اللغز!

قالت «زبيدة»: أعتقد أن من الأفضل أن ننتظر حتى نتلقَّى مكالمة رجال العصابة … إنهم يطلبون تسليم المظروف مقابل إطلاق سراح «كارميلا» … وأمامنا أن نسلِّمَهم المظروف أو نخوض صراعًا ضدهم.

أحمد: من المستحيل تسليمهم المظروف!

زبيدة: إذن فليس أمامنا سوى الصراع لانتزاع «كارميلا» دون تسليم المظروف.

قالت إلهام فجأةً: عندي اقتراح. إن في هذا المظروف جميعَ المعلومات التي تكشف حقيقة العصابات … لماذا لا نطلع عليه؟! إن رقم «صفر» لن يعترض … فهو قد يكلِّف الشياطين اﻟ «١٣» بالقضاء على هؤلاء المجرمين الذين يُهرِّبون المخدرات إلى بلادنا … وقد قضينا على بعضهم بالأمس … فلماذا لا نستخدم المعلومات التي بالظرف للصراع المقبل؟!

قالت «زبيدة»: معقول جدًّا!

عثمان: وأنا موافق.

أصبحت الأغلبية في جانب فتح المظروف، وهكذا أخرج «أحمد» مطواة صغيرة من جيبه وفتح المظروف … وتركَّزت الأنظار على الأوراق التي خرجَت منه، وصاح «أحمد»: شيء مدهش … إنه بخط «بازوليني»!

إلهام: فعلًا … إنني أتذكَّر الخط الذي كان على المظروف الضائع … إنه نفس الخط، نفس الحبر!

عثمان: غير معقول … معنى هذا أن «بازوليني» ما زال حيًّا!

أحمد: غير ممكن … لقد سقط أمامي ميتًا … وأنا لا يمكن أن أُخطئ.

عثمان: لعل الذي مات أمامك لم يكن «بازوليني»؟

أحمد: وأين هذا القصر؟

الرجل: عند نهاية قناة «جوديكا» جنوبًا.

أحمد: وأين «كارميلا»؟

مضَت لحظاتُ صمتٍ ثم سمع «أحمد» صوتَ «كارميلا» تقول: إنني ما زلت حيةً!

أحمد: تشجعي …

ولكن قبل أن يُكمل جملته كانت السماعة قد وُضعت عند الطرف الآخر للخط.

قال «أحمد» وهو يُسرع نحو الباب: ساعتان مدة كافية …

إلهام: إلى أين أنت ذاهب؟

أحمد: لقد حللت اللغز … أو أظن أنني حللته؟

إلهام: كيف؟

أحمد: سأقول لكم عندما نلتقي … اطلبوا فرانك … وليأتِ بالقارب، والحقوا بي عند محطة «سانتا كيارا»!

إلهام: متى؟

أحمد: كيف؟ … لا بد أن زوجته وابنته رأتَا الصورة في الجرائد وعرفتَا أنه هو!

زبيدة: إن الأوراق مكتوبة بالإنجليزية … هل كان «بازوليني» يعرفها؟

أحمد: على ما أظن أنه كان يعرفها.

زبيدة: إذن ﻓ «بازوليني» ما زال حيًّا يا «أحمد» … رغم أنك رأيته يسقط أمامك ميتًا، ورغم تعرُّف زوجته وابنته على صورته في الجرائد!

أحمد: مستحيل!

وفجأةً خبط «أحمد» رأسَه بيده: إن هناك شيئًا مفقودًا في هذه العملية كلها … وهو قريب جدًّا من ذهني … إن «بازوليني» مات فعلًا … والخطاب الأول الذي كتبه فُقد في البحر … وهذا خطاب بخط «بازوليني» … أين الحلقة المفقودة؟

وفي هذه اللحظة دقَّ جرس التليفون … وكان رجل العصابة يتكلم على الطرف الآخر وسمعه «أحمد» يقول بصوت صارم: الموعد بعد ساعتين عند بوابة قصر «مانشيني»!

أحمد: سأنتظركم بجوار كشك الجرائد هناك.

وغادرهم «أحمد» مسرعًا دون أن يُضيفَ كلمةً واحدة. وبعد أن وضع الخطاب في يدِ «إلهام» التي أسرعَت تضعه في حقيبة يدها مع مسدسها.

انطلق «أحمد» إلى محطة الأتوبيس البحري، فاستقله إلى «سانتا كيارا» … ولم تكن المسافة تزيد على العشر دقائق. قضاها وهو واقفٌ يفكِّر ويتحسَّس مسدسَه بين لحظة وأخرى. إن اللغز قد أصبح واضحًا … ولكن المهم أن يتأكد.

عندما نزل في محطة «سانتا كيارا»، أسرع إلى بائعة جوز الهند … كانت مكانها وقد تجمَّع حولَها عددٌ من السياح يأكلون شرائح جوز الهند وهم يضحكون. وانتظر «أحمد» حتى انتهت المجموعة وأصبحت السيدة العجوز وحدها ثم تقدَّم منها قائلًا: سنيورة … هل تساعدينني؟

تراجعَت السيدة للخلف قليلًا وقد بدَت عليها الدهشة، فعاد «أحمد» يقول: أرجوكِ ألَّا ترفضي … فحياة سيدة شابة معلَّقة بين يديك.

قالت السيدة: إنني مندهشة … ماذا تريد مني؟ … ومَن هي السيدة الشابة التي تتحدث عنها؟

أحمد: إنها المطربة «كارميلا».

أغمضَت السيدة العجوز عينَيها كأنما تريد إخفاءَ ما بدَا فيهما، وقال «أحمد»: هناك رجلٌ مرَّ بكِ منذ ساعات … ورسمتِ علامةَ الصليب … لماذا فعلتِ هذا؟

ردَّتِ السيدةُ بلا وعي: جاتو نيرو … جاتو نيرو …

ترجم «أحمد» الكلمتَين على الفور … القط الأسود … وتذكَّر أن هذا الاسمَ ضمن أسماء كثيرة في عالم الإجرام درسوها في المقرِّ السريِّ … إنه زعيم من زعماء العالم السفلي لا يعرفه أحد … ولم ينتظر «أحمد» لتُضيف السيدة أيَّ كلمة أخرى بل تركها وانطلق … لقد وضح كلُّ شيء وهو الآن يعرف سرًّا من أخطر أسرار العالم السفلي … عالم المجرمين العتاة … مضى «أحمد» في اتجاه «سانتا كيارا» وهو يتذكَّر كلمةً يتداولها عالم اللصوص المجرمين: لا تدَع مخالب القط الأسود تصل إليك.

وتوقَّف «أحمد» في ظل أحد المحال الصغيرة وأخذ يتأمل الفندق الصغير … إن واجهته تُطلُّ على الجراند كانال … وخلفه صخرة ضخمة بجوارها أعمدة التليفونات … هل يحالفه الحظُّ ويتسلق الصخرة وعمود التليفون دون أن يراه أحد؟ … إنه يريد أن يفاجئ «جياكومو» … وإلا ضاعت الفرصة إلى الأبد.

دار حول الفندق، ولحسن الحظ وجد الجانب الخلفي منه مظلمًا … وتقدم بهدوء وتسلَّق الصخرة، ثم قفز إلى عمود التليفون، ووجد نفسه بعد أن تسلَّق حوالي المترين على بُعدٍ معقول من نافذة مفتوحة، واستجمع قوته وقفز، وتعلق بالنافذة لحظات ثم اعتمد على عضلات كتفَيه وذراعَيه ورفع جسمه تدريجيًّا، ثم دخل من النافذة … ووجد نفسه في الممر الطويل الذي مرَّ به من قبل … ولاحظ أن غرفة «جياكومو» مضاءة، وعرف أنه بداخلها.

تقدم بهدوء حتى وصل أمام الباب … ووضع أُذُنَه عليه … وتبيَّن أن هناك حركة أقدام في الداخل … هل «جياكومو» وحده، أم معه أحد؟!

أخرج «أحمد» مسدسه، تم أدار مقبض الباب ودفعه ودخل … أعشَى الضوءُ عينَيه لحظات، ولكنه شاهد «جياكومو» يفتح درجًا في المكتب، فصاح به: دع ما في يدك!

ابتسم «جياكومو»، وقال: ماذا حدث يا صغيري؟ … ألم تستمع إلى نُصْحي؟

كان «جياكومو» يقف وهو يرتدي ثيابَه الكاملة … وكانت الخزينة مفتوحةً … وعلى المكتب حقيبة سوداء حاول «جياكومو» إغلاقَها، ولكن «أحمد» قال بصرامة: سنيور … جاتو نيرو …

لاحظ «أحمد» على الفور ما أصاب «جياكومو» من فزع، تحوَّل سريعًا إلى نظرة كراهية وحقد شمل بها «أحمد» من رأسه إلى قدمَيه، وقال: ماذا تعني؟

نظر «أحمد» إلى ما فوق المكتب بنظرة خاطفة … كان هناك قفازٌ أسود له مخالب تُشبه مخالب القط، ولكنها أكبر.

أحمد: أنت تعرف ما أعني … لقد وشيتَ ﺑ «بازوليني» فقُتل … وأخذت المظروف الذي سلَّمه لك لتُعطيَه لي، فنزعتَ الغلاف، وأخذتَ ما به من أوراق، ووضعتَ أوراقًا أخرى وسلَّمت «كارميلا» المظروف … عليه خطُّ والدها الذي تعرفه … ولكنَّ في الداخل شيئًا آخر … وقد ضاع هذا المظروف … وقد حزنتُ عندما ضاع مني في البحر … ولكنه لم يكن شيئًا على الإطلاق … ولولا ضياعُه لأخذتُه أنا وعدتُ به إلى بلادي بمعلومات لا قيمة لها … والحمد لله أنه ضاع لأن ذلك أعادني إلى فينسيا … وجئتُ إليك، وقد قررتَ أن تُعطيَني الخطاب الأصلي الذي كتبه «بازوليني» لتقضيَ على العصابات الأربع، وتبقى أنت وحدك وعندك الغنائم كلها … وها أنت تستعد لمغادرة فينسيا … وربما إيطاليا كلها إلى الأبد.

كان «جياكومو» يستمع إلى «أحمد» وكأنه يغلي على النار. لقد كان كلُّ ذلك صحيحًا أنه هو «القط الأسود» الذي يُحرِّك العصابات كلها … ولم يكن «بازوليني» صديقه يعرف هذه الحقيقة. وعندما قرر «بازوليني» اعتزالَ التهريب، والوشاية بالعصابات قال لصديقه «جياكومو» الحقيقةَ دون أن يعرف أن صديقه هذا ليس إلا الزعيم الأكبر للعصابات كلها. وهكذا أطلق هو رجال العصابات خلف «بازوليني»، فقتلوه … وبقيَ المظروف عنده … ثم فكَّر في أن يُنهيَ أعماله ويقضي على رجال العصابات، فأعطى المظروف ﻟ «أحمد» وأخذ المبلغ الضخم الذي كان مرسَلًا ﻟ «بازوليني».

وقال «جياكومو» بصوت كفحيح الأفعى: وماذا تريد مني؟

أحمد: أريد أن تجلس وتكتب اعترافك في سطور قليلة … أنك أنت القط الأسود … الزعيم السري لاتحاد العصابات.

جياكومو: هل أقول لك على حلٍّ أفضل؟

أحمد: إنني مستمع.

جياكومو: سأتصل بالرجال الآن ليُطلقوا سراح «كارميلا» وأُعطيك المظروف الذي به النقود … وهكذا تكون قد حققت ما جئت من أجله واتركني وشأني.

فكَّر «أحمد» لحظات ثم قال: لا بأس.

وأمسك «جياكومو» بالتليفون وطلب رقمًا … ثم تحدَّث بصوت يختلف عن صوته تمامًا … صوت كأنه قادم من الفضاء … الصوت الذي يتعامل به مع العالم السفلي فلا يعرف أحد أنه «جياكومو» وتحدَّث في كلمات قليلة واضحة: أطلقوا سراح «كارميلا» فورًا!

قال «أحمد»: ولتُنقَل الآن إلى فندق «سان سباستيانو».

وأضاف «جياكومو»: وتُنقَل إلى فندق «سان سباستيانو» الآن.

ووضع «جياكومو» السماعة، فقال «أحمد»: اطلب فندق «سان سباستيانو». ودعني أتحدث إلى زملائي!

وأدار «جياكومو» الرقم ثم ناول «أحمد» السماعة … وطلب «أحمد» الغرفة رقم ١٦، وقلبُه يدقُّ بعنف، ولحسن الحظ سمع صوت «عثمان» على الطرف الآخر، وقال «أحمد»: «عثمان»، ستصل «كارميلا» الآن إليكم.

وحاول «عثمان» أن يتحدث، فقال «أحمد»: لا تقاطعني … خذوها إلى قصر «فرانك» وانتظروني! … ولكن «أحمد» لم يُكمل جملته؛ فقد طارت يدُ «جياكومو» كالرصاصة وأصابَت بطن «أحمد» في ضربة موجعة … واهتز «أحمد» … وكان هذا كافيًا لكي يقفز «جياكومو» عليه … والتحمَا في صراع عنيف ووقع المسدس من يد «أحمد» وأصبح بلا سلاح في مواجهة الثور الهائج.

كان «جياكومو» عملاقًا قويًّا رغم تقدُّمِه في السن … وكانت يداه الرهيبتان تحاولان القبض على عنق «أحمد» … ولكن «أحمد» بجسمه المرن وعضلاته الفولاذية استطاع أن يهرب من القبضتين القويتين.

تدحرجَا على أرض الغرفة وهما ملتحمان … وكلٌّ منهما يحاول مدَّ يده إلى المسدس واستطاع «جياكومو» بذراعه الطويلة أن يصل إلى المسدس … وفي هذه اللحظة انكشف وجهه وهو يرفعه إلى فوق … وطارت قبضة «أحمد» إلى أنفه في لكمة أودعها كلَّ قوته … وصاح «جياكومو» متوجعًا، ودارَت رأسه إلى الخلف، وابتعدَت يده عن المسدس … وسرعان ما كان «أحمد» يلفُّ ركبته حول رقبة القط الأسود … ويضغط بكل قوته … وتخاذلَت ذراعَا «جياكومو» … ومال «أحمد» بجسده وأمسك بالمسدس، ثم هوى به على رأس الثور الضخم فهمدَت حركتُه.

أسرع «أحمد» إلى سماعة التليفون، ولكنه سَمِع صوت أقدام مسرعة في الدهليز وأدرك أن بعض خدم الفندق سمع الضجة. وقفز «أحمد» إلى الباب وأغلقه. ثم عاد إلى التليفون. كان صوت إلهام يأتي صائحًا: «أحمد»! «أحمد»!

وردَّ «أحمد» بصوت لاهث: إنني في فندق «سانتا كيارا» … «جياكومو» هو زعيم العصابات السري … نفِّذوا التعليمات.

ووضع السماعة ثم أسرع إلى الحقيبة السوداء التي كانت على المكتب فأغلقها بعد أن وضع بها القفاز الأسود ثم فتح نافذة الغرفة التي تُطلُّ على الجانب الخلفي للفندق … ونزل مسرعًا، وهو يسمع باب الغرفة يتهاوى تحت أيدي خدم الفندق.

لحسن الحظ لم يرَه أحد … فانسلَّ في الظلام … وسرعان ما كان يستقل جندولا ويُسرع به إلى قصر «فرانك» … وعندما اقترب خفق قلبه سريعًا … هل وصلت «كارميلا»؟

وعندما توقَّفت الجندولا أمام القصر، أحس «أحمد» بشيء مريب … كان القصر صامتًا … ولا أثرَ لأحد في الحديقة … وسار محاذرًا في الظلام حتى اقترب من الباب الرئيسي للقصر وسمع صوتًا يقول: قف!

تصلَّبت عضلات «أحمد» … لقد غدر به «جياكومو» … وعاد صاحب الصوت يقول: تقدَّم ولا تحاول أن تفعل شيئًا!

وفي هذه اللحظة ضحك «أحمد» … فلم يكن الصوت الآمر العنيف إلا صوت «فرانك» وردَّ «أحمد»: ضع مسدسك جانبًا أيها الأمريكي … إنني ريمون!

وفتح باب القصر وظهر «فرانك» يحمل في يده مسدسًا ضخمًا، وقال: لقد اتصلوا بي وقالوا إنهم قادمون ومعهم المطربة «كارميلا» … وقد خشيت أن تكون العصابة تنوي الهجوم فقمتُ بإبعاد والدتي، وبقيت مع «نانسي»، كل واحد يحرس جانبًا من القصر.

أحمد: عظيم!

ولم يكادَا ينتهيان من حديثهما حتى سمعَا صوت قارب يقترب مسرعًا من القصر. وتواريَا في الظلام حتى نزل ركاب القارب … كان أولهم «عثمان»، وصاح «أحمد»: هل جاءت «كارميلا»؟

عثمان: إنها معنا.

وألقَت «كارميلا» نفسها بين ذراعَيه … وبكَت …

قال «أحمد»، وهو يربتُ على كتفها: كل شيء على ما يرام يا «كارميلا» … لقد كان انتصارنا كاملًا.

ودخلوا جميعًا القصر … وبسرعة روى «أحمد» أحداث الساعات الأخيرة … وفتحت «كارميلا» فمَها دهشةً عندما علمت أن «جياكومو» صديقَ والدها المخلص ليس إلا «القط الأسود» … أشهر مجرم في العالم السفلي.

وفي النهاية قال «أحمد»: إن معنا أسماء وأماكن وخطط اتحاد العصابات فهل نستخدمها في الهجوم عليهم … أم نعود إلى بيروت؟

ردَّت إلهام على الفور: لقد وصل تقرير اليوم يطالبنا بالعودة فورًا مهما كانت النتائج. إنه شديد القلق علينا.

أحمد: وكيف عرف مكاننا؟!

إلهام: لا أدري كيف عرف مكاننا … ربما له أعوان غيرنا في إيطاليا!

أحمد: إنه رجل مدهش حقًّا!

لم يَقُل أحد منهما إن التقرير من رقم «صفر» … ولكن ذلك كان مفهومًا … وقال «أحمد»: سنغادر فينسيا فورًا قبل أن يبدأ «جياكومو» هجومَه علينا … وسنأخذ «كارميلا» معنا.

فرانك: وأنا أيضًا … ومعي «نانسي»!

أحمد: مرحبًا بكما … وقد يكون لنا جولة ثالثة مع اتحاد العصابات، مَن يدري؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤