رؤيا

«فالتفت قاضي القضاة للفقير، وقال: يا سيدي لوجه الله. وسار يستعطف بخاطر الفقير ويتذلل له، ويلين له الكلام والشيخ شمس الدين يبكي، ويتملق بين يديه. فقال: تتوب إلى الله تعالى؟ فقال: نعم، ولا أعود لمثلها. فقال له الفقير: إن كان لا بد، فسافر إلى ناحية الإسكندرية، واجتمع بسيدي ياقوت العرش، فإنك إن شاء الله تعالى تلقى الفرج على يديه.»

«فاستيقظ الشيخ شمس الدين ابن اللبان، فقام مسرعًا لباب الخلوة، فوجد سيدي ياقوت العرش واقفًا ببابها يهدد، ويهمهم، وله زئير كالأسد، فقال: يا محمد، أبشر، فقد قضيت حاجتك، فإني سقت عليه جميع الأولياء، فلم يقبل، فسقت عليه سيد الأولين ، وقد رأيت ذلك بعينك، فسافر الآن من وقتك ومن ساعتك إلى طندتا، وطف حول صندوق سيدي أحمد البدوي، وأقم عنده ثلاثة أيام، فإن حاجتك قد قضيت إن شاء الله تعالى.»

كتب محمد فريد وجدي في «دائرة معارف القرن العشرين»:

«مما يجب أن يسجل في باب الرؤى التي وقعت كفلق الصبح، ما رأته إحدى السيدات ممن لهن ببيتنا صلة.

رأت تلك السيدة في إحدى السنين، كأن الأستاذ ياقوت العرش المدفون بقرب أبي العباس المرسي بالإسكندرية قابلها، فحاولت الاستتار منه … فقامت خلف باب، فخاطبها بما معناه: إن الله سيعوضها عن صبرها خيرًا، وسيعلي قدرها بين الناس.

ثم قال لها: عدي الشهور، فإذا مضى سبعة عشر، أو سبعة وعشرون يومًا (شك من رائية المنام) ألحق زوجك بوظيفة في الحكومة.

وأعاد عليها قوله: عدي الشهر …

ثم انصرف.

فلما استيقظت أخبرت طائفة من الناس بما رأت. وكان من تلك الطائفة أهل بيتنا. ثم عدوا أيام الشهر، فما وافى اليوم السابع عشر، حتى ألحق زوجها بإحدى الوظائف.

ولا ننسى أن نقول — عقب هذا — إن زوج هذه السيدة لم يكن موجودًا بوظيفة في يوم معين، بل كان أشبه باليائس من التوظف. وكان من بيده توظيفه، مسافرًا في مشتاه بالقاهرة.

ولا ننسى أيضًا أن نقول بأن تلك السيدة رأت الأستاذ ياقوت العرش بهيئة حبشي نحيف الجسم، وأعطت كثيرًا من أوصافه، فرُئِيت مطابقة لما ورد عن سماته في كتب السير.»

(المجلد الرابع، ص ٩٦١)

تصحيح خطأ

ذكرنا في مادة «رأى» عند الكلام على الرؤيا، ص ٩٦١، أن سيدة رأت الأستاذ ياقوت العرش في النوم يكلمها بكلام، جاء فيه هذه العبارة: «عدي الشهر، فإذا مضى سبعة عشر، أو سبعة وعشرون يومًا، ألحق زوجك بوظيفة في الحكومة.»

بعد أن كتبنا ما كتبناه اتفق أن حضرت السيدة صاحبة المنام، فاستعدناها إياه، فأعادته كما كتبناه، إلا أنها قالت إن الأستاذ ياقوت العرش لم يصرح لها بتوظف زوجها في الحكومة، بل قال لها — بعد أن بشرها بالخير والرزق — عدي من الشهر ١٧ يومًا أو ۲۷، ولم يزد!

(المصدر السابق، المجلد الرابع، ص۹۹۷)

رأت أنسية — فيما يشبه الحلم — سيدي ياقوت العرش.

لم تفاجئها رؤيته. استقر القلب في موضعه، منذ التقى بها سيدي المرسي. فاجأها المكان. مسحته بعينيها. تأكدت أنه هو البيت المهجور: الظلمة الشفيفة، والصالة الواسعة، والكنبة الوحيدة الملتصقة بالجدار، والكراسي القديمة، والإطارات المستعملة، وعرق الخشب الضخم يصل ما بين المنتصف وأعلى النافذة المطلة على الشارع الخلفي.

طقطق باب الحجرة، فهبت مذعورة.

غابت — لشدته — تفصيلات المكان. دخل من الباب المغلق رجل في حوالي الأربعين. أيقنت أنه هو الإمام ياقوت العرش: قامته النحيلة، وسمرته الحلوة، وعيناه الواسعتان، المكحولتان، والسكينة الغالبة على حاله، والسبحة الهائلة الحجم تجري على حباتها أصابعه.

لماذا اختار زيارتها حيث تقيم؟ … وهل يعرف أنها منعت تردد الرجال عليها؟

همس محمود عباس الخوالقة في أذنها وهي تميل من شارع الحجاري إلى ميدان المساجد: سأزورك في العاشرة … الليلة.

نقر على الباب في الموعد وهو يتلفت. طال ترقبه، فعلت ضرباته. ظل السكون سادرًا.

غلبه الارتباك حين علا النور في نافذة بالبيت المواجه. ترقبها في زحام شارع الميدان: أين كنت؟

لوت بوزها: لم أعد أذهب إلى البيت.

وهو يلاحقها: أين تقيمين إذن؟

نفضت طرف الملاءة بعصبية: ليس شأنك!

– أنسية!

في صوت برعشه الغضب: كلمة زائدة وأفرج عليك الخلق!

لم تكن أنسية التي عرفها. الخاتم الذي عثر عليه في محطة دمنهور، وسكت عن تنقله بين أصابع الآخرين، يلتقطه كلما ناوشته الرغبة.

أذهله رفضها!

كان قد أمضى يومه في زيارة أخواله بحي أبو الريش. البيت يطل على وابور النور، وعلى المحالج، وتفضي نهاية الطريق أمامه إلى السكة الزراعية. يهمل نداءات حوذية الحناطير. يفضل السير ماشيًا إلى شارع الصاغة، حتى ميدان المحطة.

لاحظ حيرتها وهي تقف على رصيف المحطة.

خمن أنها قدمت بقطار دسوق. انتحى رصيفًا جانبيًّا، واتجه ركابه إلى الباب الخارجي.

تأكدت الحيرة في تنقل خطواتها بين الواقفين على رصيف القطار القادم من القاهرة، والواقفين على رصيف القطار القادم من الإسكندرية. تلقف سؤالها عن المدينة التي يسافر إليها القطار.

قال باندفاعته العفوية: أي قطار تريدين؟

مالت — بالمفاجأة — إلى الوراء. غالبت الارتباك، ومضت ناحية الباب الخارجي.

لحقها صوته: إذا خرجت، فلن يسمحوا لك بالعودة.

أبطأت خطواتها، فأيقن من حيرتها. أخلى وجهه لابتسامة ود: أي قطار تريدين؟

عجزت عن مغالبة دموعها، فبكت. انخرطت في بكاء حاد متواصل. طرف خيط قادها منه إلى بحري. صحبها إلى إسطبل التميمي.

أهمل سؤال أمه في الصباح عن رائحة العليق الملتصقة بجسمه. عاد إلى أنسية قبل الغروب. ترك له شاهين عبد الفتاح، العلَّاف بالموازيني، شقته المطلة على أبو العباس. ثم صحبها إلى أصدقاء عزاب، عرفت التردد عليهم — فيما بعد — وحدها. وعرفت شوارع بحري وحواريه وأزقته. لم يسألها عن البيت المهجور: كيف عرفته؟ ولا من صحبها إليه أول مرة فجعلته بيتًا لها؟ ينتظرها في ناصية سليم البشري، أو في الساحة الواسعة قبالة دكان الحاج محمد صبرة، أو في مدخل السيالة. يحاذيها، ويهمس، بالموعد. يجدها في انتظاره. لا تسأل، ولا تناقش، ولا تعترض … فماذا جرى؟!

لم يزرها منذ تلك الليلة.

لزمت البيت، لا تغادره إلا لقضاء حاجة. خصص لها سيد مصروفًا تنفق منه. جرت النقود في يده من صدقات المحسنين، فترك الفرن. أقام كشكًا في مطلع الدحديرة الخلفية لأبو العباس، ناحية الموازيني. يبيع أدوات المراكب والصيادين: الحبال والأخشاب والفلين وقطع الحديد وبراميل الزفت والبوص والغزل.

روى لها عن الأيام التالية لمغادرة السلطان ضريحه.

أزال عن وجه الحياة في بحري التصرفات الخاطئة. أشرقت مكاشفته، وتلألأت، واستطاعت التصرف في عتمة العوالم المظلمة. انداحت، فبددتها أضواء حضرة الجلال والعزة. طلب الإمام نقله إلى ديوان وزارة الأوقاف. نسي في صلاة الجمعة، فأعاد قراءة الفاتحة، وأخطأ في آيات من سورة البقرة، فعلت أصوات المصلين بالآيات الصحيحة. تغيرت طبيعة الجلسة في درس المغرب. شهد نصف الدائرة — حول الإمام الجديد — مريدين لم يترددوا على الجامع من قبل. اختفى عبد الرحمن الصاوي. أخبر الأقربين أنه اعتزم قضاء بقية أيامه مع أبنائه في القاهرة. هواؤها الجاف يساعد على شفائه من الربو. اكتفى الحاج قنديل بجلسته في الحلقة منذ الصباح إلى العصر. يتردد — دقائق — على قهوة الزردوني، أو مطعم النبلاء، ثم ينصرف إلى بيته في السيالة، لا يغادره إلى اليوم التالي. تصور أبناؤه — في البداية — أنه مريض. ألحُّوا عليه في الخروج والنزهة وشم الهواء، والتردد على مجلس محمد صبرة ودرس المغرب. اصطدم الإلحاح برفض صامت، وإقبال على الصلاة، ربما في غير المواقيت الخمسة. تباطأ إلحاحهم وذوى، فألفوا بقاءه في البيت، لا يغادره إلا لضرورة عمل، أو لصلاة الجمعة. لم يعد يحرص على أدائها في أبو العباس. يضع التلفيعة على كتفَيه، ويعبر الطريق إلى مسجد سيدي نصر الدين، المقابل. يؤدي الصلاة، ويعود. يكتفي بالرد على السلام والتحية، حتى دعوات التميمي بأن يجالسه أمام الإسطبل، يرد عليها بتمتمات مجاملة، مدغمة. وضع حمادة بك همه في الاستعداد للانتخابات. زاد من معارفه بعيدًا عن السيالة، ليعينوه في حملته. تزايدت أعداد الوافدين إلى الجامع. ضاقت بهم ساحته، فاقتعدوا المدرجات، والساحة المقابلة، واستندوا إلى الجدران والنخيل وأعمدة النور، يلتمسون البرء والنصفة والمدد.

اختنقت الكلمات في حلقها: سيدي … أنا لم …

قاطعها في لهجة مشفقة: أعرف.

وأحاطها بعينيه: متى تذهبين إلى بيتك؟

استطرد موضحًا: بيتك أنت وسيد.

خالطت الحيرة صوتها: كل منا في حاله حتى نجد غرفة تئوينا.

قال الإمام: ما يدفعه سيد في قهوة كشك يكفي إيجار شقته.

أحنت رأسها: أصحاب البيوت يرفضون.

رنا إليها بنظرة متأملة: أعرف.

ثم ومضت عيناه بالتذكر: اذهبي في الغد إلى التاجر كمال مصباح. سأزوره الليلة، وأوصيه بك.

أخذ عليها القسم بألَّا تروي ما دار بينهما إلا لسيد. قال: أخاف أن يطالبك الناس بتأكيد ما تقولين. عندي من الضعف والمشغوليات ما يبعدني عن السير في طريق الوهم.

وقال وهو يذوب في الفراغ المحيط: قال سيدنا رسول الله: لست بملك! … والشكوى لغير الله طريق السائرين وراء راية إبليس!

•••

الدكان في شارع الميدان. يبيع المانيفاتورة: أقمشة الكربشيت والبفتة والدمور والشيلان والكشمير والبوبلين والبراقع والملس والكريشة الحرير.

هتف الرجل كأنه ينتظرها: هل أنت؟

في حوالي الخمسين. له حاجبان كثيفان، يعطيان إحساسًا بالقسوة، وإن ناقضتهما الشفتان والملامح الرقيقة لبقية الوجه. يرتدي «بنش» تكشف فتحة صدره عن جلباب من الصوف، ويلف حول عنقه كوفية بنية بشراشيب، ويضع على رأسه طربوشًا أماله ناحية اليسار، وأمسك بيده مسبحة من الكهرمان.

روى لها عن استقباله سيدي ياقوت العرش في نومه، عقب زيارة العرش لها.

قال: هل تعرفين شارع البلقطرية؟

وهي تضم أطراف ملاءتها: نعم.

مد يده في درج المكتب: لي بيت هناك … تخلو شقة بطابقه الأرضي … هي لك ولزوجك.

أخرج من الدرج جنيهات، دفعها إليها.

تراجعت: تكفي الشقة.

قال: الشقة خالية، وتحتاج إلى تأثيث.

أضاف يستحثها على القبول: هذا أمر سيدي ياقوت العرش!

•••

قال سيد: ألا يوجد غير هذه الشقة؟

وهي تعبر بأصابعها: إنها غرفتان وصالة.

قال: أخاف الشارع ولا أرفض الشقة!

همست متسائلة: المخدرات؟!

وأشاحت بيدها مهونة: ما دمنا في حالنا، فلا شأن لنا بما يتاجر فيه أهل الشارع.

وهو يتلاعب بقطعة حبل في يده: هل نسيتِ أن فؤاد أبو شنب يسكن البلقطرية؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤