الفصل الثالث

بعض الماضي المعروف

الدروج والجِرار

وليس في درج الدروج في جِرار مُعينة ما يُثير الدهشة والاستغراب؛ فالبابليون ومن جاورهم حفظوا لوحاتهم الكتابية في جِرار في الألف الثالث قبل الميلاد. والنبي أرميا أوصى تلميذه باروك في السنة ٥٨٨ قبل الميلاد قائلًا (٣٢ : ١٤): «خذ هذين الصكين: صك الابتياع المختوم، والصك المفتوح، واجعلهما في إناءٍ من خزف ليدوما أيامًا كثيرة.» وجاء في نصٍّ يعود إلى أيام رعمسيس الثالث (١١٩٨–١١٦٦) قبل الميلاد ما يُشير إلى مثل هذا. ويقول القديس أبيفانيوس أسقف سلامينة في قبرص في القرن الرابع بعد الميلاد أن نص العهد القديم اليوناني الخامس وُجد في جَرة بالقرب من أريحا في السنة ٢١٧ بعد الميلاد، وإن النص اليوناني السادس وُجد في جرة في نيكوبوليس على شاطئ بلاد اليونان الغربي.١ وتيموثاوس الأول بطريرك النساطرة (٧٨٠–٨٢٣) كتب إلى سرجيوس أسقف عيلام من سلفكية طيسفون يقول: إن بعض المهتدين من اليهود الذين وثق بكلامهم أخبروه أن كُتبًا وُجدت بالقرب من أريحا في كهف في الصخور، وأن راعيًا عربيًّا شاهد كلبه يدخل إلى هذا الكهف ولا يخرج منه، فتبعه إليه فإذا به أمام مجموعة من الكتب، فصعد إلى أوروشليم وأخبر اليهود فيها، فنزل كثيرون منهم إلى الكهف فوجدوا كُتبًا من العهد القديم وغيرها، وأكدَّ المهتدون اليهود أنه وُجد بين هذه الكتب ما يؤيد موقف النصارى من نصوص العهد القديم في جدلهم مع اليهود.٢

واهتم المُسورون في القرن التاسع لأمر الأسفار الخمسة التي وُجدت في أريحا. ولعلها وُجدت في كهف من الكهوف في هذه المنطقة نفسها التي نبحث، والجدير بالذكر لهذه المناسبة أننا لا نجد اعتراضًا مدوَّنًا في اعتماد هذه النسخة في عمل التسوير والضبط.

ويذكر المؤرخ اليهودي القرقساني، وهو من أعيان القرن العاشر، في كتابه تاريخ الفرق اليهودية «المغايرة» فيقول: إنهم عُرفوا بهذا الاسم لأنهم وجدوا كتبهم في مغارة. ويُضيف أنهم وجدوا الأسفار الإسكندرية وكتاب المعارف، وأن الباقي لم يكن ذا أهمية. وكان قد سبقه إلى ذكر المغايرة بهذا الاسم نفسه بنيامين النهاوندي وهو من أعيان القرن التاسع.

وكتب حسداي بن شيروت قبل السنة ٩٦١ بعد الميلاد: «من قرطبة إلى ملك الخزر اليهودي في جنوب روسية، إن اليهود خبَّئوا كتبهم في كهف عندما استولى الكلدانيون على فلسطين في السنة ٥٨٦ قبل الميلاد، وإنهم علَّموا أولادهم أن يُصلُّوا في هذا الكهف في كل مساء وكل صباح، ثم نسوا، ولكنهم واظبوا على ممارسة الصلاة في هذا الكهف. وبعد أيام عديدة قام يهودي يحاول أن يعرف السبب في ذلك، فجاء الكهف ووجده مملوءًا من الكتب فأخرجها منه.»٣
وفي السنة ١٨٧٨ عرض جماعة من البدو على شابيرا Shapira، تاجر الآثار في بيت المقدس، نسخة قديمة من سفر التثنية مكتوبة بخط يقرُب من الفينيقي، وقالوا إنهم وجدوها في كهف من الكهوف، فحملها شابيرا إلى لندن ودقَّق فيها كليرمون غانيو واعتبرها مزورة، فانتحر شابيرا في السنة ١٨٨٤ وضاعت نسخته. وقد تكون مزورة وقد لا تكون، ولا سيما بعد ما جرى منذ السنة ١٩٤٧؛ ولذا فإن مدير الآثار في إسرائيل صموئيل يافين Yievin يُعنى الآن بصور نسخة شابيرا الفوتوغرافية التي لا تزال محفوظة في المتحف البريطاني، وعثر العلامة شختر Schechter في السنة ١٨٩٦، في جنازة كنيس في القاهرة يعود إلى العصور الوسطى، على مخطوطتين قديمتين تعودان إلى القرنين العاشر والحادي عشر أو الثاني عشر، وتُعرفان بالمخطوطة الدمشقية أو المخطوطة الصدوقية أو مخطوطة القاهرة الصدوقية.٤ وتقع الأولى منهما في ثماني وريقات والثانية في وريقة واحدة، وهما تمتَّان بصلة وثيقة إلى مخطوط وُجد في كهف قمران السادس.٥ وقد جاء في هاتين المخطوطتين أن جماعة من اليهود ممن شعروا بذنوبهم وتلمَّسوا طريقهم مدة من الزمن غنموا بمعلم صلاح أقامه الله عليهم. وقد خرجوا من إسرائيل وهارون؛ أي: من الشعب والكهنة، وعُرفوا بأبناء صادوق (صموئيل الثاني ٨ : ١٧). وقد اتَّفقوا أن يبتعدوا عن الأشرار، وألا ينهبوا الفقراء، ويحفظوا السبت ويحبوا بعضهم بعضًا، وهي أمور اتَّفق عليها أبناء «العهد الجديد» في أرض دمشق، وفي هذا كله اتِّفاق عجيب مع ما جاء في درج القوانين والأنظمة في كهوف قمران، ومع ما وُجد بصورة خصوصية في الكهف السادس كما أشرنا.

الخرائب وسكانها

وجاء في موسوعة بلينيوس الأكبر (٢٤–٧٩) بعد الميلاد أن جماعة من اليهود عاشوا في ساحل البحر الميت الغربي بعيدين عن جوِّه المُضرِّ، وأنهم كانوا ميَّالين للوحدة غريبين في أمورهم أكثر من غيرهم في العالم أجمع؛ فإنهم عاشوا بدون نساء، نابذين كل شهوة جنسية، متحرزين من النقود، عائشين بين أشجار النخل؛ وعلى الرغم من هذا فإن عددهم لم يهبط، بل تجدَّد يومًا فيومًا؛ فإن كثيرين ممن أتعبهم بحر الحياة الخضم كانوا يجرون مع تيارهم فينضمون إليهم جماعات جماعات. وهكذا فإنهم خلَّدوا نوعهم عبر آلاف العصور، على الرغم من أن واحدًا منهم لم يُولد فيه، وأغنتهم توبة الغير وتخشعهم. وتقع عين جدي تحتهم، ولم تأتِ ثانية في الماضي إلا بعد أوروشليم، وذلك بخضب أرضها وبساتين نخلها. أما الآن فإنها ليست سوى قبر من القبور، ثم تأتي حسادة وهي حصن على صخر، وكهذه التي ذكرت لا تبعد عن البحر الميت.٦
ويقول يوسيفوس مؤرخ القرن الأول بعد الميلاد (٣٧–١٠٠)، في كتابه حروب اليهود (٢–٨) إنه كان عند اليهود في عصره فِرق فلسفية ثلاث: «الفريسيون والصدوقيون والحاسيون»٧ — أو الآسيون أو الآسينيون — وأن هؤلاء وُلدوا يهودًا وتحابوا أكثر من غيرهم، وأنهم اعتبروا لذَّات الجسد شرورًا وذنوبًا، واعتزوا بالعفة والتعفف، وجعلوا من التغلب على الشهوات فضيلة. وهم يهملون الزواج وينتقون من أولاد غيرهم من يعتبرونهم منهم فيقبلونهم صِغارًا، بنين ذوي قابلية للتعلم ويطبعونهم بطبائعهم. وهم لا يُنكرون صوابية الزواج وحفظ النسل، وإنما يحذرون سلوك النساء الفاسق مقتنعين أن ليس بينهنَّ واحدة تحافظ على أمانتها لرجل واحد.

وهؤلاء الرجال يحتقرون الثروة والغنى، ويميلون جدًّا للتآلف والمشاركة، وليس بينهم من عنده أكثر من غيره؛ فالقانون بينهم يقضي بأن يُقدم الداخل في زُمرتهم ما عنده للجماعة، فلا ترى بينهم ظاهرة فقر ولا ظاهرة غنًى، بل اختلاطًا بين مِلك الفرد ومِلك الآخرين، بحيث يتراءى لك أن هنالك إرثًا واحدًا لجميع الإخوة. وهم يرون في الزيت وسخًا. وإذا مُسح أحد به بدون موافقته مُسح عنه مسحًا، ويعتبرون عرق الجسم خيرًا وكذلك ارتداء الأبيض، ولهم وكلاء خرج يُعنون بشئونهم المشتركة، وليس لأحد منهم مصلحة خصوصية، وإنما العمل لمصلحة الكل.

وليس لهم مدينة معينة يُقيمون فيها؛ فالكثيرون منهم يُقيمون في كل مدينة. وإذا جاءهم أحد من فرقتهم من أماكن أخرى وُضع ما عندهم تحت تصرُّفه كأنه له وبدأ هو في العمل كأنه يعرفه منذ زمن بعيد. وهكذا فإنهم لا يحملون شيئًا معهم عند انتقالهم إلى أماكن بعيدة إلا أسلحتهم؛ خوفًا من تعدِّي اللصوص. ولهم في كل مدينة يُقيمون فيها واحد يعيَّن للاعتناء بالغرباء يُقدِّم لهم ألبسة ولوازم أخرى. ولكن عاداتهم الجسدية وسياسة أجسامهم تشبه أعمال الصغار الذين يخشون أسيادهم، ولا يستبدلون ألبستهم أو أحذيتهم إلا بعد أن تُصبح خرقًا بالية أفناها الزمن، ولا يبيعون شيئًا ولا يشترون شيئًا من بعضهم، بل يُعطي كلٌّ منهم إلى غيره ما يحتاج إليه مما عنده، ويأخذ منه ما يوافق حاجته. ومع أنه ليس هنالك أي تعويض عما يُؤخذ، فإنه يحق أن يأخذوا ما يحتاجون إليه من أي شخص آخر.

وخوف الله عندهم فوق العادة؛ فإنهم لا ينطقون بكلمة واحدة تتعلق بأمور الدنيا قبل شروق الشمس، بل يرفعون صلوات ورثوها عن آبائهم كأنهم يضرعون بها أن تُشرق عليهم. وبعد هذا يُنفذون بأمر نظَّارهم كلًّا إلى ممارسة العمل الذي يُجيد، فيعملون بكل نشاط حتى الساعة الخامسة، ثم يجتمعون في مكان واحد ويستترون بنقاب أبيض، ويستحمُّون في الماء البارد. وبعد الانتهاء من هذا التطهير يجتمعون في مكان واحد لا يجوز لغيرهم الدخول إليه وينتقلون منه إلى قاعة الطعام أنقياء، كأنهم يؤمون هيكلًا مقدسًا فيجلسون صامتين، فيأتي الخباز ويضع أمامهم أرغفة الخبز بالترتيب، ثم يُقدم الطاهي لونًا واحدًا من الطعام في صحن واحد أمام كل منهم، ويُصلي كاهن قبل الطعام، ولا يجوز لأحد منهم أن يذوق الطعام قبل هذه الصلاة. ثم يصلي هذا الكاهن نفسه بعد الانتهاء من الطعام. وهم يشكرون الله في البداية والنهاية لما أنعم به من طعام عليهم، وبعد هذا يخلعون ثيابهم البيضاء ويعودون إلى أعمالهم حتى المساء، ثم يعودون لتناول العشاء بالطريقة نفسها. وإذا كان من غرباء بينهم فإنهم يجلسون معهم، ولا يعلو الضجيج بينهم أبدًا لينجِّس بيتهم، فإنهم يفسحون المجال لكل واحد منهم أن يتكلم بدوره. ويرى الغرباء في هذا السكوت سرًّا عظيمًا، ولكن الواقع أنهم يمارسون الاعتدال باستمرار، فيتناولون دائمًا الكمية نفسها من المأكل والمشرب، وهي أكثر من أن تكون كافية.

وهم، والحق يُقال، لا يفعلون شيئًا في الأمور الأخرى إلا بموجب تعليمات نظَّارهم. وهم ليسوا أحرارًا إلا في أمرين؛ في مساعدة المحتاج وفي الرحمة، ولهم أن يعاونوا مَن يشاءون ممن يستحق ذلك، وأن يُعطوا الطعام إلى البائسين، ولكن ليس لهم أن يفعلوا ذلك بعضهم مع بعضهم الآخر بدون موافقة النظَّار. وهم يصرفون غضبهم بعدل ويُمسكون عن شهواتهم. وقد اشتُهروا بالأمانة والمُسالمة، وقولهم أثبت من القسَم، وهم يتحاشون إعطاء اليمين ويعتبرونه أسوأ من الحنث، فإنهم يقولون: «إن من لا يُصدِّق إلا بعد اليمين يستحق الدينونة قبلها.» ويبذلون جهدًا عظيمًا في درس كتب القدماء وينتقون منها أعظمها فائدة لنفوسهم وأجسادهم، ويُفتشون عن جذور الأعشاب والحجارة ذوات الخصائص الطبية ليعالجوا بها أمراضهم.

وإذا شاء أحد أن يلتحق بفرقتهم لا يُقبل فورًا، بل يُؤمر باتباع طريقهم في المعيشة سنة كاملة دون أن يُعتبر واحدًا منهم، ويُعطى فأسًا صغيرة والمنطقة المذكورة سابقًا والثوب الأبيض، وبعد أن يعطي الدليل في تلك المدة على مقدرته في الاعتدال يُقرَّب من أسلوبهم في العيش، فيشترك معهم في مياه التطهير، ولكنه يظل ممنوعًا عن الاشتراك في العيش معهم. وبعد إثبات صبره على هذا الشكل تُمتحن سجاياه سنتين أخريين، فإذا وُجد لائقًا أُلحق بالجماعة. وقبل أن يُسمح له بلمس طعامهم يُستحلف على يمين شديدة بأن يخشى الله أوَّلًا، وأن يعدل بين الناس، وألا يُلحق ضررًا بأحد لا طوعًا ولا إكراهًا، وأن يكره الشرَّ دائمًا، وأن يتعاون مع الصُّلَّح، وأن يبقى أمينًا لجميع الناس، ولا سيما أُولي الأمر؛ لأنه لا يصل أحد إلى الحكم بدون معونة الله، وألا يُسيء استعمال السلطة في حال وصوله إلى الحُكم، وألا يحاول أن يفوق رعاياه بالبذخ والزينة، وأن يحبَّ الصدق على الدوام ويؤنِّب الكاذبين، وألا يلطِّخ يديه بالسرقة ونفسه بالأرباح غير المشروعة، وألا يُخفي عن أبناء فرقته أو يُفشي بعقائدهم إلى الآخرين، ولو اضطره الأمر إلى المخاطرة بحياته. وكان عليه بالإضافة إلى ما تقدَّم أن يُقسم أنه لا ينقل العقائد إلى أحد إلا بالطريقة نفسها التي تسلَّم هذه العقائد بها، وأنه يمتنع عن السرقة، ويحافظ على كتب الفِرقة وأسماء الملائكة. هذه هي الأقسام التي ربطوا بها الداخلين في فرقتهم.

ومن يقع في الخطايا الشائنة يُطرد من بين الجماعة، فيموت بائسًا؛ لأنه يكون قد ارتبط بما أقسم، وبالعادات التي اعتادها، فلا يأكل ما يجد، بل يضطر أن يأكل العشب فيضعف جسمه حتى الهلاك، ويشفق عليه الجماعة فيعتبرون ما حل به من بؤس كفَّارة كافية عما ارتكب من خطايا، فيعيدونه إليهم في الرمق الأخير.

ويدققون كل التدقيق فيما يُصدرون من أحكام، ويعدلون، ولا يصدرون حكمًا بتصويت محكمة يقل عدد أعضائها عن المائة. وما يُحدد بهذا العدد يصبح غير قابل للتغيير، وما يحترمونه بعد الله كل الاحترام هو اسم مشترعهم، ومن يُجدِّف عليه يُحكم بالإعدام. ويستحسنون طاعة شيوخهم ورأي الأكثرية، فإذا اجتمع عشرة منهم لا يتكلم أحدهم إذا علم أن التسعة الآخرين لا يتفقون معه في الرأي. ويمتنعون عن البصق فيما بينهم وإلى يمينهم. وهم أشد حرصًا على حفظ السبت من أي يهود آخرين، ولا يكتفون بإعداد طعامهم في اليوم السابق؛ كي لا يضطروا إلى إيقاد النار، بل إنهم لا يزيحون آنية من محلها ولا يتغوَّطون، وليس ذلك فقط؛ بل إنهم في الأيام الأخرى يحفرون برفش، تُعطى لدى دخولهم في الجماعة، حفرة عمقها قدم، ويسترون أنفسهم بالثوب؛ كي لا يهينوا أشعة النور الإلهي، ويريحون أنفسهم في هذه الحفرة ثم يعيدون التراب الذي حُفر منها إليها، وحتى هذا أيضًا لا يفعلونه إلا في الأماكن المنفردة التي ينتقونها لهذه الغاية. ومع أن إراحة الجسد هذه أمرٌ طبيعي، فإنهم يوجبون بالقانون غسل أنفسهم بعدها كأنها تنجسهم.

وبعد انقضاء مدة الامتحان الإعدادي يُقسَّمون إلى أصنافٍ أربعة، ويظل المستجدون دون المتقدِّمين رتبة، فإذا ما لمس المستجدون المتقدمين اضطر هؤلاء إلى الاغتسال كأنهم اختلطوا بغرباء. وهم يُعمَّرون بحيث إن كثيرين منهم يعيشون أكثر من مائة عام؛ ويعود السبب في ذلك إلى بساطة طعامهم، لا بل إلى محافظتهم على النظام في أمور المعيشة. وهم يحتقرون بؤس الحياة ويترفعون عن الألم؛ لاتساع عقولهم. أما الموت فإنه كان في سبيل مجدهم فإنهم يؤثرونه على الاستمرار في الحياة. وقد سجلت حربنا ضد الرومانيين أدلة وافرة على عظمة نفوسهم في المحنة؛ فإنهم على الرغم من تعذيبهم وتشويههم وإحراقهم وتقطيعهم إربًا، وعلى الرغم من تعريضهم إلى جميع أنواع العذاب؛ ليجدِّفوا على مُشترعهم أو ليأكلوا ما حُرِّم عليهم، فإن معذبيهم لم يفلحوا في إكراههم على أحد هذين الأمرين حتى ولا مرة واحدة، ولو كانت لإكرام المعذبين، ولم تتساقط دمعة واحدة، بل ابتسموا في آلامهم، وهَزِئوا بمن عذَّبهم، وأسلموا أرواحهم برغبة شديدة، كأنهم انتظروا تسلمها مرة ثانية.

والسبب في ذلك أن عقيدتهم هي هذه: أن الأجساد قابلة الفساد، وأنها لا تدوم، وأن النفوس خالدة مستمرة إلى الأبد، وأن هذه النفوس تأتي من الهواء الرقيق جدًّا؛ لتتحد بأجسادها اتحاد السجن فيها، وتجتذب إليها بتشويق طبيعي معين. ولكن عندما تحرر من قيود الجسد تحرُّر الإفلات من العبودية تبتهج فتصعد إلى فوق.

وبينهم من يحاول أن يتنبأ بما سيحدث بمطالعة الأسفار المقدسة وباللجوء إلى أنواع متعددة من التَّطهُّر. وبما أنهم يُجيدون معرفة أقوال الأنبياء، فإنهم لا يخطئون في تنبؤاتهم إلا نادرًا.

وهنالك فرقة أخرى من الحاسيين تتَّفق وسائر الحاسيين في المعيشة والعادات والشرائع، ولكنها تختلف عنهم في أمر الزواج؛ فإن أفرادها يرون أن الامتناع عن الزواج يقضي على القسم الرئيسي من الحياة البشرية، على إمكانية التسلسل، وإنه إذا قال الجميع بعدم الزواج قُضي على الجنس البشري. وعلى كل حال فإن هؤلاء يمتحنون أزواجهم ثلاث سنوات، فإذا وجدوهنَّ من ذوات الحيض ثلاث مرات تزوجوا منهن فعلًا، ولكنهم لا يساكنونهن إذا كنَّ حاملات ليبرهنوا على أنهم لا يتزوجون لمجرد اللذة؛ بل لأجل التوالد، والنساء يذهبن إلى الحمامات لابسات بعض أثوابهنَّ والرجال يتمنطقون. تلك هي عادات هذه الفرقة من الحاسيين.

وجاء لهذا المؤرخ المعاصر نفسه في كتابه التاريخ القديم (١٣ : ٥) ما محصَّله: «وكان بين اليهود في هذا الزمان فِرَق ثلاث اختلفوا في موقفهم من أعمال الإنسان؛ وهم الفريسيون والصدوقيون والحاسيون. فقال الفريسيون بأن بعض الأفعال مُقدَّرة لا كلها، وأن بعضها يقع تحت سلطتنا، وأن هذا البعض مُعرَّض لمفعول القَدر، ولكنه ليس مُسببًا عنه. أما الحاسيون فإنهم أكَّدوا أن القدر يتحكم في جميع الأمور، وأن شيئًا لا يحدث للبشر إلا بموجبٍ سابق لتصميمه وتحديده. وأبطل الصدوقيون القَدر وقالوا إنه غير موجود، وإن حوادث البشر ليست تحت تصرفه. وافترضوا أن جميع أفعالنا هي تحت مُطلق سلطتنا، وأننا نحن نسبب الخير ونقبل الشر بطَيش منا.»

وقال يوسيفوس أيضًا في كتابه التاريخ القديم (١٨ : ١): «إن عقيدة الحاسيين هي هذه: إن لله مردَّ الأمور، وإن النفوس خالدة، وإن السعي لنيل جزاء الصلاح واجب. وعندما يرسلون بما يكرِّسون لله إلى الهيكل لا يقدمون الذبائح؛ لأن لديهم من التطهير ما هو أنقى وأفضل؛ ولهذا فإنهم يُمنعون من الوصول إلى صحن الهيكل فيُقدمون ذبائحهم بأنفسهم.»

ويضيف يوسيفوس في هذا الكتاب نفسه (١٥ : ١٠) أنه قام بين الحاسيين رجل كان يُدعى مناحيم، وأنه سار سيرة ممتازة، وأن الله منحه موهبة التنبؤ، وأن هذا الرجل شاهد هيرودوس حينما كان لا يزال ولدًا ذاهبًا إلى المدرسة، فحيَّاه مَلكًا على اليهود، ولم يلتفت هيرودُس آنئذٍ إلى ما قاله مناحيم؛ لأنه لم يكن لديه أي رجاء في هذا التقدم، ولكنه لما أسعده الحظ وتقدم إلى رتبة الملك وأصبح في الطليعة استدعى مناحيم وسأله كم يدوم مُلكه، فلم يقل له مناحيم عن مدى مُلكه شيئًا، فسأله هل يملك عشر سنوات أم لا؟ فأجاب: «عشرين، لا بل ثلاثين»، ولكنه لم يحدد انتهاء المُلك، فسُرَّ هيرودس من هذه الأجوبة وأعطى مناحيم يده وأمره بالخروج، ومنذ ذلك الحين استمرَّ في احترام الحاسيين.

وفيلون الإسكندري الذي صنَّف في حوالي السنة ٢٠ بعد الميلاد ذكر الحاسيين في الإسكندرية، وفرَّق بينهم وبين الثيرابغتيين (الآسيين)، فجعل من هؤلاء فِرقة مُتأمِّلة ومن أولئك فِرقة عاملة، وجعل عددهم أربعة آلاف، وقال: إنهم ينبذون الاسترقاق ويبتعدون عن القسَم، ويُعنون بالناحية الأدبية من شرائع آبائهم، ويؤثرون التأويل، ويعيشون جماعات جماعات بصندوق واحد مشترك ووجبات واحدة من الطعام، وإنهم اشتهروا بالاقتصاد والتواضع والمحبة والأخوة.٨

أخبار الزمان

وكان ما كان من أمر الإسكندر وداريوس في إسوس وغوغملة. ودالت دولة الفُرس واستولى الإسكندر عليها، فدخلت فلسطين في طاعته في السنة ٣٣٢ قبل الميلاد. فأَبقى الإسكندر الحاكم الفارسي في منصبه في السامرة، وعين أنذروماخوس المقدوني قائدًا إلى جانبه. ولم يذهب إلى أوروشليم ولم يُقدم الذبائح في هيكلها كما شاع فيما بعد.٩ ثم قضى الإسكندر في بابل في السنة ٣٢٣، فنشب عِراك هائل لم يكن يخمد قليلًا إلا لينشب من جديد، اضمحلت في أثنائه أسرة الإسكندر ووالدته معها، وقامت بين الطامعين حروب دامية، فانقسمت مملكة الإسكندر إلى ثلاثة أقسام في أوروبة وآسية وأفريقية، ورأسَ كل قسم منها أحد قوَّاده أو خلفائه، فاستولى على مقدونية أنتيغونوس حفيد أنتيغونوس القائد الكبير، وكان نصيب القائد سلوقوس معظم ما كان يُعرف قبلًا بمملكة الفرس في آسية، ونصيب بطليموس أدهى قوَّاد الإسكندر بلاد مصر في أفريقية، وتنازع السلاقسة والبطالسة حكم سورية الجنوبية «المجوفة» ومنها فلسطين، فحكمها البطالسة قرنًا كاملًا من الزمن هو القرن الثالث قبل الميلاد. وتساهل البطالسة وتسامحوا، فأحبهم اليهود وأمُّوا عاصمتهم الإسكندرية وتكاثروا فيها، وأقبلوا على تعلُّم اللغة اليونانية وآدابها وبرع بعضهم بها، وتناسوا العبرية فاضطرُّوا إلى نقل أسفارهم المقدسة إلى اليونانية، فكانت الترجمة السبعينية في عهد بطليموس فيلادلفوس في أواسط القرن الثالث قبل الميلاد (٢٨٥–٢٤٦).

السلاقسة واليهود

واستغل أنطيوخس الثالث العظيم ظروف البطالسة الداخلية، فاكتسح سورية الجنوبية «المجوفة» بأكملها، وأدخل، في حوالي السنة ١٩٨ قبل الميلاد، فلسطين في طاعته، وخلفه سلوقوس الرابع (١٨٧–١٧٥) فأنطيوخوس الرابع (١٧٥–١٦٤)، ومضى هذا في سياسة التهلين التي اختطها الإسكندر نفسه، وحاول تطبيقها كثيرون من خلفائه في الشرق، فحض على التخلق بأخلاق اليونان، وعلى اقتباس الكثير من عاداتهم وعلومهم وفنونهم، وعلى احترام آلهتهم. وحاول تهلين اليهود في فلسطين، «فخرج من هؤلاء أبناء منافقون، فأغروا كثيرين قائلين: هلمُّوا نعقد عهدًا مع الأممم حولنا، فإنَّا منذ انفصلنا عنهم لحقتنا شرور كثيرة»، فحسن هذا الكلام في عيون البعض، وبادروا يصنعون بحسب أحكام الأمم.١٠ ونسي أنطيوخوس درجة تمسك اليهود بسننهم وتقاليدهم ودينهم، وفاته ما قاله هامان لأحشوروش الملك الفارسي أنهم على انتشارهم وتفرقهم لا يحفظون سنن الملك.١١ فلما كتب أنطيوخوس إلى أوروشليم ومدن يهوذا أن يبتنوا مذابح وهياكل ومعابد للأصنام، وأن يذبحوا الخنازير والحيوانات النجسة، ويتركوا بنيهم قُلفًا، ويعذروا نفوسهم بكل نجاسة١٢ خرج متتيا بن يوحنا بن سمعان من أوروشليم وسكن في مودَيْن، ثم قدم إلى مودين من أرسلهم الملك السلوقي؛ ليُجبروا الناس على الذبح للآلهة، وأقبل رجل يهودي على عيون الجميع ليذبح على المذبح الذي في مودين، فوثب عليه متتيا الكاهن وقتله على المذبح، وقتل رجل المَلك أيضًا، وصاح بصوتٍ عظيمٍ قائلًا: «كل من غار للشريعة وحافظ على العهد فليخرج ورائي»، وهرب هو وبنوه، يوحنا كَدِّيس وسمعان بِطَسِّي ويهوذا المكَّابي وأليعازر أواران ويوناثان أَفُّوس إلى الجبال، فبدأت بذلك ثورة المكابيين١٣ (١٦٥–١٣٥) قبل الميلاد، وتزعمها أبناء متتيا يهوذا فيوناثان فسمعان، وشغلت السلوقيين مشاغل أخرى، فتمكن سمعان من تحرير فلسطين وشعبها.
figure
هكذا يعمل العلماء لجمع القطع المتناثرة.

وفي السنة الثانية لزعامة سمعان (١٤٢–١٣٥) نادى اليهود به كاهنًا أعظم وقائدًا عامًّا وأميرًا يُورث حقوقه وصلاحياته لأبنائه وأحفاده من بعده، فأسَّس سمعان بذلك الأسرة الحشمناوية؛ أي: أسرة بني حشمناي. ويُلاحظ هنا أن هؤلاء لم يكونوا من سلالة داود من حيث المُلك، ولم يتحدَّروا من هارون من حيث الكهنوت. وعرف اليهود هذين الأمرين حق المعرفة، فاحتاطوا وجعلوا مُلك هؤلاء محدودًا حتى الزمن الذي يظهر فيه نبي أمين؛ أي: حتى الزمن الذي يتدخل فيه رب العالمين.

ولم يرضَ جميع اليهود عن هذا التدبير لخروجه على التقليد، وازداد عدد هؤلاء المعارضين بتغافل الحشمناويين وقلَّة اكتراثهم للناموس، فإنهم ما كادوا يستوون على دَست الحُكم حتى رغبوا في الدنيا واستبدُّوا في الناس، فأعلن الفريسيون استياءَهم منذ أيام يوحنا هيركانوس بن سمعان المؤسِّس، وذلك بين السنة ١٣٥ والسنة ١٠٤ قبل الميلاد، وما فتئوا متنكرين حتى عهد ألكسندرة الملكة (٧٦–٦٧) قبل الميلاد.

وراقب السلوقيون تطوُّر الموقف، فعاد أنطيوخوس السابع (١٣٨–١٢٩) إلى الميدان قبل وفاة سمعان المؤسِّس وأكره ابنه يوحنا هيركانوس، في السنة ١٣٥، على دفع الجزية وعلى هدم أسوار أوروشليم، ثم خلف أنطيوخوس سلوقي ضعيف هو ألكسنذروس الثاني زبيناس (١٢٨–١٢٣)، فاستعاد يوحنَّا هيركانوس استقلاله ووسَّع سلطانه، وأنشأ جيشًا من المُرتزقة، وتصرف تصرُّف أمير زمني بكل معنى الكلمة، فزاد الفريسيين غضبًا وكرهًا، وجاء ابنه أرسطوبولوس بعده فأظهر التكبُّر والتجبُّر، ولبس التاج فقنط الفريسيون وتقلَّص ظلُّ آمالهم. وكان أرسطوبولوس قد قيَّد أخاه ألكسنذروس وأمَّه، فلما تُوفي نزع الجند عن أخيه القيد، وأخرجوه من الحبس، فتولَّى المُلك بعد أخيه. ولما استقام له الأمر (١٠٣–٧٦) تشوَّف إلى المطامع البعيدة، وأحب النِّزال والقتال، فكان لا ينتهي من حربٍ حتى يبدأ بغيرها، فاغبرَّ الجوُّ بينه وبين الفريسيين، وتقوَّضت دعائم المودة. وحل عيد المظال ودخل ألكسنذروس إلى أوروشليم، وصعد إلى المذبح في وقت القربان، فابتدأَ قوم من اليهود يلعبون بسعف النخل ورمي الترنج، وهو نوع من الليمون، فأصابت ترنجة الملك ألكسنذروس، فغضب أصحابه وقالوا للفريسيين: كيف جسرتم على الملك بهذا؟! فقالوا: «ما فعلنا ذلك تهاونًا به ولا جرى منا بالقصد. وهذا اللعب هو سُنَّة العيد والمقصود به الفرح والابتهاج.» فلم يقبل الملك وأصحابه هذا الاعتذار لما في نفوسهم من عداوة للفريسيين، وتردد الكلام بينهم إلى أن شتم بعضهم ألكسنذروس وأسمعه القبيح، فغضب الملك وأمر بالفريسيين فقُتل منهم في ذلك اليوم ستة آلاف رجل، وأمر ألكسنذروس بعد ذلك أن يُبنى حائط يقطع ما بين المذبح والصحن، وألا يقترب من المذبح سوى الكهنة وخواص الأمَّة، فتأصلت العداوة بين الفريسيين والصدوقيين، وعضد ألكسنذروس الملك الصدوقيين، واتَّصل النِّزاع بينهم ست سنين، قُتل فيها من الفريسيين خمسون ألف رجل، ثم حاول ألكسنذروس أن يُؤلف بينهم ويصلح أحوالهم فلم يتمكن، حينئذٍ طلب الفريسيون معونة السلوقيين، فسار ديمتريوس الثالث أفكيروس Eukairos — المالك آنئذٍ في دمشق — في جيشه مع من انضاف إليه من اليهود، إلى أن نزلوا على شكيم (نابلس)، فخرج إليه ألكسنذروس فهزمه ديمتريوس في حوالي السنة ٩١ قبل الميلاد، وقتل أكثر رجاله، فهرب ألكسنذروس إلى بعض التلال، وجاء إليه كثيرون من اليهود الذين مع ديمتريوس، فلما صار في عسكر كبير سار إلى ديمتريوس، فرده إلى سورية، ثم عادت الحروب بين ألكسنذروس وبين الفريسيين، فهزمهم وقتل كثيرًا منهم، وأخذ من كبراء الفريسيين ووجوههم ثمانمائة رجل، فقُتلوا وصُلبوا بين يديه، واستولى بعد ذلك على جميع اليهود وقهرهم.١٤

ثم اعتلَّ ألكسنذروس بحُمَّى الربع، فدامت عليه ثلاث سنين، فنهكت جسمه. ولما بلغه أن بعض المدن التي تحت طاعته عصت عليه سار لمحاربتها وهو عليل، وحمل معه امرأته ألكسنذرة وكل حَشَمه وجواريه، فنزل على راجب بين جرش والأردن وحاصرها، وقويت عليه علَّته وقرُب منه أجله، فنصح إلى زوجته أن تُخفي موته إلى بعد فتح المدينة، وأن تعود إلى أوروشليم، وتحمل جثته إلى قصره سرًّا، وتستدعي وجوه الفريسيين وتكرمهم وتخاطبهم بالجميل وتقول إنها عالمة بعداوته لهم وبما فعله بهم، ولكنها لهم من بعده تفعل كما يختارون ولا تخالفهم بشيء. ومات ألكسنذروس «٧٦» وفعلت ألكسنذرة كما أوصاها، فأجاب الفريسيون بالجميل ودفنوا زوجها مع آبائه، فاستمالوا القوم إلى ألكسنذرة، وأشاروا أن يُملكوها بعده، فاستقام أمرها حتى السنة «٦٧» قبل الميلاد بمعاونة الفريسيين.

وأطلقت ألكسنذرة جميع من كان من الفريسيين في السجون، وردت إليهم تدبير الناس، وتمسَّكت بمذهبهم، وجعلت ابنها الأكبر هيركانوس كاهنًا أعظم؛ لأنه كان مُتواضعًا وديعًا خيِّرًا، وجعلت أخاه أرسطوبولوس، وهو الأصغر، صاحب الجيش، ولما قوي أمر الفريسيين جاءوا إلى ألكسنذرة، ومعهم ابنها هيركانوس، وطلبوا إطلاق يدهم في قتل رؤساء الصدوقيين؛ لأن ما حلَّ بهم من الأذى في عهد ألكسنذروس كان برأي هؤلاء، وهم الذين حملوه على قتل ثمانمائة شيخ فريسي وصلبهم، فقالت: افعلوا، فقبضوا على كبير الصدوقيين اسمه ذياخبيس، وكان هو الذي حمل ألكسنذروس على قتل الفريسيين، فقتلوه مع جماعة أخرى. فجاء الصدوقيون إلى ألكسنذرة ومعهم ابنها أرسطوبولوس، وقالوا: «أنتِ تعلمين ما لقينا من الشدائد مع زوجكِ، فكيف تناسيتنا! إننا لا نصبر على إذلال الفريسيين لنا، فإما أن تكُفِّيهم عنا، وإما أن تُطلقي لنا الخروج من المدينة والتفرُّق في الضياع البعيدة»، فقالت: «اخرجوا»، فخرجوا وتفرَّقوا ثم تُوفيت في السنة ٦٧ قبل الميلاد.١٥

ولما مرضت ألكسنذرة وأيس منها أرسطوبولوس ابنها الأصغر خرج من أوروشليم، واستنهض الصدوقيين إلى نصرته ومعونته على أخذ الملك، ففعلوا وجاء إليه من جبل لبنان وجبل الخليل وغيرهما من اليهود رجال كثيرون، فنزل بهم على الأردن فخرج إليه هيركانوس بجيش الفريسيين، فتحاربا فانهزم هيركانوس فأصبح أرسطوبولس الملك باسم أرسطوبولوس الثاني، وأمسى هيركانوس كاهنًا أعظم.

ثم أفسد أنتيباتروس بين هيركانوس وأخيه، وكان أنتيباتروس قد تولَّى أدوم في عهد ألكسنذروس، وتزوج امرأة من أهل أدوم ولدت له من البنين أربعة: فزائيل وهيرودوس وفيروراس ويوسف. وقد اختُلف في أصله، فمنهم من قال: إنه من يهود بابل، ومنهم من قال: إنه كان عسقلانيًّا لا عبرانيًّا. وكان ذا عقل ورأي وشجاعة وبأس ودهاء وحيلة ومال. فلما مات ألكسنذروس عزلته ألكسنذرة، فأقام في أوروشليم ونشأت مودة بينه وبين هيركانوس، فحرَّضه على أخيه أرسطوبولوس الملك قائلًا إنه يسعى لهلاكه، وأشار عليه أن يخرج ويمضي إلى الحارث ملك الأنباط، فرحب الحارث بالضيفين، ومشى معهما على رأس خمسين ألفًا قاصدًا أرسطوبولوس، فلما التقوا في السنة ٦٤ قبل الميلاد استأمن كثيرون من رجال أرسطوبولوس إلى أخيه، فهرب هذا، ودخل أوروشليم وامتنع فيها، فقام الحارث وهيركانوس وأنتيباتروس إلى أوروشليم فنازلوا المدينة، فاتَّصلت الحروب وعظمت الفتن، فانتقل كثيرون من أهل الخير والسلام إلى مصر.

وفي هذه الآونة، في عهد أرسطوبولوس الثاني (٦٧–٦٣) قبل الميلاد، أطلَّت رومة بشخص قنصلها بومبايوس تتدخَّل تدخلًا فعليًّا في شئون السلاقسة واليهود، فلصوص البحر كانوا قد غشوا البحر المتوسط بأكمله، وكانت القحة قد بلغت بهم أن ظهروا عند مصب التيبر ينهبون ويحرقون ويخطفون بعض موظفي الحكومة في الطريق، على مسافة بضعة كيلومترات من رومة نفسها، واستولوا على الحنطة الواردة إلى رومة من مصر وأفريقية، فظهر بومبايوس غرب البحر المتوسط في أربعين يومًا، ثم أبحر إلى الشرق، فاستأصل في سبعة أسابيع شأفة اللصوص في بحر إيجه، وخرَّب حياض سفنهم وحصونهم، وكان بعضهم قد اتَّخذ من بعض تعاريج شواطئ السلاقسة نقاط انطلاق للقرصنة، ومن هذه رأس الشقعة بين البترون وطرابلس. فرأى بومبايوس أن يحتل هذه الشواطئ وما جاورها احتلالًا نهائيًّا، فضرب في السنة ٦٧ متراداتس ملك البونط في شرق آسية الصغرى ضربة قاضية. وفي السنة ٦٦ تغرانوس ملك الأرمن، ثم اتَّجه شطر سورية وفلسطين. ووصل أحد قواده سكوروس Scaurus إلى دمشق في مطلع السنة ٦٣ قبل الميلاد، ثم تبعه بومبايوس في ربيع هذه السنة نفسها.

وكان اليهود قد عرفوا الرومان، وفاوضوهم في شئونهم منذ عهد يهوذا المكابي ويوحنا هيركانوس، واعتبروهم أصدقاء وحلفاء؛ فقد جاء في سِفر المكابيين الأول في حوالي السنة ١٠٠ قبل الميلاد، بعد وصف قوة رومة وبطشها، أن الرومانيين حفظوا المودة لأوليائهم والذين اعتمدوا عليهم، وأن يهوذا فاوضهم ليثبتوه في جملة مناصريهم، فحسن كلامه لديهم، وأرسلوا إليه كتابًا دوَّنوه على ألواح من نحاس؛ ليكون عند يهوذا وشعبه تذكارًا للمُسالمة والمُناصرة (٨ : ١٢–٢٣)، فلما سمع اليهود بوصول سكوروس إلى دمشق أرسل كل من هيركانوس وأرسطوبولوس وفدًا يُفاوض في طلب المعونة. ولدى دخول بومبايوس إلى دمشق وصل وفد يمثل الشعب اليهودي راجيًا إنهاء حكم الحشمناويين وإعادة السلطة إلى يد الكهنة، فأشار بومبايوس بالانتظار ريثما يكون قد قُضي على الأنباط، ولكن أرسطوبولوس احتار في أمره ولم ينتظر، فزحف بومبايوس على أوروشليم واستولى عليها عنوة في السنة ٦٣، وأدخل فلسطين في ولاية حاكم سورية، وأمسى هيركانوس كاهنًا أعظم، وقسَّم فلسطين إلى خمس مقاطعات، وجعل على رأس كل منها مجلسًا يهوديًّا، ولكنها ظلت مضطربة غير مستقرَّة.

وجاءت الحرب الأهلية الرومانية في السنة ٤٩ قبل الميلاد، وقتل بومبايوس في السنة التالية، فأيد هيركانوس وأنتيباتروس يوليوس قيصر، فجعل يوليوس هيركانوس أميرًا على فلسطين وأنتيباتروس حاكمًا على اليهودية ذا سلطة على اليهود وغير اليهود، وأصبح هو حاكم البلاد الحقيقي، فجعل ابنه أفزائيل مدبرًا لشئون اليهودية وابنه هيرودوس حاكمًا على الجليل. وكان ما كان من أمر يوليوس قيصر واغتياله في السنة ٤٤ قبل الميلاد، فاستولى الفرت على فلسطين ثلاث سنوات، وأنزلوا هيركانوس من رئاسة الكهنوت، وجدعوا أذنيه ليظل مشوَّهًا غير صالح للكهنوت، ونادوا بأنتيغونوس بن أرسطوبولوس ملكًا، فحكم البلاد من السنة ٤٠ حتى السنة ٣٧ قبل الميلاد.

وعاد الرومان إلى الحكم، فجعلوا هيرودوس بن أنتيباتروس ملكًا، فحكم فلسطين ثلاثًا وثلاثين سنة (٣٧–٤ق.م.)، وكان هُمامًا نشيطًا مُدبرًا منظمًا مُواصلًا مُداهنًا، فعظم أمره واتسع سلطانه وازدهر مُلكه، فلُقِّب بالكبير. وهو الذي أمر بذبح الأطفال، وفي عهده وُلد السيد المسيح في بيت لحم. وجاء بعده ابنه أرخيلاوس، فحكم اليهودية والسامرة وأدوم بدون لقب ملك، وانتهى حكمه الفاسد في السنة ٦ بعد الميلاد بناءً على طلب الشعب، ونُفي، وأصبحت فلسطين ولاية رومانية عادية، وما فتئت كذلك حتى السنة ٤١ بعد الميلاد، وفيها أصبح أغريبا ملكًا على اليهود، فدام ملكه حتى السنة ٤٤.

وشقَّ اليهود الطاعة على رومة في السنة ٦٦ بعد الميلاد، وامتنعوا في أوروشليم، فدكَّت رومة حصون المدينة في السنة ٧٠ ودمَّرتها تدميرًا، ثم عاد اليهود إلى العنف في السنة ١٣٢ بقيادة باركوزينة، ثم استسلموا صاغرين في السنة ١٣٥ بعد الميلاد، وما فتئوا مُشتَّتين حتى وعد بلفور في الحرب العالمية الأولى.

هذه لمحة خاطفة من تاريخ اليهود في القرنين الأخيرين قبل الميلاد. وفي القرن الأول بعده، وهي في حد ذاتها كافية لإظهار تفكك اليهود في هذه الحِقبة من تاريخهم، وتبيان درجة التشويش والفوضى في صفوفهم، وكيف تعارضت أهواؤهم وتشعَّبت آراؤهم وتباينت مذاهبهم، فأصبحوا لا تجمعهم جامعة ولا يستقيمون على وجه يعتمدون عليه، وخاب رجاء الصالحين منهم وأخفقت آمالهم، ولم يبقَ لهم في البشر رجية، فباتوا ينتظرون عملًا إلهيًّا، مسيحًا يوطِّد أركان ملكوت الله على الأرض، وأمست نبوات الأنبياء ولا سيما أشعيا وحبقوق أحب ما في الأسفار إليهم.

figure
١  Mercati, Studie Testi V, (1901). 28 f.
٢  Barthelemy. D., and Milik, J. T.: Discoveries in the Judaean Desert, (1955), I, 88, n. 4; Eissfeldt, O., Der Anlass zur Entdeckung der Hohle und ihre Ahnliche Vorgange. Th. Lit. Zeit, 1949, 597–600; Kahle, P.: The Age of the Scrolls, vetus Testamentum, 1951, 44.
٣  Segert, S.: Ein Alter Bericht uber den Fund Hebraischer Handschriften in einer Hohle, Archiv Orientalni, 1953, 263–269.
٤  Sehechter, S.: Documents of Jewish Seetaries, (1910); Rabin, Ch: The Zadokite Documents, (1954), Gaster, Dead Sea Scrolls, 61–85.
٥  Baillel, M.: Rev. Bib., 1956, 513–523.
٦  Plinius Secundus: Naturalis Historia. V., 17.
٧  من الثلاثي «حسا» وهو الاكتفاء بالقليل، وفي الآرامية الزهد والتقشف، والآسيون الأطباء. وهذا اللفظ يتفق ومعنى اللفظ Therapeutes الوارد في كلام فيلون الإسكندري. وللدكتور أنيس فريحة اجتهادات أخرى. راجع الكتاب السنوي لرابطة الكُتَّاب المسيحيين (١٩٥٦) ص٦١.
٨  Philon: Quod Omnis Probus Liber, (Colson, F. H.) 140:9. pp. 53–63; Danielou, J.: Philon d'Alexandrie, (1958)., 42–57.
٩  Josephus, Ant. Jud, XI, 8; Glotz, G., Alexandre et le Démembrement de son Empire, (1945), 88; Tarn, W. W., Conquest of Persia, Cam. Anc. Hist., VI, 376.
١٠  سِفر المكابيين الأول ١ : ١٢-١٣.
١١  سِفر أستير ٣ : ٨.
١٢  سفر المكابيين الأول ١ : ٤٦–٥٦.
١٣  سِفر المكابين الأول الفصل الثاني.
١٤  Josephus, Antiq. Xlll; Abel, F. M., Hist. de la Palestine, (1952), I, 232–234.
١٥  Josephus, Antiq, Xlll; Abel, F. M., Op. Cit., I, 239–242.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤