أثر المدنية الغربية في البلاد العربية

طلع القرن١ الماضي وليس في البلاد العربية من يفكر في شيءٍ اسمه حضارة، وغاية ما فيها آثار بالية من مدنية قديمة، يظنها أهل البلاد كل شيءٍ وما هي به. انقطع سند العلوم، وبطل إِعمال الفكر، وهجعت القرائح، حتى لتظنُّها ميتة، وأصبح ما يقال له علم صُبابةً من فروع علم الدين واللسان، والناس في غفلة عن الغرب لا يعرفون ما أتاه في نهضته. ضعف في البلاد العربية كلُّ مظهرٍ من مظاهر القوة في الأمم، وأصبح العرب من الجهل بمقومات الحياة في حالة مبكية؛ وكأن نسبة الترقي عند أهل الغرب في تلك الأحقاب، كانت على مقدار التدلي في كل شأن في البلاد العربية.

وبحسبكم أنه لم يبقَ في القرنين السابقين على قرن النهضة العربية، وهو القرن الماضي، رجلٌ يُذكر في باب الهندسة والتصوير والنقش والشعر والإِنشاء والخطابة والفلك والكيمياء والطب، ومعظم من يذكرهم المؤرخون ضعاف في فنهم. أصبح كل علم وفن وعمل إِلى التدجيل والتفاهة، واستحكمت حلقات الجمود في العقول، وشغل الناس عن الجد بالهزل والفضول، ولا شأن للمؤلفين إِلا أن ينسخوا ويمسخوا ويسلخوا ويعدُّون ذلك علمًا وفنًّا، وسقط اعتبار المتفننين والمتشاعرين إِلى الدرك الأسفل من المهانة.

وبينا كانت البلاد متدهورة في أعماق هذا الانحطاط جاء نابوليون بونابرت في أواخر القرن الثامن عشر، يفتح مصر ويحمل في جملة ما يحمله من العُدد والعَدد، طائفة من علماءِ فرنسا ونوابغها في الرياضة والهندسة والطب والجغرافيا والفلك والأدب والكيمياء والاقتصاد السياسي والآثار والمعادن وطبقات الأرض والحيوان والنبات وفن المعمار وهندسة الري والقناطر والجسور والميكانيكا، وزمرةً من رجال الفنون من المصورين والرسامين والموسيقاريين والنقاشين والمثَّالين وعددهم «١٤٦» عالِمًا ومتفننًا. وألَّف في مدينة القاهرة مجمعًا للعلوم والفنون يرمي إِلى تقدُّم العلوم والمعارف في مصر، ودراسة المسائل والأبحاث الطبيعية والصناعية والتاريخية. وأنشأ في المجمع مكتبة تحوي أنفس الكُتب التي أُحضرت من فرنسا، أو جُمعت من خزائن الكُتب في مصر، وأنشئوا به معملًا للطبيعة والكيمياء وجهزوه بالآلات والأدوات الخاصة بدراسة العلوم الطبيعية والرياضية، وأخذوا يجوبون البلاد؛ فاكتشفوا الآثار وأزاحوا الستار عن عظمة مصر القديمة، ورسموا خرائط مفصلة للبلاد ونيلها وترعها وسواحلها، وبحثوا في طبائع الحيوانات والنباتات والمعادن، ودرسوا مياه النيل وطميَه وطبقات الأرض، وجابوا الواحات والبحيرات، وأنشئوا في القاهرة مطبعة أخذت تطبع منشورات نابوليون العربية وجريدة الكورييه ديجيبت والديكاد، وبعض المطبوعات العربية والفرنسية. فأبقى هذا العمل العلمي الذي قام به رجال البعثة العلمية من بحث وفحص وتأليف وتصوير إِلى اليوم أثرًا علميًّا باهرًا، تطأطئُ أمامه الرءوس إِكبارًا وإِجلالًا.

كان احتكاك المصريين بالفرنسيس أول احتكاك علمي مع الإِفرنج في الأرض العربية، وممن كانوا في طليعة المستفيدين مؤرخ مصر في تلك الحقبة الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وعالِم آخر اسمه الشيخ حسن العطار، وهو الذي تولى مشيخة الأزهر بعد حين، وألَّف في الفلك والطبيعيات والرياضيات؛ فإِن هذين الشيخين وأمثالهما علَّما بعض علماء حملة نابوليون اللغة العربية وغيرها وتعلَّما منهم ما لم يكن لهما به عهد من العلوم المادية. واختلط رجال الإِدارة والسياسة من أهل مصر برجال الحملة، ونشأ بين الفريقين تعارفٌ. وهكذا عُرفت المَدنية الفرنسية في هذا الشرق القريب، وظلت وارفة الظلال في بلاد الفراعنة.

وتولى مصر محمد علي الكبير واليها منذ سنة ١٨٠٥م، فأوحى إِليه ذكاؤه النادر أن يقتبس النظم الإِدارية الحديثة، وكان مولعًا بتمدين مصر؛ فأحضر من مختلف بلاد أوروبا أساتذة وأطباءَ وصيادلة ومعلمين شيدوا في أماكن اختيرت أحسن اختيار تلك المدارس والمستشفيات في القُطر المصري، و«شعر على أُميَّته بأن المُلك لا يُشيَّد إِلا على أمتن أساس من العلم، وأن العلم الذي تُدعم به الممالك ليس هو الذي يسمُّونه علمًا في الشرق، إِنما هو الذي قامت به المدنية الغربية وشيَّدت عليه صرح عليائها وقوتها، فأقرت لها الأمم بالغلبة ووقفت أمامها صاغرة ذليلة.»

بدأ والي مصر منذ سنة ١٨١٣م يرسل الطلبة المصريين إِلى أوروبا، وصرف عليهم من سنة ١٨٢٦م إِلى ١٨٤٧ «٣٠٣٣٦٠» جنيهًا. وغدا معظم الطلبة الذين تخرَّجوا بأساتذة الغرب من دعائم النهضة التي تم على يدها إِنشاءُ مصر الحديثة. وأسس أول مدرسة للهندسة في سنة ١٢٣١ﻫ/١٨١٦م، ثم أسس مدرسة الطب ١٣٤٢ﻫ/١٨٢٧م، وكان الكولونيل سيف الإِفرنسي الذي دان بعدُ بالإِسلام وسُمِيَ سليمان باشا (١٨١٩) هو الذي نظَّم الجيش المصري، وبعد مدة أنشأ ماريت باشا متحف بولاق. ودام علم الفرنسيس يفيض على مصر مدة حكم محمد علي وأسرته، ولو أُحصي ما كتبه علماؤهم في مصر من الأسفار، وما رسموا لها من الآثار والمصورات والخطط لبلغ خزانة كبرى، ولا تزال هذه التحفة العظيمة إِلى اليوم مرجع الدارسين والباحثين.

قال الدكتور عثمان غالب باشا من علماءِ مصر الذين شاهدوا تلك الحركة العلمية في إِبَّانها، ثم شاهدوها في انحطاطها وحضروها في تجددها: إِن أكثر أساتذة المدارس التي أُنشئت في مصر على عهد نهضتها الأولى كانوا من الفرنسيس المستعربين؛ يكتب الأستاذ درسه بالفرنسية والمترجم معه ينقله إِلى العربية فيُلقى على الطلبة بلغتهم، دام ذلك من سنة ١٨٣٠ إِلى سنة ١٨٧٤. وقد كتب فيها الأستاذ بروجر الفرنسي رئيس مدرسة الطب والولادة والصيدلة والمستشفيات المصرية إِلى خديوي مصر في عهده يقول له في تقريره السنوي: إِن الوقت قد حان لأَن تكون وظائف التدريس كلها بيد المصريين؛ إِذ قد أصبح منهم الكفاةُ الآن، وإن مهمة فرنسا في تربية أبناء مصر في هذه الفروع العلمية قد انتهت أو كادت.

لولا عمل محمد علي في تمدينه مصر لأشرفت حتى اللغة العربية على التلف، على الرغم من وجود جامع الأزهر فيها منذ قرون؛ لأن الأزهر ما كان يُعْنَى بغير المسائل الدينية، واللغة تنقرض إِذا لم تكن لغة علم، وهذا ما حاول محمد علي أن يعمله فوُفِّق إِليه، وظهرت تباشير إِصلاحه بعد عشر سنين من البداءَة به. وكان من محمد علي وطريقته المبتكرة في التمدين الذي أقبسه نبهاءَ أولاد مصر كل ما قرَّب الأمة المصرية من المدنية الغربية، وكان وادي النيل بجميل صُنعه المثال الحيَّ الذي دل به العربي بصورة محسوسة على أن ليس في دينه ما يَحُول بينه وبين المدنية، وأنه حفيد أولئك الفاتحين العالِمين إِن نامت فيه زمنًا جراثيم النهوض، تدبُّ فيها الحياة عند أقل محركٍ لها. وفي مصر أُنشئت أول مدرسة لتعليم البنات سنة ١٨٧٣م على عهد إِسماعيل الذي أخذ من مدنية الغرب بالكبير والصغير، وفاخر بأن بلاده أصبحت قطعة من أوروبا؛ أي بتمدنها. وكان الخديوي إِسماعيل يشبه محمد علي كثيرًا ويعنى بالتعليم عناية خاصة.

كان من احتلال نابوليون، ومعه ذلك الرعيل الجميل من علماءِ أُمته في مصر، ثم من استيلاء محمد علي عليها وسعيه الحثيث في إِدخال الحضارة الغربية، مبدأُ كل نور في الشرق العربي، استفادت منه البلاد المجاورة بحكم الطبيعة، ولا سيما أبناءُ الشام؛ فإِن منهم من درسوا في مدارس مصر وتمصروا فخدموا البلاد التي هذبتهم، ومنهم من نقلوا قليلًا من النور إِلى بلادهم، واستفاضت أخبار النهضة المصرية في البلاد المجاورة فأنشأت تأخذ عنها ما وسعها أخذه.

فمصر إذن هي التي تقتبس بفضل صاحبها محمد علي من نور العلم الصحيح، ومصر أدخلها الغربيون في دور ارتقاء لم يسبق له مثيل فما عصت على قبول مدنيتهم، ومصر هي التي جسرت في عهد الانحطاط على الجمع بين علوم الدين والدنيا. فتحت لكل منها طريقًا أمينًا لا يدخل الوهن منه على صاحبه، ومصر هي التي ظهرت فيها آثار المعارف قبل أُمها الدولة العثمانية حتى لقد حسدتها هذه في تلك الأيام وودَّت لو يكون لها مثل ما لولايتها بالأمس شيءٌ من مظاهر العلم والتمدين. هذا مع أن المصريين كانوا في نظرها فلاحين إِفريقيين، وهي في قارة أوروبا ووارثة مملكة بيزنطية. مصر أثبتت استعداد الأُمة للأخذ بأساليب الارتقاء من دون جلبة، وأنها كل ساعة مستعدة لقبول الخير لا تَسأل عن مَصْدَره ومُصَدِّره.

•••

وكان للغرب في هذا الشرق منذ زمن بعيد رهبان ومبشرون، ولا سيما في الأرض المقدسة من فلسطين، وفي جبل لبنان من الساحل الشامي، يعلِّمون بعض أبناءِ طوائفهم مبادئَ العلوم باللغة القومية مع إِحدى اللغات الغربية، وفيهم الإِيطالي والفرنسي والأمريكي واليوناني والروسي والإِسباني والنمساوي والأسكتلندي وغيرهم. وزادت صلات الطوائف الباباوية في الشام مع رومية، ولا سيما في القرن السادس عشر يوم أُسست للموارنة في عاصمة النصرانية مدرسةٌ يتخرج فيها خَدمة الدين في العلوم، وكثُر توافد الإِنجيليين منذ سنة ١٨٣٨ للدعوة إِلى البرتستانتية، وأسسوا مطبعة عربية كانت لهم في مالطة أولًا يطبعون عليها الأناجيل بلغات مختلفة لنشرها في المشرق، ثم تبعهم اليسوعيون من الطوائف الكاثوليكية ينشئون مطبعة لهم، وجعل دعاة البرتستانتية والكثلكة من ثغر بيروت وما في ضواحيهِ مثل عبيه وعين طورا أُس حركاتهم الدينية والعلمية في الشرق القريب، يتنافسون ويُقيمون المدارس العالية والثانوية والإِبتدائية للذكور والإِناث. وبعد أن كانت بيروت أشبه بقرية سكانها بضعة آلاف فقط، أصبحت مدينة علم كبيرة يقصدها المتعلمون من القاصية، على نحو ما كانت اشتهرت أواخر عهد الرومان بمدرسة الفقه، تُخرِّج قضاة للمملكة الرومانية. وزاد امتزاج العرب بالغربيين، وعرف العرب أن أهل أوروبا يفوقونهم في مقومات العمران، وأخذ الناس يدركون نقصهم، ويسعون جهدهم نحو الكمال؛ ليقلِّدوا في منازعهم من تقدموهم قرونًا في مضمار الحضارة.

إِنَّا لا نقول بِدْعًا، ولا ندل على مجهول، إِذا سجلنا أن أكثر ما في معظم بلاد العرب من أمارات النهوض هو من حسنات الغرب عليها. فقد كانت فرنسا أواخر القرن الثامن عشر مهد الإِصلاح الاجتماعي، نشأت منها مساواة الناس عامة أمام القانون، واشتراكهم في الحقوق والواجبات المدنية والسياسية، وتمتع الإِنسان بحرية العمل والصناعة وحرية الدين والفكر. أي إن فرنسا نشرت حقوق الإِنسان والحقوق الأساسية في سياسة البلدان، فأخذت عنها معظم بلاد الغرب. وعن الفرنسيس أخذ العرب هذه الأصول، وإِن لم يستطيعوا لمكان السياسة في بلادهم أن يطبقوها بحذافيرها. ومن الغرب تعلَّمنا معنى الوطن والوطنية، وحب الجنس والقومية. وهذا شيءٌ جديد لم يُعهد للعرب مثله، بعد أن ذاق الناس الأمَرَّيْنِ من ظلم الملوك ومن داناهم ووالاهم قرونًا طويلة، ولم يقدروا أن يغيِّروا أوضاعهم، بل ما وسعهم التفكير في مثل هذا التغيير، أو في شيء يماثله لقيام أمر الجماعة، واسترجاع الحقوق المضاعة.

كان الناس في ديارنا قبل أن نتقيَّل خُطى الغرب في حضارته، يعيش الفرد منهم لنفسه، فأصبحوا يوقنون اليوم أن بقاءَهم مناط تضامنهم وتكاتفهم، وأن الشعب يقوى على إِملاء إِرادته إِذا كانت مادياته سليمة موفورة، وبقدر حظ الأُمم من الماديات تصح لها معنوياتها. يقول العلَّامة غوتيه: «كثيرًا ما كان الشرقيون ينضمون قبائل وشعوبًا فيؤلفون ممالك، كانت المملكة الإِسلامية من أحدثها عهدًا. وما ألفوا قطُّ أُمة على أساس الإِقليم، ولم يُعهد لهم أن عرفوا رابطة التضامن؛ فالشرقي أو المسلم هو شخص لا يمكن ضبطه، يعيش منعزلًا بنفسه متوحدًا، ووجهه يعنو إِلى الله الذي هو همه الوحيد، وكان من هذه الفردية الغضبى ضعفه أمام الأمم الغربية.»

تعلَّمنا من الغرب أُصول الصحافة وأنشأنا ننشئ صحفًا محررة تُعْنَى بالأمور المالية والسياسية وأخبار الدول والممالك، واقتبسنا أسلوب المجلات الدورية ننقل أكثرها عن مجلات الغرب الفرنسية والإِنجليزية وننسج على منوالها، ونجوِّد فيها النقل من العلوم النظرية ونلخص آراء الغرب ومذاهبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية، ونترجم من الكُتب العلمية والأدبية ما لم نكد نعرف اسم فنه من قبل. وكانت مصر مُجَلِّيةً في هذا المضمار، نُشرت منها مئات بمعاونة حكومتها، وعناية أبنائها الذين اغترفوا من الينابيع الصافية في العلم الحديث. وكل بلد سبق في هذه السبيل، وعلَّم أبناءَه كمصر، كُتِب له التقدم على غيره من الأقطار. ولا عجب أن أصبحت مصر بعد هذا الجهاد تشبه بعمرانها إِحدى الممالك الغربية الحديثة.

وأثَّرت الصحافة في عقول من أدمنوا تلاوتها، ودخلت الأفكار الجديدة أوساطًا ما كان يُظن أنها تهتم بها وتستفيد منها، وبدَّلت من طرق التفكير وأُصول المعايش ونظام المجتمعات، وعلَّمت الناس ما لم يكونوا يعلمون؛ علَّمتهم أن وراء حياتهم المادية حياة معنوية لا تبقى لهم مادياتهم بدون الأخذ بحظ وافر منها، علَّمتهم بسائط في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والزراعة وحال الأمم وسياسة السياسيين، ومجادلات المُشرعين، واستعمار المستعمرين، وتدليس المدلسين، وعلَّمتهم أيضًا أنهم كانوا شيئًا مذكورًا فيما مضى، ولا حياة للأحفاد بدون الأخذ من سيرة الأجداد، والاقتباس من المدنية الراهنة كل ما لا ينزع منهم مشخصاتهم ومقدساتهم، حتى غدا بعض من أطالوا تلاوة الصحف وتفهُّمها، أرقى عقلًا من كثير ممن كانوا يسمُّونهم بالخاصة منذ مائة أو مائتين من السنين. علَّمتهم أن لا قيام لأمرهم إِلا بالقومية العربية، وأن الدين وحده لا ينجيهم مما هم فيه، وأن التساهل بأمور الدنيا يذهب بالدين والدنيا معًا، علَّمتهم أن داءَهم الجهل المركب وأنه لا سبيل إِلى نزع لباسه القذر إِلا بالتطهر بالعلم، والأخذ بقسط من الأدب؛ فأقبلوا أي إِقبال على المدارس والكتاتيب شاعرين بما هم عليه من النقص، والشعور بالعيب أول مراتب الكمال.

كان الناس قبل سبعين أو ثمانين سنة يساق أولادهم إِلى الكتاتيب في الديار الشامية بقوة الجند والدرك. وكان التعليم على عهد محمد علي في الديار المصرية مكروهًا عند المصريين كرهًا شديدًا، حتى إِن الأمهات كُنَّ يفقأن عيون أولادهن حتى لا يدخلوا المدارس، بل اضطرت الحكومة المصرية في بعض أدوارها الأولى أن تتخطف تلامذة المدارس من الطرق وأفناءِ القرى كما يتخطفون عساكر الجيش؛ فزاد إِقبال المتعلمين على المدارس زيادة مستغربة، وكل قرية بل أهل كل قبيل من البوادي يتطالون إِلى تعليم أبنائهم بكل حيلة، دع سكان المدن فإِنهم من ذلك على حصة موفورة. ويا ويل فتى أو فتاة توصد في وجهه أبواب المدارس يوم افتتاحها من خريف كل سنة إِما لقلة الأماكن أو لتعذُّر قبول الطالب لصغر سنه، أو لسببٍ آخر. ويا ويح تلميذ يخفق في فحوصه، ولا ينال ما تريد نفسه من الشهادة والإِجازة. واستنتجنا من ذلك أن الإِقبال على التعليم أصبح من الأمور المتعارفة، لا يختلف اثنان بفائدته في الحواضر والبوادي.

لما اخترعت أوروبا البخار حوالي سنة ١٨٤٠ وسَهُل السفر على الناس في قطارات البر وسفن البحر، زاد اختلاط الفرنج بالعرب، وزاد هؤلاء ثقافة، يحملها إِليهم طلاب العلم وأرباب الرحلات والتجار، وسياح الغربيين وحُجَّاجهم القاصدون إِلى بلادهم، يزورون آثارها المدنية والدينية، ومنها ما تقدسه أمم الغرب النصرانية؛ لأنها موطن المسيح ومظهر عجائبه، ومنها ما يَدهش له الغربيون كآثار الفراعنة أُم المدنيات القديمة المعروفة في مصر، أو مصانع تَدْمر وبعلبك وجرش والبتراء في الشام، وزاد هذا الاختلاط شدةً لما صحَّت عزائم سكان جبال الشام على نزول أمريكا طلبًا للرزق، وكان أهل أوروبا سبقوهم إِلى نزولها منذ نحو ثلاثة قرون؛ أي استعمروا الأمريكتين منذ فتحها كريستوف كولمبس وفاسكو دي جاما. وكان منذ أكثر من نصف قرن من لا يعود إِلى بلاده بمالٍ، يرجع إِلى أهله باقتباس شيء من أصول المدنية؛ لأنه رأى في ذهابه وإِيابه بلادًا أرقى بعمرانها من بلاده، واختلط بجماعات أعلى كعبًا في المدنية من جماعته، ومعظم ما نراه من الدور والفنادق والمخازن بل البِيَع والمدارس الطائفية في الديار الشامية عُمِّر بأموال المهاجرين من الشاميين، وجماع ما يبدو في مجتمعنا العربي منقول من المَدنيتين اللاتينية والأنجلو سكسونية، والشاميون منذ عهد الفينيقيين تجار مشهود لهم، وقد ينسيهم حب الربح سائر مظاهر الحياة في الأمم؛ فيهون عليهم التخلي عن لغتهم وكثير من أخلاقهم إِذا كان من وراء ذلك اغتناؤهم.

إِذا عرفنا هذا، فلا نكون إِلى الغلو إِذا ادَّعينا أن الفرق اليوم بين مصر والشام وتونس مثلًا، وفيها تمازجت الحضارة الحديثة ببقايا الحضارة القديمة، وتوفر أهلها على الأخذ عن الغرب علمه وصناعاته، وبين الحجاز ونجْد واليمن، وهذه لم يتيسر لأهلها هذا الامتزاج، كالفرق بين مدنية العرب في القرن الثاني للإِسلام والقرن الذي سبق أواخر عهد الجاهلية، فأهل الجزيرة ينقصهم إِلى اليوم، ولا نكران للحق، كثير من مقومات المدنية، وهم مع هذا يرون أن ما هم فيه غاية الغايات؛ ذلك لكونهم انقطعوا عن العالم المدني طوعًا أو كَرهًا، وقلَّ اختلاطهم بالغربي إِلا في بعض سواحل البحر الأحمر والبحر المحيط الهندي وخليج فارس، وهذا على قلة محسوسة.

كان الوباء إِذا انتشر في بلدة لا يُبقي من سكانها ولا يذر، وفي الغالب أن يعقب الأوبئة قحطٌ؛ لقلة العاملين في الحقول، فيهلك الناس بمئات الألوف، وما كانت هذه الأمراض الوافدة تنتشر في القرن مرة أو مرتين، بل تحصد الأرواح في كل عقدين أو ثلاثة، فقد انتشر وباءٌ في الشام في القرن الخامس، وأعقبه قحط وإِضاقة في العيش، مع ما هنالك من مظالم ومغارم لا يكاد يتصورها ابن هذا العصر، فأكل الناس الكلاب والسنانير والفيران ثم أكل بعضهم بعضًا، ونزل سكان دمشق إِلى ثلاثة آلاف إِنسان وكانوا من قبل خمسمائة ألف، ومثل ذلك كان في مصر سنة ٤٦٣ﻫ؛ أفنى القحط العظيم الناس، وأكل الإِنسان الإِنسان وبلغ إِردب القمح مائة دينار، وخرجت امرأة في القاهرة وبيدها مُدُّ جوهر فقالت: من يأخذ هذا بمُدِّ قمح، فلم يلتفت إِليها أحد، فألقته في الطريق وقالت: ما نفعتني وقت الحاجة فلا أحملك، قالوا: والعجب أنه ما كان له من ملتقط، ووجَّه إِلى مصر أحد ملوك الأندلس عام سبعة وأربعين وأربعمائة، وهو عام الجوع الأعظم بمصر، بمركب كبير مملوءٍ طعامًا فرجع إِليه المركب مملوءًا ياقوتًا وجوهرًا وذهبًا وذخائر، هكذا كانت حال الناس قبل أن يكشف الغرب الجراثيم ويفيد بني الإِنسان والعربَ منهم بهذا المكتشَف العظيم.

وكم كانت الأوبئة والطواعين والحميات والوبالة وجميع الأمراض الوافدة والأمراض العضالة كالكَلب ونحوه تُهلك عشرات الألوف من الخلائق، ولا يُعرف دواءٌ لها ولا من يفكر في تخفيف ويلاتها، ومنهم من يعزو ذلك إِلى أسباب سماوية؛ يغضب الدَّيان على الإِنسان فيرسل عليه هذه المهلكات، أو يقوى سلطان الجن على الإِنس فيأخذهم أخْذ عزيزٍ مقتدرٍ، أو يحل بهم نكد الطالع فتساورهم النقم وتتخطاهم النعم، ولكم أفضل الغرب علينا بكشف طُعم الجُدَري، وكان يَهلك به كل سنة جزءٌ عظيم من الأطفال، وكم من عيون دعجاء به قُلعت، ومن خدود جميلة بتأثيره تشوهت!

عرف الغربيون حقيقة البول السكري والصرع والتشنج وغيرها من الأمراض فوصفوا لها الأدوية وأقاموا لها حواجز تَحُول دون آلامها وأخطارها فخفت وطأتها، وخففوا بما اخترعوا ويلات الأمراض الزهرية والكزاز (تيتانوس) والخناق والنقرس الحاد، ووُفِّقوا إِلى إِتقان فن الجراحة إِتقانًا لم يُكتب مثله للبشر؛ فأفادوا الإِنسانية وقللوا من أوجاعها، ورقوا الطب على اختلاف ضروبه، وبلغوا بالأقرباذين ما ارتقت به الصيدلة أيَّ رقيٍّ، ولو لم يكن لهم غير الكينا وصبغة اليود والراديوم لكفى في خدمتهم الإِنسانية، وانتفعوا ونفعوا بالكيمياءِ حتى تحقق لهم من التفنن فيها ما هو غريبة الأيام والليالي. وإِذا نقلت أوروبا إِلى آسيا وأمريكا وجزءٍ من إِفريقية الحمى التيفوئيدية وبعض الأمراض الزهرية، فقد نقلت آسيا إِلى أوروبا الكوليرا أو الهواء الأصفر، ومع هذا قاتلته بعلمها وبحثها حتى قتلته وأخاه الطاعون.

علَّمنا الغرب طب الحيوان والدواجن، ومكافحة الحشرات وكانت تعبث بالأشجار والنبات والزروع، واستفدنا منه أصنافًا من البقول والأزهار والثمار لم يكن لنا بها عهد، وعرفنا طيورًا ودجاجًا وأسماكًا جديدة، واستطعنا بالأخذ بوسائطهم القضاءَ على الجراد ولطالما أفقر أقطارًا وأمصارًا. وتعلَّمنا استعمال الأسمدة الكيماوية، والتفنن في تطعيم الغرسات والاستكثار من المعرَّشات، ومعالجة الآلات الحرَّاثة والبذَّارة والحصَّادة والرَّجَّادةَ والدَّرَّاسة والذَّرَّاية، بل والخياطة والطرازَّة وكل ما يقلل من عمل الأيدي ويوفر على الخلائق راحتهم ويقتصر لهم طرق الانتفاع بما تُنبت الأرض وتجود السماء.

تعلَّمنا من الغرب تمديد الخطوط الحديدية، وفتح الأنفاق وبناء الجسور والطرق والمرافئ والخزانات والمنائر وحفر الآبار الإرتوازية وإِقامة الدور ذات الطبقات الكثيرة، وما عُرفت في التاريخ في غير مدينة القاهرة والإِسكندرية وبعض سواحل الشام، وعَلَّمنا توليد الكهرباء ومد أسلاكها والهاتف واللاسلكي والسلك البحري ثم الراديو، وتعلَّمنا تنظيم المدن والبلديات وفتح الشوارع والساحات، ورصف الطرق وتذليل العقبات، وجر المياه النقية في أنابيب ومناهل، وتجفيف الأصقاع المستنقعة، وتخفيف ويلات أمراض العين وكان يَعْمى بها طوائف من الناس.

الألمان أنشئوا سكة حديد بغداد وسكة حديد الحجاز لتقريب المسافات بين الشمال والجنوب، والفرنسيس فتحوا ترعة السويس فربطوا الشرق بالغرب، والإِنجليز أقاموا خزانات أسوان لتستفيد مصر من نيلها، وغدًا يُنظمون ريَّ العراق ليستفيد من مياه الرافدين دِجلة والفرات على ما كان على عهد ملوك بني العباس، إِلى غير ذلك من أعمالهم في معظم الأقطار التي دخلوها في آسيا وإِفريقية، وهم اليوم يستخرجون نِفْطَ الموصل، وقد مضت القرون وهو لا يُعْرَف ولا يُستَثْمَر، وغدًا يستفيدون من المعادن الغريبة المخبوءَة في صدر البحر الميت.

اقتبسنا عن الغرب أُصول الجندية، وتنظيم المراكب البخارية، وتدوين الدواوين وأُسلوب الجباية والخراج وإِدارة المصارف والجمارك، وأبدلنا أساليب التجارة بأساليبهم القريبة المأخذ، المضمونة النتيجة. ولم نعرف قبلهم المصارف ولا المصافق، ولا الشركات المساهمة والمضاربة والمغفلة، ولا كل ما يسهل على التاجر عمله، وعلى الصانع صناعته، ويوفر للناس أموالهم وكأن الأدوات والآلات هي خاصة من خاصات المدنية الحديثة؛ لتفرُّد الغرب بالفحم الحجري وضروب المعادن ومن أهمها الحديد؛ ولأن الإِخصاء في العلوم جرى تطبيقه على الصناعات عندهم.

ومن الغربيين أخذنا أُصول الدعوة، والإِعلانَ عن كل بضاعة، وطرق المفكرات والجُزَازات والإِحصائيات، بَلْهَ تأليف المؤتمرات والمؤامرات، ومنهم اقتبسنا استخدام المَعَاصر والمحالج والمغازل والمناسج والمطافئ والمضخات، ونسجنا على أساليبهم في إِنشاء الجمعيات الخيرية والأحزاب السياسية، والشركات الصناعية، وإِقامة حدائق لتربية الحيوانات، ومغارس لتربية النباتات والأزهار والأشجار، واستفدنا مسائل أخرى كثيرة نجهد لوضع أسماءٍ تقابلها بالعربية، ولم نعرف قبل الغربيين إِقامة المستشفيات والمَصَاحِّ والملاجئِ لليتامى والزَّمْنى والصُّمِّ والبكم والمسلولين والمعتوهين، على هذا الطراز من العناية والطهارة.

هم حرروا الرقيق فكان ذلك من موجبات فخرهم، وأزالوا بذلك وصمة عار عن الإِنسانية، وأبطلوا النخاسة، وكانت أفظع تجارة، وأحط عمل شائن في استعباد البشر، هم علَّموا السود حتى ألحقوهم بالبِيض، ودربوا الحيوان حتى قام بكثير من أعمال الإِنسان، فاستفادوا من كل قوة ادخرتها الطبيعة وانتفعوا من كفاءَة كل كُفُؤٍ، وفضل كل قريحة في هذا المجتمع العظيم.

بتعليم الغربيين أصبح للمرء قيمة، وللعالِم العامل مقام، وبمدنيتهم الحديثة أصبح العلماءُ على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم يؤلفون أُسرة واحدة، لا يبحثون على الأغلب إِلا لجلاء الحقائق، بمعزل عن المصالح التافهة في المجتمع الإِنساني، ولقد أثَّر علماء الغرب في أرواح الشرقيين وعقولهم من حيث يدرون ولا يدرون؛ وذلك بفضل ما يبثونه كل يوم من معارف جامعاتهم ومدارسهم وأنديتهم ومعاملهم ومخابرهم، وبفضل ما كشفوه واخترعوه وحققوه وصححوه من العلوم، وبثوه من الأفكار الجديدة، فقلبوا بأوضاعهم أوضاعنا، وبدلوا بتصوراتهم أشكال تصوراتنا، وبدلوا من أساليب الفكر في رجالنا الدارسين وغير الدارسين؛ فتغيرت مادة أحاديثنا ودوافع أهوائنا، ولطفت أذواقنا وبعض المستهجَن من عاداتنا، ولم يكن لذلك كبير أثر قبل اختلاطنا بهم، وتسهيل المواصلات بيننا وبينهم. ومنذ رفعنا من أذهاننا أننا أرقى منهم في كل شيء أصبحنا، ولا يصعب على عِزَّة نفوسنا، أن نقرَّ بضعفنا فنعالجه، باتخاذهم أساتيذ لنا في معظم مطالب الحياة، وسنظل كذلك زمنًا آخر حتى نستوي أُمة ناهضة من كل وجه، على ما استوت اليابان الشرقية في القرن الماضي.

•••

تحدَّثوا إِلى شيخ طاعن في السن عرف هذه الدنيا منذ ستين سنة وعرفها اليوم، وقولوا له أن يحدثكم كيف كان أجدادنا يعالجون المسائل الصحية التي أدركها اليوم صغار أطفالنا، وكيف كانوا يطبخون طعامهم ويجلسون إِلى موائدهم، ويفرشون بيوتهم ومخازنهم، ويلبسون ثيابهم ويرتبون هندامهم، وماذا كانت كسوة الأوانس والعقائل وأزياؤهن الغليظة؟ ليقولوا لكم كيف كانوا يَسْمرون ويتنادرون ويمرحون، وما هي ملاهيهم ومقاهيهم وحاناتهم وخاناتهم وفنادقهم ومراكبهم؟ وأي الحريات المدنية والدينية والسياسية كانوا بها ينعمون، وماذا كان لهم من الأمان على الأموال والأنفس والأعراض، وأي المعلومات كانت لهم عن العالم وأحواله، وعن الشعوب والأمم، وعن العامر والغامر، وعن الحقائق والخيالات؟ وكيف كانوا يقطعون أوقاتهم ويتمززون حياتهم، ويستلذون عيشهم؟ وكيف كان مَن يرأس مِن الناس يظلم كل من وقع بيده ويجد في الحكام معوانًا له على ظلمه؟ بل كيف كان الخلق يتظالمون على الدوام وليس لهم رادع من قانون ولا عقوبة تكف عاديتهم وتعاديهم؟

ليقُلْ لكم الشيوخ كيف كانت الأمية غالبة على الكبير والصغير؟ وكيف كان الأطفال يُربون في أماكن مظلمة منتنة لا شمس فيها ولا هواء، يسمُّونها الكتاتيب والمدارس، ثم هم يُضْرَبون بالعصي على رءوسهم ووجوههم وظهورهم وأرجلهم بدون شفقة، وبذلك يتعلمون للخلاص من هذا العذاب الاحتيال والحَلف الكاذب، ثم عودوا فألقوا بعد ذلك نظرة على مدارسنا لتروا كيف أصبح الولد بتنظيم التعليم بنظام الغربيين اليوم، يعرف من المواد ما لا يكاد يعرفه العالم أمس، تشهدون كيف اختُصرت مراحل التعليم والتهذيب، حتى لنرى في شبابنا اليوم من هم مفخرة بمعارفهم ما رأى أجدادنا أمثالهم في بضعة عصور وأجيال، ولعمري متى كنا نسمع بمثل هذه المعلومات تجتمع لفتى في الخامسة عشرة من عمره، ومتى شاهدنا الأَولاد يربون في رياض الأطفال هذه التربية العملية الصحية النافعة، ومتى كان ربات الحجال ينافسن في التعليم الرجال؟

هل عهدتم اللغة العربية تُقرأ وتُكتب بهذه السلاسة والرشاقة، إِلا إِذا كان في القرن الثالث والرابع، متى عهدكم بلغتكم يكون لها في التمثيل الذي اقتبسناه عن الغرب في الجملة، تلك الروعة في الإِلقاء حتى لتظُنُنَّ أنفسكم وأنتم في إِحدى قاعات التمثيل أنكم رجعتم إِلى عصر الرشيد والمأمون، تأملوا عدد ما حَيِيَ من الفصح العربية التي ما كان يعرفها حتى الأُدباء، وأصبحت بفضل المدارس والصحف السَّيارة أو دور التمثيل وبيوت الغناء وأسطوانات الحاكي وإِذاعات الراديو في ألسن الناس وعلى أسلات أقلامهم ومكتوباتهم، كأنها من المتعارف. لنحكم ولننصف في أحكامنا؛ متى كنا نتخيل ظهور مثل هؤلاء الرجال الذين تسمعون بهم وتقرءون أعمالهم في كُتبهم ورسائلهم ومصوراتهم ولوحاتهم وخُطبهم، متى عهدتم هذا العدد الدثر من رجال القانون والإِدارة والجندية والطب والهندسة والزراعة والكيمياء والطبيعة والفلك والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والشعر والكتابة والأدب والتصوير والموسيقى والنحت والنقش، ومنهم من لا يَقِلُّ عن أرقى الطبقات أمثالهم في الغربيين، ولا يفرقون عن النابهين من الرجال عند الأمم الممدَّنة، إِلا بفروق مرجعها إِلى المحيط، وإِذا شهدتم في بعضهم فتورًا في هممهم فثقوا بأن فتورهم ينقلب نشاطًا إِذا رأوا من أُمتهم تنشيطًا.

للغرب على الشرق العربي فضلٌ عظيم في إِحياء مدنيته ولغته أيضًا؛ أنشأ منذ القرن الرابع عشر للميلاد مدارس لتعليم العربية في بلاده، وكلما كان بعض أبنائه يتلقفونها، كانوا يفكرون في اقتناء كُتب العرب، ويتنافسون في ذلك تنافسهم في الاحتفاظ بالآثار التي هي محصول القرائح العربية، ولما اختُرعت الطباعة كانت المخطوطات العربية أول ما طُبع في بلاد الغرب، وأول مطبعة أُنشئت في مدينة فانو في جون البنادقة (بحر الأدرياتيك) سنة ١٥١٤ طُبع فيها القرآن وكُتب الطب والحكمة والطبيعة باللغة العربية، وفي مدينة البندقية طبع الإِيطاليون تآليف يوحنا بن ماسويه في الطب والفلسفة، ومثلوا بالطبع قانون ابن سينا مع كتاب النجاة في رومية وذلك سنة ١٥٩٣، ومنذ سنة ١٦١٥ بدأ الهولنديون في مدينة ليدن بطبع كُتب العرب، وما زالوا إِلى اليوم يطبعون من أُمهاتها كل مفيد، وقد أنشأت فرنسا وإنجلترا وألمانيا والنمسا وإِسبانيا وروسيا وأمريكا وغيرها من الممالك الغربية مطابع مهمة طُبعت فيها عشرات من كُتب العرب النفيسة، ودلوا قومهم وغير قومهم على فضل العرب، ونوَّهوا بحضارتهم ونبوغ أفرادهم؛ كانوا يأتون ذلك والعرب يَغُطون في سباتهم غطيطًا غريبًا، تحت ظل خلفاء العثمانيين ودولتهم المباركة، وبينا كانت العربية آخذة بالانقراض في مصر والشام والعراق، دع سائر الأقطار العربية الأخرى، كانت أوروبا لا تخلو جامعة من جامعاتها منذ القرن السادس عشر من دروس عربية ولا سيما جامعات ألمانيا وإنجلترا وهولاندا ثم فرنسا والنمسا وإِيطاليا وإِسبانيا وبولونيا وسويسرا والسويد والنروج وفنلندا وروسيا والولايات المتحدة.

ولقد جمع الإِفرنج في كل دولة صغيرةً كانت أم كبيرة خزائن عامة أو خاصة من نفائس الكُتب العربية المخطوطة ما هو العجب العجاب، عُنوا بها أشد عناية ورتبوها ونشروا فهارسها ونشروا منها بالطبع جزءًا من كُتبنا الدينية والفلسفية والتاريخية والجغرافية والعلمية والأدبية واللغوية وغيرها مما لا يقل عن خمسمائة مجلد، ونحن لم نعرف بعدُ الطبع بالحرف، مجتزئين بطبع الحجر السقيم. وفي الأستانة ومصر من المخطوطات العربية وفي خزائن الكُتب العمومية والخصوصية ما لا يقل بعدده عما عند أهل أوروبا منها، ولم نطبع منها غير أسفار قليلة ومنها التافه الذي قصدوا به التجارة لا خدمة العلم كما فعل علماءُ المشرقيات من الغربيين، وجاء القرن التاسع عشر وما مثل بالطبع منها غير بضعة كُتب نافعة، فبفضل الغرب عرفنا الطبع وعرفنا فضل أجدادنا وتعرَّفنا إِلى الطرق في إِحياء كُتبنا، ولكن طالت مدة تعليمنا أكثر من مائتي سنة، حتى خجلنا من أنفسنا، فجاريناهم بعض المجاراة، ولمَّا نلحق بهم بعدُ في تدقيقهم وتحقيقهم.

فللغرب الفضل الأول بإِحياء حضارتنا وتعريفنا بمزايا لها كنا عنها في غفلة؛ فهم لقنونا طرق الاستفادة مما أملته قرائح الأسلاف، وأبقته الأيام من تُراثهم الثمين، على نحو ما كان لهم الفضل الأكبر في البحث عن دفائن بلادنا ونبش عادياتها ومصانعها القديمة، وبهم اهتدينا إِلى معرفة آثار أرضنا وتاريخها وعظمتها السالفة ولغات بلادنا القديمة، فعلَّمونا كيف نحتفظ بآثارنا الثابتة والمنقولة، ودربونا على العناية بتركة أجدادنا واحترامها وتقديسها والولوع بها، وكنا فيها من الزاهدين.

نحن إِذا قلنا إِن الغربيين أحيوا لغتنا لا نكون إِلى المبالغة في شيءٍ؛ هم نشروا أُمهات كُتبنا، فانتبه علماء العَرب وأخذوا يدرسون فيها، وكلما درسوا ودرَّسوا وأحكموا من اللغة فصيحها في أُمهات كُتب الأدب مما سبق الغرب إِلى طبعه ارتقت ملَكات الكاتبين والمؤلفين والمدرسين عندنا، وكلما انتظمت أُصول التعليم في المدارس، زاد أسلوب العربية ارتقاءً، وكلما ثقف أبناء العرب لغات العالم الحديث نسجوا في لغتهم على أساليبها في الأدب والشعر والتمثيل والخطابة، ولولا الغرب ما نبغ فينا شعراء وكُتاب وخطباء في العصر الأخير لم يُعهد لهم نظير في لغتنا منذ المائة الخامسة، وقد كاد كُتاب مصر والشام والعراق وتونس وشعراؤها وخطباؤها يُرْجِعون إِلى العربية نضرتها القديمة، وبَرَزوا بها في أجمل حُلَّة عربية، وما تم هذا بغير مدارس الغرب وفضل رجالهم ممن أخذنا عنهم واقتدينا بهم، وساقتنا الغيرة إِلى الجري على طرائقهم في النَّظم والنثر والتأليف والوضع والبحث، وكلما مازجناهم في رحلاتنا إِلى بلادهم ومازجونا في نزول بلادنا عرفوا منا، والبُعد جفاء، ما كانوا يجهلونه، وعرفنا منهم ما كنا نجهله من غيرتهم على العلم والمدنية.

•••

أخذ الغربيون عن العرب كل ما نفعهم يوم نهضتهم من ضروب المعارف البشرية، وها هم اليوم يُعيدون إِلينا عن سماحة نفس شيئًا مما تعلموه من أجدادنا وزادوه بعلمهم وبارتقاء الزمن وتداول الأيام فلا يشُقنَّ ذلك علينا، فهذه سُنَّة المدنيات التي درجت عليها أجناس البشر. تقلبت على المدنية أيدٍ كثيرة منذ دوِّن تاريخها، واليوم وصلت بفضل أهل الغرب إِلى هذا المظهر الباهر، وغدوا سَدَنتها القائمين على بثها في المشرق والمغرب يُعنون بوضع أُسها في الكنغو والسودان والسنيغال وجاوه، كما وُضعت في البلجيك وإنجلترا وفرنسا وهولاندا. وللغربيين السلطان الأكبر على النفوس وعلى السياسة والتجارة والعلم، وسنظل متوفرين على الأخذ عنهم، ولا غضاضة على المتأخر إِذا أخذ عن المتقدم.

ولا يفوتنا النظر وقد بلغ بنا نفس الكلام إِلى هذا الحد، أن نعرض لما حوته المدنية الغربية من المساوئِ بعد أن ألممنا بما حملت من عظيم المحاسن؛ ولكل مدنية سيئات تندمج في مطاوي الحسنات، وصعب أن يكون الخير تامًّا والشر تامًّا، وكان علينا أن نقتصر على اقتباس النافع ونتحامى الضار، ونجعل السلطان للعقل لا لهوى النفس، والظاهر أن المدنيةَ وحدة لا تتجزأ من أخذ بخيرها لا بد أن يُستهدف لشرورها طوعًا أو كرهًا، وما هذه السيئات بالذي أقره عقلاءُ الغرب دعاة الحضارة الحديثة، ونحن نعلم أنهم يشكون منها شكايتنا وزيادة.

هجمت علينا المدنية الغربية بأصناف من المسكرات والمخدرات كان أجدادنا لا يعرفونها، وعاشوا بدونها قرونًا في هناء وراحة، وكان يقتصر من يعاقرون الراح سرًّا، وهم قلائل جدًّا، على ما تُنتج البلاد من خمور، وضررها على الجملة أخف من مضار الغول الجديدة، وهكذا في عامة المخدرات كالمورفين والكوكايين والهيروين التي جاءت مع القرن الماضي فأضعفت العقول وقتلت الأنفس، وفتح التوسع في الحرية أبواب العهر والفجور والإِسراف على النفس، فأنشأ الفحش يُمارَس تحت سمع القانون وبصره؛ فزادت بذلك الأمراض الزهرية، وتعطل التناسل في بعض الرجال والنساء، ثم انتشر القمار على اختلاف صوره، ومنه المضاربات وألعاب النصيب، وكان الناس في غابر الدهر يَقنعون بالرزق المحلل، يأتيهم من أعمالهم الصناعية والزراعية والتجارية، لا يغامرون هذه المغامرات التي يردها العقل والشرائع.

وأدت الحرية الشخصية بالسلطة الأبوية في بعض البيوت إِلى الفتور، فكان في الماضي الإِفراط في هذا المعنى وصار اليوم التفريط، وضعفت سلطة الأب على ابنه وابنته بالنسبة، وضعفت معها الشفقة والرحمة والكرامة إِلا قليلًا، وأصبح كل أمر يقاس بمقياس الماديات، ولا يُسأل الرجل من أين اكتسب ماله إِذا اجتمع له مال؛ لأن المعنويات لا شأن لها في نظرهم وإِنما الشأن للماديات، وقضت المدنية على من قبلوها أن يَجِدُّوا ويسرعوا إِن أمكن بقوة البخار والكهرباءِ والأثير، وكان الناس منذ قرن على تؤَدة وتأنٍّ وصبر لا نشاهده في أهل هذا الجيل، ولذا رأينا التشاؤم أكثر من التفاؤل في كل بلد، والقناعة والرضى أقل من الشراهة والطمع، وأمسى كل صعلوك يحاول أن يغتني بين عشية وضحاها بأي الطرق التي تُفتح أمامه، وكثر حب الظهور بل الجنون فيه، وتبع ذلك البذخ والتفخل والإِسراف، بحيث تعذَّر التوازن بين الدخل والخرج؛ فكان في ذلك خراب بيوت كانت عامرة لولا التقليد المُصنع والعادات المستحدثة، وكثرت بذلك السويداء والماليخوليا والخبل وضعف الأعصاب وفقر الدم والسل، كانت الرفاهية في الأيام الماضية مقصورة على قصور الملوك والأمراء فشارك فيها اليوم أهل الطبقات الثانية والثالثة، والرفاهية تتوقف على كثرة بَذْل ووفرة دخْل، وكان للمجتمع في الشرق عادات مستحسنة من جمال الأُلفة، وحُسن العِشرة، وصحة العهد والوفاء، وقوة الإِيمان ومعرفة الجميل، فعرا هذه الصفات بعضُ الفتور خصوصًا في البيئات التي اقتبست مدنية الغرب بِعُجَرها وبُجَرها.

هذه جريدة بما لقفناه عن الغرب، ذكرنا فيها الحسنات وأتبعناها بالسيئات، وربما كان فيها بعض النقص، غفلنا عنه بخيانة الذاكرة، أوردنا منها ما أَوردناه على سبيل الذكرى، لننصف غيرنا وننتصف منهم.

١  مقتبس باختصار من كتاب للمؤلف طُبع مؤخرًا أسماه «الإسلام والحضارة العربية».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠