الفصل الثالث

الإيليون١

بدأت الفلسفة في يونيا — كما رأيت — طبيعية مادية، لا ترى إلا أجسامًا يطرأ عليها الكون والتحول والفناء، وتتعاورها الحركة والسكون، وانتقلت الفلسفة إلى جماعة الفيثاغوريين، فانتقلوا بها من تلك المرحلة المادية التي اعتمدت في الوصول إلى حقيقة الكون على الحواس وحدها وما تنقله إلى الذهن من صور، إلى مرحلة لا تقتصر على الحس والمادة، بل تعدوهما إلى الفكر المجرد، ولكن دفعة الفيثاغوريين لها في هذه السبيل كانت ضعيفة محدودة، إلى أن أُتيحت لها هذه المدرسة الجديدة التي قامت في إيليا Elea، فدفعتها إلى الأمام دفعة قوية، وظفرت الفلسفة على أيديهم بقبس من الحقيقة المنشودة، «وهل الفلسفة منذ أول عهدها بالحياة حتى اليوم إلا مجهود واحد متصل الحلقات مرتبط المراحل، للكشف عن الحقيقة التي تتجرد من سترها شيئًا فشيئًا؟» ولن يزال الإنسان يواصل عناء البحث والتفكير، ولن تزال الحقيقة تبرز وتبدو وتزداد في الذهن جلاءً ووضوحًا.

(١) إكزنوفنس Xenophanes

سنة ٥٧٠ق.م

وُلد في كولوفون من أعمال يونيا، وقضى الشطر الأعظم من حياته ضاربًا في مناكب الأرض، يطوف المدن وينشد فيها الشعر والغناء في المحافل والأعياد، ولم يزل يجول ويطوف وينشد ويغني حتى نَيَّفَ على التسعين، ولا يقطع التاريخ إن كان ذهب إلى إيليا أو لا، ولكن أخذ عنه — من غير شك — رأس هذه المدرسة وهو «بارمنيدس» بعض آرائه، فمن أجل ذلك عُدَّ من المدرسة الإيلية.

أخذ إكزنوفنس ينتقل من بلد إلى بلد، يروي للناس قصائده الرائعة، في الرثاء تارة وفي الهجاء طورًا، ولكنه بث في ثنايا أشعاره آراءً في الدين والفلسفة، جاءت متناثرة كأنما هي عرض غير مقصود، وهو بالإصلاح الديني أشد صلة منه بالفلسفة، فقد هاجم اليونان في دينهم هجومًا عنيفًا زعزع العقائد وزلزل الآلهة التي اتخذها اليونان، والتي صوروها في الأساطير والأشعار القديمة في صورة البشر، فهي تمكر وتخدع وتسرق، وتغضب وترضى، وتبغض وتحب، فأخذ إكزنوفنس يسخر من هؤلاء الذين استباحت عقولهم أن تسيغ آلهة تُولد وتموت وتضطرب مع البشر فيما يضطربون فيه، وينحو باللائمة المرة على «هومر» و«هزيود» اللذَين ساقا في شعرهم تلك الصور الشائنة للآلهة،٢ كلا! إنما رب الكون إله واحد؛ لأن الكمال لا يتعدد، وهو لا يشبه البشر في الصورة أو في نوع التفكير، فهو «كله عين وكله أذن وكله عقل» وهو إذا فكر في الأشياء لا يلقى في التفكير مشقة ولا عناء؛ لأن التفكير يصدر منه كما يصدر الضوء عن الشمس، ولكنا إذا اتهمنا الإنسان بأنه يصور الله على صورته هو لا على حقيقته كما هي، فسنسائل أنفسنا: وكيف السبيل إلى معرفة الحقيقة المطلقة مجردة عن فكر الإنسان، وهنا يجيب إكزنوفنس نفسه فيقول: «لم ترَ الدنيا ولن ترى إلى الأبد رجلًا يستطيع أن يعرف الإله معرفة صحيحة دقيقة … وحتى لو شاءت المصادفة لإنسان أن يقول في الله الحق كاملًا، فهو نفسه لن يعرف أنه يقول الحق.»

ولم يعتقد إكزنوفنس أن العالم شيء والله شيء آخر، يحكمه وهو منفصل عنه كما يحكم القائد جنوده، بل الله والعالم حقيقة واحدة، وإذن فقد كان مذهبه أقرب إلى الحلول.

من ذلك ترى أن إكزنوفنس كان متممًا للفيثاغوريين، فلم يعد واحدهم الحسابي يقنعه ويرضيه، بل الواحد عنده هو الكون بأسره لا يعتريه تغير ولا تبدل ولا فناء، هذا الكون بل هذا الإله لا يتعدد، وقد جاء بعده «بارمنيدس» وبنى الفلسفة الإيلية على هذا الأساس، كما سترى بعد قليل.

وقد رأى «إكزنوفنس» في العالم رأيًا نحب أن نوجزه قبل أن نطوي عنه الحديث، فقد صادفته في أنحاء الأرض التي جاس خلالها قواقع وأصداف وآثار لأسماك، فأيقن أن هذا اليابس قد خرج من البحر أولًا وسيغوص في البحر مرة ثانية، وبذلك ينمحي البشر من الوجود، ولكن الأرض ستعود فترتفع مرة ثانية، وسيبدأ الإنسان سيرته الاولى، ثم تغوص الأرض وينمحي الإنسان، وهكذا دواليك، فأما الشمس والنجوم التي تراها سابحة في الفضاء فقِطَعٌ من البخار المشتعل، ولا تدور الشمس حول الأرض، بل تمضي في خط مستقيم، حتى إذا داهمها الليل اختفت في الأفق البعيد إلى غير رجعة، ثم تُولد في عالم الغيب شمس جديدة تشرق علينا في الصباح، وهكذا تطلع على الناس في كل يوم شمس تنشأ أثناء الليل من بخار الماء … ومهما سخرنا اليوم من ذلك الرأي الساذج، فقد كان له أثر قوي في هدم عقائد اليونان الباطلة، وكان نقضها غرضًا يملي على إكزنوفنس كل أفكاره، فقد أراد بهذا الرأي الذي قد نهزأ منه أن يقنع الناس أن هذه الشمس وما إليها مهما بلغت من القوة لا يجوز أن ينزلها الإنسان منزلة العبادة والتقديس؛ لأنها تزول وتفنى.

(٢) بارمنيدس Parmenides

وُلد في إيليا سنة ٥١٤ق.م، ولم يكد يبلغ حد النضوج حتى أجال النظر في جوانب الكون، يتفكر في خلق السماء والأرض وما بينهما، يلتمس لهذه الأشياء المتنافرة في ظاهرها علة جامعة، وأصلًا شاملًا، فرأى الأشياء قُلَّبًا حُوَّلًا، لا يكاد شيء منها يستقر على حال لحظة واحدة، فهو في غَدٍ غيره اليوم، بل قد يكون ملء ناظريك الآن ويفنى غدًا، فهذا الرجل الذي تراه أمامك ولا تشك في وجوده، سيزول وينمحي بعد حين، ويصبح كأن لم يكن، فأنت على حق إن قلت إنه موجود، وأنت على حق إن قلت إنه غير موجود؛ لأن الوجود وعدم الوجود يتعاورانه، فهو هذا وهو ذاك، وقل مثل ذلك في كل شيء. وقف بارمنيدس وسط هذا العباب الزاخر من الأشياء، ينشد الحقيقة الدائمة الثابتة الخالدة، التي لا ينتابها تغير ولا فناء. نظر إلى الأشياء فأدرك أنه إنما يحس منها صفاتها، وهذه الصفات متغيرة فانية، إلا شيئًا واحدًا ثابتًا هو الوجود Being، فصفة الوجود هي جوهر الكون، هي أصل الكائنات جميعًا، بل هي وحدها الحقيقة وكل ما عداها وهم خادع، وهو إذا ذكر الوجود فلا يدخل في حسابه الأشياء التي تقع تحت الحس؛ لأنها فانية، وإذن فهي لا تستقيم مع خلود الوجود، إنما يعني وجودًا — أي كينونة — لا يتغير ولا يصير، ولا ينشأ ولا يفنى، وليس له ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل، بل هو يمتد حتى يستوعب الأبد والأزل دون أن يعرف معنى الزمن — لأن الزمن تغير وتحول — والوجود وحدة لا تنقسم ولا تتجزأ، ولا تطرأ عليها الحركة والاضطراب — لأنهما صورة للتحول وليس التحول من صفاته — وليست للوجود صفات إلا صفة واحدة هي الوجود.

ذلك — من غير شك — تجريد في الفكر لم تعهده الفلسفة من قبل، فهو لم يلتمس علة الكون في ماء ولا هواء مما يُرَى بالعين ويُحس باليد، ولم يلتمسه في العدد الذي يتصل بالأشياء المحسة صلة وثيقة، بل أنكر الأشياء جميعًا واعتبرها في حكم العدم واعترف بحقيقة واحدة لم نصل إليها من طريق الحواس، بل بالعقل المجرد الخالص، أعني بها الكينونة — أي الوجود — ولكن الطفرة متعذرة مستحيلة، فلم يستطع بارمنيدس أن يثبت على تجريده الفكري إلى النهاية، بل انكفأ راجعًا إلى المادة، يلتمس عندها القالب الذي يصب فيه فكرته، فحقيقة الكون وجود مطلق غير مقيد، ولكنه يشغل حيزًا من مكان، وهو كُرِّيٌّ في شكله! والحيز والشكل من صفات المادة التي تلازمها وتميزها.

من أجل هذا اختلف المؤرخون في النظر إلى بارمنيدس، ففريق يضعه في طليعة القائلين بالمذهب العقلي Idealism لأنه أنكر الأشياء ولم يحسب لها حسابًا باعتبارها صورًا زائفة باطلة، توهمنا بها الحواس الخادعة، أي إنه لا يؤمن بالحواس، ويرفض ما تقدمه إليه من صور رفضًا قاطعًا، ولا يركن إلا للعقل وحده يستوحيه ويستهديه في سبيله إلى الحق الخالد، وفريق آخر يصر على حشره في زمرة الطائفة المادية الطبيعية الحسية، التي ترى من الكون مادة تُدرك بالحس، ألم يصور لنفسه الكون كُرِّيًّا تحده الحدود ويشغل المكان؟ وهل يكون ذلك إلا مادة؟

وقد بقي هذان الشطران المتناقضان عند «بارمنيدس» دون أن يؤلف بينهما، بل دون أن يدرك تناقضًا بينهما، فأما خلفاؤه — أمبذوقليس وديمقريطس — فقد تناولا الشطر المادي وأقاما على أساسه فلسفتَيْهما، فإن كان الوجود لا يطرأ عليه الكون والفساد، والوجود قوامه المادة في رأيهما، إذن فالمادة لا تُسْتَحْدث ولا تفنى، وأما ما نرى من حدوث الأجسام وفنائها، فهو تجمع الذرات المادية أو تفرقها، أما جوهرها وحقيقتها فأزلي أبدي.

وبقي الشطر العقلي المجرد من فلسفة بارمنيدس لا تمتد إليه يد البحث حتى أدركه أفلاطون فهذبه وسما به إلى مستوى التجريد الخالص.

وأنت ترى من ذلك في وضوح أن بارمنيدس كان حلقة الاتصال بين مرحلة طبيعية حسية سبقته، ومرحلة عقلية ستجيء من بعده.

(٣) زينو zeno

وُلد في إيليا نحو سنة ٤٨٩ق.م، انتهت به الدراسة والبحث إلى أن يذهب مع بارمنيدس فيما ذهب إليه، وأخذ يكتب فصولًا لا يضيف فيها إلى الفلسفة جديدًا، بل يؤدي بها رأي سالفه.

فهو يرى ما ارتآه بارمنيدس في نظرية «الوجود» وفي أن عالم الحس وهم باطل، يعتريه التغير والزوال، مع أن الحقيقة الخالدة لا تتغير ولا تزول، ولكن لم يرد أن يسوق الفكرة ليفرضها عليك فرضًا، لا يستند إلى الحجة المقنعة والدليل المبين، بل يسلك بك طريقًا مستقيمة، إلا تكن مؤدية إلى غاية من اليقين الثابت فهي تلقي في نفسك الحيرة، وتبعثك على التفكير.

انظر إلى العالم الحسي، أعني عالم الأشياء: الأرض والسماء وما يحويان من الجوامد والأحياء، تلاحظ فيه خاصتَيْن واضحتَيْن؛ فهو متغير متحول، وهو كثرة من الأفراد والأنواع والأجناس، ونحن إنما نزعم لك أن حقيقة الكون لا تعرف ذلك التغير والتحول ولا هذه الكثرة المتنافرة، فهي ثابتة على صورة واحدة، وهي شيء واحد لا كثرة فيه، ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن جوهر الكون حقيقة لا تتحرك ولا تتعدد، فأما الحركة التي نراها تطرأ على الأشياء، وأما تعدد الكائنات، فكلاهما مستحيل لا يؤيده الدليل، وإذا ثبت ذلك لزم أن يكون مبعثهما — أي الأشياء نفسها — مستحيلًا كذلك، وإنما هي ظلال تنخدع بها الحواس، لا تمت إلى الحقيقة نفسها بسبب، اللهم إلا إن كانت سترًا تكمن الحقيقة وراءه، وهاك الدليل على بطلان الكثرة والحركة.

(٣-١) الدليل على بطلان الكثرة

إن كانت الكثرة حقيقة واقعة — ونعني بالكثرة أن الكون ليس شيئًا واحدًا بل وحدات كثيرة متراكمة — كان الكون لا متناهيًا في الكبر، ولا متناهيًا في الصغر في وقت واحد، فهو لا متناهٍ في الصغر؛ لأنه مؤلف من وحدات كما فرضت أولًا، ولا بد أن تبلغ تلك الوحدات من الصغر حد اللانهاية بحيث لا يكون لها حجم؛ لأنه إن كان للوحدة حجم سقطت عنها صفة الوحدة وأصبحت قابلة للانقسام إلى وحدات أصغر منها، فإذا سلمنا بأن كل وحدة على انفراد لا حجم لها لزم أن يكون الكون الذي يتكوَّن منها لا حجم له كذلك؛ لأنه حاصل جمعها.

وكذلك يكون الكون لا متناهيًا في الكبر؛ لأن له جرمًا لا شك فيه، وكل جرم قابل للانقسام إلى جزيئات لا نهاية لعددها، ومهما بلغت تلك الجزيئات من الصغر، فهي إذا ضُربت في عدد لا نهائي، كان الناتج كونًا عظيمًا يمتد إلى ما لا نهاية.

وإذن ففرض الكثرة يؤدي إلى نتيجتَيْن متناقضتَيْن لا يسلم بهما معًا منطق سليم، فلم يعد أمامك سبيل إلا أن تنكر إنكارًا باتًّا، وأن تسلم بأن الكون كله شيء واحد لا يقبل التجزئة، وأن هذه الأجزاء التي تراها متفرقة باطلة ليس لها وجود.

(٣-٢) الدليل على بطلان الحركة

  • (أ)

    إذا أردت أن تقطع مسافة ما، فستقطع نصفها الأول ويبقى أمامك نصفها الثاني، ثم ستقطع نصف هذا النصف ويبقى نصفه الآخر، وهكذا ستظل تقطع نصفًا ويبقى نصف إلى ما لا نهاية، وإذن فلن تصل إلى غايتك المقصودة إلى الأبد.

  • (ب)

    تسابق رجل وسلحفاة، فهب أن السلحفاة تقدمت عشرة أمتار قبل أن يبدأ الرجل: نظرًا لبطء سيرها، وكانت سرعة الرجل عشرة أمثال سرعة السلحفاة، فلما بدأ الرجل وقطع عشرة الأمتار التي تفصله عن السلحفاة، وجد أنها قد تقدمت مترًا (أي عُشر المسافة التي قطعها هو) فلما قطع هذا المتر كانت السلحفاة قد تقدمت عُشر المتر، فإذا قطع هذا العُشر، تكون قد تقدمت جزءًا من مائة من المتر، وهكذا يظلان إلى ما لا نهاية، فلو ظل المتسابقان إلى آخر الدهر فلن يلحق الرجل السلحفاة.

  • (جـ)

    إذا انطلق سهم في الهواء، فلا بد أن يكون في أية لحظة زمنية ثابتًا في مكان معين؛ لأنه لا يجوز أن يكون في اللحظة الواحدة في مكانَيْن مختلفَيْن، ولكن إذا كان السهم في كل جزء زمني ساكنًا في مكان بعينه، لزم أن يكون في مجموع الفترة الزمنية ساكنًا كذلك؛ لأن استمرار السكون ينتج سكونًا ولا يولد حركة.

من هذه الأمثلة الثلاثة، يتضح أن الحركة مستحيلة الحدوث وإن خُيِّلَ إلينا أنها حقيقة واقعة؛ لأنك — كما ترى — إن فرضت حدوث الحركة، تورطت في سلسلة من المتناقضات، لا تستقيم مع العقل والمنطق.

وليست هذه الفروض التي يتقدم بها «زينو» صبيانية تافهة، كما يبدو للنظرة العُجلى، بل قد آثار بها مشكلة لا تزال حتى اليوم مجال البحث والنظر، هي مشكلة الزمان والمكان: هل هما محدودان أم لا نهائيان؟ فمثلًا مجرد القول أن ثم مكانًا اعتراف ضمني بأنه محدود، ولكنا نعود فنقول من جهة أخرى ماذا عسى أن يكون خارج تلك الحدود غير مكان آخر وآخر إلى ما لا نهاية؟ وإذن فالمكان لا نهائي ولا تحده الحدود!

أثار زينو هذه المشكلة وهو في سبيل البرهنة على استحالة الكثرة والحركة، وقد خلص من ذلك إلى نتيجته التي كان يرمي إليها، وهي أنه ما دام في فرض الكثرة والحركة كل هذا التناقض فلا يمكن أن تكونا حقيقتَيْن، ولا بد أن يكون في الوجود كائن واحد — كما قال بارمنيدس — هو الوجود نفسه، في وحدة لا تعرف التعدد، وفي سكون لا يعرف الحركة، وعلى أساس هذا التناقض نفسه، أنكر «كانت» فيما بعد حقيقة المكان والزمان وقرر أنهما باطلان وليس لهما وجود في الواقع الخارجي، بل هما من خلق أنفسنا، وحيلة اخترعتها عقولنا لتستعين بها على التعبير عن أفكارنا؛ إذ كنا لا نستطيع أن نفكر تفكيرًا مطلقًا بمعزل عنهما.

ولما كان مبعث هذا التناقض كله هو اختلاف في حقيقة الكون — هل هو واحد فقط ليس له مكان بحكم واحديته ولا زمان بحكم سكونه؟ أو هو كثير توجد وحداته في المكان وتتحرك في الزمان؟ — فقد تقدم هيجل Hegel في العصور الحديثة بحل يوفق بين الطرفَيْن، فليس الكثير والواحد طرفَيْن متناقضَيْن فيما يرى، بل هما وجهان لحقيقة واحدة يلتقيان في نهاية الأمر لو أنك سموت بتفكيرك إلى مرتبة فوق المستوى الضيق المعهود، يقول «هيجل» إن الكمية في معناها الصحيح هي كثير في واحد، وواحد في كثير، ولا يمكن الفصل بين العنصرَيْن؛ فكومة القمح وحدة ولكنها تتألف من أجزاء كثيرة، فهي واحد إن نظرت إليها من ناحية، وهي كثير إن نظرت إليها من ناحية أخرى، وقُلْ مثل ذلك في كل شيء، هو واحد باعتبار جملته، وهو كثير باعتبار وحداته التي يتألف منها، ومن الخطأ أن تحاول التفريق بين هذَيْن الوجهَيْن، فلن تجد واحدًا لا يتكون من وحدات كثيرة، ولن تجد وحدات لا تأتلف في واحد، ولو حاولت ذلك كنت كمن يريد أن يظفر بعصًا لها طرف واحد.

وقد كان أرسطو يعد زينو مخترع الجدل، وليس يعنى أي جدل، إنما يعنى الجدل الفلسفي، وهو البحث على الحقيقة من طريق المناقشة والحوار وإظهار المتناقضات عن هذا النمط، وهو نوع مَهَرَ فيه أيضًا «أفلاطون» و«كانت» و«هيجل».

•••

وأيًّا ما كان فقد خَطَت الفلسفة الإيلية بالفكر الإنساني خطوة فسيحة نحو توحيد الحقيقة، والتوحيد — كما تعلم — هو الهدف الذي يسير العقل نحو الوصول إليه في كل ناحية من نواحيه: يُقصد إليه في الدين فنراه يسير من تعدد الآلهة إلى توحيدها، ويُقصد إليه في العلوم فنراه يجمع أشتات الحقائق تحت طائفة محصورة من القوانين، ويُقصد إليه في الفلسفة فينشد جوهرًا واحدًا يطوي تحت لوائه كل ظواهر الكون، مهما اشتدت تباينًا وتنافرًا.

إلا أن توحيد الحقيقة عند الإيليين، لم يكن تامًّا كاملًا، فلو أنعمنا النظر في فلسفتهم ألفينا فيها غموضًا، فقد زعموا أن جوهر الكون وحقيقته هو الوجود نفسه، ثم جمدوا عند هذا الحد، ولم يبينوا كيف صدرت الأشياء من تلك الحقيقة الأولى، بل عمدوا إلى إقامة الدليل على بطلانها، فهل يريد «زينو» أن ينكر العالم الحسي بتاتًا؟ هل ينكر أنه كان يمشي في شوارع «إيليا»؟ وإذا مد يده فهل ينكر أنه مدها؟ وهل إذا خرج من بيته إلى مكان آخر ينكر أنه تحرك؟ الظاهر أنه لا يريد ذلك، وإلا كانت فلسفته مهزلة، وهَبْ أنه يريد أن يقول إن هذا العالم الحسي وهم؛ فذلك لا يمنع من المطالبة بتعليل هذا الوهم نفسه: كيف نشأ، وما علاقته بالحقيقة الخالدة؟ ثم أليس الوهم في ذاته حقيقة كالحقيقي سواء بسواء، كلاهما موجود وكلاهما ينشد علته؟ سَمِّ هذا الكتاب الذي بيدك وهمًا، أو سَمِّه حقيقة، فلا نحسب أن اختلاف الأسماء يزحزح الموقف قيد أنملة؛ وبناءً على هذا تكون الفلسفة الإيلية قد خَلَّفَتْ وراءها عالَمَيْن يقفان جنبًا إلى جنب، دون أن تؤلف بينهما في وحدة متناسقة: عالم الحقيقة أي الوجود، وعالم الوهم أي الأشياء.

ولعل الإيليين قد اضطروا إلى هذه التثنية اضطرارًا، حين أعجزهم تعليل نشأة العالم الحسي من الحقيقة الخالدة، وقد كان ذلك العجز محتمًا لا مفر منه ما داموا قد فرضوا الحقيقة مجردة من الصفات والحركة، وإذن فيستحيل أن يخرج عالم مليء بالصفات والخصائص من أصل غير ذي صفة أو خاصة.

أَلْقِ بنظرك إلى الوراء، لترى معالم الطريق التي سلكتها الفلسفة من أول عهدها حتى تركها الإيليون، فقد استهلت المدرسة اليونية تفكيرها بإثارة هذا السؤال: ما هو الأصل الأول الذي تفرعت عنه الأشياء؟ وأجابت هي نفسها بأنه الهواء أو الماء أو ما إليهما، ثم أعقبتها المدرسة الثانية — أعني الفيثاغوريين — فانتهى بها التفكير إلى أنه الأعداد الرياضية، ثم تلتها المدرسة الثالثة — وهم الإيليون — فقررت أنه الوجود المطلق المجرد.

أَمْعِن النظر إلى آراء هذه المدارس الثلاث، تجد أن الأولى قد أضافت إلى أصل الأشياء كمًّا وكيفًا؛ لأنها فرضت أنه مادة ذات حجم وصفات، أن الثانية قد أنكرت أحدهما وأبقت الآخر، أنكرت الكيف وأثبتت الكم، فأصل الكون أعداد رياضية لها كمية وليس لها صفات، وأن الثالثة قد جردته من الكم والكيف جميعًا، فلا هو كمية مادية تقبل التجزئة، ولا هو تميزه صفات وخصائص وأشكال، بل هو فكرة مجردة من كل شيء، هو فكرة الوجود أي الكينونة لا أكثر ولا أقل.

وأنت ترى من ذلك أن انتقال الفلسفة من المدرسة اليونية الأولى إلى المدرسة الإيلية الثالثة، هو انتقال من المرحلة الحسية الساذجة إلى مرتبة الفكر المجرد، والفيثاغوريون هم حلقة الاتصال.

١  الفلسفة الإيلية نسبة إلى إيليا Elea وهي مستعمرة يونانية كانت في جنوبي إيطاليا، وقد أزهرت من سنة ٥٧٠–٤٥٠ق.م.
٢  ومما خلف لنا الدهر من آثاره هذه العبارات: «… ولكن الإنسان الفاني يظن أن الآلهة تُولد كما يُولد، وتدرك بحواسها كما يدرك هو بحواسه، وينبعث منها الصوت، ولها مثل ما له من أعضاء … نعم، ولو كان للخيل أو الثيران أو الأسد أيدٍ تستطيع أن ترسم بها كما يفعل الإنسان لصوَّرت الخيلُ الآلهةَ في صورة الخيل والثيرانُ في صورة الثور، فكلٌّ منها يتصور الآلهة في أجسام كأجسامها، كذلك الأثيوبيون يخلفون آلهتهم سودًا فطس الأنوف، والتزاقيون يخلعون على الآلهة شعرًا أحمر وعيونًا زُرقًا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠