الجانب العملي من الحياة، فليست الفلسفة عندهم أن يتقصى الإنسان بنظره الأرض والسماء ثم يقف عند هذا الحد لا يعدوه، إنما هي — كما عرفوها — فن الفضيلة ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية.

أراد زينو إذن أن يحيا حياة فاضلة تقوم على أساس من الخلق القويم، ولكن من له بهذا الأساس؟ وأين يجده؟ إنه يريد عمادًا ثابتًا وطيدًا لا تتزعزع قوائمه مع اختلاف الزمان والمكان، فالتمس بادئ ذي بدء كراتس الكلبي عسى أن يصادف عنده أساسه المنشود، ورافقه زمنًا طويلًا، حتى أخطأ فريق من أتباع زينو فاعتبروا أنفسهم ورثة للفلسفة الكلبية التي تفرعت عن فلسفة سقراط، وكانوا يتخذون سقراط وديوجنيس وأنتسثنيس أمثلة عليا لما يجب أن يكون عليه الحكيم، وإذن فقد كان غرضهم الأسمى هو غرض المدرسة الكلبية بذاته: سعادة الإنسان واستقلاله بفضيلته، وكان تعريف الفلسفة عندهم هو تعريفها عند ذلك المذهب الكلبي: عمل الفضيلة، وقاسوا قيم الأبحاث النظرية بمقدار اشتراكها في بناء الحياة الأخلاقية، ولكن فات هذا الفريق أن مذهب زعيمهم زينو لم يكن هو بذاته مذهب المدرسة الكلبية ولا هو تهذيبه فحسب، بل إنه شيء آخر جديد خلقه زينو خلقًا وأنشأه إنشاءً، وإن يكن قد استقى عناصره من سابقيه.

لم يكن الرواقيون جميعًا على اتفاق تام في فلسفتهم، فبينا تجد هيريلوس Herrilus يصرح بأن المعرفة وحدها هي الخير الأسمى وأنها غاية الحياة المثلى، ترى في الطرف الآخر «أرستون» يحتقر الثقافة والتعليم، ويسخر من كل ضروب المعرفة، فإن كانت تلك المعرفة متعلقة بماء وراء الطبيعة فهي محاولة فاشلة، فهيهات لهذا العقل البشري العاجز أن يصل إلى شيء مما وراء الطبيعة، وأما إن كانت المعرفة بحثًا في الطبيعة المادية نفسها فهي عبث لا غناء فيه، وكأنما أراد أرستون بذلك أن يحصر الرواقية في حدود الفلسفة الكلبية فلا تعدوها، بأن ركز القيمة كلها في الأخلاق وحدها، وبَيْنَ هيريلوس من ناحية وأرستون من ناحية أخرى كان زينو يرى أن المعرفة العلمية شرط أساس للحياة الأخلاقية؛ ولذا فقد قسم فلسفته إلى أبحاث ثلاثة: المنطق والطبيعة والأخلاق، على أن يكون الأولان وسيلتَيْن تؤديان إلى الثالث وهو الغاية المنشودة.

أما المنطق فقد تأثر فيه خطو أرسطو، وإن يكن قد أضاف إليه، وأما الطبيعة فقد بناها على مزيج من نظرية هرقليطس وآراء أرسطو، وأما الأخلاق فقد خفف من غلواء المدرسة الكلبية فأدخل على صلابتهم شيئًا من اللين، من تلك العناصر المتفرقة أُقيمت الفلسفة الرواقية، فلا يجوز لأحد أن يزعم أنها استمرار للفلسفة الكلبية وحدها بحال من الأحوال.

(٤) المنطق

خير لنا أن نمر في بحثنا على الجزء من منطق الرواقيين الذي يتصل بالقواعد؛ لأنه في جوهره منطق أرسطو، وأن ننصرف بعنايتنا إلى نظريتهم التي أضافوها — وهي من ابتكارهم — على أصل المعرفة ومقياس الحقيقة.

أنكر الرواقيون ما ذهب إليه أفلاطون من أن في النفس مُثلًا جاءتها بالفطرة منذ الولادة، ولم تُكتسب من العالم الخارجي، وزعموا أن نفس الطفل عند ولادته تكون صفحة بيضاء خالية من كل أثر وصورة، ثم لا تلبث أن تتوارد على حواسه آثار منبعثة من الأشياء الخارجية فتنطبع صورها في لوحة الذهن كما تنطبع صورة الختم على قطعة الشمع، وإذن فالعقل قابل للآثار الحسية منفعل بها، وقد يكون له أثر فعال ولكن على ألا تتجاوز تلك الفاعلية ما تقدمه له أعضاء الحس من مادة، فهو لا يخلق من عنده شيئًا، إنما ينحصر تصرفه في هذه الدائرة الضيقة وحدها، يشكل فيها ويصور من أجزائها كيف شاء، وإذن فمعين المعرفة كلها هو العالم الخارجي، يرسل إلينا أسباب العلم فتسلك إلى أذهاننا سبلًا خمسة، هي الحواس، وليس سوى ذلك علم ولا معرفة خلافًا لما ارتآه أفلاطون «من أن العقل وحده مصدر المعرفة تنبع منه لأنها مطبوعة فيه وأما الحواس فهي لا تؤدي إلا إلى الوهم والزلل»، نعم أنكر الرواقيون ما أثبته أفلاطون من أن هذه المدركات الكلية — أو بعبارة أخرى أسماء الأجناس كإنسان وحصان وشجرة — صور لحقائق ميتافيزيقية موجودة فعلًا خارج حدود أذهاننا، فتلك الإدراكات الكلية إن هي إلا أفكار في عقولنا نحن، انتزعناها مما صادفنا في الحياة من جزئيات، فجمعنا كل طائفة من الأشباه في جنس واحد، وأطلقنا عليها اسمًا مشتركًا، فليس لهذا الاسم المشترك مدلول خارج نفوسنا.

وما دامت المعرفة كلها إنما صدرت عن الأشياء المحسة فالحقيقة هي المطابقة بين ما ينطبع في أذهاننا من آثار وبين الأشياء الخارجية نفسها، أو بعبارة أخرى هي تطابق بين صورة الشيء في أذهاننا وبين الشيء نفسه، ولكن كيف السبيل إلى معرفتنا أن هذه الأفكار التي تحملها رءوسنا نسخ صحيحة لأشيائها في الخارج، ما يدريك أن صورة الشجرة التي في ذهنك تنطبق على مسماها، ولم لا تكون هذه الأفكار من لعب الخيال وصنع الوهم؟ أثمت مقياس نقيس به الحقيقة فنميز بين الفكرة الصحيحة والفكرة الزائفة؟ يجيب الرواقيون أنْ نعم، ولكنه ليس في هذه الإدراكات الكلية لأنها صنيعة أذهاننا، فهي التي كونتها وركبتها مما أتت به الحواس، قد رأيتَ زيدًا وعمرًا وأحمد وخالدًا فكوَّنتَ لنفسك من هؤلاء صورة سميتها «إنسانًا»، فلا يجوز لك بحال من الأحوال أن تتخذ هذا الذي كونته لنفسك بنفسك مقياسًا تميز به الباطل من الصحيح، وإذن فلا حق إلا هذه الآثار الحسية نفسها؛ وعلى ذلك فمقياس الحقيقة لا بُدَّ أن يكون في دائرة الإحساس ولا يتعداها؛ مقياس الحقيقة هو الشعور لا الفكر.

ويرى الرواقيون أنَّ الأشياء الحقيقية تبعث فينا شعورًا قويًّا واضحًا، أو اعتقادًا بأنها حقيقة، وهذه القوة وهذا الوضوح في الصورة التي تنبعث في الذهن من شيء حقيقي كفيلان بتمييز الصور الذهنية الصحيحة التي تمثل حقائق خارجية من الصور التي نسجتها الأحلام وركبها الخيال، فالشيء الحقيقي إنما يفرض نفسه على نفوسنا فرضًا، وليس لإنكاره من سبيل؛ إذ يقوم في النفس اعتقاد جازم بأن هذا الشيء المعين موجود فعلًا في الخارج، فهو حقيقة مؤكدة، وهذا الاعتقاد هو وحده مقياس الحقيقة.

وإذن فقد عادت الفلسفة أدراجها كرة أخرى، واتسمت بالطابع الشخصي، وأصبح مقياس الحقيقة ليس قائمًا على العقل وهو عنصر عام، بل على الشعور وهو عقيدة شخصية محصورة في الفرد.

(٥) الطَّبيعة

وضع الرواقيون أساسًا لفلسفتهم الطبيعية وهو: «أن ليس في الوجود غير المادة.» وهذا المبدأ يتفق ورأيهم في المعرفة الذي شرحناه، فإن كانت المعرفة لا تأتي من طريق الحواس فما لم يُحَسُّ لا يُعْرَف، وكل شيء موجود هو مادة، حتى الروح وحتى الله تعالى، وقد أدَّاهم إلى هذا النظر اعتباران؛ الأول: أن وحدة الوجود تتطلبه، فالعالم واحد ولا بد أن يكون نشأ من مبدأ واحد، فالقول بأن هناك مادة ومُثلًا كما يقول أفلاطون ينشأ عن وجود فاصل بين الاثنَيْن ليس عليه جسر يعبر عليه بينهما، فيجب أن نقتصر على المادة ونعمل فيها عقلنا، وثانيًا — أن الجسم والنفس — والعالم والله متفاعلان، فمثلًا الجسم يؤدي إلى أفكار في النفس، والنفس تبعث على حركات في الجسم، وهذه كانت تكون مستحيلة إذا لم يكن الجسم والنفس من عنصر واحد، فالمادي لا يمكنه أن يؤثر في غير المادي والعكس، فلا بد أن يكون هناك اتصال واتحاد في العنصر، وحينئذ يجب أن يكون الكل ماديًّا.

ثم بحثوا في أساس المادة الذي نشأ عنه هذا العالم، والذي هو أصل لكل التغيرات، فتبعوا في ذلك مذهب هرقليطس القائل بأن النار أساس كل شيء، وأن كل شيء مركب من نار، وقد مزجوا رأيهم المادي بالحلول فقالوا إن الله هو النار الأولى، ونسبة الله إلى العالم كنسبة روحنا إلينا، ونفس الإنسان نار كذلك، وجاءت من النار الإلهية وانْبَثَّتْ في الجسم كله، وكذلك الله مُنْبَثٌّ في العالم كله لأنه نفس العالم والعالم جسمه.

وعلى الرغم من أن الله منبث في كل شيء في الوجود كما تَنْبَثُّ روح الإنسان في كل أجزاء جسمه، إلا أنه كالروح البشرية أيضًا — مع انْبِثاثها هذا تتخذ لها مستقرًّا من الجسم يكون مركزًا رئيسيًّا لها، يمتاز عن بقية الأجزاء — كذلك هو مع انتشاره في كل دقائق الكون قد تخير لنفسه مكانًا اتخذه مركزًا رئيسيًّا ممتازًا، وموقعه من الكون في المحيط الخارجي، وعلى رأيٍ آخر في قلب العالم، ومن ثم تنبعث قواه في كل أنحاء الكون.

لم يكن بادئ الأمر في الوجود غير الله في هيئة النار كما أسلفنا، ثم تحرك الله، أو تحركت تلك النار الإلهية بتعبير أصح، وحولت جزءًا منها إلى هواء، ثم جزءًا من الهواء إلى ماء، ثم سوى جزءًا من الماء أرضًا، ومعنى ذلك أن هذا هو الهواء وهذا الماء وتلك الأرض إنْ هي إلا صور من الله حوَّل نفسه إليها عمدًا، وأبقى من نفسه جزءًا إلهيًّا خالصًا، لا يزال في أصله الناري، وهو الذي حدثناك عنه أنه مستقر في محيط الكون الخارجي أو في القلب، وهو الذي يبدو لنا كأنه وحده الله، منفصلًا عن هذا العالم، يُسَيِّره ويدبره، والواقع أنهما جميعًا شيء واحد على اختلاف في الكيف والدرجة.

ولكن العالم لن يلبث على صورته هذه إلى الأبد، بل إنه سيعود — إذا سار ما قُدِّرَ له من شوط — فيتحول إلى نار عظيمة تصهر كل شيء إلى بخار ملتهب كما كان أول الأمر، وسيعود الله أو «زيوس» Zeus حسب تعبيرهم فيحتضن العالم في نفسه ولا يكون في الوجود إلا هو في صورة واحدة، ولن يلبث حتى يعود فيخرج مرة ثانية، وهكذا سيتعاقب على العالم حالان: الهدم والبناء إلى ما لا نهاية، ولما كان ذلك يحدث على أساس من النظام والقانون، وليس متروكًا أمره فوضى، فإن العوالم المتعاقبة اللانهائية في عددها ستجيئ متشابهة أتم الشبه حتى في أدق التفصيلات، فيقع في كل عالم ما وقع في سالفه من أحداث ويظهر فيه ما ظهر في ذاك من أحياء وأشياء في دقة وضبط، لا يجد الشذوذ إليهما سبيلًا، وفيم اختلاف المسبب إن كان السبب هو هو والقانون بذاته لا يتغير ولا يعتريه نقص ولا زيادة؟ ولئن كان العالم هكذا مسيرًا بقانون مقدور فهو مجبر على السير في طريق معينة ليس لأي شيء عن السير فيها محيص، بما في ذلك الإنسان.
يتضح مما سبق أنه على الرغم من مادية الرواقيين فقد قالوا إن الله هو العقل المطلق، وهم بهذا القول لم يعدلوا عن ماديتهم لأنهم فسروه بأن النار الإلهية عنصر عاقل، وإذ كان الله عاقلًا فالعالم مسير بالعقل والحكمة، ومن هذا ينتج:
  • (١)

    أن العالم سائر إلى غاية، يسير نحوها بنظام وجمال وثبات.

  • (٢)

    وأن العالم خاضع لقوانين ثابتة، يُسَيِّره حتمًا قانون العلة والمعلول والسبب والمسبب؛ لهذا لم يكن الإنسان حرًّا؛ لأنه لا يمكن أن يكون حر الإرادة في عالم مجبر، قد نقول إننا نختار هذا أو ذاك، ولكن هذه العبارة ليست تدل إلا على أننا نرضى هذا أو ذاك، وما اخترناه أو ما رضيناه فنحن لا شك مضطرون إليه.

ونفس الإنسان جزء من النار الإلهية؛ ولهذا كانت نفسًا عاقلة، ولكن ليست نفس كل فرد تأتي مباشرة من الله، وإنما النار الإلهية انبعثت منها نفس الإنسان الأول ثم تنقلت من الأصل إلى الفرع وهكذا على طريق التوالد، وبعد الموت تستمر كل نفس، أو الخيرة منها — مذهبان في ذلك عندهم — حية متصلة بالفرد إلى أن يحصل الاحتراق العام، فتعود هي وكل شيء إلى الله.

(٦) الأخلاق عند الرواقيين

تعاليم الرواقيين الأخلاقية مؤسسة على مبدأَيْن أشرنا إليهما في تعاليمهم الطبيعية:
  • (١)

    أن العالم محكوم بقانون شامل ثابت ليس فيه استثناء.

  • (٢)
    أن طبيعة الإنسان الأساسية طبيعة عاقلة، فصاغوا آراءهم الأخلاقية في هذا المبدأ: «عِشْ على وفاق الطبيعة.» يعنون بذلك شيئين:
    • (أ)

      يجب أن يعمل الناس على وفاق الطبيعة بمعناها الواسع أعني على قوانين الطبيعة التي تحكم العالم.

    • (ب)

      أن يعملوا على وفاق الطبيعة بمعناها الضيق، أعني حسب أهم شيء في طبيعتهم وهو الجزء العاقل، فيسير الإنسان على حسب ما يرشد إليه العقل خاضعًا لقوانين العالم تكون حياته حياة أخلاقية، فالفضيلة هي السير حسب العقل، والإنسان الحكيم هو من يُخْضِع حياته لحياة العالَم ويُعِدُّ نفسه ترسًا في دولابه الدائر، والخضوع للعقل قال به أفلاطون وأرسطو من قبلهم وإنما الفرق في شرح الرواقيين لهذا المبدأ، فأرسطو مثلًا عد أهم جزء في الإنسان عقله كما قال الرواقيون، ولكنه عد الشهوات جزءًا من الإنسان له مكانه ولم يتطلب محاربتها وإنما تطلب ضبطها بواسطة العقل، أما الرواقيون فعدوها شرًّا محضًا يجب إبادته، وصوروا الحياة حياة حرب بين العقل والشهوات يجب فيها أن ينتصر العقل ويظفر بالشهوات يعدمها، ومن ثم كانت نظراتهم تنتهي بالتقشف والزهد وعدم التوازن بين قوى الإنسان.

قد جعل أرسطو الفضيلة أكبر شيء قيمة، ولكنه مع هذا جعل للمال والظروف والأشياء التي حولنا قيمة في الحياة، أما الرواقيون فقالوا: لا خير في الوجود إلا الفضيلة، ولا شر إلا الرذيلة، وما عداهما فشيء تافه لا قيمة له، فالفقر والمرض والألم والموت ليست شرورًا، والغنى والصحة واللذة والحياة ليست طيبات، فإذا انتحر الإنسان وأعدم حياته لم يعدم شيئًا ذا قيمة، واللذة ليست ذات قيمة، وعلى الإنسان ألا يبحث عن اللذة، فالسعادة الحقة في الفضيلة، والإنسان يجب أن يكون فاضلًا لا للذة ولكن لأنه الواجب، وليس هناك درجات للفضائل ولا للرذائل، فكل الفضائل خير ومتساوية في الخير، وكذلك الرذائل.

والفضيلة مؤسسة على شيئَيْن: العقل والمعرفة؛ لهذا كان المنطق والطبيعة ونحوها من العلوم ليست لها قيمة ذاتية، إنما قيمتها في أنها أساس للفضيلة، وأساس الفضائل كلها الحكمة، ومن الحكمة تنبع فضائل أساسية أربع، وهي: بعد النظر والشجاعة، وضبط النفس أو العفة، والعدل، وإذا كانت الحكمة أساس هذه الفضائل كان من حازها حاز كل شيء، ومن فقدها فقد كل شيء، والإنسان إما فاضل بكل ما تدل عليه الكلمة، وإما شرير بكل ما تدل عليه الكلمة، وليس في العالم إلا اثنان: حكيم ومغفل، ولا شيء بينهما، وليس هناك تدرج من الشر إلى الخير، فالحكيم هو الكامل، وهو الحر والغني، وهو الملك حقًّا، وهو الشاعر وهو الفنان والنبي، وليس للمغفل إلا البؤس والقبح والفقر، وهؤلاء الحكماء في الدنيا قليلون، وكلما تقدم الزمن زادوا قلة.

وقد وضع الرواقيون قواعدهم هذه قاسية جافة كما رأيت، ثم أخذوا يعدلونها ويستثنون منها حسب ما ألجأتهم إليه الظروف، فعدلوا نظرهم في إبادة الشهوات لما رأوا أن ذلك مستحيل، وإن كان ممكنًا فهو يؤدي إلى الفناء العاجل، والعجز عن العمل، فقالوا: إذن، إن الحكيم لا يفقد شهواته ولا يستأصلها، ولكن لا يسمح بنموها. كذلك عدلوا قولهم بأن كل شيء عدا الفضيلة والرذيلة لا يُؤْبَه له، فلما رأوا أن هذا لا يسير مع الحياة العملية أعلنوا أن من الأشياء التي لا يُؤْبَه لها ما يفضل بعضه بعضًا، فإذا خُيِّرَ الإنسان بين الصحة والمرض اختار الصحة، وقالوا: إن ما عدا الفضيلة والرذيلة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ما يفضل، وما يُجْتَنب، وما يُهْمَل فلا يهم. كذلك عدلوا رأيهم في أن الإنسان إما حكيم وإما مغفل، فقد رأوا أن أبطال العالم ورجال التاريخ والسياسة ينطبق عليهم ما ذكروه عن المغفلين؛ لأنهم ليسوا حكماء على الإطلاق، فهم كثيرًا ما ينغمسون في الرذائل، حتى الرواقيون أنفسهم لا يخلون ممن يرتكب الأخطاء أحيانًا، وفضلاؤهم لا يصح أن يُقارَنوا بسقراط وديوجنيس فاعترفوا بأن من الناس من ليسوا فضلاء، ولكنهم يقربون من الفضلاء.

وقالوا: ومهما بلغ الإنسان من استقلاله عن العالم الذي يحيط به، واستغنائه عن كل شيء مكتفيًا بنفسه فإنه لا بُدَّ متصل ببني جنسه في كثير أو قليل، وهو بما رُكِّبَ فيه من نفس عاقلة يدرك أنه جزء من الكون، وأنه مضطر لذلك إلى العمل من أجل الجميع، ويدرك كذلك أن سائر الكائنات العاقلة لا تختلف عنه نوعًا ولا تقل عنه فيما لها من حقوق، وأنهم يخضعون لنفس القانون العقلي الذي يخضع له هو، ويدرك أيضًا أن الطبيعة إنما أرادت بهؤلاء جميعًا أن يعيشوا معًا في مجتمع واحد، يعمل الواحد من أجل الآخر، فقد جبلت في الإنسان غريزة الاجتماع الذي لا بُدَّ لنشأته وقيامه من شرطَيْن: العدالة والحب بين الأفراد، وبغيرهما لا يُرجَى لمجتمع دوام البقاء؛ ولذا فلا مندوحة للحكيم أن يصادق الحكماء جميعًا، وأن يبادلهم حبًّا بحب.

ويرى الرواقيون أن هذه الصلة بين أفراد الإنسان لا يجوز أن تقتصر على أبناء الوطن الواحد، فالعالم كله أمة واحدة لا فرق بين رجل ورجل، ولقد تابع زينو بهذا الرأي المدرسة الكلبية متابعة وَفِيَّة لم يُغيِّر في رأيهم شيئًا، حتى قِيل عن الكتاب الذي ألفه زينو وأسماه «في الدولة» أنه «كُتب على ذيل كلب» إشارة إلى أنه تأثر في كتابه هذا آراء الكلبيين خطوة خطوة.

فلم يَرَ الرواقيون مبررًا للتفريق بين بني الإنسان في المعاملة ما داموا ينتمون جميعًا إلى أصل واحد، ويسيرون إلى غاية واحدة ويخضعون لقانون واحد، وهم أعضاء جسم واحد، فيجب وجوبًا لا مفر منه أن نعامل كل إنسان كائنًا من كان، معاملة حسنة طيبة، لا نستثني من ذلك العبيد، فهم كذلك جديرون منا بكل عناية وتقدير.

والدين الحق عند الرواقيين هو الخضوع لقوانين الكون وصروفه المقدورة، وهو تلبية حاجات المجتمع وخدمته، والتقوى هي عبادة الآلهة ومحاكاتهم حتى نرتفع إلى ما هم فيه من كمال، هي في صفاء القلب ومضاء العزيمة، فليس الإيمان الصحيح والدين القويم إلا الحكمة والفضيلة، وبعبارة أخرى الدين والفلسفة شيء واحد.

•••

ومن هذا ترى أن الرواقيين لم يأتوا بجديد كثير، وإنما اقتبسوا من أقوال من قبلهم، وكانوا قساة في تعاليهم لا ينظرون إلى الأشياء إلا من جانب واحد، وقَصَروا الفلسفة على الفلسفة التي تتعلق بأنفسهم، فما يهم من الفلسفة عندهم هو الإجابة عن هذا السؤال: «كيف أعيش؟» ومن محاسنهم التي لا شك فيها أنهم رقوا الشعور بالواجب، ودعوا إلى سمو النفس فوق سفاسف الحياة.

ومن متأخري الرواقيين إبكتيتس Epictetus، وهو من أكبر معلميهم (٥٠–١٣٠م) وقد كان عبدًا رقيقًا، يحكون أن سيده كان يعذبه يومًا وقد لوى رجله فلم يزد إبكتيتس أن يبتسم ويقول في هدوء: «ستكسر رجلي.» فلما كُسِرَت قال في غير جزع: «قلتُ إنك ستكسر رجلي.» وكان من أهم تعاليمه أن أخلاقنا وسعادتنا إنما تعتمد على قوة المقاومة، وما نجد في هذه الحياة من آلام ليس إلا تمرينًا رياضيًّا نصل به إلى ضبط النفس والإمساك بزمامها.
١  يُلاحَظ أن هناك فيلسوفَيْن كبيرَيْن يُسمَّى كل منهما زينو، زينو الإيلي وقد تقدَّم ذكره في الفلسفة الإيلية وزينو الرواقي وهو هذا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠