العاصفة

ثبت الجد السخاوي نظرته إلى جامع أبو العباس. الزحام على الأبواب والسلالم، وعلى الرصيف، وفي الميدان.

فتح حق الدخان. وضع منه في ورقة رقيقة، شفافة. جرى عليها بطرف لسانه. ثم برمها برفق حتى أصبحت سيجارة رفيعة، غير متساوية.

قال: كنا في عز الشتاء لما بدءُوا في تجديد الجامع.

قال عبد الوهاب مرزوق: في ديسمبر ۱۹۲۹.

قال الجد السخاوي: الأيام تجري!

ثم سحب كرسيًّا من الطاولة المجاورة. أسند إليه مرفقيه، وأردف قائلًا: هذه المدينة ملجأ الأولياء.

قال قاسم الغرياني: الأولياء في البلاد كلها.

قال عبد الوهاب مرزوق: عدد كبير من الصحابة والأولياء هاجروا إليها، وماتوا فيها.

قال الجد السخاوي: الشيخ سلامة حجازي يترك الجنة في الليل، فيؤذن للفجر من مئذنة البوصيري.

قال محيي قبطان: والصوت الذي نسمعه؟

قال السخاوي: صوت الشيخ سلامة.

قال محيي قبطان: إنه الشيخ عرابي … مؤذن الجامع.

قال السخاوي: الشيخ عرابي لا يصعد المئذنة لأذان الفجر … حاول، فنزل خائفًا للقاء الشيخ سلامة.

استطرد: حتى الآن … يترك الشيخ سلامة الجنة ليؤذن لصلاة الفجر.

نقل الحديث إلى سيد درويش؛ استمع إليه — للمرة الأولى — في كوم بكير. وجد في ألحانه ما يختلف عن الألحان التي اعتاد سماعها وتنبأ له بمستقبل.

روى عن مصطفى كامل باشا، وهو يلقي خطبة الوداع بتياترو زيزينيا. وسهراته في الهمبرا والكونكورديا، قبل أن يصبحا دارين للسينما. وعن رؤيته لعملية إنشاء رصيف الميناء الشرقية. زمان، في العام الأخير من القرن التاسع عشر، أخذت الإسكندرية من البحر مساحة كبيرة. فرضت — من يومها — ضريبة الاثنين في المائة على مستأجري البيوت، مفروضة لا تزال.

– لماذا؟ … لا أحد يعطيك الجواب.

ثم بنبرة ساخطة: نوقف الخير … ولا نوقف الأذى!

قال قاسم الغرياني: عمر الجد السخاوي من عمر حلقة السمك.

هتف الجد السخاوي في استنكار: هذا يعني أني ولدت أيام محمد علي.

ثم وهو يهز راحته: الحلقة مضى عليها الآن أكثر من مائة سنة!

قيل إنه عمَّر في حياته، لأنه كان يحرص على مضغ طعامه جيدًا، ولا يشبع، وربما استغنى عن طعام العشاء. وكان يقلل من مجامعة زوجته، ويقلل من أثوابه في صيف وشتاء، ويفضل أن يسير على قدميه، إلَّا للمشاوير البعيدة.

قال حمودة هلول: الجد السخاوي يحب الباذنجان في البر … لكنه يتشاءم من وجوده في البلانس!

أطلق قاسم الغرياني ضحكة معابثة: هل تذكر لما عاد بالسرحة، لأنه رآك تقضم ساندوتش باذنجان؟

أعاد عبد الوهاب مرزوق الكلمة: باذنجان؟!

قال الجد السخاوي: حصل! … ولو لم أفعل لواجهنا مصيبة!

أطلق الغرياني ضحكته المعابثة: مصيبة باذنجاني.

هتف الجد السخاوي: أنت قليل الأدب!

كان الجد السخاوي يؤمن بأن الصيادين لا يركبون البحر إلا وآجالهم فيه، لكنه يعود بالبلانس إذا صادف ما يدعو للطيرة، أو التشاؤم. يخشى انقلاب الريح عليه.

فاجأ قاسم الغرياني الآذان: نفسي أشوف الجد السخاوي في بيته.

علا صوت السخاوي بالضيق: البحر هو بيتي!

قال الغرياني: لا … بيتك مع الحاجة!

قال السخاوي في ضيقه: وهل شكوت لك يا ولد؟!

قالب الغرياني: منظرك يوم غرق البلانس أكد حاجتك إلى الراحة.

•••

النوات لها مواعيدها التي يترقبها الجميع، لكنها تأتي كالمفاجأة، تبين ملامحها في الأضرار التي تحدثها.

تغيرت الريح. غشاها لون أصفر. ومض البرق، وتساقطت الأمطار كسيل. علت الأمواج، وعلت، حتى ساوت الجبل، جبل حقيقي من الماء، يتحرك، يبدو مخيفًا في اندفاعه نحو المركب. تخبطت القلوع والشراع والحبال. كورت النوة قبضة الشراسة، وتوالت ضرباتها. هبت بصفير كالنواح. بدأ البلانس في الترنح تحت ثقل الموجات المتتالية. علت المقدمة، وهوت. كأن الأمواج العالية تطويها. تطوي البلانس كله، وتطوي الرجال. لكنها تعلو. يصعد بها الموج، فيتعثرون في أماكنهم.

قال محيي قبطان: الإسكندرية كلها في حالة طوارئ لنوة الغطاس … حتى الميناء منعوا الدخول فيه إلى الممرات أو الانتظار في منطقة الخطاف.

همس الجد السخاوي بما يكفل تسكين الريح: إيقاد سراج من دهن آدمي، تهدأ به الرياح.

كيف نعد الدهن؟!

اكتفى بما قاله، فلم يتكلم عن الوسيلة. وأيقن الرجال أن الجد السخاوي أصابه الخرف.

هبطت موجة عالية، رجت البلانس، ودمرت الكابينة. تسربت المياه من ثقوب كثيرة. تعالت أصوات تكسر وارتطامات وصرخات.

بدا الجد السخاوي متحيرًا، ومتحاذلًا. اعتاد الرجال شخطاته ونطراته وتحذيراته ونواهيه، لكنه احتوى وجهه براحتيه، ونظر إلى الفراغ في ذهول.

جاوز الرجال ارتباكه، وتصرفوا. ألقوا في البحر بالحمولة الزائدة.

هتف حمودة هلول: الدفة انكسرت!

غابت الدفة — في اللحظة التالية — في جبال الأمواج المتتالية.

دوَّى انفجار في المطبخ، وامتدت النيران في الجزء الخلفي من البلانس. ألقى الرجال بأنفسهم في البحر، وسبحوا إلى الجزيرة القريبة، في مواجهة الأنفوشي.

دار البلانس في دوامة، بلا توقف، حتى تحطم هيكله، وابتلعه القاع.

لما هدأت الريح، وسكن البحر، طفت ألواح خشبية، تتقاذفها الأمواج بالقرب من الشاطئ.

•••

قال الجد السخاوي: ماذا تريد يا ولد … هل أترك البحر؟!

قال الغرياني: لكل وقت أذان.

تنهد في نفاد صبر: وما أذان هذا الوقت؟

جاهد الغرياني ليهدأ صوته: أديت رسالتك … وعلينا أن نستكملها.

زوى السخاوي بين حاجبيه: أنتم! من أنتم؟! … ماذا تعرفون عن البحر؟

ورمى الغرياني بنظرة سخط: ماذا تعرف أنت عن البحر؟ … لو أن البلانس واجه نوة فكل ما ستفعله هو الصراخ … وقد يكون السمك تحت البلانس فلا تنتبه.

وغلبه الانفعال: البحر ليس وظيفة نتركها في المعاش … البحر بيتي وحياتي الحقيقية.

ثم وهو يهز قبضتيه: لكن … مَن أكلم؟!

وانتطر في جلسته: ماذا تظن يا ولد؟ … أنا أعرف عن البحر ما لا يعرفه كل الصيادين … وقتكم بين نسائكم والصرمحة في الشوارع … أما أنا، فوقتي كله للبحر والبلانس والصيد.

وفرد ذراعيه بامتدادهما: حتى الآن، أتمدد في الشمس حتى تزول … فهل تستطيعون احتمال حرارتها؟

ثم وهو يغالب اختلاج عينيه: هل أجلس في البيت كالحريم؟!

وداخل صوته حشرجة: أو أفتح لنفسي قبرًا، وأتمدد داخله؟!

قاطعه الغرياني في غضب: يا رجل … لا تحتمِ بشيخوختك!

لم يعد الجد السخاوي يذكر السنوات التي أمضاها في البحر، يطمئن إلى كميات الثلج في الثلاجة، يتمم على الغزل، وعلى الطعام والشاي والسكر والماء العذب وبرطمان العسل. يجد فيه تعويضًا عن كل الأطعمة. يأكل منه ثلاث ملاعق في الصباح، ومثلها قبل النوم. إن لم يتبقَّ من الطعام إلا المعلبات، استعاض به عنها. فوائده لا تحصى: ينقي الكبد والصدر، يدر البول، يلين الطبيعة، يطرد البلغم، يجلي الأوساخ في العروق والأمعاء، يحفظ صحة اللثة والفم. ومع حبه للشمس، فإنه كان يستحم في ماء البحر، طيلة أيام السنة، حتى في عز الشتاء.

كان يحمل في ذاكرته الكثير من الأحاديث والحكايات والقصص والحكم والأمثال والأقوال المأثورة. يرويها لتأكيد آرائه. وكان يحفظ أغنيات البحارة والصيادين، وحكايات ألف ليلة: السندباد ووادي الحيات ووادي الألماز والزبرجد ووحوش البحر والأقزام وطائر الرخ. يروي عن أسماك تتخذ لنفسها لون المنطقة التي تحيا فيها، تبدو جزءًا منها، وأسماك تصدر منها الأضواء، كأنها فانوس سحري. ويروي عن الحيتان في أعالي البحار، تشرب المياه، وترفعها إلى أنوفها، فيحدث الجزر. وتتنفس وتخرج المياه من أنوفها، فيحدث المد.

لم يكن يحمل ساعة. يعرف الوقت بالنظر إلى السماء. وكان يحرص على الخاتم ذي الفص الياقوت في أصبعه. يؤمن بأنه سينجيه من النوات والأعاصير، وينقذه من الغرق. ربما لهذا قاومت شيخوخته، فاستطاع العوم — بعد غرق البلانس — إلى جزيرة الأنفوشي … وكان يثق أن سيدنا الخضر يظهر للسفن التي آمن أهلها، فيرشدها إلى الطريق الصواب. شرب الخضر من ينبوع الحياة، فهو حي حتى يوم الحساب، وهو يظهر للمسلمين في حيرتهم، ويلبس الثياب الخضراء.

ترامى صوت عم سلامة من داخل القهوة: أنا ألجأ إلى الجد السخاوي فيما أواجهه من مشكلات.

تلون صوت الغرياني بسخرية: هل يدلك على أفضل أنواع الطبيخ؟!

قال حمودة هلول: كل الصيادين عرفوا البحر من الجد السخاوي.

أردف بلهجة حاسمة: الجد السخاوي سمكة … إذا غادرت الماء واجهت الموت.

قال الغرياني: هل ينكر الجد السخاوي أن اشتراكه في هوجة عرابي كان السبب في هزيمتها؟

قال السخاوي: لم يبقَ يا ابن الكلب إلا أن تزعم اشتراكي في الدفاع عن رشيد؟!

قال الغرياني: بل حدث … ومشاركتك في الانتصار على الإنجليز حسنتك الوحيدة!

تدخل عبد الوهاب مرزوق مداعبًا: فلنترك للجد السخاوي إذن قيادة الجيش المصري في فلسطين.

التفت الغرياني إلى الطريق. مصمص شفتيه في حزن: ماذا جرى لك يا علي؟

اعتاد الناس تصرفاته الغريبة. يمشي ويقف ويجلس ويقوم ويكلم نفسه ويغني ويرقص ويبكي ويصرخ ويطلق الضحكات ويتهدج بالأدعية. ركب — ذات عصر — عصا من الجريد، لها عينان وأنف وفم، وطاف بها الميدان، حول البوصيري وأبو العباس وياقوت العرش والأولياء الاثني عشر.

قال حمودة هلول: لماذا لا يذهب علي الراكشي إلى فلسطين، فيقضي على اليهود ببركته؟!

اتجه ياقوت بالخرطوم ناحية الأولاد. ضغط على فتحته بأصبعه فاندفعت المياه، وأغرقت أجسامهم وملابسهم.

جروا ناحية الشوارع الجانبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤