مصادفات سيئة وخطأ قاتل!

أخذ القارب البخاري الصغير يشقُّ طريقَه بقوة وسط الأمواج … مبتعدًا عن فينسيا … يحمل الشياطين الأربعة: «أحمد»، «إلهام»، «عثمان»، و«زبيدة».

وجلسَت «زبيدة» على سطح القارب ترقبُ المدينة العائمة من بعيد … حيث كانت آلاف الأضواء تتراقص على صفحة المياه … منعكسةً من شوارع المدينة ومحلَّاتها ومنازلها … وكانت الريح قد بدأَت تهبُّ في نصف الساعة الأخيرة بشدة.

لقد انتهَوا من مغامرة من أكثر مغامراتهم إثارةً وعنفًا … ضد مجموعة من أكبر عصابات التهريب. لقد كانت المهمة في البداية سهلةً، وكان على «أحمد» أن يُقابلَ شخصًا معينًا ويعطيَه مظروفًا، ويتسلَّم منه مظروفًا … وكان الموعد في ميلانو … ولكن الأمور لم تَسِر بهذه البساطة … ففجأةً دوَّت المسدسات والمدافع الرشاشة، وانتقل الصراع من ميلانو إلى فيرونا، ثم إلى فينسيا حيث التقَوا بالمطربة الشابة الشهيرة «كارميلا»، التي سلَّمَتهم المظروف بعد مصرع والدها.

لقد عرَف الشياطين في النهاية أهميةَ هذا المظروف … إن به قائمةً بأسماء أخطر مهرِّبي المخدرات إلى الشرق الأوسط … وبوصول هذا المظروف إلى رقم «صفر» ستبدأ المطاردة المميتة لهؤلاء المهرِّبين.

كان المظروف المغلَق في جيب «أحمد» الداخلي … وكان يجلس في مقدمة القارب يفكِّر في الأحداث التي مرَّت به … منذ وصل إلى ميلانو منذ أيام إلى أن ودَّع المطربة الجميلة «كارميلا» منذ ساعات وتركَها تحت رحمة العصابات التي كانت تعرف أهمية المظروف.

لقد قالت له «كارميلا» إنها ستُغادر إيطاليا كلَّها إلى فرنسا … وتبعد تمامًا عن دائرة الصراع خاصةً بعد مصرع والدها «بازوليني» الذي اختلف مع العصابات، وقرر أن يترك أعمال التهريب ويعيش حياته كمواطن شريف مع ابنته … ولكن العصابات طاردَته حتى قضَت عليه … في نفس اللحظة التي فتح له «أحمدُ» البابَ حسب موعدهما الذي رتَّبه رقم «صفر».

فجأةً أخذ القارب يرتعش أمام الأمواج التي تزايد ارتفاعُها تدريجيًّا مع هبوب الريح، وكان البحار الإيطالي العجوز الذي يقود القارب يقف أمام عجلة القيادة محاولًا السيطرةَ عليه، ولكن كان واضحًا من ترنُّح القارب أمام ضربات الأمواج القوية أن مهمَّتَه صعبة … بل مستحيلة …

كانت وِجْهتهم الميناء الإيطالي «تريستا» عبر البحر الأدرياتيكي … واقترب «عثمان» من «أحمد» وهو يترنَّح مع القارب قائلًا: يجب أن نفكِّر في حلٍّ آخر. إن الوصول إلى القمر بهذا القارب أسهل من الوصول إلى تريستا!

وفجأةً جاءت موجةٌ عالية رفعت القارب الصغير بضعةَ أمتار إلى فوق، ثم هوَت به إلى أسفل … وبدَا للحظة أن القارب غارقٌ لا محالة … ولكنه لم يغرق وإنما امتلأ بالماء … ووجد الشياطين الأربعة أنفسهم يعومون وسط القارب الصغير وهو يترنح. وصاح البحَّار الإيطالي العجوز يطلب نزْحَ المياه … وأخذ الشياطين يبحثون عن أدوات لهذه المهمة … وبعد دقائق خطيرة استطاعوا أن يجدوا بعض الآنية … وبدءوا في نزْحِ المياه … ولكن كان واضحًا أن ما يفعلونه عبثٌ … فقد اشتدت سرعة الرياح … وأخذت المياه تتسرَّب إلى القارب بشكل متصل.

وأسرع «أحمد» إلى البحار وصاح محاولًا رفْعَ صوته فوق صوت الرياح: إن القارب يغرق!

صاح البحار: لا بد من العودة إلى فينسيا مرةً أخرى!

أحمد: فلنَعُد إلى أيِّ مكان في العالم … المهم ألَّا نغرق ونحن بعيدون جدًّا عن الشاطئ.

وبدأ البحار يحوِّل دفة القارب تجاه الشاطئ البعيد …

وشيئًا فشيئًا بدءوا يقتربون من الشاطئ … نفس الشاطئ الذي غادروه منذ ساعات قليلة هاربين من «اتحاد العصابات» الذي يسيطر على التهريب في البحر المتوسط … خاصةً إلى الشرق الأوسط.

واستمر الكفاح الرهيب ضد عناصر الطبيعة الثائرة … حتى إذا بدَت بشائر الفجر تلمع في الأفق … أخذ القارب يقترب من شاطئ فينسيا يحمل مجموعة الشياطين وقد أغرقتهم المياه وحلَّ بهم التعب …

وتذكَّر «أحمد» والقارب يصطدم بالشاطئ … اسم فندق رآه في تجواله في المدينة يطلُّ على القناة الرئيسية في وسط المدينة … هو «فندق سان سباستيانو»، وقد كان قريبًا من حيث رسَا القارب … فأسرعوا يحملون حقائبهم ويتجهون إليه.

استيقظ كاتب الفندق العجوز ينظر في دهشة إلى الشياطين الأربعة الذين يقفون أمامه … كانوا يقطرون ماءً جميعًا … وحقائبهم أيضًا، وقال «أحمد»: هل نجد غرفتين متجاورتين؟

أخذ الكاتب يفحص سجلَّاته لحظاتٍ، ثم قال: نعم … الدور الثالث … الغرفة ١٦ سريرين والغرفة ١٨ سريرين.

وسلَّمه «أحمد» جوازات سفرهم … ثم صعدوا مسرعين إلى الدور الثالث، وسرعان ما كانت «زبيدة» و«إلهام» تحتلَّان الغرفة ١٦، و«أحمد» و«عثمان» يحتلَّان الغرفة ١٨ … وكان الأربعة في غاية التعب بعد ليلة بلا نومٍ حفلت بمختلف الأخطار … فاستبدلوا ثيابهم واستغرقوا جميعًا في نوم عميق.

•••

عندما استيقظوا كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة صباحًا … وكان في انتظارهم أسوأ مفاجأة يمكن أن تحدث لمغامر … بل لأي شخص على الإطلاق … فعندما بدءوا يجمعون ثيابهم استعدادًا للرحيل … بحث «أحمد» عن المظروف الخطير الذي حضر من أجله إلى إيطاليا والذي مات بسببه «بازوليني» وعدد آخر من رجال العصابات … المظروف المهم الذي يسعى خلفه اتحادُ العصابات الإيطالية … فلم يجده.

بحث «أحمد» في جيوبه كلِّها عن المظروف … ولكن المظروف لم يكن موجودًا … وكان الشياطين الثلاثة: «إلهام»، و«زبيدة»، و«عثمان» … ينظرون إلى «أحمد» في إشفاق وهو يقلب جيوبه في جنون … دون أن يعثر للمظروف على أثر.

واقتربت «إلهام» منه ووضعَت يدها على ذراعه قائلةً: ليس هذا وقت الغضب وفَقْد الأعصاب … إننا نرجو أن نفكر بهدوء … لقد رأينا «كارميلا» وهي تُسلِّمك المظروف وشاهدناك وأنت تضعه في جيبك الداخلي، فهل نقلته بعد ذلك من مكانه؟

أحمد: مطلقًا … لقد فكرت أن أضعه في حقيبتي، ولكن الوقت لم يتَّسع، فقد خرجنا من عندها مسرعين لنلحق بالقارب.

إلهام: في هذه الحالة هناك احتمالان لا غير … أن يكون المظروف قد انزلق من جيبك أثناء نَزْح المياه في القارب … أو يكون قد دخل شخص ونحن نائمون وأخذ المظروف.

تدخَّل «عثمان» في الحديث قائلًا: إنني متأكد أن أحدًا لم يدخل ونحن نائمون … لقد أغلقتُ باب الغرفة بنفسي، ووضعتُ خلفه كرسيًّا زيادةً في الحيطة والحذر حتى إذا حاول شخص الدخول سقط الكرسي … واستيقظنا على صوته.

إلهام: إذن فإن المظروف سقط في القارب.

وبسرعة انطلق الأربعة من الفندق جريًا إلى حيث تركوا القارب غير بعيد … ولكن نظرة واحدة جعلَتهم يقفون في أماكنهم على بُعْد أمتار من المكان … فالقارب لم يكن موجودًا.

وكان «أحمد» أول مَن تحرَّك مسرعًا إلى حيث كان بعض بحارة القوارب يجلسون في الظل يتحدثون، وقال «أحمد» موجِّهًا الحديث إليهم: كان هنا قارب هذا الصباح؟

ردَّ أحدهم: نعم … قارب «برونو».

أحمد: وأين هو الآن؟

البحار: لقد استعان ببعض الزملاء، وجرُّوه بعيدًا إلى قناة جيديكا للإصلاح.

أحمد: وأين الورشة التي سيتم الإصلاح فيها؟

البحار: أستطيع أن أقودك إليها إذا شئت.

وقبل أن يركب الأصدقاء القارب قال أحد الرجال: لقد أصبح «برونو» مهمًّا جدًّا … فقد سأل عليه أشخاص قبل ذلك!

التقطَت أُذُنَا «أحمد» هذا الكلامَ، فسأل الرجل: متى؟

ردَّ الرجل: أمس ليلًا … ثم هذا الصباح … ولكنه لم يكن موجودًا، وقالوا إنهم سيبحثون عنه.

صاح «أحمد» بصاحب القارب: هيَّا بنا.

وانطلق القارب يحمل الشياطين الأربعة … وكان واضحًا أن كلَّ شيء يسير من سيِّئ إلى أسوأ؛ فقد يكون الرجال الذين سألوا عن «برونو» من رجال العصابات … وسوف يعرفون مقرَّهم … وتبدأ سلسلة جديدة من المعارك.

والأهم من ذلك كله … كما قال «أحمد» محدِّثًا نفسه: ضياع المظروف الذي ثارَت من أجله كلُّ هذه المعارك.

وانطلق القارب بهم مسرعًا حتى وصلوا إلى مبنًى قديمٍ تناثرَت حوله القوارب، وقال البحار: هذا هو قارب «برونو» … إنهم لم يسحبوه بعدُ إلى الشاطئ لإصلاحه.

وتطلَّع الشياطين الأربعة إلى القارب بقلوب خافقة … هل يجدون المظروف به أم أنه ضاع … أم استولت عليه العصابات؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤