الفصل الخامس

نُظُم الجماعة في قمران وقوانينهم وعقائدهم

التقيد بالناموس والنبوَّات

واعتبر الجماعة أنفسهم إسرائيليين حقيقيين مستقيمي الرأي، فانتظموا على غِرار السلف الصالح كما جاء في سفر الأعداد، وعلى ما توقع النبيون حدوثه عند انقضاء العالم. وتكتَّلوا عشائر وألوفًا ومئاتٍ وعشرات، وتمايزوا طبقاتٍ هارونيين ولاويين وشَعبًا دُعي إسرائيل.١
وخصَّ القانون أحفاد هارون بالاشتراع والقضاء، ولكنه أشرك الشعب في «موشب الأرباب». والموشب: هو الموثب العربي؛ أي: المجلس. والأرباب هنا هم الجمهور لا الأسياد الكهنة. وكان هذا المجلس ينظر في الأمور القضائية والتنفيذية، وبيتُّ فيها بالتصويت.٢ ويُستدَل من بعض ما جاء في نصوص «الجهاد» على أنه كان يتألف من مائة عضو أو أكثر.٣
وكان للجماعة بموجب مخطوط دمشق زعيمان: الأول كاهن وهو «الكاهن المُفتقد»، والثاني من الشعب وهو «مُبقِّر جميع المخيمات»، والمُبقِّر في العربية كالعبرية هو المُفتِّش. نقول: بقَّرَ فلان في بني فلان أي: عرف أمرهم وفتَّشهم، وكانت واجبات المُفتقد دينية. أما المُبقِّر فإنه كان القيِّم على ممتلكات الجماعة، وكان لكل مُخيَّم مُبقِّر يُعنى بالمال المنقول وغير المنقول، ويَعلِّم في الوقت نفسه المرشَّحين للدخول في الجماعة ويقودهم إلى الصلاح.٤ وفي نصوص قمران ما يُماثل هذا. فهنالك «المُفتقد» و«المُبقِّر».٥
وكان لجماعة قمران، بالإضافة إلى ما تقدَّم، مجلس الخمسة عشر، وكان هذا المجلس مؤلَّفًا من اثني عشر عضوًا من الشعب، وثلاثة من الكهنة، فمثل الاثنا عشر الأسباط الاثني عشر، ومثل الثلاثة فروع لاوي الثلاثة جرشون وقهنات ومراري.٦ أما في مخطوطة دمشق فإن هذا المجلس كان مجلس العشرة مجلس أربعة من اللاويين وستة من الشعب.٧ وفي هذا تقارب من العرف الهليني، فإنه كان لكل بلدة هلينية مجلس عشرة هم العشرة المتقدمون Decaprotes، وعشرة الآراميين في جدول التعريفة في تدمر، ومما يؤيِّد هذا الأخذ عن العُرف الهليني التوفيق الوارد في قول فيلون الإسكندري بين «المُبقِّرين» واﻟ epimelettes الهيلينيين والتوفيق في قول يوسيفوس بين هؤلاء «المُبقِّرين» واﻟ Epitrophes الهلينيين.٨
figure
قارورة من موجودات خرائب قمران.
وجاء في قانون الجماعة وفي مخطوطة دمشق وفي القانون الملحق٩ ما يدل على تقسيم أفراد الجماعة إلى خلايا تألَّفت كل منها من عشرة من «الشعب» وكاهن، وفي هذا تقارب مما ورد في سفر الأعمال (١ : ١٥) من أن «عدد الأسماء كان نحو مائة وعشرين»؛ أي: عشرة لكل واحد من الرسل.
ويلاحظ الأب ميليك وغيره من العلماء أن نظام الجماعة في قمران كان شعبيًّا في أساسه، وأن صبغته الكهنوتية كانت تقليدية شكلية أكثر منها واقعية فعلية؛ فالربون هم الجمهور لا الكهنة، وهم مجلس العموم ولهم صلاحياتهم القضائية والتنفيذية. ومن هنا انتقاء يوسيفوس اللفظ اليوناني Pleistoi للتعبير عن «الربين» العبرية والأرباب العربية.١٠ ومن هنا أيضًا انتقاء اللفظ اليوناني Polloi للتعبير عن «الكثيرين» في متى (٢٦ : ٢٨)، وانتقاء اللفظ اليوناني Plethos للتعبير عن الجمهور في سفر الأعمال (١٥ : ٣٠). ويجب فهم اللفظ Pleiones الوارد في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس (٢ : ٦) بهذا المعنى نفسه: «يكفي هذا الإنسان ذلك التوبيخ الذي من الأكثرين.»١١ وهنالك ما يشابه هذا النص نفسه في قانون الجماعة القمرانيين.١٢

تدريب المبتدئين وقبولهم

ويجوز القول بناءً على ما جاء في قانون الجماعة وفي تاريخ يوسيفوس.١٣ إنه كان على طالب الالتحاق بالجماعة أن يقضي سنة كاملة مُرشَّحًا مُختَبرًا مُتقيِّدًا بالقانون، وأنه كان يحق له، في أثناء هذه الفترة، أن يترك الجماعة ويعود إلى ما كان عليه سابقًا. ولعل يوسيفون يشير إلى هذا الأمر نفسه عندما يتكلم عن خضوعه لتدريب بنُّوس.١٤
وإذا أتمَّ المُرشَّح السنة الأولى بنجاح وطلب الاستمرار في الخبرة دخل في مرحلة ثانية من التجربة دامت سنتين. وكان له عند إنهاء السنة الأولى من هذه المرحلة الثانية أن يشترك مع الجماعة في أمور معينة كالوضوء مثلًا. وإذا رضِي عنه المُدرِّبون المُراقِبون في أثناء السنة الثانية من المرحلة الثانية اعتُبر فردًا من أفراد الجماعة، وحق له أن يشترك في «مشقة الربيم»؛ أي: في مسقى الأرباب أو مشروب الجماعة، وكان على الطالب، لدى قبوله وضمه إلى الصفوف، أن يُقدِّم ما ملكت يداه للجماعة، وأن يضع مواهبه تحت تصرفهم، وأن يأكل معهم ويتبارك ويُبارك معهم ويتشاور. ومن أخفى شيئًا من أمواله وقع تحت القَصاص سنة كاملة.١٥ ولا يخفى أنه في موت حنانيا وصفيرة الذي ورد ذكره في سفر الأعمال (٥ : ١–١١) ما يتفق في أساسه مع ما جاء في نبوة حزقيال (١٨ : ٤ و١٣): «النفس التي تخطأ هي تموت»، ومن يُعطي «بالربى ويأخذ ربحًا أفيحيا؟ أنه لا يحيا.»
ووجب الاحتفال بدخول الأعضاء الجدد. وفي قانون الجماعة وصف لقبول الجدد في الصفوف. فهنالك اعترافات وتعهدات وأدعية وصلوات وبركات ولعنات، وهناك ارتداء بالأبيض وتطهير وأطعمة موحَّدة وتوزيع أعمال، ولا يجوز القول بمعمودية؛ لأنه يصعب جدًّا التفريق بين التطهير والوضوء اليومي، وليس في مقدار المياه المحفوظة في الصهاريج ما يشير إلى معمودية مُعيَّنة؛ فالجماعة كانوا كُثْرًا وطقوسهم وأعمالهم تطلَّبت كميات كبيرة من الماء.١٦

الطبقات والصفوف

ويبدو مما تبقَّى من آثار الجماعة أنهم انتظموا طبقات وصفوفًا، كهنةً وشعبًا، وشيوخًا وكهولًا وفتيانًا، وأنهم كانوا يجلسون في الاجتماعات والحفلات حسب رتبهم: الكهنة أولًا، ثم الشيوخ، فسائر الأعضاء، وأنهم كانوا لا يُقاطعون بعضهم في أثناء البحث؛ بل يتكلمون كلٌّ بدوره وبموجب رتبته.١٧

وجعل يوسيفوس الحاسيين أربع طبقات على أساس قِدَم العهد في الجماعة، وقال: إن القدماء بينهم يعتبرون الجدد أحطَّ منهم قَدْرًا، فيتوضئون عند ملامستهم، كأنهم لامسوا غرباء. وبحث إيبوليتوس (١٧٠–٢٣٦) هذا الأمر في ردوده على الهراطقة (٩)، فقال: إن الحاسيين كانوا أربع طبقات، وأنهم اختلفوا في تطبيق الناموس، فبعضهم تطرَّف إلى حد أنهم ترفَّعوا عن لمس النقود؛ لأنها حملت صُورًا موجبين الامتناع عن حمل الصُّور أو النظر إليها أو صنعها، وامتنعوا عن دخول المدن خشية المرور تحت عتبة تحمل تمثالًا أو صورة، وقال: إن بعضهم حاول التثبت من اختتان من تكلم عن الله، فإذا ما ثبت أنه لا يزال أغلف أوجبوا اختتانه وهدَّدوه بالقتل، فإن أصرَّ اغتالوه اغتيالًا. هؤلاء هم الغيورون والإسخريوطيون، وأضاف أن الجدد اعتبروا أحط قدرًا من القدماء، وأن هؤلاء امتنعوا عن ملامستهم، وأنهم توضئوا في حال اضطرارهم إلى الملامسة.

نهار قمران وليلها

وقضى القمراني نهاره يعمل لسد حاجات الجماعة، فإما يعمل في أحد المشاغل مُنجِّرًا أو مُحدِّدًا أو مُنحِّسًا، وإما يعمل في الحقل حاصدًا، في سهل البقيعة فوق قمران أو في الساحل بينها وبين عين فشخة، وإما يرعى القطيع حيث تسمح الظروف بذلك، ولكن أقدس الأعمال وأشرفها كان الإكباب على الأسفار واستنساخها في قاعة الكتابة.

وفي درج الأنظمة إشارتان إلى أدب الطعام توجب إحداهما الصلاة أو البركة قبل البدء بتناول الطعام، ثم تحصر هذه البركة بالكاهن.١٨ وتبحث الثانية في المأدبة الكبرى التي تقام عند انقضاء الدهر بحضور المسيحَينِ معًا؛ المسيح الكاهن الأعظم ومسيح إسرائيل الذي يتحدَّر من نسل داود. وفي هذه أيضًا لا يجوز البدء بتناول الطعام قبل البركة من «المسيحَينِ» المسيح الكاهن أولًا ثم مسيح إسرائيل.١٩ وجاء في مصنفات فيلون الإسكندري ويوسيفوس المؤرخ وصف لوجبة مشتركة عند الحاسيين يتَّفق مع ما ذكرنا عما كان عند جماعة قمران.٢٠ ولجأت بعض الأخويات الوثنيات إلى مثل هذه المأدبات المقدسة، ولكن الفارق بين ما مارسه الحاسيون وبين سر الشكر عند المسيحيين ظلًّا كبيرًا جدًّا؛ فالمسيحيون اتَّحدوا بالمسيح لتقديس النفس والجسم، أما الحاسيون، فإنهم لم يروا في مأدبتهم سوى نموذج سابق لما توقعوا حدوثه عند انقضاء الدهر.٢١
وقضى القمرانيون ليلهم في قراءة الكتاب وتفهُّم معانيه وأحكامه، فانقسموا أثلاثًا، فقرأ كل ثُلث منهم ثُلث الليل، ثم أفسح المجال لغيره بعده، فأحيوا بذلك الليل كله قارئين مُستمعين مُتَّعظين مُصلين٢٢ مُتمِّمين ما قاله الرب إلى يشوع (١ : ٨): «لا يبرح سِفر هذه التوراة من فيك، بل تأمل فيه نهارًا وليلًا لتحفظه وتعمل بكل المكتوب فيه، فإنك حينئذٍ تقوم طرقك، وحينئذٍ تفلح.»

وقلَّب آخرون طَرْفهم في السموات، وسامروا النجوم ورقبوا الكواكب ورعوها ليتبيَّنوا خُطة الله فيها، وكتبوا في ذلك ودوَّنوا. فهنالك درج يتضمن أثر النجوم والكواكب في مصير الإنسان جسدًا وعقلًا. وهنالك ما يبحث في تغييرات الطقس وآثارها في الحوادث الجارية: فبرْقة أو رعدة معيَّنة قد تُنبئ بوصول غريب إلى قمران أو بوقوع حادث غير عادي.

وكان المصريون منذ أواخر الألف الخامس قبل الميلاد، منذ السنة ٤٢٤١، قد استعاضوا من السنة القمرية بسنة شمسية مُؤلَّفة من اثني عشر شهرًا، كل شهر منها ثلاثون يومًا، ومن خمسة أيام تضاف إليها عند النهاية وتُعتبر أعيادًا. ولا يُستبعد أن يكون الإسرائيليون قد أخذوا هذا الحساب عن المصريين بواسطة الفينيقيين في أيام المملكة، وأن يكونوا قد استمرُّوا في استعماله في طقوسهم الدينية حتى عهد خلفاء الإسكندر، ثم جاء أنطيوخوس الرابع، فحاول تغيير «الأزمنة» مع الشريعة (دانيال ٧: ٢٥)، وأوجب اعتماد الحساب القمري، فكان ما كان من أمر «الكاهن الكاذب» يوناثان ومن أمر «معلم الصدق»، ونزوح هذا عن أوروشليم وإقامته في قمران.

figure
مقطع من درج قانون جماعة قمران (العمود ١٠).
وأدى هذا الخروج من مدينة القدس والاعتزال في قمران إلى درس الحساب القديم وإعادة النظر فيه. ومن هنا هذه الوريقات الباقية في موضوع الحساب في الكهف القمراني الرابع. ويُستدل من هذه الوريقات وغيرها أن السنة في قمران تألَّفت من اثني عشر شهرًا، وكل شهر من ثلاثين يومًا، وأن الجماعة أضافوا أربعة أيام يومًا في كل فصل من فصول السنة، فأمست سَنتهم اثنين وخمسين أسبوعًا، فجاءت تواريخهم في اليوم نفسه من الأسبوع في كل سنة، فبدءوا كل سنة مثلًا في يوم الأربعاء، واحتفلوا بالفِصْح في مساء الثلاثاء من كل سنة. ولا يخفى أن الله خلق الكواكب في اليوم الرابع، وأنه لم يكن هنالك نور، ولم يكن نهار ومساء قبل خلق الكواكب.٢٣ ولعل في هذا الاختلاف بين الحسابين ما يُفسِّر ظاهرة التفاوت بين نصوص الأناجيل الثلاثة، ونص إنجيل يوحنا فيما يتعلَّق بفِصْح اليهود وأسبوع الآلام.٢٤

شعب جديد وعهد جديد

وليس في أدب قمران عن الله وعن الكون والإنسان ما يُناقض الأُسس التي قامت عليها أحكام العهد القديم. فالأسفار المقدسة ظلت في نظر الإخوان سيدة الموقف، وخروج اليهود على أحكامها خروجًا متتاليًا قرَّب موعد انقضاء الدهر وأوجب التفاف الإخوان حول «المعلم»، وانصياعهم إلى نصائحه والقيام بما فرضه من عزلة وتوبة وشظف عيش.٢٥ وأمست علاقتهم بالله، عز وجل، هي تلك التي أعلنها أرميا النبي في الفصل الحادي والثلاثين من نبوَّته:٢٦

ها إنها تأتي أيام يقول الرب أقطع فيها مع آل إسرائيل وآل يهوذا عهدًا جديدًا لا كالعهد الذي قطعتُه مع آبائهم يوم أخذتُ بأيديهم لأُخرجهم من أرض مصر؛ لأنهم نقضوا عهدي فأهملتهم أنا، يقول الرب. ولكن هذا العهد الذي أقطعه مع آل إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب، هو أني أجعل شريعتي في ضمائرهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا.

وجاء هذا العهد الجديد مربوطًا في نظر الإخوان بموهبة خصوصية منحها الله لمُعلِّم الصدق لفهم وعوده، عز وجل، وعهوده، وأمسى الإخوان ينتظرون انقضاء الدهر ويترقبون الرؤى التي كانت تحلُّ على المعلم، وباتت شرائعهم شرائع وقْتية لا بد من الاستعاضة عنها عند انقضاء الأجل بالشريعة الجديدة الدائمة.٢٧
وبان فرقٌ بين تعاليم العهد القديم وتعاليم «المعلم» في شروط الانتماء للشعب الجديد، فلم يكتفِ المعلم بأن يكون المرشح من شعب الله المختار، بل أوجب على كل مرشح أن يتخذ قرارًا لنفسه «ينتدب» به نفسه للشريعة.٢٨ وافترض في هذا المُنتدب أن يكون خاليًا من كل عيب جسدي أو أدبي. فقد جاء بين مُخلَّفات الكهف القمراني الرابع٢٩ نص يُكمل ما جاء في مخطوط دمشق من حيث الانتماء إلى الجماعة. فلا البُله ولا الحُمْق ولا الهُبْل ولا المجانين ولا العُمي ولا المُقعَدون ولا العُرْج ولا الصُّمُّ، ولا القُصَّر يدخلون في عِداد الجماعة. ولعل في هذا النص ما يوضح ما جاء في إنجيل لوقا (١٤ : ٢١)، ويُظهر الفرق الظاهر بين رسالة السيد المُخلِّص وبين تعاليم هؤلاء القمرانيين؛ فرسالة السيد المسيح عالمية تشمل جميع خلق الله ورسالة هؤلاء محصورة مقفلة سرية.٣٠

ثنائية كونية

ورأى الإخوان في قمران نزاعًا دائمًا بين الخير والشر، وقالوا: إن الله خلق روحين: روح الحق وروح الشر، ووزَّعهما على البشر أجمعين لتقوداهم في أعمالهم، فكل ما هو حق من عالم النور ينبثق، وكل ما شر من آبار الظلمة ينبع، وأبناء الحق في طريق النور يسلكون وأمير الأنوار يتَّبعون، أما أبناء الشر فإنهم في طُرُق الظلمة يتيهون ولملوك الظلام يخضعون، والشر والخطيئة بأمره يصنعون.٣١ والعالم الأرضي الذي عاشوا فيه كان مملكة بليعال، أما زعيم الصلاح فإنه كان ميخائيل.
وأدت هذه الثنائية إلى القول بحرب نهائية فاصلة بين أبناء النور وأبناء الظلام ينتصر بها القمرانيون على العالم أجمع بقيادة الملاك الرسول الأمين ميخائيل. وإذا كان بإمكاننا أن نجد بعد العناء جذورًا للقول بروحين في الأسفار القديمة، فإنه يصعب العثور على ما يُحبذ فكرة جهاد مُقدَّس يقوم به أفراد قمران، فيستولون على العالم أجمع، فلا بد والحالة هذه من الاعتراف بأثر بالغ للثنائية الفارسية في تطوُّر الفكر القمراني.٣٢ وإليك ترجمة أنشودة من أناشيد هذه الحرب كما جاءت في درج النور والظلام.٣٣ يعود الفضل في نقلها إلى العربية إلى الأستاذ إبراهيم مطر في كتابه مخطوطات البحر الميت وجماعة قمران:
انهض أيها المحارب واحصد أيها الشجاع، وضع يديك على رقاب أعدائك ورجلك على أكوام موتاهم … اضرب الشعوب المعتدية واضمن المجد واملأ ميراثك بالبركات. فهذا هو اليوم الذي عيَّنه الله لإذلال مملكة الشر، فإنك يا الله ترسل عونكَ الدائم لمن لهم نصيب في خلاصك على يد ملاكك القوي ورسولك الأمين ميخائيل، ويُرسل الله نورًا أبديًّا؛ ليُضيء سبيل أبناء النور وينصرهم على أعوان الظلام ويملأهم بالفرح، وكل الذين وضعوا اتكالهم على الله ينالون البركة والسلام.٣٤

نبي ومسيحان

وعاد أحبار قمران إلى سِفر التثنية (١٨ : ١٨) وربطوا هذا بما جاء قبله في (٥ : ٢٨)، ثم استشهدوا بسِفر العدد (٢٤ : ١٥) وسِفر التثنية (٣٣ : ٨)، فقالوا بنبي وبمسيحَينِ يُعدُّون طريق الخلاص، ويصلون إلى انقضاء الدهر. والإشارات هنا هي إلى الآيات: «وأُقيم لهم نبيًّا من بين إخوتهم مثلك وأُلقي كلامي في فيه.» «وقال الرب لي: قد سمعتُ صوت كلام هؤلاء الشعب.» «يسعى كوكب من يعقوب ويقوم صولجان من إسرائيل فيحطم طرفي موآب … ويتسلط الذي من يعقوب ويهلك من كل مدينة من بقي.» «واللاوي قال: حقك ونورك يكونان لرَجلك التقي الذي امتحنتَه في ذات المحنة وخاصمته على مياه الخصومة.»

نقول: عاد الأحبار إلى هذه النصوص، فانتظروا نبيًّا مُمهِّدًا، ومسيحَينِ؛ واحدًا من هارون، وآخر من إسرائيل.٣٥ وليس لدينا في أدب قمران ما يُعيننا على التعرف بالنبي، ولكننا نجد ما يُفيد أن المسيحَينِ كانا شخصين مختلفَينِ:٣٦ فمسيح هارون هو الكاهن الأعظم الذي يُظهر معنى كلام الله الحقيقي ويُنفِّذ الشريعة الجديدة؛ ومن هنا لقبه «دارس التوراة» في بعض مُخلَّفات الكهف الرابع. وهو يُلقَّب أيضًا بالمعلم الشرعي للتفريق بينه وبين المُسحاء والأنبياء الكَذَبة.
ومسيح إسرائيل هو مسيح يهوذا التقليدي الذي يتحدَّر من صُلب داود؛ ومن هنا اللقب «سمخ داود»، والسمخ في العبرية والعربية واحد هو النوع، وسَمخَ الزرع بمعنى طَلَعَ. ولعل الأحبار عادوا في ذلك إلى نبوَّة زكريا (٦ : ١٢): «هو ذا الرجل الذي اسمه النَّبت، إنه ينبت من ذاته ويبني هيكل الرب»، ومسيح إسرائيل في نصوص قمران هو زعيم سياسي فقط.٣٧

ويُلاحظ أن الدولة المُنتَظرة التي تقوم عند انقضاء الدهر هي، في الأدب القمراني، دولة ثيوقراطية يرأسها كاهن وملك، ويتقدم فيها الأول على الثاني كما جرى لليهود في عهد الفرس وعهد خلفاء الإسكندر، أو على غِرار واقع الحال عند قيام الحركة القمرانية!

١  I Q S II, 21 f.
٢  I Q S VI, 8 ff.; Rabin, Ch., Qumran Studies, (1957), 95–111.
٣  I Q M II, 8; Milik, J. T., Dix Ans, 64.
٤  C D, 14, 8, 13.
٥  I Q S, VI, 14, VII, 11 f.
٦  I Q S. VIII. 1 f.; Gen., 46: 11.
٧  C D, X, 4 f.
٨  Milik, J. T., Dix Ans, 65; Jones, A. H. M,, The Greek City, 165 ff.
٩  I Q S, VI, 3 f.; C D 13, 2; I q 28 a, II, 22.
١٠  Josephus, Antiq. XVIII, 1; Milik, J. T., Dix Ans, 65; Burrows, M., Dead Sea Scrolls, 234.
١١  Milik, J. T, Dix Ans, 65-66.
١٢  I Q S, VI, 1.
١٣  I Q S, VI, 13–23; War, II, 8.
١٤  Josephus, Vita, II.
١٥  I Q S, VI, 25; C D, 14, 20.
١٦  I Q S, I; Allegro, J. M., The People of the Dead Sea Scrolls, (1959), 33-34; Milik, J. T., Dix Ans, 67.
١٧  I Q S, VI, 8–13; I Q S a II, 11–17; Josephus, War, II, 132; Philon, Quod Omnis Probus Liber, 81; Milik, J. T., Dix Ans, 67; Dupont-Sommer, A., Ecrits, 60.
١٨  I Q S, VI, 4-5.
١٩  I Q S a, II, 17–22.
٢٠  Philon, Quod Omnis, 86. Apologia pro Iudaeis, 11; Josephus, Bel, II, 8, Antiq, XVIII, 1.
٢١  Milik, J. T,, Dix Ans, 68–70.
٢٢  I Q S, VI, 7-8; Philon, Quod Omnis, 81; Dupont-Sommer, A., Ecrits, 101, n. 2.
٢٣  Jaubert, A., Vetus Testamentum, 1953,250–263; Milik, J. T., Dix Ans, 70–74.
٢٤  Jaubert, A., La Date de la Dernière Cène, Rev. Hist. Rel., 1954, 140–173.
٢٥  C D, 1–8, 19-20.
٢٦  C D, 8, 21; I Q P Hab. II, 3.
٢٧  P. Hab, VII, 1-2, 4-5, II, 5–10; S IX, 10 f; D 14, 18 f.
٢٨  ١ مكابيين ٢ : ٤٢.
٢٩  4 Q D b.
٣٠  Milik, J. T., Dix Ans, 74–77.
٣١  I Q S. III, 18–23.
٣٢  Ploeg, van der J., Excavations at Qumran, 95–105; Milik, J. T., Dix Ans, 81-82.
٣٣  I Q M.
٣٤  I Q M XIX; Dupont-Sommer, A., Ecrits, 211.
٣٥  I Q S, IX, 11.
٣٦  Kuhn, K. G., New Testament Studies. I, 1955, 163–179.
٣٧  Journ. Bib. Lit., 1956, 174–177.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤